← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط ﵇، والذين كانوا يتعاطون المنكر، ويأتون الرجال شهوة من دون النساء، فاستحقّوا أن يوصفوا بالمجرمين، والجرم: الذي يجرّ الجرائم ويرتكب المحظورات. ثم أخبر الملائكة إبراهيم أنهم سينجّون آل لوط جميعهم من بينهم، إلا امرأته، أي امرأة لوط التي كانت متواطئة مع قومها، فإنها ستكون من الغابرين، أي الباقين مع الكفرة الهالكين، فإنا مخلّصو جماعة لوط المؤمنين من العذاب- عذاب الاستئصال- وقوله تعالى: قَدَّرْنا أي بتقدير الله تعالى أن امرأة لوط من الباقين في العذاب، ونسب الملائكة ذلك لأنفسهم، باعتبارهم المنفّذين لأمر الله تعالى. ثم بعد إبراهيم ذهب الملائكة إلى لوط ﵇، فلما وصلوا إليه، أخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قومه، فلم يعرفهم لوط لأول وهلة كما حدث لإبراهيم، فقال لهم: إنكم قوم منكرون، أي غير معروفين لدي، تنكركم نفسي، وأخاف أن تباغتوني بشرّ، فمن أي الأقوام أنتم؟ فأجابوه: لقد جئناك بما يسرّك، وهو عذاب قومك وإهلاكهم وتدميرهم، الذي كانوا يشكّون في وقوعه بهم، ويكذبونك فيه قبل مجيئه. ولقد أتيناك بالأمر المحقّق واليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه، وهو تعذيب قومك، وإننا لصادقون فيما أخبرناك به من هلاكهم، ونجاتك مع أتباعك المؤمنين. وبما أن إيقاع العذاب المدمر ليس أمرا سهلا، أكّد الملائكة قولهم للوط بثلاثة تأكيدات، فقالوا: إنا جئناك بما كانوا فيه يمترون أي يشكّون، وأتيناك بالحق، وإنا لصادقون في هذا الخبر. وتمهيدا لتنفيذ العذاب، قال الملائكة للوط ﵇: سر بأهلك بعد مضي جزء من الليل، وأهله: ابنتاه فقط، وامش وراء أهلك ليكون أحفظ لهم ولا يبقى

стр. 1227

منهم أحد، ولا يلتفت منكم أحد إلى الوراء إذا سمعتم الصيحة بالقوم، حتى لا يشفقوا على بلادهم وأقوامهم حين معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها، وسيروا بأمر ربّكم غير ناظرين وراءكم، إلى بلاد الشام فإنها مأمنكم ومكان نجاتكم. وتصوير هذه الإنذارات والإعدادات للعذاب يغني عن رؤية حالة الدمار والهلاك الواقع، ويزرع في القلب الخوف والهلع الشديد، ويوجب على النّاجين مزيد الحمد والشكر، ويردع أهل الجريمة مما يساورهم من صنوف الاجرام، إذا عرفوا ما يحلّ بالمجرمين في دار الدنيا قبل عذاب الآخرة. العذاب الواقع بقوم لوط يغفل أهل الاجرام عادة عن الجزاء والعقاب الذي يلقونه، بسبب انغماسهم في الشهوات والأهواء، وظنهم أن العذاب لن يطالهم، وأنهم سيفلتون من العقاب، وكل ذلك من وسواس الشيطان وضعف الوعي وقلة الإدراك، والحماقة وسوء التقدير، لكن العقاب حق وعدل يأتي في الوقت المناسب بعد اليأس من الصلاح، وهذا ما حدث لقوم لوط، فإنهم أفرطوا في ارتكاب الفواحش، وبالغوا في تكذيب الرسول لوط، وأصرّوا على الغلوّ في الكفر والضلال، فكان التقدير الإلهي لهم بالمرصاد، وهذا ما وصفه القرآن الكريم للعبرة والاتّعاظ، قال الله تعالى: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٦ الى ٧٧] وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) «١» «٢» «٣»

стр. 1228

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحجر: ١٥/ ٦٦- ٧٧] . هذا حكم الله وقضاؤه، وتدبيره وعقابه الحقّ العادل، لقوم دأبوا على الفحش وقلّة الحياء، ومعاداة الرّسل والأنبياء. وهو تدبير سريع التنفيذ، لذا أخبر الله نبيّه لوطا وأوحى إليه أن أمر هلاك قومه مقضي قضاء مبرما، وهو ماض حتما، وأن العذاب يشمل أول القوم وآخرهم، وهو عذاب الاستئصال في وقت الصباح. وألفاظ الآية: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ دالّة على الاستئصال والهلاك التّام. ومما زاد في أمر جريمة فاعلي اللواط في سدوم فحشا واستهجانا: أنهم حين علموا بأضياف لوط الرائعي الجمال، المتميزة وجوههم بالصباحة والإشراق، جاؤوا مسرعين مستبشرين بهم فرحين، أملا وطمعا في ارتكاب الفاحشة معهم. فقال لهم لوط: إن هؤلاء ضيوف، فلا تفضحوني بارتكاب ما يؤدي إلى العار معهم، والضيف يجب إكرامه، واتّقوا الله ولا تخزوني، أي وخافوا عذاب الله، ولا تذلّوني وتخجلوني بإذلال ضيفي، وإهانته، فإن الإساءة إليه وإهانته إساءة وإهانة لي. فأجابوه قائلين: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، ونهيناك أن تضيف أحدا؟! فأجابهم لوط مرشدا لهم: تزوجوا بنساء الأمّة اللاتي أباحهن الله لكم، وتجنّبوا إتيان الرجال، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، منتهين إلى أمري. والمراد بقوله:

стр. 1229

هؤُلاءِ بَناتِي ليس إباحة البنات مطلقا، وإنما المراد التّزوج بنساء قومه لأن الرسول في القوم كالأب لهم. ومن فسّر كلمة بَناتِي ببنات صلبه، أراد ذلك على طريق المجاز، كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر: «اقتلني ولا تقتله» . فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه، واستدعاء الحياء منه، وحمله على العدول عن إجرامه، وهذا كله من مبالغة القول الذي لا يدخله معنى الكذب. ثم أقسم الله بقوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) أي أقسم بحياتك وعمرك أيها الرسول- وفي هذا تشريف عظيم للوط- إنهم في غوايتهم يتحيّرون، وفي ضلالتهم يتردّدون أو يلعبون. فنزلت فيهم صيحة جبريل ﵇، وهي ما جاءهم من الصوت القاصف المرعب، عند شروق الشمس، فجعلت القرية أو المدينة عاليها سافلها، أي انقلبت في الأعماق، وانقلب القوم فيها، وأنزل الله تعالى عليهم حجارة من طين متحجر طبخ بالنار وهو السّجيل. لقد اقتلع جبريل ﵇ المدينة بجناحه ورفعها، حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها، فمن سقط عليه شيء من ردم المدينة مات، ومن أفلت منهم أصابته حجارة من سجّيل: وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجرّ ونحوه. إن في هذا الصنيع بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجاء لوط وأهله المؤمنين لدلالة وعبرة للناظرين المتأمّلين المعتبرين، وإن مدينة سدوم التي أصابها هذا العذاب لهي طريق واضحة للمسافرين المارّين بها، فما تزال آثارها باقية إلى اليوم، في وادي الأردن. وفي ذلك أيضا لدلالة واضحة للمؤمنين بالله ورسله بأن العذاب انتقام من الله لأنبيائه.

стр. 1230

قصّة أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر تتوالى الإنذارات والتحذيرات للناس حتى يؤمنوا، ويتخلّوا عن الكفر، وتتكرر أحداث قصص الأنبياء مع أقوامهم الغابرين، ليعلم الجاحدون الكافرون أن العذاب والعقاب الدّنيوي والأخروي سينزل بهم دون شفقة ولا هوادة، وليتّعظ العقلاء من تلك الأحداث الرّهيبة، فيبادروا إلى إعلان إيمانهم بالله الواحد الأحد، ويستقيموا على الجادة المستقيمة، فيظفروا بعزّ الدنيا وسعادة الآخرة. وهاتان قصّتان متعاقبتان بعبارات موجزة لتحقيق العبرة من أقرب الطرق، وهما قصّتا أصحاب الأيكة قوم شعيب، وأصحاب الحجر قبيلة ثمود قوم صالح. قال الله تعالى: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٨٦] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) «١» «٢» «٣» [الحجر: ١٥/ ٧٨- ٨٦] . القصة الأولى في هذه الآيات: قصة أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب علما بأن مدين وأصحاب الأيكة بعث الله إليهما شعيبا ﵇، لقد كان هؤلاء القوم ظالمين بشركهم ووثنيتهم، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فعاقبهم الله، وانتقم منهم جزاء كفرهم وظلمهم، بيوم الظّلّة: وهو تسليط الحرّ عليهم سبعة أيام، ثم أرسل الله عليهم سحابة، فاستظلّوا تحتها، فاضطرمت عليهم نارا،

стр. 1231

فأحرقتهم. قال الطبري: بعث شعيب إلى أمّتين كفرتا، فعذّبهم الله بعذابين مختلفين: أهل مدين عذّبوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة عذّبوا بالظّلّة. وإن كلّا من قرى قوم لوط، وبقعة أصحاب الأيكة، لبطريق واضح، يسلكه الناس في سفرهم من الحجاز إلى الشام. وكلمة (إمام) أي الشيء الذي يهتدى به ويؤتم، كخيط البناء، والطريق، والكتاب المفيد، أو قياس الصانع، أو الرجل المقتدى به. وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي إنّ، فكلمة (إن) هنا هي المخففة من الثقيلة على مذهب البصريين. والقصة الثانية في هذه الآيات: هي قصة أصحاب الحجر، والحجر مدينتهم، وهي ما بين المدينة وتبوك، لقد كذبوا رسولهم ثمود، وعبّر عنه بكلمة الْمُرْسَلِينَ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب الجميع لاتّفاق أصول دعوتهم في التوحيد وعبادة الله، ومكارم الأخلاق والفضائل، وتجنّب الرّذائل. وكان قوم ثمود ممن أنعم الله عليهم، فأعطاهم من الآيات والدلائل ما يدلّهم على صدق نبوّة صالح ﵇، كالناقة التي أخرجها الله من صخرة صماء، بدعاء صالح ﵇، فأعرضوا عنها، ولم يعتبروا بها، وبادروا إلى عقرها. وكانت لهم بيوت ينحتونها في الجبال، صاروا بها آمنين من الأعداء، من غير خوف، لقوّة إحكامها، وهي ما تزال مشاهدة على الطريق إلى تبوك. فلما عتوا عن أمر ربهم، وبغوا، وعقروا الناقة، أخذتهم صيحة الهلاك في وقت الصباح، من اليوم الرابع للإنذار بالعذاب، كما قال الله تعالى: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود: ١١/ ٦٥] . فما نفعتهم الأموال والديار حين حلّ بهم العذاب، ولم يستفيدوا من مكاسبهم

стр. 1232

وزروعهم وثمارهم، ولكنّ هؤلاء المكتسبين للدنيا، الذين لم يغن عنهم اكتسابهم، ليسوا في شيء، فإن السماوات والأرض وجميع الأشياء لم تخلق عبثا ولا سدى، وإنما خلقت بالحقّ، ولواجب مقصود، وأغراض لها نهايات، من عذاب ونعيم. وإن الساعة (القيامة) آتية على جميع أمور الدنيا، فلا تهتم يا محمد بأعمال قومك، فإن الجزاء لهم بالمرصاد، فاصفح عن أعمالهم، من غير عتب ولا تعرّض، وهذا يقتضي مهادنة. ثم آنس الله نبيّه وسرّى عنه في آخر الآيات بأن الله تعالى يخلق ما شاء لمن شاء، ويعلم تعالى وجه الحكمة في ذلك، لا هذه الأوثان التي تعبدونها. وهذا تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة (القيامة) فإنه سبحانه خالق كل شيء، عليم بكل أجزاء الأجساد المتفتتة، والجميع صائرون إليه، محاسبون بين يديه. توجيهات إلهيّة للنّبي ﷺ في تبليغ الدّعوة اقتضت حكمة الله وخطّته أن يصفح النّبي ﷺ صفحا جميلا عن أذى قومه ويعاملهم معاملة سلمية وادعة آمنة، بالرغم من كثرة المضايقات، واستدامة الإيذاء والإضرار، ومقابل هذا الصفح الجميل: إنعام الله على نبيّه بألوان النّعم الكثيرة المتوّجه بإنزال السّبع المثاني (الفاتحة) والقرآن العظيم عليه، فهو المعجزة الخالدة والمفخرة الدائمة، قال الله تعالى واصفا هذه النّعم وواضعا توجيهات للنّبي المصطفى ﷺ في تبليغ دعوته: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٧ الى ٩٣] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) «١»

стр. 1233

«١» «٢» «٣» [الحجر: ١٥/ ٨٧- ٩٣] . يمتن الله تعالى على نبيّه، فيذكر له، تالله لقد أعطيناك وأنزلنا عليك أيها الرسول السّبع المثاني والقرآن العظيم. والسّبع المثاني على الراجح: هي الفاتحة المكونة من سبع آيات، تثنى وتكرر في كل ركعات الصلاة، والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصّ الله أهل القرآن بها. أخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمّ القرآن هي السّبع المثاني والقرآن العظيم» . وخرّج التّرمذي من حديث أبي هريرة بلفظ آخر: «الحمد لله: أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني» . وترتيبا على هذا العطاء الإلهي السّخي العظيم لا تطمح أيها الرسول إلى ما متّعنا به أصنافا من الناس: وهم الأغنياء بزينة الحياة الدنيا ومتعها، فمن وراء ذلك عقاب شديد، واستغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية، وفاخر بما أوحي إليك، وقدّر عظمة نعمة الله عليك، ولا تنظر إلى الدنيا وزينتها، ولا تتأسّف على المشركين إذا لم يؤمنوا، لتقوية الإسلام والمسلمين، ولا لهلاكهم، وألن جانبك وتواضع للمؤمنين، ولا تجافهم ولا تقس عليهم، واصرف وجهك وعنايتك لمن آمن بك، كما جاء في آية أخرى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ٣/ ١٥٩] . ثم أمر الله نبيّه بإعلان مهمته وهي الإنذار المبين، فقال له: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)

стр. 1234

أي قل يا محمد للناس: إني منذر ومخوف من عذاب أليم شديد الوجع، أنذر كل من كذّب برسالتي وأعرض عن دعوتي، وتمادى في غيّه وضلاله، حتى لا يتعرّض لانتقام وتعذيب من الله كما فعل بالأمم المتقدمة. وحدّد الرسول ﷺ جهة الإنذار وعيّن المنذرين، وهم أهل الكتاب الذين فرّقوا دينهم، واقتسموا القرآن إلى أجزاء، فآمنوا ببعضه الموافق للتوراة والإنجيل، وكفروا ببعضه المخالف لهما، فاقتسموه إلى حقّ وباطل، وهم أيضا القرشيّون الذين اقتسموا طرق مكة، يصدّون الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ ، وعددهم حوالي أربعين، أو ستة عشر رجلا، بعثهم الوليد بن المغيرة أيام موسم الحج، فاقتسموا طرق مكة يقولون لمن يسلكها: لا تغتروا بالخارج منّا، والمدّعي للنّبوة، فإنه مجنون، وكانوا ينفّرون الناس عنه واصفين إياه: بأنه ساحر، أو كاهن، أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزيا، فماتوا شرّ ميتة، هؤلاء الفريقان: الكتابيّون والقرشيّون هم الذين جعلوا القرآن عضين، أي أجزاء متفرّقة، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وجعلوا القرآن سحرا وشعرا وكهانة، أي صيّروه بألسنتهم ودعواهم. وكان جزاؤهم وعيدا محضا، يأخذ الله كل أحد منهم بحسب جرمه وعصيانه، يسألهم الله سؤال توبيخ وتأنيب عن أقوالهم وأعمالهم، ويجازيهم على أفعالهم الجزاء التّام. فالكافر يسأل عن (لا إله إلا الله) وعن الرّسل، وعن كفره وقصده. وكذلك يسأل المؤمن العاصي عن تضييع القرآن، ويسأل الإمام عن رعيّته، وكل مكلف عما كلّف القيام به، فيكون الضمير في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) ضميرا عامّا يشمل جميع الناس المؤمنين والكافرين، كلّ بحسب جرمه وعمله. ويكون الإنذار أيضا لجميع الناس، سواء من اقتسم الكتاب الإلهي وجزّأه، فآمن ببعضه وكفر بالبعض الآخر، ومن ضيّع القرآن، فأخذ ببعضه وترك البعض الآخر.

стр. 1235

الجهر بالدّعوة الإسلامية كانت الدعوة الإسلامية في مبدأ الأمر سرّية إلى حدّ ما، خشية الأذى، وتخلّصا من مضايقات القرشيين في مكة، الذين وقفوا بالمرصاد أمام نشر الدعوة الجديدة، وتفنّنوا في أنواع الأذى بالمؤمنين المستضعفين، ثم أمر الله نبيّه بالجهر بدعوته، وإعلانها، مهما كانت الظروف والصّعاب لأن الله تعالى عاصم نبيّه من السوء، وكاف له من شرور المعادين المستكبرين، وملحق الدمار والهلاك بالآفات بكل من قاوم الدعوة، وحاول تطويقها وصدّ الناس عنها، قال الله تعالى واصفا هذه المرحلة الجديدة من إعلان الدعوة: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٩] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) «١» «٢» [الحجر: ١٥/ ٩٤- ٩٩] . نزلت آية: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) كما أخرج البزار والطّبراني عن أنس بن مالك قال: مرّ النّبي ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحا حتى نتنوا، فلم يستطع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) . صبر النّبي ﷺ كثيرا على أذى قومه وعداوتهم، ولكن الله تعالى الذي أمره بإنذار هؤلاء الجاحدين، وهدّدهم بالحساب العسير، أمره بعدئذ بالجهر بتبليغ دعوته للجميع، ومواجهة المشركين دون أي تحسّب من أذى أو صدود، أو تخوّف منهم،

стр. 1236

فإن الله عاصمه وحافظه منهم. وما عليه إلا الإعراض عن زمرة صناديد المشركين الذين يريدون الصّدّ عن آيات الله تعالى. وهذا لون من المهادنة. ثم أعلم الله تعالى نبيّه أنه كفاه المستهزئين به من كفار مكة ببوائق ومهالك من الله أصابتهم، لم يسع بها محمد ﷺ ، ولا تكلف فيها مشقّة. وكان المستهزئون العتاة خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس من خزاعة وأمّه غيطلة. وكان هؤلاء المستهزئون مشركين، فوصفهم الله بقوله: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) أي إنهم الذين يتّخذون إلها آخر مع الله، زورا وبهتانا، فيشركون به من لا يضرّ ولا ينفع، فسوف يجدون عاقبة أمرهم، ومآل شركهم، ومصير كفرهم. وهذا تهديد ووعيد لهم بسوء المصير، لعلهم يرتدعون، ويؤمنون بالله الواحد الأحد. ثم واسى الله نبيّه عما يصيبه من أذى المشركين، فأوحى إليه: إنا لنعلم يا محمد أنك تتأذى من سخرية المشركين وشركهم، ويحصل لك ضيق صدر وانقباض، فلا يمنعك ذلك عن إبلاغ رسالة ربّك، وتوكّل عليه، فإنه كافيك وناصرك عليهم، ولا تأبه بما يقولون، فإن صاحب الرسالة يتجاوز العقبات، ولا يأبه بالصّعاب مهما كانت قاسية. وتقوية لنفس النّبي ﷺ وتعزيز صلته بربّه، أمره الله بمواظبة السّجود والعبادة التي هي الصلاة والأذكار، من تسبيح وتحميد وتهليل، فذلك كفيل برفع المعنويات، وثبات القلب، وقوة العزيمة، ومواصلة الجهاد الدّعوي إلى الله وحده، والأمر بمتابعة العبادة حتى يأتيه اليقين، أي الأمر المتيقّن وقوعه وهو الموت، وهذه الغاية معناها مدة الحياة.

стр. 1237

ولقد ذكر الله من أجزاء الصلاة: حالة القرب من الله تعالى وهي السجود، فهو أكرم حالات الصلاة وأجدرها بنيل الرحمة. جاء في الحديث الثابت الذي رواه الإمام أحمد: «كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلّى» أي فزع إلى الصلاة عند اشتداد الأمر، وهذا منه ﵊ أخذ بهذه الآية. وتدلّ الآية على أن علاج ضيق الصدر، وتفريج الهموم والكروب والمصائب: هو التسبيح، والتقديس، والتحميد، والإكثار من الصلاة، روى الإمام أحمد عن ابن عمار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا بن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخرة» . إن الصلاة تقوّي الصّلة بالله، وتعزّز الإيمان واليقين، وتزرع في القلب الطمأنينة والسكون: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.. [إبراهيم: ١٤/ ٤٠] .

стр. 1238

تفسير سورة النّحل إثبات القيامة ونزول الوحي يقوم الدين الإلهي على إثبات عقائد جوهرية ضرورية: هي التوحيد لله، والبعث أو القيامة، والوحي، والنّبوة أو الرّسالة، أما التوحيد فهو أساس الاعتقاد بالله ربّا واحدا وإلها فردا لا شريك له، وأما البعث أو القيامة فهو عالم الغيب، ومستقبل الدهر، ومجمع الناس ليوم الحساب، وأما الوحي الإلهي فهو همزة الوصل بين الله والعباد لتصحيح مسيرة الإنسان ووضع دستور الحياة للفرد والأمة، وأما النّبوة أو الرسالة، فهي وسيلة التّلقي للوحي الإلهي وإبلاغه للناس، ومجادلتهم، وإقناعهم بأصول العقيدة، ومنهج العبادة، وتصحيح المعاملة، والتزام الأخلاق الكريمة. وفي مطلع سورة النّحل التي تسمى سورة النّعم بسبب ما عدّد الله فيها من نعمه على عباده، وهي مكّية: تصريح وجيز بوقوع القيامة حتما، وتوحيد الله وتقواه، وإنزال الوحي على الرّسل بوساطة الملائكة، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم [سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) «١» «٢» [النّحل: ١٦/ ١- ٢] .

стр. 1239

سبب نزول هذه الآية: أن المشركين كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول ﷺ من قيام الساعة، أو إهلاك الله تعالى إياهم، كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا، ويقولون: إن صحّ ما يقوله، فالأصنام تشفع لنا، وتخلّصنا منه، فنزلت. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: أَتى أَمْرُ اللَّهِ ذعر أصحاب رسول الله ﷺ حتى نزلت: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فسكنوا. موضوع الآية الأولى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ: إعلان أن الأمر الموعود به، وهو قيام الساعة، متحقّق حادث لا محالة، وأنه تعالى منزه عن الشريك والولد، فهو إله واحد لا شريك له. وموضوع الآية الثانية: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ: الإخبار بأن نزول الوحي بوساطة الملائكة، والتّنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية، وأن النّبوة عطاء إلهي محض. والمراد من قوله سبحانه: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا معرفة الحق لذاته، وأما المراد من قوله تعالى: فَاتَّقُونِ فهو معرفة الخير لأجل العمل به. لقد استعجل الكفار المشركون ما وعدوا به من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم استهزاء وتكذيبا بالوعد، فقيل لهم: أَتى أَمْرُ اللَّهِ قال فيه جمهور المفسرين: إنه يريد القيامة، وفيه وعيد للكفار. وعبّر عن وقوع القيامة بلفظ الماضي أَتى على جهة التأكيد أي للدلالة على التّحقق وثبات الأمر كأنه لوضوحه والثقة به وقع، وصار من الأحداث الماضية. ولم يكن هناك استعجال إلا ثلاثة أمور: اثنان منها للكفار في القيامة والعذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام. والمعنى: لما لم تقع القيامة بنحو سريع كما أخبر النّبي المصطفى ﷺ قومه المشركين، نسبوه إلى الكذب، فأجابهم الله تعالى: قد حصل أمر الله وحكمه، ووجد من الأزل إلى الأبد، وتحقّق بنزول العذاب، إلا أن تنفيذ الأمر بإقامة القيامة

стр. 1240

لم يحصل، لأن الله تعالى خصّص له وقتا معلوما بمقتضى علمه وحكمته وإرادته. وهذا الخبر يتضمن تهديدا للكفار على كفرهم، وإعلاما لهم بقرب العذاب والهلاك. فما عليكم أيها الناس إلا أن تؤمنوا بوجود الله ووحدانيته، سبحانه وتعالى عما يشركون، أي تنزه الله، وتعاظم عما ينسبون له من الولد والشّريك، وعبادة الأوثان والأنداد، وهذا إبطال لما عقدوا عليه الآمال من شفاعة الأصنام، فهو وهم خادع وسراب فارغ. وعليكم أيضا أيها البشر ألا تستعجلوا القيامة، ولا تكذبوا النّبي ووعده ولا تستهزئوا بما قال، فإن نبوّة النّبي ثابتة يقينا، والله تعالى ينزل الملائكة بالروح من أمره، أي بالوحي المأمور به، على من يشاء من عباده الذين اصطفاهم واختارهم للرسالة وهم الأنبياء والرسل، ولا يكون نزول الوحي إلا بأمر الله تعالى، وأنه يحصل بوساطة الملائكة. ومهمة الرّسل إنذار الكفار وإعلامهم بأنه لا إله إلا الله، فهو الإله الواحد الذي لا شريك له ولا ندّ ولا نظير، فاتّقوا أيها الناس عقاب الله، ومخالفة أمره، وعبادة غيره. لقد أجابت هاتان الآيتان عن شبهات ثلاث للمشركين: قيام الساعة، ونزول العذاب، والشّرك والشّركاء، والنّبوة والوحي. براهين قدرة الله تعالى هناك في الكون المشاهد أدلة قاطعة على صفات الربوبية، فمن اتصف بها ثبتت له صفة الألوهية، ومن خلا منها لم يستحق وصفه بالرب أو الإله، وإننا لأول وهلة أو نظرة متأملة نجد أن من اتصف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة النافذة يحق له أن يخلق ويخترع ويعيد، وهذه هي صفات الرب، ، بخلاف الشركاء المزعومين

стр. 1241

تألها، لا يحق لهم شيء من صفات الربوبية، لانعدام صفة الحياة الدائم والعمل الشامل والقدرة الكاملة والإرادة النافذة، وهذا ما نجده مصرحا به في آيات القرآن التالية: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣ الى ٩] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) «١» «٢» «٣» «٤» » «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [النّحل: ١٦/ ٣- ٩] . هذه مظاهر الإبداع الإلهي، أبدع الله تعالى العالم العلوي وهو السماوات والعالم السفلي وهو الأرض ومحتوياتها، فذلك تنبيه على قدرة الله تعالى، خلقها الله بالحق، أي بالواجب اللائق، وبالحكمة والتقدير المحكم، لا عبثا، ولا مصحوبة بالخلل والنقص، فتنزه الله عن المعين والشريك، لعجز ما سواه عن خلق شيء، فلا يستحق العبادة إلا هو، ولا الربوبية سواه. وأبدع الله تعالى خلق الجنس الإنساني، وكان هناك فارق واضح بين بدء الخلق واكتماله، ليظهر الفرق بينهما بقدرة الله، خلق الله الإنسان من نطفة مهينة ضعيفة، ثم صار خصما واضح الخصومة لربه، فتراه يجادل في توحيد الله وشرعه ويقول: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٣٦/ ٧٨] نزلت هذه الآية لقول أبي بن خلف،

стр. 1242

حين جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم، فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رمّ- أي بلي-؟ وقوله سبحانه في وصف الإنسان: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إشارة إلى تعديد نعمة الذهن والبيان على البشر. ومن مظاهر قدرة الله الشاملة وإنعامه على عباده أنه سبحانه خلق لهم الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وكان للناس فيها جمال في النظر وزينة حين سروحها إلى المراعي، ووقت رواحها ورجوعها عشاء منها، وهي بأصوافها وأوبارها وجلودها واسطة الدفء أي السخونة، وفيها منافع كثيرة أخرى بالأكل من ألبانها ولحومها، وبعون الإنسان بركوبها ونقل الأحمال على بعضها. فهي تحمل أثقال الناس، أي أمتعتهم من مكان إلى آخر، حيث توجهوا بحسب اختلاف أغراضهم، ويعجزون عن نقلها وحملها إلى بلد آخر، لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، أي بمشقة شديدة وعناء كبير، إن ربكم الذي سخّر لكم هذه الأنعام وذلّلها لكم كثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث جعل هذه الأنعام لكم مصدر خير كبير ورزق وفير، وأداة نفع وجلب مصلحة. ومن مظاهر قدرة الله أيضا أنه خلق الخيل «١» والبغال والحمير للركوب عليها والتزيّن والمفاخرة بها، ويتجدد الخلق كذلك، فهو سبحانه يخلق للناس غير هذه الحيوانات ويلهمهم صناعة وسائل نقل كثيرة مما نشاهده من النّعم الحديثة من قطارات وطائرات وسفن وسيارات وغيرها. مما لا يعلم به الإنسان، فإن مخلوقات الله تعالى من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر، بل ما يخفى عنه أكثر مما يعلم، وقد روي أن الله تعالى خلق ألف نوع من الحيوان، منها في البر أربع مائة، وبثّها بأعيانها في البحر، وزاد فيه مائتين ليستا في البر.

стр. 1243

ثم قال الله تعالى مضيفا نعمة أخرى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ «١» وهذه من أجلّ نعم الله تعالى، أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه، بإقامة الأدلة، وبعث الرسل، وذلك تفضّل وتكرم من الله ببيان الطريق الواضحة الموصلة إلى الحق والخير، ومن الطرق المخلوقة للعبرة والامتحان طرق جائرة حائدة عن الاستقامة، مؤدية إلى الضلالة، وعلى العاقل أن يكون حذرا منها، غير متورط بها. ولو شاء الله لهدى الناس جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، أي لو شاء لخلق الهداية في قلوب جميع الناس، ولم يضل أحد. ولكن الله سبحانه لم يفعل ذلك لترك الحرية للبشر، يختارون الطريق التي يرونها، فيكون الحساب على هذا الاختيار والعمل بموجبه. براهين أخرى على قدرة الله تعالى لم يكتف القرآن الكريم بإيراد بعض الأدلة على قدرة الله تعالى، وإنما من أجل تقرير العقيدة وتمكينها في القلب، أورد الله سبحانه أدلة وبراهين أخرى كثيرة على قدرته الخارقة، لإثبات ألوهيته وربوبيته ووحدانيته، كيلا يبقى عذر لأحد في إنكار وجود الله، وسلطته الشاملة، وتفرده بإمداد النعم، والأفضال على بني الإنسان. وهذه الآيات: آيات كونية فيها تعداد نعمة الله في المطر والزرع والنبات والثمار، وتبيان منافع الليل والنهار والكواكب والنجوم، وخلق أشياء كثيرة في الأرض اليابسة وفي البحار والمحيطات المائية، وتسخير السفن التي تجري فيها، وإلقاء ثوابت الجبال في الأرض وتفجير الأنهار فيها، وفتح الطرق في أنحائها وإقامة الأمارات والعلامات والنجوم على السير ليلا في آفاقها، قال الله تعالى:

стр. 1244

[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١٦] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النّحل: ١٦/ ١٠- ١٦] . هذه جملة عظيمة من النعم الإلهية تدل على وجود الله ووحدانيته وقدرته وفضله وكرمه، وأول هذه النعم: إنزال المطر من السماء، أي السحاب، يستقي منه الإنسان والحيوان شرابا عذبا سائغا، ويسقي الأرض، فينبت عن هذا السقي الشجر والنبات مطلقا، لرعي الأنعام. ينبت الله بالمطر الزرع وشجر الزيتون والنخيل والعنب، ومن كل الثمار المختلفة اللون والنوع والطعم والمذاق والرائحة، إن في ذلك المذكور من إنزال الماء والإنبات لدلالة واضحة على وحدانية الله، لقوم يتفكرون في تلك الأدلة لأنه لا مبدع ولا موجد لها غير الله الخالق الأحد. وهناك أدلة أخرى على قدرة الله من الآيات الكونية المشاهدة، وهي تعاقب الليل والنهار للاستراحة والعمل، ودوران الشمس والقمر، للإنارة والنفع، وتزيين السماء بالنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات، نورا وضياء، أي إن هذه المخلوقات مسخرات مذللات على نحو ينتفع به البشر من السكون في الليل، والمعايش

стр. 1245

والمكاسب بالنهار، ومنافع الشمس والقمر للإنسان والنبات أكثر من أن تحصى، والنجوم هدايات وأضواء، إن في ذلك المذكور لدلالات واضحات لقوم يعقلون أسرارها، ويدركون فوائدها. وفي الأرض عجائب، خلق الله فيها للناس أشياء مختلفة الألوان والأشكال والمنافع والخواص، من نباتات ومعادن وجمادات وحيوانات، إن في ذلك المذكور لدلالات على قدرة الله لقوم يتذكرون آلاء الله ونعمه، وأفضاله ومواهبه، فيشكرونه عليها. ومن نعم الله تعالى أيضا تذليله البحر للناس، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته الأسماك المختلفة المستخرجة منه، واستخراج الحلي واللآلئ منه للبس والزينة، والاستفادة من المرجان، وعبور الفلك (السفن) فيه جيئة وإيابا، وطلب فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، مما يوجب شكر نعمه وإحسانه على الناس بما يسّره لهم في البحار. وفي الأرض نعم كثيرة، أهمها ثلاث: وهي تثبيت الأرض بالجبال الراسيات، كيلا تضطرب الأرض وتتحرك بأهلها، وإجراء الأنهار على وجه الأرض لتيسير الانتفاع بها، ففيها حياة الإنسان والحيوان والنبات، وإيجاد الطرق والمسالك التي تسهّل العبور والانتقال من أرض إلى أخرى، ومن بلد إلى غيره. وفي الأرض أيضا علامات مخصوصة ومعالم طرق تشير إلى المواقع والبلدان، وهي الجبال والهضاب والرياح ونحوها التي يستدل بها المسافرون برا وبحرا، ويهتدي الناس في ظلام الليل بالنجوم. قال ابن عباس: العلامات: معالم الطرق بالنهار، والنجوم هداية بالليل. وفي الجملة، أثبتت الآيات وجود الله ووحدانيته أولا بأجرام السماوات، وثانيا ببدن الإنسان، وثالثا بعجائب مخلوقات الحيوان، ورابعا بعجائب طبائع النباتات،

стр. 1246

وخامسا بأحوال العناصر وأولها عنصر الماء، وسادسا بعالم البحار والمحيطات وما فيها من عجائب، وسابعا بالجبال والأنهار والطرق في الأراضي، وثامنا بالنجوم المضيئة في الظلمات. الله الخالق العالم تظل قوى البشر وعلومهم مهما كانت عاجزة ضعيفة محدودة أمام قدرة الله، وعلمه الشامل للسر والعلن، والظاهر والباطن، فالله سبحانه هو المبدع الخالق الموجد للأشياء من العدم دون أن يسبق بشيء موجود، وأما الإنسان فقدرته لا تتجاوز تركيب الأشياء الموجودة والاستفادة من خواص المادة القائمة، والله يعلم السر وأخفى الحاضر والمستقبل، ويعلم جميع ما في السماوات والأرض من أحوال الكائنات، وعلم الإنسان مقصور على بعض الظواهر المحيطة به، وعلى ما هو حاضر غير غيبي، وتفرّد الله بالقدرة الخلاقة المطلقة والعلم الذي لا حدود له دليل على ألوهيته، وعلى أن العاجز عن الخلق لا يستحق التأليه ولا العبادة، وهذا ما صرحت به الآيات التالية: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٧ الى ٢٣] أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) «١» «٢» [النّحل: ١٦/ ١٧- ٢٣] .

стр. 1247

إن خواص الألوهية: هي الخلق والإبداع، وعلم السر والعلن، والحياة الأبدية دون أن يسبق الإله بشيء، ولا ينتهي عند حد، وهذه الآيات تذكر هذه الخواص، للإدلال على عظمة الله، وأنه لا يستحق العبادة والتقديس سواه، دون ما عداه من الأصنام والأوثان وغيرها التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة، أفمن يخلق الأشياء كمن لا يخلقها ويعجز عن إيجادها، أفلا تعتبرون وتتعظون أيها الناس؟! فإن معرفة ذلك لا تحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر. ويستمر خلق الأشياء للناس بإيجاد النعم وأنواع الإحسان، وإن أردتم أيها البشر تعداد نعم الله وحسابها، لم تستطيعوا إحصاءها وضبط عددها، فإن نعم الله كثيرة دائمة، وفضله لا ينقطع في كل دقيقة من الأحوال، وهو سبحانه كثير المغفرة يتجاوز عن السيئات وعن التقصير في شكر النعمة، رحيم بالعباد، ينعم عليهم مع استحقاقهم للحرمان بسبب جحودهم وكفرهم. إن قدرة الله على الخلق والإبداع هي أولى خواص الإله الحق، ودليل وجود الله، والخاصية الثانية هي أن الله يعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، والظاهر والباطن. وأما الأصنام وأمثالها من المخلوقات، فلها ثلاثة أوصاف، هي أنها لا تستطيع خلق شيء، بل هي مخلوقة، وهي جمادات لا أرواح فيها ولا حياة لها أصلا، أما الإله فهو الحي الدائم الذي لا يطرأ عليه موت أصلا، وتلك الأصنام لا تدري متى يبعث عبدتها من القبور، ومتى تقوم الساعة، فكيف يرتجى منها نفع أو تستطيع منع ضرر ما؟! وإذا كانت الأصنام وجميع المخلوقات لا تستحق التأليه لفقدها خواص الألوهية،

стр. 1248

فإن الله تعالى هو إلهكم جميعا أيها الناس، وهو إله واحد، لا إله إلا هو، وهو المعبود الذي يستحق العبادة والطاعة بحق، ولا شريك له ولا ندّ ولا نظير، والإله يوم القيامة واحد أيضا. وفي هذا توعّد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرون وجودها، ولا يؤمنون بوحدانية الله، قلوبهم منكرة لتوحيد الله، وهم مستكبرون عن رفض معتقدهم فيها، وترك طريقة آبائهم في عبادتها، وهم يجمعون بين التكذيب بالله تعالى وبالبعث، لأن من صدّق بالبعث من القبور، فمحال أن يكذّب بالله ﵎. وختم الله هذه الآيات التي تسفّه عقول المشركين وتوبّخهم على شركهم بتهديد ووعيد على أعمالهم، فقال الله: لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ أي حقا إن ربك القدير العليم يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون وغيرهم وما يعلنون، ويعلم إصرارهم على كفرهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، إنه سبحانه يمقت ويجازي المستكبرين عن التوحيد، بل وكل مستكبر، إنه يعاقبهم ويجازيهم على أعمالهم، وقوله سبحانه: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وعيد عام في الكافرين والمؤمنين، يأخذ كل واحد منهم بقسطه. جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن مسعود: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر.» صفات المستكبرين إن كل من يتنكر لعبادة الله ﷻ ، ويعرض عنها هو ممن اتصف بالاستكبار والغرور، والحماقة والجهل، وشأن المستكبرين البعد عن دائرة الحق والخروج عن دواعي المنطق والعقل، والاسترسال في الغواية والأهواء، ومصادمة الحقائق، ولو تأمل المستكبرون من كفّار مكة وأمثالهم حقيقة القرآن، وترفعوا عن

стр. 1249

الغرور، لكان خيرا لهم، ولو تفكروا في مستقبل الحياة بشيء من التعقل وبعد النظر، لبادروا إلى الإذعان لأوامر الله وعبادته وإعلان وحدانيته. قال الله تعالى مبينا أمراض هؤلاء المستكبرين وشبهاتهم الباطلة: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [النّحل: ١٦/ ٢٤- ٢٩] . تذكر هذه الآيات شبهات الذين لا يؤمنون بالآخرة، وينكرون النبوة، وهم مكذبون مستكبرون، والشبهة الأولى الخطيرة هي طعنهم في القرآن بأنه أساطير الأولين، أي أباطيل وترّهات القدماء. فإذا قيل لهؤلاء المتكبرين المكذبين الكافرين بالآخرة، وهم كفار مكة وأمثالهم: أي شيء أنزل ربكم؟ قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا، إنما هذا الكلام المتلو علينا أكاذيب وخرافات المتقدمين. والسائل هو من بعض المشركين كالنضر بن الحارث وأمثاله من أعداء القرآن. إنهم بوصفهم القرآن بالأساطير يؤول أمرهم ويصير قولهم لتحمّل أوزارهم وآثامهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة، وتحمل أوزار الذين يتّبعونهم جهلا بغير علم، فلا يعلمون.

стр. 1250

أنهم وقعوا في الضلال، بتقليدهم زعماء الكفر، ألا بئس شيئا يحملونه من الذنب ذلك الذي يفعلون. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس حديثا نصه: «أيما داع دعا إلى ضلالة، فاتّبع، فإن عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى، فاتّبع، فله مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» . وهناك شبه بين الكفار القدامى والكفار الجدد في عصر النبوة، فلقد مكروا جميعا لدين الله ورسله، واحتالوا لإطفاء نور الله، فأهلكهم الله تعالى في الدنيا، بتدمير مبانيهم من قواعدها، وإسقاط السقوف عليهم من فوقهم، وإبطال كيدهم، وإحباط أعمالهم، وإطباق العذاب عليهم من كل جانب، من حيث لا يحسون بمجيئه ولا يتوقعون حدوثه، قال ابن عباس: الإشارة ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إلى نمرود الذي بنى الصرح ليصعد به إلى السماء على زعمه، فلما أفرط في علوه، وطوّله في السماء فرسخين- على ما حكى النقاش- بعث الله عليه ريحا فهدمه، وخر سقفه عليه وعلى أتباعه، وهذا أيضا يشمل جميع من كفر من الأمم المتقدمة ومكر، ونزلت به عقوبة من الله تعالى. هذا عذابهم في الدنيا، ولهم عذاب آخر وهو أنه يوم القيامة يخزيهم، ويظهر فضائحهم، ويذلّهم إذلالا دائما، ويقول لهم الرب ﵎ تقريعا لهم وتوبيخا: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي أين شركائي في زعمكم، أين آلهتكم التي عبدتموها من دوني وكنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم؟ أحضروهم ليدفعوا عنكم العذاب. قال العلماء المقرّون بالتوحيد لله: إن الذل والفضيحة والعذاب محيط اليوم بالكافرين الذين كفروا بالله، وأشركوا به ما لا يضرهم ولا ينفعهم. وهؤلاء

стр. 1251

الكافرون تتوفاهم الملائكة وتقبض أرواحهم، حالة كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي والتعريض للعذاب، ولكن لما حضرهم الموت وعاينوا العذاب، أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ما كنا مشركين بربنا أحدا، وما كنا نعمل شيئا من السيئات، فكذبهم الله في قولهم ورد عليهم بقوله: بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي لقد عملتم السوء كله وأعظمه، والله عليم بأعمالكم، فلا فائدة في إنكاركم، والله يجازيكم على أعمالكم، فادخلوا أبواب جهنم للاستقرار فيها، وذوقوا عذاب إشراككم بربكم، وأنتم خالدون ماكثون فيها إلى الأبد، وساء المقر مقر دار الهون، ومقام المتكبرين عن آيات الله تعالى واتباع رسله. صفات المتقين وجزاؤهم بعد أن ذكر الله تعالى صفات المكذبين بالقرآن، المستكبرين عن آياته، ذكر للمقارنة والموازنة صفات المؤمنين الذين يصدقون بالوحي الإلهي، وبالجزاء المرتقب في الدنيا والآخرة، بالإسعاد في الحياة، والظفر بمنازل الخيرات ودرجات السعادة في جنان عدن، والأشياء تتميز بأضدادها، فإذا كان جزاء المتكبرين عن عبادة الله والتصديق بما أنزل على رسله هو نيران جهنم، فإن جزاء المتقين الممتثلين أوامر الله هو نعيم الجنان، فيظهر الفرق جليا بين الفريقين، ويتميز المحسنون من الأشرار، وهذا ما أبانته الآيات التالية: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) [النّحل: ١٦/ ٣٠- ٣٢] .

стр. 1252

لما وصف الله تعالى مقالة الكفار الذين قالوا عن القرآن: إنه أساطير الأولين، عادل ذلك ببيان مقالة المؤمنين أصحاب النبي ﷺ ، وأوجب لكل فريق ما يستحق، لتباين المنازل بين الكفر والإيمان. وإذا قيل لأهل التقوى والإيمان بالله ورسوله والمحسنين أعمالهم: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالوا: أنزل الله في الوحي على نبينا خيرا، من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا، ونعيم في الآخرة، بدخول الجنة، ودار الآخرة خير من دار الدنيا، ونعمت الدار دار المتقين الذين أطاعوا الله واجتنبوا نواهيه. أخرج الإمام أحمد ومسلم عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيعطى بحسناته في الدنيا، فإذا لقي الله يوم القيامة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» . والسائل للمتقين: هم الوافدون من المشركين على المسلمين في أيام المواسم والأسواق، فكان الرجل يأتي مكة، فيسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين، ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه، فيقولون: أنزل خيرا. ثم وصف الله دار المتقين بأنها جنات عدن، أي إقامة، تجري بين أشجارها وقصورها الأنهار، ونعيمها دائم ميسّر غير ممنوع، وللمحسنين في الدنيا ما يتمنون ويطلبون في الجنات، كما قال الله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف: ٤٣/ ٧١] وهذا جزاء التقوى والمتقين، ومثل ذلك الجزاء الطيب، يجزى الله كل من آمن به واتقاه، وتجنّب الكفر والمعاصي، وأحسن عمله، وهذا حث على ملازمة التقوى، وإغراء للمتقين بالاستزادة من أعمال الخير.

стр. 1253

وحال المتقين عند الاحتضار أو الموت على عكس حال الكفار والمشركين، تقبض الملائكة أرواحهم طاهرين طيبين من الشرك والمعصية وكل سوء، وتسلّم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة عند قبض الأرواح، تقول لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي سلام عليكم من الله، وأمان لا خوف، وراحة لا مكروه، ادخلوا الجنة التي أعدها لكم ربكم بسبب أعمالكم الطيبة وأفعالكم الخيرة الحسنة، ولما بشرتهم الملائكة بالجنة، صارت الجنة كأنها دارهم، وكأنهم فيها، وهي خاصة بهم، لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا مثل الوارد في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) [فصّلت: ٤١/ ٣٠] . وقوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ عبارة عن صلاح حالهم واستعدادهم للموت، وهذا بخلاف ما قال الله تعالى في الكفرة: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ أي بالكفر والشرك والضلال. و (الطيب) : هو الذي لا خبث معه، ومنه قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزّمر: ٣٩/ ٧٣] . وقوله سبحانه: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعبير عن قانون العدل، حيث جعل الله الأعمال أمارة لإدخال العبد الجنة، ولا يتعارض هذا مع الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: «لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة» . فهذا تعبير عن مقتضى الرحمة التي هي فوق العدل، ومن الرحمة أن يوفق الله العبد إلى أعمال برّة. والقصد من الحديث نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة، وإنما دخول الجنة بمحض فضل الله وإحسانه وتعميم رحمته.

стр. 1254

تهديد المشركين بالعقاب لقد كان مشركو مكة في أشد حالات العناد ومقاومة دعوة الرسول، والتحدي لأمره، دون مبالاة بعذاب إلهي، أو عقاب خطير، وكأنهم لم يتعظوا بأحداث الأقوام الغابرة الذين أنزل الله بهم ألوانا من عذاب الاستئصال، للعبرة والعظة، وحاولوا تعطيل إرادتهم ودورهم في اختيار الإيمان، ونسبوا الشرك لإرادة الله، وهو مجرد وهم وافتراء، ونسبة للأمور لغير مصدرها الصحيح، وهذه آيات كريمة تصور مواقف المشركين وتماديهم في الباطل: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) «١» [النّحل: ١٦/ ٣٣- ٣٥] . هدد الله تعالى بهذه الآيات المشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا، ومضمون التهديد: ما ينتظر كفار مكة وأمثالهم في التصديق بنبوة النبي محمد ﷺ إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم، أو أن يأتيهم أمر ربك بعذاب الاستئصال في الدنيا، كإرسال الصواعق أو الزلازل، أو قيام الساعة، وما يتعرضون له من الأهوال. وهذا وعيد شديد، يقصد به حثهم على الإيمان بالله ورسوله قبل نزول العذاب. وهذا الموقف المعاند له شبيه بفعل أسلافهم من الأمم، الذين عوقبوا بحق، وليس ظلما بوضع العقاب في غير موضعه، ولكنهم هم الذين

стр. 1255

ظلموا أنفسهم، بكفرهم بالله تعالى، وميلهم لعبادة الأصنام والأوثان. إنهم ظلموا أنفسهم، أي آذوها بفعلهم نفسه، وإن كانوا لم يقصدوا ظلمها ولا إذايتها. لقد أصابهم جزاء عملهم في الدنيا والآخرة، ونزل بهم العقاب، وأحاط بهم العذاب، جزاء بما كانوا به يستهزئون، بالسخرية من الرسل حين توعدوهم بعقاب الله تعالى. فقوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فيه محذوف، يدل عليه الظاهر من الكلام، تقديره: جزاء بما كانوا يكسبون أو يستهزئون. والآية تتضمن شبهة أخرى لمنكري النبوة الذين طالبوا بإنزال ملك من السماء، يشهد على صدق رسالة محمد ﷺ ، بعد شبهة الزعم بأن القرآن أساطير الأولين. ثم أجاب الله تعالى عن شبهة ثالثة لمنكري النبوة، تصور جدلا من الكفار، وذلك أن أكثرهم كانوا يعتقدون وجود الله تعالى، وأنه خالقهم ورازقهم، ولكنهم زعموا أن شركهم بإرادة الله، فقالوا: يا محمد، نحن من الله بمرأى في عبادتنا الأوثان، واتخاذها زلفى تقرب إلى الله، ولو كره الله فعلنا لغيّره منذ مدة، إما بإهلاكنا، وإما بهدايتنا، ولو شاء الله الإيمان لآمنا، فكل من الإيمان والكفر من الله، ولا فائدة في مجيء الرسول، ويكون القول بالنبوة باطلا، ومقصودهم بهذا الطعن بالنبوة. وهذا الزعم أعلنه المشركون حينما لزمتهم الحجج الدامغة، وأفلسوا عن إيراد الجواب المعقول، وأضافوا قائلين: لو شاء الله ما حرّمنا بعض المواشي، كالبحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك مما حرّموه، فيكون قولهم شاملا أمرين: أنهم لو شاء الله ما عبدوا هم ولا آباؤهم غير الله، ولا حرموا شيئا حال كونه من دون الله، والمراد ما حرموا شيئا مستقلين بتحريمه. ثم جاء الرد القاطع من الله على هذا الموقف الذي لا يتفق مع العقل والحقيقة في شيء، ومضمون الرد: هو أن الله تعالى ينهى عن الكفر ولا يرضاه لعباده، وقد

стр. 1256

تذرع من قبلهم من الأمم بهذه الذريعة، وسبقهم إلى هذه النزعة الأولون من الكفار، والأمر ليس على ما ظنّوه من أن الله تعالى إذا أراد الكفر لا يأمر بتركه، بل قد أقام الله الأدلة لعباده، على صحة الإيمان والاعتقاد، وأرسل الرسل منذرين، وليس عليهم إلا البلاغ الواضح، وليس عليهم الهداية، والله تعالى لا يجبر أحدا على الهداية أو الضلالة، وإنما يختار الإنسان لنفسه ما يريد، والله سبحانه خلق للإنسان قدرة الاختيار، فلا يصح الاحتجاج بمشيئة الله، بعد أن خلق للناس من قدرة الاختيار ما يكفي. إن التذرع بمشيئة الله لتسويغ الشرك والانحراف والعصيان شيء باطل، وعلم الله بوقوع الكفر وإرادته في وقوعه من إنسان شيء آخر لا صلة له بأصل الاختيار، فإن كل إنسان مسئول عما يفعل ويختار، وهو يجهل مراد الله، فكان عليه التزام أوامر الشريعة واجتناب نواهيها، ولا يصح له الادعاء بأن الكفر والضلال داخل في مراد الله وعلمه. مهمة الرسل في الأمم تعدد إرسال الرسل في الأمم المختلفة، لمهمة مشتركة جوهرية، هي الدعوة إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، وقد جاهد الأنبياء والرسل في إثبات هذه الأصول والمعتقدات، وبيان الأمور المختلف فيها، وتقرير الإرادة الإلهية النافذة التي توجد كل شيء بأمر الله وكلمته التكوينية، وهي: كُنْ فَيَكُونُ. فآمن جماعة بهذه العقائد وضل آخرون، فخسروا الدنيا والآخرة. قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)

стр. 1257

«١» «٢» «٣» [النّحل: ١٦/ ٣٦- ٤٠] . أبانت هذه الآيات عموم بعثة الرسل لكل الأمم، فكانت سنة الله في خلقه إرسال الرسل إليهم، وتضمنت رسالاتهم الدعوة لعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة الطاغوت: وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام، والبشر والكواكب، والشيطان وغيرها. فمن الأقوام من آمن وهداهم الله إلى الحق، ووفّقهم لتصديق الرسل، ففازوا ونجوا، ومنهم من كفر بالله وكذبوا رسله، وضلّوا الطريق، فعاقبهم الله تعالى. أما من هداه الله، فإنه نظر ببصيرته وسار في طريق الخير، وأما من حقت عليه الضلالة، وهي المؤدية إلى النار حتما أو إلى عذاب الله في الدنيا، فإنه أعرض عن الحق وكفر واختار طريق الشر. ثم أحال الله في توجيه علم الفريقين على الطلب في الأرض، فاسألوا أيها البشر عمن خالف الرسل، وكذب الحق، كعاد وثمود، كيف أهلكهم الله بذنوبهم، وانظروا كيف كان مصير المكذّبين رسلهم، لتعتبروا بعاقبتهم. ثم آنس الله تعالى رسوله وواساه عما يقابل من جحود قومه، فقال له: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي: إن حرصك على هداية قومك لا ينفع، فإنها أمور محتومة، ولا يفيدهم حرصك إذا كان الله قد

стр. 1258

أراد إضلالهم بسوء اختيارهم، والله لا يهدي من قضى بإضلاله، وأساء الاختيار، وليس لمن اختاروا الضلالة ناصرون ينقذونهم من عذاب الله وعقابه لأن أساس الحساب على الإيمان والكفر هو الاختيار، لا الإكراه والإلجاء. ثم رد الله تعالى على شبهة خطيرة لمنكري النبوة، وهي إنكار البعث والحشر والنشر والحساب، فلقد أقسم المشركون كفار قريش واجتهدوا في الحلف، وأغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، أي إنهم استبعدوا البعث، وكذبوا الرسل في إخبارهم إياهم به، لأن الميت يفنى ويزول. ذكر أن رجلا من المسلمين جاور رجلا من المشركين، فقال في حديثه: «لا والذي أرجوه بعد الموت» فقال له الكافر: «أو تبعث بعد الموت؟» قال: «نعم» فأقسم الكافر مجتهدا في يمينه أن الله لا يبعث أحدا بعد الموت، فنزلت الاية بسبب ذلك. وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ معناه بغاية جهدهم. ردّ الله تعالى عليهم بقوله: بَلى فأوجب بذلك البعث، وقرر وقوعه ثم أكده بمصدرين مؤكدين بقوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي بلى، سيكون ذلك، ووعد به وعدا حقا لا بد منه، ولكن أكثر الناس لجهلهم بقدرة الله خالفوا الرسل، ووقعوا في الكفر، وأكثر الناس في هذه الآية: هم الكفار المكذبون بالبعث. والبعث من القبور مما يجوّزه العقل، وأثبته خبر الشريعة على لسان جميع النّبيين. وحكمة الله في البعث والمعاد هي ليبين الله للناس الحق الذي يختلفون فيه، ويقيم العدل المطلق، فيميز بين الخبيث والطيب، والعاصي والطائع، وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ متعلق بقوله: بَلى أي بلى يبعث ليبين، وليعلم الكافرون الذين أنكروا البعث والجزاء أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقوالهم وادعائهم أنه لا يبعث الله من يموت.

стр. 1259

وقضية البعث سهلة مرجعها لقدرة الله تعالى الشاملة لكل شيء، فالله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، إذا أراد شيئا من بدء الخلق والإعادة وبعث الأموات والمعاد، فإنما يتم بالأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء الله، دون عناء ولا تردّد، ولا بطء ولا تكلف، كما قال سبحانه: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) [القمر: ٥٤/ ٥٠] . حال مؤمني مكة في بدء الدعوة (المهاجرون إلى الحبشة) كان الصراع شديدا وعنيفا في مكة المكرمة في بدء الدعوة الإسلامية، بين كفار مكة الذين أقسموا أن الله لا يبعث من يموت، وبين مؤمني مكة المعارضين لهم، وهم الذين هاجروا إلى الحبشة، إيثارا للسلامة، وبعدا عن الأذى والاضطهاد، فالكفار أنكروا البعث والقيامة، والمؤمنون آمنوا بكل ما جاء به الإسلام، وصبروا على إيذاء المشركين، وضحوا بأنفسهم وأموالهم وديارهم من أجل إعلاء كلمة الله. وقد أشاد القرآن بهم في الآيات التالية: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٤٤] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) «١» «٢» «٣» [النّحل: ١٦/ ٤١- ٤٤] .

стр. 1260

الصحيح في سبب نزول هذه الآية: وَالَّذِينَ هاجَرُوا.. في المهاجرين إلى أرض الحبشة في المرحلة الأولى من الدعوة الإسلامية، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية، وتشمل الآية كل من هاجر أولا وآخرا. ومما لا شك فيه أن هؤلاء النخبة العالية من السابقين إلى الإسلام، لهم فضل كبير ومنزلة عظيمة، لمبادرتهم إلى الإيمان بدعوة النبي ﷺ في مبدأ الأمر، حيث قل الأتباع، وكثر الأعداء، واستبد الأقوياء بالضعفاء، وألجؤوهم إلى الفرار بدينهم، والهجرة من أوطانهم، انتصارا لمبدأ التوحيد، وإعلاء لكلمة الله، لذا استحقوا الخلود في تاريخ الأمة، وهو المراد بكلمة الحسنة عند بعض المفسرين، فهي لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. وكان جزاء هؤلاء المهاجرين عند ربهم إنزالهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب، فتكون الحسنة التي أنعم الله بها عليهم: هي المنزلة الطيبة، والمسكن المرضي، والموطن الأصلح وهو المدينة، كما قال ابن عباس والشعبي وقتادة. وقال مجاهد: هي الرزق الطيب، قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله، عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك أصبحوا سادة العباد والبلاد. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ. أي: وثوابهم في الآخرة على هجرتهم أعظم مما أعطاهم الله في الدنيا، لأن ثوابه هو الجنة ذات النعيم الدائم الذي لا يفنى، ولو علم الكفار أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين المهاجرين، في أيديهم، الدنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. لقد استحق هؤلاء المهاجرون هذه المنزلة العالية لأنهم صبروا على أذى قومهم، وعلى مفارقة الوطن المحبوب، وهو حرم الله مكة، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في

стр. 1261

سبيل الله، وعناء السفر ومتاعب الغربة، وتوكلوا على ربهم، وفوضوا أمورهم إليه، فأحسن عاقبتهم في الدنيا والآخرة. وكان من بين هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة أشراف المسلمين: عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت الرسول ﷺ ، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة ابن عبد الأسود، في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صدّيق وصدّيقة ﵃ وأرضاهم. ثم رد الله تعالى على شبهة كفار قريش في بشرية الرسل، حيث استبعدوا أن يكون البشر رسولا من الله تعالى، فأعلمهم الله مخاطبا رسوله محمدا ﷺ أنه لم يرسل إلى الأمم إلا رجالا أوحى إليهم، ولم يرسل ملكا ولا غير ذلك. وقل لهم يا محمد: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي أسألوا أحبار اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، فإنهم يخبرون بأن الرسل من البشر. لقد أرسل الله الرسل بالحجج والدلائل التي تشهد لهم بصدق نبوتهم، وبالكتب المشتملة على التشريع الرباني، وهي الزّبر، أي الكتب، وكما أنزلنا الكتب إلى من قبلك يا محمد، أنزلنا إليك القرآن، لتبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم من الشرائع والأحكام والحلال والحرام وقصص الأنبياء والأمم الماضية التي أبيدت لتكذيبها الرسل، ومن أجل أن يتفكروا وينظروا في حقائق الكون وأسرار الحياة وعبر التاريخ، فيهتدون ويفوزون بالنجاة في الدارين. وهذه حقيقة تشريعية وواقعية، فإن من آمن برسل الله الكرام، وبالكتب الإلهية المنزلة، وعمل بما أنزل الله، حظي بسعادة الدنيا والآخرة، وتلك هي النعمة العظمى والغاية الكبرى للإنسان العاقل.

стр. 1262

تهديد الله أهل مكة الذين عادوا الإسلام لا يتعجل الله سبحانه عادة بعقاب الكفار على كفرهم وظلمهم، وإنما يعطيهم الفرصة الكافية للنظر والتأمل، ومراجعة الحساب، وامتثال أوامر الله، فينذرهم مرة، ويحذرهم تارة، ويذكّرهم بمصير الظلمة العتاة الذين سبقوهم، وكل ذلك من أجل الحرص على صلاحهم وهدايتهم وتمكينهم من العودة القريبة لجادة الاستقامة وسلوك الطريق الأقوم، وهذا المنهج تقرره الآيات الكريمة التالية: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٠] أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) » «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [النّحل: ١٦/ ٤٥- ٥٠] . هذه آية تهديد لأهل مكة، في قول الأكثرين، ومعناها: أفأمن الكفار العصاة الذي يعملون السيئات ويمكرون بالناس في دعائهم إلى الضلال، ويسيئون إلى الرسول ﷺ ، ويحاولون صد الناس عن الإيمان بدعوته، وهم أهل مكة، هل أمنوا أحد أمور أربعة؟ - أن يخسف الله بهم الأرض، كما فعل بقارون. - أو أن يعجل الله لهم العذاب فجأة من حيث لا يشعرون به، كما صنع بقوم لوط.

стр. 1263

- أو يأخذهم في تقلّبهم في الليل والنهار وفي أسفارهم ومتاجرهم واشتغالهم بالمعايش والمكاسب والملهيات، فلا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. - أو يأخذهم على جهة التخوف: وهو التنقص في الأموال والأنفس والثمرات، فإن الله تعالى لم يعجل بعذابهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة لأنه رؤف رحيم بعباده، فترك لهم فرصة يتمكنون من تلافي التقصير، واستدراك الأخطاء، والعدول عن الضلال. جاء في الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» . وهذه الإنذارات تتطلب التذكير بقدرة الله الشاملة والخارقة، لذا جاء التذكير بإبداع المخلوقات السماوية والأرضية، وهي ألم ينظر هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من شيء له ظل، من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، تتميل ظلاله «١» من جانب إلى جانب، ذات اليمين وهو المشرق، وذات الشمال وهو المغرب، بكرة وعشيا، أي في الغداة أول النهار، وفي المساء آخر النهار، وتلك الظلال ساجدة لأمر الله وحده، والسجود: الانقياد والاستسلام، وهم صاغرون خاضعون منقادون لله، لأن الظلال تتحول من جهة المشرق إلى جهة المغرب، وهذا الانتقال دليل على القدرة الإلهية، وبعبارة أخرى: أو لم ينظروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال، متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها وشقّيه، ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله، غير ممتنعة عليه، فيما سخرها له من التفيؤ، كما أن الأجرام المادية في أنفسها صاغرة منقادة لأفعال الله، لا تمتنع. وهذا في الجمادات، ثم ذكر الله سجود الأحياء، فلله يسجد كل ما في السموات

стр. 1264

والأرض من الدوابّ والملائكة، والحال أنهم لا يستكبرون أبدا عن عبادته، وعن أي شيء كلفوا به، فهم في تذلل دائم وخضوع لله تعالى. يخاف هؤلاء الملائكة والدواب الأرضية المخلوقة ربّهم المهيمن عليهم من فوقهم بالقهر والغلبة، ويفعل الملائكة كل ما يؤمرون به، فهم مثابرون على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وكذلك المؤمنون يأتمرون بأوامر الله بحسب الشرع وواجب الطاعة، وأما غير المؤمنين من الحيوان فيأتمرون بالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى أمر الله. والمراد بالفوقية: علو الرتبة والشرف، والقدرة والهيمنة. إن المقصود من هذه الآيات: هو أنه على أهل مكة الماكرين بالنبي وبالمؤمنين أن يحذروا عقاب الله، فإن الله قادر على تعذيبهم عاجلا أو آجلا، ودليل قدرته وعظمته وكبريائه خضوع كل شيء له في السماوات والأرض، من جماد ونبات وحيوان وإنس وجنّ وملائكة. وإن تبدل أحوال الكائنات وتغير أوضاعها من زيادة ونمو ونقص، وارتفاع وانخفاض، واتساع وضيق، دليل على أن الله الذي كونها على هذا النحو، أراد بذلك التذكير بالمتصرّف فيها، والمبدّل لأحوالها، وليكون ذلك لخير الإنسان وتمتعه بأوصاف الكمال والجمال الإلهي، لأن ثبات الشيء على حال واحدة مملّ وممجوج، وفي التغير حركة مسلّية وتذكير بقيمة الوقت وحقائق الأشياء. النهي عن تعدد الآلهة الدعوة إلى توحيد الله، والنهي عن الشرك والإشراك بالله هو جوهر الدعوات التي جاء بها النبيون في مراحل التاريخ المتعاقبة لأن الشرك باطل ومناف للواقع، وهو وكر الخرافات والأوهام والأباطيل، ويتنافى مع كرامة الإنسان وعزته وصلته

стр. 1265

بربه، فالواجب عبادة الله وحده واتقاؤه، والتماس الخير والنفع، ودفع الشر والضرر منه وحده دون غيره، ولا سيما في أوقات الأزمات والمحن، مع الحفاظ على نعمة الشكر لله دون كفران النعمة بعد توافرها، قال الله تعالى مبينا هذه الأصول: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٥٥] وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) «١» «٢» [النّحل: ١٦/ ٥١- ٥٥] . هذه الآيات نهي صريح قاطع من الله ﵎ عن الإشراك به، وتقرير واجب لمبدأ توحيد الله، والالتزام بمقتضياته من عبادته وحده، وشكره على نعمه وأفضاله. ومعناها: لا تتخذوا إلهين اثنين، وكلمة اثْنَيْنِ تأكيد للتنفير من التعدد، أي لا تتخذوا لي شريكا، ولا تعبدوا سواي، فمن عبد مع الله إلها غيره، فقد أشرك به، إنما الله إله واحد، ومعبود واحد، فإياه فارهبوا أيها البشر، وخافوا عقابه بالإشراك وعبادة سواه. ويكون المبدأ الأصيل في الدين: هو أن لا إله إلا الله، وأن العبادة لا يستحقها غيره. ولما كان الإله الحق واحدا، والواجب لذاته في العبادة واحدا، كان كل ما سواه من الأشياء مما يعقل وما لا يعقل، حاصلا بخلقه وتكوينه وإيجاده، فلله جميع ما في السموات «٣» والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فهو خالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، وهم عبيده ومملوكوه، وله الدين واصبا، أي له الطاعة والانقياد والملك والعبادة على سبيل الدوام والاستمرار، وبعد أن عرفتم أن إله العالم واحد، وعرفتم
следующие страницы →