← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كانت سببا للشر والبعد عن الله، وعند ذلك تكون خطرا على صاحبها، أما إن كانت سببا في الخير، ولم تمنع صاحبها من القيام بواجباته الدينية والخيرية والإنسانية، فتكون خيرا له، وعند الله حسن المرجع والمآب. ثم نبّه القرآن الكريم إلى ما هو خير من الدنيا، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٧] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٥- ١٧] . فالذي هو خير من الدنيا وزينتها هو ما عند الله للمتقين الأبرار من الجنات التي تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام أبدا، لا يرغبون في بديل عنها، ولهم زوجات طاهرات من دنس الفواحش والشوائب، وهذا هو الجزاء المادي، وهناك جزاء روحي أرفع منه وهو رضوان الله على عباده الأتقياء، وهو أكبر وأعظم من كل نعمة، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٩/ ٧٢] . وهذا الجزاء المادي والروحي هو للمتقين الله حقيقة الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بك وبرسلك وكتبك إيمانا حقيقيا صادقا يملأ قلوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار. وهؤلاء المؤمنون الأتقياء صابرون على تقوى الله وعلى قضاء الله وعلى كل مكروه، وقانتون خاشعون لله متضرعون إليه، ومنفقون أموالهم في سبيل الله ندبا ووجوبا، ومستغفرون الله بالأسحار أي قبل طلوع الفجر، وفي هذا الوقت يكون

стр. 177

الدعاء مستجابا، ورحمة الله شاملة للتائبين من العصيان. قال النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» «١» . الشهادة بوجود الله ووحدانيته وبأحقية دينه قامت الأدلة الكثيرة والبراهين القطعية من خلق الكون وتدبيره على وجود الله وتوحيده، وشهدت العوالم المخلوقة شهادة إقرار وعلم ويقين وإظهار وبيان أن الله تعالى واحد لا شريك له، وأنه قائم موجود بالعدل والحق في كل شيء، في الدين والشريعة والكون والطبيعة، وفي العبادات والمعاملات والآداب، أتقن الله نظام الكون وأحكمه، وعدل بين القوى الروحية والمادية، وكانت الأحكام الشرعية مبنية على أساس التوازن الدقيق بين الفرد والأمة، وبين الفرد والخالق، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين أخيه، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الدنيا والآخرة، والعقيدة والعمل، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) «٢» [آل عمران: ٣/ ١٨] . قال الكلبي مبينا سبب نزول هذه الآية: لما ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة، قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان. فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدّقناك.

стр. 178

فقال لهما رسول الله ﷺ : سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ . وبما أن الله يحب عباده، ويرغب لهم بالخير، أورد عقب الآية السابقة ما ارتضاه وأحبه لعباده منذ أن خلق الخلق وإلى يوم القيامة وهو الإسلام، أي الخضوع والانقياد لله والإيمان به والطاعة، ولا خلاف بين جميع الأنبياء والمرسلين في جوهر الدين وهو الإسلام والسلام والإخاء والمحبة، والتوحيد والعدل في كل شيء، ولم يقع الخلاف بين أهل الكتاب وأتباع الأديان إلا بسبب الحسد والبغي أو الظلم والحفاظ على المراكز القائمة والمصالح المادية، والحرص على الدنيا وما فيها، فمن يكفر بآيات الله الدالة على وجوده وتوحيده وصدق أنبيائه، فإنه ظلم نفسه، والله مجازيه وهو سريع الحساب وشديد العقاب. وإن حدث جدال بين النبي أو أتباعه وبين أهل الأديان الأخرى، فليقل المؤمن: قد أسلمت وجهي لله وانقدت له وأقبلت عليه بعبادتي مخلصا لله وحده، معرضا عما سواه، فإنه أسلم هؤلاء المعارضون لهدي الله وقرآنه، فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا فما على الداعية أو الرسول إلا الإبلاغ فقط، والله بصير بخلقه، عليم بحالهم، فيحاسبهم ويجازيهم، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩ الى ٢٠] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 179

[آل عمران: ٣/ ١٩- ٢٠] . جزاء قتل الأنبياء وحكم الإعراض عن بيان الله لن يغتفر التاريخ جرائم قتلة أهل الحق والدفاع عن القيم الدينية وعن مصالح الأوطان وحماية البلاد، ولن ينجو قتلة الأنبياء وقتلة أهل المعروف من العقاب الشديد في الآخرة، وهؤلاء المجرمون بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ولا شفعاء، لأنهم حرموا المجتمع والأمة من الخير والاهتداء بهدي الله ودينه، وصدّوا الأنبياء عن قول الحق وتبليغ الرسالة، وآذوا بالقتل وغيره كل من آزرهم ونصرهم، ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر من أهل العلم والعدل، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ٢١- ٢٢] . روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) ثم قال الرسول: «يا أبا عبيدة قتلت بنو

стр. 180

إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار، في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار، من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله » . ثم أبان الله تعالى في قرآنه حكم المعرضين عن بيان الله وهديه، والمعرضين عن القرآن وإرشاده، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ٢٣- ٢٥] . قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بسبب أن رسول الله ﷺ دخل بيت المدارس «٤» على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد من يهود بني قينقاع: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا على ملة إبراهيم، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي ﵇: «فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم» فأبيا عليه، فنزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ. إن هؤلاء المعادين يترددون في قبول حكم الله، ثم يعرضون عن قبول كتاب الله، وشأنهم دائما الإعراض والعناد، وما شجعهم على هذا العناد والجحود إلا اعتقادهم الباطل أنهم لا تصيبهم النار إلا أياما قليلة، ثم يدخلون الجنة في زعمهم، وهذا مجرد وهم وافتراء، فلقد غرهم ما كانوا يختلقون في الدين، كقولهم: إن الأنبياء ستشفع

стр. 181

لنا، ونحن أولاد الأنبياء، وأحباء الله، وشعب الله المختار، وستتبدد كل هذه الدعاوي إذا جمعهم الله يوم القيامة الذي لا شك فيه، وتوفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر، وهم لا يظلمون. من أدلة قدرة الله تعالى كان المشركون ينكرون النبوة لشخص بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأنكر أهل الكتاب النبوة في غير بني إسرائيل، وتعجب المنافقون واليهود من بشائر النبي ﷺ لأمته، روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك قالا: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك «١» ، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ٢٦- ٢٧] . وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ.. الآية. هذه بعض الأدلة على قدرة الله تعالى وعظمته، فهو مالك الملك، وهو المعطي والمانع، يؤتي الملك والنبوة من يشاء من عباده كآل إبراهيم، قال الله تعالى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: ٤/ ٥٤] .

стр. 182

وقد يعطي الله ملكا فقط كسائر الملوك الدنيويين القدامى والمعاصرين، وقد ينزع الله الملك ممن يشاء من الأفراد والأمم بسبب ظلمهم وفسادهم وسوء سياستهم، كما نزع الملك من كثير من الدول والأشخاص، والله سبحانه يعز من يشاء ويذلّ من يشاء، والعزة والذلة لا تتوقف على الملك أو المال، فكل إنسان معرض للذل والعز بمقتضى إرادة الله، والله وحده بيده الخير، فكل ما كان أو يكون لا يخلو من خير ونعمة، لصاحبه نفسه أو لغيره من الناس، إن الله قدير تام القدرة على كل شيء، ولا يفعل شيئا إلا بمقتضى الحكمة والمصلحة والعدل. ومن أدلة قدرة الله تعالى وتمام ملكه وعظمته: أن الله يدخل الليل في النهار فيزيد منهما وينقص، ويدخل النهار في الليل زيادة ونقصا، بيده الأمر، والكون في قبضته، والسماوات والأرض مطويات بيمينه. وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي حياة مادية واضحة كإخراج النبات الرطب من الحب اليابس وعلى العكس، وحياة معنوية ملحوظة كإخراج العالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. ومن أدلة قدرة الله أنه يرزق جميع المخلوقات في الدنيا والآخرة، يرزق من يشاء بغير حساب يطلب منه، ولا رقيب عليه، وبغير تعب ولا مشقة، فله سبحانه خزائن السماوات والأرض، التي لا تنفد ولا تغيض، ولا تفنى ولا تنقص، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الخالق لكل شيء. موالاة الأعداء المسلم قاعدة صلبة وأمينة في بنية المجتمع الإسلامي، فلا يفرّط في حق من حقوق أمته، ولا يغدر ولا يخون ولا يغش أحدا، ولا يكون جاسوسا للأعداء، ولا يظهر

стр. 183

اللطف لهم والميل إليهم إلا بمقدار ما تقتضيه المصلحة العامة العليا، ولا يناصر الأعداء، أو يعمل ضد مصلحة أمته المؤمنة. وهذا ما حذّر منه القرآن الكريم في آيات كثيرة، وهدد المخالفين المتواطئين على مصلحة الأمة ومصيرها، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ٢٨] . فلا تجوز موالاة الأعداء ومناصرتهم فهذا أمر ينفّر منه الشرع ولا يقره الدين في أي حال، إلا في حال الخوف منهم واتقاء أمر يجب اتقاؤه كالقتل وقطع الأعضاء والضرب بالسوط والسجن والتهديد والوعيد وسائر أنواع التعذيب،. وذلك إذا كان المرء في دار الأعداء، فإذا داراهم الإنسان أحيانا باللسان فقط وتحاشى أذاهم، فذلك أمر جائز شرعا، ويكون المؤمن في هذه الحال مكرها، والله تعالى يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. [النحل: ١٦/ ١٠٦] . وسبب نزول آية النهي عن موالاة الأعداء: هو ما قاله الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين، ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وهناك سبب آخر ذكره ابن عباس، فقال: نزلت الآية في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا نقيبا «٣» ، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمس مائة رجل من اليهود، وقد رأيت

стр. 184

أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ الآية. ثم هدد الله المخالفين المتواطئين على مصير أمتهم بقوله: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ٢٩- ٣٠] . والمعنى: إن الله تعالى يعلم كل ما يخفيه الناس في صدورهم، أو يظهرونه، والله يعلم أيضا جميع ما يحدث في السماوات والأرض، ومن ذلك الميل إلى الأعداء أو البعد عنهم، والله تام القدرة على كل شيء. وليحذر الإنسان يوم القيامة الرهيب، ففيه يجد كل إنسان ما قدمه من عمل خير أو شر، قليل أو كثير، فإن كان العمل خيرا سرّ صاحبه، وإن كان شرا ودّ صاحبه أن يكون بينه وبين عمله بعد ما بين المشرقين. ويحذر الله الناس عقابه الصارم إن خالفوا، والله رؤف بالعباد إن أطاعوا والتزموا الأوامر واجتنبوا النواهي. والخلاصة: حرّم الله إفشاء الأسرار للأعداء التي تضر الجماعة الإسلامية، ولا مانع من معاملة غير المسلمين معاملة حسنة إذا لم يتآمروا علينا أو يضرونا بضرر، وأما الأعداء الذين أخرجوا المسلمين من بلادهم كفلسطين وغيرها، فلا تحل موالاتهم، بل تجب معاداتهم حتى نحرر الأراضي المحتلة.

стр. 185

الطاعة والولاء أساس المحبة يزعم بعض الناس أنهم يحبون الله ورسوله، ولكنهم لا يتبّعون شيئا من أوامر الله ورسوله، ولا يلتزمون جادة الطاعة، وتراهم في واد وأحكام الشرع في واد آخر، ومثل هذا الموقف لون من ألوان التناقض الذي لا يقره شرع ولا عقل، ونوع من أنواع الازدواجية الممقوتة التي يلبس فيها الإنسان لباسين ويتحلى بحلتين. فمن أهم ركائز المحبة إظهار الطاعة، والانقياد للأوامر الإلهية، لذا قال الإمام الشافعي: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كنت تظهر حبه لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وتكررت أوامر القرآن الكريم بالطاعة، فقال الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) [الأنفال: ٨/ ٢٠] . ووبّخ أولئك الذين يدّعون محبة الله ورسوله، ويعصون أوامرهما، فقال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) [آل عمران: ٣/ ٣١- ٣٢] . ذكر العلماء عدة أسباب متشابهة لنزول هذه الآية، ولا مانع من تكرار الأسباب، واتحاد الجواب، قال الحسن البصري وابن جريح، زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد، إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس: وقف النبي ﷺ على قريش، وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلّقوا عليها بيض النّعام، وجعلوا في آذانها الشنوف «١» ، وهم يسجدون

стр. 186

لها، فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام، فقالت قريش: يا محمد، إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله زلفى. فأنزل الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. وقال ابن عباس أيضا: إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها. ومضمون الآيتين: قل لهم يا محمد: إن كنتم تحبون الله حقيقة، فاتبعوني فإن ما جئت به هو من عند الله، والمحب المخلص الصادق حريص على إرضاء المحبوب، وامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن اتبعتموني يحببكم الله ويوفقكم للخير، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم. قل لهم يا محمد: أطيعوا الله باتباع كلامه، واتبعوا الرسول باتباع منهجه وسنته، والاهتداء بهديه واقتفاء أثره، فإن تولوا وأعرضوا ولم يجيبوا دعوتك غرورا منهم بدعوى أنهم محبون لله وأنهم أبناؤه، فاعلم أن الله لا يحب الكافرين الذين لا يتأملون في آيات الله، ولا يهتدون إلى الدين الحق والشرع الحنيف، ومعنى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أنه يعذبهم ويعاقبهم على كفرهم بالله وبرسوله، وهذا وعيد وتهديد يستحق التأمل والتعقل. اصطفاء الأنبياء يختار الله أنبياءه ورسله، لما يجده فيهم من مقومات عظيمة ومؤهلات عالية، ولما يراه مناسبا لقومهم، ويلائم عصرهم وزمانهم. وهذا منهج يتبعه القادة والحكام، فإنهم يبعثون الرسل والسفراء إلى أمراء العالم وحكامهم، ويختارونهم

стр. 187

اختيارا موفقا يؤدون فيه مهامهم أداء حسنا. غير أنه مع الأسف الشديد يرفض بعض الجهلاء هذا المبدأ العقلي السليم، فهؤلاء المشركون وأهل الكتاب كانوا ينكرون على النبي محمد ﷺ نبوته لأنه بشر مثلهم، وليس من بني إسرائيل، فيرد الله عليهم: إن الله اصطفى آدم أبا البشر ونوحا الأب الثاني، واصطفى من ذريتهما آل إبراهيم، ومن آل إبراهيم آل عمران. والمشركون الوثنيون يعترفون باصطفاء آدم ونوح وآل إبراهيم، لأنهم من سلالته، وبنو إسرائيل يعترفون بهذا وباصطفاء آل عمران، لأنهم من سلالة (إسرائيل) يعقوب حفيد إبراهيم. وإذا كان الله اصطفى هؤلاء على غيرهم من غير مزية سبقت، فما المانع من اصطفاء محمد ﷺ بعد ذلك على العالمين، كما اصطفى آل عمران على غيرهم. واصطفى: أي اختار صفو الناس. لقد أوضح القرآن الكريم سنة الله تعالى في اختيار الرسل، فقال: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) «١» [آل عمران: ٣/ ٣٣- ٣٤] . والمعنى: إن الله اختار آدم أبا البشر، فجعله نبيا إلى بنيه، واختار الله نوحا وجعله أول رسول بعث إلى الناس لما عبدوا الأوثان، وانتقم الله بإغراقهم، ونجاته هو ومن اتبعه. واختار الله للنبوة والرسالة آل إبراهيم الخليل، ومنهم سيد البشر وخاتم النبيين محمد. واصطفى الله من ذرية إبراهيم آل عمران، وعمران هذا: هو أب مريم وجدّ عيسى ﵇.

стр. 188

اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة الخلق وخيارهم، وجعل فيهم النبوة والرسالة. ثم ذكر الله تعالى قصة مريم، فكما أنها ولدت من أم عاقر، على خلاف المألوف أو المعهود، وقبلت في خدمة البيت أو هيكل العبادة، بالرغم من أنها أنثى، فلم يستغرب المشركون واليهود أن يرسل الله نبيا عربيا ليس من ذرية إسرائيل (يعقوب) . وأم مريم بنت عمران: هي حنة بنت قاذوذ، وقصتها في القرآن هي: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) «١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ٣٥- ٣٧] . قصة زكريا ويحيى ﵉ واصطفاء مريم تعجب زكريا ﵇ من حال مريم البتول القانتة المتفرغة للعبادة، وما يجده عندها من رزق وفير، فدعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا من ولد يعقوب ﵇، فبشرته الملائكة وهو يصلي في المحراب بيحيى ﵇، وهذا ما قصّته علينا الآيات التالية:

стр. 189

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٤٤] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [آل عمران: ٣/ ٣٨- ٤٤] . دعا زكريا ﵇ أن يرزقه الله ولدا صالحا، مثل مريم، من ولد يعقوب ﵇، قائلا: يا رب أعطني من عندك أولادا طيبين، لأنهم فرحة العين، ومجلى القلب، إنك سميع قول كل قائل، مجيب دعوة كل دعاء صالح. فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب: هو جبريل ﵇، وذلك أثناء قيامه للصلاة، يدعو الله، ويصلي في المحراب، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى، مصدقا بعيسى الذي ولد ونشأ بكلمة الله: (كن) لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم. ويكون سيد قومه، وزاهدا مانع نفسه من الشهوات، ونبيا يوحى إليه. وبشارة أخرى أن يحيى ﵇ سيد قومه، والمحصّن والمعصوم من الذنوب،

стр. 190

والمانع نفسه من شهواتها، وهو نبي صالح يوحى إليه، وهذه بشارة أخرى بنبوة يحيى، بعد البشارة بولادته. تعجب زكريا ﵇ من هاتين البشارتين، فقال: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابته الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل الله ما يشاء في الكون. فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدل على الحمل ووجود الولد منه، استعجالا للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية، إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره الله أن يذكر ربه ويكبره ذكرا كثيرا، ويسبّحه أو ينزهه عما لا يليق به طوال الوقت، ولا سيما عند الصباح والمساء. واذكر أيها النبي حين قالت الملائكة لمريم: يا مريم، إن الله لكثرة عبادتك وزهدك اختارك رمزا لسمو الأخلاق والصفات، وطهرك من الأكدار والعيوب، والوساوس والدناءات، وطهرك من عادات النساء كالحيض والنفاس والولادة من غير جماع، وفضلك على نساء العالمين في زمانك. يا مريم، الزمي الطاعة والخضوع والخشوع لله، واسجدي له مع التعظيم، وصلّي جماعة مع المصلين. تلك القصص التي أخبرناك عنها أيها النبي، من أخبار زكريا ويحيى ومريم: هي من أخبار الغيب التي لم تطلع عليها أنت ولا أحد من قومك، وإنما هي بالوحي الذي أوحينا به على يد جبريل الأمين، ولم تكن حاضرا معهم حينما جاءت امرأة عمران، وألقت مريم في بيت المقدس، وتنافس الأحبار في رعايتها وخدمتها.

стр. 191

ولم تكن حاضرا حين تنازعوا في كفالتها، وأخذوا يقترعون في شأن الكفالة، لأنك أمي، فلم يبق لك طريق للعلم إلا الوحي من الله تعالى. قصة عيسى ﵇ - ولادته وبعثته ومعجزاته - قصص القرآن العجيبة مدعاة للإيمان والاعتبار والاتعاظ، وهي غالبا قصص للأنبياء والمرسلين تتضمن المعجزات والدلائل الدالة على صدق الوحي والرسالة والنبوة، وتظل ناطقة بقدرة الله تعالى على الاستثناءات كما هي في الأحوال المعتادة، حيث يخلق الله تعالى المعجزة على يد نبي أو رسول، لتدل على صدقه في دعواه الرسالة أو النبوة، ومن هذه القصص ما مرّ سابقا من قصص زكريا ويحيى ومريم، وما يذكر هنا من قصة ولادة عيسى من غير أب، ومعجزاته، وتعليم الله له الكتاب (الكتابة) والحكمة (العلم النافع) والتوراة والإنجيل، كما في الآيات التالية: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٥١] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»

стр. 192

«١» [آل عمران: ٣/ ٤٥- ٥١] . اذكر أيها النبي حين قالت الملائكة: يا مريم، إن الله يبشرك بمولود منك من غير أب هو الكلمة، أي وجد بكلمة كُنْ فَيَكُونُ من الله، من غير واسطة بشر، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، فهو منسوب إليك، ولقب بالمسيح، لمسحه بالبركة أو بالدهن الذي يمسح به الأنبياء، وهو ذو جاه في الدنيا بالنبوة، وفي الآخرة بالشفاعة وعلو الدرجة، ومن المقربين إلى الله يوم القيامة. ويكلم الناس وهو طفل صغير في المهد: مضجع الطفل حين الرضاع، وفي الكهولة: ما بعد الثلاثين أو الأربعين إلى الشيخوخة، أي يكلم الناس في الحالين بالوحي والرسالة، وهو من العباد الصالحين. قالت مريم مستبعدة الأمر بحكم العادة: كيف يكون لي ولد، ولم يقربني رجل؟ فأجابها الوحي بالإلهام: مثل ذلك يخلق الله ما يشاء من العدم بمقتضى قدرته وحكمته، وإذا أراد أمرا أو شيئا ممكنا، أوجده بكلمة كُنْ فيكون كما أراد. ويعلّم الله عيسى الكتابة والخط، والعلم النافع وفهم أسرار الأشياء، والتوراة التي أنزلها على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أوحي إليه من بعد ذلك. ويرسله الله رسولا إلى بني إسرائيل: أني أنبئكم بعلامة دالة على صدق نبوتي ورسالتي، وهي أنني أصورّ لكم من الطين شيئا كهيئة الطير، فأنفخ فيه، فيصير حيا

стр. 193

كهيئة سائر الطيور، بإرادة الله، فالخلق الحقيقي من الله، وأبرئ الأكمه: الذي ولد أعمى، والأبرص الذي به البرص: وهو بياض يظهر في الجلد منفّر، وخصّ هذان المرضان، لاستحالة الشفاء منهما في العادة الغالبة، وأحيي الموتى، وكل ذلك بإرادة الله تعالى، وأخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم من الحبوب وغيرها، مما لا يطلع عليه الناس عادة، إن في جميع ما ذكر دليلا قاطعا، وحجة ظاهرة على صدق رسالتي، إن كنتم مصدقين بالرسالات الإلهية. وجئتكم مصدقا لما سبقني من التوراة، عاملا بها، مخففا بعض أحكامها، أحل من الطيبات بعض ما حرم عليكم في التوراة، كلحوم كل ذي ظفر كالأوز والإبل، وشحوم الأنعام، وجئتكم بحجة شاهدة على صدقي من الله، فخافوا عذابه، وأطيعوني فيما دعوتكم إليه، وتابعوني في ديني ودعوتي لتوحيد الله. إن الله ربي وربكم، لا إله غيره ولا رب سواه، وأنا عبده، فاعبدوه وحده لا شريك له، هذا هو الطريق القويم الواضح الذي لا اعوجاج فيه. عيسى ﵇ مع قومه دعا عيسى ﵇ قومه الإسرائيليين إلى عبادة الله وحده، فآمن به بعضهم، وأعرض آخرون، وتلقى منهم الأذى والتهديد بالقتل، فأنجاه الله، وجوزي المؤمنون بمرضاة الله، وأنذر الله الكافرين بعذاب شديد، ورد على من زعم ألوهية عيسى، فليس مثله إلا مثل آدم، وجد بكلمة الله التكوينية، ودعي الخصوم إلى المباهلة (الدعاء باللعنة على الكاذبين) وذلك في الآيات التالية: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٦٣] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) «١»

стр. 194

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [آل عمران: ٣/ ٥٢- ٦٣] . أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: أتى رسول الله ﷺ راهبا نجران، فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله ﷺ لا يعجل حتى يؤامر ربه، فنزل عليه: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إلى قوله: مِنَ الْمُمْتَرِينَ وقال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ : مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد، قال: أجل، إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن

стр. 195

كنت صادقا فأرنا مثله، فأنزل الله هذه الآية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ لما شعر عيسى من قومه بني إسرائيل بالتصميم على الكفر، قال: من ينصرني ويعينني في الدعوة إلى الله، وتبليغ الرسالة إلى الناس؟ قال الحواريون (أنصاره وتلاميذه) الاثنا عشر رجلا: نحن أنصار دين الله ورسله، آمنا بالله وحده، واشهد يا عيسى بأننا مخلصون في إيماننا، منقادون لرسالتك، مطيعون لأوامرك. ربنا إننا صدقنا بما أنزلت من الوحي على نبيك، وامتثلنا أوامر رسولك، فاجعلنا من الشاهدين يوم القيامة لك بالوحدانية، ولرسولك بالصدق. - ومكر كفار بني إسرائيل، أي دبروا تدبيرا خفيا لقتل عيسى، وأبطل الله مكرهم ودبر تدبيرا محكما بإلقاء شبه عيسى على أحد الحواريين، ورفع عيسى إلى السماء، حيا بجسده وروحه، والله خير وأنفذ وأقوى المدبرين. - واذكر أيها النبي حين قال الله تعالى: يا عيسى، إني مستوف أجلك في الدنيا، وقابضك، والتوفي: الإماتة العادية، ورافعك إلي بروحك وبدنك، بجعلك في منزلة رفيعة كإدريس والصالحين، ومخلّصك من خبث الكافرين ومكرهم، ومبعدك من سوء عملهم، وجاعل أتباعك الذين آمنوا برسالتك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وهي فوقية قدر، وعلو فضائل، وقوة حجة، ومن هؤلاء: المسلمون الذين آمنوا بعيسى رسولا وبما يستحقه من دون غلو، ثم يكون إلي رجوعكم جميعا، فأحكم بين المؤمنين الأتباع وبين الكفار به، فيما تختلفون فيه من شأن المسيح وصلبه وأمور الدين كلها. - فأما الكفار فلهم عذاب شديد في الدنيا بأنواع العقاب، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم أنصار ينصرونهم ويمنعون عنهم العذاب.

стр. 196

وأما المؤمنون الذين يعملون صالح الأعمال التي أمر الله بها، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا وافرا، والله يعاقب الظالمين أنفسهم، الذين كفروا بالله ورسله، وعصوا أوامر ربهم. - ذلك المذكور من أخبار عيسى ومريم، نقصه عليك أيها النبي، من جملة الآيات والعلامات الدالة على صدق نبوتك، ومن القرآن المحكم الذي لا خلل فيه. - إن شأن عيسى الغريب كشأن آدم الذي خلقه الله من التراب، ثم أوجده بقوله: كن بشرا، فكان، بل أمر آدم أغرب، فإنه لا أب له ولا أم، لخلقه من التراب. - هذا الذي أوحي إليك أيها النبي، هو الحق الثابت من ربك، فلا تكن من الشاكين فيه، والنهي للرسول ﷺ لزيادة التثبيت والتأكيد، ومثله كل سامع متأمل. - فمن جادلك في شأن عيسى بغير حق، من بعد ما جاءك من الوحي والخبر بحقيقة الأمر، فقل لهم: هلموا لنجتمع جميعا مع الأولاد والنساء، ثم ندعوا الله خاشعين، ونقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. - إن هذا الذي ذكرت من أمر عيسى، لهو القصة الواقعية لولادة عيسى ﵇، ونشأته ومنهجه في دعوته، ولا يوجد إله يعبد بحق غير الله تعالى وحده، خالق كل شيء، وإن الله لهو القوي الغالب في هذا الكون، الحكيم في صنعه وتدبيره. - فإن أعرضوا عن هذا الحق المبين واتباع عقيدة التوحيد التي دعا إليها جميع الأنبياء، فهذا الإعراض هو الفساد بعينه، لأنه شرك وكفر، والله عليم بالمفسدين، وسيعاقبهم على إفسادهم.

стр. 197

دعوة الأمم إلى توحيد الله من عهد إبراهيم أراد الله أن يجمع الأمم على ملة واحدة وهي ملة التوحيد لله ، فلا يكون هناك تعدد بين الآلهة، ولا شرك ولا وثنية، ولا أبوة ولا بنوة لله تعالى، وهذا أمر سهل يسير، وله أهداف سامية عالية، من أهمها منع التنازع والخصام بين الناس، وإشاعة المودة والمحبة بين الأفراد، لذا أمر الله نبيه أن يدعو الناس إلى العدل والوسط والكلمة السواء: وهي ألا نعبد جميعا إلا الله، وألا نشرك به شيئا، وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من غير الله، فكل دين سماوي لا يختلف عن الآخر في إثبات الوحدانية والربوبية لله تعالى. وإذا كان الأمر على هذا المنهج المعتدل الوسط، فهيّا بنا جميعا إلى إعلانه واتباعه وإذابة الفوارق وتوحيد العقيدة، وإن اعترضنا شيء من سوء التفاهم والخلاف، وجب أن نرده إلى أصل التوحيد وكلمته، فلا نقول: إن أحد البشر هو ابن الله، فإن تولى المشركون وأهل الكتاب عن هذه الدعوة الصريحة وأعرضوا عن قبولها، فقولوا أيها المؤمنون: اشهدوا بأنا مسلمون حقا منقادون لله، نعبده وحده مخلصين له الدين، وأما أنتم فلستم هكذا. قال الله تعالى مقررا هذا المنهج المعتدل: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) «١» [آل عمران: ٣/ ٦٤] . التزم النبي ﷺ بالكلمة السواء هذه، وكتب بها إلى هرقل عظيم الروم وإلى غيره من أمراء وملوك العالم، ودعا بها أهل الكتاب في الجزيرة العربية، وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة. ثم أوضح القرآن حقيقة ملة إبراهيم ﵇، وهي ملة التوحيد، ورد على

стр. 198

المحاجة في شأن إبراهيم، وأنه كان قبل نزول التوراة والإنجيل، فلم يكن إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا أي مائلا عن الشرك بالله والوثنية، وكان مسلما أي منقادا لله ، وما كان من المشركين كمشركي العرب. وإن أحق الناس وأجدرهم بشرف الانتماء إلى إبراهيم هو محمد رسول الله والمؤمنون بدعوته، وهؤلاء هم أتباع إبراهيم حقا، لاتفاقهم معه في الوحدانية والألوهية لله تعالى، والله ولي المؤمنين وناصرهم، قال الله تعالى مبينا القول الفصل في ملة إبراهيم وفي المحاجة التي أثيرت حوله: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٨] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ٦٥- ٦٨] . وسبب نزول هذه الآية: أن اليهود سألوا النبي ﷺ فقالوا: والله يا محمد، لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا.. قال النبي ﷺ فيما رواه سعيد بن منصور عن ابن مسعود: «لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي، وخليل ربي » ثم قرأ هذه الآية.

стр. 199

التلاعب بالدين لقد أدى بزوغ فجر الإسلام إلى حدوث تشنجات ومواقف تعصبية من أهل الكتاب، ومحاولات إضلال المسلمين، ومعارضتهم آيات الله في التوراة والإنجيل، وترك العمل بمقتضاها، وخلط الحق بالباطل، والإيمان ببعض الكتاب أو القرآن والكفر ببعضه الآخر، وخلط كلام الله بكلام البشر المخترع الباطل، وكتمان الحق الصريح الواضح، وهو البشارة بالنبي محمد ﷺ التي هي في الكتب السابقة. سجّل القرآن الكريم هذه المواقف لأهل الكتاب، وروي أن معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، دعاهم اليهود إلى دينهم، وترك دين الإسلام، فنزلت الآية التالية: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٩] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) [آل عمران: ٣/ ٦٩] . وهذا دليل على حبهم العميق فتنة المسلمين وإضلالهم. ثم وبخهم الله تعالى على لسان نبيه ﷺ قائلا لهم: لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آيات القرآن، وأنتم تشهدون أن أمر محمد وصفته آيتان في كتابكم؟ قال تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٠ الى ٧١] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) «١» أي أنكم تعلمون شأن محمد ﷺ ، وتقفون معه موقف العناد الظاهر. ثم أخبر الله تعالى عن موقف متعصب آخر لليهود، وهو أن طائفة من أحبارهم من يهود خيبر أرادوا خديعة المسلمين، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٤] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) «٢» »

стр. 200

[آل عمران: ٣/ ٧٢- ٧٤] . والمعنى: قالت جماعة من أهل الكتاب لأتباعهم: آمنوا بمحمد أول النهار، واكفروا آخره، فإن سئلتم عن السبب، قولوا: آمنا، حتى إذا رجعنا إلى التوراة والإنجيل، عرفنا أنه ليس النبي المبشر به في التوراة، فلعل ذلك يكون مدعاة لرجوع من آمن بمحمد عن دينه، وقالوا لأتباعهم أيضا: ولا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم، فلا تظهروا ما عندكم للمسلمين حتى يتعلموه منكم، أو يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتتغلب حجتهم عليكم في الدنيا والآخرة، فرد الله عليهم بأن الله هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزل على رسوله من الآيات البينات، أي ليس إظهاركم للحق أو إخفاؤكم، له دخل في الهداية، بل الهداية من الله وتوفيقه، والفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، ويختص برحمته من يشاء، كإعطاء النبوة لمحمد، والله دائما ذو الفضل العظيم. وهذا تكذيب لليهود في قولهم: نبوة موسى مؤبدة، ولن يؤتي الله أحدا مثل ما آتى بني إسرائيل من النبوة والشرف. إن النبوة اصطفاء واختيار من الله، لا من أجل مصلحة أحد، وإنما للمصلحة العامة. الأمانة والأيمان عند اليهود لقد أنصف القرآن الكريم اليهود، فأخبر أنهم قسمان في الأمانة وحلف الأيمان، فمنهم من يتصف بالأمانة التامة، ومنهم من يتصف بالخيانة وعدم الوفاء بالعهد

стр. 201

واستحلالهم أكل أموال العرب. ومنهم من يحلف بالله صدقا، ومنهم من يحلف بالله كذبا وافتراء. وأنزل الله تعالى آيات في كتابه المجيد تعبر عن حقيقة الفئتين، وتتحدث عن صفة الأمانة والخيانة، وعن الكذب في الأيمان ونقض العهد. قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٥ الى ٧٧] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [آل عمران: ٣/ ٧٥- ٧٧] . أما الآية الأولى فتذكر أن بعض أهل الكتاب من اليهود يستحلون أكل أموال غير اليهود، زاعمين أن التوراة لم تنههم إلا عن خيانة إخوانهم الإسرائيليين، وأما الأميون العرب وغير العرب فليس عليهم ذنب في أكل أموالهم، إذ هم شعب الله المختار، ومن سواهم لا حرمة له عند الله، فهو مبغوض ولا حق ولا حرمة له، وعند ذلك يحل أكل ماله وهم يفترون على الله الكذب في هذا، لأن كل الشعوب والأمم سواء في صون الحقوق الإنسانية، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ٤٩/ ١٣] . وسبب نزول هذه الآية: أن جماعة من العرب كانت لهم ديون في ذمم قوم من أهل الكتاب، فلما أسلم أولئك العرب، قالت لهم اليهود: نحن لا نؤدّي إليكم شيئا

стр. 202

حين فارقتم دينكم (أي الدين الوثني) الذي كنتم عليه، فنزلت الآية في ذلك. وروي أيضا: كان بنو إسرائيل يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام، وأسلم من أسلم من العرب، بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية حامية من ذلك. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي لا صحة لما قالوا ولا حجة لهم في استحلال أموال غيرهم، وعليهم صيانة الحقوق والوفاء بالذمم والعهود، فمن أوفى بالعهد واتقى عقوبة الله في نقضه، فإنه محبوب عند الله. ثم ذكر الله سبحانه وعيده وتهديده لمن فعل هذه الأفاعيل، فجحد الحقوق، ونقض المواثيق، وحلف الأيمان الكاذبة، وهؤلاء هم أهل الغدر والخيانة، وجزاؤهم أنه لا نصيب لهم في الآخرة أصلا، ولا يكلمهم الله يوم القيامة كلام رحمة، غضبا عليهم، ولا ينظر إليهم نظرة عطف ورحمة، ولا يزكيهم بالثناء عليهم أصلا ولهم عذاب أليم، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ فيما رواه أصحاب الكتب الستة-: «من حلف على يمين، وهو فيها فاجر «١» ليقطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» . فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله نزلت الآية، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ ، فقال: لك بينة؟ قلت: لا، فقال لليهودي: أتحلف؟ قلت: إذن يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الآية.

стр. 203

إحقاق الحق وإبطال الشرك إن منهج الإسلام الأساسي في إصلاح العقيدة: هو إحقاق الحق وتثبيت معالمه وصرحه، وإبطال الشرك وهدم معاقله وحصونه، وليس هناك أخطر على الأمة من تشوية عقيدتها، وتحريف كتاب الله، وتأويل الكلام تأويلا باطلا، وليس هناك أيضا أضر على الإنسان من الشرك والوثنية واتخاذ الأرباب مع الله ظلما وزورا، وافتراء وبهتانا. وقد ضل جماعة من علماء أهل الكتاب وأحبارهم، فلووا ألسنتهم في كتاب الله، ليميلوها عن الآيات المنّزلة الصحيحة إلى العبارات المبدلة المحرّفة، فزادوا في كلام الله، أو نقصوا، أو حرفوا الكلم عن مواضعه، أو قرءوا كلامهم بأنغام وتراتيل، ليوهموا الناس بأنه من التوراة، وأن الكتاب جاء بذلك ليحسبه المسلمون حقا وصدقا، والواقع أنه ليس من كلام الله، ويقولون على الله الكذب، وهم يعلمون أنه مخترع مبدّل محرّف، ليس من عند الله، وإنما هو من عند الشيطان والهوى، وهذا ليس تلميحا أو إيماء، وإنما يصرحون بذلك لقسوة قلوبهم وجرأتهم على الله. قال الله تعالى مبينا هذا الموقف: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٨] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) «١» [آل عمران: ٣/ ٧٨] . ثم قرر الله موقفا آخر لإثبات عقيدة التوحيد لله، ونبذ الشرك، وهدم كل معالمه ومظاهره، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٩ الى ٨٠] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) «٢»

стр. 204

«١» [آل عمران: ٣/ ٧٩- ٨٠] . وسبب نزول هذه الآية كما ذكر ابن عباس، قال: إن أبا رافع القرظي قال للنبي ﷺ حين اجتمعت الأحبار من اليهود ووفد نصارى نجران: يا محمد، أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن يعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الحسن البصري: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: «لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله» فأنزل الله تعالى هذه الآية. فلا يصح لبشر امتن الله عليه بإنزال الكتاب، والهداية إلى الحكمة والصواب في فهم ما أنزل الله عليه، وإيتائه النبوة والرسالة، ثم يطلب من الناس أن يعبدوه وحده، أو يعبدوه مع الله، فهذا هو الشرك بعينه، ولكن يقول: كونوا أيها الناس ربانيين، أي متمسكين بالدين، مطيعين لله أتم طاعة، بسبب كونكم تعلّمون الكتاب لغيركم، وبسبب كونكم تدرسونه وتتعلمونه. ولا يعقل أن يأمر نبي باتخاذ الملائكة والأنبياء آلهة تعبد من دون الله، فكل هذا كفر وفسوق وعصيان، لا يتفق مع الإسلام، والانقياد لله بالطبيعة والفطرة، التي فطر الناس عليها. ميثاق النبيين إن الأديان المنزلة من الله تعالى واحدة في أصولها، فهي متفقة على الدعوة إلى توحيد الله ، وأصول الأخلاق والفضائل، وأسس التشريع الناظم لمصالح

стр. 205

الناس وحاجاتهم، والأنبياء مهمتهم واحدة، ودينهم واحد، وهم إخوة يؤمن كل واحد منهم برسالة الآخر وشريعته، لذا أخذ الله تعالى ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به الإيمان بمن أتى بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم، ويلتزم نصرة بعضهم بعضا. قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨١ الى ٨٢] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ٨١- ٨٢] . قال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. وقال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيا- آدم فمن بعده- إلا أخذ عليه العهد في محمد، لئن بعث وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية. هذه الآية تذكير للأمم والشعوب بما تضمنه الكتاب الإلهي والنبوة من وجوب إيمان كل نبي وكل فرد من أتباعه برسالات الأنبياء جميعا، ومنها رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله، فهو الرسول المصدق لمن تقدمه من الكتب والأنبياء، وعلى أتباع أولئك الأنبياء الإيمان به ومناصرته، فذلك نصر لكل نبي سابق. وقال الله تعالى لمن أخذ عليهم الميثاق من الأنبياء وأقوامهم: أأقررتم وقبلتم ذلك الذي ذكر من الإيمان بالرسول المصدق لما معكم ونصرته، أقبلتم عهدي وميثاقي المؤكد؟! قالوا: أقررنا وصدقنا، فقال الله تعالى: فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم جميعا، لا يغيب عن علمي شيء.

стр. 206

فمن تولى بعد هذا الميثاق المأخوذ قديما، ولم يؤمن بالنبي المبعوث في آخر الزمان، المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، فأولئك هم الفاسقون الخارجون من ميثاق الله، الناقضون عهده. ثم أنكر القرآن على أولئك الذين يطلبون غير دين الله الذي هو الإسلام، ولله استسلم جميع من في السماوات والأرض، وخضعوا له وانقادوا لتصرفه بالتكوين والإيجاد، سواء طوعا واختيارا، أم إكراها وجبرا، ثم يكون المرجع والمآب إلى الله تعالى، قال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : آية ٨٣] أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) «١» [آل عمران: ٣/ ٨٣] . وسبب نزول هذه الآية هو ما قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا فيه بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه، فقال النبي ﷺ : «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.. أي يطلبون أو يرغبون. يفهم من الآية ميثاق النبيين أن دين الله واحد، وإن تعدد الأنبياء، فرسالات جميع الأنبياء تلتقي في جذع واحد، وهو الدعوة إلى توحيد الله ﷻ ، وتحقيق العبودية لله تعالى، والحث على التمسك بمكارم الأخلاق، والتزام الفضائل التي لا بد منها لصلاح الفرد والجماعة. وإذا كانت رسالات الأنبياء واحدة، فما على البشرية ولا سيما المؤمنون بالكتب الإلهية إلا أن يتحدوا ويتضامنوا تحت لواء واحد، وينبذوا الفرقة والخلاف والتنازع على أي شيء في الدين ومصالح الدنيا.

стр. 207

وإذا كانت أمتنا مطالبة في الدرجة الأولى بإيمان ذي مضمون واحد، وبكتاب سماوي واحد، فعليها أن توحد الصفوف، وتتماسك لبناتها، وتتجاوز خلافاتها، وتتناسى أحقادها وخصوماتها، لتكون أمة مهيبة مرهوبة الجانب في أنظار العالم قاطبة، قال الله تعالى في سورة الأنبياء: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) الإيمان بجميع الأنبياء وجزاء المخالف يتميز المسلمون بأنهم يؤمنون ويصدّقون بجميع الرسل والأنبياء، دون تفرقة، امتثالا لأمر الله في قرآنه حيث قال لنبيه: [سورة آل عمران (٣) : آية ٨٤] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) «١» [آل عمران: ٣/ ٨٤] . والمعنى: قل يا محمد أنت وأمتك: نحن آمنا بالله الواحد الأحد، وما أنزل علينا في القرآن الذي هو مصدر المعرفة الثابت الشامل لجميع الشرائع والأحكام، وآمنا بما أنزل على الأنبياء السابقين: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده الأسباط، وما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي النبيون الآخرون كداود وسليمان ﵈، مما لا يعلمهم إلا الله . نحن نؤمن بشيئين: بالله ربا وإلها، ونؤمن بكل الأنبياء إيمانا لا نفرق فيه بين أحد منهم، بل نؤمن بالكل على أن كل واحد نبي مرسل من الله لأمته، يهديها إلى سواء السبيل، ولا نفعل كما يفعل غير المسلمين من الإيمان ببعض الرسل والكفر بالبعض الآخر، ونحن له مسلمون منقادون.

стр. 208

وقد أنكر الله تعالى على من يبتغي دينا غير الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء، وهو الدين الذي ارتضاه لعباده، ومن يطلب غيره دينا، فلن يقبل منه قطعا، وهو في الآخرة من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ولم يزكّوها بالإسلام الشامل، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ٨٥] وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) «١» [آل عمران: ٣/ ٨٥] . ثم ذكر الله تعالى جزاء الكفر بعد الإيمان برسالات الأنبياء فقال تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) «٢» [آل عمران: ٣/ ٨٦- ٨٩] . قال ابن عباس ومجاهد فيما ذكره ابن جرير وغيره: نزلت هذه الآيات في الحارث بن سويد الأنصاري، كان مسلما ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ فنزلت الآيات السابقة التي مطلعها: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فبعث بها قومه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله ﷺ ، ولا كذب رسول الله على الله، والله أصدق الثلاثة، فرجع ثانيا إلى الإسلام، فقبل منه رسول الله ﷺ وتركه. وتنطبق الآية أيضا على أهل الكتاب المعاصرين للنبي، لما رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم، وأقروا بذلك، وشهدوا أنه حق، وكانوا يستفتحون ويستنصرون به على المشركين، فلما بعث هذا النبي من غيرهم، حسدوا العرب وأنكروه، وكفروا به بعد إيمان.

стр. 209

والذين يكفرون بعد الإيمان: جزاؤهم لعنة الله (أي الطرد من رحمته) ولعنة الملائكة والناس أجمعين، وهم مخلّدون ماكثون دائما في نار جهنم، لا يخفف عنهم العذاب، ولا يمهلون ولا يؤخرون عن العذاب، إلا الذي تابوا منهم بعد كفرهم، ورجعوا إلى الله وأصلحوا أعمالهم وقلوبهم، فإن الله غفور لما سبق، رحيم بعباده، حيث يقبل توبة التائب. إذا كنا بأمر الله في قرآنه نؤمن بجميع الأنبياء، فما على المؤمنين حقا إلا أن يكونوا متسامحين، مبتعدين عن العصبية الدينية التي تزرع الأحقاد وتولد الخصومات، وأن يعلموا أن الله تعالى قادر على هداية العالم إلى دين واحد، وأن اختلاف الناس لحكمة بالغة هي معرفة الحق في مقارنته مع غيره من الباطل، وهذا يدعونا إلى أن نعمل معا صفا واحدا لخير البلاد والأمة، تاركين الحساب على الإيمان وغيره إلى الله تعالى في عالم الآخرة. أصناف الكفار صنّف الله تعالى الكفار في قرآنه أصنافا ثلاثة بحسب أحوالهم من الإصرار على الكفر ثم الموت، أو التوبة بعد الكفر في الحياة العادية، أو في آخر لحظات العمر، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩١] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْء ُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) [آل عمران: ٣/ ٩٠- ٩١] . هؤلاء الكفار أصناف ثلاثة: صنف كفر بعد إيمان، ثم تاب توبة صادقة من بعد ذلك، فأولئك يقبل الله توبتهم، إنه هو الغفور الرحيم، إن هذا الصنف من اليهود كفروا بعيسى والإنجيل،

стр. 210

ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن، أو ازدادوا كفرا بالذنوب التي أصابوها من الافتراء على النبي والمسلمين، فإذا تابوا من كفرهم، فالله يقبل التوبة عن جميع العباد ما دامت قبل الغرغرة ولن تقبل توبتهم عند معاينة الموت. وصنف كفر بالله، ثم تاب ورجع، ثم عاد إلى الكفر، فلن تقبل توبته عن بعض الذنوب مع بقائه على الكفر، وهذا يشمل فئة المرتدين عن الإسلام، وصنف كفروا بالله وماتوا وهم كفار، فلن يقبل من هؤلاء فدية عن كفرهم، مهما كثرت الفدية، ولو كانت ملء الأرض ذهبا، أولئك لهم عذاب أليم شديد، وما لهم في الآخرة من ناصر ولا شفيع. ثم أقام الله الدليل على عدم إيمان هؤلاء الكفار: وهو شح نفوسهم وبخلهم بالإنفاق في وجوه الخير، فإن الإنفاق أكبر دليل على صدق الإيمان، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ٩٢] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) «١» [آل عمران: ٣/ ٩٢] . والمعنى لن يصل أحد إلى البر الحقيقي، ولن يكون بارا بالله إلا إذا أنفق ما يحب من كريم ما يملك، فإن شحت النفوس ولم تنفق شيئا أو أنفقت رديء المال، فهم بعيدون عن الصدق في دعواهم الإيمان والطاعة لمولاهم، وما ينفق الناس من شيء، سواء كان كريما جيدا أو رديئا، فإن الله به عليم، ولا يخفى إخلاص المنفقين ورياؤهم. وهذه الآية خطاب عام لجميع المؤمنين، فلا قيمة لإنفاق في وجوه الخير، ما لم يستند إلى قاعدة الإيمان الصحيح، وأرضية الدين القويم، وسبب نزول هذه الآية وقائع طيبة من إنفاق صحابة رسول الله، تصدق أبو طلحة الأنصاري بأكرم أمواله

стр. 211

وهو بستان بيرحاء في المدينة، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله ﷺ ابنه أسامة، فكأن زيدا شق عليه، فقال له النبي: «أما إن الله قد قبل صدقتك» وأعتق عمر بن الخطاب أكرم جارية لديه من سبي جلولاء. فالصدقة المقبولة هي من رغائب الأموال التي يضن بها أو يستأثر بها، فيكون إخراجها مغالبة للنفس، وتخليصا من شحها وبخلها. يتبين من الآيات السابقة أن الله تعالى يحب عباده أشد الحب، وهو لا يرضى لهم إلا الخير، وإبعادهم عن أسباب الشقاوة والشر، وهو يحذرهم مما يضرهم في دنياهم وآخرتهم، ويرغبهم في ترك ما هم عليه من الضلالة والانحراف، والمبادرة إلى ساحة الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، ليعيشوا في سعادة واطمئنان، وبعد عن القلق النفسي وتعذيب الروح والضمير، وكل ذلك تنبيه لأمتنا أيضا فإن الإيمان مدعاة للوفاق والمحبة والتعاون، والكفر بيئة للتفرق والتشتت والضياع، والله دائما بالنصر والتأييد مع المؤمنين، غاضب ساخط على غير المؤمنين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين في عالم الحساب. تحريم إسرائيل على نفسه بعض الأطعمة كان يعقوب بن إبراهيم ﵉ وهو الملقب بإسرائيل (أي الأمير المجاهد مع الله) قد أصيب بوجع عرق النّساء، وطال سقمه منه، وكان يحب لحوم الإبل وألبانها، فجعل تحريم ذلك على نفسه، شكرا لله تعالى إن شفي، بقصد ترك الترفه والتنعم والزهد في الدنيا، وكان هذا سائغا في شريعته، واستمر هذا التحريم في بني إسرائيل، وهذا يدل على أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم نبينا ﷺ العسل على

стр. 212

نفسه، أو تحريم جاريته مارية القبطية أم إبراهيم على نفسه، فعاتبه الله تعالى في ذلك من تحريم المباح بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ٦٦/ ١] ولم يعاتب يعقوب. وزعم اليهود أن تحريم الإبل وألبانها هو ملة إبراهيم وشريعة التوراة، قال أبو روق والكلبي: حين قال النبي ﷺ : «أنا على ملة إبراهيم» قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي ﷺ : «كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه» فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه، فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تكذيبا لهم: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) «١» [آل عمران: ٣/ ٩٣- ٩٥] . والمعنى: كل أنواع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه خاصة، وهو لحوم الإبل وألبانها، من قبل نزول التوراة، وليس في شريعة التوراة شيء من هذا التحريم، وقل لهم يا محمد: فأتوا بالتوراة كتابكم، فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم، لا تخافون تكذيبها لكم. فكل من افترى على الله الكذب، وادعى ما لم ينزله الله في كتاب، فأولئك هم الظالمون بتحويل الحق وتغييره، والكذب على الله وادعاء تحريمه ما لم يحرمه. وقل يا محمد أيضا: صدق الله فيما أنبأني به من أني على دين إبراهيم، وأني أولى الناس به، وأنه لم يحرم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة. وإذا كان الأمر كذلك، فاتبعوا ملة إبراهيم التي أدعوكم إليها، وهي الملة الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وما كان إبراهيم من المشركين مع الله غيره.

стр. 213

وفي هذا دليل ظاهر على صحة نبوة محمد ﷺ ، وأنه يعلم ما في التوراة، وأنها مؤيدة لما في القرآن، وأن النبي أولى بإبراهيم وملته، لا تختلف عن ملته، فكل من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام مائل عن الباطل إلى الحق، وما كان حلالا عند إبراهيم فهو حلال عند المسلمين. واستمر تحريم لحوم الإبل وألبانها عند اليهود استنانا بما فعله يعقوب نفسه، ثم حرم الله عليهم في التوراة بعض الطيبات عقوبة لهم على أفعالهم، قال الله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) [النساء: ٤/ ١٦٠] . وقال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) [الأنعام: ٦/ ١٤٦] . إن إباحة الطعام وتحريمه في البيان الإلهي يقوم على مبدأ واحد لا يتغير، فما كان طيبا نافعا غير ضار فهو الحلال، وما كان خبيثا ضارا بصحة الإنسان، فهو الحرام، ومن هنا لا يوجد اختلاف بين منهج الإسلام وبين منهج أي دين آخر في التحليل والتحريم، وهذا سبب آخر يدعو البشرية إلى التوافق والتقارب والتآخي والتعاون، والبعد عن موجبات الفرقة والخصام والنزاع، وليس لأمة القرآن من باب أولى إلا أن تتحد مشاعر أبنائها، وتتعاطف مع بعضها، وتترك كل ما يصدع وحدتها ويسيء إلى كرامتها وعزتها. مكانة البيت الحرام كان من الطبيعي بعد بعثة النبي ﷺ أن يشتد الحوار بين النبي وبين أهل الكتاب، فإنهم أتباع دين سابق، ولهم أعرافهم وتقاليدهم، فكانوا يثيرون الشبهات مثل شبهة تحريم الإبل وألبانها، ومثل المفاضلة بين بيت المقدس والبيت الحرام.

стр. 214

قال أهل الكتاب للنبي محمد ﷺ : كيف تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنك أولى الناس به، وإبراهيم وإسحاق والأنبياء بعدهم كانوا يعظمون بيت المقدس، ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا لعظّمته، ولما تحولت إلى الكعبة، فخالفت الجميع. وقال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر «١» الأنبياء، وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) «٢» [آل عمران: ٣/ ٩٦- ٩٧] . دلت هاتان الآيتان على مكانة البيت الحرام وما تميز به من مميزات: أولها- أنه أقدم بيت وضع للعبادة، والأولية في الزمان تستلزم الأولية في الشرف والمكانة. بناه إبراهيم وإسماعيل كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ. [البقرة: ٢/ ١٢٧] . ثم بني المسجد الأقصى بعد ذلك بعشرات السنين، وقد جدّد بناءه بعد قرون سليمان بن داود. سأل أبو ذر النبي ﷺ قائلا: «يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» «٣» . الميزة الثانية- أن البيت الحرام بيت مبارك: كثير الخيرات والبركة المادية، إذ هو بصحراء جرداء، وتجبى إليه ثمرات كل شيء، وتحمل إليه بضائع الدنيا، وهو أيضا كثير البركة في الثواب والأجر.

стр. 215

والميزة الثالثة: أنه موطن هداية للناس، حيث دعي العالمون إليه فأجابوا ويتجهون إليه في أدعيتهم وصلواتهم، وتهواه أفئدتهم على أنه مصدر لهداية النفوس التي تحجه وتعتمر فيه. والميزة الرابعة: فيه آيات واضحات لا تخفى على أحد، منها: مقام إبراهيم للصلاة والعبادة، وفيه صخرة فيها أثر قدمه الشريف. ومن دخل البيت الحرام كان آمنا على نفسه، مطمئنا على ماله، حتى ولو كان مطلوبا للثأر، وذلك معروف للعرب في الجاهلية والإسلام. أما ما وقع فيه من مخالفات أو اقتتال فذلك جناية عظيمة من العصاة والجهلاء. وفيه الحجر الأسود المعروف مبدأ الطواف حول الكعبة، وفيه ماء زمزم المبارك النافع لما شرب له. والميزة الخامسة: أنه مكان الحج والعمرة، وحج البيت فرض على المستطيع وهو ركن من أركان الدين، والاستطاعة نوعان: بدنية صحية، ومالية، فلا يجب إلا على من تمكن من الركوب، وأمن الطريق، وقدر على السفر. ومن جحد هذه المزايا وكفر بها ولم يمتثل أمر الله في الحج وغيره، فإن الله غني عن العالمين جميعا، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. أخرج الترمذي والبيهقي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا وراحلة، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» . وأهم ميزة للبيت الحرام أنه سبب وحدة المسلمين في أنحاء العالم، لاتجاههم إليه في صلاتهم، وأنه موضع أمن وسلام لمن دخله. وإذا كانت قبلة المسلمين واحدة في أقدس معتقداتهم وهو الصلاة بعد الإيمان فهل يقبل منهم الصراع والتخاصم والاختلاف؟ وهل يليق بهم وهم أمة القرآن أن يتحاربوا، وينضم بعضهم لصف
следующие страницы →