عكسي وتأثير سلبي، تضرّ ولا تفيد، وهي كالوباء، ولا خير فيها ولا بقاء. والله سبحانه يثبّت أهل الحق، ويضلّ أصحاب الظّلم والجور، قال الله تعالى واصفا ومقارنا بين الكلمة الطيّبة كلمة الحق، والكلمة الخبيثة: كلمة الباطل ومبيّنا مثل كلّ منهما:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
«١» «٢» «٣» [إبراهيم: ١٤/ ٢٤- ٢٧] .
هذه مجموعة من المعارف المتعلقة بالكلام وضرب الأشباه والأمثال لكل نوع منه، سواء أكان كلاما حسنا وحقّا ثابتا، أم كلاما سيّئا وباطلا زائلا. وهو تشبيه المعنويات بالحسّيات المشاهدات، لترسيخ المعاني في الأذهان، كما هو الشأن في بيان القرآن الوصفي البليغ المحكم. والمعنى:
ألم تعلم أيها المخاطب العاقل كيف ضرب الله لك مثل الكلمة الطيّبة ومثل الكلمة الخبيثة، إن الكلمة الطيّبة وهي كلمة الحق والتوحيد والإسلام ودعوة القرآن كالشجرة الطيبة وهي النخلة ذات الأوصاف الأربعة:
- فهي شجرة طيبة الرائحة والطعم والمذاق، جميلة المنظر والشكل. وطيبة المنفعة، يستلذّ بها الآكل، وينتفع بها الإنسان نفعا شاملا.
- وأصلها ثابت، أي راسخ باق متمكّن في الأرض، لا ينقلع، يدوم صيفا وشتاء.
стр. 1192
- وفرعها في السماء، أي شامخة مرتفعة في الجو الأعلى، بعيدة عن العفونات الأرضية، خالية عن الشوائب.
- تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها، أي تثمر في أدوار متعاقبة، كل وقت وقّته الله لإثمارها، بإرادة ربّها وإيجاده، وذلك في كل عام مرة.
قال ابن عباس ﵄ وغيره: الكلمة الطّيبة: هي (لا إله إلا الله) مثّلها الله بالشجرة الطّيّبة، وهي النّخلة في قول أكثر المتأوّلين، فكأن هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية، وما يتحصل منها من عفو الله ورحمته، هو فرعها يصعد في السماء من قبل العبد، ويتنزل منها من قبل الله ﵎، وهي نافعة في كل وقت.
وهكذا يضرب الله الأمثال للناس، فإن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير، وعظة، وتصوير للمعاني، وما أرسخ تشبيه المعنويات والمعقولات بالحسيات المشاهدة.
وبعضهم جعل المؤمن هو مثل الشجرة الطّيبة، فهو في جميع أيامه في عمل، وإذا كانت الشجرة لا تخلّ بالإتيان بالأكل أو الثمر في الأوقات المعلومة، فكذلك هو المؤمن لا يخلّ بما يسّر له من الأعمال الصالحة. وهذا مقبول فأصحاب الكلمة الطيّبة هم المؤمنون.
ومثل الكلمة الخبيثة، أي صفتها وهي كلمة الكفر وما قاربها من الكلام السوقي في الظلم ونحوه، كشجرة خبيثة وهي شجرة الحنظل أو الثوم، وتتصف بأوصاف ثلاثة هي:
- أنها خبيثة الطعم، ضارّة الرائحة.
- وأنها اقتلعت واستؤصلت، وليس لها أصل ثابت ولا عرق دائم.
стр. 1193
- وليس لها استقرار ولا دوام، وتقلبها الريح بعد اقتلاعها.
وأصحاب الكلمة الخبيثة هم الكافرون والعصاة، فالكافر لا يستقر بيده شيء، ولا يغني عنه كفره، كهذه الشجرة التي يظن من بعد أنها شيء نافع، وهي خبيثة الثمرة، غير باقية.
وأصحاب الكلمة الطّيبة: هم الفائزون بمرادهم في الدنيا. والله تعالى يثبّت أهل الإيمان بكلمة الإخلاص والنجاة من النار: (لا إله إلا الله) والإقرار بالنّبوة، يثبّتهم الله في الدنيا، أي مدة حياة الإنسان، ووقت السؤال في القبر بأن يخلق الله للإنسان في قبره إدراكات وتحصيلا. وفي يوم القيامة يثبّتهم عند العرض على الله. والتثبيت بحمايتهم من التّعرض للفتنة في دينهم في دار الدنيا، وبالتصريح بصحة المعتقد دون تلعثم ولا تحيّر من أهوال الحشر يوم القيامة. وكل هذا جائز في قدرة الله تعالى.
ويضلّ الله الظالمين أي يمنع الله الكافرين عن الفوز بثوابه، أو يتركهم وضلالهم لعدم استعدادهم للإيمان، وتجاوبهم مع الأهواء والشهوات.
ولله المشيئة المطلقة في الفريقين، يفعل الله ما يشاء، من هداية بعض وإضلال بعض، عملا بماله من حق الملك والسلطان.
والخلاصة: إن الآيات دعوة قوية صريحة للإيمان، وتحذير ورفض للكفر والضّلال.
أفعال الكفار والمؤمنين ومصير كلّ
إن رسالة القرآن رسالة تصحيح وتقويم، ونصح وإرشاد، وتحذير وترهيب، فترى آيات القرآن تحمل حملة عنيفة شديدة على الكفر وأهله، وما يصدر عنهم من أفعال ضارّة بأنفسهم وأمّتهم، وما يستحقونه من عذاب وعقاب في النار، وفي الواجهة
стр. 1194
الأخرى تمدح الإيمان والمؤمنين، وتزكّي أعمالهم الصالحة، وتدعوهم دائما إلى فعل الخير الفردي والجماعي، وتعدهم بجنان الخلد والعاقبة الطيبة، وهذا أنموذج للحالتين، قال الله تعالى:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٨ الى ٣١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» [إبراهيم: ١٤/ ٢٨- ٣١] .
هذا في الآية الأولى تنبيه على مثال عملي من الظالمين، حيث بدّلوا شكر نعمة الله كفرا، كقوله سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) [الواقعة: ٥٦/ ٨٢] .
ونعمة الله المشار إليها في هذه الآية: هو محمد ﵊ ودينه. أنعم الله به على قريش، فكفروا النعمة، ولم يقبلوها، وتبدّلوا بها الكفر، والمراد بالذين كفروا: قريش جملة، بحسب ما اشتهر من حالهم.
الآيات دعوة إلى التعجب من أمر كفار مكة وأمثالهم، الذين صدرت منهم أفعال عجيبة غريبة:
أولها- أنهم بدّلوا شكر نعمة الله كفرا وجحودا، وتسّببوا في إنزال قومهم الذين شايعوهم وأطاعوهم في الضّلال والتّبديل دار البوار، أي الهلاك في الآخرة الذي لا مثيل له، وهو إصلاؤهم وإدخالهم في نار جهنم، وبئس المستقرّ قرارهم.
وثانيها- أنهم جعلوا لله أندادا، أي اتّخذوا لله شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى عبادة الشركاء من الأصنام والأوثان.
стр. 1195
وثالثها- أنهم اتّخذوا الشركاء ذات الصفة الوثنية، لتكون عاقبة أمرهم وصيرورته إضلال من شايعهم واتّبعهم، وصرفهم عن دين الله، وإبقاءهم في مستنقع الكفر والضّلال.
والأنداد جمع ندّ: وهو المثل والشّبيه المناوئ، والمراد الأصنام. واستوجب هذا كله أن يهدّدهم الله ويتوعّدهم بقوله: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أي استمتعوا بما قدرتم عليه من نعيم الدنيا، فإن جزاءكم ومصيركم إلى النار، كما قال الله تعالى في آية أخرى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) [لقمان:
٣١/ ٢٤] .
ونظير هذه الآية في التهديد: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصّلت: ٤١/ ٤٠] وقوله سبحانه:
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ [الزّمر: ٣٩/ ٨] .
وبعد هذا التهديد للكفار، أمر الله نبيّه بأن يبلّغ الناس ويأمرهم بإقام الصلاة التي هي صلة بين العبد وربّه وأجلّ العبادات البدنية، ويأمرهم أيضا في سبيل المجتمع بالإنفاق في سبيل الله الذي هو عبادة مالية، وذلك مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة على الأقارب، والإحسان إلى الأباعد، والتّصدق على المحتاجين.
وإقامة الصلاة: أداؤها مستكملة الأركان والشروط، مع المحافظة على وقتها، والخشوع لله في جميع أجزائها.
ويكون الإنفاق مما رزق الله، في السّر (أي في الخفاء) وفي العلانية جهرا، قال البيضاوي: والأحب إعلان الواجب (أي في النفقة) وإخفاء المتطوع به.
وتكون المبادرة للصلاة والإنفاق وغيرهما من الطاعات، للخلاص بالأنفس والنّجاة من الهلاك، من قبل أن يأتي يوم القيامة، الذي لا بيع فيه ولا تجارة ولا فدية، ولا تنفع فيه صداقة ومخالّة، للصّفح والعفو والإنقاذ من العذاب، بل إنه يوم
стр. 1196
تكون فيه العدالة المطلقة والقسط، والقصاص من الظلمة وإنصاف الحقوق وردّها إلى أصحابها، كما قال الله تعالى في آية أخرى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحديد: ٥٧/ ١٥] وقوله سبحانه: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) [البقرة: ٢/ ١٢٣] .
وكل ما فيه مسارعة إلى الطاعة والتّقرب من الله ومرضاته: فيه الخير والسعادة للإنسان. وكل تباطؤ أو تقصير أو إهمال أو ترك لعبادة الله وطاعته: شرّ للإنسان ودمار وهلاك وتضييع للمصلحة بالخلود الأبدي في جنّات النّعيم.
التّذكير بآلاء الله والتّنبيه على قدرته
يتعهّد الله تعالى بفضله ورحمته عباده بين الفينة والأخرى، فيذكّرهم بما أنعم عليهم من نعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، ليحملهم على الشكر والطاعة، وينبّههم على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر، لتقوم الحجة عليهم من وجهين. وهذا كله دليل قاطع على وجود الله ووحدانيته، وسلطانه وتصرّفه في الكون والأنفس، مما يوجب على العباد الإيمان بربّهم، والثّقة بوعده، وشكر إحسانه ونعمه. قال الله تعالى معدّدا آلاءه ومذكّرا بقدرته:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
«١» «٢» [إبراهيم: ١٤/ ٣٢- ٣٤] .
стр. 1197
أورد الله تعالى في هاتين الآيتين عشرة أدلة على وجوده وقدرته وهي:
- خلق السماوات: فالله هو خالق السماوات سقفا محفوظا مزيّنا بالكواكب.
- وخلق الأرض فراشا ممهّدا للعيش، وأقام فيها المنافع الكثيرة.
- وأنزل المطر من السّحاب، فأحيا به الأرض بعد موتها، وأنبت به الزرع والشجر، وأخرج الأثمار والأرزاق المختلفة ذات الألوان والطّعوم والرّوائح والمنافع المتباينة. والتذكير هنا بالثمار النافعة، أما ما كان منها سمّا أو ضارّا فيسقط، وهذا أيضا نعمة أخرى.
- وسخّر لكم الفلك، أي ذلّل لكم السفن، بتعليم صنعها، وتسييرها على وجه الماء من بلد لآخر للركوب والحمل، بإذن الله ومشيئته.
- وسخّر لكم الأنهار، أي فجّر لكم ينابيع الماء الجاري في الأنهار، ويسّر توزيعها وتفرعها لسقي أكبر مساحة من الأرض والشجر والزرع.
- وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين، أي ذلّلهما وجعلهما يسيران في حركة دائمة، لدوام الخدمة والعمل. فهما دائمان في الطلوع والغروب وما بينهما من توفير منافع للناس لا تحصى كثرة، يفيدان على الدوام لإصلاح حياة الإنسان والحيوان والنبات والزروع والأشجار والثمار.
- وسخّر لكم الليل والنهار، أي جعلهما يتعاقبان ويتعارضان في وصال دائم، فمرة يطول الليل، كما في الشتاء، ومرة يطول النهار، كما في الصيف، ويقصر الآخر، وعلى العكس، وفي هذا التعاقب والتفاوت طولا وقصرا في الليل والنهار تحقيق الفائدة والخير للإنسان، فالليل للنوم والسكن فيه، وللراحة وقطع الأعمال، والنهار للسّعي والكسب والمعاش والتّقلب في شؤون الدنيا.
стр. 1198
- وآتاكم من كل ما سألتموه، أي أعطاكم يا جنس البشر سؤلكم وحقّق مطلبكم، من كل ما شأنه أن يسأله الإنسان وينتفع به، ولا يطرد هذا في واحد من الناس، وإنما تفرقت هذه النعم في البشر، فهم الأسرة الكبرى الذين ينتفعون بنعم الله، موزعة بحكمة إلهية، ونسب حسابية على وفق المصلحة التي يعلم بها الله لكل إنسان.
ومقتضى هذا أن النّعم كثيرة ومتنوعة ومتجدّدة أيضا، في الزمان والمكان. وهذا ما نشاهده في عصرنا الحاضر حيث امتلأت ساحات الحياة بألوان من النّعم في النفس والمنزل والشارع ومجالات العمل المختلفة.
لذا قال الله تعالى بعدئذ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي إن أردتم أيها البشر تعداد نعم الله المنعم بها عليكم لا تستطيعون حصرها وتحديدها وإحصاءها لكثرتها، وعظمها في الحواس والقوى، وإيجادها من العدم، إلى هداية الإيمان، ومدد الأرزاق المتواصلة.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ: أي إن الإنسان مع الأسف لا يقدّر النعمة ويظلمها بإغفال شكرها، والجحود بها، وعدم مقابلتها بالوفاء والعرفان. وهاتان الصفتان: الظلم والكفر موجودتان في الوسط الإنساني، قائمتان في كل إنسان، فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة، وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى، كما ذكر العلامة ابن عطية في تفسيره العظيم، فيكون الناس متفاوتين في اقتراف الظلم والكفر، فهناك من يلازم هاتين الصّفتين، وهناك من يصدر منه نسبة معينة منهما، والسعيد من تخلّص منهما بصفة نهائية تامّة.
стр. 1199
دعاء إبراهيم ﵇ في البيت الحرام
يلجأ الإنسان عادة للدعاء إما لدفع ضرر أو لجلب نفع، وهذا دليل على حاجة الإنسان لربّه، وإقرار بعبوديته له، واعتراف بربوبية الله وتوحيده، وإشعار بعظمة الله وقدرته، وتوجّه من الضعيف العاجز إلى صاحب السلطان المطلق والهيمنة التامة على المخلوقات. لكن قد يكون الدعاء تشريعا كدعاء إبراهيم ﵇ وهو مستقبل البيت الحرام، الذي كان فيه دلالة على مكانة البلد الحرام مكة، وسوء عبادة الأصنام، وإبانة لحقيقة الاعتقاد، وشكر على نعم الله، وطلب المغفرة منه لنفسه ووالديه والمؤمنين. وهذا إظهار للإخلاص، ومحبة أهل الإيمان، وتعظيم أماكن الشعائر الدينية. قال الله تعالى مدوّنا على الدوام شمول هذا الدعاء:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٥ الى ٤١]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)
«١» «٢» [إبراهيم: ١٤/ ٣٥- ٤١] .
تكرّرت كلمة رَبِّ في هذا الدعاء لإبراهيم الخليل ﵇ ثلاث مرات، للدلالة على الصّلة الخاصة بالله والعجز والضعف أمام الله، وشدّة الحاجة إليه.
стр. 1200
وتكرّرت كلمة رَبَّنا في هذه الآيات أربع مرات لتعظيم الله وتقديسه. وكان هذا الدعاء الشامل تشريعا وتعليما، وتذكيرا من الله تعالى للمؤمنين والمشركين في مكة وغيرها بمكانة مكة والبيت الحرام فيها، وبوجوب تطهيرها من الأصنام والأوثان، وقيام ذرّية إبراهيم فيها بإقام الصلاة، والالتفات إلى تهيئة الأرزاق والثمرات فيها للانصراف للعبادة وشكر النعمة الإلهية، والله عليم بأحوال عباده كلها، السّري منها والعلني، وكانت الخاتمة طلب إجابة الدعاء، والمغفرة الشاملة لأهل الإيمان. أول صيغة هذا الدعاء: طلب إبراهيم ﵇ جعل مكة بلدا ذا أمان واطمئنان واستقرار لتصفو للعبادة، وكيلا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد.
وقد أجاب الله الدعاء، فكانت مكة بلدا آمنا على الدوام للإنسان والطير، والنبات والشجر.
والطلب الثاني في هذا الدعاء: جعل العبادة خالصة لله تعالى على منهج التوحيد، واجتناب عبادة الأصنام، والأصنام هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتا على غير خلقة، فهي أوثان. وكانت هذه الأصنام سببا للضلال، وعرضة للإضلال والغي، وسوء الأعمال وانحدار مستوى الكرامة الإنسانية. فمن صدّق إبراهيم ﵇ في دينه واعتقاده وسار على منهجه في الإيمان بالله والتوحيد الخالص لله، فإنه على سنّة إبراهيم وطريقته. ومن خالفه وعصاه فهو ليس على ملّة إبراهيم، وأمره إلى الله الغفور الرحيم، وهذه شفاعة في العصاة غير الكفار.
وفي الطلب الثالث: إعلام من إبراهيم ﵇ أنه أسكن بعض ذرّيته عند البيت الحرام، في واد غير ذي زرع، لإقامة الصلاة، وجعله محرّما ليتمكّن أهله من العبادة، فاجعل يا ربّ بعض القلوب تحنّ إليه، وتهفو وتميل إلى رؤيته، وأمدّهم برزق الثمار الموجودة في سائر الأقطار، حتى لا يلتفتوا إلى شيء منها، ويكون ذلك
стр. 1201
عونا لهم على طاعة الله والتّفرغ لها، فيكون ذلك سببا لشكر الله على جزيل نعمته وفيض فضله ورحمته.
وإبانة لعنصر الإخلاص ضمّن إبراهيم ﵇ دعاءه بإظهار أن ربّه عليم بقصده في دعائه، وهو التوصل إلى رضاه والإخلاص له، وأن الله يعلم بجميع أحوال العباد ومصالحهم، ويعلم بالأشياء كلها ظاهرها وباطنها لا يخفى عليه شيء منها في الأرض ولا في السماء، فلا حاجة لتحديد المطالب الجزئية، وإنما تدعو الله لإظهار العبودية لله، وبيان الافتقار لرحمته والحاجة لفضله.
والطلب الرابع في الدعاء: إظهار الحمد والشكر لله على إنعامه بولدين لإبراهيم:
إسماعيل وإسحاق، في وقت الكبر، علما بأن الله سامع الدعاء من كل داع، مجيب من تضرّع إليه.
والطلب الخامس في هذا الدعاء: التوفيق لإقامة الصلاة من إبراهيم ﵇ ومن ذرّيته، ورجاء إجابة هذا الدعاء كله.
والطلب السادس في دعاء إبراهيم: طلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات في يوم الجزاء والحساب على الأعمال كلها خيرها وشرها، وهذا دليل المحبة لجميع أهل الإيمان.
وكل هذه الأدعية تعليم لنا بأن ندعو بها، ونداوم على التوجّه بها إلى الله ربّنا.
التّذكير بأهوال القيامة
لا شكّ في عقيدة أهل العقل والإيمان بوجود عالم آخر بعد الدنيا، هو عالم القيامة، المشتمل على أحداث جسام وأهوال عظام، وتصفية للحساب الشامل
стр. 1202
للعباد، فيكون التذكير بيوم القيامة وما فيه من مشاهد ضرورة دينية تشريعية، ينبغي أن يشتمل القلب عليها، ويستعدّ العبد للقاء ربّه في هذا اليوم الرهيب. وهذا ما تفضّل الله ببيانه في هذه الآيات الشريفة:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٢ الى ٤٦]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [إبراهيم: ١٤/ ٤٢- ٤٦] .
هذه الآيات بجملتها فيها وعيد للظالمين، وإيناس للمظلومين. وتتضمن قرارا حتميّا بأن الله مطّلع على أعمال الظالمين الكافرين، غير غافل عنها، وإنما هو يمهلهم ويؤخرّهم للحساب على أعمالهم في الوقت المناسب، وفي اليوم الحاسم الموصوف بالصفات الآتية:
- أنه يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، أي شديد الأهوال، ومن شدّتها تظل فيه الأبصار مفتوحة، لا تطرف ولا تغمض، من شدة الفزع والحيرة والدهشة.
- ويأتي الناس فيه من قبورهم مهطعين، أي مسرعين إلى المحشر بالذّل والهوان، لشدة خجلهم من سوء الاعتقاد والأفعال والأقوال.
- ويكونون فيه أيضا مقنعي رؤوسهم، أي رافعي رؤوسهم، ينظرون في ذلّ وخشوع، ولا يلتفتون إلى شيء، كأن رؤوسهم يابسة محنّطة.
стр. 1203
- ولا يرتدّ إليهم طرفهم، أي لا يرجع إليهم تحريك الأجفان، بل تظل أبصارهم شاخصة، مفتوحة، تديم النظر، لا يطرفون ولا يغمضون، لشدة الهول والفزع.
والمراد دوام الشخوص والنظر.
- وتكون أفئدتهم هواء، أي تصير قلوبهم خاوية خالية، لا شيء فيها من القوة، مضطربة، لكثرة الخوف. والمراد أن قلوب الكفار في يوم القيامة تكون خالية من الخواطر والآمال والسرور، لعظم الحيرة والدهشة، لما رأوه من عقاب، وما ينتظرهم من عذاب.
ثم جاء الإنذار الإلهي المقصود به تلافي الأسباب المؤدية للعذاب، ومضمونه:
وخوّف أيها النّبي الناس جميعا من أهوال عذاب القيامة، حين يأتي العذاب، ويقول الذين ظلموا أنفسهم حين معاينة العذاب هلعا واضطرابا: ربّنا ردّنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى وقت قريب آخر، قريب العودة إليك، نتدارك فيه ما فرّطنا في الدنيا، من إجابة دعوتك إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لك، واتّباع رسلك فيما أرسلتهم به.
فردّ الله تعالى عليهم موبّخا: أولم تكونوا حلفتم من قبل هذه الحالة، حينما كنتم في الدنيا: أنكم إذا متم لا زوال لكم عما أنتم عليه، وأنه لا بعث ولا معاد ولا جزاء، فكنتم تنكرون القيامة والحساب، وتزعمون أنه لا انتقال لحياة أخرى.
والحال أنكم سكنتم أو أقمتم في مساكن الظالمين أنفسهم المفسدين في الأرض، ورضيتم بأفعالهم وصاحبتم الظالمين الكافرين، وسرتم مسيرتهم، ورأيتم ما فعلنا بهم من الإهلاك والعقاب لتكذيبهم وجحودهم وصدودهم عن دعوة الحق، وعاينتم آثار عذابهم، وضربنا لكم الأمثال والعبر، وهو أن الله قادر على الإعادة، كما قدر على ابتداء الخلق، وهو قادر على العذاب المؤجل، كما قدر على العقاب المعجّل، ولكنكم لم تتعظوا ولم تعتبروا.
стр. 1204
والحال أيضا أنه لم تتغير حالكم عن حال من سبقكم، فإنهم مكروا مكرهم جهد طاقتهم في إبطال الحق وتقرير الباطل ومعارضة الرّسل، وعند الله العلم بمكرهم وتدبيرهم، وأن الله سيجازيهم على مكرهم، الجزاء العادل، والحساب الشديد، وإن كان مكرهم شديدا، أي كافيا لتذهب به عظائم الأمور، ويصلح لزحزحة الجبال عن أماكنها. ومعنى الآية: تعظيم مكرهم وشدته.
الجزاء العادل يوم القيامة
إن وجود يوم القيامة من أجل إقامة الحق المطلق والعدل الشامل، فإذا تشكك المشككون بوجود هذا اليوم، فإنهم مخطئون لأنهم يعارضون الحقيقة، ويصادمون الحكم العقلي الصائب في أنه لا بد من يوم يتحقق فيه التناصف، فيعاقب الظالم وينتصف المظلوم، لذا أنذر الله تعالى الناس قاطبة بهذا اليوم الذي ينتظرهم، ليجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهو يوم تتغير فيه معالم السماوات والأرض. قال الله تعالى واصفا هذا اليوم:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٧ الى ٥٢]
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [إبراهيم: ١٤/ ٤٧- ٥٢] .
هذه الآيات تثبيت للنّبي ﷺ ولغيره من أمّته، ولم يكن النّبي ممن يحسب مثل
стр. 1205
هذا، ولكن خرجت العبارة هكذا لأن النّبي قائد الأمة، فيبدأ بخطابه. والمراد بها الزجر واستئصال الشّك في مجيء القيامة. والمعنى: لا تظنّن أيها الرسول أن الله مخلف رسله وعده، بل هو منجز لهم ما وعدهم به. ويراد بهذا الخبر زرع الثقة بوعد الله بنصر المؤمنين وتعذيب الظالمين، كما جاء في آية أخرى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) [المجادلة: ٥٨/ ٢١] . وبعبارة أخرى:
لا تحسب يا محمد- أنت ومن اعتبر بالأمر من أمّتك- وغيرها أن الله لا ينجز وعده في نصر رسله، وإظهارهم على أعدائهم، ومعاقبة من كفر بهم في الدنيا والآخرة، فإن الله عزيز قوي لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة، ولا سبيل إلى عفوه عنهم.
ثم أخبر الله تعالى عن وقت انتقامه من أعدائه، وهو اليوم الذي تبدّل فيه الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة، وتبدل أيضا السماوات غير السماوات. أما الأرض الحالية فتصبح كالدخان المنتشر، وأما السماوات فتتبدّد وتزول كواكبها وشمسها وقمرها، وتسقط وتتلاشى. وفي ذلك اليوم يبرز الناس في فضاء واحد، وتخرج الخلائق جميعها من القبور، انتظارا لحكم الله الواحد، الذي قهر كل شيء وغلبه، كما في آية أخرى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:
٤٠/ ١٦] . وفي هذا تهويل وتخويف.
ولما وصف الله تعالى ذاته بكونه قهارا، وصف عجز الناس أمامه، وذكر من صفاتهم:
- كون المجرمين مقرنين في الأصفاد، أي جعل الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم مقيّدين بعضهم إلى بعض في الأغلال أو القيود، يجمع الله بين النظراء المتماثلين في الجرم، كل صنف مع نظيره.
стр. 1206
- وسرابيلهم من قطران، أي قمصهم وثيابهم وجلود أهل النار تطلي بالقطران، حتى تصبح الجلود كالسرابيل.
- وتغشى وجوههم النار، أي تحيط النار بأجسادهم. وإنما ذكرت الوجوه لأنها أشرف الأعضاء وأعزّها.
وأنفذ على المجرمين هذا العقاب، ليكون في ذلك جزاء المسيء على إساءته، ويجازى المحسن أيضا بإحسانه خيرا. وفي هذا عدل تام، حيث يجازى كل شخص بما يليق بعمله وكسبه من خير أو شرّ، كما في قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النّجم: ٥٣/ ٣١] .
والله سريع الحساب، يحاسب جميع العباد بسرعة فائقة، وذلك في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما جاء في الحديث لأن الله تعالى محيط علمه بدقيق أمور الخلائق وجليلها، لا إله غيره.
قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب الله العباد في وقت واحد مع كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد.
هذا القرآن والوعيد الذي تضمنه: تبليغ للناس وكفاية في الموعظة، ومعنى الآية:
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ: هذا ذو بلاغ للناس، وهو ليكون منذرا للناس بالعقاب، ومحذّرا من العذاب، وليستدلّوا بما في القرآن من حجج ودلالات على أنه لا إله إلا هو، وليتذكر ويتّعظ به ذوو العقول، فيكون لهذا البلاغ ثلاث فوائد: وهي التخويف من عذاب الله، والاستدلال به على وجود الخالق ووحدانيته، والاتعاظ به وإصلاح شؤون الإنسان. سئل بعضهم: هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم، قيل: وأين هو؟
قال: قوله تعالى:
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) [إبراهيم: ١٤/ ٥٢] .
стр. 1207
تفسير سورة الحجر
لا عقاب قبل البيان الإلهي
ليس في ميزان الشّرع والعقل عقاب أحد قبل بيان التّكليف، والإنذار قبل العذاب لأن المكلف بشيء يحتاج لفترة يتمكن بها من تنفيذ الخطاب التكليفي، وفي تلك الفترة يظهر كونه طائعا أو عاصيا. وهذا منهاج القرآن في كل أمّة، لم يهلكها بسبب فواحشها قبل إنزال كتاب إلهي، يطالبها بأن تفعل الخير، وتتجنب الشّر، وتعمل المعروف، وتحذر المنكر. وهذا ما نجده واضحا في مطلع سورة الحجر في قوله تعالى:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)
«١» «٢» «٣» [الحجر: ١٥/ ١- ٥] .
ابتدأت سورة الحجر كغيرها من بعض السور بالحروف المقطعة الر بقصد التّنبيه وتحدّي العرب أهل البلاغة والفصاحة بأن يأتوا بمثل القرآن أو بعضه، علما بأنه مكوّن من هذه الحروف الهجائية التي تتركّب منها لغتهم.
стр. 1208
لذا اقترنت هذه الحروف غالبا بالكلام عن القرآن: لتلازم الأمرين معا، فأخبر سبحانه أن آيات القرآن الكريم في هذه السورة وغيرها، هي آيات الكتاب الكامل في كل شيء، وآيات البيان الفصيح المعجز، مما يدلّ على أن القرآن المبين هو الكتاب الجامع للكمال، والغرابة في البيان، كما قال الزمخشري ﵀.
ولكنّ الكفار والمشركين سيندمون حتما يوم القيامة على ترك الإيمان بالقرآن، وعلى ما كانوا عليه في الدنيا من كفر وضلال، ويتمنّون لو كانوا في الدنيا مسلمين مؤمنين، كما في آية أخرى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) [الأنعام: ٦/ ٢٧] .
فعند دخول الكفار النار، ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنّة، يودّون لو كانوا مسلمين، فينجون النجاء الذي مانعة أن لم يكونوا مسلمين. فإن النجاة في الآخرة بالإيمان والإسلام وحده دون غيره.
وإذا كان هذا حال الكفار، فهم بأشد الحاجة إلى التذكير والتنبيه، فكان مناسبا إيراد الوعيد والتهديد، فقال الله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا أي اترك يا محمد الكفار في ملاهيهم وتمتّعهم باللذات في دنياهم، يأكلون كما تأكل الأنعام، وتلهيهم الآمال عن التوبة والإنابة، أو عن الآخرة، وأجل الموت، فسوف يعلمون عاقبة أعمالهم وأمرهم، ثم ختمت الآية بوعيد ثان، وهو قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال بعض العلماء كما ذكر الطبري: الوعيد الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين؟! ومعنى قوله تعالى: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي يشغلهم أملهم في الدنيا، والتزيد فيها عن النظر والإيمان بالله ورسوله.
ثم جاء البيان الإلهي العظيم، والاعلام بأنه لا عقاب قبل بيان، ولا عذاب قبل
стр. 1209
إنذار وكتاب إلهي، فقال سبحانه: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) أي لا تستبطئن هلاكهم، فليس من قرية أهلكت إلا بعد قيام الحجة عليهم، وإبلاغهم طريق الرّشد والحق، ولم يكن الهلاك إلا بأجل مقرر محدود، وكتاب واضح الشرائع والأحكام، وإنذار سابق بالعذاب، حتى تترك الفرصة لهم بالعدول عن عصيانهم، ومبادرتهم إلى سلوك جادة الاستقامة.
والمقصود بالآيات: أنه لو شاء الله، لعجّل العذاب للكفار المستكبرين، ولكن اقتضت حكمته إمهالهم لعلهم يتوبوا، فإن لكل أمّة أجلا معيّنا، لا تأخير فيه ولا تقديم، والله تعالى يمهل ولا يهمل.
وهذا تنبيه وتحذير شديد لأهل مكة وأمثالهم، وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشّرك والعناد والإلحاد الذي يستحقّون به الهلاك، كما قال ابن كثير.
وأما الناس اليوم وربما في المستقبل، على الرغم من تقدم العقل البشري ونضجه، واكتشاف آفاق العلوم والمعارف الكونية، فإنهم فيما يتعلّق بالدين ما يزالون متأثّرين بالتقاليد الموروثة، وبالبيئات المعايشة، وبما يوجّههم إليه رجال الدين وسدنة الإرث القديم. ولكن التّمسك بالتقليد وإهمال دور العقل مرفوض في ميزان الحق والمسؤولية والحساب الإلهي في الدنيا والآخرة.
الرّد على مطاعن المشركين بالنّبي ﷺ
على الرغم من أن انتقادات المشركين وهم كفار قريش حول القرآن والرسول واهية ساقطة وسخيفة، فإنها كانت خطيرة تستوجب الإبطال والرّدع والتّوبيخ، لأنها لا تستند إلى منطق صحيح، ولا لحجة مقبولة، فضلا عن أنها تصادم الآداب والأعراف والواقع المشاهد، فهم يتّهمون النّبي ﷺ بالجنون والسفاهة، ويطالبون
стр. 1210
بإنزال الملائكة، ويستهزئون بكل رسول جاءهم، فكانوا في هذا كله أغبياء حيارى عمي البصر والبصيرة. وهذا ما حكاه القرآن العظيم في قوله تعالى:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦ الى ١٥]
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» »
«٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الحجر: ١٥/ ٦- ١٥] .
القائلون هذه المقالة من كفار قريش: هم عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة من صناديد قريش. إنهم قالوا استهزاء وتهكّما: يا أيها الذي تدّعي نزول القرآن عليك، إنك متّصف بالجنون، حينما تدعونا إلى اتّباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا، فلا نقبل دعوتك.
لوما بمعنى لولا، أي لو كنت ما تدّعيه حقّا وصدقا، فهلا تأتينا بالملائكة يشهدون لك بالصدق وبصحة ما جئت به، وتأييد إنذارك، إن كنت صادقا في ادّعاء النّبوة.
فأجابهم الله تعالى بأننا لا ننزل الملائكة إلا بحق وحكمة ومصلحة نعلمها، أي كما يجب ويحقّ من الوحي والمنافع التي نراها للعباد، من رسالة أو عذاب، لا
стр. 1211
بحسب اقتراح الكافر، ولا باختيار معترض. وعادة الله في الأمم أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في أثرها إن لم يؤمنوا، وكأن الكلام: ما ننزل الملائكة إلا بحقّ واجب، لا باقتراحكم، ثم لو نزلت الآية لم ينظروا أو لم يمهلوا بعد ذلك بالعذاب، أي لم يؤخّروا. وهذا ردّ على مقالة المشركين الأولى المطالبة بإنزال الملائكة.
ثم ردّ الله تعالى على مقالتهم الثانية التي تتضمن اتّهام النّبي بالجنون، بقوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) .
أي إن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن على الرسول النّبي محمد ﷺ ، ونحن نحفظه ونصونه من التّبديل والتغيير الذي جرى في سائر الكتب المنزلة، وهو تبديل اللفظ، لا مجرد التأويل. وهذه الآية بمعنى قوله تعالى عن القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصّلت: ٤١/ ٤٢] .
ثم آنس الله تعالى نبيّه وسرّى عنه وعرض له أسوة، وهي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الاستهزاء واتّهام الجنون وغير ذلك، فقد تقدم منا إرسال الرسل للأمم الماضية في شيعها وطوائفها وفرقها، وكانت سيرتهم الاستهزاء بالرسل والتكذيب والكفر برسائلهم الإلهية.
وهذا الاستهزاء أو الشّرك ونحوه من التكذيب أجراه الله في قلوب المجرمين الذين عاندوا، وتكبّروا عن اتّباع الهدى، ومثل ذلك التكذيب والكفر الذي أدخلناه في قلوب المجرمين السابقين، ندخله في قلوب المجرمين الجدد، وهم لا يؤمنون بالرّسل، وأصبح ذلك سنّة وعادة متّبعة في الماضين على هذه الوتيرة، التي استوجبت تدمير كل من كذب الرّسل، وإنجاء الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة، وسنفعل بالمجرمين اللاحقين كما فعلنا بالسابقين.
ثم أخبر الله تعالى عن شدة عناد- قريش وكفرة العصر بأنه لو فتحنا على هؤلاء
стр. 1212
المعاندين بابا من السماء، فجعلوا يصعدون فيه، أن تصعد فيه الملائكة، لما صدّقوا بذلك، بل قالوا: إنما منعت وسدّت أبصارنا من الرؤية والإبصار، وقد شبّه علينا، واختلطت الأمور في أذهاننا، وأصبحنا لا نرى إلا أخيلة، كالقوم المسحورين، سحرنا محمد بآياته، كما في آية أخرى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) [الأنعام: ٦/ ٧] .
وخلاصة المعنى: بلغ من عناد المشركين في مكة وأمثالهم أنهم لو صعدوا في السماء حقيقة، ورأوا الآيات عيانا، لقالوا: هذه أوهام وأخيلة، وقد سحرنا محمد، وهذا منتهى العناد والإعراض. وتشير الآية إلى وجود الظلام في الفضاء الخارجي.
بعض مظاهر قدرة الله تعالى
يتكرر التّذكير ببعض مظاهر قدرة الله تعالى في آيات القرآن، لا سيما في حال وصف عناد الكفرة والمشركين وتهديدهم بالعذاب، وإنذارهم بالعقاب، فإن الله قادر على كل شيء، وهذا يدعو العقلاء إلى التزام جادة الاستقامة، والزحزحة عن مواقف الكفر وتكذيب الرّسل، ففي الكون أرضه وسمائه عبر منصوبة تدعو للإيمان.
وكفر الكافرين وإعراضهم عنها، أي عن العبر والآيات إصرار منهم وعتوّ، قال الله تعالى مبيّنا بعض آيات قدرته:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٦ الى ٢٥]
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 1213
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحّجر: ١٥/ ١٦- ٢٥] .
هذه آيات تذكّر الكافرين بكمال قدرة الله تعالى، وأدلة وحدانيته في السماوات والأرض، وهي مبدوءة بالقسم الإلهي، أي والله لقد أوجدنا في السماء نجوما عظاما من الكواكب الثوابت والسيارات، ذات بروج: أي منازل، والمراد هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السّيارة، وزيّنا السماء للناظرين المتأمّلين فيها. ومنعنا الاقتراب من السماء، كل شيطان رجيم، أي مرجوم بالشّهب، كما دلّت الأحاديث الصّحاح. لكن من استرق السمع وحاول معرفة الأسرار الإلهية، فإنه يدمّر بشهاب واضح، أي بجزء منفصل من الكوكب، وهو نار مشتعلة، فتحرقه. ودلّت الأحاديث على أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه اشتدّ في وقت الإسلام، وحفظت السماء حفظا تامّا.
وجعل الله تعالى الأرض في مرأى العين ومن أجل التمكن من الانتفاع ممدودة الطول والعرض، ممهدة للانتفاع بها، وثبّت الله الأرض بإلقاء الجبال الرواسي في جوانبها المختلفة، كيلا تضطرب بالإنسان، وأنبت الله في الأرض الزروع والثمار المناسبة، المقدرة بميزان معلوم، فقوله تعالى: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي أوجدنا فيها كل شيء مقدّر بقدر معلوم، موزون بميزان الحكمة، مقدّر محدّد بقصد وإرادة.
стр. 1214
وجعل الله في الأرض معايش، أي أعدّ للناس أسباب المعيشة والحياة الملائمة، من غذاء ودواء، ولباس وماء ونحو ذلك، وجعل فيها أيضا الخدم والدّواب والأنعام التي لستم أيها العباد برازقين لها، وإنما يرزقها الله وإياكم.
ثم أخبر الله تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء يسير سهل عليه، وعنده خزائن الأشياء من جميع الأصناف، من نبات ومعادن، ومخلوقات لا حصر لها، فكل ما ينتفع به الناس في الكون، الله قادر على تكوينه وإيجاده، ولا يعطيه ولا يمنحه إلا بمقدار معلوم.
وأرسل الله الرياح الخيرة تحمل السّحب المشبعة بالرطوبة لإنزال الأمطار، وجعل الرياح واسطة لتلقيح الأشجار، بنقل طلع الذكور ولقاحها للإناث، ليتكون الثمر، كما يسوق الله الغيوم بالرياح لإنزال الأمطار التي تسقى بها الزروع والثمار والمواشي، كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٢١/ ٣٠] .
ومن أعظم النّعم أن الله تعالى خازن الأمطار في السّحب وجوف الأرض، وليس البشر بخازنين ولا حافظين له، وينزله الله ويحفظه في الأرض، ويجعله ينابيع، ولو شاء الله تعالى لغوّره وذهب به في أعماق الأرض، ولكن من رحمته أبقاه للناس طوال السنة.
ومن عظيم قدرة الله: إحياء الخلق من العدم ثم إماتتهم ثم بعثهم أحياء، وينفرد الله حينئذ بإرث الأرض ومن عليها، والله يعلم كل من تقدّم وهلك من لدن آدم ﵇، ومن هو حيّ، ومن يتأخر وجوده إلى يوم القيامة. ثم إن الله يحشر الناس ويجمعهم إليه جميعا يوم القيامة، ليحاسبهم، إنه سبحانه حكيم يضع الأشياء في محالّها ويتقنها، واسع العلم، أحاط علمه بكل شيء. وكل ذلك دليل على قدرة الله تعالى وتوحيده وإيجاب عبادته.
стр. 1215
بدء خلق آدم ﵇ وتكريمه
أقام الله تعالى أدلّة حسّية مشاهدة على قدرته وتوحيده وعبادته، منها خلق السماوات والأرض، كما تقدّم، ومنها خلق الإنسان من طين، حين بدأ خلقه بآدم ﵇، ومنها خلق الجنّ من النّار. وتكريما للجنس الإنساني أمر الله تعالى الملائكة جميعا وإبليس بالسجود لآدم سجود تحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، وهذا دليل التكريم والتقدير، قال الله تعالى مبيّنا تلك القصة:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٦ الى ٣٣]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [الحجر: ١٥/ ٢٦- ٣٣] .
هذا دليل آخر على قدرة الله تعالى، فكما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما، بدأ خلق الإنسان، أي جنسه من طين، والمراد: آدم ﵇، والأهم الأعظم هو نفخ الروح وإبداع الخلق، وأما المادة التي دبّت فيها الحياة بالروح فهي التراب الذي عبّر الله عنه مرة بالطين ومرة بالصلصال كالفخار، ومرة بالطين اللازب، للدلالة على مراحل الخلق، فقد بدأ الله خلق آدم أولا من تراب، ثم من طين، ثم من صلصال، أي من طين جاف يابس، ومن حمأ مسنون، أي من طين أسود متغير منتن.
ودليل آخر على القدرة الإلهية: أن الله تعالى خلق الجنّ أي جنس الشياطين من نار شديدة الحرارة، هي نار السّموم، قبل خلق آدم. قال ابن مسعود: هذه السموم
стр. 1216
جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجانّ. وقالت عائشة فيما روى مسلم وأحمد: «خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . وهذا مأخوذ من قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) [الرّحمن: ٥٥/ ١٤- ١٥] .
وهذا إشارة إلى برودة طبع الإنسان، وحرارة طبيعة الجنّ. والمراد بهذه الخلقة:
إبليس أبو الجنّ. سئل وهب بن منبّه عن الجنّ، فقال: هم أجناس، فأما خالص الجنّ فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس تفعل هذا كله، منها السعالي والغول وأشباه ذلك.
ثم أراد الله تعالى تشريف آدم أبي البشر ﵇ وإكرامه، فأمر الملائكة بالسّجود له: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) ومعنى الآيات:
اذكر أيها الرسول لقومك حين أمرت الملائكة الموجودين قبل خلق آدم بالسجود له، بعد اكتمال خلقه وإتقانه وتسوية أجزائه على ما يجب، من طريق إحيائه بنفخ الروح من الروح التي هي لي، فقوله: مِنْ رُوحِي إضافة خلق وملك إلى خالق مالك، أي بدأت خلقه من روحي، ولفظ الروح هنا للجنس، ولفظة فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ تقوّي أن سجود الملائكة إنما كان كالمعهود من السجود عندنا، لا أنه خضوع وتسليم وعبادة.
وامتثل الملائكة أمر الله، فسجدوا كلهم جميعا، أي مجتمعين دفعة واحدة، لم يبق منهم أحد، وجميعهم سجد في موضع واحد، إلا إبليس فإنه تخلّف عن السجود لآدم، حسدا وكفرا، وعنادا واستكبارا، وافتخارا بالباطل لأنه في زعمه خلق من نار تتصف بالسّمو والارتفاع، وآدم خلق من تراب موصوف بالركود والخمود والانخفاض. وأدى به الغرور إلى عصيان الأمر الإلهي بأنه خير من آدم، فإنه خلق من
стр. 1217
النار، وآدم من الطين، والنار أشرف من الطين، والأعلى لا يعظم الأدنى، وذلك قياس فاسد لأن خيرية المادة لا تعني خيرية العنصر، بدليل أن الملائكة من نور، والنور خير من النار. وغرور إبليس مشتمل أيضا عدا الكبر على جهل بأن آدم امتاز باستعداد علمي وعملي لتلقي التكاليف، وتقدم الكون وعمارة الأرض.
لذا عاقبه الله بالطرد والإخراج من الجنة، كما سيأتي بيانه، وسجّل إبليس على نفسه المعصية الدائمة، وكأنه قال: «وهذا جور» وأحسّ بالنزعة الطبقية، وبأن هناك تفاوتا في درجات المخلوقين، منهم الفاضل، ومنهم المفضول، ولكن الله تعالى سوّى بين جميع المخلوقات في الفضائل، فكلهم أمام الله سواء، والرّب وحده هو المتميّز الأعلى من الجميع.
قصة طرد إبليس من الجنّة
كان الجزاء العادل من الله تعالى على عصيان إبليس أوامر ربّه، وإصراره على ذلك: هو الطّرد من الجنّة دار النعيم لأنه لا يعقل أن يحظى أحد بالخلود في دار النعيم، مع تمرّده وعصيانه ومخالفته أمر المنعم عليه. وأدمن إبليس على المعصية ومعارضة الله، فأصّر على إغواء البشر وإضلالهم بسبب غوايته وضلاله، فصار ممثلا عنصر الشّر المحض، وعدو الإنسان إلى يوم القيامة. وهذا ما سجّلته الآيات التالية:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٤ الى ٤٤]
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)
لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
«١» «٢» «٣»
стр. 1218
«١» «٢» «٣» «٤» [الحجر: ١٥/ ٣٤- ٤٤] .
استحقّ إبليس بعصيان أمر الله الطرد والإبعاد من الجنة، وهي وإن لم تذكر في هذه الآية، فالقصة تتضمنها، أمره الله بالخروج منها، وجعله مرجوما، أي مطرودا مبعدا، لا يستحق الإكرام والمنزلة العالية. وصبّ الله تعالى عليه اللعنة، أي الطّرد من رحمته إلى يوم القيامة، فهو آخر من يموت من الخلق.
فلما تلقى إبليس هذا الجزاء، طلب الإمهال إلى يوم البعث من القبور، وحشر الخلق ليوم الحساب، إمعانا في الكيد لآدم، وحسدا له ولذرّيته. فأجاب الله طلبه، وأخّره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق. وقوله المتكرّر: رَبِّ إقرار بالرّبوبية والخلق.
فلما تحقق إبليس الانتظار ليوم البعث قال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي أقسم بالإغواء الذي قدرته علي وقضيت به، لأزينن لذرّية آدم الشّهوات والمعاصي والأهواء في الأرض، وأحبّب لهم المعاصي، وأرغّبهم فيها أجمعين دون أن أترك أحدا، إلا المخلصين من عبادك، الذين أخلصوا لك في الطاعة والعبادة والتقوى والإيمان بك وبرسولك.
ردّ الله تعالى على إبليس مهدّدا ومتوعّدا بقوله: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ أي هذا الطريق في العبودية أو الإخلاص إلي مستقيم، يؤدي إلى كرامتي وثوابي، والعرب
стр. 1219
تقول: «طريقك في هذا الأمر على فلان» أي إليه يصير النظر في أمرك، وهذا خبر يتضمن وعيدا.
ثم ابتدأ الله الإخبار عن سلامة عبادة المتّقين من إبليس، وخاطبه الله تعالى بأنه لا حجة له عليهم، ولا سلطان ولا قدرة، فإن عبادي المؤمنين المخلصين أو غير المخلصين، الذين قدّرت لهم الهداية، لا سلطان لك على أحد منهم، ولا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم، لكن الذين اتّبعوك يا إبليس من الضّالّين المشركين باختيارهم، فلك عليهم سلطان، بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنّهي، كما قال تعالى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) [النّحل:
١٦/ ١٠٠] .
وإن جهنم موعد جميع من اتّبع إبليس، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: ١١/ ١٧] . ثم أخبر الله سبحانه أن لجهنّم سبعة أبواب، قد خصص لكل باب منها جزء مقسوم وعدد معلوم من أتباع إبليس، يدخلونه، لا محيد لهم عنه، وكل واحد يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله.
وفي تفسير الأبواب السبعة قولان: قول: إنها سبع طبقات، بعضها فوق بعض، وتسمى تلك الطبقات بالدّركات، والأبواب السبعة كلها في جهنم على خط استواء، وقول آخر: إنها سبعة أقسام، ولكل قسم باب، أعلاها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السّعير، ثم سقر، ثم الجحيم، وفيه أبو جهل، ثم الهاوية، وتكون الأبواب على هذا القول بعضها فوق بعض، أي إن النار إما ذات أجنحة وأقسام، والأبواب متوالية صعودا ونزولا، أو إن النار قسم واحد ذو دركات، وأبوابها السبعة مداخل لها، عافانا الله من النار، وتغمّدنا برحمته بمنّه وكرمه.
стр. 1220
جزاء المتّقين يوم القيامة
سار المنهج القرآني في تربية الأفراد والشعوب على أساس الجمع بين الترغيب والترهيب، ومن أمثلة هذا المنهج: أن الله تعالى يذكر عادة ما أعد لأهل الجنة، وما أعد لأهل النار، ليظهر التّباين، ويقارن الإنسان العاقل بين العاقبتين، فيقبل على العمل الصالح المؤدي للجنة، ويجتنب العمل السّيئ المؤدي للنار، والخير في الحالتين للإنسان. فهل بعد هذا عذر لمقصّر أو عاص أو مسيء؟! قال الله تعالى مبيّنا جزاء المتقين بعد بيان جزاء الفاسقين والعصاة من أتباع الشيطان:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
«١» «٢» [الحجر: ١٥/ ٤٥- ٥٠] .
نزلت هذه الآية: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) فيما
أخرجه الثعلبي عن سلمان الفارسي: أنه لما سمع قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) فرّ ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل، فجيء به للنّبي ﷺ ، فسأله فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) فوالذي بعثك بالحق، لقد قطّعت قلبي، فأنزل الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) .
وأما آية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فنزلت في أبي بكر وعمر، اللذين كانا بين قبيلتيهما بني هاشم وبني عدي عداوة وغلّ الجاهلية. وهذا في شأن الدنيا.
هذه الآيات تصوّر لنا مصير المتّقين، وهم الذين اتّقوا عذاب الله ومعاصيه،
стр. 1221
وأطاعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فلم يتأثروا بوساوس إبليس، جزاؤهم أنهم في جنّات، أي بساتين ذات ثمار دائمة، وظلال وارفة، وتتفجر من حولهم عيون هي أنهار أربعة: من ماء، ولبن، وخمر غير مسكرة، وعسل مصفى، دون تنافس عليها.
ويقال لهم من الملائكة: ادخلوا هذه الجنات سالمين من الآفات، آمنين من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء.
ويتفضّل الله على عباده المتّقين، فينزع كل ما كان في صدورهم في الدنيا من حقد وعداوة، وضغينة وحسد، حالة كونهم إخوانا متحابّين متصافين جالسين على سرر متقابلين، لا ينظر أحدهم إلا لوجه أخيه، ولا ينظر إلى ظهره، فهم في رفعة وكرامة وطمأنينة ومحبة. ونزع الغل والحقد في الآخرة: إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة، كما جاء في بعض الأحاديث.
قال علي بن أبي طالب ﵁: «إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ.
ومن أفضال الله ورحمته أيضا أنه لا يصيب المؤمنين في الجنات تعب ولا مشقة، ولا أذى لأنه لا حاجة لهم إلى السّعي والتّعب في جلب المعايش، لتيسير كل ما يشتهون أمامهم دون جهد.
وهم كذلك ماكثون في الجنات، خالدون فيها أبدا، لا يخرجون منها، ولا يحوّلون عنها.
جاء في الحديث الثابت: «يقال: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحّوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تطغوا أبدا» .
وتتلخص هذه النّعم والمنافع بثلاثة أشياء: الاطمئنان والتكريم، والصفاء من الشوائب المؤذية مادّيا ومعنويا، والدوام والخلود بلا زوال. ولا بدّ أن يعلم الناس
стр. 1222
أن الله سيجازي بالمغفرة والرحمة، كما يجازي بالعذاب، فقال: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) .
أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مرّ رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه يضحكون، فقال: «أتضحكون، وذكر الجنّة والنار بين أيديكم، فنزلت هذه الآية:
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) .
أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو مغفرة ورحمة، وذو عذاب أليم. وهذا جمع بين مقامي الرجاء والخوف، فالله تعالى يستر ذنوب من تاب وأناب، فلا يفضحهم ولا يعاقبهم، وإنما يرحمهم فلا يعذّبهم بعد توبتهم، وهذا يشمل المؤمن الطائع والعاصي.
والعذاب المؤلم الشديد الوجع لمن أصرّ على الكفر والمعاصي، ولم يتب منها. وهذا تهديد وتحذير من اقتراف المعاصي، بعد الوعد بالجنة، لمن آمن وتاب وعمل صالحا.
قصة ضيف إبراهيم ﵇
يتلقّى الأنبياء ﵈ الوحي عن ربّ العزة إما بواسطة جبريل ﵇، وإما بالرّؤيا الصادقة في النوم، وإما عن طريق ملائكة مع جبريل يأتون بصفة بشر، يتعرّف عليهم النّبي بعد حوار وسؤال وجواب ليعرف حقيقة القادمين عليه. وهذا التنويع في إنزال الوحي إيناس للنّبي، وتسهيل عليه في معرفة الحكم أو الخبر الإلهي. ومن هذه الأحوال مجيء وفد من الملائكة، بصفة ضيوف على إبراهيم الخليل ﵇، يتراوح عددهم بين ثلاثة واثني عشر ملكا، منهم جبريل ﵇ لتبشير إبراهيم في سنّ الكبر بغلام عليم، ولإخباره بإهلاك قوم لوط، ولوط ابن أخي إبراهيم ﵉. وصف الله تعالى هذه الضيافة بقوله:
стр. 1223
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٥٦]
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)
«١» «٢» »
[الحجر: ١٥/ ٥١- ٥٦] .
تتضمن قصص الأنبياء أخبارا عديدة، منها الوعد والوعيد، ومنها زفّ البشارة بأمر كريم أو عجيب، وهذه إحدى القصص الطريفة للملائكة الكرام ببشارة إبراهيم ﵇ حال الكبر بإنجاب غلام عليم، أي ذي علم كثير إذا بلغ، هو إسحاق، لقوله تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ١١/ ٧١] .
بدأ الخطاب الإلهي في هذه القصة بأمر النّبي ﷺ بإخبار قومه عن قصة ضيف إبراهيم، أي عن أصحاب إبراهيم لأن كلمة (ضيف) هنا مصدر وصف به وفد الملائكة، وتطلق على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، أو أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء، ككلمة (رهن) ونحوه. والمراد بالضيف هنا:
الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط، وبشّروا إبراهيم ﵇ بالولد الجديد حين الكبر، وكان إبراهيم يكنى (أبا الضيفان) فقالوا حين دخلوا عليه: سلاما، أي سلاما من الآفات والآلام والمخاوف.
فقال إبراهيم للضيوف: إنا خائفون منكم، لدخولهم عليه بلا إذن، أو لامتناعهم من الأكل، حين قدّم لهم عجلا سمينا حنيذا (أي مشويا بالحجارة المحماة) فلم ير أيديهم تمتدّ للأكل، وكان عندهم العلامة المؤمّنة هي أكل الطعام، وتلك هي علامة دائمة في الدهر أمنة للنّازل والمنزول به. فيكون الامتناع من الطعام دليلا على أن
стр. 1224
الضيوف يبيّتون شرّا، كما جاء في قوله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود: ١١/ ٧٠] .
فأجابوه بقولهم: لا تَوْجَلْ أي لا تخف، إنا نبشّرك بغلام عليم، أي أتينا لبشارتك بميلاد غلام ذي علم وفطنة وفهم لدين الله لأنه سيكون نبيّا، وهو إسحاق ﵇، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة، وقول إبراهيم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: ١٤/ ٣٩] .
أجاب إبراهيم متعجّبا مستبعدا من مجيء ولد حال كبره وكبر زوجته، ومتحقّقا من الوعد: أبشّرتموني بذلك بعد أن أصابني الكبر، فبأي أعجوبة تبشّرون أو تبشّرونني، فذلك غير متصوّر في العادة، وليس ذلك نفيا لقدرة الله تعالى في خلق العجائب.
فأجابه الملائكة مؤكّدين بشارتهم: قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي إننا بشّرناك بما هو حقّ ثابت، فأبشر بما بشّرت به، ودع غير ذلك، فهو صنع الله، ووعده الذي لا يتخلف، فلا تكن من القانطين اليائسين، فالذي أوجد الإنسان من التراب من غير أب ولا أم، قادر على إيجاد الإنسان من أي شيء أراد، كأبوين عجوزين.
ردّ إبراهيم ﵇ مؤكّدا إيمانه بقدرة الله تعالى وأنه ليس قانطا يائسا، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك، ولا يقنط ولا ييأس من رحمة الله إلا القوم الضّالون، أي المخطئون طريق الصواب. والقنوط: أتم اليأس.
هذه القصة تعلّمنا أدب الضيف، وأسلوبه في الأخبار، وزفّ البشرى، وأن الله قادر على كل شيء، فهو الخالق القادر على تمكين الزوجين من الإنجاب، حتى في سنّ الكبر وفي الوقت غير المعتاد.
стр. 1225
إخبار الملائكة إبراهيم بإهلاك قوم لوط
الصّلة النّسبية معروفة بين إبراهيم ولوط ﵉، فلوط هو ابن أخي إبراهيم، وكان بينهما تعاون في الدعوة إلى توحيد الله وهجر عبادة الأصنام، لذا أراد الله إخبار إبراهيم أولا بما جرى به الحكم والقضاء الإلهي، من إهلاك قوم لوط، لارتكابهم الفواحش وتكذيبهم رسولهم لوطا ﵇، وتم هذا الإخبار عقب تبشير الملائكة إبراهيم بولادة ابنه إسحاق في سنّ الشيخوخة والكبر، قال الله تعالى واصفا مضمون الخبر بإهلاك الفاعلين فعل قوم لوط:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٧ الى ٦٥]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الحجر: ١٥/ ٥٧- ٦٥] .
بعد أن تأكّد إبراهيم ﵇ من كون ضيوفه ملائكة أثناء بشارتهم له بولادة إسحاق حال الكبر، سألهم عن أمرهم بسبب مجيئهم مختفين، وإحساسه بأنهم جاؤوا لأمر خطير، فقال: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. والخطب لفظة تستعمل في الأمور الشداد، أي ما شأنكم وما الأمر الذي أرسلتم به غير البشرى بالولد أيها الملائكة المرسلون، كأنه فهم من قرائن الأحوال أن لهم مهمة أصلية غير البشرى، لأن البشرى كما حدث لزكريا ومريم يكفيها واحد.
فأجابوه بأنا أرسلنا إلى قوم مجرمين مشركين هم قوم لوط لإهلاكهم، وهم أهل
стр. 1226
مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط ﵇، والذين كانوا يتعاطون المنكر، ويأتون الرجال شهوة من دون النساء، فاستحقّوا أن يوصفوا بالمجرمين، والجرم:
الذي يجرّ الجرائم ويرتكب المحظورات.
ثم أخبر الملائكة إبراهيم أنهم سينجّون آل لوط جميعهم من بينهم، إلا امرأته، أي امرأة لوط التي كانت متواطئة مع قومها، فإنها ستكون من الغابرين، أي الباقين مع الكفرة الهالكين، فإنا مخلّصو جماعة لوط المؤمنين من العذاب- عذاب الاستئصال- وقوله تعالى: قَدَّرْنا أي بتقدير الله تعالى أن امرأة لوط من الباقين في العذاب، ونسب الملائكة ذلك لأنفسهم، باعتبارهم المنفّذين لأمر الله تعالى.
ثم بعد إبراهيم ذهب الملائكة إلى لوط ﵇، فلما وصلوا إليه، أخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قومه، فلم يعرفهم لوط لأول وهلة كما حدث لإبراهيم، فقال لهم: إنكم قوم منكرون، أي غير معروفين لدي، تنكركم نفسي، وأخاف أن تباغتوني بشرّ، فمن أي الأقوام أنتم؟ فأجابوه: لقد جئناك بما يسرّك، وهو عذاب قومك وإهلاكهم وتدميرهم، الذي كانوا يشكّون في وقوعه بهم، ويكذبونك فيه قبل مجيئه.
ولقد أتيناك بالأمر المحقّق واليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه، وهو تعذيب قومك، وإننا لصادقون فيما أخبرناك به من هلاكهم، ونجاتك مع أتباعك المؤمنين.
وبما أن إيقاع العذاب المدمر ليس أمرا سهلا، أكّد الملائكة قولهم للوط بثلاثة تأكيدات، فقالوا: إنا جئناك بما كانوا فيه يمترون أي يشكّون، وأتيناك بالحق، وإنا لصادقون في هذا الخبر.
وتمهيدا لتنفيذ العذاب، قال الملائكة للوط ﵇: سر بأهلك بعد مضي جزء من الليل، وأهله: ابنتاه فقط، وامش وراء أهلك ليكون أحفظ لهم ولا يبقى
стр. 1227
منهم أحد، ولا يلتفت منكم أحد إلى الوراء إذا سمعتم الصيحة بالقوم، حتى لا يشفقوا على بلادهم وأقوامهم حين معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها، وسيروا بأمر ربّكم غير ناظرين وراءكم، إلى بلاد الشام فإنها مأمنكم ومكان نجاتكم.
وتصوير هذه الإنذارات والإعدادات للعذاب يغني عن رؤية حالة الدمار والهلاك الواقع، ويزرع في القلب الخوف والهلع الشديد، ويوجب على النّاجين مزيد الحمد والشكر، ويردع أهل الجريمة مما يساورهم من صنوف الاجرام، إذا عرفوا ما يحلّ بالمجرمين في دار الدنيا قبل عذاب الآخرة.
العذاب الواقع بقوم لوط
يغفل أهل الاجرام عادة عن الجزاء والعقاب الذي يلقونه، بسبب انغماسهم في الشهوات والأهواء، وظنهم أن العذاب لن يطالهم، وأنهم سيفلتون من العقاب، وكل ذلك من وسواس الشيطان وضعف الوعي وقلة الإدراك، والحماقة وسوء التقدير، لكن العقاب حق وعدل يأتي في الوقت المناسب بعد اليأس من الصلاح، وهذا ما حدث لقوم لوط، فإنهم أفرطوا في ارتكاب الفواحش، وبالغوا في تكذيب الرسول لوط، وأصرّوا على الغلوّ في الكفر والضلال، فكان التقدير الإلهي لهم بالمرصاد، وهذا ما وصفه القرآن الكريم للعبرة والاتّعاظ، قال الله تعالى:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٦ الى ٧٧]
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
«١» «٢» «٣»
стр. 1228
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحجر: ١٥/ ٦٦- ٧٧] .
هذا حكم الله وقضاؤه، وتدبيره وعقابه الحقّ العادل، لقوم دأبوا على الفحش وقلّة الحياء، ومعاداة الرّسل والأنبياء. وهو تدبير سريع التنفيذ، لذا أخبر الله نبيّه لوطا وأوحى إليه أن أمر هلاك قومه مقضي قضاء مبرما، وهو ماض حتما، وأن العذاب يشمل أول القوم وآخرهم، وهو عذاب الاستئصال في وقت الصباح.
وألفاظ الآية: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ دالّة على الاستئصال والهلاك التّام.
ومما زاد في أمر جريمة فاعلي اللواط في سدوم فحشا واستهجانا: أنهم حين علموا بأضياف لوط الرائعي الجمال، المتميزة وجوههم بالصباحة والإشراق، جاؤوا مسرعين مستبشرين بهم فرحين، أملا وطمعا في ارتكاب الفاحشة معهم.
فقال لهم لوط: إن هؤلاء ضيوف، فلا تفضحوني بارتكاب ما يؤدي إلى العار معهم، والضيف يجب إكرامه، واتّقوا الله ولا تخزوني، أي وخافوا عذاب الله، ولا تذلّوني وتخجلوني بإذلال ضيفي، وإهانته، فإن الإساءة إليه وإهانته إساءة وإهانة لي.
فأجابوه قائلين: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، ونهيناك أن تضيف أحدا؟! فأجابهم لوط مرشدا لهم: تزوجوا بنساء الأمّة اللاتي أباحهن الله لكم، وتجنّبوا إتيان الرجال، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، منتهين إلى أمري. والمراد بقوله:
стр. 1229
هؤُلاءِ بَناتِي ليس إباحة البنات مطلقا، وإنما المراد التّزوج بنساء قومه لأن الرسول في القوم كالأب لهم. ومن فسّر كلمة بَناتِي ببنات صلبه، أراد ذلك على طريق المجاز، كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر: «اقتلني ولا تقتله» . فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه، واستدعاء الحياء منه، وحمله على العدول عن إجرامه، وهذا كله من مبالغة القول الذي لا يدخله معنى الكذب.
ثم أقسم الله بقوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) أي أقسم بحياتك وعمرك أيها الرسول- وفي هذا تشريف عظيم للوط- إنهم في غوايتهم يتحيّرون، وفي ضلالتهم يتردّدون أو يلعبون.
فنزلت فيهم صيحة جبريل ﵇، وهي ما جاءهم من الصوت القاصف المرعب، عند شروق الشمس، فجعلت القرية أو المدينة عاليها سافلها، أي انقلبت في الأعماق، وانقلب القوم فيها، وأنزل الله تعالى عليهم حجارة من طين متحجر طبخ بالنار وهو السّجيل. لقد اقتلع جبريل ﵇ المدينة بجناحه ورفعها، حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها، فمن سقط عليه شيء من ردم المدينة مات، ومن أفلت منهم أصابته حجارة من سجّيل: وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجرّ ونحوه.
إن في هذا الصنيع بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجاء لوط وأهله المؤمنين لدلالة وعبرة للناظرين المتأمّلين المعتبرين، وإن مدينة سدوم التي أصابها هذا العذاب لهي طريق واضحة للمسافرين المارّين بها، فما تزال آثارها باقية إلى اليوم، في وادي الأردن. وفي ذلك أيضا لدلالة واضحة للمؤمنين بالله ورسله بأن العذاب انتقام من الله لأنبيائه.
стр. 1230
قصّة أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر
تتوالى الإنذارات والتحذيرات للناس حتى يؤمنوا، ويتخلّوا عن الكفر، وتتكرر أحداث قصص الأنبياء مع أقوامهم الغابرين، ليعلم الجاحدون الكافرون أن العذاب والعقاب الدّنيوي والأخروي سينزل بهم دون شفقة ولا هوادة، وليتّعظ العقلاء من تلك الأحداث الرّهيبة، فيبادروا إلى إعلان إيمانهم بالله الواحد الأحد، ويستقيموا على الجادة المستقيمة، فيظفروا بعزّ الدنيا وسعادة الآخرة. وهاتان قصّتان متعاقبتان بعبارات موجزة لتحقيق العبرة من أقرب الطرق، وهما قصّتا أصحاب الأيكة قوم شعيب، وأصحاب الحجر قبيلة ثمود قوم صالح. قال الله تعالى:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٨٦]
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)
«١» «٢» «٣» [الحجر: ١٥/ ٧٨- ٨٦] .
القصة الأولى في هذه الآيات: قصة أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب علما بأن مدين وأصحاب الأيكة بعث الله إليهما شعيبا ﵇، لقد كان هؤلاء القوم ظالمين بشركهم ووثنيتهم، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فعاقبهم الله، وانتقم منهم جزاء كفرهم وظلمهم، بيوم الظّلّة: وهو تسليط الحرّ عليهم سبعة أيام، ثم أرسل الله عليهم سحابة، فاستظلّوا تحتها، فاضطرمت عليهم نارا،