وهو بستان بيرحاء في المدينة،
وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله ﷺ ابنه أسامة، فكأن زيدا شق عليه، فقال له النبي: «أما إن الله قد قبل صدقتك»
وأعتق عمر بن الخطاب أكرم جارية لديه من سبي جلولاء. فالصدقة المقبولة هي من رغائب الأموال التي يضن بها أو يستأثر بها، فيكون إخراجها مغالبة للنفس، وتخليصا من شحها وبخلها.
يتبين من الآيات السابقة أن الله تعالى يحب عباده أشد الحب، وهو لا يرضى لهم إلا الخير، وإبعادهم عن أسباب الشقاوة والشر، وهو يحذرهم مما يضرهم في دنياهم وآخرتهم، ويرغبهم في ترك ما هم عليه من الضلالة والانحراف، والمبادرة إلى ساحة الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، ليعيشوا في سعادة واطمئنان، وبعد عن القلق النفسي وتعذيب الروح والضمير، وكل ذلك تنبيه لأمتنا أيضا فإن الإيمان مدعاة للوفاق والمحبة والتعاون، والكفر بيئة للتفرق والتشتت والضياع، والله دائما بالنصر والتأييد مع المؤمنين، غاضب ساخط على غير المؤمنين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين في عالم الحساب.
تحريم إسرائيل على نفسه بعض الأطعمة
كان يعقوب بن إبراهيم ﵉ وهو الملقب بإسرائيل (أي الأمير المجاهد مع الله) قد أصيب بوجع عرق النّساء، وطال سقمه منه، وكان يحب لحوم الإبل وألبانها، فجعل تحريم ذلك على نفسه، شكرا لله تعالى إن شفي، بقصد ترك الترفه والتنعم والزهد في الدنيا، وكان هذا سائغا في شريعته، واستمر هذا التحريم في بني إسرائيل، وهذا يدل على أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم نبينا ﷺ العسل على
стр. 212
نفسه، أو تحريم جاريته مارية القبطية أم إبراهيم على نفسه، فعاتبه الله تعالى في ذلك من تحريم المباح بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ٦٦/ ١] ولم يعاتب يعقوب.
وزعم اليهود أن تحريم الإبل وألبانها هو ملة إبراهيم وشريعة التوراة،
قال أبو روق والكلبي: حين قال النبي ﷺ : «أنا على ملة إبراهيم» قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي ﷺ : «كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه» فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه، فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تكذيبا لهم:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
«١» [آل عمران: ٣/ ٩٣- ٩٥] .
والمعنى: كل أنواع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه خاصة، وهو لحوم الإبل وألبانها، من قبل نزول التوراة، وليس في شريعة التوراة شيء من هذا التحريم، وقل لهم يا محمد: فأتوا بالتوراة كتابكم، فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم، لا تخافون تكذيبها لكم. فكل من افترى على الله الكذب، وادعى ما لم ينزله الله في كتاب، فأولئك هم الظالمون بتحويل الحق وتغييره، والكذب على الله وادعاء تحريمه ما لم يحرمه.
وقل يا محمد أيضا: صدق الله فيما أنبأني به من أني على دين إبراهيم، وأني أولى الناس به، وأنه لم يحرم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة. وإذا كان الأمر كذلك، فاتبعوا ملة إبراهيم التي أدعوكم إليها، وهي الملة الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وما كان إبراهيم من المشركين مع الله غيره.
стр. 213
وفي هذا دليل ظاهر على صحة نبوة محمد ﷺ ، وأنه يعلم ما في التوراة، وأنها مؤيدة لما في القرآن، وأن النبي أولى بإبراهيم وملته، لا تختلف عن ملته، فكل من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام مائل عن الباطل إلى الحق، وما كان حلالا عند إبراهيم فهو حلال عند المسلمين.
واستمر تحريم لحوم الإبل وألبانها عند اليهود استنانا بما فعله يعقوب نفسه، ثم حرم الله عليهم في التوراة بعض الطيبات عقوبة لهم على أفعالهم، قال الله تعالى:
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) [النساء: ٤/ ١٦٠] . وقال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) [الأنعام: ٦/ ١٤٦] .
إن إباحة الطعام وتحريمه في البيان الإلهي يقوم على مبدأ واحد لا يتغير، فما كان طيبا نافعا غير ضار فهو الحلال، وما كان خبيثا ضارا بصحة الإنسان، فهو الحرام، ومن هنا لا يوجد اختلاف بين منهج الإسلام وبين منهج أي دين آخر في التحليل والتحريم، وهذا سبب آخر يدعو البشرية إلى التوافق والتقارب والتآخي والتعاون، والبعد عن موجبات الفرقة والخصام والنزاع، وليس لأمة القرآن من باب أولى إلا أن تتحد مشاعر أبنائها، وتتعاطف مع بعضها، وتترك كل ما يصدع وحدتها ويسيء إلى كرامتها وعزتها.
مكانة البيت الحرام
كان من الطبيعي بعد بعثة النبي ﷺ أن يشتد الحوار بين النبي وبين أهل الكتاب، فإنهم أتباع دين سابق، ولهم أعرافهم وتقاليدهم، فكانوا يثيرون الشبهات مثل شبهة تحريم الإبل وألبانها، ومثل المفاضلة بين بيت المقدس والبيت الحرام.
стр. 214
قال أهل الكتاب للنبي محمد ﷺ : كيف تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنك أولى الناس به، وإبراهيم وإسحاق والأنبياء بعدهم كانوا يعظمون بيت المقدس، ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا لعظّمته، ولما تحولت إلى الكعبة، فخالفت الجميع.
وقال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر «١» الأنبياء، وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون:
بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)
«٢» [آل عمران: ٣/ ٩٦- ٩٧] .
دلت هاتان الآيتان على مكانة البيت الحرام وما تميز به من مميزات: أولها- أنه أقدم بيت وضع للعبادة، والأولية في الزمان تستلزم الأولية في الشرف والمكانة. بناه إبراهيم وإسماعيل كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ. [البقرة: ٢/ ١٢٧] .
ثم بني المسجد الأقصى بعد ذلك بعشرات السنين، وقد جدّد بناءه بعد قرون سليمان بن داود.
سأل أبو ذر النبي ﷺ قائلا: «يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» «٣» .
الميزة الثانية- أن البيت الحرام بيت مبارك: كثير الخيرات والبركة المادية، إذ هو بصحراء جرداء، وتجبى إليه ثمرات كل شيء، وتحمل إليه بضائع الدنيا، وهو أيضا كثير البركة في الثواب والأجر.
стр. 215
والميزة الثالثة: أنه موطن هداية للناس، حيث دعي العالمون إليه فأجابوا ويتجهون إليه في أدعيتهم وصلواتهم، وتهواه أفئدتهم على أنه مصدر لهداية النفوس التي تحجه وتعتمر فيه.
والميزة الرابعة: فيه آيات واضحات لا تخفى على أحد، منها: مقام إبراهيم للصلاة والعبادة، وفيه صخرة فيها أثر قدمه الشريف. ومن دخل البيت الحرام كان آمنا على نفسه، مطمئنا على ماله، حتى ولو كان مطلوبا للثأر، وذلك معروف للعرب في الجاهلية والإسلام. أما ما وقع فيه من مخالفات أو اقتتال فذلك جناية عظيمة من العصاة والجهلاء. وفيه الحجر الأسود المعروف مبدأ الطواف حول الكعبة، وفيه ماء زمزم المبارك النافع لما شرب له.
والميزة الخامسة: أنه مكان الحج والعمرة، وحج البيت فرض على المستطيع وهو ركن من أركان الدين، والاستطاعة نوعان: بدنية صحية، ومالية، فلا يجب إلا على من تمكن من الركوب، وأمن الطريق، وقدر على السفر.
ومن جحد هذه المزايا وكفر بها ولم يمتثل أمر الله في الحج وغيره، فإن الله غني عن العالمين جميعا، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
أخرج الترمذي والبيهقي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا وراحلة، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» .
وأهم ميزة للبيت الحرام أنه سبب وحدة المسلمين في أنحاء العالم، لاتجاههم إليه في صلاتهم، وأنه موضع أمن وسلام لمن دخله. وإذا كانت قبلة المسلمين واحدة في أقدس معتقداتهم وهو الصلاة بعد الإيمان فهل يقبل منهم الصراع والتخاصم والاختلاف؟ وهل يليق بهم وهم أمة القرآن أن يتحاربوا، وينضم بعضهم لصف
стр. 216
الأعداء؟ وإذا اختلفوا فلم لا يبادرون إلى إزالة سبب الخلاف، ورأب الصدع وتناسي الماضي، حتى يحققوا لأنفسهم العزة والكرامة ومهابة الأعداء؟!
موقف أهل الكتاب من الإسلام وتحذير المسلمين من إطاعتهم
وبخّ الله تعالى في القرآن الكريم أهل الكتاب على عدم الإيمان برسالة محمد ﷺ ، بعد أن قامت العلامات الظاهرة والمعجزات الباهرة والأدلة القاطعة على صدق نبوته، وهم مع هذا الموقف يحاولون صدّ الناس عن الإسلام والإيمان بالقرآن.
قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٨ الى ٩٩]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)
«١» [آل عمران: ٣/ ٩٨- ٩٩] .
ومطلع الآية عتاب رقيق، ودعوة رشيدة للإيمان بالقرآن، فيا أهل الكتاب لم تكفرون بدلائل الله الظاهرة على يدي محمد ﷺ ؟! هاتوا برهانكم على صحة ما تسيرون عليه، وإذا لم يكن عندكم برهان ولا دليل مقبول عقلا ودينا، فاعلموا أن الله شهيد عليكم، عالم مطّلع عليكم، وسيجازيكم على ما تعملون. يا أهل الكتاب لم تصدّون عن سبيل الله من آمن بمحمد؟ قاصدين بصدكم أن تكون سبيل الله معوجة، غير مستقيمة ولا رشيدة، تطلبون لدين الله الاعوجاج والانحراف عن الحق والقصد الصحيح، والحال أنكم تشهدون في أعماق نفوسكم بصدق محمد، وأنتم الشهود العدول عند قومكم، وما الله بغافل عن خبايا نفوسكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها.
стр. 217
ثم حذّر الله المؤمنين من مؤامرات كيد أهل الكتاب، ومحاولتهم إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وبذر بذور التفرقة في صفوفهم، وردهم كافرين بالله والدين والخلق: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: ٢/ ١٠٩] . كيف تكفرون بالله أيها المؤمنون، وكيف تطيعون غيركم فيما يشيرون به ويقولون، والحال أنكم تتلى عليكم آيات الله التي فيها الهداية والخير والمحبة والوئام وبيان أصول الإيمان، وبينكم رسول الله رسول المحبة والخير والألفة والرشاد، فكيف يليق بكم أن تتبعوا أهواء قوم آخرين لا يريدون الخير لكم، ومن يعتصم بالله وبكتابه ورسوله، فقد تحققت هدايته، لا يضل أبدا، وكان على الطريق المستقيم.
قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
«١» [آل عمران: ٣/ ١٠٠- ١٠١] .
وسبب نزول هاتين الآيتين:
أن شاس بن قيس اليهودي مرّ بمجلس فيه نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فجلس معهم وغاظه اتحادهم وتآلفهم بعد أن كانوا متفرقين مختلفين في الجاهلية، فقال في نفسه: مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأرسل شابا من اليهود كان معه، وأمره أن يذكّرهم بيوم بعاث «٢» ، وما قيل فيه من الأشعار، فتنازع القوم وتفاخروا واحتكموا إلى السيوف والسلاح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم ومعه المهاجرون، وقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ووعظهم، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان،
стр. 218
فألقوا السلاح وبكوا، وتعانقوا، وانصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع هذه الآيات.
إن هذه الإثارة وتأجيج الفتنة وبذر بذور التفرقة بين المسلمين من قبل غيرهم تعطينا دليلا واضحا وعبرة وعظة وهو أن معطيات العقل والتجربة والمصلحة أسباب تقتضي الحذر من الأعداء، والتنبه للمخاطر وألوان المكر والمؤامرات، فإن سوء الظن قد يكون أحيانا عصمة من الوقوع في الشرور، وحسن الظن ورطة، والغفلة عن مكائد الأعداء نوع من البله والسذاجة، فهل نعتبر ونتعظ من حادث واحد، فضلا عن تكرار العبر والدروس في تعاملنا مع الآخرين؟
الاعتصام بالقرآن والسنة
ليس هناك في السياسة العامة أسوأ من تفرق الأمة وتمزق صفوفها وانقسامها فرقا وأحزابا، لذا حرص الإسلام إبان عهده الأول على وحدة الصف، واجتماع الكلمة، وتحقيق الألفة، وإشاعة المحبة، والسبيل التي وحّد الله بها الأمة هو اتحاد دستورها، واعتصامها بكتاب الله وسنة نبيه، قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
«١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٠٢- ١٠٣] .
قال ابن عباس مبينا سبب النزول: كان بين الأوس والخزرج شر في الجاهلية،
стр. 219
فذكروا ما بينهم، فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فذهب إليهم، فنزلت هذه الآية: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ..
[آل عمران: ٣/ ١٠١] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.
أعدّ الله الأمة للاجتماع والاتحاد، فأمر الجميع بتقوى الله تعالى، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله اتقاء حقا شاملا فيما استطعتم، أي بالغوا في التقوى، وأدوها كاملة حتى لا تتركوا شيئا من المستطاع، وذلك بالتزام أوامر الله واجتناب نواهيه، بأن يطاع الله فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ومعنى قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه، والإسلام: هو المعنى الجامع للتصديق في القلب وأداء الأعمال، وهو الدّين عند الله، وهو الذي بني على خمس معروفة.
وبعد توحيد العقيدة والعمل، أمر الله تعالى بالتمسك بكتاب الله وعهده واتباع سنة نبيه، وهذا هو حبل الله، وتسمى العهود والمواثيق حبالا، وحبل الله الذي أمر باتباعه: هو القرآن،
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «كتاب الله: هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» .
ثم نهى الله عن التفرق أبدا، فإن الداء العضال في الفرقة والانحلال. ويكون التزام الجماعة بعد الاعتصام بالكتاب والسنة هو سبيل الوحدة، والبعد عن التفرق.
أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ فقبض يده وقال: الجماعة، ثم قرأ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.
وقد كان العرب الجاهليون في حروب مستعرة وعداوات وأحقاد، وبخاصة
стр. 220
الأوس والخزرج، فلما جاء الإسلام، انتزع من قلوبهم الحقد، وطهرهم من العداوة، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا متحابين متعاطفين، يؤثرون إخوانهم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة (أي حاجة) وكانوا على وشك الوقوع في النار بسبب شركهم ووثنيتهم إذا ماتوا، فأنقذهم الله بالإسلام والتوحيد، والإيمان والطاعة، ومثل هذا البيان والتوجيه والتذكير، يبين الله آياته للناس، ليهتدوا إلى الطريق المستقيم، أو ليكونوا بالاستقامة والسداد راجين الهداية.
والجامع بين المسلمين هو المبدأ العظيم في القرآن: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:
٤٩/ ١٠]
والحديث النبوي الذي رواه أحمد ومسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
إن عزة العرب والمسلمين تتطلب منهم أولا وقبل كل شيء الاستغناء عن غيرهم في كل شيء عسكري واقتصادي، لأن الحاجة تقتضي المذلة والهوان، وسبيل تحقيق وحدة الصف لهذه الأمة: هو الحفاظ على شخصيتها المتماسكة، وتميزها الذاتي، ورفض تبعتها لغيرها من الأمم التي لا تبغي لها إلا الشر، وينبغي أن تكون لنا استراتيجيتنا الذاتية وخطتنا الخاصة وعقليتنا الواعية، فلا نطمئن لمشورة غيرنا، ولنتأمل جيدا في مصداقية ما ينصحوننا به، كيلا نقع كما وقعنا كثيرا في شرك خداعهم، وإلحاق أفدح الخسائر والمحن والبلايا في مصالحنا وبناء أمجاد وطننا وأمتنا.
جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنهجهم
قد يتعرض الأفراد والجماعات للنسيان أو الضعف أو التورط في معصية، فيكون التذكير بالخير والنصح والإرشاد خير سبيل لاستدراك الخطأ، والعودة إلى جادة الاستقامة والصواب، لذا تكررت وسائل التذكير في الإسلام بخطب الجمعة
стр. 221
والعيدين والمناسبات الإسلامية، وأمر الله تعالى بتخصيص جماعة أو فئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من الانقسام والتفرّق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض من فروض الكفاية، إذا قام به قائم، سقط عن الباقي. قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٩]
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨)
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
[آل عمران: ٣/ ١٠٤- ١٠٩] .
أوجب الله تعالى على المسلمين جميعا تكوين أمة منظمة موحدة، لا ترهب أحدا، وتقول الحق، وترفع الظلم، ولا تخشى في الله لومة لائم، وعلى هذه الأمة أو الجماعة المنظمة مهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف الذي يقره الشرع والعقل، والنهي عن المنكر الذي يقبّحه الشرع والعقل، وحماية الدين، وحفظ الحقوق، وإقامة العدل، وأداء الأمانات، وأسلوب هذه الجماعة كما
جاء في قول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» «١» .
وتتميز هذه الجماعة بالعلم والمعرفة لأحكام الشريعة، والتقوى، والتخلق بأخلاق الأنبياء، وأن يكونوا المثل الأعلى في الخلق والفضيلة، وهم لا غيرهم الكمل المفلحون في الدنيا والآخرة.
стр. 222
ثم حذر القرآن الكريم من التفرق والاختلاف كما حدث لمن قبلنا، من بعد ما جاءت الآيات الواضحات التي تهدي إلى سواء السبيل، لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستحقوا العذاب الشديد في الآخرة.
إن هذا العذاب العظيم يوم تبيض وجوه المؤمنين وتشرق بالسعادة، وتسودّ وتكتئب وجوه المختلفين الذين لم يتواصوا بالحق والصبر من الكفار والمنافقين حينما يرون ما أعدّ لهم من العذاب الدائم، ويقال لهؤلاء الذي اسودت وجوههم تأنيبا وتوبيخا: أكفرتم بالرسول محمد بعد إيمانكم به، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون.
وأما الذين ابيضت وجوههم: ففي رحمة الله وجنته ورضوانه خالدون، هذه آيات الله المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين، تتلى علينا بالحق الثابت، فلا عذر بعد هذا للمتفرقين المختلفين، ولا يريد الله بهذه التوجيهات والنصائح والأحكام ظلما في حكمه لأحد من العباد، وإنما هي لمصلحتهم في الدنيا والآخرة، ولإقرار الحق وتثبيته، ولا يعترض أحد على الحق، فلله ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصرفا وحكما، وإلى الله وحده لا غير ترجع أمور الخلائق قاطبة.
الخلاصة: إن الدعوة الإسلامية ونشرها في أنحاء العالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الإسلام الكفائية لأن الإسلام دعوة الحق والخير والسعادة والتوحيد للعالم أجمع، ولأن الإسلام حريص على نقاوة المجتمعات من عوامل الدمار والانحطاط، وجعل المجتمع قويا ناضجا متماسكا، ليتفرغ لبناء الحضارة، وإرساء معالم المدنية الحقة القائمة على التقدم المادي والمعنوي.
стр. 223
منزلة الأمة الإسلامية
ليست الأمة الإسلامية أمة متعصبة لأفرادها، منغلقة على نفسها، وإنما هي أمة منفتحة على الشعوب، متسامحة مع الناس، تحب الخير لجميع البشر، وتدرأ الشر والسوء عن الأمم، فهم خير الناس للناس.
وقد حدد القرآن الكريم معيار تفضيل الأمة الإسلامية على غيرها، وهو حرصها على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله تعالى وحده، قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٠]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)
[آل عمران: ٣/ ١١٠] .
قال عكرمة ومقاتل: نزلت هذه الآية في ابن مسعود، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن خير وأفضل منكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وفحوى الآية: أنكم أيها المسلمون خير أمم الأرض، بشيء واحد، وهو أنكم تأمرون بالمعروف المنقذ للأمم، وتنهون عن المنكر المدمر للشعوب، وتؤمنون بالله إيمانا صادقا كاملا لا ينقص منه شيء، ولو أن أهل الكتاب آمنوا بما آمنتم به، لكان خيرا لهم وأكرم وأفضل من الإيمان ببعض الكتب الإلهية وببعض الرسل كموسى وعيسى، والكفر بالبعض الآخر، وهو محمد ﷺ . وبعض أهل الكتاب مؤمنون حقيقة كعبد الله بن سلام وجماعته، وكثير منهم فاسقون خارجون عن حدود دينهم وكتبهم.
ثم هوّن القرآن الكريم من شأن عداوة اليهود وقوتهم، فقال الله تعالى:
стр. 224
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١١ الى ١١٢]
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» »
«٦» «٧» [آل عمران: ٣/ ١١١- ١١٢] .
قال مقاتل مبينا سبب النزول: إن رؤوس اليهود: كعب وبحري والنعمان، وأبو رافع وأبو ياسر وابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنهم عبد الله بن سلام وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً.
والمعنى: لن يصيبكم من اليهود ضرر في الأبدان، ولا في الأموال، وإنما هو مجرد أذى بالألسنة، كالهجاء والطعن بالنبي ﷺ ، والتنفير من الإسلام.
فإن قاتلوكم انهزموا أمامكم وولوا الأدبار، وصفهم القرآن بثلاث صفات: عدم الضرر، والفرار في الحرب، وعدم النصر.
وهم قوم أذلة إلى الأبد، ورثوا ذل النفس وضعف القلب، وهم دائمو الفقر والحاجة، لا يشبعون من مال، ولا قوة لهم وإن كانوا أغنياء، إلا بمدد مؤقت من الله ومدد من الناس.
وسبب اتصافهم بهذه الصفات أنهم يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء معتقدين أنهم على غير حق فيما يفعلون. وما جرّأهم على ذلك إلا فعل المعاصي والعدوان على قيم الآخرين وحقوقهم، قال قتادة مفسرا هذه الآية: «اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس» .
стр. 225
أجل! إن الأمة الإسلامية خير الأمم بسبب إيمانها الصحيح التام بما أنزل الله في كتبه، وبسبب قيامها بمهمة إصلاح المجتمع وحرصها على الفضيلة، وأصول الإصلاح ثلاثة كما ذكرت آية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ: وهي الإيمان بالله وكبته ورسله واليوم الآخر، ومنه الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، والأمر بالمعروف المتفق مع الشرع والعقل والعرف الصحيح والنهي عن المنكر، وهو كل قبيح ينهى عنه الشرع ويستقبحه العقل السليم والعرف الصحيح.
مؤمنو أهل الكتاب
لا نجد في الإسلام أي سمة للتعصب والميل والمحاباة للمسلمين على حساب غيرهم، لأن الإسلام ذو قيمة ذاتية خالدة، ورسالة سامية، يترفع عن التأثير بالعصبيات، أو ممالأة الأتباع على حساب الحق والعدل.
لذا أنصف القرآن أهل الكتاب إنصافا عاليا رفيع المستوى، فأقرت آيات القرآن بوجود فئة أمينة من أهل الكتاب تؤتمن على القليل والكثير، وأعلنت آي القرآن عن وجود جماعة مؤمنة صالحة مستقيمة عادلة، تؤمن بالله واليوم الآخر، وترعى الذمم، وتحترم القيم، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتبادر إلى فعل الخيرات، وهؤلاء الصالحون هم الذين ماتوا قبل مجيء الإسلام وظهور شرائعه، أو أدركوا الإسلام، فدخلوا فيه. وغيرهم جماعة فاسقون خارجون عن حدود الله.
قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٣ الى ١١٥]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
«١» «٢»
стр. 226
«١» [آل عمران: ٣/ ١١٣- ١١٥] .
وسبب نزول هذه الآيات في أصح التأويلات: ما قاله ابن عباس ﵁: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعنة، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود، قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائنا. وقالوا لهم: لقد خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره، فأنزل الله تعالى: لَيْسُوا سَواءً الآية.
والمعنى: ليس أهل الكتاب متساوين في العقيدة والأفعال، فمنهم أمة مستقيمة على طاعة الله، ثابتة على أمره، يتلون آيات الله، ويقرءون القرآن في ساعات الليل، ويصلون والناس نيام، ويناجون ربهم وغيرهم غافلون، وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا خالصا، ويخشون الله، ويرجون ثوابه وتجارة لن تبور، فهؤلاء مؤمنون حقا.
وهم في مجال الأخلاق والعمل الاجتماعي، يأمرون بالفضيلة والمعروف، وينهون عن الرذيلة والمنكر، ويبادرون إلى فعل الخيرات بسرعة وبلا تلكؤ أو إمهال، وهم قوم صالحون مثل عبد الله بن سلام وصحابته الذين أسلموا وصلحت أحوالهم وارتفعت درجاتهم. فهم بإسلامهم خيار، لا أشرار كما زعم اليهود، وأتقياء لا فجار، وعقلاء لا مجانين، إذ اختاروا الإيمان وتركوا الضلال.
وما يفعلون من الطاعات، فلن يحرموا ثوابه ويمنعوا جزاءه، ولا يتصور غير هذا في شريعة الإسلام العادلة، وعدل الله الشامل، فالله شكور لفعل عباده الأتقياء،
стр. 227
عليم بهم، لا ينساهم ولا يهملهم، فالجزاء الحسن لهم حق، والله القادر على كل شيء، البصير بأعمال العباد، فقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ وعد ووعيد.
إن عدل الله الشامل أن يظهر الأخيار ويتولاهم برعايته وتأييده، ويبعد من ساحته الفجار والأشرار والحاقدين والمعاندين، لذا أنصف الإسلام غير المسلمين، فحكم بإيمان بعضهم بالقرآن، وأشاد بقيامهم بالأعمال الصالحة، حيث أصلحوا أنفسهم، وجاهدوا في إصلاح غيرهم، وقاوموا دعوة الفساد والانحراف، وكانوا دعاة حق وخير، وبناة صالحين لمجد أمتهم، وتقدم دولة الحق والخير والتوحيد.
جزاء الضلال
أقام الله السماوات والأرض وأوجد من فيهما بالحق والعدل، والعادل لا يقبل الظلم ولا جحود النعمة وكفرانها، وإنما يطلب الله العادل من عباده أن يشكروه على نعمه الكثيرة فلا يكفروه، وأن يؤمنوا به لأنه الخالق المبدع، لا أن يكذّبوا بوجوده وعدله ووحدانيته.
فالمؤمن الصادق الإيمان يقرّ بوجود الله ويشكر نعمة الله عليه لأنه أوجده وسوّاه، ورزقه وصانه في حياته، وأما الكافر الذي ينكر وجود الله أو وحدانيته ولم يشكر نعم الله عليه، فهذا منتكس الفطرة، ليس لديه وفاء للمعروف ولا تقدير للمنعم.
وكثيرا ما عقد القرآن الكريم المقارنة بين المؤمنين والكفار، والأتقياء والفجار، والمصلحين والمفسدين، لينبّه العباد ويحذرهم، ويرغب الناس بالإيمان والصلاح، وينفرهم من الكفر والفساد.
وكثيرا ما افتخر الكفار ويفتخرون بقولهم: نحن أكثر أموالا وأولادا وزينة في
стр. 228
الحياة الدنيا، وما نحن بمعذّبين، والكفار: هم كل من لم يؤمن بالله ربا واحدا لا شريك له، ولا ندّ له ولا نظير، وليس له والد ولا ولد، ولا يشبهه أحد من خلقه، وقد ردّ الله على هؤلاء الكفار جميعا بقوله تعالى مبينا جزاءهم في الآخرة.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٦ الى ١١٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
«١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١١٦- ١١٧] .
ومعنى الآية: إن الكفار لن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا من الإجزاء يوم القيامة، قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) [الشعراء: ٢٦/ ٨٨] .
وفي آية أخرى قال تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى. [سبأ:
٣٤/ ٣٧] .
وهؤلاء الكفار الذين لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم هم ملازمون للنار، لا ينفكون عنها، وماكثون فيها أبدا على الدوام، الله أعلم به.
ثم ضرب الله مثلا رائعا صور فيه الأموال التي ينفقها الكفار، ظانين أنها قربة وحسبة وعبادة، وهي في الواقع للرياء والسمعة والمفاخرة وكسب الثناء، أو للصد عن سبيل الله، مثل هذا المال الذي ينفقونه كمثل ريح فيها برد شديد أتت على الزرع، فأهلكت الأخضر واليابس. إن هذا المال أفسد عقولهم بما صرفهم عن النظر الصحيح والتفكير في عواقب الأمور، وإنهم مع إنفاقه ظلموا أنفسهم بمعاصي الله، فكانت النقمة إليه أسرع وفيه أقوى.
стр. 229
إنهم إذا أنفقوا المال في سبيل الشيطان والهوى والفساد، ورجوا منه الثواب والنفع، فهم لن يجدوا في الآخرة إذا قدموها إلا الحسرة والندامة، ومثلهم مثل من زرع زرعا، وتوقع منه خيرا ونفعا، فأصابته ريح، فأحرقته، فوقف مبهوتا حائرا، إن الله يتقبل من المؤمنين المتقين، ويثيب المخلصين، وما ظلم الله الكافرين، بل جازاهم وكافأهم على عملهم الشر بالشر، وكانوا هم الظالمين لأنفسهم.
إن الانحراف عن هدي الله وضلال الاعتقاد أساس بلاء الإنسان في الآخرة، وهو أيضا سبب ضياع ثمرة الأعمال الصالحة التي عملها الشخص على أرضية غير مؤمنة، ويكون مصيره الخزي والذل والندامة والزج به في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.
اتخاذ بعض الأعداء مستشارين
يحرص القرآن الكريم على تماسك الأمة وتناصحها، ويحذرها من التعثر ومداخل الشر والسوء، ويحميها من استشارة المشبوهين والمعادين، ومن اتخاذ فئة من الأعداء في مواطن السر والاطلاع على دخائل الأمور وأسرار الدولة والولاة والحكام، لذا قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٨ الى ١٢٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 230
[آل عمران: ٣/ ١١٨- ١٢٠] .
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت هذه الآيات في قوم من المؤمنين، كانوا يصافون المنافقين، ويواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة، والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، ينهاهم عن مباطنتهم، خوف الفتنة منهم عليهم.
ينهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآيات عن أن يتخذوا من الأعداء أخلاء وأمناء، يأنسون بهم في الباطن من أمورهم، ويفاوضونهم في الآراء، ويطمئنون إلى آرائهم ونصائحهم. فإياكم أيها المؤمنون من اتخاذ فئة من غيركم أمناء أسراركم، تطلعونهم على أموركم، وتودونهم، فهم لا يقصرون في إيصال الفساد والشر لكم، ويحرصون على إيقاع الضرر بكم، ويؤيد هذا المعنى
قول النبي ﷺ : «ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم: من عصم الله» «١» .
هؤلاء الأعداء يتمنون كل شر ومشقة لكم، فإن لم يستطيعوا حربكم وإيذاءكم ودوا من صميم قلوبهم كل فساد وألم وسوء بكم.
ألم تظهر البغضاء لكم والحسد عليكم من فلتات ألسنتهم، وما تخفي صدورهم:
من الحسد وإرادة الشر أكبر وأكثر، قد بينا لكم أيها المؤمنون العقلاء الآيات والعبر التي ترشدكم إلى الخير وتحذركم من الشر، وهذا تحذير خطير وتنبيه شديد يهز النفوس، لتحذر من منافقي اليهود التي نزلت هذه الآيات فيهم لا في منافقي العرب.
إنكم أيها المؤمنون مخطئون في حبهم وإحسان الظن بهم، فهم لا يحبونكم مع أنكم
стр. 231
تؤمنون بالكتب السماوية كلها، ومنها كتابهم، وتصدقون بكل الرسل ومنهم رسولهم، ومع هذا هم لا يحبونكم، وهم إذا قابلوكم أظهروا الإيمان بدينكم وجاملوكم، وإذا خلوا إلى أنفسهم وشياطينهم، أظهروا شدة الغيظ والحقد عليكم، فليموتوا بغيظهم، فإن الله عليم بما تنطوي عليه نفوسهم.
إنهم إذا أصابكم خير وخصب ونصر ووحدة ساءهم، وإذا أصابكم شر فرحوا، بسبب شدة العداوة والحسد لكم، فإن تصبروا أيها المؤمنون على كيدهم وتآمرهم وعلى كل حال، واتقيتم الله واتخذتم الوقاية من كيد عدوكم، فإن الله ضمن لكم السلامة والنجاة من شرهم وضررهم، وسيرد كيدهم في نحورهم، ويجازيهم على كل ذلك، أي إن صبرتم واتقيتم.
إن أسوأ ما يصدّع بناء الدولة والأمة ويكون أداة هدم وتدمير لوجودها وتحطيم كيانها هو اتخاذ بعض الأعداء مستشارين في قضايا الأمة الخطيرة ورسم سياستها ووضع الخطط الاقتصادية والتربوية والاجتماعية لها، لأن الإخلاص للأمة ومحبة الخير لها ينبعان من الإيمان برسالة الأمة، والاعتقاد بأهليتها للقيادة وإظهار قوتها وعزتها ومنعتها أمام الأمم الأخرى.
فضيلة الصبر والتقوى في المعارك وغيرها
قارن الله تعالى بين موقفين متعارضين للمؤمنين في معركتي بدر وأحد، ففي معركة بدر الكبرى التي وقعت يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان بعد ثمانية عشر شهرا من الهجرة، صبر المؤمنون القلة أمام الفئة الكثيرة من المشركين، وتضرعوا وأنابوا إلى الله، والتزموا جانب التقوى لله، واستنصروا بربهم، فنصرهم الله تعالى، وأمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين أي معلمين.
стр. 232
وفي غزوة أو معركة أحد التي وقعت بين المسلمين والمشركين المكيين في السنة الثالثة من الهجرة بعد ٣١ شهرا من الهجرة يوم الأربعاء في الثاني عشر من شوال، في هذه المعركة التي أشرف النبي ﷺ على إدارتها وتنظيم العسكر في مواقع معينة، لم يصبر المؤمنون، ولم يتقوا الله حق تقاته، ولم يلتزموا بطاعة النبي القائد وخالفوه، فلم يمدهم الله بالملائكة كما وعدهم النبي في بدء القتال، لأنه لم يتحقق الشرط المطلوب للنصر، وهزم المسلمون أمام المشركين، ولو أمدهم الله بالملائكة كما حدث في معركة بدر، لهزموا الكفار من فورهم، فعاتب الله المؤمنين في أمر أحد، وذكرّهم بفضله ونعمته يوم بدر، ونزلت هذه الآيات مبتدءا فيها الخطاب للنبي:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢١ الى ١٢٩]
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [آل عمران: ٣/ ١٢١- ١٢٩] .
والمعنى الإجمالي للآيات: اذكر يا محمد وقت قولك للمؤمنين يوم أحد، وانخذال جماعة المنافقين وهم ثلاث مائة بقيادة عبد الله بن أبي: سيمدكم الله بثلاثة آلاف من
стр. 233
الملائكة، والله منجز وعد رسوله لكم إن صبرتم على الجهاد ولم تطمعوا بالغنائم، واتقيتم الله وأطعتم أمر نبيكم، وكادت طائفتان من الأنصار وهما بنو سلمة وبنو حارثة ألا يخرجوا إلى القتال في أحد، ثم وفقهم الله فخرجوا، وكان هذا الوعد من النبي للمؤمنين بشرى لهم لتطمئن قلوبهم وتهدأ نفوسهم بالوعد بالنصر. والنصر من عند الله وحده بعد اتخاذ الأسباب ومن أهمها الثبات في المعركة ووحدة الصف، ونبذ الفرقة والخلاف، وإطاعة القائد وترك الغرور بالنفس. وأدى ترك هذه الأمور في أحد للهزيمة، على عكس الحال في بدر، تحقق النصر من الله، وتم الإمداد الفعلي بالملائكة، ليهلك ويقطع الله طائفة من رؤوس الكفر والشرك بالقتل والأسر، أو الكبت والإغاظة، والخزي، فانقلبوا خائبين غير ظافرين، أو يتوب الله عليهم إن أسلموا ورجعوا إلى الله، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر والشقاق، فإنهم ظالمون لأنفسهم، أما أنت يا محمد فليس لك من الأمر شيء، إنما عليك البلاغ، وعلى الله الحساب، فلا تجزع ولا تتألم منهم، ولا تدع عليهم، فربما يتوب الله على بعضهم كما تاب على أبي سفيان وأمثاله، والأمر كله بيد الله، فلله ملك السماوات والأرض، يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بحكمته وعدله.
إن تحقيق الانتصارات الحاسمة في المعارك مرهون بمدى الصبر والثبات في لقاء الأعداء، فإذا ما دبّ الخوف وسادت روح الانهزام في الجيش تضعضعت قواه وانهارت معنوياته، لذا كان الفرار من الزحف من الكبائر العظمى في شرعة الله، وبما أن النصر بيد الله فهو صانع النصر، والجنود أدوات وأسباب للنصر، فإن الاستقامة على أمر الله، واجتناب المعاصي أمر ضروري للفوز والغلبة، قال الله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) [الحج: ٢٢/ ٤٠] .
стр. 234
إرشاد المؤمنين للخير
اشتملت آيات القرآن الكريم على إرشادات ومواعظ للمؤمنين، تدلهم على ما هو خير وفضيلة، وتمنعهم عما هو شر ورذيلة، إحقاقا للحق، وإبطالا للباطل، وبناء للمجتمع الفاضل، وهذه مجموعة أوامر ونواه مع بيان الجزاء الكريم لامتثال الأمر واجتناب النهي، قال الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٣٠- ١٣٦] .
في مطلع هذه الآيات نهى الله المؤمنين عن التشبه باليهود وعرب الجاهلية الذين كانوا يأكلون الربا أضعافا مضاعفة، فكانوا إذا حل أجل الدين، وعجز المدين عن سداد دينه، قال الدائن للمدين: إما أن تقضي أو تربي، فيلجأ المدين إلى القبول اضطرارا بتضعيف الربا أو الفائدة، وتأجيل الدين عاما آخر، فهذا فعل شنيع، واستغلال قبيح، وقد حرّم الله جميع أنواع الربا قليله وكثيره، وكل قرض جرّ نفعا للمقرض في مقابل التأخير فهو ربا، سواء كانت المنفعة نقدا أو عينا كثيرة أو قليلة،
стр. 235
لقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) [البقرة: ٢/ ٤٠] .
ثم أمر الله تعالى باتقاء النار التي أعدت للعصاة والكافرين، واتقاؤها يكون بطاعة الله وامتثال أوامره وترك المعاصي والمنكرات، والنار سبع طبقات، العليا منها وهي جهنم للعصاة، والخمس للكفار، والدرك الأسفل للمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
ثم أمر الله بطاعته وطاعة رسوله، والطاعة موافقة الأمر كما أراد الآمر، كي يرحمنا الله في الدنيا بصلاح الحال وانتظام الأمر، وفي الآخرة بحسن الجزاء،
قال النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله..» «١» .
والطاعة تتطلب المبادرة إلى فعل ما يوجب مغفرة الله، وجزاء المطيعين جنات فسيحات واسعات عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للمتقين الذين وقوا أنفسهم من عذاب الله بالعمل الصالح، وأوصاف المتقين هي:
الذين ينفقون في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، ويكتمون غيظهم، ويملكون أنفسهم عند الغضب، فلا يعتدون على الآخرين إذا كانوا في قوة ومنعة،
قال النبي ﷺ : «من كظم غيظا، وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنا وإيمانا» «٢» .
وهم أيضا يعفون عن مساوئ الناس ويتجاوزون عن ذنوبهم بطيب خاطر وطواعية، والعفو عن الناس من أجلّ أفعال الخير، وهم أيضا يحسنون إلى من أساء إليهم، والله يحب المحسنين، وهؤلاء المتقون إذا فعلوا فاحشة أو ذنبا كبيرا يضر كالزنا والربا، والغيبة والنميمة، أو ذنبا صغيرا لا يتعدى إلى غيرهم، ذكروا عقاب
стр. 236
الله، وما أعده للظالمين والعاصين، فيرجعون ويتوبون إلى الله، ويندمون على ما فعلوا، وينصرفون عن مهاوي الشيطان، ويعملون بأخلاق الرحمن. أولئك الموصوفون بما ذكرهم: أهل الكمال والتوفيق الإلهي، وجزاؤهم مغفرة من الله ورضوان من ربهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، ولهم نعيم مقيم دائم، ونعم ثواب العاملين المخلصين.
والخلاصة: قد يتحقق النصر للفئة الضالة المنحرفة امتحانا لأهل الإيمان، وليكون ذلك النصر باعثا المؤمنين على إعادة الحساب وتصحيح الأخطاء، والتفكير الجادّ في إعادة البناء، وسد الثغرات وإزالة عوامل الضعف، والانهزام، وإيجاد جيل قوي وادع يدرك الأخطار، ويلتزم بقانون النصر والغلبة الإلهية القائم على الحق والعدل، وتحقيق التمكين في الأرض لأهل الصلاح المتوحدين المتضامنين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) [الأنبياء: ٢١/ ١٠٥] .
اتخاذ الأسباب لتحقيق العاقبة الطيبة
يقرر القرآن الكريم قاعدة ثابتة دائمة في الحياة، وهي أن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة، ربطت فيها الأسباب بالمسببّات والنتائج، مع أن الله قادر على كل شيء، ففي الحرب أو السلم، أو الزرع أو التجارة أو التخطيط أو الدراسة العلمية مثلا إذا سار فيها الإنسان على الطرق السليمة، نجح، وإن كان شريرا مجوسيا، وإن خرج الإنسان عن المعقول والمألوف، واتبع طريقا غير معقولة، أو تكاسل وأهمل، كان من الخاسرين، ولو كان شريفا حسيبا، أو رجلا عظيما.
وأحق الناس بالتزام المعقول، والاستفادة من هدي القرآن، هم المؤمنون. قال
стр. 237
الله تعالى مبينا سنته الدائمة في الخلق وأن العاقبة للمتقين:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)
«١» «٢» «٣» »
«٥» «٦» «٧» [آل عمران: ٣/ ١٣٧- ١٤١] .
والمعنى: انظروا أيها المسلمون في الماضي والحاضر إلى من سبقكم من الأمم، وتعرفوا على أخبار الماضين، فستجدون منهجا واحدا لا يتغير، وطريقا واحدا لا يتخلف، وهو إن سرتم سير الطائعين الموفقين، نجحتم، وإن سرتم سير العصاة المكذبين خسرتم، إنكم سلكتم طريقا معتدلا يوم بدر فانتصرتم، وسلكتم طريقا خطأ بمخالفة نبيكم يوم أحد فانهزمتم. وهكذا كل ما نتعرض له من هزائم إنما هو بسبب من أنفسنا.
والقرآن بيان واضح للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ٢/ ٢] .
وإياكم أيها المؤمنون من الوهن والضعف بعد الانهزام في أحد وغيرها، ولا تحزنوا على ما حدث، ولا على من قتل، فإن يمسسكم قتل وجراح في معركة أحد مثلا، فقد مسّ غيركم مثله، فشهداؤكم مكرمون عند الله، وما وقع للأعداء ليس نصرا، ولكنه درس بليغ تتعظون به، لذا
قال النبي ﷺ يوم أحد: «لو خيرت بين الهزيمة والنصر يوم أحد لاخترت الهزيمة» .
لما في تلك المعركة من تربية وعظة وعبرة، أهمها أن مخالفة أمر النبي خروج على سنة الله في تحقيق الظفر.
стр. 238
لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تضعفوا أو تحزنوا أو تستسلموا للوهن والحزن، فأنتم الأعلون بمقتضى سنة الله في جعل العاقبة للمتقين، وعلو كلمة الإسلام، وقتلاكم في الجنة، وقتلاهم في النار، فالحرب سجال والأيام دول نداولها بين الناس، فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحق دولة في أيام، والعاقبة والنصر في النهاية للمتقين الصابرين.
والمعارك وساحة الحياة ميدان للاختبار والامتحان، ففيها يعلم الله علم مكاشفة وظهور، لا العلم الطارئ بعد الجهل، لأن علم الله سابق ومطابق للواقع لا يتغير، فالله يعلم الذين يؤمنون من الأزل، ثم يظهر في الوجود إيمانهم في الواقع، ويكرّم أناسا بالشهادة والقتل في سبيل الله، وللشهادة درجة عظيمة عند الله والناس، وفي هذه المحن العصيبة يمحّص وينقي الله الذين آمنوا، ويظهر الإيمان الخالص من الإيمان المشوه، ويتضح في الواقع المشاهد إيمان الذين قد علم الله أزلا أنهم يؤمنون، وذلك حتى تصفو النفوس، وتستعد للعودة إلى الطريق الأسلم وخوض معارك ناجحة، يتم بها محق الكافرين أو ذهابهم شيئا فشيئا، وانتصار المؤمنين وتنقية المخلصين وتمييزهم عن المنافقين، وعلى هذا إذا انتصر الأعداء طغوا وبغوا، فيكون هلاكهم مرة واحدة، وإذا انهزموا ضعفوا وهلكوا شيئا فشيئا وأبيدوا، والعاقبة في النهاية للمتقين.
والخلاصة: إن اتخاذ الأسباب المهيئة للرزق والنصر مثلا أمر متفق مع مبدأ الإيمان بقدرة الله الشاملة في إيجاد ما يشاء لأن الله يريد للناس أن يثبتوا ذاتيتهم، ويظهروا أعمالهم، ليتميز المحسن من المسيء، والمجاهد من المتقاعس، والقوي من الضعيف، وإذا كنا نريد أن يتحقق كل شيء بأمر الله التكويني كُنْ فَيَكُونُ فذلك إلغاء لوجود الإنسان، وإهمال لدوره وفعاليته في الحياة، وإن عزيز النفس لا
стр. 239
يقبل عادة أن يمنح من غيره كل شيء، وهو منتظر التقاط النتائج، وتقديم الانتصارات على طبق من ذهب، لذا فالعمل شرف، والجهاد فضيلة وإثبات الذات مظهر تكريم وإعزاز.
عتاب المقصرين والمخالفين يوم أحد وبدر
يبين الله تعالى أن سبيل العزة والنصر والكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، منوط بالجهاد والقتال، والصبر والتضحية، فليست الحياة العزيزة مفروشة بالورود، وليس الفوز والنصر مجرد منحة إلهية من غير عمل وجهاد، فلا بد للفوز في الدنيا من الصلاح والاستقامة ونصر دين الله وإقامة العدل، ومنع الظلم، وسلوك الطرق السوية المألوفة، وتلك هي سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.
أبان الله تعالى هذه السنة وعرّفنا هذا المنهاج القويم، فقال سبحانه:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٤]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
[آل عمران: ٣/ ١٤٢- ١٤٤] .
والمعنى: لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تصابوا بداء الغرور، فتفهموا أن دخول الجنة يكون من غير جهاد في سبيل الله، وصبر على المعارك الرهيبة، والجهاد أنواع:
جهاد العدو الظاهر بالسلاح والإعداد لطرده من الأوطان والبلاد، وجهاد النفس بمنعها من الأهواء والشهوات وحملها على الطاعة والفضيلة والعمل الصالح، وجهاد باللسان بالحرب الإعلامية الموجهة المدروسة، وجهاد حب المال عند البذل في
стр. 240
الأعمال العامة النافعة، وإذا لم يعلم الله وقوع الجهاد والصبر، فذلك دليل على عدم وقوعه بالفعل من المؤمنين.
ثم عاتب الله بعض المؤمنين الذين يعتمدون على الأماني والتمنيات، فلقد تمنى المتخلفون من المؤمنين يوم بدر حضور قتال المشركين مع النبي ﷺ ، لينالوا منزلتهم العالية، فلما جد الجد، وجاء يوم أحد، واحتدمت المعركة، لم يصدق كل المؤمنين في القتال، وتوانوا وقصّروا، وانحازوا إلى الجبل والرسول يدعوهم إلى الصمود والقتال، فلا يجيبه أحد.
قال الحسن البصري: بلغني أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون، أي يوم بدر: لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك أي يوم أحد، فلا والله ما كلهم صادق، فأنزل الله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
وفي غزوة أحد أشيع خبر مقتل النبي ﷺ ، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، من لنا برسول إلى عبد الله بن أبي (زعيم المنافقين) ليأخذ لنا الأمان عند أبي سفيان؟ وتبرأ أنس بن النضر إلى الله من مثل هذا الكلام، وجعل يقاتل حتى يقتل دفاعا عن الدين، وكانت هذه الإشاعة سببا في انفضاض بعض الناس عن مناصرة النبي ﷺ ، فعاتبهم الله بقوله: وما محمد إلا رسول كغيره من الرسل السابقين، إن مات كموسى وعيسى، أو قتل كزكريا ويحيى، فإن ديانتهم بقيت كما هي، وتمسك أتباعهم بها، فالمعقول والمطلوب أن تظلوا مؤمنين مجاهدين مخلصين كما كنتم، ثابتين على المبدأ ولو مات أو قتل، عاملين بمضمون رسالته على الدوام، فإن الرسول بشر كسائر الأنبياء، يموت كما مات الرسل قبله، وله في الدنيا مهمة مؤقتة تنتهي بانتهاء أجله، والله باق دائم، فمن كان يعبد الله فإن الله حي باق، ومن كان يعبد محمدا
стр. 241
فإن محمدا قد مات. ومن يرتد عن دينه، فلن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه، ومن ثبت على دينه فهو من الصابرين المجاهدين الشاكرين، وسيجزيهم الله جزاء حسنا على ثباتهم والتزامهم دين الله.
إن العتاب الإلهي لون من ألوان التربية والإعداد والتصحيح، وذلك دليل من الله على محبته لعباده وإرادته الخير لهم، فإذا أخطئوا لم يسكت الله على الخطأ، وإن قصروا نبههم لما فيه صلاحهم، حتى يبادروا للعمل البنّاء من جديد، بروح قوية، وعزيمة صادقة، وجرأة وشجاعة نادرة، وإيجابية لا تعرف التقهقر أو التردد، وهذا سبيل العزة والكرامة، وتحقيق الغايات الكبرى.
أجل الموت بإذن الله
هناك أمور حتمية مقدّرة للإنسان لا تزيد ولا تنقص، مردها إلى الله ﷻ ، كالحياة والموت، والعز والذل، والرزق والأجل، اختص الله بعلمها، وما على الإنسان إلا الرضا بالقضاء والقدر، وهذا يعدّ حافزا قويا للبطولة والشجاعة، والإقدام على خوض معارك الجهاد وغمار الموت، بنفس قوية، لا تخور ولا تتردد، ولا تضعف ولا تجبن ولا تتقاعس لأن الأجل محتوم، فليست المعارك والمخاطر مسرّعة للموت، وليس النوم في المنازل ولا على الأسرّة بمطيل للأجل، كما قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [آل عمران:
٣/ ١٥٤] . وقال سبحانه: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:
٤/ ٧٨] .
قال عطية العوفي لما كانت يوم أحد، انهزم الناس، فقال بعض الناس: قد
стр. 242
أصيب محمد، فأعطوهم بأيديكم «١» ، فإنما هم إخوانكم، وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به؟ فأنزل الله تعالى في ذلك: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [آل عمران: ٣/ ١٤٤] . إلى أن قال تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٨]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [آل عمران: ٣/ ١٤٥- ١٤٨] .
أوضحت الآيات أن محمدا- كبقية الرسل- بشر معرض للموت، لم يطلب لنفسه العبادة، وإنما كان يأمر بعبادة الله وحده، والله حي لم يمت، ومهمة الرسول البلاغ فقط، فليس لوجوده دخل في استمرار عبادة الله.
وأبانت الآيات أيضا أنه ليس من شأن النفوس ولا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذن الله أو مشيئته، فالله وحده هو المتصرف في كل شيء، فيأذن للملك بقبض الروح في الموت العادي وغير العادي، كتب الله هذا كتابا محكما محددا بوقت لا يتعداه، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها. وإذا كان العمر بيد الله، فكيف يصح الجبن والضعف؟
ومن يرد ثواب الدنيا بجهاده وعمله، أعطاه الله شيئا منها، ومن يرد بعمله ثواب
стр. 243
الآخرة وجزاءها، أعطاه الله شيئا منها، على حسب إرادته وحكمته ومشيئته في كلا الحالين.
وكثير من الأنبياء السابقين قاتل معه في سبيل الله جماعات كثيرة، فما وهنوا ولا ضعفوا ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، بل ظلوا صابرين ثابتين على المبدأ، والله يحب الصابرين، وما كان قول أولئك المجاهدين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، وإسرافنا وتجاوزنا أمرك، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم وأمام عدوك، وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا بالرضا والسعادة والعزة والنصر، وثواب الآخرة وهو الجنة والرضوان، والله يرضى عن المحسنين ويكافئهم بالفوز العظيم.
وما دام الأجل محتوما ومحددا، فيكون ذلك باعثا على الإقدام والتضحية والاستبسال في سبيل إحراز النصر في الحياة على الأهواء والشهوات أم على الأعداء ووساوس الشياطين.
وإن الجهل بالأجل أو العمر فيه الخير والمصلحة، فيبقى الإنسان في أمل وتفاؤل، ويبتعد عن اليأس والإحباط، أما إذا علم الإنسان بوقت أجله، فيفقد الأمل ويعيش منتظرا الأجل المعلوم، وكم رأينا بعض المرضى الذين يخبرهم الأطباء بألا أمل من شفائهم يعيشون بائسين حزينين مكروبين، قلقين في أنفسهم، ومزعجين لغيرهم.
عاقبة ولاء الكفار
يمتحن الله تعالى عادة عباده بأنواع مختلفة من الاختبارات، في السلم والحرب، أو في الرخاء والشدة، أو في الغنى والفقر، أو في الصحة والمرض، أو في الحياة والموت، أو في الفرح والمصيبة، ليعرف المؤمن الصامد الثابت على العقيدة والمبدأ،
стр. 244
ويكشف الكافر والمنافق الذي لا هم له إلا النفع المادي الدنيوي، والمطمع المالي والمصلحة السريعة.
وحرصا من الله على استقامة عباده المؤمنين، حذرهم من موالاة الكافرين ومناصرتهم ومتابعتهم وتقليدهم في عملهم وموقفهم، فقال الله سبحانه:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٩ الى ١٥١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
«١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٤٩- ١٥١] .
وسبب نزول هذه الآيات أن بعض المنافقين حينما أذيع خبر مقتل النبي ﷺ في غزوة أحد، قال: من لنا برسول إلى ابن أبي (أي زعيم المنافقين) يأخذ لنا أمانا عند أبي سفيان، فقال بعضهم: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم، وهذا أبو سفيان ينادي: العزّى (وهو الصنم المعروف) لنا، ولا عزّى لكم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدّي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد، متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم، حتى إذا لم يبق منهم إلا الشر ذمة «٥» تركناهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما همّوا به، وأنزل الله تعالى هذه الآية: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ.. الآية.
وكان رسول الله ﷺ قد أرسل علي بن أبي طالب يتعرف خبر المشركين بعد أحد، عائدين إلى مكة إلى المدينة؟ ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجهز جيشا، وتابع
стр. 245
المشركين، حتى بلغ (حمراء الأسد) وأخبر معبد بن أبي معبد الخزاعي وهو على كفره أبا سفيان بما صمم عليه رسول الله، وأنه خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلّف عنه، وندموا على ما صنعوا، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وأسرعوا بالعودة إلى مكة.
هذه الآيات تحذر المؤمنين من إطاعة الذين كفروا كأبي سفيان وعبد الله بن أبي وأتباعهما، فإنهم إن أطاعوهم ردوهم خاسرين في الدنيا بالذلة بعد العزة، وتحكّم العدو فيهم، وحرمانهم من السعادة والملك الذي وعد الله به المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، وكذلك يخسرون الآخرة بالعذاب الشديد في نار جهنم، إن الله مولاكم وناصركم أيها المومنون، فإياكم أن تفكروا في ولاية أبي سفيان أو غيره، واحذروا كلام المنافقين الجبناء، فالله نعم المولى والناصر وهو خير الناصرين.
وسيلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب الشديد بسبب شركهم بالله أصناما وحجارة، لا حجة ولا برهان على صواب عبادتها وتعظيمها، وتوّرث عبادتهم الأصنام خبالا في عقولهم وضعفا في نفوسهم، ويزداد رعبهم كلما وجدوا المسلمين متمسكين بدينهم، ومأواهم النار في الآخرة، وبئس القرار فإنهم الظالمون المشركون العابثون، وهذا الترهيب يستدعي زيادة شجاعة المؤمن الموعود بالنصر. وضعف المشرك وخوار عزيمته، لأنه مبشر بالعذاب والعقاب.
إن الأمة الواعية هي التي تعتمد على نفسها، وعلى من يشاركها بحرارة وصدق في آلامها وآمالها، وإن أخطأ البعض لا يصح أن يكون سببا للارتماء في أحضان العدو، فما عند الأعداء إلا الخطط المدمرة، والكيد لنا، وإبقائنا أذلة أتباعا لهم، وإن ما نشاهده أعقاب حرب الخليج ١٩٩٠ م من اعتماد على مساندة الأعداء وتضييع للمصالح الكبرى دليل واضح على صدق التحذير القرآني من إطاعة الآخرين الذين لا صدق ولا إخلاص في دعمنا ومساندتنا.
стр. 246
أسباب الهزيمة في غزوة أحد
للنصر أسباب وللهزيمة أسباب، والمؤمن المتبصر هو الذي يدرك ما يجب عليه الحالين. وقد أبان القرآن أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد، للرد على المنافقين المشككين في نبوة الرسول ﷺ ،
قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٢]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
«١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ١٥٢] .
أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه قد نصر المؤمنين أولا في بداية أمر المعركة وقت أن أخذوا يقتلون المشركين قتلا، ويفتكون بهم فتكا، ولكنهم لما طمعوا في الغنائم وانقسموا فريقين: فريق الرماة فوق الجبل تركوا أماكنهم حينما رأوا انهزام المشركين، وفريق ثبت مكانه وقالوا: لا نخالف أمر الرسول أبدا، وهم القائد عبد الله بن جبير مع نفر قليل من أصحابه، والفريق الأول وهم الرماة هم الذين أرادوا الدنيا وتركوا أماكنهم طلبا للغنيمة، والفريق الثاني هم الذين أرادوا الآخرة وثبتوا في مكانهم ولم يخالفوا أمر الرسول ﷺ ، ثم تحول النصر إلى هزيمة، وعفا الله عن المخالفين، وصرف المؤمنين عن المشركين ليمتحن إيمانهم ويظهر الصادقون من المنافقين، وتاب الله بفضله العظيم على المؤمنين.
ثم ذكّر الله المؤمنين حيث انهزموا ولم يلتفتوا إلى ما وراءهم، والحال
أن الرسول
стр. 247
يدعوهم لمناصرته قائلا: «إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» .
فقال تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣]
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٥٣] .
أي إن الله جازاكم على صنيعكم، وألقى عليكم الغم والحزن بسبب الغم الذي أدخلتموه على الرسول وسائر المؤمنين بعصيانكم أمره ورأيه، وما فعل بكم ذلك إلا ليمرنكم ويدربكم على الشدائد، ولئلا تحزنوا على شيء فات، ولا ما أصابكم من عدوكم، والله خبير بأعمالكم ومجازيكم عليها.
ثم بيّن الله فضله على المؤمنين الصادقين الملتفين حول الرسول بإلقاء النعاس عليهم، وكشف زيف المنافقين الذين لا يثقون بنصر الله، قائلين: لن يأتي النصر لنا، وإن محمدا ليس نبيا، إذ لو كان نبيا ما هزم، رابطين بين النبوة والنصر، ومضمرين الحقد والعداوة لبقية المؤمنين، فرد الله عليهم بأن النصر من عند الله، والأمر كله لله، فقال سبحانه:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٤]
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
«٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [آل عمران: ٣/ ١٥٤] . فالنصر من عند الله، وهذا رد على
стр. 248
المنافقين القائلين: هل لنا من الأمر والنصر نصيب، ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، أي إن الخروج للقتال خطأ، ولو لم يخرج المسلمون لم يقتل أحد.
ثم أوضح الله تعالى أن الذين تركوا أماكنهم أو انهزموا إنما أوقعهم الشيطان في هذا الخطأ بسبب أفعالهم وذنوبهم السابقة، ولكن عفا الله عنهم لما تابوا، قال تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٥]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)
«١» [آل عمران: ٣/ ١٥٥] . أي إن الله غفور للذنوب حليم لا يعجل بالعقوبة.
لقد كان انهزام المسلمين في أحد بسبب الحرص على المادة والغنائم، ومخالفة أوامر الرسول ﷺ ، والإصغاء لوساوس الشيطان، واقتراف الخطايا والذنوب، وإن الاستفادة من دروس الهزيمة أهم من فوائد النصر والغلبة، فلا يمكن تحقيق النصر إلا بتجنب وسائل الضعف والهزيمة، والله برحمته ينبّه هؤلاء المخطئين كيلا يقعوا في الخطأ المماثل إلى الأبد.
تبديد مخاوف الموت
يشيع بين الناس- بسبب وسوسة الشيطان- خطأ فاسد ومعتقد باطل أن الأمان في البقاء في البيوت والمدن، وأن الموت في السفر والارتحال، أو الحرب والقتال، وأن من سافر في تجارة ونحوها، ومن قاتل فقتل، لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرّض فيه نفسه للسفر أو للقتال.
فندّد الله تعالى في قرآنه هذا الاعتقاد الفاسد، وأبان حقيقة أمر الموت، وأنه بيد
стр. 249
الله وحده، وأن الاستشهاد في سبيل الله طريق لغفران الله والتعرض لرحمته، فقال سبحانه:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
«١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٥٦- ١٥٨] .
أبطل الله في هذه الآيات ما يوسوس به الشيطان من أن السفر أو الجهاد عرضة للقتل أو الموت، فيا أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا تكونوا كأولئك المنافقين الكفار الذين لا يهتدون إلى صواب الرأي وسلامة الاعتقاد، فهم يقولون في شأن إخوانهم في الدين، الذين يسافرون للتجارة، أو يجاهدون في سبيل الله، فيموتوا أو يقتلوا:
لو كانوا عندنا مقيمين، لم يبرحوا مكانهم، ما ماتوا وما قتلوا.
إن هذا المعتقد خطأ واضح، فليست المنايا ترسل بلا حساب، وأن الهلاك بالسفر أو الحرب، والمنافق أو الجبان هو الذي يعتقد أنه لو قعد في بيته لم يمت، وحينئذ يتحسر أو يتلهف لو سافر أو جاهد، أما المؤمن الشجاع فهو الذي يتيقن أن كل موت أو قتل بأجل سابق، فيسلم الأمر لله، ويكون التسليم لله تعالى بردا وسلاما على قلبه، قال الله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران: ٣/ ١٤٥] .
احذروا أيها المؤمنون أن تكونوا مثل الكفار والمنافقين، وثقوا بالله واعتقدوا حق الاعتقاد أن الله هو الذي يحيى ويميت، والله بما تعملون بصير، فلا تخفى عليه
стр. 250
خافية من خبايا نفوسكم ومعتقداتكم، وفي هذا ترغيب للمؤمنين بتسليم الأمر لله، وتهديد للكافرين بسبب سوء الاعتقاد.
ووالله أيها المسلمون لئن قتلتم في سبيل الله أو متم، فإن مغفرة الله لكم ورضوانه عليكم خير من كل ما تجمعون من حطام الدنيا الفانية. وكل ميت أو قتيل يحشر إلى الله، فيحاسبه على ما قدم في دنياه، وأجره على الله. وهذا وعظ بالآخرة والحشر، وتزهيد في الدنيا والحياة، وإفهام واضح لحقيقة الموت والحياة.
إن هذا التصحيح لأخطاء الناس عن أجل الموت يبعث في النفس روح التضحية والفداء، والإقدام والجهاد من أجل إرضاء الله ورفع لواء الإسلام والذود عن حياض الوطن الغالي، فكل من يقتل في سبيل الله حي يرزق عند ربه، وحي على ألسنة الناس بالذكر الطيب والثناء الحسن.
وإن الجبن والاستضعاف في الأمة وتهيب مخاطر الموت يوقع الأمة والبلاد برمتها في ذل وقهر أبدي، يجعل الناس عبيدا أو كالعبيد للقوي المستبد، والسيد الظالم. ولقد ذاقت بلاد المسلمين والعرب ويلات الاستعمار، وأدركت بتجربة قاسية مدى الظلم والذل والنكال الذي يلحق بالكرامة والثروة والقيم والأعراض، فهل من متعظ مدرك ما نعانيه من وجود الصهاينة في بلادنا والمستعمرين الجدد في منطقة الخليج تحت مظلة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد؟
الأخلاق النبوية
أعد الله تعالى نبيه محمدا ﷺ إعدادا طيبا يتناسب مع مهمة الرسالة، وسياسة الدعوة، وصلاح الناس، وترغيبهم في الإسلام وذلك بتليين قلب النبي وغرس