مستوفية الشروط، واحذروا الشّرك، ولا تكونوا بعد الإيمان بوحدانية الله مشركين به غيره، فلا تقصدوا في عبادتكم غير الله تعالى، بل كونوا موحّدين مخلصين لله العبادة. والمشركون: هم كل من عبد مع الله إلها آخر، من بشر أو جماد أو كوكب أو غير ذلك.
وأوصاف المشركين: هم الذين فرّقوا دينهم، أي اختلفوا فيما يعبدونه بحسب اختلاف أهوائهم، فبدّلوا فطرة التوحيد، وصاروا فرقا مختلفة، وأحزابا متباينة، كل فرقة وحزب فرحون بما عندهم، مفتونون بآرائهم، معجبون بضلالهم.
وهذه حملة شديدة على الفرق الضّالّة والمذاهب المنحرفة، تدعو أهل البصيرة والوعي إلى أن يبادروا إلى توحيد عقيدتهم والعمل بشريعة ربّهم التي أنزلها على خاتم النّبيّين محمد ﷺ .
تناقض المشركين
من المستغرب صنع بعض الناس وتناقضهم، فتراهم يقبلون على ربّهم وقت الشّدة الخانقة والأزمة المستعصية، فلا يجدون سواه ملجأ لتفريج الكروب، حتى إذا ما رفع عنهم البلاء، وزال عنهم البأس، تنكّروا لخالقهم المنعم عليهم بدفع النقمة ورفع الشّدّة، وهذا واضح من فعل عبدة الأصنام وبعض الكافرين الذين يعبدون الله من أجل الدنيا والمنفعة، فإن أعطوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن مفتاح الرزق بيد الله تعالى، يمنح من يشاء، ويحجب النعمة عمن يشاء، بحسب ما يرى من الحكمة والمصلحة لعبادة، وهذا ما أبانته الآيات الآتية:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)
стр. 1997
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّوم: ٣٠/ ٣٣- ٣٧] .
هذا لوم وتقريع لفئتين من الناس: عبدة الأصنام المشركين بالله تعالى غيره، وبعض الجاحدين الذين يبتغون من وراء عبادة الله تحقيق المنافع ومكاسب الدنيا، فإن حصلوا على مبتغاهم اطمأنوا، وإذا حرموا بعض الخيرات، تبرموا وسخطوا.
إن الفئة الأولى: وهم المشركون الوثنيون كسائر البشر، متى مسّهم ضرّ (أي شدة وبلاء) دعوا الله سبحانه، راجعين إليه دون سواه، خاضعين لسلطانه، وتركوا الأصنام مطروحة، فإذا أذاقهم الله رحمته، أي أصابهم أمره بها، والذّوق هنا مستعار لإيصال النعمة والنّجاء من الشّدة، عادوا للشّرك بالله، وعبدوا معه غيره من الأوثان والأصنام. وهذا يقتضي العجب، ويستدعي اللّوم.
ويلحق بهؤلاء الانتهازيين النفعيين بعض المؤمنين، إذا جاءهم فرح بعد شدة، علّقوا ذلك بمخلوق، أو بحذق آرائهم ومهاراتهم، أو بغير ذلك، وهذا شرك مجازا، لأن فيه قلة شكر لله تعالى.
وتكون عاقبة هؤلاء المتناقضين الوقوع في الكفر وجحود فضل الإله وإحسانه، فاستحقّوا التهديد، ويقال لهم: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فسوف تعلمون عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا.
بل في الواقع لا دليل على صحة ما أنتم عليه من الضلال، فهل لكم سلطان، أي
стр. 1998
حجة وبرهان من رسول أو كتاب ونحوه لإقرار ما تفعلون، والنطق والشهادة بما تشركون؟! وهذا استفهام إنكاري معناه: أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله كتابا يقرّ الشّرك، ولا أرسل رسولا يدعو إليه، إنما هو اختراع منكم.
وفريق آخر كالمشركين من بعض المؤمنين أو الكافرين، وصفتهم: أنه إذا أنعم الله عليهم نعمة فرحوا بها وبطروا، وإذا أصابتهم شدة وبلاء، أيسوا وقنطوا من رحمة الله. وتعرّضهم للشدة إنما كان بسبب ما اقترفوا من الإثم، وما ارتكبوا من السيئات.
وقوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ معناه أن الله يمتحن الناس عند ظهور المعاصي، فقد يصاب أحدهم بسوء، ويعفو الله عن كثير.
التّشابه قائم بين حال الفريقين أو الفئتين، المشركون يتعرّضون للرحمة ثم للشّدة، فلهم في الحالة الأولى تضرّع وإنابة، ثم إشراك، ولهم في الحالة الثانية فرح وبطر، ثم قنوط ويأس، وكل إنسان يأخذ من هذا الخلق بقسط، فمنهم المقلّ ومنهم المكثر، إلا من غمر الإيمان قلبه، وتأدّب بأدب الله تعالى، فصبر عند البلاء والضّرّاء، وسكن عند السّراء، ولم يبطر عند النعمة، ولم يقنط عند الابتلاء. والقنوط: اليأس.
ثم ذكر الله تعالى طريق التّخلّص من اليأس من رحمة الله على كل حال، وهو أن يعلم كل إنسان أن الله تعالى يخصّ من شاء من عباده ببسط الرزق، ويحجب أو يقتر الرزق عمن يشاء، للاختبار أو الابتلاء، ان في الحالين حال سعة الرزق وحال تقتير الرزق لأدلة وعلامات على الإيمان الصادق، فالمؤمن الصحيح الإيمان يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البلاء، ولا يتغير في الحالين عن الإقبال على ربّه وعبادته بصدق وإخلاص.
стр. 1999
الرزق الحلال والرزق الحرام
الرزق محدود مقنن لكل إنسان في علم الله تعالى، لكن بعض الناس يكون رزقه حلالا طيبا مباركا فيه، ينفق منه على نفسه وأهله وأقاربه والمحتاجين من إخوانه، وبعض الناس الآخرين يكون رزقه حراما آتيا من غير كسب ولا عمل، من الربا أو الفائدة المضمومة إلى القرض، ولكن لا خير فيه ولا بركة، والرازق هو الله تعالى، والبشر وسائط، إما بعملهم وكدّهم وجهدهم، وإما بمساعيهم ووساطتهم، فهم وسائط خير وجسور منفعة، وليس لأحد من غير الله تعالى قدرة على الإطلاق على نفع إنسان أو رزقه، ولا على إلحاق الضر به وحرمانه من الرزق، ومن باب أولى ليس للأصنام والأوثان المتخذة شركاء لله في عقيدة الوثنيين أي دور أو مجال في رزق أحد أو حرمانه منه، قال الله تعالى مبينا هذه الأحوال:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)
«١» [الرّوم: ٣٠/ ٣٨- ٤٠] .
إذا كان الرزق مصدره من الله تعالى وحده، وأن الرزق محدود لا يزيد ولا ينقص، فيكون التصرف فيه بحسب مرضاة الله، لذا أمر الله تعالى على جهة الندب بإيتاء ذوي القرابة حقوقهم، من صلة المال وحسن المعاشرة، ولين القول، وإعطاء المساكين المحتاجين وأبناء السبيل، أي المسافرين المنقطعين ما لهم حظ به، لأنهم إخوة إما في الدين وإما في الإنسانية، وذلك الإيتاء أو الإعطاء لهؤلاء القرابة والمحتاجين
стр. 2000
خير محض في ذاته، ونفع عظيم، لكل من يقصد بعمله وجه الله تعالى، ووَجْهَ اللَّهِ هنا: جهة عبادته ورضاه.
وأولئك المعطون شيئا من أموالهم على سبيل البر وصلة الرحم، وإنقاذ النفس الإنسانية من الضرر أو الهلاك: هم لا غيرهم الفائزون ببغيتهم، البالغون لآمالهم، المحققون الخير لأنفسهم في الدنيا والآخرة.
أخرج الترمذي والدارمي في الزكاة عن فاطمة بنت قيس قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أموالكم حقا سوى الزكاة» .
وأما من أعطى عطية، يود الحصول على أكثر منها، من طريق الهدية أو الربا (الفائدة) في التجارات، فلا ثواب له عند الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) [المدثر: ٧٤/ ٦] . أي لا تعط عطاء تريد أكثر منه، وهذا لا خير فيه ولا ثواب. قال ابن عباس: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى تمويلهم ونفعهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم.
وأما العطاء الحسن الذي يحقق الثواب لصاحبه، فهو الزكاة، أي من أعطى صدقة، يقصد بها وجه الله تعالى وحده، بقصد عبادته وإرضائه، أو من أعطى زكاة، تنمية لماله وتطهيرا، يريد بذلك وجه الله تعالى، فذلك هو المحقق للثواب الجزيل، وهو الذي يجازى به صاحبه أضعافا مضاعفة على ما شاء الله تعالى له «١» .
وذلك كما جاء في آية أخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢/ ٢٤٥] وقال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) [الحديد: ٥٧/ ١١] .
стр. 2001
وكل من الزيادة والنماء داخل في رزق الله المحدد لكل إنسان، لأن الله هو الخالق الرازق الذي يرزق الإنسان من تاريخ ولادته حتى وفاته، ثم يميته بعد حياته، ثم يحييه يوم القيامة للحشر والبعث، هل من آلهتكم أيها المشركون، الذين تعبدونهم من دون الله وجعلتموهم شركاء، من يفعل من ذلك شيئا، أي من الخلق والرزق، والإماتة والإحياء؟! لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، تنزه الله وتقدس، وتعاظم عن أن يكون له شريك أو نظير، أو ولد أو والد، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد. وهذا تقريع وتوبيخ للكفار المشركين.
إن من يعتقد بأن الله وحده لا شريك له هو ربه وخالقه، وهو معبوده بحق، يتجه إليه وقت الشدة والرخاء وفي كل حال، يحقق له آماله ويرزقه من خيراته ما يشاء.
جزاء المفسدين والصالحين
لقد تعقدت الحياة، وظهرت فيها ألوان مختلفة من الفساد والأطماع، وتفنن الناس في ابتداع المنكرات وأصناف الأذى والضرر بأنفسهم وبغيرهم، وبقي أهل الإيمان الحق في حصن حصين من الانزلاق والتردي في الضلالات، وأقبلوا على ساحات الرضا الإلهي بدافع من ايمانهم بربهم، وترقبهم مقابلة خالقهم، والاستعداد لعالم الجزاء والحساب الشديد. واقتضى العدل الإلهي أن يجازي الله المفسدين بإفسادهم سوء العاقبة والمصير، وأن يكرم الصالحين المؤمنين بأفضاله ومكارمه، والله في حال العقاب ساخط غاضب، وفي حال الإحسان راض عفوّ كريم، قال الله تعالى مبينا قانون الحساب الإلهي:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)
стр. 2002
«١» [الروم: ٣٠/ ٤١- ٤٥] .
لقد عم البلاد في أرجاء البر والبحر ظهور الخلل والانحراف، وقلة النفع والمطر، وكثرة القحط والجدب أو التصحر، بسبب شؤم المعاصي وكثرة الذنوب، من الكفر والظلم وانتهاك المحرّمات، والتجرؤ على الإنسان، بعد انتشار الأمن وعموم الخير والرخاء، وذلك ليذيقهم الله جزاء بعض أعمالهم وسوء أفعالهم من المعاصي والآثام واحتجاب الخير وظهور الشر، وفي ذلك منفعة للناس، لأنه ربما يرجعون عن غيهم ومعاصيهم، كما جاء في آية أخرى: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ٧/ ١٦٨] .
ثم أراد الله لفت نظر الناس والاتعاظ بمصائر الماضين المفسدين، فقل أيها الرسول للمفسدين والمشركين، تقلبوا في البلاد، وتأملوا بمصير من قبلكم، وكيف أهلك الله الأمم السابقة، وأذاقهم سوء العذاب، بسبب كفرهم وقبح أعمالهم، حيث كان أكثرهم مشركين بالله شركا ظاهرا لا خفاء فيه.
وبادر أيها النبي- باعتبارك قدوة الأمة، ومن تبعك من أهل الإيمان إلى الاستقامة على طاعة الله، وفعل الخير، ووجّه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين القويم، وهو دين الإسلام، من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا مرد ولا مانع منه، فلا بد من وقوعه، وفي ذلك اليوم يتفرق فيه الناس بحسب أعمالهم، ففريق في الجنة، وفريق في النار والسعير.
وجزاء كل فريق بحسب عمله، ممن كفر بالله وكتبه ورسله، وكذب باليوم
стр. 2003
الآخر، فعليه وبال كفره وكذبه، وإثمه ووزره، ومن آمن بالله وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال، فأطاع الله تعالى فيما أمر، وانتهى عما منعه الله عنه، فإنه يعدّ لنفسه المهاد المريح، والمرتع الخصب الفسيح، والمجال المطمئن. وقوله تعالى: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أي يوطّئون ويهيئون، وهي استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب.
وسبب التمييز في الجزاء: جزاء الباغي أو الظالم ببغيه وظلمه، وجزاء المؤمن المستقيم باستقامته، هو أن الله تعالى يريد إحقاق الحق وإقامة العدل، فيجازي المؤمنين الذين يعملون الصالحات تفضلا منه وإحسانا بالنعيم المقيم، وجنان الخلد، وفضل الله شامل، وعطاؤه كبير. وأما الكافرون فإن الله يبغضهم ويعاقبهم، عقاب حق وعدل لا جور فيه، وهذا تهديد ووعيد للكفار. وقوله تعالى: لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ليس الحب بمعنى الإرادة والعاطفة، ولكن بمعنى: لا يظهر عليهم أمارات رحمته، ولا يرضاه لهم دينا.
إن تقسيم الفريقين إلى طائعين وعصاة يوم القيامة، كان بسبب أعمالهم في الدنيا، والدنيا مزرعة الآخرة، فهنيئا لمن وفق للعمل الصالح، والشقاء كل الشقاء لمن انحرف وجحد.
آيات قدرة الله ووحدانيته
عجبا لأمر الناس مع ربهم، ينعم عليهم بشتى النعم ويخلقهم ويرزقهم، ثم لا يهتدون إليه بمحض عقولهم، وسلامة تفكيرهم، حتى إنه سبحانه احتاج إلى إقناعهم بوجوده ووحدانيته، وأقام الأدلة الكثيرة من المحسوسات المشاهدة على ذلك، مما لا يدع أي مجال للشك في هذا، وما أجمل الآيات القرآنية المسوقة من مشاهد الكون على
стр. 2004
إثبات القدرة الإلهية، فإن كل إنسان يحسّ بالتفاعل مع الموجودات حوله، ويدرك إدراكا تاما، جمال الكون وإبداعه، وما فيه من عجائب الخلق والإبداع الإلهي المرشد إلى المقصود، والدال على المعبود بحق، قال الله تعالى واصفا هذه المشاهد:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٦ الى ٥٠]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)
«١» «٢» «٣» [الروم: ٣٠/ ٤٦- ٥٠] .
هذه أدلة حسية تدل على قدرة الله وتوحيده، تقتضي كل عاقل متأمل بأن يدرك أنه لا مشاركة للأوثان فيها، وهي محض السلطان الإلهي، وأنه تعالى المهيمن على كل شيء في الوجود والمسيّر والمحرك له، وأول الأدلة: أن الله تعالى يرسل الرياح مبشرة بالخير ونزول المطر، الذي يحيي الأرض بعد يبسها، ويفيد الإنسان فائدة كبري، فيذيفه من آثار رحمته بالمطر، فيحيي العباد والأراضي، كما أنه سبحانه يرسل الرياح لتلقيح الأشجار، ولتسيير السفن الشراعية في البحار، ولتمكين المسافرين والتجار من ممارسة التجارة، وطلب الفضل الإلهي والمكاسب المشروعة ببذر بذور الأطعمة وغيرها، وليشكر الناس ربهم على ما أنعم به عليهم من النعم الكثيرة التي لا تحصى.
ثم آنس الله نبيه محمدا ﷺ بمثل من أرسل من الأنبياء السابقين، ثم وعده تعالى ووعد أمته بالنصر على الأعداء، إذ أخبر أنه جعله حقا عليه
стр. 2005
تبارك وتعالى. فتالله إن كذبك قومك يا محمد، فلست بأول مكذّب كذبه قومه، فلقد أرسل الله رسلا كثيرين إلى أقوامهم، فأقاموا الأدلة الواضحة على صدق رسالتهم، فكذبهم قومهم كما فعل قومك، فانتقم الله ممن كذبهم وعارضهم، ممن أجرم وجنى على نفسه ومجتمعة، وهذا هو الذي يحصل من كل مكذّب عاص، ونجى الله أهل الإيمان، وكان حقا مستحقا على الله تحقيق النصر للمؤمنين، العاملين بمقتضى إيمانهم.
أما كيفية إنزال الأمطار: فهي أن الله سبحانه يرسل الرياح على وفق إرادته ومشيئته وحكمته، فتحرك السحب أو الغيوم المنعقدة من ذرأت بخار الماء، فتنتشر في السماء كيف يشاء الله، ثم يجعلها قطعا متفرقة ذات أحجام مختلفة، خفيفة أو كثيفة مشبعة بالرطوبة، فترى أيها الناظر كيف يخرج المطر من وسط السحب ومن خلالها المختلفة، وإذا أصاب الله بها من يشاء من العباد إذا هم تغمرهم البهجة والفرحة، والاستبشار بالخير والنعمة السابغة.
وإن كان الناس من قبل نزول هذا المطر قانطين يائسين من نزوله، لتأخر المطر، وبطء نزول الغيث، فتغمرهم رحمات الله تعالى وأفضاله العديدة.
فانظر أيها الرسول ومن آمن برسالتك نظرة تأمل إلى آثار رحمة الله السابغة، كيف يحيي الأرض بالنبات والزرع والشجر والثمر والعشب بعد الجفاف، مما يدل على سعة رحمة الله وإحسانه.
إن الذي أنزل المطر وأنبت النبات قادر على إحياء الأموات، كإحياء الأراضي بعد يبسها بالخضرة، والله تعالى تام القدرة على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والبدء والإعادة سواء عنده. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
стр. 2006
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
[يس: ٣٦/ ٧٨- ٨١] .
جحود النعمة
غريب أمر الإنسان، تراه مع غيره من الناس إذا قدّم له معروفا، أكبره وشكره، وتذلل بين يديه، ثم يحرص على رد الجميل ومكافأة المعروف إما بالهدية وإما بالثناء باللسان في المناسبات المختلفة على ملأ من الناس. لكن هذا الإنسان مع الأسف جحود للنعمة الإلهية، مع أنها أعظم وأدوم، وأبقى أثرا، ولا تحتاج إلا للإقرار بالنعمة والاعتراف بالمنعم وهو الله، وبمقابلة الفضل الإلهي بالإصغاء لأمر الله وطاعته، واجتناب نهيه ومعصيته، وفي الحالين من امتثال الأمر والبعد عن النهي، يعود أثر ذلك على الإنسان بالخير العميم والنفع التام، قال الله تعالى مبينا سوء حال الكافرين، وتنكرهم لفضل الله وإحسانه:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)
[الروم: ٣٠/ ٥١- ٥٣] .
أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن سوء أحوال الكافرين، وتقلب ابن آدم في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إذا بعث الله ريحا ضارة، فاصفرّ بها النبات، ظل يكفر قلقا منه، وقلة توكل على الله، وعدم تسليم لله ، والمعنى: تالله لئن بعثنا ريحا سامة، حارة أو باردة، على نبات أو زرع أو ثمر، فرأى الناس ذلك الزرع قد اصفر،
стр. 2007
ومال إلى الفساد بعد خضرته، لظلوا من بعد ذلك الفرح والبشر بالمطر، يجحدون نعم الله التي أنعم بها عليهم.
فلا تحزن أيها النبي على إعراض مشركي مكة وأمثالهم عن دعوتك، بعد إيراد أدلة القدرة الإلهية على البعث وعلى توحيد الله، فإنك لا تستطيع إفهام الموتى، أو إسماعهم سماع تدبر واتعاظ، ولا تقدر إسماع دعوتك أهل الصمم عن الحق، إذا أدبروا عنك ولم يقبلوا هدايتك، فإنهم أشبه بالموتى في القبور، وبفاقدي حاسة السمع من المعاقين، لسدّهم منافذ الهداية، وفقد الاستعداد لسماع كلمة الحق. وليس في مقدورك أيها النبي هداية أهل العمى عن رؤية الحق، والرد عن الضلالة، فإن الهداية إلى الله تعالى، وهو القادر على إسماع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، وإنه تعالى يفعل ما يشاء، بهداية من يريد، وإضلال من يريد، وليس ذلك لأحد سواه.
وما أنت يا محمد بمسمع إسماعا ينفع ويجدي إلا من آمن بالله ربا، وبالقرآن إماما، وبآيات الله برهانا وحجة، وبتوجيهات الرب إلى أفضل المقاصد وأقوم الطرق، وهؤلاء المؤمنون على هذا النحو هم المسلمون، أي الخاضعون لله تعالى، المطيعون لكل ما أمر ونهى، السامعون إلى الحق سماع إعظام وإكبار، وامتثال واتباع.
ليس في قدرتك إذن يا محمد هداية أحد، ولا عليك أن تهدي أحدا، ما عليك إلا البلاغ المبين، وإبلاغ الدعوة إبلاغا حسنا بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهذا كله من إبعاد السماع عن عقول الكفار وقلوبهم يقصد به اليأس من استجابتهم للإسلام والقرآن، بسبب موقفهم المعاند وآرائهم العنيدة، واستكبارهم عن الإذعان للحق. وهذا لا يعارض الثابت في السنة النبوية من سماع الموتى كلام الأحياء، والاستئناس بزوار القبور الذين يمتثلون الأوامر والآداب الإلهية، من غير تبرم ولا تسخط ولا معارضة للقضاء والقدر. فلقد أجمع السلف على هذا، وشرع
стр. 2008
السلام على الموتى،
روى ابن أبي الدنيا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، وردّ عليه حتى يقوم» .
وقد ثبت أن النبي ﷺ زار قبور شهداء أحد، وسلّم عليهم، ودعا لهم بالعفو والعافية من البلاء والعذاب.
أطوار الحياة وأحوال البعث
إن في إحياء الأرض بالأمطار بعد موتها أو يبسها، وفي أدوار خلق الإنسان التي يمر بها من الاجتنان، فالطفولة، فالكهولة، فالشيخوخة، لدلالة قاطعة، وعبرة واضحة على قدرة الله التامة، وعلمه المحيط بكل شيء، والمتصف بهذه القدرة التي لا يتصف بها سوى الله قادر على إحياء الموتى وبعثهم من القبور، وإعادتهم للحساب والجزاء، والاصطدام بالحقيقة الكبرى القاطعة، وهي أن الدنيا مثل الساعة التي تمضي، وأن الآخرة دار الخلود والبقاء، وأن الإنسان مغرور مفتون، قاصر النظر حين يستغني بالدنيا الفانية عن الآخرة الخالدة الباقية، وحينئذ لا ينفع الندم، ولا نجاة لمن ظلم، قال الله تعالى موضحا هذه الأحوال:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٤ الى ٥٧]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)
«١» [الروم: ٣٠/ ٥٤- ٥٧] .
стр. 2009
هذه الآيات تبين أيضا أن الأوثان عاجزة عن الخلق والإيجاد، وأن الله هو الخلاق المبدع، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه. إن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان في أطوار متدرجة من الضعف إلى القوة، ثم العجز، خلقه جنينا في بطن أمه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم كوّن عظامه، ثم كسا العظام لحما، ثم ولد طفلا جميلا، وكل هذه مراحل ضعف، ثم صار شابّا قويّا، وهذه هي مرحلة القوة والشباب، ثم صار كهلا فشيخا عاجزا ذا شيبة ووقار، وهذه هي مرحلة ضعف من نوع آخر.
وهذا الانتقال المتتابع من طور إلى طور آخر دليل على القدرة الإلهية الخالقة التي لها آثار وبصمات واضحة، على كل مرحلة من مراحل الحياة الإنسانية، والله يخلق ويبدع ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، وهو تام العلم بأحوال مخلوقاته، كامل القدرة على كل ما يشاء. ومن خلق خلقا قادر على إعادته مرة أخرى. ومصير المخلوقات كلها إلى الجمع والحساب يوم القيامة.
ويوم تقوم القيامة ويبعث الله الناس من القبور، يقسم المجرمون الكافرون الآثمون أنهم ما أقاموا في الدنيا أو في القبور، إلا ساعة واحدة، أي مدة قليلة من الزمان، قاصدين من هذا القسم أنهم لم يدركوا الحقيقة الكبرى، ولم يمهلوا المدة الكافية للتأمّل والإيمان، والعمل والإحسان، فيعذروا على ما وقعوا فيه من تقصير، ومثل ذلك الصّرف عن الحقيقة والواقع في مدة المكوث في الدنيا، كانوا يصرفون عن الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب، والمراد أنهم صاروا كاذبين فيما قالوا: ما لبثنا غير ساعة، وأن إصرارهم على الكفر، صرفهم عن الاعتقاد الصحيح، وعن الإيمان باليوم الآخر.
ثم وصف الله تعالى جواب أهل الإيمان على أولئك الكافرين منكري البعث: وهو لقد لبثتم في علم الله وقضائه مدة طويلة في الدنيا، من يوم خلقكم إلى يوم بعثكم.
стр. 2010
وإن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره، غير أنكم كنتم تجهلون وقوعه، لتفريطكم في النظر والتأمّل في المستقبل الموعود.
ففي يوم القيامة لا ينفع أهل الظلم والكفر عذرهم عما قصّروا به، ولا تقبل منهم توبتهم، لأن وقت التوبة هو في دار الدنيا، وهي دار العمل، وأما الآخرة فهي دار الحساب والجزاء، والمراد لا يقبل منهم العذر، ولا ينفعهم الاعتذار، ولا يعاتبون على ذنوبهم، ولا يقبل منهم العذر لإزالة العتب، وإنما يعاقبون على ذنوبهم وسيئاتهم، لأن الحال حال قضاء وحكم، وتنفيذ للأحكام الصادرة، وليس المقام مقام اعتذار، فإن وقته قد فات وهو في الدنيا.
موقف الكفار من ضرب الأمثال القرآنية
لقد وقف كفار قريش موقفا قاسيا عنيدا من القرآن الكريم وبيانه، بسبب قسوة قلوبهم وغلظ طباعهم، على الرغم من تبسيط القرآن البيان، وقوة الإقناع، وإظهار الحق الساطع، وهذا الموقف أدى بهم إلى السقوط من التاريخ، والهزيمة والضياع، وإلى أن تصبح قلوبهم محجوبة عن نفاذ الخير إليها، وناسب ذلك الأمر بالصبر من النبي ﷺ ، وقد تحقق وعد الله له بالنصر، وثباته على الدعوة إلى ربه إلى أن وافاه الأجل، وأثلج الله صدره قبل ذلك بقدوم الوفود العربية إلى المدينة المنورة تعلن ولاءها للنبي، وإيمانها برسالته، والدفاع عنه دفاع الأبطال. وهذه كانت خاتمة سورة الروم في هذه الآيات الآتية:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
[الروم: ٣٠/ ٥٨- ٦٠] .
стр. 2011
هذا لون من ألوان البيان والإنذار السابق قبل إنزال العقاب وهذه دعوة صريحة هادئة تتجاوب مع العقول المتفتحة قبل الوقوع في ورطة الهزائم المتوالية، ولكن مشركي مكة بما عرفوا به من قسوة الطباع، لم يذعنوا لنداء الفكر، على الرغم من أن الله تعالى أوضح لهم الحق، وضرب لهم الأمثال الدالة على وحدانية الله تعالى، وعلى إمكان البعث وتحقيقه، وعلى صدق النبي ﷺ ، وإخلاصه وتفانيه في تبليغ دعوة ربه.
وتالله أيها النبي لو جئتهم بأي آية تبين لهم الحق، لا يصدقون بها، ويكفرون، ويصفون أهل الحق بالأباطيل، وينعتون الآيات بأنها خرافة وسحر، وأن النبي ومن آمن معه جماعة مبطلون، يتبعون السحر والباطل.
وترتب على إعراضهم عن الإيمان عنادا واستكبارا أن ختم الله على قلوبهم، وتحتم عليهم الكفر، لسوء استعدادهم، وإصرارهم على تقليد آبائهم وأجدادهم، من غير وعي ولا تبصر، فلم تعد قلوبهم يدخلها النور، بسبب العناد، والجهالة.
وموقف العناد يتطلب الوقوف بحزم وصبر أمام هؤلاء الكفار المعاندين، لذا أمر الله نبيه بأن يعتصم بالصبر على أذى المشركين، وبمتابعة تبليغ رسالته، وقوّى الله نفسه بتحقيق الوعد، فإن وعد الله الذي وعدك به أيها النبي من نصره إياك عليهم، حق ثابت لا شك فيه، ولا بد من إنجازه وإنفاذه.
ثم نهى الله نبيه عن الانفعال والاهتزاز لكلام المشركين، أو التحرك واضطراب النفس لأقوالهم، إذ هم لا يقين لهم ولا بصيرة، فلا يحملنك شيء على الخفة والطيش، والقلق، جزعا من أقوالهم وأفعالهم، فإنهم قوم ضالون، وتابع أداء رسالتك، فإنها رسالة الحق والنور، والخير، والاستقامة، ولا يستفزنك الذين لا يوقنون بالله ولا باليوم الآخر، فالله ناصرك وحافظك من الناس، وخاذلهم وهازمهم هزيمة منكرة.
стр. 2012
وإذا كان هذا الخطاب بالصبر موجها للنبي ﷺ ، فإن المراد به أمته، فعلى الأمة أن تصبر في تبليغ الدعوة الإسلامية لكل أمم الأرض، وأن تثبت في بيان أصول الدعوة إلى الإيمان، لأن حبل الخير متصل دائم إلى يوم القيامة، وحبل الخير لا يكون إلا بجهود الدعاة إلى الله تعالى.
ولا يضير الداعية إلى ربه أن يقف الكافر الجاحد موقف العناد، والتكبر، أو السخرية والاستهزاء، لأن هذه هي مواقف الجهلة المستبدين، الذين لا يصغون لنداء العقل والوجدان، والتأمل في مشاهدات الكون، الدالة على وجود الله وسلطانه، وقدرته، وتوحيده، وتفرده بالخلق والإيجاد.
إن إشراقة القلب بالإيمان لا تحتاج إلى جهد كبير، فمن أصغى لنداء العقل الحر السوي، وتأمل في خزائن الكون وأسراره، وحاكم محاكمة عقلية سريعة في ربط الأشياء بأسبابها، سهل عليه الانصياع لقواعد الإيمان الصحيحة، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ومن وجد حلاوة الإيمان في قلبه، بادر إلى توسيع آفاق المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وسارع إلى طاعة الله في كل مأموراته ومنهياته، وحينئذ يجد السعادة والطمأنينة تغمر قلبه، وتفيض عليه بالفيوضات الإلهية السخية سخاء لا حدود له.
стр. 2013
تفسير سورة لقمان
مزايا القرآن وأهل الإيمان
إن أعظم هدية ثمينة للبشرية هي هدية إنزال القرآن الكريم، بما اشتمل عليه من بيان الدستور الإسلامي، والأوامر والنواهي، وأحكام الشريعة، وآداب الإنسان وتربيته تربية قويمة، تصل به إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، والنجاة من العذاب والمهالك. فمن آمن بالقرآن كلام الله تعالى، استضاء قلبه بالإيمان، وأدرك أسرار الحياة الصحيحة، وعلم بأحوال المستقبل الذي ينتظره، من غير أن يملك فيه إحداث أي تغيير أو تعديل أو إضافة أو نقص، لأنه يجد في العقل إرشادا، وفي النفس استجابة وهوى صحيحا، وفي السلوك والمنهج أصالة وقوة وسدادا، وهذا ما أبانته الآيات في مطلع سورة لقمان، حيث جمع الله في ذلك المطلع بين بيان خصائص القرآن، وصفات المؤمنين به حق الإيمان، قال الله تعالى:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
[لقمان: ٣١/ ١- ٥] .
سورة لقمان مكية غير آيتين، أولهما- كما قال قتادة- وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [٢٧] . والآيات المكية تعنى بغرس أصول العقيدة الصحيحة، ونشر الفضيلة، ومقاومة الرذيلة، وبيان عيوب المجتمع الجاهلي، من أجل تجاوز انحرافاته وفوضويته، والتخلص من سيئاته وموبقاته.
стр. 2014
افتتحت الآيات الكريمة بأحرف الم (١) للتنبيه إلى خطورة ما يتلى بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن، تجمع بين سمو البلاغة والنظم، وبين جلال المعاني والتوجيهات، وتقترن هذه الأحرف في الأعم الأغلب بالكلام عن القرآن الكريم للربط بين هذه الحروف، وبين مادة القرآن كتاب البشرية جمعاء.
تلك هي آيات القرآن المتميزة بالحكمة التي لا خلل فيها ولا عوج، ولا تتناقض ولا تتعارض مع بعضها، وإنما هي آيات بينات واضحات.
والغاية من تنزيل القرآن الكريم: هي أنه هداية للطريق الأقوم الصحيح، وإنقاذ من الجهالة والضلالة، وإسعاد للبشرية، ورحمة واضحة للذين أحسنوا العمل، وأتقنوا الفعل، واتبعوا الشريعة، وأقاموا فريضة الصلاة في أوقاتها وكيفياتها المشروعة دون زيادة أو نقص، وآمنوا بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء عدل، ورغبوا إلى الله في الثواب، بقصد ابتغاء مرضاة الله تعالى.
هؤلاء المؤمنون الذين أصلحوا العقيدة والعمل: هم وحدهم لا غيرهم أهل الهداية والفلاح من ربهم، وأهل النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
إن الله تعالى وصف المؤمنين بصفة المحسنين، لأنهم أيقنوا بالبعث واليوم الآخر، وآمنوا بما جاء به الرسول ﷺ ، وأقاموا الصلاة بخشوع، تامة الأركان والشرائط، وأدّوا الزكاة الفريضة الاجتماعية التي تسهم في تخفيف ويلات الفقر والحرمان، وهذا منهاج يجمع بين العبادة البدنية لإرضاء الله كما يريد في الصلاة المشروعة، وبين العبادة المالية، لسد حاجات المحتاجين، وإنقاذ الفقراء والمساكين. ومن أوصافهم: الإخلاص وعبادة الله تعالى، كما
جاء في قول رسول الله ﷺ حين سأله
стр. 2015
جبريل عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» «١» .
يطالب القرآن الكريم العالم المؤمن كله بأن يكونوا من أهل الإحسان في النية والقول والعمل، فبالنية يتحقق الإخلاص لرب العالمين، وبالقول الحسن يتم التعبير عما يكنّ في القلب من إعلان الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وبالفعل الحسن تؤدى الصلاة والزكاة على نحو متقن، كما قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) [البينة: ٩٨/ ٥] .
وصلاح القلب بالنية المخلصة والإيمان الحق، مع صلاح القول، وصلاح العمل يحقق كل ذلك هدف الإسلام الأمثل، لتحقيق استقامة النفس، وتصحيح الكلام والتأدب بالأدب القويم، وتقويم السلوك والأعمال التي هي معيار تقدم المجتمع ورقي البشرية.
أهل اللهو وأهل العمل الصالح
تميزت مجموعات الآيات القرآنية الواردة بإيجازها واختصارها: بعقد موازنة بين الأضداد، وتعارض الفئات، ليعرف الناس ألوان الفرق، ويتبينوا الهدى من الضلال، ويعرفوا مصير كل فئة أو فرقة، لأن كل موازنة قرآنية يعقبها الله تعالى ببيان ثمرات الأعمال والأفعال، والثمرة متفاوتة، فأهل اللهو من الكافرين لهم العذاب الأليم، وأهل الإيمان والعمل الصالح لهم المقام الكريم. والطريق واضح
стр. 2016
وسهل، فإن البعد عن هداية القرآن يكون بسبب العناد والاستكبار، وهذا داء ليس من الصعوبة التخلص منه. والإقبال على هداية القرآن لا يحتاج لغير الإيمان الصحيح، واستقامة السلوك والعمل بما يرضي الله تعالى، من مأمورات نافعة قليلة، واجتناب منهيات ضارة محدودة، قال الله تعالى مبينا هذين المنهجين:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٦ الى ٩]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
«١» «٢» [لقمان: ٣١/ ٦- ٩] .
الآية الأولى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ نزلت- فيما ذكر مقاتل- في النضر بن الحارث، كان يخرج إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رستم وإسفنديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.
والمعنى: بعض الناس يستبدل بالنافع الضرر، وبالقرآن الحكايات والأساطير الفارغة، فيشتري لهو الحديث من غناء وفجور ونحوه، وهو المقترن بالكفر، من أجل صرف الناس عن استماع القرآن، وإضلالهم عن الدين الحق: دين الإسلام، بغير علم صحيح، ويتخذ آيات الله مهزوءا بها، وأولئك وهم دهاقنة الكفر والضلال، لهم عذاب مؤلم في نار جهنم أشد الإيلام. واللهو: كل باطل ألهى عن الخير.
وهذه الآية التي تذم اللهو الباطل تدل على تحريم مبتدعات الطرقات الصوفية من سماع الطبول والمزامير أثناء الذكر. ومن يشتري لهو الحديث الباطل إذا تليت عليه
стр. 2017
آيات القرآن أدبر وأعرض عنها متكبرا متجبرا، وأصمّ أذنيه عن سماعها، كأن في كلتا أذنيه ثقلا وصمما، لأنه يتأذى بها، ولا ينتفع منها.
ومن أجل بيان الفرق بين الأشقياء والسعداء، أوضح الله تعالى أن الذين آمنوا بالله ربا واحدا لا شريك له، وصدقوا رسل الله الكرام من غير استثناء أحد، وعملوا صالح الأعمال بأداء الفرائض والتزام الأوامر الشرعية، واجتناب المناهي والمفاسد، أولئك لهم جنات النعيم، يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والطيبات من المأكل والمشرب والملبس والمراكب وغيرها، وهم فيها مقيمون على الدوام، لا يتحولون عنها ولا يملّون.
وهذا كائن لا محالة، ووعد كريم من الله الذي لا يخلف وعده، فهو وعد حق ثابت، صادر من الله تعالى القوي القاهر الذي لا يغلب، الحكيم الذي يتقن كل شيء، ويضعه في موضعه المناسب له، ويصدر عنه كل قول وفعل رشيد، بقصد هداية الناس. وتلك الهداية هي مهمة القرآن الكريم، فهو كتاب حق وإرشاد وتقويم، ومنار لكل خير، وموضع كل عزة ونصر، وقد جاءت هذه الأوصاف للقرآن في آيات كثيرة، منها: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ١٧/ ١٧] .
ويؤكد الله تعالى مهمة القرآن الإصلاحية في مناسبات متعددة، لحمل الناس على الاستقامة والرشاد، كما في قول الله تعالى: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) [فصلت: ٤١/ ٤٤] . وفي قول الله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ١٧/ ٨٢] .
وأما بعد هذا البيان والإعذار، فيكون المعرضون عن القرآن غير معذورين،
стр. 2018
لاختيارهم بأنفسهم طريق الغواية والضلال، ومعاداة هداية الله السابغة. وهذه الآيات لبيان حال الكفرة وتوعدهم بالنار على أفعالهم، ثم بيان أحوال المؤمنين وما وعدهم به الله من جنات النعيم، ليتبين الفرق.
خلق السماوات والأرض
يتكرر في القرآن الكريم إيراد الأدلة والبراهين الحسية المشاهدة على إثبات قدرة الله تعالى ووجوده ووحدانيته، مثل إنزال المطر، وخلق الإنسان ومروره بأطوار معينة، وخلق السماوات والأرض وما بينهما، والخلق والإبداع دليل قاطع على وجود الله وقدرته، لذا تحدى الله به عبدة الأوثان وغيرهم من المشركين لإدراك الفرق الواضح بين أوثانهم العاجزة عن إيجاد شيء، وعن جلب النفع لأحد أو دفع الضّر عنه، وبين الله القادر على كل شيء، ومنها الخلق والإحياء، والإماتة والبعث، ويؤدي ذلك كله لإثبات الوحدانية لله تعالى، وإبطال الشرك والوثنية، والدعوة لاتباع الحق الذي جاءت به الرسل، قال الله تعالى مبينا قدرته في خلق السماوات والأرض:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٠ الى ١١]
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)
[لقمان: ٣١/ ١٠- ١١] .
من أدلة القدرة الإلهية الفائقة كل حد أن الله تعالى خلق السماوات السبع بغير أعمدة، مرئية أو غير مرئية، فلا يرى أحد بالعين المجردة ولا بالمكبرات السماوية الدقيقة وجود أعمدة للسماوات، وهي قائمة بقدرة الله تعالى، ويظن الناظر أن السماوات كالأرض في الظاهر مبسوطة، وهي في الحقيقة مستديرة، لقول الله عز
стр. 2019
وجل: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٢١/ ٣٣] . والفلك: اسم لشيء مستدير. وهي على أي حال مخلوقة بقدرة الله تعالى، لا بالمصادفة ولا بالطبيعة، وهي فضاء، والفضاء لا نهاية له، ولا تزول إلا بقدرة الله تعالى.
وجعل الله في الأرض جبالا شوامخ ثوابت، بثّت في الأرض وأرستها وثقّلتها، لئلا تضطرب بأهلها، وتغمرها مياه البحار والمحيطات المحيطة بها، ومن المعلوم أن المياه أربعة أخماس الأرض، واليابسة هي الخمس.
ونشر الله في الأرض كل نوع من أنواع الحيوان التي لا يحصى عددها، ولا يعلم أشكالها وأنواعها إلا خالقها، والمخلوقات البحرية كما قرر العلماء أكثر من المخلوقات البرية. وأنزل الله من السماء أو السحاب مطرا يكون سببا لإنبات كل صنف كريم، أي حسن المنظر، كثير المنفعة، وافر العطاء والخير متقن الصنعة والتحكم.
أمام هذه المخلوقات العجيبة، والأصناف البديعة، والخيرات الإلهية العميمة، كيف يليق بالإنسان جحود خالقها، وترك عبادته، لذا وبخ الله تعالى المشركين الذين يشركون مع الله إلها آخر، ونبههم بقوله: هذا المذكور من المخلوقات: هو من خلق الله وفعله وتقديره وحده لا شريك له في ذلك. والخلق: بمعنى المخلوق. فأخبروني أيها المشركون: ماذا خلق الذين تعبدونهم من غيره من الأصنام والأنداد والجمادات التي لا نفع فيها ولا ضر؟! وبعد توجيه هذا التوبيخ وإظهار الحجة: وصف الله أولئك المشركين بالضلال، فهم الظالمون الضالون في إشراكهم مع الله غيره، حيث قال الله تعالى: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي بل إن هؤلاء المشركين الذين عبدوا مع الله إلها آخر، في جهل وعمى، وانحراف وكفر واضح ظاهر، لا خفاء فيه ولا شبهة لكل من تأمله. إنه
стр. 2020
تعالى جعلهم في غاية الضلال وأقصاه. والمراد بسؤالهم أن يوجدوا ما خلق الأصنام والأوثان وغيرها ممن عبد: أنهم لم يخلقوا شيئا، بل هذا الذي فيه قريش هو ضلال مبين.
إن التحدي بإيجاد شيء وخلقه هو أكبر وأعظم دليل على وجود الله وقدرته، ولا يستوي الخالق وغير الخالق، كما جاء في آية أخرى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٦/ ١٧] .
وصايا لقمان الحكيم لابنه
- ١- الشكر لله والتحذير من الشرك ومن عقوق الوالدين
إن فساد عقائد المشركين يرشد إليه العقل السديد والحكمة، وإن لم يكن هناك نبوة، بدليل أن لقمان الحكيم بحكمة الله تعالى: وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعمل، أرشده عقله إلى إثبات توحيد الله وعبادته، والتخلق بالخلق الكريم من غير وساطة نبي أو رسول.. ولم يكن لقمان على الراجح نبيا، وإنما كان رجلا صالحا كالخضر ﵇،
قال ابن عمر ﵄ فيما أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني: سمعت النبي ﷺ يقول: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكير، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنّ الله عليه بالحكمة وخيّره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: ربّ إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة، فإنك ستعصمني» .
وكان لقمان قاضيا في بني إسرائيل، نوبيا أسود. وحكمه كثيرة مأثورة، قيل له:
стр. 2021
أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إذا رآه الناس مسيئا. وهذه نصائحه في قول الله تعالى:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ١٥]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)
[لقمان: ٣١/ ١٢- ١٥] .
المعنى: تالله لقد أعطينا لقمان الحكمة: وهي العلم النافع والعمل به، ومن مقتضى الحكمة: أن اشكر لله شكرا جميلا على نعمه ومواهبه، ومن يشكر الله فإنما يشكر لنفسه، أي يحقق النفع والثواب لنفسه، وينقذها من العذاب، ومن جحد نعمة الله عليه، فأشرك به غيره، وعصى أوامره فإنه يسيء إلى نفسه، ولا يضر أحدا سوى ذاته، فإن الله غني عن العباد وشكرهم، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، محمود، أي مستحق الحمد بصفاته وذاته، فهذا أمر بالشكر.
ثم حذر لقمان ابنه من الشرك بالله، فاذكر أيها النبي حين أوصى لقمان ابنه بوصية أو موعظة، فقال له: يا ولدي، اعبد الله ولا تشرك به شيئا، فإن الشرك أعظم الظلم، لتعلّقه بأصل الاعتقاد فهو أعظم جرم، ولكونه وضع الشيء في غير موضعه، فهو ظلم محض لا موجب له ولا سبب لوجوده.
ثم تخلل بين وصايا لقمان وأثناء وعظه اعتراض بآيتين، موجهتين من الله تعالى، لا من كلام لقمان على الراجح، مفاد الآية الأولى: ولقد أمرنا الإنسان وألزمناه ببر والديه وطاعتهما وأداء حقوقهما، ولا سيما أمه، فإنها حملته في ضعف على ضعف،
стр. 2022
من الحمل إلى الطلق، إلى الولادة والنفاس، ثم الرضاع والفطام في مدة عامين، ثم تربيته ليلا ونهارا حتى صار كبيرا، وأمرناه بشكر الله على نعمته، وبشكر والديه، لأنهما سبب وجوده، ومصدر الإحسان إليه بعد الله تعالى.
وطاعة الوالدين لها حدود: وهي الأمر بالمعروف، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعلى هذا، فإن ألحّ والداك في الطلب على أن تشرك بالله في عبادته غيره مما لا تعلم أنه شريك لله أصلا، فلا تقبل ذلك منهما، ولا تطعهما فيما أمراك به من الشرك أو العصيان.
ولكن صاحب والديك الكافرين في الدنيا مصاحبة كريمة بالمعروف، بأن تحسن إليهما بالمال والعلاج، والتودد في الكلام والمحبة والرفق، والوفاء بالعهد وإكرام صديقهما، ما دام ذلك في الدنيا، واتبع سبيل المؤمنين التائبين في دينك، ولا تتبع في كفرهما سبيلهما فيه، ثم إلي مرجعكم جميعا، فأجازيك أيها الولد على إيمانك، وأجازيهما على كفرهما إن كفرا، وأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر.
نزلت هاتان الآيتان في شأن سعد بن أبي وقاص، وذلك أن أمه: وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية، حلفت ألا تأكل ولا تشرب، حتى يفارق ابنها سعد دينه، ويرجع إلى دين آبائه وقومه، فلجّ «١» سعد في الإسلام. فلما طال ذلك، ورأت أن سعدا لا يرجع عن دينه أكلت «٢» .
دلت الآيتان على الأمر ببر الوالدين، ثم حكم الله بأن ذلك لا يكون في الكفر والمعاصي لأن طاعة الأبوين لا تراعى في ارتكاب كبيرة، ولا في ترك فريضة عينية، وتلزم طاعتهما في المباحات. ويستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه المشاركة في
стр. 2023
الجهاد الكفائي، وإجابة الأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، وذلك في حال خوف الهلاك عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة.
وصايا لقمان الحكيم لابنه
- ٢- مجموعة أوامر ونواه أساسية
جمع لقمان الحكيم في وصايا ابنه بين أصول العقيدة وأصول الشريعة والأخلاق، فأمره بأن يقدر قدرة الله تعالى، وأن يقيم الصلاة، ويأمر بالمعروف الذي أمر به الله، وينهى عن المنكر الذي منعه الله تعالى، ويصبر على المصاب، ويحذر التكبر، ويمشي متواضعا هينا لينا، خافضا صوته، يكلم الناس بلطف، ويبتعد عن غلظة القول ورفع الصوت أكثر من اللازم. وهذه آيات كريمة تحكي لنا هذه الأوامر والنواهي:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٦ الى ١٩]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)
[لقمان: ٣١/ ١٦- ١٩] .
هذه بقية نصائح لقمان الحكيم لابنه، يقصد في النصيحة الأولى إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى، فيا بني، إن الحسنة أو السيئة لو كانت تساوي وزن أصغر شيء، مثل وزن حبة الخردل، وكانت في أخفى مكان، كجوف صخرة، أو في أعلى مكان
стр. 2024
كالسماوات، أو في أسفل موضع كباطن الأرض، أحضرها الله في يوم الحساب، إن الله لطيف العلم، يصل علمه إلى كل شيء خفي، خبير ببواطن الأمور. واللطف والعلم: صفتان لائقتان بإظهار غرائب القدرة الإلهية.
ويا بني، الزم إقامة الصلاة: وهي العبادة المخلصة لوجه الله، وأدّها كاملة الأركان والشروط، وأمر بالمعروف: وهو الذي يقره الشرع الإلهي، وانه عن المنكر:
وهو الذي يمنعه الشرع الإلهي، واصبر على المصيبة والشدائد والأذى، إن ذلك المذكور: من عزائم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به. والصبر هنا للحض على تغيير المنكر وإن نالك ضرر. وهذا إشعار بأن مغيّر المنكر يؤذى أحيانا، وهذا على جهة الندب، لا على سبيل الإلزام، وهذه الأوامر تشمل عظائم الطاعات والفضائل أجمع.
ويا بني لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلموك تكبرا واحتقارا، أي بل كن متواضعا سهلا هينا لينا، منبسط الوجه، مستهل البشر. ولا تسر في الأرض مختالا متبخترا، جبارا عنيدا، فإن تلك المشية يبغضها الله تعالى، والله يعاقب كل مختال في مشيه، معجب في نفسه، فخور على غيره.
وامش مشيا متوسطا معتدلا، ليس بالبطيء المستضعف تزهدا، ولا بالسريع المفرط الذي يثب وثب الشيطان. والمشي مرحا: هو في غير شغل ولغير حاجة.
ومشاة المرح: هم الملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح: مختال في مشيته.
ولا ترفع صوتك رفعا شديدا لا فائدة منه، وأخفضه، فإن شدة الصوت تؤذي آلة السمع، وتدل على الغرور، والاعتزاز المفرط بالنفس، وعدم الاكتراث بالغير. وإن اعتدال الصوت أوقر للمتكلم، وأقرب لاستيعاب الكلام ووعيه وفهمه. وإن رفع الصوت أكثر من اللازم يشبه صوت الحمير، وإن أقبح الأصوات لصوت الحمير، وذلك مما يبغضه الله تعالى، لأن أوله زفير وآخره شهيق. وأنكر الأصوات، أي
стр. 2025
أقبح وأوحش وراد بكلمة لَصَوْتُ الْحَمِيرِ الصوت: اسم جنس، ولذلك جاء مفردا.
وفي ذلك دلالة على ذم رفع الصوت من غير حاجة، لأن التشبيه بصوت الحمار يقتضي غاية الذم. وأكد النبي ﷺ ذلك فيما
رواه الجماعة عن أبي هريرة قال: «إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا» .
ويلاحظ الحكمة في توجيه النصائح، فلما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم، ومستنكر الأخلاق، رسم له طريق الخلق الكريم الذي ينبغي له أن يستعمله، من القصد في المشي: وهو ألا يشتط في السرعة، ولا يرائي في الإبطاء، ولا يمشي مختالا متبخترا، ولا يرفع الصوت أكثر من المعتاد، لأن غض الصوت أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه.
إن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالله وبقدرته، وإلى عبادة الله وتوحيده، وإلى إقام الصلاة، والأمر بالفضيلة، ومحاربة الرذيلة، والتواضع واعتدال المشي، تلتقي مع مقتضى الحكمة التي يتوصل إليها الحكماء من خلال التجارب والمعاملة.
توبيخ الكافر على جحود النعمة
إن كفر الكافرين عقدة صعبة، وكارثة خطيرة، ومدعاة للتوبيخ واللوم، لذا وبخ القرآن الكريم أهل الشرك على شركهم، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عيانا وحسا في عالم السموات والأرض، وتسخير ما فيها لمنافعهم، كما وبخهم على جحودهم نعم الله الكثيرة الظاهرة والباطنة، وكل ذلك لحمل المشركين على تصحيح اعتقادهم،
стр. 2026
وشكر ربهم، والتوجه نحو ما يصلح أمر آخرتهم ودنياهم، وهذه آيات كريمة تدل على الغضب الإلهي، على سوء أفعال المشركين، فقال الله تعالى:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)
[لقمان: ٣١/ ٢٠- ٢١] .
هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وهو الله تعالى، وذلك أن تسخير هذه الأمور العظام كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات، إنما هو من الله المسخّر والمالك. لذا نبّه القرآن المشركين لهذا، قائلا لهم:
ألم تعلموا أيها المشركون دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله تعالى وقدرته على كل شيء، وإنعامه عليكم، فهو سبحانه الذي ذلّل لكم جميع ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها في الليل والنهار، ويسّر لكم جميع خزائن الأرض، من معادن وأنهار وبحار، وأشجار وزروع، وثمار، ونحو ذلك من منافع الغذاء والشراب، وأكمل عليكم نعمه الظاهرة والباطنة، أي المحسوسة والمعقولة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل. والظاهرة أيضا: هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير ذلك.
والباطنة: المعتقدات الصحيحة من الإيمان ونحوه، والعقل أو الفكر الإنساني.
وبعض الناس كالنضر بن الحارث ونظرائه من زعماء الوثنية في مكة وغيرها، على الرغم من إثبات الألوهية بالخلق والإنعام، يجادلون في توحيد الله وصفاته وإرسال الرسل، بغير دليل معقول، ولا حجة صحيحة، وإنما حجتهم التقليد الأعمى، للآباء والأجداد، واتباع الهوى والشيطان، لأنهم كانوا ينكرون وحدانية الله تعالى، ويشركون الأصنام في الألوهية، وليس عندهم علم واضح من هدى أو كتاب يبين لهم معتقدهم.
стр. 2027
وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، من الشرائع والأحكام الصائبة، لم يجدوا حجة لتركها إلا اتباع الآباء الأقدمين، فيما اعتقدوه من دين، وإلا التقليد المحض بغير حجة، وهذا عجيب، أيتبعونهم بلا دليل؟
ولو كان اعتقادهم قائما على الهوى وتزيين الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب جهنم، أو عذاب النار المسعّرة، أي فكأن القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم، ولو كان مصيرهم إلى السعير، والله يدعوهم إلى النجاة والثواب الجزيل والسعادة. وهذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار، يتضمن التهكم عليهم، وتسفيه عقولهم، والسخرية من آرائهم وأفكارهم.
إن محبة الله لعباده تجعله ينبه على فساد حال الكفرة، وسوء الاعتقاد، وقبح الأفعال، فهم يسيرون في حياتهم ويعبدون أصنامهم بلا هدى قلب، ولا نور بصيرة يقيمون بها حجة، ولا يتّبعون بذلك كتابا من الله يبشر بأنه وحي، بل ذلك ادعاء منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله تعالى، رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة، فسلكوا طريق الآباء والأجداد.
والعقل والمصلحة يقضيان بضرورة تصحيح الطريق ومنهج الاعتقاد المنحرف، والعودة إلى جادة العقيدة الصحيحة، وإلى العمل بكلام الله تعالى في القرآن المجيد، حتى لا يفجأهم القدر والموت، ويصادمهم يوم القيامة بأهواله ورهباته.
حال المؤمن والكافر
يتفاوت حال المؤمن والكافر تفاوتا كبيرا لا نظير له في الدنيا والآخرة. أما المؤمن في الدنيا: فهو ناعم البال، هادئ الضمير، مستقر النفس، يسعى في الحياة، ويفوض الأمر في النهاية إلى الله ، ويستمسك بما يوصله إلى الله، وأما في
стр. 2028
الآخرة فهو في نعيم دائم، وجنان تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر، وأما الكافر في الدنيا: فهو قلق البال، مضطرب النفس، يعيش في كمد وحسرة، ولا يعمل لهدف، فإن أحسن العمل استفاد فقط من حسن عمله في دنياه، ولم يفده شيئا في آخرته، وأما في الآخرة: فهو في عذاب مستمر، ونيران يتلظى بها، وحميم يصب فوق رأسه، وسخط وغضب من الله عليه. وهذا ما يفهم من الآيات الآتية:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)
«١» [لقمان: ٣١/ ٢٢- ٢٤] .
هذا بيان واضح لمصير المؤمن والكافر، ليتبين الفرق، وتتحرك النفوس إلى طلب الأفضل، ومعرفة الأسلم والأحكم. فمن يسلم، أي يخلص وجهه إلى الله تعالى ويستسلم به، أو يخلص العبادة والعمل إلى الله تعالى، ويخضع إلى أمره، ويتبع شرعه، ويتقن عمله، باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه وزجر، فقد ضمن لنفسه النجاة، وتعلّق بأوثق الوسائل الموصلة إلى رضوان الله تعالى، وسيلقى الجزاء الحسن على عمله، لأن مصير المخلوقات كلهم إلى الله سبحانه، فيجازي المتوكل عليه، المخلص عبادته إليه، أحسن الجزاء، كما يعاقب المسيء بأشد العذاب.
وقوله تعالى: يُسْلِمْ وَجْهَهُ الوجه هنا: هو الجزء المعروف، مأخوذ من المواجهة أستعير هنا للقصد، لأن القاصد للشيء هو مستقبله بوجهه، فاستعير ذلك للمعاني، وقوله سبحانه: وَهُوَ مُحْسِنٌ المحسن: هو الذي جمع القول والعمل.
وهو
في بيان النبي ﷺ : الذي يعبد الله كأنه يراه.
والعروة الوثقى: استعارة للأمر المنجي.
стр. 2029
ثم آنس الله نبيه ﵊ عن أساه وحزنه، لكفر قومه وإعراضهم، فأمره ألا يحزن لذلك، بل يعمد إلى ما كلّف به من التبليغ، وإرجاع كل شيء إلى الله تعالى، فلا تغتم أيها النبي ولا تجزع على كفر الكافرين، الذين كفروا بالله ورسوله، ودينه وقرآنه، ولا تأبه بهم، ولا تحزن عليهم، فإن مصيرهم إلى الله تعالى يوم القيامة، وفي الدنيا أيضا، فيجازيهم ربهم بالهلاك والعذاب، ولا تخفى عليه خافية منهم، لأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، ويعلم العلانية والظواهر كلها، ويخبرهم بما أضمرته صدورهم. وبِذاتِ الصُّدُورِ: ما فيها، والقصد من ذلك:
المعتقدات والآراء.
ثم أبان الله تعالى مقام الكفار في الدنيا، فذكر أنه سبحانه يمتعهم في عالم الدنيا بزخارفها وزينتها، تمتعا قليلا، أو زمانا ضئيلا، ثم يلجئهم ويلزمهم بعذاب شاقّ، ثقيل شديد عليهم، والمتاع القليل: هو العمر في الدنيا.
والغلظ: يكون في الماديات، وأستعير للمعنى، والمراد: الشدة، فيكون معنى (العذاب الغليظ) : المغلّظ الشديد.
إن كل عاقل يتأمل في نفسه قليلا، وفي مستقبله كثيرا، وفي الواقع المشاهد حوله وفي العبر والعظات المتكررة يوميا، يدرك إدراكا تاما أن العاقبة الحسنة، والمصير الأحسن: هو لأهل الإيمان، والإيمان أمر سهل: إنه حركة القلب واتجاهها نحو التصديق التام بالله تعالى، والاستسلام المطلق لأوامره ونواهيه، والتخلص من موروثات العقائد الباطلة، ومؤثرات البيئة الظالمة أو القائمة، وان هذا المتأمل والمبادر إلى الإيمان الصحيح بربه يتحرر من التقليد، ويشعر في قرارة نفسه أنه بالإيمان ينتقل من عالم الظلام والجهل، إلى عالم النور والإدراك والفهم، والله يوفق دائما للخير كما قال سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الأنعام: ٦/ ١٢٥.]
стр. 2030
دلائل القدرة الإلهية
- ١- الخلق والبعث والعلم الشامل
ناقش القرآن الكريم المشركين في ازدواجية عقيدتهم وفي حقيقة تدينهم، إنهم يقرّون بوجود الله تعالى، ويتضرعون إليه وحده وقت الشدة، ثم يعودون إلى كفرهم بعد النجاة، ويلازمون نسبة الشريك إلى الله، علما بأن كل شريك عاجز خاسر، والله تعالى هو القادر القاهر المنجي، الخالق لكل شيء، والباعث الأموات من القبور، والتام العلم بكل الموجودات، ولا تحصر معلومات الله ولا تنفد، ويطلع الله يوم القيامة كل إنسان بما قدم وأخر، قال الله تعالى مبينا أدلة قدرته الفائقة:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)
«١» [لقمان:
٣١/ ٢٥- ٢٨] .
الدليل الأول على قدرة الله تعالى: هو الخلق والإيجاد المبتدأ من غير مثال سبق، وهذا يعترف به المشركون، فلئن سألتهم: من الذي خلق السماوات والأرض؟
لأجابوا بأنه هو الله الخالق، فهو في أعماق نفوسهم معترفون بأن الله خالق السماوات والأرض، فقل أيها النبي إذن: الحمد لله على اعترافكم، وعلى ظهور الحجة عليكم، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنه لا يصح لأحد أن يعبد غير الله،
стр. 2031
وأن يتنبه إلى حقيقة المعبود. وعبر بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ للإضراب عن مقدّر، تقديره:
ليست دعواهم بحق، ونحو هذا. وأكثرهم مشرك، لا كلهم، لأن منهم من بادر إلى توحيد الله تعالى والإقرار بذلك، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وبعضهم أيضا معدّ أن يسلم.
ثم أخبر الله تعالى على جهة الحكم والفصل المبرم بأن الله له ملك السماوات والأرض وما فيهما، ملكا وخلقا وعبيدا وتصرفا، وليس ذلك لأحد سواه، ولا يستحق العبادة غيره، لأنه الغني عما سواه، وكل شيء مفتقر إليه، وهو المحمود في الأمور كلها، بذاته وصفاته. والمراد: وأقوال هؤلاء لا معنى لها ولا حقيقة، لأن المعبود بحق: هو الذي لا حاجة به في وجوده وكماله إلى شيء آخر.
ومن صفات الله تعالى: سعة علمه وأنه لا نفاد ولا حدود لمعلوماته فكلمات الله: المعلومات، فلو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا، أي حبرا، ومدّ البحر بسبعة أبحر معه، على سبيل المبالغة والاستقصاء والكثرة لا من أجل الحصر، فكتبت كلمات الله الدالة على عظمته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، إن الله قوي لا يغلب، حكيم في صنعه وأقواله وأفعاله. والغرض من الآية: الاعلام بكثرة كلمات الله تعالى، وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرّب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية الكثرة في علم البشر.
روي عن ابن عباس ﵄: أن سبب هذه الآية: أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عنينا بهذا القول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ١٧/ ٨٥] ونحن قد أوتينا التوراة، فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : «التوراة قليل من كثير» ونزلت هذه الآية: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ..
قال ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح.
стр. 2032
ثم ذكر الله تعالى أمر الخلق والبعث: أنه في الجميع وفي شخص واحد بالسواء، فليس خلق جميع الناس وبعثهم يوم القيامة، بالنسبة لقدرة الله، إلا مثل خلق نفس واحدة، الكل هيّن عليه، ولا يحتاج وجود الشيء وعدمه إلى تكرار الأمر وتوكيده، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على إيجاد نفس واحدة.
هذه الآية: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ.. نزلت في أبي بن خلف وأبي بن الأسدين، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السبّاق، قالوا للنبي ﷺ : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة!! فأنزل الله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.
إن إبداع السماوات والأرض، وإحاطة علم الله بجميع الموجودات، والقدرة الشاملة التامة على بعث الناس من قبورهم: هي دلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته الكاملة، ومن آمن بذلك وعرف صواب هذا الإيمان، هنّأ نفسه ومجتمعة بسلامة الإيمان.
دلائل القدرة الإلهية- ٢- تدرج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر وتسيير السفن
هذه أدلة أخرى على عظمة قدرة الله تعالى، وتعدادها لسدّ كل المنافذ أمام الشرك والمشركين، وهي تدرج الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وسائر الكواكب النيّرات، والتمكين من تسيير السفن في البحار والمحيطات، واللجوء إلى الله تعالى
стр. 2033
وحده حين التعرض للغرق وارتفاع الأمواج، فلم يبق بعد هذا الاستدلال عذر لأحد بالشرك والإشراك، وعبادة الأصنام والأوثان، وما على كل إنسان إلا أن يبادر إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، فذلك هو الحق والحقيقة، وكل ما سوى ذلك باطل، قال الله تعالى واصفا هذه الأدلة:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)
[لقمان: ٣١/ ٢٩- ٣٢] .
مطلع الآية الأولى: أَلَمْ تَرَ خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به جميع العالم. ومجمل الآية: أن الخالق المخترع هو الذين خلق الليل والنهار متدرجين متعاقبين. والمعنى: ألم تشاهد أن الله تعالى في شأن إيجاد الليل والنهار على هذا النحو من الزيادة والنقص، بحيث يقصر من أحدهما ويزيد من الآخر، ثم بالعكس، ليدلك دلالة على الموجود الخالق، ففي ذلك قسمة الزمان بحكمة بارئ العالم، ليدل على أنه لا رب غيره.
والله تعالى أيضا في عالم السماء ذلّل لنا الشمس والقمر، مصباحين نيّرين، لمصالح الخلق والمخلوقات ومنافعهم، كل منهما يسير بسرعة إلى غاية محدودة، وأن الله مطلع بدقة على جميع أعمال الناس، خيرها وشرها، ويجازيهم عليها، فالله هو الخالق لجميع الأشياء، والعالم بكل الأشياء.
والغاية من هذا البيان وإظهار الآيات وأدلة القدرة الإلهية: أن يعرف الناس أن
стр. 2034
الله هو الحق، أي الموجود الثابت المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه باطل زائل، فهو وحده سبحانه الإله، ولا تعدد في الآلهة، وهو الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وأنه تعالى العلي العظيم الذي لا أعلى منه، المرتفع على كل شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، شامل العزة، وكامل السلطان، وكل شيء في الوجود خاضع له.
ودليل آخر، ألم تعلم أيها النبي أيضا وكل مخاطب أن الله سخر البحر لتجري السفن فيه بأمره، أي بلطفه وإحسانه، وتهيئته الأسباب، ليرشدكم إلى معرفته، ويظهر لكم بعض آثار قدرته، فإنه تعالى لولا جعله القوة في الماء لحمل السفن، لما جرت بتأثير الرياح وغيرها من الطاقات المخترعة بإلهامه من فحم وكهرباء وذرة. إن في إيراد هذا الدليل وغيره لأدلة واضحة لكل صابر صبور وقت الشدة، وشاكر شكور وقت النعمة، لأن المؤمن يتذكر ربه في كل حال، فيصبر إذا أصابته نقمة، ويشكر إذا أتته نعمة. قال الشعبي: «الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر، واليقين: الإيمان كله» .
غير أن المشركين وأمثالهم قوم متناقضون، فإذا أشرفوا على الغرق، وأحاطت بهم أمواج البحر العالية أو العاتية كالجبال، وخافوا من الموت، عادوا إلى الفطرة، ودعوا الله دعاء خالصا، مشتملا على مزيد الضراعة والإنابة، لا يشركون به غيره، ويستغيثون به وحده، فلما نجوا برحمته وفضله ووصلوا إلى شاطئ البحر، ونزلوا إلى البر، فمنهم مقتصد في الكفر، يتجه فورا إلى توحيد إلى الله تعالى، ومنهم غدار ناقض للعهد، كافر بأنعم الله ، وما يكفر بآيات الله الكونية والقرآنية إلا كل ختّار أي غدار، قبيح الغدر، كفور، أي جحود بما أنعم الله عليه.
وذلك أن نعم الله تعالى على العباد كأنها عهود ومنن، يلزم عنها أداء شكرها،
стр. 2035
والعبادة لمسديها، فمن كفر بذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، فهان على الله تعذيبه، واستحق جزاء فعله.
والقصد من الآية: تبيان آية للعقول بأن الأصنام والأوثان لا شركة لها في الكون والنعمة ولا مدخل.
تقوى الله وعلم الغيب
إن رأس مال الإنسان المدخر في يوم القيامة: هو تقوى الله تعالى والخوف منه، وخشيته، والتقوى: التزام المأمورات، واجتناب المنهيات، فبالتقوى تصلح الدنيا، وينجو صاحبها في الآخرة، ومن اتقى ربه، عظمت نفسه، فلا يخاف أحدا في الوجود، ولا تذل نفسه لمخلوق، بسبب طمع في رزق أو مال أو جاه أو منصب، لأن التقوى تيسر الرزق، وتحيي الفؤاد وتملأ النفس طمأنينة وثقة بالله تعالى. هذا ما ينبغي على العبد، ويترك علم الغيب إلى الله تعالى، فإن الغيبيات لا يعلم بها أحد سوى الله ، لا من نبي أو رسول، أو ملك من الملائكة، أو ولي من الأولياء، أو أحد الناس العاديين، وقد أمر الله بالتقوى، وأخبر عن الغيبيات المختص بها في الآيات الآتية:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
[لقمان: ٣١/ ٣٣- ٣٤] .
هذا خطاب إلهي عام لجميع الناس بالأمر بتقوى الله ، وذلك بالقيام