ثم حذّر الله تعالى من نقض العهد بأخذ الأعواض المالية التافهة مقابل ذلك، فقال سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تعتاضوا عن الأيمان المحلوفة بالله عرض الدنيا وزينتها، فإنها قليلة مؤقتة، وما عند الله من الفضل والثواب العظيم خير لمن رجاه وآمن به، وخير من عرض الدنيا الحقير، وذلك إن كنتم أيها المخاطبون، تعلمون مدى التفاوت العظيم بين خيرات الدنيا وخيرات الآخرة. قال ابن عطية عن هذه الآية: هذه آية نهي عن الرّشا وأخذ الأموال على فعل ما يجب على الآخذ تركه، أو ترك ما يجب عليه فعله، فإن هذه هي التي عهد الله إلى عباده فيها.
ووجه الخيرية واضح، فإن ما عندكم من متاع ونعيم دنيوي عرضة للنفاد والزوال، وإن طال الأمد، وما عند الله من ثواب ونعيم في الجنة ومواهب الآخرة باق خالد، لا انقطاع له ولا نفاد، وإنما هو دائم لا يحول ولا يزول، أي إن الدنيا فانية، والآخرة باقية دائمة.
والله بفضله وعدله يجزي بالخير والثواب الطيب الذين صبروا على أذى المشركين، وأعداء العقيدة، وعلى القيام بواجبات الإسلام وأحكام الشريعة، التي توجب الوفاء بالعهد وتنفيذ العقد، وكذلك بالصبر عن الشهوات، وعلى مكاره الطاعة، يجازيهم الله بأحسن أعمالهم، والتجاوز عن سيئاتهم، وهذا هو الثواب العظيم، وهو الوعد الحسن بغفران الذنوب، ومحو الخطايا، وهذه الآية إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المنكرة أو المحرمة، من الرّشاوى، وأخذ الأموال على ترك الواجبات، وفعل القبائح والمحظورات، فإن كل عاقل ينفر من الحرام، ولا يتقبل العفيف الشريف تلويث مكاسبه بالمحرمات والشبهات.
стр. 1297
أجمع آية للعمل الصالح
لا تفرقة في أصول التشريع الإسلامي وإعطاء فرص العمل بين الرجال والنساء، فللمرأة أن تنافس الرجل وتسبقه في ميدان القربات إلى الله تعالى، والمبادرة إلى العمل الصالح والقول الفاضل، وكم شهد التاريخ الإسلامي مواقف، مشاهد مشرفة وسبّاقة للمرأة، تميزت بالوعي والحكمة، وإدراك آفاق المستقبل، واستطاعت بها المرأة أن تثبت جدارتها، وتفوّقها أحيانا على الرجال في النواحي الاجتماعية، فاستحقت بهذا بطاقة سامية من الحب والتقدير، والوفاء والجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى مبينا مبدأ تساوي النّساء والرجال، في مجالات العمل البنّاء الطيب:
[سورة النحل (١٦) : آية ٩٧]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)
[النّحل: ١٦/ ٩٧] .
العمل الصالح: يشمل جميع أعمال الطاعة والخير والإحسان، وهو في ميزان الثواب والحسنات والجزاء الأخروي لا ثمرة له ولا قيمة من دون تقييده بالإيمان، أي التصديق بالله وملائكته وشرائعه المنزلة على أنبيائه ورسله وكتبه، وباليوم الآخر المنتظر للحساب والجزاء، وبالقدر خيره وشره، فإذا لم يقترن العمل الصالح بالإيمان بأركانه المذكورة، لم يحقق الأثر الخالد والمنزلة الحسنة في عالم الآخرة.
وهذه الآية وعد صريح من الله تعالى بالحسنى والمنزلة الكريمة في الآخرة لمن عمل صالحا، سواء أكان ذكرا أم أنثى، والعمل الصالح: هو المطابق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بأداء الفرائض، والمندوبات، وفعل الخير، وكان قلب العامل مؤمنا بالله ورسوله.
ويكون الجزاء لمن آمن وعمل صالحا في الدنيا هو الحياة الطيبة: وهي التي تشمل
стр. 1298
وجوه الراحة المختلفة، من رزق حلال طاهر، وسعادة غامرة، وطمأنينة نفس، وهدوء بال، ورضا وقناعة، قال ابن عطية: ظاهر هذا الوعد بالجزاء الحسن: أنه في الدنيا، وإن طيب الحياة اللازم للصالحين، إنما هو بنشاط نفوسهم ونبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذّ، فبهذا تطيب حياتهم، وبأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة، فذلك كمال. فيكون قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً معناه: لنعطينه ما تطيب به حياته: وهو القناعة والرضا.
ودليل شمول الحياة الطيبة لكل هذا:
الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» .
وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم عن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» .
وحكى الطبري عن أبي صالح أنه قال: نزلت هذه الآية بسبب قوم من أهل الملل تفاخروا، وقال كل منهم: ملّتي أفضل، فعرّفهم الله في هذه أفضل الملل.
وأما جزاء من آمن وعمل صالحا في الآخرة: فهو الأجر والثواب بأحسن ما كانوا يعملون، أي بقدر أحسن ما كانوا يعملون، وهذا وعد بنعيم الجنة، وهو أحسن جزاء لمن أحسن العمل في الدنيا، وهو حسبما يفعل بالصابرين.
ويكون قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً كما ذكر الألوسي ﵀ إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إشارة إلى جلب المصالح. فتكون ثمرة العمل الصالح من الرجل والمرأة على السواء، هي
стр. 1299
تحقيق سعادة الدارين: الدنيا والآخرة، وما أطيبها وما أجلّها ثمرة أو فائدة؟! ويدل هذا: على أن من فقد الإيمان، أو من لم يعمل عملا صالحا، وإنما كان عمله فسادا، فإنه يحرم من الحياة الطيبة في الدنيا، ويحجب عنه نعيم الآخرة، وهو الجنة، ويكون معذبا في نفسه بشقاء الدنيا، وفوات المصلحة في الآخرة، أي إنه يكون بعيدا عن السعادة الحقة، وإن ظهر سعيدا بماله وأولاده أو جاهه وسلطانه.
تعظيم القرآن والغاية من تنزيله
ليس هناك في الدنيا أعظم ولا أشرف ولا أقدس من القرآن الكريم، لأنه كلام رب العالمين، ودستور البشرية، وطريق النجاة والسعادة في الآخرة والدنيا، لذا وجب على المسلم والمسلمة تعظيم القرآن، فلا يتلو أحد منه شيئا، قبل الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وعليه أن يتقبل كل ما أنزله الله فيه، سواء قصد به التشريع لفترة زمنية معينة، أم أريد به الاستمرار والديمومة، والغاية منه تثبيت المؤمنين على الإيمان، وهدايتهم للطريق المستقيم، وتبشير من أطاع بالجنة، وإنذار من عصى بالنار، وليست الهداية الإلهية والتوفيق لمن لا يؤمن بآياته، قال الله تعالى مبينا هذه الأصول:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٣]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)
«١» «٢» «٣»
стр. 1300
«١» [النّحل: ١٦/ ٩٨- ١٠٣] .
تبين الآيات مبدأ تعظيم القرآن، فإذا أخذت في قراءة القرآن، أيها النبي وكل مؤمن، فاستعذ بالله، أي الجأ إلى الله من وساوس الشيطان المرجوم، الملعون المطرود من رحمة الله، حتى لا تلتبس عليك القراءة أو التلاوة، ولتتدبر معاني القرآن، والتعوذ مندوب إليه بالإجماع، كما حكى ابن جرير وغيره من الأئمة. علما بأن جنس الشيطان ليس له قوة ولا حجة، ولا تسلط على المصدّقين بلقاء الله، والمتوكلين عليه المفوضين أمورهم إليه. إنما تسلط الشيطان بالغواية والإضلال على الذين يطيعونه، ويتخذونه وليا ناصرا لهم من دون الله، والذين هم أشركوا بالله غيره في العبادة والطاعة. وفي الآيات رد على شبهتين لمنكري النبوة، المتأثرين بوساوس الشيطان:
الشبهة الأولى- أن الله تعالى إذا نسخ لفظ آية بلفظ آخر أو بدّل معناها وإن بقي لفظها، والله أعلم بما ينزله من القرآن، قالوا: لو كان من عند الله لم يتبدل، وإنما هو من افتراء محمد، فهو يعدل عن الخطأ إلى الصواب، فأخبر الله أنه أعلم بما يصلح للعباد برهة من الدهر، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك، وأنهم لا يعلمون هذا، ولا يدركون ما في التبديل من حكمة ومصلحة للناس.
نزلت هذه الآية حين قال المشركون كفار مكة: إن محمدا، ﵊، سخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، أو يأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها.
стр. 1301
وتضمنت الآية التي بعدها الرد على شبهتهم الواهية، ومضمونه: قل لهم يا محمد: لقد نزّل القرآن المتلو عليكم جبريل روح القدس (أي المطهر) ﵇، من ربك بالحق، أي حقا، مقترنا بالصدق والعدل والحكمة، واجبا لمعنى المصلحة أن ينزّل، والنسخ من جملة الحق. والغاية من تنزيله: تثبيت الذين صدّقوا بما أنزل الله أولا، وآخرا، وتطمين قلوبهم، وهدايتهم وإرشادهم للطريق الأقوم، وتبشيرهم بالجنة إذا أسلموا وأطاعوا الله، وتحذيرهم من العذاب إذا عصوا أوامر الله.
والشبهة الثانية- أن الله أقسم على أنه يعلم علما تاما ما يفتريه المشركون على محمد، فهم يقولون جهلا وافتراء: إنما يعلّم هذا القرآن بشر آدمي، وليس وحيا من عند الله، ويشيرون إلى رجل أعجمي اللسان، لا يعرف العربية، غلام لبعض القرشيين، وكان بيّاعا عند الصفا، كان الرسول ﷺ يمرّ عليه، ويكلمه بعض الشيء.
قال ابن عباس ﵄: كان في مكة غلام أعجمي لبعض قريش، يقال له بلعام، فكان رسول الله ﷺ يكلمه ويعلّمه الإسلام ويرومه عليه، فقالت قريش:
هذا يعلّم محمدا من جهة الأعاجم، فنزلت الآية بسببه. والأعجمي: هو الذي لا يتكلم بالعربية.
فرد الله عليهم افتراءهم، وأبان كذبهم بأن لسان الذين يميلون إليه ويشيرون إليه أعجمي لا عربي، والقرآن كلام عربي واضح البيان، فكيف يتعلم محمد القرآن من شخص عاجز عن البيان، لا يحسن التعبير العربي؟! وهذا كذب حسي مشاهد، وافتراء مفضوح.
стр. 1302
عقاب الكفرة والمرتدين
لقد قطع الذين لا يؤمنون بآيات الله صلتهم بربهم الذي خلقهم، فحرموا من هداية الله وتوفيقه في الدنيا، وعرّضوا أنفسهم للعذاب الشديد في الآخرة، ودأبوا على الافتراء والكذب، حتى اشتهروا بصفة الكذابين، وهناك فئة أخرى أسوأ منهم وهم المرتدون عن الإسلام، وتاركو الإيمان، فاستحقوا غضب الله وعذابه، وحجبوا قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم عن نور الهداية الربانية، وكانوا حقا هم الخاسرين. قال الله سبحانه مبينا أوصاف هاتين الفئتين:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٩]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨)
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)
«١» «٢» [النّحل: ١٦/ ١٠٤- ١٠٩] .
الكلام في هذه الآيات عن فئتين: فئة المفترين الكاذبين، وفئة المرتدين عن الإسلام.
أما المفترون فهم المشركون المعروفون بأنهم الذين لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدقون بما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وهؤلاء لا يهديهم الله، ولا يوفقهم للحق والإيمان بالله وبما أنزل على رسله، لفقد استعدادهم لذلك، ولاقترافهم السيئات والمنكرات، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم موجع، وهم الكاذبون المفترون، وليس
стр. 1303
المفتري محمدا ﷺ ، وينحصر الكذب حصرا تاما في هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله، وكرر الله هذا المعنى وإلصاق صفة الكذب بأولئك المشركين، في قوله:
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ إذ الصفة بالشيء أبلغ من الخبر به، لأن الصفة تقتضي الدوام أكثر مما يقتضيه الخبر، فبدأ الله في هذه الآية بالخبر، وهو افتراء الكذب في قوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ وإنما: حاصرة أبدا، ثم أكده بالصفة وهي ثبوت صفة الكذب للمشركين وملازمتها لهم.
وأما المؤمن فشأنه الصدق والبعد عن الكذب، وتأكد هذا تاريخيا، فحينما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن صفات النبي محمد ﷺ ، أجابه بأنه صدوق، وكان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل:
فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله .
وأما الفئة الثانية في الآيات فهم المرتدّون، وهم الذين كفروا بعد الإيمان، وهؤلاء عليهم غضب من الله ولعنته وطردهم من رحمة الله، ولهم عذاب شديد في الآخرة، لعلمهم بالإيمان، ثم عدولهم عنه، ولأنهم استحبوا وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على الردة، ولم يثبتوا على الإيمان والدين الحق، فتسبّبوا في حجب قلوبهم عن هداية الله، والطبع أو الختم على أفئدتهم وصرفها عن طريق الهدى، بحيث لا ينفذ إليها نور الله، ووصفوا بصفة دائمة بأنهم الغافلون غفلة تامة بعيدة عما يراد بهم من سوء المصير، وكانوا من الذين لا يعقلون شيئا ينفعهم. وما أسوأ مصير الإنسان إذا انسدّت طرق الحواس لديه، فصارت لا تنفع في شيء، ولا اعتبار لديه ولا تأمّل، وكانوا حقا في الآخرة هم الخاسرين خسارة مطلقة.
والخلاصة: لقد حكم الله على المرتدين بستة أحكام: أنهم استوجبوا غضب الله، واستحقوا العذاب الأليم، واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، لأنهم قوم
стр. 1304
مادّيون، وحرمهم الله تعالى من الهداية للطريق القويم، وطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلهم الله من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
واستثنى الله بعض المتظاهرين بالكفر، وهم الذين كفروا بألسنتهم ووافقوا المشركين على مرادهم بالإكراه بسبب الضرب والأذى، ولكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان بالله ورسوله، كما فعل عمار بن ياسر حينما عذبه المشركون، فنال من النبي في ظاهر لسانه.
فقد أخذ المشركون بلالا وخبّابا وعمارا بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ ، حدثه فقال: كيف كان قلبك حين قلت: أكان منشرحا بالذي قلت؟ قال: لا، فأنزل الله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
ونفى بعض المفسرين كابن عطية نزول الآية في شأن عمار قائلا:
فإنه أرفع من طبقة هؤلاء، وإنما هؤلاء من باب: فمن شرح بالكفر صدرا، فتح الله عليهم باب التوبة في آخر الآية.
ثواب المهاجرين الصابرين
اقتضت رحمة الله وفضله أن يفتح باب التوبة لبعض المؤمنين الذين جاملوا الكفار المشركين في مكة، ووافقوهم على مرادهم، وإظهار الكفر، والاعتصام بالإيمان في حقيقة الأمر وباطن القلب، وهؤلاء كانوا مستضعفين بمكة، وشأن الضعيف المعذب عادة المجاملة في القول، والإقرار بما يرضي الظلمة، غير أن المعوّل على ما في القلب من إيمان ورضا واطمئنان، قال الله تعالى مبينا فضله على هذه الفئة:
стр. 1305
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
«١» [النحل: ١٦/ ١١٠- ١١١] .
بعد أن أبان القرآن الكريم في الآيات السابقة الجزاء المستحق للمشركين المفترين الكاذبين، وللمرتدين عن الإسلام، فتح باب التوبة والأمل أمام فئة المعذّبين المستضعفين بمكة، من بعد ما فتنهم المشركون أو الشيطان، فوافقوا عتاة الشرك الظلمة، فيما أرادوا منهم من النطق بالكفر، والرجوع عن الإسلام ثم تمكنوا من الخلاص، بالهجرة إلى المدينة المنورة، تاركين بلادهم وأهليهم، ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا في الله حق جهاده في صف الإيمان، ضد جند الكفر وأعوان الشيطان، وصبروا على الأذى والبأس والشدة في المعارك، فأخبر الله تعالى أنه من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم المعاد. والله دائما يقبل توبة التائبين، ويعفو عن المقصرين، ويرحم المسترحمين والضعفاء الأذلين. ويكون المقصد من الآية: أن من يفتن في دينه، فيتكلم بكلمة الكفر مكرها أو مضطهدا، وصدره غير منشرح للكفر، إذا صلح عمله، وجاهد في سبيل الله، وصبر على المكاره، فالله غفور له، رحيم به. وعبر الله تعالى عن هذه الفئة بكلمة: (ثم) لبيان بعد مرتبة هؤلاء الذين فتنوا في دينهم، وجاهدوا وصبروا، عن مرتبة المفتونين في الدين، ولم يصبروا، ولم يجاهدوا.
ثم نبّه الله على ما يتعرض له كل إنسان مؤمن أو كافر يوم القيامة من محاولة الدفاع عن نفسه، والجدال: وهو الاعتذار عن أموره وأقواله وأفعاله، إنه اليوم الذي تأتي فيه كل نفس تجادل عن نفسها أو ذاتها، كل يقول: نفسي نفسي، كما جاء في آية
стр. 1306
أخرى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) [عبس: ٨٠/ ٣٧] . وفي ذلك اليوم الرهيب تعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، والناس كلهم لا يظلمون، أي لا ينقص أحد من ثواب الخير، ولا يزاد على جزاء الشر، ولا يتعرض أحد لظلم مهما قل، صغيرا كان أم كبيرا.
وسبب نزول آية المغفرة للمفتونين: هو ما روى ابن سعد في (الطبقات) عن عمر ابن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذّب، حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة: أن عياشا ﵁ (وكان أخا أبي جهل من الرضاعة) وأبا جندل بن سهيل، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن سلمة الثقفي، فتنهم المشركون، وعذّبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا، ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا، وجاهدوا، فنزلت فيهم هذه الآية.
تدلنا السيرة المشرفة لهؤلاء على أن الصمود في وجه الظلم والظلمة الذين يفتنون الناس عن دينهم، والتمسك بجوهر العقيدة في مواقف المحنة، هو واجب المؤمن والمؤمنة، فلا تخور عزيمته، ولا يرتد عن دينه، مهما كانت الصعاب.
عاقبة الكفر بالنعم
يحذّر الله تعالى عباده دائما من إهمال شكر النعمة الإلهية، وينذرهم بما قد يتعرضون له من عاقبة وخيمة، بسبب جحود النعم وإنكار فضل الله تعالى، وضرب الله لنا المثل بمكة المكرمة قبل مجيء الإسلام، حيث كانت آمنة مطمئنة، فلا يغزوها
стр. 1307
ولا يغير عليها أحد، وكانت الأرزاق الوفيرة تجلب إليها، وأنعم الله عليها برسوله ﷺ ، فلما كفرت بهذه النعم، تعرضت لآفات الدنيا من الوقوع في الجوع والخوف، وهذا المثل عبرة دائمة للأجيال، في أحب البلاد إلى الله تعالى، قال الله سبحانه:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٣]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)
»
[النحل: ١٦/ ١١٢- ١١٣] .
هذا مثل صريح ضربه الله عبرة للأمم والبلاد، والجماعات.
والقرية المضروب بها المثل: هي مكّة، كانت بهذه الصفة التي ذكر الله، آمنة من غارات الأعداء، مطمئنة مستقرة ليس فيها مخاوف ولا مشكلات أمنية أو اقتصادية، يأتيها رزقها رغدا، أي هنيئا سهلا واسعا، من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، وجحدوا بها، فعمّهم الله بالجوع والخوف، وبدّلوا بأمنهم خوفا، وبغناهم جوعا وفقرا، وبسرورهم ألما وحزنا، وذاقوا مرارة العيش بعد السعة، بسبب أفعالهم المنكرة، وعبادتهم الأوثان، وتنكرهم للقرآن والشرع والهداية. ومن أتم النعم الإلهية عليهم: أنه جاءهم رسول كريم من جنسهم، عربي قرشي هاشمي، فكذبوه فيما أخبرهم به من أنه رسول إليهم، مبلّغ عن ربه، بأنه يعبدوه ويطيعوه، ويشكروه على النعمة، فجاءهم العذاب بسبب ظلمهم.
لقد أصابتهم السنون أي المحل والقحط، وتعرضوا للخوف، وهاجمتهم سرايا رسول الله ﷺ ، بسبب الكفر والتكذيب، جزاء لسوء صنيعهم وظلمهم.
стр. 1308
وإذا كانت مكة في رأي ابن عباس ومجاهد وغيرهما هي التي ضربت مثلا، فإنما ضربت لغيرها مما يأتي بعدها، ليحذر أهلها أن يقعوا فيما وقعت هي فيه.
والراجح عند الرازي وابن عطية أنه قصد بذلك قرية غير معينة، جعلت مثلا، فغير مكة مثلها، فهو عبرة لكل قرية، وجاء الكلام على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة.
والهدف من هذا المثل الذي أرشدت إليه الآية: هو وجوب الإيمان بالله وبالرسل، والتوجّه نحو عبادة الله وحده، وشكره على نعمة وآلائه الكثيرة، والمعرفة الثابتة بأن العذاب الإلهي لاحق بكل من كفر بالله وعصاه، وجحد نعمه الله عليه.
وهذا إنذار ووعيد لأهل كل قرية اتصفوا بالظلم، أي بالكفر والعصيان، إذ لا ظلم أشد من ظلم الكفر والمعصية، في حق الله تعالى.
والعذاب الإلهي من جنس العمل، سواء في الدنيا، أو في الآخرة، فإن أهل هذه القرية لما بطروا بالنعمة، بدّلوا بنقيضها، وهو محقها وسلبها، ووقعوا في شدة الجوع بعد الشبع، وفي الخوف والهلع بعد الأمن والاطمئنان، وفي انعدام موارد العيش بعد الكفاية.
ونوع هذا العذاب يختلف بحسب تحديد المراد بالقرية التي جعلت مثلا، فإن كان المراد بها مكة، فالعذاب: هو الجوع والقتل ببدر، والعيش بقلق بسبب ظهور الإسلام وقوته، واستعداد المسلمين لشن الهجوم على مكة وأهلها. وإن كان المراد بالقرية أي قرية أو مدينة قديمة غير معينة، فالعذاب هو الدمار والاستئصال وتخريب العمران وغير ذلك، كمدينة شعيب وقرى قوم لوط.
وأكثر المفسرين على أن المراد بهذه القرية: مكة وأهلها، فإنها كانت آمنة من الحروب، مطمئنة برغد الحياة، فجحدت نعم الله، وأعظمها بعثة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم
стр. 1309
فأذاقها الله شدة الجوع والخوف، وابتلوا بالقحط، حتى اضطروا إلى أكل الجيف والكلاب الميتة والعظام المحرقة والعلهز (وبر الإبل المخلوط بالدم) .
المأكول الحلال والحرام
أحل الله تعالى لنا الطيبات النافعة، وحرم علينا الخبائث الضارة، فكان تشريع الإسلام متفقا مع الصحة والاعتدال، دون تعسف ولا إرهاق وإعنات، وكانت دائرة الحلال في الإسلام أوسع بكثير من دائرة الحرام، فلم يحرم الله علينا شيئا إلا لما فيه ضرر في الصحة والجسد والدين، ولا يجوز لإنسان أن يحلل أو يحرم شيئا برأيه ومزاعمه، كما كان عرب الجاهلية يفعلون. وكان تحريم بعض الأشياء على بني إسرائيل بسبب ظلمهم وبغيهم، قال الله تعالى مبينا الحلال والحرام من الأطعمة وجعله من أصول العبادة والشريعة والعقيدة:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٩]
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النحل:
١٦/ ١١٤- ١١٩] .
стр. 1310
هذه الآيات تأمر المؤمنين بالتزام شرع التحليل والتحريم الإلهي، فيباح لكم أيها المؤمنون الأكل مما رزقكم الله حلالا طيبا أي مستلذا، وعليكم أن تشكروا الله على تباين حالكم من حال الكفرة، وإن كنتم تعبدونه حقا، وتطيعونه فيما أمر، وتنتهون عما نهى. وسبب نزول هذه الآية أن الكفار المشركين كانوا قد سنّوا في الأنعام سننا معينة، فأحلّوا بعضا وحرموا بعضا، فأمر الله المؤمنين بأكل جميع الأنعام التي رزقها عباده. وآخر الآية إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ تحريض للنفوس على التزام شرع الله، كما تقول لرجل: إن كنت من الرجال فافعل كذا، على معنى تحريض نفسه.
وحصر الله تعالى بكلمة إِنَّما المفيدة للحصر المحرمات وقت نزول الآية بالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والمذبوح على غير اسم الله، ثم نزلت المحرمات بعد ذلك، لكن من اضطر أو أكره أي دعته الضرورة وألجأته، من غير بغي ولا عدوان أي غير مستعمل لهذه المحرمات مع وجود غيرها، ولا متجاوز حدود الله فيها، فلا مانع من تناول هذه المحرمات، ويرخص له أكلها، ويرفع عنه الإثم حال الضرورة، فيغفر الله فعله، ويرحمه فلا يعاقبه على مثل ذلك.
ثم رد الله على المشركين الذين حرموا البحائر والسوائب ونحوها من كل ما حرّموا، وأحلوا ما في بطون بعض الأنعام وإن كان ميتة، فنهى الله المؤمنين عن سلوك سبيل المشركين بالتحليل والتحريم بآرائهم، فلا يجوز لكم أيها المشركون أن تحللوا وتحرموا بالرأي والهوى والجهالة، من دون اتباع شرع الله، ولمجرد وصف ألسنتكم الكذب من غير دليل ولا حجة، وذلك لتصير عاقبة أمركم إسناد التحليل والتحريم إلى الله كذبا، من غير إنزال شيء فيه، فإن من حلل أو حرم شيئا برأيه المحض، دون دليل أو وحي من الله، كان من الكاذبين على الله سبحانه. وهناك
стр. 1311
وعيد على الكذب والكاذبين، فإن الذين يختلقون الكذب على الله، لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فيتمتعون متاعا قليلا زائلا، وأما في الآخرة فلهم عذاب مؤلم جدا.
ثم أخبر الله تعالى بما حرم على اليهود، فلقد حرمنا على اليهود ما قصصناه عليك في سورة الأنعام، وهو ذوات الأظفار كالأوز والبط، وشحوم الدواب ما عدا السّنام، والمجاور للأمعاء (الحوايا) والمختلط بالعظام، وما كان التحريم بظلم من الله، ولكن كان بسبب ظلم ارتكبوه، وذلك الظلم: هو عصيان أوامر الله، ومعاداة الرسل ومعاندتهم، وتجاوز حدودهم، فعوقبوا بما حرمه الله عليهم، كما جاء في آية أخرى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ٤/ ١٦٠] . أي إن التحريم كان صراحة بسبب الظلم والبغي، عقوبة وتشديدا، ووضعا للعقوبة في موضعها.
وعلى الرغم من كون التحريم على اليهود، بسبب ظلم ارتكبوه، فإن الافتراء على الله ومخالفة أمره، لا يمنع من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، فإن ربك غفار ستار، رحيم بالذين افتروا عليه التحريم والتحليل، وعملوا السوء وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي بسبب الجهالة، أي تعدي الطور، وركوب الرأس، ويخرج من الجهالة المتعمد، ثم تابوا وأنابوا إلى الله، وأصلحوا الأعمال على وفق مراد الله ورسوله، فإن الله يغفر الذنب للتائب، ويرحمه في الآخرة والدنيا، أي إن المغفرة والرحمة مرتبطان بالتوبة والإنابة والندم على الأفعال، وإصلاح الأعمال.
стр. 1312
اتباع ملة إبراهيم ﵇
إن مضمون الرسالات الإلهية الاعتقادية والأخلاقية هو واحد غير مختلف، فإن جميع الأنبياء والرسل دعوا إلى عبادة الله وحده دون إشراك، وإلى نبذ الوثنية وعبادة الأصنام.
وإلى الأخلاق الكريمة كالصدق والإحسان والوفاء بالعهد، وكان إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ﵇ شديد الدعوة إلى هذه الأصول المشتركة، فجاء القرآن يلزم نبينا ﷺ باتباع ملته والاقتداء به، لاتصافه بصفات تسع هي ما يأتي في هذه الآيات:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٤]
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النحل: ١٦/ ١٢٠- ١٢٤] .
لما كشف الله فعل اليهود وتحكّمهم في شرعهم، بذكر ما حرّم عليهم، أراد أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم والافتخار به، وأن يصف حال إبراهيم، ليبين الفرق بين حاله وحالهم وحال قريش أيضا.
وصف الله تعالى في هذه الآيات إبراهيم إمام الحنفاء وأب الأنبياء بتسع صفات وهي:
١- أنه كان أمة، أي رجلا جامعا للخير والصفات الحميدة ومعلما الخير، كالناس الكثير.
стр. 1313
٢- وكان قانتا لله، أي خاشعا مطيعا لله تعالى.
٣- وكان حنيفا، أي مائلا عن الشرك والباطل، وداعيا للتوحيد ومؤمنا به.
٤- ولم يكن من المشركين، بل كان من الموحدين في الصغر والكبر.
٥- وكان شاكرا لأنعم الله عليه، أي جميع نعم الله عليه، قليلها وكثيرها.
٦- اجتباه ربه، أي اختاره واصطفاه للنبوة.
٧- وهداه الله إلى صراط مستقيم، أي وفقه في الدعوة إلى الله إلى طريق قويم.
٨- وآتاه الله في الدنيا حسنة، أي حببّه إلى جميع الخلق، فكل أهل الأديان يقرون به، ويعظمونه، سواء المسلمون واليهود والنصارى. فالحسنة: لسان الصدق وإمامته بجميع الخلق.
٩- وإنه في الآخرة في زمرة الصالحين، تحقيقا لدعائه: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) .
وبعد تعداد هذه الصفات التسع لإبراهيم الخليل، ﵇، أمر الله نبيه محمدا ﷺ باتباعه، لكماله وصحة توحيده وطريقته، وبعده عن الشرك، وكونه لم يكن من المشركين، واتباع ملة إبراهيم إنما هو في أصول الدعوة، أي الدعوة إلى توحيد الله، وفضائل الأخلاق والأعمال، والوحي إلى محمد ﷺ باتباع ملة إبراهيم: من جملة الحسنة التي آتاها الله إبراهيم ﵊.
ومن حسنات إبراهيم: تعظيمه يوم الجمعة واختياره للعبادة، كما اختاره نبينا ﵊، لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، وتمت فيه النعمة على العباد.
أما تعظيم اليهود السبت واختيارهم إياه فلأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا
стр. 1314
من المخلوقات، وفرغ فيه من خلق مخلوقاته، وإنما شرع تعظيمه عند اليهود الذين اتفقوا على ذلك أخيرا، وألزموا به إلزاما قويا، فذلك عقوبة من الله لهم، حيث إنهم لم يثبتوا على تعظيمه، بل عصوا فيه وتعدوا، فشدد الله عليهم، وأعنتهم في هذا التكليف، ولم يكن تعظيمه من ملة إبراهيم.
وكان باقي الآية وعيدا لهم، فالله يفصل بين الفريقين من اليهود فيما اختلفوا فيه في شأن اتباع موسى وعيسى، ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب. وظل اليهود متمسكين بتعظيم السبت، حتى بعث الله عيسى ﵇، فحولهم إلى يوم الأحد، كما تحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة. ثم عدلوا عن تحويل عيسى، وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وهناك اختلاف آخر بيّن اليهود، غير الاختلاف المذكور في الآية، ذكره نبينا ﷺ في الحديث، حيث قال فيما رواه الشافعي والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» .
يظهر من إبراز هذه الاختلافات مراد واضح لله وهو أن تتحد الأمم والشعوب، والجماعات والأفراد على عقيدة واحدة وعبادة واحدة، وأخلاق ومعاملات واحدة، وعادات ومناهج واحدة، وحينئذ يعم الخير، ويسود السلام، وتنتهي المنازعات إلى يوم القيامة.
стр. 1315
أسلوب الدعوة إلى الله
النجاح المحقّق والدائم في الأعمال يتوقف على الأسلوب الناجح والمنهج المعقول، والخطة السليمة، وبما أن غرس العقيدة في القلب ليس أمرا سهلا، فيحتاج ذلك إلى حكمة في الخطاب، وإثارة العاطفة، وإقناع العقل، وتنبيه الفكر، وإذا استخدمت هذه الوسائل، ولم تحقق الهدف المطلوب، كان الموقف من المخاطبين متسما بالعناد وركوب الرأس، والتأثر بالأهواء والمصالح أو لعوامل أخرى كالتبعة إلى سيد أو قائد، والمهم التزام الأسلوب الحسن، كما قال الله تعالى في الدّعوة إلى دين الله تعالى:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٨]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)
«١» [النحل: ١٦/ ١٢٥- ١٢٨] .
اشتملت الآيات على بيان أسلوب الدعوة إلى الله تعالى، وعلى العدالة والمماثلة في العقاب، وعلى الصبر في المحن والمصائب.
وسبب نزول الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ... فيما
روى الحاكم والبيهقي والبزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثّل به، فقال، لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل، والنبي ﷺ واقف، بخواتيم سورة النحل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ...
стр. 1316
إلى آخر السورة، فكفّ رسول الله ﷺ ، وأمسك عما أراد.
أي من الانتقام والأخذ بالثأر لحمزة.
فهذه الآية نزلت في شأن التمثيل بالحمزة ﵁ في يوم أحد. وقيل لهرم ابن حبان حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية في المال، ولا مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الآيات.
والمعنى: ادع أيها النبي الناس إلى دين الله وشريعة ربك، وهي الإسلام، بالحكمة: أي بالقول المحكم، والموعظة الحسنة، أي بالعبرة والتوجيه والكلمة المؤثرة في القلوب، والتلطف بالإنسان، بإحلاله وتنشيطه، ليحذر الناس بأس الله تعالى، ويحققوا لأنفسهم النجاح، وجادلهم بالتي هي أحسن، أي وحاججهم محاجة تتصف بالحسن، والإقناع، وبالرفق واللين، ولطف الخطاب، والصفح عن المسيء، وقابل الإساءة بالإحسان، واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون رفع الصوت أو السبّ أو التعيير أو التهكّم والاستهزاء، كما قال الله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٦] .
ثم ذكر الله تعالى علة الأمر بالمجاملة في القول: وهي أنه سبحانه علم الشقي والسعيد من الناس، ومن حاد أو انحرف عن سبيل الله والحق، وهو مجازيهم على ضلالهم واهتدائهم حين لقاء ربهم، فله وحده الجزاء والحساب، لا لأحد من البشر ولو كان نبيا.
والعقاب ينبغي أن يكون بالمثل، فإن عاقبتم أحدا من الناس على إساءته أو جرمه، فعاقبوه بمثل فعله، فذلك هو موجب العدل، ولئن صبرتم على الأذى وصفحتم عن المسيء، فالصبر والعفو خير للصابرين أو العافين من الانتقام، لأن انتقام الله أشد، وعقابه أعظم. فهذه الآية كما تقدم بإجماع المفسرين مدنية نزلت في
стр. 1317
شأن التمثيل بحمزة ﵁ يوم أحد. ولتأكيد مضمونها أمر الله نبيه بقوله:
اصبر أيها النبي على ما أصابك من أذى في سبيل الدعوة، وما صبرك إلا بعون الله وتوفيقه ومشيئته، ولا تجزع أو لا تحزن على إعراض المشركين والمخالفين المعادين، فإن الله قدّر ذلك، ولا تحزن على قتلى أحد، فترك الحزن مما يستعان به على الصبر، ولا تكن في غم وضيق صدر من مكرهم وتدبيرهم الكيد لك، ومحاولتهم إلحاق السوء والأذى بك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك.
إن الله مع المتقين الذين تركوا المحارم، واجتنبوا المعاصي، إنه تعالى معهم بالنصر والعون والتأييد، والله مع المحسنين أعمالهم برعاية الفرائض والمندوبات في فعل الخير، والقيام بالطاعة، وأداء الحقوق، وفعل الواجبات. والصبر: من التقوى والإحسان. إن هذه المعية لله مع المتقين والمحسنين معية خاصة، يراد بها الإعانة والتأييد والهداية.
стр. 1318
تفسير سورة الإسراء
معجزة الإسراء
تقترن نبوة النبي أو إرسال الرسول عادة بمعجزة: وهي الأمر الخارق للعادة، لإثبات النبي أو الرسول صدقه أمام قومه، وأنه نزل عليه الوحي من ربه، ومن المعروف أن الله تعالى أيّد نبينا محمدا ﷺ بمعجزات مثل معجزات الأنبياء قبله، وقد ينفرد بمعجزة لا يماثله فيها نبي سابق، مثل انشقاق القمر، والإسراء والمعراج. وكان حادث الإسراء قبل الهجرة بعام أو بعام ونصف، وكان ذلك في رجب، والنبي ﷺ ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما، والمتحقق أن ذلك كان بعد شقّ الصحيفة: وثيقة مقاطعة قبائل قريش لبني هاشم وبني المطلب. وافتتح الله تعالى سورة الإسراء بخبره الموجز في الآية التالية من سورة الإسراء المكية:
[سورة الإسراء (١٧) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)
«١» «٢» «٣» [الإسراء: ١٧/ ١] .
لفظ الآية يقتضي أن الله أسرى بعبده: وهو محمد ﷺ . والمعنى: تنزه الله تعالى من كل سوء أو عجز أو نقص أو شريك أو ولد، فهو كامل الصفات تام القدرة، فهو الذي أسرى بعبده محمد بواسطة الملائكة، في جزء من الليل، وبشخصه
стр. 1319
جسدا وروحا، في تمام اليقظة، لا في المنام، من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى، في بيت المقدس، وعاد إلى بلده في ليلته لأن الله تعالى قادر قدرة تامة على فعل العجائب والمعجزات.
وأكثر المفسرين اتفقوا على أن الإسراء حدث بالجسد والروح، المعبر عنه بكلمة «عبده» وهو مجموع الروح والجسد فركب على البراق يقظة، لا في الرؤيا والمنام، ولو كان مناما لقال الله تعالى: بروح عبده، ولم يقل: «بعبده» ولو كان مناما، لما كانت فيه آية ولا معجزة. ثم عرج بالنبي ﷺ إلى السموات وإلى ما فوق العرش، حيث فرضت في المعراج الصلاة على المؤمنين، وكانت بحق معراج المؤمن، وصلة بين العبد وربه، ولا خلاف أن في الإسراء والمعراج فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة.
ووصف الله تعالى ما حول الأقصى بالبركة من ناحيتين:
إحداهما- النبوة والشرائع وإرسال الرسل الذين كانوا في ذلك القطر، وفي نواحيه ونواديه.
الناحية الثانية- النّعم من الأشجار والمياه والأرض الخصبة ذات الأنهار والأشجار والثمار، التي خص الله الشام بها.
روى ابن عساكر عن زهير بن محمد عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى بارك ما بين العريش والفرات، وخص فلسطين بالتقديس»
وهو ضعيف.
وكان القصد من الإسراء: هو ما قاله الله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا أي لنري محمدا بعينيه آياتنا الكبرى في السماوات، والملائكة، والجنة، وسدرة المنتهى وغير ذلك. مما رآه تلك الليلة من العجائب. وقوله تعالى في نهاية الآية: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعيد من الله ﵎ للكفار على تكذيبهم محمدا ﷺ في أمر الإسراء، فهي إشارة لطيفة بليغة إلى ذلك، معناها: إن الله هو السميع لما تقولون، البصير
стр. 1320
بأفعالكم، يسمع الله أقوال المشركين وتعليقاتهم على حادث الإسراء واستهجانهم لوقوعه، واستهزاءهم بالنبي ﷺ في إسرائه من مكة إلى القدس، والله يبصر ما فعل أولئك المشركون، وبما يكيدون لنبي الله ورسالته.
وقد تواترت بذلك الأخبار والأحاديث النبوية في مصنفات الحديث الثابتة، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، حيث روي عن عشرين صحابيا. وجلّ العلماء على أن الإسراء كان بشخصه ﷺ ، وأنه ركب البراق من مكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلّى فيه. والحديث مطوّل في البخاري ومسلم وغيرهما. والبراق كما جاء في كتاب الطبري: هو دابة إبراهيم ﵇ الذي كان يزور عليه البيت الحرام.
والإسراء بكامل شخص النبي ﷺ هو الصحيح، ولو كانت الحادثة منامية، ما أمكن قريشا أن تشنّع، ولا فضّل أبو بكر ﵁ بالتصديق، لأنه كان أول المصدّقين، ولا قالت له أم هانئ: لا تحدث الناس بهذا، فيكذبوك. وأما المراد بقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ١٧/ ٦٠] . فهي رؤيا بصرية لا منامية، لأنه يقال لرؤية العين: رؤيا. وأما ما نقل عن عائشة ﵂ بأن الإسراء رؤيا منامية، فهو لم يصح، لأن عائشة كانت صغيرة، لم تشاهد الحادث، ولا حدّثت بذلك عن النبي ﷺ .
إنزال التوراة على موسى ﵇
إن من أصول الإيمان في ديننا: هو الإيمان بالكتب السماوية المنزلة على الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وهي مائة وأربعة كتب: صحف شيث ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة عشر، والتوراة والزبور
стр. 1321
والإنجيل والفرقان، وقد أخبر الله تعالى في أوائل سورة الإسراء بإنزال التوراة على موسى ﵇ أحد الأنبياء والرسل الخمسة أولي العزم، فقال سبحانه:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٣]
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)
«١» «٢» [الإسراء: ١٧/ ٢- ٣] .
عطف الله تعالى بقوله: وَآتَيْنا على حادث الإسراء في قوله: أَسْرى بِعَبْدِهِ لعقد الصلة بين الخبرين، كأنه سبحانه قال: أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، وآتينا موسى كتاب التوراة، فلقد أكرم الله تعالى موسى ﵇، قبل محمد ﷺ ، بالكتاب المنزل الذي آتاه أو أعطاه إياه، وهو التوراة الذي جعله الله هداية لبني إسرائيل، يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب، من ظلمات الجهل والضلال والكفر، إلى نور العلم والمعرفة والدين الحق. وقد جعلنا ذلك الإنزال لئلا تتخذوا يا ذرية نوح من دون الله وكيلا تفوضون إليه أموركم، فقوله سبحانه: وَكِيلًا أي ربّا تكلون إليه أموركم.
والمقصود: لا تتخذوا ربا تفوضون إليه أموركم، فأنتم من ذرية أو بني نوح لصلبه، لأن نوحا ﵇، آدم الأصغر، وأبو البشر الثاني، وكل من على الأرض من نسله، وتلك الذرية: هم الذين نجاهم الله من الغرق مع نوح، وهداهم إلى طريق التوحيد والحق والخير، وتعداد هذه النعم على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، يقتضي قبح الكفر والعصيان منهم، كما أن أصلهم وهو نوح كان عبدا شاكرا لأنعم الله وكثير الشكر في أحواله، يحمد الله في كل حال، وعلى كل نعمة، على المطعم والمشرب والملبس وقضاء الحاجة ونحو ذلك. فما على الذرية إلا أن يقتفوا أثر نوح، ويتبعوا منهجه وسنته في توحيد الله وعبادته، والاقتداء به.
стр. 1322
ووصف نوح بكونه (عبدا) ، ووصف نبينا محمد أيضا بأنه (عبد الله) دليل واضح على مرتبة الأنبياء، وهي مرتبة العبودية الخالصة لله تعالى، فإن معجزة الإسراء والمعراج الخارقة لنبينا، لا يصح وصفها بغير حقيقتها، ولا إنزال النبي في منزلة تتجاوز موضعه الحقيقي، وهو كونه عبدا لله، أي خاضعا لعزة الله وسلطانه.
وإن إنزال التوراة على موسى ﵇ إنما هو من أجل الالتزام بأحكامها والاهتداء بهديها، والتقاء أتباعها مع دعوة الحق، ودعوات الأنبياء جميعا، ومنهم نوح ﵇ وخاتم النبيين محمد ﷺ . وهذا المنهاج الموحد للأنبياء: هو الذي ينبغي أن يقتدي به الناس، فإن الدعوة إلى توحيد الله وعبادته واحدة في كل الشرائع، ولا يصح أن يكون بين أتباع الأنبياء اختلاف وأحقاد، وكراهية وعداوة، فذلك شأن من لا يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وتوحيد هذا المنهاج يفهم مما ربط الله تعالى به النهي عن الإشراك واتباع ذرية نوح الموحدة لله، والمراد الحمل على التوحيد لله، بذكر إنعامه تعالى عليهم المتضمن إنجاء آباء البشرية من الغرق في سفينة نوح ﵇، حين لم يكن لهم وكيل يتوكلون عليه، سوى الله تعالى.
وينبني على منهج التوحيد لله رب العالمين ألا يتخذ البشر أحدا منهم إلها من دون الله، أو أربابا من دون الله، فإن المنعم الحقيقي هو الله تعالى، والناس بسبب ضعفهم وحاجتهم إلى الله سبحانه أجدر بهم أن يتجهوا نحو ربهم الذي خلقهم وهداهم وأنعم عليهم، وهو وحده الذي يحاسبهم في الدار الآخرة على كل ما قدموه من خير أو شر.
стр. 1323
إفساد الإسرائيليين وتشريدهم مرتين
إن جزاء الأمم في ميزان العدل الإلهي يكون بحسب الطاعة أو العصيان، ولا يكون عقاب من الله تعالى لأحد إلا بسبب جرمه وجحوده، أو تحديه وعناده ومعارضته دعوة الرسل، وخروجه عن هدي الله تعالى. وهكذا كان الحال مع بني إسرائيل في التاريخ، أفسدوا في الأرض، فشردوا فيها مرتين بسبب فسادهم، ويتكرر العقاب أو الثواب عادة بتكرر سببه. قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤ الى ٨]
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الإسراء: ١٧/ ٤- ٨] .
هذه الآيات: إخبار عن أحوال بني إسرائيل وتاريخهم القديم، ومضمون الخبر:
أن الله أعلمهم في التوراة على لسان موسى، وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم سيفسدون في الأرض التي يحلّون فيها مرتين، ويخالفون مخالفتين: مخالفة ما جاء في التوراة وتغييرها، وقتل بعض الأنبياء مثل أشعيا وزكريا ويحيى، ويتكبرون عن طاعة
стр. 1324
الرسل، ويطلبون في الأرض العلو والفساد، ويظلمون من قدروا على ظلمه، وهذا مطابق لما هم عليه الآن.
فإذا حان موعد المرة الأولى من الإفساد والشر، وحل وقت العقاب، سلط الله عليهم جندا أولي بأس شديد، أي قوة وشدة، فتوغلوا في بلادهم وتملكوها، وقاموا بتخريب مدنهم، وإحراق التوراة، وسبي كثير منهم، وكان هذا وعدا حتمي الوقوع، نافذ المفعول، بسبب تمردهم عن طاعة الله، وقتلهم الأنبياء.
ثم رد الله تعالى لهم القوة، وأهلك أعداءهم، وجعلهم أكثر نفيرا أي عددا من الرجال، وأمدهم الله بالأموال والأولاد، في حال الطاعة والاستقامة على أمر الله.
وتبدّل هذه الحال للعبرة والعظة.
وبما أن شرع الله وقانونه عادل، فإن الله سبحانه أوضح لهم أنه إن أحسنوا العمل، وأطاعوا الله، واتبعوا الأوامر، واجتنبوا النواهي، فإنهم يحسنون لأنفسهم لأن الطاعة تنفعهم، وإن أساؤوا بفعل المحرّمات، أساؤوا لأنفسهم، لأن وباء المعصية يضرهم، ويمنع عنهم الخير، ويؤدي إلى تسلط الأعداء في الدنيا، وإيقاع العذاب في الآخرة.
وإذا حان موعد الإفساد الثاني، وحل أجل العقاب عليه، بعث الله عليهم الأشداء، وتعرضوا لإظهار الإساءة في وجوههم بالقهر والإهانة من أولي البأس الشديد، ودخول مسجد بيت المقدس قاهرين مفسدين، كما حدث في المرة الأولى، ولتدمير وتخريب ما ظهروا عليه تخريبا وهلاكا شديدا، بإزالة آثار الحضارة والعمران، وإبادة السكان، وإتلاف الحرث والزرع والثمر.
ثم يفتح الله تعالى باب الأمل أمام المفسدين من بني إسرائيل، ومضمونه: لعل الله أن يرحمهم، ويعفو عنهم بعد انتقامه منهم في المرة الثانية من تسليط الأعداء، إن
стр. 1325
تابوا وأقلعوا عن المعاصي، فإن عادوا إلى الإفساد والعصيان في مرة ثالثة، أعاد الله عليهم تسليط الأعداء، وإنزال العقاب بهم، بأشد مما مضى سابقا، مع ادخار العذاب لهم أيضا في الآخرة.
والله تعالى جعل جهنم للكافرين مستقرا وسجنا لا محيد عنه، كما جعلها مهادا ومستقرا لهم، ومحطة تشوى فيها جباههم وجنوبهم وظهورهم، وهذا تصوير لشمول العذاب لهم، كما جاء في آية أخرى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الأعراف: ٧/ ٤١] أي أغطية.
وتكون العبرة في سرد وقائع التاريخ الإسرائيلي في القرآن واضحة، وهي أن التنكيل والعذاب شأنهم في الدنيا إذا أدمنوا الفساد والإفساد، والإنقاذ والرحمة كغيرهم يشملهم إذا استقاموا على طاعة الله والتزموا أوامره.
الغاية من إنزال القرآن
لكل شيء حكمة وغاية، وأفعال الله تعالى تهدف إلى تحقيق غاية، وترشد إلى مصلحة، وتدعو إلى ما فيه خير، وتمنع كل ما هو شر، وإنزال القرآن الكريم والدعوات الإلهية والرسالية أو النبوية من أجل تحقيق غايات كبري وأهداف سامية، لمصلحة البشرية جمعاء، وللمسلمين والمسلمات بصفة خاصة، وأهداف القرآن: عامة وخاصة، وعمومها: الهداية للطريق التي هي أقوم، وخاصة: تبشير الطائعين بالجنة، وإنذار العصاة بالنار، قال الله تعالى مبينا هذه الأهداف:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩ الى ١١]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)
стр. 1326
«١» [الإسراء: ١٧/ ٩- ١١] .
هذه الآيات دعوة صريحة قاطعة مقنعة للناس جميعا، للإيمان بالقرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله، لإنقاذهم من الظلمات إلى النور، وإسعادهم في الدنيا والآخرة، وأسباب هذه الدعوة ثلاثة:
أولا- إن القرآن الكريم يرشد ويدعو للحال والطريقة التي هي أقوم وأصلح، وأسدّ وأحكم، وهي الدين القويم، وملة التوحيد الخالص لله: (لا إله إلا الله) والأقوال والأفعال السديدة الرشيدة.
ثانيا- إن القرآن العظيم ذو هدف إصلاحي جذري في الحياة الإنسانية، فهو يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات من فرائض ومندوبات وأعمال خيّرة، يبشرهم بالثواب العظيم أو الأجر الكبير وهو الجنة يوم القيامة، جزاء عملهم. وعمل الصالحات إنما هو لكمال الإيمان، وترجمة المصداقية والانسجام مع العقيدة.
ثالثا- إن القرآن المجيد ينذر الذين لا يصدقون بوجود الله وتوحيده، ولا بوجود البعث والآخرة، والثواب والعقاب، ينذرهم بالعذاب الشديد الموجع أو المؤلم، جزاء ما قدموا من سوء الاعتقاد وفساد الأعمال.
فيكون للقرآن هدف إيجابي وسلبي معا في آن واحد، فهو يبشر المؤمنين العاملين عملا صالحا بالجنة، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، وفي هذا التوجه المزدوج مسرّة لأهل الإيمان، ووعيد للكفار والعصاة.
ولكن الإنسان ظالم لنفسه عادة، ويتعجل النتائج، مما استدعى أن تكون هذه
стр. 1327
الآية: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ ذامّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأولادهم في وقت الغضب والتضجر، فهم يدعون بالشّر في ذلك الوقت، كما يدعون بالخير في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم في وقت الشر لأهلكهم، ولكن الله تعالى يصفح ولا يجيب دعاء الضّجر المستعجل.
إن الله لطيف بعباده، لا يجيب دعاء المتعجل بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة، كما يدعو ربّه بالخير، أي بالعافية والسلامة والرزق، ولو استجيب دعاؤه لهلك، ولكن الله بفضله ورحمته لا يستجيب دعاءه، كما قال الله سبحانه في آية أخرى:
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [يونس: ١٠/ ١١] .
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تدعو على أنفسكم، ولا على أموالكم، أن توافقوا من الله ساعة إجابة، يستجيب فيها» .
والذي يحمل الإنسان على ذلك مع الأسف: هو قلقه وعجلته، وطمعه وحرصه، كما صوّر القرآن هذا الطبع في قوله تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا أي يتعجل تحصيل المطلوب، دون تفكير في عواقبه.
وكلمة: (الإنسان) في الآية يراد بها الجنس (وهو أيّ إنسان) بحسب ما في الخلق من ذلك. وما على الإنسان إلا أن يتعقل ويصبر ولا يتعجل، ويفوض الأمر للخالق البارئ المقدر، ويهتدي بهداية القرآن في الإرشاد لما فيه حسن الختام والعاقبة، ولما يتفق مع الواقع، فليست الحياة جنة طافحة بالنعم والخير، وإنما فيها الشر والشدة أحيانا، كما أن فيها الخير واليسر والسعة أحيانا أخرى.
стр. 1328
المسؤولية الشخصية
الحياة ابتلاء واختبار، والإنسان يتقلب في المعاش والكسب مستفيدا من ظرف الليل والنهار، وما فيهما من فوائد تدل على قيمة الوقت وحساب الزمان، ومقتضى العدل والحق أن يستقل كل إنسان في عمله والمسؤولية عنه، لأن له ثمرته، وعليه تبعاته، ويكون حسابه في الدنيا والآخرة حسابا فرديا شخصيا، لا يسأل عن عمل غيره، وهو الذي يسطّر لنفسه النتائج، فمن اهتدى إلى الحق والخير، وعمل بموجبها، كان نفع الهداية لنفسه، ومن تنكر للحق وسلك طريق الشر، كان وبال الضلال على نفسه، فالمسئولية شخصية، ولا ثواب ولا عقاب إلا بعد البيان والإنذار، قال الله تعالى مبينا هذه القواعد:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)
«١» «٢» »
«٤» «٥» «٦» [الإسراء: ١٧/ ١٢- ١٥] .
هذه الآيات تبين بعض نعم الحياة الدنيوية، وهي أيضا تدل على قدرة الله العظمى وحكمته البالغة، فالله سبحانه جعل الليل والنهار علامتين دالتين على قدرته وبديع صنعه، وفي تعاقبهما تحقيق مصلحة الإنسان والحيوان والنبات، أما الليل وظلامه، ففيه الراحة والسكون، وأما النهار وضوؤه بالشمس، ففيه التقلب في أنحاء
стр. 1329
الدنيا للعمل والعيش والكسب، والضوء يناسبه الحركة والانتقال وإتقان الأعمال، والظلام في الليل يناسبه هدوء الأعصاب، وراحة الجسد، ومتعة العقل والفكر. وفي تعاقب الليل والنهار ابتغاء الرزق والتمكن من التخطيط ليلا، وإنجاز العمل نهارا.
وفي دوران الليل والنهار تعريف بحساب الزمان ومرور الأيام والشهور والأعوام، والتعرف على المصالح في الدورات الزراعية، وتحديد الآجال والأعمار، والديون والمعاملات، ومعرفة حساب وقت العبادات من صلاة وصيام، وحجّ وزكاة، ولو لم يتغاير الليل والنهار لما تحققت الراحة، ولما عرف مقدار الوقت، وعاش الإنسان في عماية وجهالة، أو في تعب وعناء، لحساب الأشياء وتقدير الأزمان.
ومن كرم الله وفضله: أنه سبحانه أبان للإنسان كل شيء به حاجة في مصالح الدين والدنيا والآخرة، وعرّفه طريق الحياة، ودستور المعيشة، وأسلوب المعاملة، بتفصيل دقيق، وبيان واف.
وجعل الله عمل كل إنسان ملازما له، بخيره وشره، فيكون المراد بقوله سبحانه:
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ هو عمله، فالطائر: هو العمل الصادر عن الإنسان، وملازمته له كملازمة الطائر لصاحبه.
قال ابن عباس: (طائره) : ما قدّر عليه وله. وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف من عادة زجر الطير تيامنا وتشاؤما وسيخرج الله لكل إنسان يوم القيامة كتابا يراه، ويستقبله منشورا أمامه، فيه جميع أعماله خيرها وشرها. ويقال له حين تلقّي الكتاب: اقرأ كتاب عملك في الدنيا، كفى بنفسك حاسبا تحسب أعمالك وتحصيها. قال الحسن البصري: قد عدل، والله فيك، من جعلك حسيب نفسك.
وإذا كان كل واحد مختصا بعمل نفسه، فمن اهتدى إلى الحق والصواب، واتبع
стр. 1330
شرع الله وهدي النبوة، فإنما ينفع نفسه، ومن ضل في عمله، وحاد عن شرع الله، وجحد به وبرسله، فإنما يضر نفسه. نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة حين قال: يا أهل مكة، اكفروا بمحمد، وإثمكم علي.
وأعلن الحق سبحانه مبدأ عظيما من مفاخر الإسلام وهو أنه لا تتحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، بل على كل نفس إثمها دون إثم غيرها، وهذا مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية، وهو رد على أهل الجاهلية والأمم السابقة الذين يوجهون المسؤولية لغير الجاني أو المخطئ.
ومبدأ آخر نص عليه القرآن عملا بمقتضى العدل والحكمة والرحمة وهو أنه لا عقاب ولا عذاب إلا بعد بيان وإنذار، وإرسال رسول، سواء في الدنيا والآخرة، وهو المبدأ القانوني المشهور: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. وهذا يتطابق مع معنى آية أخرى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٣٥/ ٢٤] .
أسباب الهلاك والدمار
لقد بعث الله الرسل والأنبياء لمهمة إنسانية سامية: وهي الإرشاد للدين الحق، فأرسل الله آدم ﵇ بالتوحيد، وغرس المعتقدات الدينية في بنيه، وأقام الله الأدلة الكثيرة الدالة على الإله الصانع. فإذا توافر البصر الصحيح والعقل السديد، وجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك على يد نوح ﵇، بعد غرق الكفار، ثم تتابع الرسل الكرام إلى خاتم النبيين بالدعوة إلى توحيد الله وطاعته، وتجنب الشرك ومعصية الله، فإذا قابل الناس هذه الدعوة بالرفض، استحقوا الدمار والهلاك، وتلك سنة الله تعالى المعبر عنها في هذه الآيات:
стр. 1331
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ١٦- ١٧] .
المعنى: إذا دنا وقت إهلاك قوم بعذاب الاستئصال، أمر الله المترفين (أي المتنعمين) بالطاعة والخير أمرا فعليا، فإذا عصوا ذلك الأمر وفسقوا، وخرجوا عن حدود الطاعة وتمردوا، وجب عليهم العذاب جزاء وفاقا لعصيانهم فدمرهم الله تدميرا، وأبادهم إبادة تامة. وخص الله المترفين لأنهم الواجهة، وأنهم أولى بالشكر من غيرهم ولأن فسقهم هو المؤثر في فساد القرية، وسواهم تبع لهم، وفي قراءة أخرى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أي ملّكناهم على الناس، وليس المراد إمارة الملك، وإنما جعلهم يأمرون ويؤتمر لهم. وقوله تعالى: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
أي وعيد الله الذي قاله رسولهم، وهو التدمير: أي الإهلاك مع طمس الآثار وهدم البناء.
ثم أنذر الله تعالى كفار قريش وأمثالهم في تكذيبهم رسوله محمدا ﷺ ، بأن كثيرا من الأمم وجب عليهم العذاب بذنوبهم، ومفاد الآية: كثيرا ما أهلكنا أمما من بعد نوح ﵇، إلى زمانكم، لما بغوا وعصوا، وجحدوا آيات الله، وكذّبوا رسله، كما أنتم الآن معشر قريش، وأنتم أيها المكذبون، لستم أكرم على الله منهم، وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وألزم.
وهذا وعيد لمكذبي الرسول ﷺ في كل زمان بشديد العقاب، وفيه دلالة على أن القرون التي مضت بين آدم ونوح، كانت على الإسلام، قال ابن عباس ﵄: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. ثم ذكر الله تعالى ما معناه:
стр. 1332
وكفى بالله خبيرا بذنوب خلقه، مطلعا عليها، يحصي عليهم أعمالهم ومعاصيهم، فلا يخفى عليه شيء من أفعال المشركين وغيرهم، وهو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية. والخبير: العليم بأحوال الناس، والبصير: الذي يبصر أعمالهم. وفي هذه الآية تنبيه واضح على أن الذنوب: هي أسباب الدمار والهلاك، لا غير، وأن الله عالم بها، ومعاقب عليها.
وهذه الآيات تحضّ العقلاء على العمل الصالح النافع في الدنيا والآخرة، وتدفعهم إلى الجدّ وترك الكسل، والجهاد في سبيل الله حقّ جهاده.
إن العلاقة بين الله تعالى وبين الناس أمرها عجب، فالناس ينسبون إلى الله تعالى الشرك، وهو سبحانه يرزقهم ويعافيهم.
قال النبي ﷺ فيما يرويه أحمد وغيره: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم» «١» .
وفي رواية أخرى: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندا، ويجعلون له ولدا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» . «٢»
والإحسان والرزق يقتضيان مقابلة المعروف بمثله، إلا أن الإنسان مع الأسف يتنكر للمعروف، ولا يقابل الإحسان بمثله، جاء في أثر إلهي: «ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفّلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتّك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء» .
ويحلم الله على الإنسان، فلا يعجل له العقاب، حتى يترك له الفرصة الكافية للتوبة والإصلاح، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل، وجعل الله سنوات العمر متدرجة
стр. 1333
بين الضعف والقوة، ثم الهرم والشيخوخة، ليتذكر الإنسان ويعتبر، ويعود إلى جادة الاستقامة وإصلاح شؤونه وأعماله من أقرب الطرق، فإذا استبد العناد والجحود بالإنسان، ووقف موقف التحدي، استحق الجزاء العادل.
أهل الدنيا وأهل الآخرة
تتجه الهمم والعزائم بحسب المقاصد والنيات والأغراض إما إلى الدنيا ومحبتها وإيثارها على كل شيء، وهذه هي طبيعة الماديين وعشاق المال والثراء والجاه، وإما إلى الآخرة، وتفضيلها على الدنيا لأنها النعيم الأبدي الخالد، وحذرا من الجحيم والعذاب الدائم، ويكون الجزاء بمقتضى العدل الإلهي أن يجازى كل امرئ بما كسب، ويكون هذا الجزاء من جنس العمل، وهذا ما أوضحته الآيات الآتية، قال الله في كتابه العزيز:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٨ الى ٢١]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ١٨- ٢٠] .
تصنّف هذه الآيات الناس صنفين، وتجعلهم فريقين: فريق يعمل للدنيا وحدها، وفريق يعمل للآخرة في الغالب، أما الفريق الأول أهل الدنيا العاجلة: فهم يقصرون جهدهم وعملهم على تحصيل ملذات الدنيا وشهواتها وينسون المستقبل والآخرة، ولا يؤمنون بها، فتكون النتيجة أن الله تعالى يعجل لمن يريد الدنيا
стр. 1334
مرادهم، ويعطي من أراد الله ما يشاء بحسب علمه وحكمته، أي إن العطاء بحسب مشيئة الله، لا بحسب محبة العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، ثم يجعل الله جهنم لجميع من يريد العاجلة وهو كافر بالله وبالآخرة، سواء من أعطاه فيها ما يشاء، ومن حرمه، فأهل الدنيا لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض ما يتمنون. ومن يحرم من نعيم الدنيا يجمع بين فقر الدنيا وفقر الآخرة. إنهم أي أهل الدنيا يصلون، أي يدخلون جهنم، مذمومين، أي ملومين، مدحورين، أي مطرودين من رحمة الله تعالى، فيكون عذابهم متصفا بصفات ثلاث: الدوام، والإذلال، والطرد من رحمة الله.
وأما الفريق الثاني: فهم المؤمنون الأتقياء أهل الآخرة، الذين يعملون لها ما استطاعوا من القرب والطاعات، وهم مؤمنون مصدّقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهؤلاء أهل الكمال المشكورون على طاعتهم المثابون على أعمالهم من ربهم، بسبب ملازمتهم أعمال الخير، والتزام حكم الشرع وطرقه. هذا هو قانون الجزاء الأخروي، أما الرزق في الدنيا فلا يرتبط بالإيمان أو الكفر، وإنما يرزق الله ﵎ في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين، ومريدي العاجلة الكافرين، ويمدهم بعطائه منها، وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، لأنها خير من الدنيا وأدوم وأخلد، أما الدنيا فهي فانية، ولا شأن لها عند الله تعالى، فيكون الرزق المادي فيها لجميع العباد، ولا يضيق رزق الله عن مؤمن ولا عن كافر، فلينظر الإنسان كيف يمدّ الله تعالى بعطائه الدنيوي كلا الفريقين: مريدي الدنيا ومريدي الآخرة، فيمنحهم الله المال والأولاد والصحة والشرف والجاه، والزينة والحظ، والعز في الدنيا، لأنّ الدنيا عند الله تعالى لا تساوي جناح بعوضة.
غير أن الرزق والعطاء الدنيوي متفاوت، متفاضل، يفضّل بعض الناس على بعض في الرزق والمتاع، فقد يعطي الله المال والثروة لكافر، ويمنعه عن كافر آخر،
стр. 1335
ويحجبه عن مؤمن، لحكمة بالغة، ومصلحة للعبد نفسه، كما قال الله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: ٤٣/ ٣٢] . أي ليخدم بعضهم بعضا، وقال الله سبحانه أيضا: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشورى: ٤٢/ ٢٧] .
ثم أخبر الله تعالى أن التفضيل الأكبر والتفاوت الأعظم بين المؤمنين إنما يكون في الآخرة، فتكون الدرجات أكبر، والتباين أعظم، أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «إن بين أعلى أهل الجنة درجة، وأسفلهم، كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها» وكذلك التفاوت كبير بين أهل النار، فهم في دركات، بعضها أسفل من بعض، أي إن النار دركات، والجنة درجات، وفي الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض، قيل: وقد رضّى «١» الله الجميع، فما يغبط أحد أحدا، ولا يتمنى عن ذلك بدلا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» .
التوحيد وبر الوالدين
يعلّمنا القرآن الكريم الأدب الجم، والوفاء للجميل ورد المعروف، وتقدير النعمة، فليس هناك للإنسان مصدر للنعمة سوى الله تعالى، فهو المتفضل المحسن، والوالدان بحكم عاطفتهما يبذلان أقصى ما في وسعهما لتربية الأولاد والحفاظ على حياتهم وصحتهم، وإمدادهم بكل ما يحتاجون، حتى إن الوالدين يفضلان مصلحة