سبيل الله، وعناء السفر ومتاعب الغربة، وتوكلوا على ربهم، وفوضوا أمورهم إليه، فأحسن عاقبتهم في الدنيا والآخرة.
وكان من بين هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة أشراف المسلمين: عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت الرسول ﷺ ، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة ابن عبد الأسود، في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صدّيق وصدّيقة ﵃ وأرضاهم.
ثم رد الله تعالى على شبهة كفار قريش في بشرية الرسل، حيث استبعدوا أن يكون البشر رسولا من الله تعالى، فأعلمهم الله مخاطبا رسوله محمدا ﷺ أنه لم يرسل إلى الأمم إلا رجالا أوحى إليهم، ولم يرسل ملكا ولا غير ذلك. وقل لهم يا محمد:
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي أسألوا أحبار اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، فإنهم يخبرون بأن الرسل من البشر.
لقد أرسل الله الرسل بالحجج والدلائل التي تشهد لهم بصدق نبوتهم، وبالكتب المشتملة على التشريع الرباني، وهي الزّبر، أي الكتب، وكما أنزلنا الكتب إلى من قبلك يا محمد، أنزلنا إليك القرآن، لتبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم من الشرائع والأحكام والحلال والحرام وقصص الأنبياء والأمم الماضية التي أبيدت لتكذيبها الرسل، ومن أجل أن يتفكروا وينظروا في حقائق الكون وأسرار الحياة وعبر التاريخ، فيهتدون ويفوزون بالنجاة في الدارين.
وهذه حقيقة تشريعية وواقعية، فإن من آمن برسل الله الكرام، وبالكتب الإلهية المنزلة، وعمل بما أنزل الله، حظي بسعادة الدنيا والآخرة، وتلك هي النعمة العظمى والغاية الكبرى للإنسان العاقل.
стр. 1262
تهديد الله أهل مكة الذين عادوا الإسلام
لا يتعجل الله سبحانه عادة بعقاب الكفار على كفرهم وظلمهم، وإنما يعطيهم الفرصة الكافية للنظر والتأمل، ومراجعة الحساب، وامتثال أوامر الله، فينذرهم مرة، ويحذرهم تارة، ويذكّرهم بمصير الظلمة العتاة الذين سبقوهم، وكل ذلك من أجل الحرص على صلاحهم وهدايتهم وتمكينهم من العودة القريبة لجادة الاستقامة وسلوك الطريق الأقوم، وهذا المنهج تقرره الآيات الكريمة التالية:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)
»
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [النّحل: ١٦/ ٤٥- ٥٠] .
هذه آية تهديد لأهل مكة، في قول الأكثرين، ومعناها: أفأمن الكفار العصاة الذي يعملون السيئات ويمكرون بالناس في دعائهم إلى الضلال، ويسيئون إلى الرسول ﷺ ، ويحاولون صد الناس عن الإيمان بدعوته، وهم أهل مكة، هل أمنوا أحد أمور أربعة؟
- أن يخسف الله بهم الأرض، كما فعل بقارون.
- أو أن يعجل الله لهم العذاب فجأة من حيث لا يشعرون به، كما صنع بقوم لوط.
стр. 1263
- أو يأخذهم في تقلّبهم في الليل والنهار وفي أسفارهم ومتاجرهم واشتغالهم بالمعايش والمكاسب والملهيات، فلا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه.
- أو يأخذهم على جهة التخوف: وهو التنقص في الأموال والأنفس والثمرات، فإن الله تعالى لم يعجل بعذابهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة لأنه رؤف رحيم بعباده، فترك لهم فرصة يتمكنون من تلافي التقصير، واستدراك الأخطاء، والعدول عن الضلال.
جاء في الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» .
وهذه الإنذارات تتطلب التذكير بقدرة الله الشاملة والخارقة، لذا جاء التذكير بإبداع المخلوقات السماوية والأرضية، وهي ألم ينظر هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من شيء له ظل، من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، تتميل ظلاله «١» من جانب إلى جانب، ذات اليمين وهو المشرق، وذات الشمال وهو المغرب، بكرة وعشيا، أي في الغداة أول النهار، وفي المساء آخر النهار، وتلك الظلال ساجدة لأمر الله وحده، والسجود: الانقياد والاستسلام، وهم صاغرون خاضعون منقادون لله، لأن الظلال تتحول من جهة المشرق إلى جهة المغرب، وهذا الانتقال دليل على القدرة الإلهية، وبعبارة أخرى: أو لم ينظروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال، متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها وشقّيه، ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله، غير ممتنعة عليه، فيما سخرها له من التفيؤ، كما أن الأجرام المادية في أنفسها صاغرة منقادة لأفعال الله، لا تمتنع.
وهذا في الجمادات، ثم ذكر الله سجود الأحياء، فلله يسجد كل ما في السموات
стр. 1264
والأرض من الدوابّ والملائكة، والحال أنهم لا يستكبرون أبدا عن عبادته، وعن أي شيء كلفوا به، فهم في تذلل دائم وخضوع لله تعالى. يخاف هؤلاء الملائكة والدواب الأرضية المخلوقة ربّهم المهيمن عليهم من فوقهم بالقهر والغلبة، ويفعل الملائكة كل ما يؤمرون به، فهم مثابرون على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وكذلك المؤمنون يأتمرون بأوامر الله بحسب الشرع وواجب الطاعة، وأما غير المؤمنين من الحيوان فيأتمرون بالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى أمر الله.
والمراد بالفوقية: علو الرتبة والشرف، والقدرة والهيمنة.
إن المقصود من هذه الآيات: هو أنه على أهل مكة الماكرين بالنبي وبالمؤمنين أن يحذروا عقاب الله، فإن الله قادر على تعذيبهم عاجلا أو آجلا، ودليل قدرته وعظمته وكبريائه خضوع كل شيء له في السماوات والأرض، من جماد ونبات وحيوان وإنس وجنّ وملائكة.
وإن تبدل أحوال الكائنات وتغير أوضاعها من زيادة ونمو ونقص، وارتفاع وانخفاض، واتساع وضيق، دليل على أن الله الذي كونها على هذا النحو، أراد بذلك التذكير بالمتصرّف فيها، والمبدّل لأحوالها، وليكون ذلك لخير الإنسان وتمتعه بأوصاف الكمال والجمال الإلهي، لأن ثبات الشيء على حال واحدة مملّ وممجوج، وفي التغير حركة مسلّية وتذكير بقيمة الوقت وحقائق الأشياء.
النهي عن تعدد الآلهة
الدعوة إلى توحيد الله، والنهي عن الشرك والإشراك بالله هو جوهر الدعوات التي جاء بها النبيون في مراحل التاريخ المتعاقبة لأن الشرك باطل ومناف للواقع، وهو وكر الخرافات والأوهام والأباطيل، ويتنافى مع كرامة الإنسان وعزته وصلته
стр. 1265
بربه، فالواجب عبادة الله وحده واتقاؤه، والتماس الخير والنفع، ودفع الشر والضرر منه وحده دون غيره، ولا سيما في أوقات الأزمات والمحن، مع الحفاظ على نعمة الشكر لله دون كفران النعمة بعد توافرها، قال الله تعالى مبينا هذه الأصول:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)
«١» «٢» [النّحل: ١٦/ ٥١- ٥٥] .
هذه الآيات نهي صريح قاطع من الله ﵎ عن الإشراك به، وتقرير واجب لمبدأ توحيد الله، والالتزام بمقتضياته من عبادته وحده، وشكره على نعمه وأفضاله. ومعناها: لا تتخذوا إلهين اثنين، وكلمة اثْنَيْنِ تأكيد للتنفير من التعدد، أي لا تتخذوا لي شريكا، ولا تعبدوا سواي، فمن عبد مع الله إلها غيره، فقد أشرك به، إنما الله إله واحد، ومعبود واحد، فإياه فارهبوا أيها البشر، وخافوا عقابه بالإشراك وعبادة سواه. ويكون المبدأ الأصيل في الدين: هو أن لا إله إلا الله، وأن العبادة لا يستحقها غيره.
ولما كان الإله الحق واحدا، والواجب لذاته في العبادة واحدا، كان كل ما سواه من الأشياء مما يعقل وما لا يعقل، حاصلا بخلقه وتكوينه وإيجاده، فلله جميع ما في السموات «٣» والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فهو خالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، وهم عبيده ومملوكوه، وله الدين واصبا، أي له الطاعة والانقياد والملك والعبادة على سبيل الدوام والاستمرار، وبعد أن عرفتم أن إله العالم واحد، وعرفتم
стр. 1266
أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت إحداثه وفي وقت بقائه وحياته، فكيف يتقى غير الله أو يرهب غير الله تعالى؟! وإذا كان الواجب ألا يتقى غير الله، فالواجب ألا يشكر غير الله، لأنه ما من نعمة بنا من إيمان وسلامة جسد وعافية، ورزق ونصر ونحو ذلك، إلا وهي من الله ، ومن فضله وإحسانه.
ومفاد الآية: أن على العاقل ألا يخاف ولا يتقي أحدا إلا الله، وألا يشكر أحدا بحق إلا الله تعالى، لأن جميع النعم من الله .
وإذا تعرض الناس لسوء أو ضرر في النفس من مرض أو خوف أو مشقة ونحو ذلك، فإلى الله يلجأون ويضجون بالدعاء والسؤال لتفريج الكرب وإزالة الهم، للعلم بأنه لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى.
فإذا كشف الله الضر، وزال الخوف، وتحققت السلامة والنعمة، وانقسم الناس فريقين، فريق منهم بقي على الإيمان والشكر لله، وفريق نسي النعمة، فأشرك بالله غيره في العبادة. وهذا الفريق هم المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالا من شفاء المرضى وجلب الخير ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله مثلا من أمراضهم، عظموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاء إليها، وهذا مثار عجب واستغراب، فهم في الشدة يضرعون إلى الله، وفي الرخاء ينسون جانب الله سبحانه.
ويصير أمر هؤلاء المشركين الوقوع في الكفر والضلال، وإن لم يقصدوا بأفعالهم تلك أن يكفروا، والأظهر أن الكفر هنا كفر النعمة، لذا استحقوا الوعيد والتهديد، فقال الله لهم: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي اعملوا بما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا في الحياة الدنيا، فسوف تعلمون عاقبة تمتعكم، وما ينزل بكم من العذاب، وتدركون حينئذ سوء ما أنتم عليه. وهذا الأمر المراد به التهديد كثير في آيات القرآن
стр. 1267
الكريم، مثل آية: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ١٨/ ٢٩] . وآية: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا [الإسراء: ١٧/ ١٠٧] . وليس هذا على سبيل التخيير، وإنما يراد به الوعيد والتهديد. ومعنى التمتع في هذه الآية: «فتمتعوا» الاستمتاع والانتفاع بالحياة الدنيا التي مصيرها إلى الفناء والزوال.
والغاية من الآيات: الإقرار الدائم بوحدانية الله، لأنه هو الخالق ومالك السماوات والأرض، فيستوجب العبادة لله وحده، والشكر له وحده، لأنه ما من نعمة على المخلوق إلا والله هو المنعم المتفضل بها، وما من محنة إلا والله هو المفرج للكرب منها، فهو الرؤوف الرحيم بعبده.
عقيدة المشركين في الأصنام والملائكة والبنات
إذا ساء الاعتقاد بالشيء ساء التصرف، وإذا حسن الاعتقاد حسن التصرف، ودليل هذا القانون أن المشركين الوثنيين الذين يعبدون الأصنام والأوثان لا تستند عقيدتهم فيها إلى منطق أو رأي مقبول، وكل ما يستندون إليه هو تقليد الآباء، فهانت أنفسهم وتصرفوا تصرفات بدائية عجيبة لا يدركون فيها سوء فعلهم وانتفاء النفع من أعمالهم، أما المؤمنون الذين آمنوا بالإله الخالق المنعم، فتراهم يفعلون الأفعال بما ينبئ عن حسن التّصرف، ويتّفق مع المنطق والحكمة والواقع، وقد أورد القرآن دليل الشقّ الأول من هذا القانون في الآيات التالية:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)
«١»
стр. 1268
«١» «٢» «٣» [النّحل: ١٦/ ٥٦- ٥٩] .
هذه الآيات تبين فضائح العرب المشركين، وأعمالهم السيئة التي لا يقرها المنطق السوي، لعلهم يرجعون ويثوبون إلى رشدهم، وهنا ألوان ثلاثة من أقوالهم وتصرفاتهم القبيحة:
أولا- أنهم من غير حجة ولا برهان صحيح مقبول يجعلون للأصنام، أي للجمادات نصيبا من رزق الله، حيث يذبحون لأصنامهم، ويهدون إليها الهدايا، ويقسمون لها من الغلات والنتاج، فهم لا يدركون أن الأصنام لا تضر ولا تنفع، وهم بهذا أجهل الجاهلين، مما اقتضى الإنكار عليهم لمصلحتهم في آيات قرآنية كثيرة، منها ما ذكر هنا، ومنها قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣) . [الأنعام: ٦/ ١٣٦] .
ثم توعدهم الله تعالى على أفعالهم هذه وأمر نبيه ﵊ أن يقسم لهم أنهم سيسألون عن افترائهم الباطل، وسيجازون عليه أتم الجزاء في نار جهنم، كما جاء في آية أخرى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ١٥/ ٩٢- ٩٣] .
ثانيا- من قبائح قول الكفار أنهم يقولون: «الملائكة بنات الله» وعبدوها مع الله سبحانه، أي تنزه عن الولد والشريك، كما جاء في آية أخرى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ٤٣/ ١٩] . فأخطؤوا خطأ كبيرا إذ نسبوا إليه تعالى
стр. 1269
الولد، ولا ولد له، ثم أعطوه أخسّ القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، لإيثارهم نسبة الذكور إليهم، كما قال الله تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)
[النجم: ٥٣/ ٢١- ٢٢] . أي جائرة. وقوله تعالى:
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أي إنهم يختارون لأنفسهم البنين، ويأنفون من البنات التي نسبوها إلى الله تعالى.
ثالثا- ومن قبيح أفعال المشركين أنه إذا بشر أحدهم بولادة الأنثى، ظل وجهه مسودّا، أي كئيبا عابسا من الهم، وهو كظيم، أي ساكت من شدة الحزن والهم.
يتوارى من القوم، أي يكره أن يراه الناس، من سوء ما بشّر به وهو الأنثى، وهو متردد بين أمرين: أيمسك المولود الأنثى على هوان وذلّ وعار وكراهة فقر، لأنها لا تغزو كالولد الفتى، أم يدفنها في التراب وهي حيّة، وذلك هو الدس في التراب أو الوأد المعروف المذكور في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) [التكوير: ٨١/ ٨- ٩] . ألا بئس ما قالوا، وما قسموا وما نسبوا لله تعالى، فإن رزق جميع الأولاد والمخلوقات على الله تعالى. والتبشير في أصل اللغة: هو الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، سواء في حال السرور أو في حال الحزن، وعرفا يستعمل في الخبر السار.
هذه هي الألوان الثلاثة من سوء أفعال المشركين وحكمهم: وهي عبادة الأصنام والتقرب إليها بالذبائح، ونسبة البنات إلى الله، والتبرم والتسخط بولادة الأنثى، وهي نماذج من عقيدة الشرك التي تؤدي بأصحابها إلى مثل هذه القبائح والأحكام الجائرة التي تتنافى مع أصول الحضارة الإنسانية، وتدلّ على انحدار الفكر، وضعف العقل، وفساد الرأي. لذا جاء الإسلام بشرعه يهدم هذه الأفكار، ليقيم بذلك حضارة صحيحة تقوم على التوجه نحو الله وحده لا شريك له، وتحترم الإنسان أيا كان، ذكرا أم أنثى.
стр. 1270
اتصاف المشركين بصفة السوء
على الرغم من انحطاط مستوى الشرك والمشركين، يوازن الله تعالى بين ما هم عليه من أوصاف السوء والشّبه القبيح، وبين ما عليه الرب ذاته من الوصف الأعلى والكمال المستقر المتنزه عن أي شريك أو شبيه أو ولد، ومع هذه المقارنة، يحلم الله على الظلمة من الناس، الذين يكفرون به فلا يعجل بإنزال العقاب عليهم، وإنما يؤخرهم لأجل آخر معين في علمه وتقديره، وحينئذ يأتي العذاب الشديد بعد الإمهال وفوات الأوان من غير استفادة من الفرص الفائتة، وهذا ما وصفته هذه الآيات الكريمة:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٠ الى ٦٢]
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [النّحل: ١٦/ ٦٠- ٦٢] .
تصف هذه الآيات مواقف المشركين في الجملة، فهم بعدم تصديقهم بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب وجنة ونار، لهم مثل السوء، والصفة التي لا أسوأ منها في القبح، فضلا عن نسبتهم البنات لله تعالى، وكراهة الإناث ووأدهن خشية الفقر أو الإملاق، والإقرار على أنفسهم بالشح البالغ. ولله تعالى الصفة العليا والكمال المطلق، فهو الإله الواحد المنزه عن الولد والوالد والشريك، وهو الغني عن العالمين، والمنزه عن صفات المخلوقين، وهو الجواد الكريم، والبرّ الرؤوف الرحيم، وهو سبحانه العزيز، أي القوي الذي لا يغلب، الحكيم في صنعه الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة السديدة، ووضع الأمور فيما يناسبها.
стр. 1271
واقتضت رحمته تعالى أن يمهل الكفار، ولا يعاجلهم بالعقاب، ويحلم على سوء تصرفاتهم وظلمهم، فلو أنه يؤاخذهم بذنوبهم ومعاصيهم ويعاقبهم على جرمهم على الفور، ما ترك على ظهر الأرض من دابة، وأهلك جميع دواب الأرض، تبعا لإهلاك بني آدم، ولكنه ﷻ ستّار غفور رحيم، يؤخرهم إلى أجل مسمى، فلا يعجل لهم العقوبة، لأنه لو فعل ذلك بهم، لما أبقى أحدا.
روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
فإذا حان أجل العقاب والهلاك والعذاب، وذلك بحسب مقتضى الحكمة، فلا يستأخرون ساعة، ولا يتقدمون قبله، حتى يستوفوا أعمارهم.
روى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر» .
ثم يؤكد الله تعالى سوء فعل المشركين حين ينسبون إلى الله ما يكرهون لأنفسهم من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيد الله، وهم يأنفون أن يكون لأحدهم شريك في ماله. ويكذبون في دعواهم أن لهم العاقبة الحسنة في الدنيا، وفي الآخرة، وهي الجنة على هذا العمل. روي أنهم قالوا: إن كان محمد صادقا في البعث، فلنا الجنة بما نحن عليه، فردّ الله عليهم مقالهم بقوله: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي حقّا أن لهم النار التي تحرقهم، وأنهم متروكون فيها، أو معجل بها إليهم، وهم في العذاب باقون.
ومعنى الآية بإيجاز: يجعلون لله المكروه، ويدّعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة،
стр. 1272
كما تقول لرجل: أنت تعصي الله، وتقول- مع ذلك-: إنك تنجو، أي إن ذلك لبعيد مع هذا.
إن مثل هذا التفكير هو شأن المغرورين الحمقى الذين نجدهم في كل زمان ومكان، إنهم مقصرون في طاعة الله تعالى، متجاوزون للحد في معاصي الله، ثم يتأملون أنهم في الجنان، وأنهم ناجون غير محاسبين، وهذه صفة الأبله والأحمق الذي لا يدرك ما يقول.
وعيد المكذبين للرسل
لم يهمل الله أمة من الأمم في بيان طريق إسعادها واستقامتها، فأرسل لهم الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين، ومرشدين إلى الحق والطريق الأقوم، ولكن الأمم في الغالب كذبوا الرسل وعادوا منهج الإصلاح، وصبر الأنبياء في تبيان مهامهم وإيضاح وحي ربهم وكتبه، وردّ الشبهات التي يوردونها، ومجادلتهم بالحسنى وإقناعهم بالكلمة الطيبة، ولم يختلف منهج رسولنا محمد ﷺ عن هذه الخطة، وكان له أسوة بمن سبقه، قال الله تعالى مبينا موقف الأمم من الرسل وتبليغ الرسل وحي الله تعالى:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٣ الى ٦٤]
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
[النّحل: ١٦/ ٦٣- ٦٤] .
هذه الآية لضرب المثل بالأمم الماضية، تتضمن الوعيد والتهديد لهم ولمن سار على منوالهم، وهي أيضا تأنيس للنبي ﷺ بعقد المقارنة أو الموازنة بين موقف قومه ومواقف الأمم السابقة، فلا داعي لإيقاع نفسه في دائرة الهموم والأحزان بسبب صدود قومه عن رسالته، وجهالتهم وعنادهم.
стр. 1273
والمعنى: والله، لقد أرسلنا رسلا إلى الأمم الخالية من قبلك، فكذبت الأمم رسلها، وحسّن لهم الشيطان أعمالهم من الكفر وعبادة الأوثان، فيكون الشيطان ولي الكفرة المشركين في اليوم المشهود، وهو يوم القيامة وقت الحاجة والفصل، أي إنه قرينهم في النار في هذا اليوم، ويكون للشيطان وأتباعه عذاب مؤلم شديد بسبب اشتراكهم في عصيان الله. والسبب في ذلك: أن أعداء الرسل والهداية الربانية في الأمم السابقة اتخذوا الشيطان ناصرا لهم في الدنيا، بحسب زعمهم، وحسبوا أن الشيطان ينقذهم من العذاب وهو في الواقع يغرهم ويخدعهم ويسوقهم إلى العذاب، فلا تنفعهم ولايته ونصرته.
والعبرة من حكاية هذا الواقع للأمم الماضية تأنيس النبي ﵊، فلا يحزن على تكذيب قومه له، فله أسوة بالمرسلين من قبله، وعليه أن يترك المشركين الذين كذبوا الرسل في غيّهم وضلالهم، فإنما وقعوا فريسة لتزيين الشيطان لهم ما فعلوه.
ولكن العدل الإلهي والرحمة الربانية اقتضيا ألا يكون هلاك وعقاب في الدنيا إلا بعد بيان الحجة وإقامة البرهان على الاعتقاد الحق والإيمان الصحيح، فقال الله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ.. أي: إنما أنزلنا عليك القرآن لهدف واضح، وهو أن تبين للناس الذي يختلفون فيه في العقائد والعبادات، فيعرفوا الحق من الباطل، والقرآن العظيم هو كلمة الفصل، والقرار الحاسم بين الناس فيما يتنازعون فيه، وهو هدى للقلوب الحائرة، والرحمة الشاملة لقوم يصدقون به، ويتمسكون بتعاليمه وشرائعه، ويلتزمون منهجه في الحياة والآداب والأخلاق، ولا يحيدون عن توجيهاته، والعمل في فلكه ومقاصده وغاياته، كما قال الله تعالى في آية أخرى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ
стр. 1274
يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠)
[الإسراء: ١٧/ ٩- ١٠] .
إن مجيء الرسل وإكمال مهمتهم برسولنا وما أنزل الله معهم من الكتاب والحكمة، والشريعة والمنهج، كان الكلمة الفاصلة، والقرار الحاسم في قسمة الناس إلى فريقين: الفريق الأول الذين كذبوا الرسل، لتأثرهم بوساوس الشياطين وإغواءاتهم، وهؤلاء خسروا الدنيا والآخرة.
والفريق الثاني الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وأحسنوا العمل، واستقاموا على أمر الله ومنهاجه، وهؤلاء هم أهل السعادة والطمأنينة، في الدنيا براحة النفس، وفي الآخرة بالخلود الأبدي في جنات النعيم. جعلنا الله من هذا الفريق، وهدى الذين أعرضوا عن هداية الله إلى ما فيه خيرهم ونجاتهم. وهذا يدل على أن الأنبياء جميعا يدعون إلى ناحية الخير والروح في الإنسان، والشيطان دائما يعاند ويستغل ناحية المادة في الإنسان.
ألوان النعم الإلهية
في سورة النحل سورة النّعم عدّد الله تعالى ألوانا من النّعم العظيمة من أجل خير الإنسان وانتفاعه بثمرات الكون، وتضمن هذا التعداد الإرشاد لبيان مظاهر قدرة الله سبحانه، وإثبات وجوده وتوحيده، لأن خلق النّعم وسائر الأفعال الصادرة عن الإنسان إنما هي من الله تعالى، لا من الأصنام وطواغيت الأوثان والمعبودات من دون الله، فهي مخلوقة لا خالقة، وعاجزة غير قادرة على شيء من الإبداع والخلق، قال الله تعالى مبينا هذه البراهين على ألوهيته:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٥ الى ٦٩]
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
стр. 1275
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النّحل: ١٦/ ٦٥- ٦٩] .
هذه طائفة جليلة من النعم الإلهية لإثبات أمر الربوبية:
وأولها نعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك الحياة، وفي غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل، فالله سبحانه أنزل المطر من السماء، ليكون سببا لحياة الأرض بإنبات الزرع والشجر والثمر، بعد أن كانت الأرض هامدة غبراء غير منبتة، فهي كالميت، فتصبح كالحي بالمطر منبتة مخضرة مهتزة رابية، وهذا واضح ظاهر، لذا ختمت الآية بقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي إن الأمر لا يحتاج إلى تفكر، ولا نظر قلب، أو تأمل، وإنما يحتاج الإنسان المنبّه إلى أن يسمع القول فقط.
والنعمة الثانية: هي خلق الأنعام، وهي أصناف أربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز، ففيها عبرة وعظة دالة على قدرة الله تعالى، ورحمته، ولطفه بعباده، حيث سخر للبشر هذه الأنعام، يستقون من ألبانها الخالصة من الشوائب، والسائغة الشرب في الحلق، دون غصص، وهي غذاء كامل، لذيذ الطعم، سهل الهضم، خلقها الله، أي الألبان مميزة، غير مختلطة بما جاورها من فرث (زبل يملأ الكرش والأمعاء) ودم محيط بها. كما أن في الأنعام فوائد أخرى كثيرة حيث يستفاد من
стр. 1276
أوبارها وأصوافها، ويتخذ بعضها وسائط للركوب والحرث (شق الأرض) ويؤكل لحمها بعد الذبح.
والنعمة الثالثة: هي ثمرات النخيل (التمور) والأعناب التي تؤكل طازجة، ويتخذ منها الدبس والخل، والنبيذ (الخشاف) . أما المسكر منه فحرام، فيما استقر عليه التشريع القرآني، في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٥/ ٩٠] .
فقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أصبح منسوخا بآية المائدة المذكورة، وصار جميع ما يسكر حراما، قليله وكثيره، ويحد شاربه، وختمت الآية بما يدعو للتأمل والتفكر وهو قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي إن في تلك الأشربة والمآكل لآية واضحة على عظمة الإله الخالق، لقوم يستخدمون عقولهم في النظر والتأمل في الآيات، حيث يحتاج الإنسان إلى وعي وإدراك لعظمة فعل الله، من تحويل الأكل المهضوم إلى لبن سائغ الشراب، وإلى ظهور ثمرة النخيل والعنب من التراب والماء؟!! والنعمة الرابعة: هي نعمة غذاء العسل وشرابه، فالله سبحانه ألهم النحل وركّز في غريزتها وطبعها كيفية بناء الخلايا العجيبة، ذات الأشكال السداسية الهندسية البديعة والمتناسقة، في كهوف الجبال، وأحضان الشجر، وعرائش البيوت والكروم، ثم قيامها بامتصاص رحيق الأزهار والثمار العديدة التي تتجاوز مليون زهرة لصنع كيلو عسل مثلا، وبعد قيامها بهذه العملية تسلك الطريق التي ألهمها الله في صنع العسل، وطلب الثمار المناسبة، والعودة بسلام في طرق تختارها ولا تخطئها لتصل إلى الخلايا، وهي تسير ذللا، أي مطيعة منقادة لما يسّرت له. والعسل شراب مختلف الألوان، فمنه الأبيض والأحمر والزهر والأصفر، وفيه شفاء للناس من كثير من
стр. 1277
الأمراض، إن في ذلك الصنيع لدلالة واضحة على قدرة الله وعجيب خلقه لقوم يتأملون ويتفكرون في صنع الخالق.
أحوال الناس الدالة على قدرة الله
أقام الحق أدلة كثيرة على وجوده وقدرته ووحدانيته، منها نعمة المطر، وتسخير الحيوان، وإيجاد الزروع والثمار، وخلق النحل لصنع العسل، كما تقدم، ومنها عجائب أحوال الناس من الإيجاد بعد العدم، والشيخوخة والهرم، والإماتة بعد الإحياء، والبعث بعد الموت، والتفاضل في الأرزاق، وشح الناس في إخراج الزكاة للفقراء والمحتاجين، وخلق الزوجات من جنس الأزواج، وإنجاب الذرية والأولاد والأحفاد، ورزق الطيبات، وجحود نعم الله والإيمان بالباطل. قال الله تعالى واصفا هذه العجائب من أحوال الناس:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)
«١» «٢» «٣» [النّحل: ١٦/ ٧٠- ٧٢] .
إن تغير العالم وما نشاهده من أحداث وتقلبات كونية وإنسانية لدليل واضح على قدرة الله وألوهيته، وهذا مشهد آخر في الإنسان ذاته، بعد مشهد المطر والنبات والحيوان، يدل على عظمة الله وقدرته وتوحيده، وللإنسان أحوال عجيبة:
стр. 1278
أولها: تفاوت مراتب عمره وتدرّجه من مرحلة الطفولة والشباب إلى مرحلة الكهولة والشيخوخة، فالله سبحانه أوجد الناس جميعا، وهم كلهم بنو آدم، بعد أن لم يكونوا شيئا، ثم يتوفاهم حين انتهاء الأجل، ومنهم من يهرم ويصير في أرذل العمر، وهو حال الخرف وقلة الحفظ والعلم، وقد يفقد كل شيء من العلوم التي تعلمها، ويصبح جاهلا كما كان وقت الطفولة، إن الله واسع العلم بكل شيء، عظيم القدرة على كل شيء، فلا يغيب شيء عن علمه، ولا يعجزه شيء أبدا، وربّ من يكون ابن خمسين سنة، وهو في أرذل العمر، وربّ ابن مائة أو تسعين وهو كامل الذاكرة والعقل، وليس في أرذل عمره.
والحال الثانية للإنسان بعد تفاوت الأعمار: هي التفاوت في الأرزاق، فالله تعالى لحكمة جليلة ومصلحة للإنسان نفسه جعل الناس متفاوتين في الأرزاق، فمنهم الغني والفقير والمتوسط، وهذا التفاوت اختبار الأغنياء، وقيامهم بواجب التكافل والتعاون ومساعدة الفقراء، ولكن مع الأسف يحرص الناس على الشح والبخل، فما الذين فضلوا بالرزق وهم السادة الملاك بجاعلي رزقهم شركة على قدم المساواة بينهم وبين أتباعهم، وإذا لم يرضوا بالمساواة، مع غيرهم، وهم أمثالهم في الإنسانية، فكيف يسوون بين الخالق والمخلوق، وبين الخالق وهذه الأصنام التي يجعلونها شركاء مع الله؟! إنهم بهذا يتنكرون للحقائق، ويجحدون النعم الإلهية، فكيف يليق بعقولهم أن يشركوا بالله بعبادة الأصنام، ويجحدون نعم الله عليهم؟! فمن أثبت شريكا لله، نسب إليه بعض النعم والخيرات، فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى؟! والحال الثالثة للإنسان: وجود التزاوج بين الذكر والأنثى، جاعلا الله الزوجات من جنس الأزواج، لتحقيق الأنس والانسجام والائتلاف، وقضاء المصالح،
стр. 1279
وجاعلا الله للزواج ثمرة مباركة محببة لكل إنسان: وهي نعمة إنجاب الأولاد والأحفاد، وأنعم الله على جميع خلقه بطيبات الرزق في الدنيا، من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ومركب ونحوها مما يكون لذيذا من الأشياء التي تطيب لمن يرزقها.
ولكن العجب من الإنسان حيث يصدق بعضهم بالباطل، وهو أن الأصنام شركاء لله في النفع والضرر، وأنها تشفع عنده، وأن الطيبات التي أحلها الله لهم كبعض المواشي حرام عليهم، حلال للأصنام، وبعض المستخبثات كالميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح على الأصنام حلال لهم، وهذا يقتضي التوبيخ على تلك الأحكام الباطلة، وهم في هذا كله يجحدون نعم الله الجليلة، وينسبونها إلى غير خالقها من صنم أو وثن، ويسترون نعم الله عليهم، فهم كفرة نعمة وكفرة دين.
مثلان حسّيان للأصنام والأوثان
كانت حملة القرآن الكريم على الأصنام والأوثان عنيفة شديدة، لأنها لا تتفق مع كرامة الإنسان، ولا تنسجم مع العقل السوي، وينبغي تصفيتها من معجم البشرية، والاتجاه نحو عبادة ما ينفع ويمنع الضر، وهو الله الإله الواحد الذي لا شريك له ولا ندّ ولا نظير، لذا استحق الكفار الوثنيون التوبيخ والتأنيب على عبادة الأصنام، كما أنزل الله تعالى في كتابه في الآيات التالية:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٣ الى ٧٦]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
стр. 1280
«١» «٢» [النّحل: ١٦/ ٧٣- ٧٦] .
هذه آيات تقريع للكفار وتوبيخ، وإظهار لفساد نظرهم، وتركيز على مورد الحياة، ورزق الناس، وعلى ما يتوجه سعيهم إليه، واهتمامهم به، فهذه الأصنام لا تملك توفير الرزق لعبدتها، فلا تستطيع إنزال المطر ولا إنبات النّعمة، وعبدة الأوثان يعبدون مع الأسف أشياء من دون الله، لا تملك إنزال رزق من السموات، ولا إخراجه من الأرض، ولا تستطيع فعل شيء، فآية: وَلا يَسْتَطِيعُونَ نفي الملك وتحصيل الملك، ومن لا يملك شيئا وهي الأصنام، ليس في استطاعتها تحصيل الملك، أي: إنها لا تملك شيئا ولا تستطيع تمليك شيء.
والنتيجة لذلك أنكم أيها الوثنيون، لا تجعلوا لله أندادا وأشباها وأمثالا، ولا تشبّهوه بخلقه، فمعنى قوله تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ لا تمثّلوا لله الأمثال. وإن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم أيها البشر الوثنيون بجهلكم تشركون به غيره.
وبعد أن نهى الله تعالى عن الإشراك، ذكر مثلين حسيين للأصنام:
الأول- ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً.. المثال هنا عبد بهذه الصفة مملوك لسيّده، لا يقدر على شيء من المال، ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخّر بإرادة سيده، مدبّر، وفي مقابل هذا العبد: رجل موسّع عليه في المال، فهو يتصرف فيه بإرادته، وينفق منه سرا وعلانية، والعبد العاجز: هو مثل الصنم العاجز، والرجل الميسور صاحب المال مثل الإله القادر، وبما أنه لا يستطيع أن يسوّي أحد بين الشخصين:
العبد والحر، ولا يجهل الفرق بينهما، إلا كل غبي، فكيف يسوّى بين الإله القادر
стр. 1281
على الرزق والإنفاق، وبين هذه الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء أصلا؟ إن التسوية بينهما ضرب من الحماقة والجهل والاستحالة، لذا قال الله تعالى بعدئذ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أي الحمد التام الكامل لله، والثناء الشامل لله، والشكر الجزيل لله المنعم، ولكن أكثر أولئك الكفار الذين يعبدون الأصنام لا يعلمون الحق فيتبعوه، ولا يعرفون المنعم الحقيقي، فيخصونه بالتقديس والعبادة.
والمثل الثاني- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ.. هذا مثل آخر يؤكد الأول وهو أن الله تعالى ضرب مثلا لنفسه وللوثن وغيره من الآلهة المعبودة مثل رجلين:
أحدهما- أبكم لا ينطق ولا يتكلم بخير ولا بشيء، ولا يقدر على شيء متعلق بنفسه أو بغيره، وهو عالة على مولاه الذي يعوله، أينما يوجهه لا يحقق خيرا مطلقا، لعدم فهمه ما يقال له، ولا إفهام غيره.
والثاني- رجل كامل المواهب والحواس، ينفع نفسه وغيره، يأمر بالعدل، ويسير على منهج الحق والطريق القويم والدين الصحيح، هل يستوي هذان الرجلان؟
الأول- عديم النفع، وهو كالصنّم لا يسمع ولا ينطق، والثاني- كامل النفع، وهو كالإله الواحد الذي يدعو إلى الخير، ويأمر بالعدل، ويلتزم العدل، وينفع الآخرين، ويمنع الشر والضرر عنهم. وإذا كان هذان الرجلان لا يتساويان بداهة، فلا تساوي أصلا بين الله تعالى، وبين ما يزعمون أنه شريك له سبحانه.
الله العالم بالغيب والخالق
إن من أهم الخصائص الإلهية علم الغيب وخلق الإنسان والحيوان والطير، فمن كان متصفا بهاتين الصفتين، كان هو الإله الحق، ومن فقد إحدى هاتين الصفتين أو كليهما، انعدم وصفه بالألوهية، والواقع أن كل من عدا الله تعالى من المخلوقات
стр. 1282
الكونية، السماوية والأرضية، والإنس والجن، والجمادات والحيوانات والأشياء، لا علم له بالغيب، ولا قدرة له على شيء من الخلق والإبداع، والإيجاد والتكوين، قال الله تعالى مبينا بعض خصائصه وصفاته:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٧ الى ٧٩]
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)
»
[النّحل: ١٦/ ٧٧- ٧٩] .
يتحدث الله تعالى في هذه الآيات عن نفسه حديثا مفحما لكل من عبد غير الله تعالى، ويقرر الله في ذلك قرارا حسيما لا مجال لإنكاره، وهو أن لله وحده غيب السموات والأرض، وهذا التعبير يفيد الحصر، فالغيب لله وحده، يملكه ويعلمه، وليس لأحد سواه، ولا قدرة أصلا لأحد على المغيبات، إلا أن يطلعه الله تعالى على شيء مما يشاء، وهذا إخبار بكمال علم الله تعالى. أردفه بإخبار آخر وهو القدرة الشاملة، وفي ذلك إقامة الحجة على الكفار، فالله سبحانه هو الذي يأمر بالقيامة فتوجد، وما أمر القيامة وهي وقت الساعة التي تقوم بها القيامة، في الإيجاد والإقامة في قدرة الله تعالى إلا أن يقول لها: كُنْ.
وتشبه في السرعة بالنسبة للبشر أنها كلمح البصر، أي كطرف العين أو هي أقرب من ذلك، إن الله تام القدرة على كل شيء، ومن قدرته: إقامة الساعة في أسرع من
стр. 1283
لمح البصر أو غمضة العين.
قال النبي ﷺ فيما يرويه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والإبهام» .
ومن مظاهر قدرته: الخلق والإبداع، فالله أخرج الناس من بطون أمهاتهم، لا يعلمون شيئا، وخلق لهم طرق العلم وسبل الإدراك وهي السمع والبصر والفؤاد، لمعرفة أحوال البيئة التي يعيش فيها، وجعل الله العقل للإنسان مفتاح الفهم وتمييز الخير من الشر، والنفع من الضرر، والله أمدكم أيها الناس بهذه النعم لتشكروا نعم الله عليكم، باستعمال كل عضو فيما خلق من أجله، ولتتمكنوا من عبادة ربكم، وتطيعوه فيما أمركم، وليس الشكر مجرد تردد التعبير باللسان، وإنما امتثال لحكم الله وأمره.
وأقام الله تعالى دليلا آخر على كمال قدرته وحكمته، وهو خلق الطيور مسخرات بين السماء والأرض، والطير علّم الإنسان اختراع الطائرة، فلننظر كيف جعل الله الطير يطير بجناحيه في جو السماء، ما يمسكه عن الوقوع إلا الله ، فإنه لولا تمكين الله الطيور من التحليق والارتفاع في الجو والنزول إلى الأرض، وخلق الهواء الحامل للطيور والطائرات، لولا ذلك لما أمكن الطيران، فإنه أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويضمه مرة، كما يفعل السّباح في الماء، وأوجد له الذيل ليساعده على الهبوط، بحركات يستفيد بها من الهواء في الارتفاع، والتخلص من ثقل الهواء بحركات أخرى من أجل الهبوط، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا.
ولنذكر أن أول طيار جرّب الطيران هو العربي المسلم عباس بن فرناس، لكنه لم يتنبه لفائدة الذيل، فعند هبوطه تكسرت رجلاه. إن الله هو الممسك للطيور في الجو بواسطة الهواء، وهو الملهم للطيور وغيرها كيفية الهبوط، من دون ضرر ولا أذى، إن في ذلك وهو خلق جناحي الطير، وتسخير الهواء في الجملة، والإلهام الرباني،
стр. 1284
لدلالات على قدرة الله وتوحيده، لمن يؤمن أو يصدّق بالله، وليس للأصنام والأوثان وجميع المعبودات غير الله شيء من هذه القدرة، فلا تستحق تأليها ولا عبادة ولا طاعة، ونظير الآية: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) [الملك: ٦٧/ ١٩] .
نعمة السكن واللباس والظل
تفضل الله على عباده بنعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، منها نعمة المطر والنبات والحيوان، ومنها نعمة الخلق والإيجاد من العدم، وتزويد الإنسان بطرق المعرفة والعلم والإدراك، ومنها نعمة الطيران، كما تقدم. ومنها نعمة الإيواء في المساكن، والتستر بالألبسة المصنوعة من الأصواف والأوبار والأشعار ونحوها، ونعمة التظلّل بالظلال من الحر والبرد والاستفادة من كهوف الجبال، وكل هذه النعم تستدعي الوفاء بحق المنعم بها، وشكرها، ولكن أكثر الناس يجحدون نعمة الله، وهذا ما وصفه القرآن الكريم في الآيات التالية:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٠ الى ٨٣]
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [النّحل: ١٦/ ٨٠- ٨٣] .
стр. 1285
روى ابن أبي حاتم عن مجاهد: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فسأله، فقرأ عليه:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً.. قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ.. قال: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، وهو يقول: نعم، حتى بلغ: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فولّى الأعرابي، فأنزل الله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
هذه الآيات تعداد لنعمة الله على الناس في البيوت وغيرها.
فذكر أولا، بيوت التمدن، وهي الصالحة للإقامة الطويلة، وهي أكثر بيوت الإنسان، فالله يسّر للناس طريق الإيواء في هذه البيوت والسكن فيها وإليها، ثم ذكر الله تعالى البيوت المتنقلة: بيوت النقلة والرحلة للأعراب الرّحّل، وهي بيوت الأدم (الجلود) وبيوت الشعر، وبيوت الصوف، لأن هذه من الجلود، لكونها ثابتة فيها، وهي خفيفة الحمل والنقل من مكان لآخر يوم الظعن (السفر) ويوم الإقامة، وهي الخيام والقباب المعروفة، يخفّ حملها في الأسفار، فقوله تعالى: تَسْتَخِفُّونَها تجدونها خفافا. وجعل الله سبحانه للناس من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، ما يتخذ أثاثا للبيوت، والأثاث: متاع البيت، ويتخذ وسيلة للتمتع والانتفاع به في الغطاء والفراش، لمدة من الزمان في علم الله، فقوله تعالى: وَمَتاعاً إِلى حِينٍ يريد به: وقتا غير معين، وهو بحسب كل إنسان، إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء.
ثم عدّد الله تعالى نعما أخرى على الناس: وهي أنه جعل لكم أيها الناس من الأشجار والجبال وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة حر الشمس، وشدة عصف الرياح، وجعل لكم من الجبال حصونا ومعاقل ومغارات وكهوفا ونحوها، تأمنون فيها من العدو والحر والبرد، وجعل لكم سرابيل، أي ثيابا من القطن والكتان
стр. 1286
والصوف ونحوها، تقيكم شدة الحر والبرد، وجعل لكم دروعا من الحديد ونحوه تقيكم بأسكم، أي شدة القتال والطعن وضرب الرماح والسيوف والنبال وشظايا القنابل وغيرها. وهكذا تتوالى نعم الله تعالى عليكم أيها الناس، للاستعانة في أموركم وحوائجكم، وإطاعة ربكم وعبادته، لتدخلوا في دين الإسلام، وتؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا الجنة، وتأمنوا العذاب والعقاب.
فإن أعرض الناس بعد هذا البيان وتعداد النعم، فليس عليك أيها النبي شيء من المسؤولية والحرج، ولست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم، إنما عليك فقط تبليغ رسالتك بوضوح، وتبيان أصول دعوتك، ومقاصد الدين، وأسرار التشريع، وسبب هذا الإعراض، هو التنكر للجميل والمعروف، فهم يعرفون أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعم عليهم، وهو المتفضل بها عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك بأفعالهم، ويعبدون معه غيره، ويسندون الرزق والنصر إلى غيره، وأكثرهم الكافرون كفر نعمة وعقيدة، أي الجاحدون المعاندون، وأقلهم المؤمنون الصادقون.
الشهادة على الأمم من أنفسهم يوم القيامة
كل جان أو مخطئ في الغالب لا يجرأ على الاعتراف بذنبه، سواء في قضاء الدنيا أو في قضاء الآخرة، ويحتاج الأمر حال الإنكار إلى إثبات بالشهود، لأنه لا يصدر الحكم القضائي عادة من غير أدلة كافية في الإثبات كالإقرار والشهادة والقرائن واليمين. ويحتاج الأمر لبيان جنايات العصاة يوم القيامة، فيبعث الله الشهود من الأمم نفسها أو من غيرها، وفي هذه الآيات التالية إثبات الجرم من الأمم ذاتها بشهادة الشهود، قال الله تعالى واصفا ذلك وردود الفعل من المشركين والكفرة:
стр. 1287
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٩]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
«١» «٢» «٣» [النّحل: ١٦/ ٨٤- ٨٩] .
هذه آية وعيد للكفار يوم القيامة، مفادها: اذكر أيها النبي يوم نبعث من كل أمة شاهدا عليهم، بالكفر أو الإيمان، والشهيد: الشاهد، وهو نبيهم يشهد عليهم بما أجابوه عما بلّغهم عن الله تعالى، إما بالإيمان، وإما بالكفر والعصيان، ثم إذا شهد عليهم نبيهم لا يسمح لهم بالاعتذار والدفاع عن أنفسهم، لأنه لا حجة لهم، ولأنهم يعلمون كذبهم في الاعتذار، ولأن أحكام الله عادلة عدلا مطلقا، ولا يطلب منهم العتاب، لأنه: لا فائدة في العتاب، مع سخط الله وغضبه، فإن الرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان جازما أنه إذا عاتبه رجع إلى صالح العمل، والآخرة دار جزاء، لا دار تكليف وعمل، ولا أمل في الرجوع إلى الدنيا.
وأما ردود الفعل من الكفار الظلمة بعد صدور الأحكام، فهي الإحباط واليأس والحيرة لأنهم إذا رأوا العذاب وعاينوا العقاب، فلا ينجو منهم أحد، ولا يخفف عنهم من شدته ساعة واحدة، ولا هم ينظرون، أي لا يمهل عقابهم، ولا يؤخر عنهم، بل يؤخذون بسرعة من موقف الحساب وتوزيع الصحف التي يعلن فيها قرارهم النهائي.
стр. 1288
ويزداد المشركون حيرة وارتباكا، فإنهم إذا رأوا يوم القيامة بأبصارهم الأوثان والأصنام وكل معبود من دون الله- لأنها تحشر معهم توبيخا لهم- إذا شاهدوها، أشاروا إليهم، وقالوا: هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم من دون الله، قاصدين بذلك إدخالهم في المعصية والحساب، فترد عليهم الشركاء المزعوم ألوهيتها قائلين:
كذبتم، لم نأمركم بعبادتنا، أو إنكم لكاذبون، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا، فمن كان من المعبودين من البشر تكلم بلسانه، وما كان من الجمادات تكلم بقدرة الله، بتكذيب المشركين في وصفهم بأنهم آلهة وشركاء لله.
ثم قال تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي استسلم العابد المشرك والمعبود، وأقروا لله بالربوبية، وبالبراءة عن الشركاء والأنداد، وذلّوا واستسلموا لله جميعا، وغاب وذهب عنهم افتراؤهم بنسبة الشركاء لله، وأنها أنصارهم وشفعاؤهم، أي:
إنه حل بهم عذاب الله، وباشروا نقمته.
ثم فسّر الله نوع العذاب، فأخبر أن الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الدخول في الدين، وسلوك سبيل الله، زادهم الله عذابا فوق العذاب العام لجميع الكفار، عقوبة على إفسادهم وصدّهم الناس عن دين الله وشرعه وعبادته.
وهذه إشارة واضحة إلى أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال، ضوعف عذابه، واشتد عقابه، كما أن من دعا إلى دين الله الحق، ضوعف ثوابه، وعظم قدره عند الله تعالى.
وتدلنا الآية أيضا على تفاوت الكفار في العذاب، كما يتفاوت المؤمنون في درجات الجنان، وكما جاء في قول الله تعالى: قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٧/ ٣٨] . روي في ذلك عن ابن مسعود أن الله تعالى سلّط عليهم عقارب وحيّات لها أنياب كالنخل الطوال. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن لجهنم
стр. 1289
سواحل فيها هذه الحيات وهذه العقارب، فيفر الكفار إلى السواحل من النار، فتتلقاهم هذه الحيات وهذه العقارب، فيفرون منها إلى النار، فتتبعهم، حتى تجد حرّ النار، فترجع.
شهادة نبينا على الأمم وأمته
تتأكد الشهادة الصادرة من الأنبياء السابقين على أممهم بشهادة نبينا عليهم الصلاة والسلام لأنه لا أصدق في الشهادة من الأنبياء المعصومين من الخطايا والذنوب، فتكون شهادتهم حقا مطلقا، وعدلا صرفا، لا مجال للطعن فيها من أحد، فتكون طريقا مقطوعا أو متيقنا لإثبات الجرم أو الخطأ، ويكون الحكم الإلهي العادل حاسما في الموضوع، وكل هذا تهديد ووعيد، ينبغي على العقلاء التفكر فيما ينتظرهم من عقاب، لا سبيل إلى التخلص أو النجاة منه، قال الله تعالى واصفا شهادة نبينا ﷺ على الأمم، وتأكيد مفاد الشهادة بالقرآن الكريم:
[سورة النحل (١٦) : آية ٨٩]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
«١» [النّحل: ١٦/ ٨٩] .
تتضمن هذه الآية الكريمة وعيدا وتهديدا للكفار الذين لا يؤمنون برسالات الرسل والأنبياء، مضمونها: واذكر أيها النبي يوم نبعث في كل أمة شاهدا عليها قطعا للحجة والمعذرة، وهو رسولها الذي شاهد في الدنيا تكذيبها وكفرها، وإيمانها وهداها، ويجوز أن يبعث الله شاهدا من الصالحين مع الرسل. قال بعض الصحابة:
إذا رأيت أحدا على معصية فانه، فإن أطاعك، وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة.
стр. 1290
ويكون الشاهد الأصلي هو من الأمة نفسها في اللسان والسيرة وفهم الأغراض والإشارات، حتى يتحقق الهدف المقصود، فلا يتمكن من ذلك من كان غريبا عن الأمة، فلذلك لم يبعث الله نبيا قطّ إلا من الأمة المبعوث إليهم.
ثم يكون النبي محمد ﷺ شاهدا على الأنبياء والأمم، تأكيدا لشهادة الأنبياء، ولأن نبينا حكم عدل في القضاء بين الأمم وأنبيائها، من طريق الأخبار الواردة في القرآن بأن كل نبي بلّغ أمته رسالة الله وتكاليفه. ويؤيد هذا المعنى آية أخرى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ٢/ ١٤٣] .
ويرى أكثر المفسرين أن قوله تعالى: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ يراد بهؤلاء:
الأمة التي أرسل لها نبينا ﷺ ، والقصد من هذه الشهادة: أنه أزاح عنهم علتهم فيما كلّفوا به، وهو ما جاءهم به من عند الله، فلم يبق لهم حجة ولا معذرة، ودل على ذلك تتمة الآية: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ.. أي: نزّلنا على التدرج عليك أيها الرسول هذا القرآن، تبيانا واضحا لكل شيء من العلوم والمعارف الدينية والإنسانية، مما يحتاج إليه الناس في حياتهم، وهدى للضالين، ورحمة لمن صدّق به، وبشرى لمن أسلم وجهه لله، فأطاعه وأناب إليه، بشرى بجنان الخلد والثواب العظيم.
فالقرآن الكريم شفاء لما في الصدور، ودواء ناجع لكل أمر صغير وكبير، وفيه حكم كل شيء مما نحتاج إليه في الشرع، ولا بد منه في الملة، كالحلال والحرام، والدعاء إلى الله، والتخويف من عذابه، كما جاء في قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٦/ ٣٨] .
وتبيان كل شيء في القرآن، إما نصا على حكمه صراحة، وإما إحالة على السنة النبوية، حيث أمر الله باتباع رسوله وطاعته، في قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٤/ ٨٠]
стр. 1291
وإما اعتمادا على الإجماع في قوله سبحانه: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى [النساء: ٤/ ١١٥] .
وإما عملا بالاجتهاد أو القياس، وإما ببيان القواعد الكلية والمبادئ والمقاصد العامة، وأصول التشريع، فكان القرآن بهذه الأصول والقواعد تبيانا لكل شيء.
قال النبي ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي: «إني أوتيت القرآن ومثله معه» .
والواقع أن عموم القرآن وشموله لكل نواحي الدين والدنيا والقيادة والعبادة، وأنظمة الحياة الاقتصادية، والسياسية، والحربية، والاجتماعية، إنما جاء من طريق جعله دستور الحياة الإسلامية الصالح لكل زمان ومكان، والدستور عادة يكون بوضع الأصول والمبادئ العامة والأنظمة الكلية في الجملة، وبأسلوب مرن.
أجمع آية للخير والشر
امتاز التشريع القرآني ببيان الإيجابيات والسلبيات، وإيضاح المحاسن وأصناف الخير، والتحذير من المساوئ وألوان الشر، وكان منهجه ليس مجرد وضع قوانين جامدة، وإنما التنصيص على قواعد العدل، مع قرنها بالإحسان، وبناء الحياة بقواعد المعروف، والتنبيه إلى معاول الهدم بمقاومة المنكر والبغي، والعدل والإحسان يحتاج احترامهما إلى الوفاء بالعهد، وتحريم الخيانة والغدر، ومنع نقض الأيمان والعهود، قال الله سبحانه مبينا هذه الأصول:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 1292
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [النّحل: ١٦/ ٩٠- ٩٢] .
قال ابن مسعود ﵁: أجمع آية في كتاب الله آية في سورة النحل، وتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وروى ابن جرير الطبري عن بريدة، في بيان سبب نزول آية: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ.. قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبي ﷺ . وروى ابن جرير أيضا: أن الآية نزلت في بيعة النبي ﷺ ، كان من أسلم، يبايع على الإسلام، فقال الله تعالى:
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ.. الآية، فلا تحملنكم قلة جند محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان في المسلمين قلة، وفي المشركين كثرة.
وروى ابن أبي حاتم في سبب نزول: وَلا تَكُونُوا قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة، تجمع الشعر والليف. فنزلت هذه الآية: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً.
ومعنى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ العدل: هو فعل كل مفروض، من عقائد وشرائع، وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق.
والإحسان: فعل كل مندوب إليه، أي فهو زائد على العدل، كالرحمة التي هي
стр. 1293
فوق القوة، وإن الله يأمر عباده بالعدل والإنصاف مطلقا في كل شيء في التعامل والقضاء والحكم، وشؤون الدين والدنيا، حتى مع نفسه ومع غيره، وفي الاعتقاد، فلا يعبد بحق وعدل غير الله الخالق الرازق، النافع، ويأمر الله أيضا بالإحسان في العبادة وإلى المسيء، وإلى القرابة والجيران وإلى الناس قاطبة. ويأمر سبحانه بإيتاء ذي القربى، أي بصلة الأرحام بالزيادة، والمودة، والعطاء والصدقة، والنفقة. هذه أمور ثلاثة يأمر بها.
وينهى عن ثلاثة أيضا: الفحشاء: أي الشيء المحرم كالزنى والسرقة وشرب المسكرات، وأكل أموال الناس بالباطل. وينهى عن المنكر: وهو ما قبحه الشرع والعقل الرشيد كالقتل، والأذى، واحتقار الناس. وينهي عن البغي: وهو ظلم الناس، والاعتداء عليهم. فالمأمورات الثلاثة: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.
والمنهيات الثلاثة: الفحشاء والمنكر والبغي. وكلها تجاوز حدود الشرع والعقل الرشيد. وتأكيدا للأمر والنهي، قال تعالى: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي يأمركم بالخير، وينهاكم عن الشر لتتعظوا وتتذكروا، وتعملوا بما فيه مرضاة الله تعالى.
ثم خصص الله بالذكر بعض المأمورات: وهو الوفاء بالعهد والميثاق، والحفاظ على الأيمان المؤكدة، وعهد الله: كل ما يجب الوفاء به، من التزام أحكام الإسلام، والوعود، وتنفيذ العقود والمشاركات والالتزامات. وأكد الله أمره بالوفاء بالعهد بالتحذير من نقض العهود وأيمان البيعة على الإسلام بعد توثيقها باسم الله، إن الله يعلم ويطلع على كل ما نفعله في العهود، من البرّ بها أو نقضها، أو محاولة تعديلها والالتفات على بنودها بالحيل.
ولا تكونوا أيها المؤمنون المعاهدون في إبرام الحلف أو العهد أو نقضه كالمرأة
стр. 1294
الحمقاء التي تغزل غزلها وتفتله محكما، ثم تنقضه بعد فتله وإبرامه، فهو ليس من فعل العقلاء. تجعلون أيمانكم على الوفاء بالعهد خديعة ومكرا وتغريرا بالطرف الآخر، وتحلفون للناس إذا كانوا أكثر أو أقوى منكم، ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم، غدرتم. إنما يعاملكم الله معاملة المختبر، بأمره إياكم، بالوفاء بالعهد، لينظر أتغترون بالكثرة والقلة أم تراعون العهد، وسوف يبين الله لكم بيانا قطعيا يوم القيامة ما كنتم تختلفون فيه، من أمر الإيمان والكفر، والوفاء بالعهد والنقض، فيجازي كل عامل بعمله، من خير أو شر، وهذا إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام ونقض العهود.
حرية الإنسان واختياره
الشرع والعقل يقضيان بأن الإنسان حر الاختيار في الطاعة والمعصية، وفي سلوك سبل الخير أو السير في طريق الشر، ويختبر الله عباده بالأوامر والنواهي، ليذهب كل إنسان إلى ما يسّر له، والتيسير من الله عمل بمقتضى حق الملك، ولا يسأل عما يفعل، ولو شاء الله، لكان الناس كلهم في طريق واحدة، إما في هدى وإما في ضلالة، ولكنه تعالى شاء أن يترك حرية الاختيار للناس، وليظهر أثر الاختيار، في انقسام الناس فريقين: فريق الطاعة وأهل السعادة وفريق المعصية وأهل الشقاوة، قال الله تعالى:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٦]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)
«١»
стр. 1295
«١» [النّحل: ١٦/ ٩٣- ٩٦] .
هذه الآيات الكريمة تقرر الحد الفاصل في القضية الكبرى: وهي حرية الاختيار للإنسان، التي على أساسها يكون الحساب والجزاء، والثواب والعقاب، فالله قادر على أن يجعل الناس على ملة واحدة أو دين واحد بمقتضى الفطرة والخلق، فقوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ معناه يخلق ذلك في القلوب، خلافا لقول المعتزلة، كما ذكر ابن عطية في تفسيره. ورتب الله تعالى على حرية الاختيار التوعّد في آخر الآية، بسؤال كل أحد يوم القيامة عن عمله، وهذا سؤال توبيخ وحساب، وليس ثمّ سؤال تفهّم، وهو المنفي في آيات.
ويقتضي الاختيار: أن يسلك الإنسان بموجب هداية الله وعقله مسلك أهل الصلاح والاستقامة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، فلا يصح الانحراف والخداع والمكر، لذا نهى الله عن اتخاذ الأيمان وسيلة خداع، ونهى عن نقض العهود والأيمان: أيمان البيعة على الإسلام مع النبي ﷺ فإذا اتخذت الأيمان وسيلة مكر وخديعة، فتزلّ قدم في الضلال بعد ثبوتها على جادة الاستقامة والإيمان. وهذا مثل لمن كان على الاستقامة، فحاد عنها، وزلّ عن طريق الهدى بأيمان حانثة، مشتملة على الصدّ عن سبيل الله، ومن انحرف أو زلّ، ذاق السوء، أي تحمل العذاب السيئ الأليم، وهو القتل والأسر في الدنيا، بسبب الصدّ عن سبيل الله، وله العقاب الشديد في الآخرة، جزاء المخالفة والانخراط في سلك الأشقياء الضالين.
والمقصود من الآية: إن نقضتم العهد أيها الناس، وقعتم في مفاسد ثلاثة: ترك الاستقامة، وتحمل شقاء الدنيا وعذابها، وعقاب الآخرة وجزائها.
стр. 1296
ثم حذّر الله تعالى من نقض العهد بأخذ الأعواض المالية التافهة مقابل ذلك، فقال سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تعتاضوا عن الأيمان المحلوفة بالله عرض الدنيا وزينتها، فإنها قليلة مؤقتة، وما عند الله من الفضل والثواب العظيم خير لمن رجاه وآمن به، وخير من عرض الدنيا الحقير، وذلك إن كنتم أيها المخاطبون، تعلمون مدى التفاوت العظيم بين خيرات الدنيا وخيرات الآخرة. قال ابن عطية عن هذه الآية: هذه آية نهي عن الرّشا وأخذ الأموال على فعل ما يجب على الآخذ تركه، أو ترك ما يجب عليه فعله، فإن هذه هي التي عهد الله إلى عباده فيها.
ووجه الخيرية واضح، فإن ما عندكم من متاع ونعيم دنيوي عرضة للنفاد والزوال، وإن طال الأمد، وما عند الله من ثواب ونعيم في الجنة ومواهب الآخرة باق خالد، لا انقطاع له ولا نفاد، وإنما هو دائم لا يحول ولا يزول، أي إن الدنيا فانية، والآخرة باقية دائمة.
والله بفضله وعدله يجزي بالخير والثواب الطيب الذين صبروا على أذى المشركين، وأعداء العقيدة، وعلى القيام بواجبات الإسلام وأحكام الشريعة، التي توجب الوفاء بالعهد وتنفيذ العقد، وكذلك بالصبر عن الشهوات، وعلى مكاره الطاعة، يجازيهم الله بأحسن أعمالهم، والتجاوز عن سيئاتهم، وهذا هو الثواب العظيم، وهو الوعد الحسن بغفران الذنوب، ومحو الخطايا، وهذه الآية إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المنكرة أو المحرمة، من الرّشاوى، وأخذ الأموال على ترك الواجبات، وفعل القبائح والمحظورات، فإن كل عاقل ينفر من الحرام، ولا يتقبل العفيف الشريف تلويث مكاسبه بالمحرمات والشبهات.
стр. 1297
أجمع آية للعمل الصالح
لا تفرقة في أصول التشريع الإسلامي وإعطاء فرص العمل بين الرجال والنساء، فللمرأة أن تنافس الرجل وتسبقه في ميدان القربات إلى الله تعالى، والمبادرة إلى العمل الصالح والقول الفاضل، وكم شهد التاريخ الإسلامي مواقف، مشاهد مشرفة وسبّاقة للمرأة، تميزت بالوعي والحكمة، وإدراك آفاق المستقبل، واستطاعت بها المرأة أن تثبت جدارتها، وتفوّقها أحيانا على الرجال في النواحي الاجتماعية، فاستحقت بهذا بطاقة سامية من الحب والتقدير، والوفاء والجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى مبينا مبدأ تساوي النّساء والرجال، في مجالات العمل البنّاء الطيب:
[سورة النحل (١٦) : آية ٩٧]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)
[النّحل: ١٦/ ٩٧] .
العمل الصالح: يشمل جميع أعمال الطاعة والخير والإحسان، وهو في ميزان الثواب والحسنات والجزاء الأخروي لا ثمرة له ولا قيمة من دون تقييده بالإيمان، أي التصديق بالله وملائكته وشرائعه المنزلة على أنبيائه ورسله وكتبه، وباليوم الآخر المنتظر للحساب والجزاء، وبالقدر خيره وشره، فإذا لم يقترن العمل الصالح بالإيمان بأركانه المذكورة، لم يحقق الأثر الخالد والمنزلة الحسنة في عالم الآخرة.
وهذه الآية وعد صريح من الله تعالى بالحسنى والمنزلة الكريمة في الآخرة لمن عمل صالحا، سواء أكان ذكرا أم أنثى، والعمل الصالح: هو المطابق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بأداء الفرائض، والمندوبات، وفعل الخير، وكان قلب العامل مؤمنا بالله ورسوله.
ويكون الجزاء لمن آمن وعمل صالحا في الدنيا هو الحياة الطيبة: وهي التي تشمل
стр. 1298
وجوه الراحة المختلفة، من رزق حلال طاهر، وسعادة غامرة، وطمأنينة نفس، وهدوء بال، ورضا وقناعة، قال ابن عطية: ظاهر هذا الوعد بالجزاء الحسن: أنه في الدنيا، وإن طيب الحياة اللازم للصالحين، إنما هو بنشاط نفوسهم ونبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذّ، فبهذا تطيب حياتهم، وبأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة، فذلك كمال. فيكون قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً معناه: لنعطينه ما تطيب به حياته: وهو القناعة والرضا.
ودليل شمول الحياة الطيبة لكل هذا:
الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» .
وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم عن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» .
وحكى الطبري عن أبي صالح أنه قال: نزلت هذه الآية بسبب قوم من أهل الملل تفاخروا، وقال كل منهم: ملّتي أفضل، فعرّفهم الله في هذه أفضل الملل.
وأما جزاء من آمن وعمل صالحا في الآخرة: فهو الأجر والثواب بأحسن ما كانوا يعملون، أي بقدر أحسن ما كانوا يعملون، وهذا وعد بنعيم الجنة، وهو أحسن جزاء لمن أحسن العمل في الدنيا، وهو حسبما يفعل بالصابرين.
ويكون قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً كما ذكر الألوسي ﵀ إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إشارة إلى جلب المصالح. فتكون ثمرة العمل الصالح من الرجل والمرأة على السواء، هي
стр. 1299
تحقيق سعادة الدارين: الدنيا والآخرة، وما أطيبها وما أجلّها ثمرة أو فائدة؟! ويدل هذا: على أن من فقد الإيمان، أو من لم يعمل عملا صالحا، وإنما كان عمله فسادا، فإنه يحرم من الحياة الطيبة في الدنيا، ويحجب عنه نعيم الآخرة، وهو الجنة، ويكون معذبا في نفسه بشقاء الدنيا، وفوات المصلحة في الآخرة، أي إنه يكون بعيدا عن السعادة الحقة، وإن ظهر سعيدا بماله وأولاده أو جاهه وسلطانه.
تعظيم القرآن والغاية من تنزيله
ليس هناك في الدنيا أعظم ولا أشرف ولا أقدس من القرآن الكريم، لأنه كلام رب العالمين، ودستور البشرية، وطريق النجاة والسعادة في الآخرة والدنيا، لذا وجب على المسلم والمسلمة تعظيم القرآن، فلا يتلو أحد منه شيئا، قبل الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وعليه أن يتقبل كل ما أنزله الله فيه، سواء قصد به التشريع لفترة زمنية معينة، أم أريد به الاستمرار والديمومة، والغاية منه تثبيت المؤمنين على الإيمان، وهدايتهم للطريق المستقيم، وتبشير من أطاع بالجنة، وإنذار من عصى بالنار، وليست الهداية الإلهية والتوفيق لمن لا يؤمن بآياته، قال الله تعالى مبينا هذه الأصول:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٣]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)
«١» «٢» «٣»
стр. 1300
«١» [النّحل: ١٦/ ٩٨- ١٠٣] .
تبين الآيات مبدأ تعظيم القرآن، فإذا أخذت في قراءة القرآن، أيها النبي وكل مؤمن، فاستعذ بالله، أي الجأ إلى الله من وساوس الشيطان المرجوم، الملعون المطرود من رحمة الله، حتى لا تلتبس عليك القراءة أو التلاوة، ولتتدبر معاني القرآن، والتعوذ مندوب إليه بالإجماع، كما حكى ابن جرير وغيره من الأئمة. علما بأن جنس الشيطان ليس له قوة ولا حجة، ولا تسلط على المصدّقين بلقاء الله، والمتوكلين عليه المفوضين أمورهم إليه. إنما تسلط الشيطان بالغواية والإضلال على الذين يطيعونه، ويتخذونه وليا ناصرا لهم من دون الله، والذين هم أشركوا بالله غيره في العبادة والطاعة. وفي الآيات رد على شبهتين لمنكري النبوة، المتأثرين بوساوس الشيطان:
الشبهة الأولى- أن الله تعالى إذا نسخ لفظ آية بلفظ آخر أو بدّل معناها وإن بقي لفظها، والله أعلم بما ينزله من القرآن، قالوا: لو كان من عند الله لم يتبدل، وإنما هو من افتراء محمد، فهو يعدل عن الخطأ إلى الصواب، فأخبر الله أنه أعلم بما يصلح للعباد برهة من الدهر، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك، وأنهم لا يعلمون هذا، ولا يدركون ما في التبديل من حكمة ومصلحة للناس.
نزلت هذه الآية حين قال المشركون كفار مكة: إن محمدا، ﵊، سخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، أو يأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها.