← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وأن يتنبه إلى حقيقة المعبود. وعبر بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ للإضراب عن مقدّر، تقديره: ليست دعواهم بحق، ونحو هذا. وأكثرهم مشرك، لا كلهم، لأن منهم من بادر إلى توحيد الله تعالى والإقرار بذلك، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وبعضهم أيضا معدّ أن يسلم. ثم أخبر الله تعالى على جهة الحكم والفصل المبرم بأن الله له ملك السماوات والأرض وما فيهما، ملكا وخلقا وعبيدا وتصرفا، وليس ذلك لأحد سواه، ولا يستحق العبادة غيره، لأنه الغني عما سواه، وكل شيء مفتقر إليه، وهو المحمود في الأمور كلها، بذاته وصفاته. والمراد: وأقوال هؤلاء لا معنى لها ولا حقيقة، لأن المعبود بحق: هو الذي لا حاجة به في وجوده وكماله إلى شيء آخر. ومن صفات الله تعالى: سعة علمه وأنه لا نفاد ولا حدود لمعلوماته فكلمات الله: المعلومات، فلو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا، أي حبرا، ومدّ البحر بسبعة أبحر معه، على سبيل المبالغة والاستقصاء والكثرة لا من أجل الحصر، فكتبت كلمات الله الدالة على عظمته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، إن الله قوي لا يغلب، حكيم في صنعه وأقواله وأفعاله. والغرض من الآية: الاعلام بكثرة كلمات الله تعالى، وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرّب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية الكثرة في علم البشر. روي عن ابن عباس ﵄: أن سبب هذه الآية: أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عنينا بهذا القول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ١٧/ ٨٥] ونحن قد أوتينا التوراة، فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : «التوراة قليل من كثير» ونزلت هذه الآية: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ.. قال ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح.

стр. 2032

ثم ذكر الله تعالى أمر الخلق والبعث: أنه في الجميع وفي شخص واحد بالسواء، فليس خلق جميع الناس وبعثهم يوم القيامة، بالنسبة لقدرة الله، إلا مثل خلق نفس واحدة، الكل هيّن عليه، ولا يحتاج وجود الشيء وعدمه إلى تكرار الأمر وتوكيده، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على إيجاد نفس واحدة. هذه الآية: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ.. نزلت في أبي بن خلف وأبي بن الأسدين، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السبّاق، قالوا للنبي ﷺ : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة!! فأنزل الله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. إن إبداع السماوات والأرض، وإحاطة علم الله بجميع الموجودات، والقدرة الشاملة التامة على بعث الناس من قبورهم: هي دلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته الكاملة، ومن آمن بذلك وعرف صواب هذا الإيمان، هنّأ نفسه ومجتمعة بسلامة الإيمان. دلائل القدرة الإلهية- ٢- تدرج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر وتسيير السفن هذه أدلة أخرى على عظمة قدرة الله تعالى، وتعدادها لسدّ كل المنافذ أمام الشرك والمشركين، وهي تدرج الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وسائر الكواكب النيّرات، والتمكين من تسيير السفن في البحار والمحيطات، واللجوء إلى الله تعالى

стр. 2033

وحده حين التعرض للغرق وارتفاع الأمواج، فلم يبق بعد هذا الاستدلال عذر لأحد بالشرك والإشراك، وعبادة الأصنام والأوثان، وما على كل إنسان إلا أن يبادر إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، فذلك هو الحق والحقيقة، وكل ما سوى ذلك باطل، قال الله تعالى واصفا هذه الأدلة: [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) [لقمان: ٣١/ ٢٩- ٣٢] . مطلع الآية الأولى: أَلَمْ تَرَ خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به جميع العالم. ومجمل الآية: أن الخالق المخترع هو الذين خلق الليل والنهار متدرجين متعاقبين. والمعنى: ألم تشاهد أن الله تعالى في شأن إيجاد الليل والنهار على هذا النحو من الزيادة والنقص، بحيث يقصر من أحدهما ويزيد من الآخر، ثم بالعكس، ليدلك دلالة على الموجود الخالق، ففي ذلك قسمة الزمان بحكمة بارئ العالم، ليدل على أنه لا رب غيره. والله تعالى أيضا في عالم السماء ذلّل لنا الشمس والقمر، مصباحين نيّرين، لمصالح الخلق والمخلوقات ومنافعهم، كل منهما يسير بسرعة إلى غاية محدودة، وأن الله مطلع بدقة على جميع أعمال الناس، خيرها وشرها، ويجازيهم عليها، فالله هو الخالق لجميع الأشياء، والعالم بكل الأشياء. والغاية من هذا البيان وإظهار الآيات وأدلة القدرة الإلهية: أن يعرف الناس أن

стр. 2034

الله هو الحق، أي الموجود الثابت المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه باطل زائل، فهو وحده سبحانه الإله، ولا تعدد في الآلهة، وهو الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وأنه تعالى العلي العظيم الذي لا أعلى منه، المرتفع على كل شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، شامل العزة، وكامل السلطان، وكل شيء في الوجود خاضع له. ودليل آخر، ألم تعلم أيها النبي أيضا وكل مخاطب أن الله سخر البحر لتجري السفن فيه بأمره، أي بلطفه وإحسانه، وتهيئته الأسباب، ليرشدكم إلى معرفته، ويظهر لكم بعض آثار قدرته، فإنه تعالى لولا جعله القوة في الماء لحمل السفن، لما جرت بتأثير الرياح وغيرها من الطاقات المخترعة بإلهامه من فحم وكهرباء وذرة. إن في إيراد هذا الدليل وغيره لأدلة واضحة لكل صابر صبور وقت الشدة، وشاكر شكور وقت النعمة، لأن المؤمن يتذكر ربه في كل حال، فيصبر إذا أصابته نقمة، ويشكر إذا أتته نعمة. قال الشعبي: «الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر، واليقين: الإيمان كله» . غير أن المشركين وأمثالهم قوم متناقضون، فإذا أشرفوا على الغرق، وأحاطت بهم أمواج البحر العالية أو العاتية كالجبال، وخافوا من الموت، عادوا إلى الفطرة، ودعوا الله دعاء خالصا، مشتملا على مزيد الضراعة والإنابة، لا يشركون به غيره، ويستغيثون به وحده، فلما نجوا برحمته وفضله ووصلوا إلى شاطئ البحر، ونزلوا إلى البر، فمنهم مقتصد في الكفر، يتجه فورا إلى توحيد إلى الله تعالى، ومنهم غدار ناقض للعهد، كافر بأنعم الله ، وما يكفر بآيات الله الكونية والقرآنية إلا كل ختّار أي غدار، قبيح الغدر، كفور، أي جحود بما أنعم الله عليه. وذلك أن نعم الله تعالى على العباد كأنها عهود ومنن، يلزم عنها أداء شكرها،

стр. 2035

والعبادة لمسديها، فمن كفر بذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، فهان على الله تعذيبه، واستحق جزاء فعله. والقصد من الآية: تبيان آية للعقول بأن الأصنام والأوثان لا شركة لها في الكون والنعمة ولا مدخل. تقوى الله وعلم الغيب إن رأس مال الإنسان المدخر في يوم القيامة: هو تقوى الله تعالى والخوف منه، وخشيته، والتقوى: التزام المأمورات، واجتناب المنهيات، فبالتقوى تصلح الدنيا، وينجو صاحبها في الآخرة، ومن اتقى ربه، عظمت نفسه، فلا يخاف أحدا في الوجود، ولا تذل نفسه لمخلوق، بسبب طمع في رزق أو مال أو جاه أو منصب، لأن التقوى تيسر الرزق، وتحيي الفؤاد وتملأ النفس طمأنينة وثقة بالله تعالى. هذا ما ينبغي على العبد، ويترك علم الغيب إلى الله تعالى، فإن الغيبيات لا يعلم بها أحد سوى الله ، لا من نبي أو رسول، أو ملك من الملائكة، أو ولي من الأولياء، أو أحد الناس العاديين، وقد أمر الله بالتقوى، وأخبر عن الغيبيات المختص بها في الآيات الآتية: [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) [لقمان: ٣١/ ٣٣- ٣٤] . هذا خطاب إلهي عام لجميع الناس بالأمر بتقوى الله ، وذلك بالقيام

стр. 2036

بالفرائض والطاعات، واجتناب المناهي والمحظورات، والأمر بخشية الله وعظمته وسلطانه، والخوف من الحساب يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا يغني فيه والد عن ولد، ولا يدفع عنه شيئا، وكذلك لا يفيد المولود والده شيئا، حتى لو أراد أن يفديه بنفسه لم يقبل منه، لأنه لا يشفع أحد في غيره إلا بإذن من الله، كما قال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢/ ٢٥٥] . ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ١٠/ ٣] . ولا يفيد في ذلك اليوم إلا العمل الصالح المقدّم في الدنيا. ولا يشك أحد في حدوث ذلك اليوم، فإن وعد الله بالقيامة والحساب والجزاء أمر منجز ومؤكد الحصول، فلا تخدعنكم أيها الناس زخارف الحياة الدنيا، فتطمئنوا فيها، وتميلوا إليها، تاركين الاستعداد للآخرة، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله وإمهاله، والاعتماد على الأماني والتعرض للمغفرة، وعدم الاكتراث بالمعصية، ونسيان الآخرة، كما جاء في آية أخرى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [النساء: ٤/ ١٢١] . والغرور: الشيطان، في تفسير مجاهد والضحاك، أو هو الأمل والتسويف، أو التطميع بما لا يحصل. وقال سعيد بن جبير: معنى الآية أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة. ثم أخبر الله تعالى عن اختصاصه بالعلم بمفاتيح الغيب الخمسة، فلا يعلم بها أحد إلا الله، وإن شاء أعلم بها سواه وهي: - العلم بتوقيت حدوث يوم القيامة، فلا يعلم أحد وقت ذلك اليوم، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل. - وإنزال الغيث، أي المطر، فلا يعلم أحد بوقت نزول المطر ومكانه بالضبط، فإن أمر الله به، علمه الملك الموكل بإنزاله وهو ميكائيل أو غيره.

стр. 2037

- والعلم بخواص الأجنة في الأرحام من طبائع وصفات وتمام خلقه ونقصها، وأما معرفة الذكورة والأنوثة بالتجربة أو بالتصوير أو بالتحليل الحديث، فلا يغير شيئا من علم الله بجملة المعلومات المتعلقة بالجنين. - والعلم بمكاسب النفس وما تجنيه من خير أو شر في يوم غد، في الدنيا والآخرة.- والعلم بموضع موت النفس، في بلدها أو في غيرها من البلاد، وختم الله بيان هذه المواضع الخمسة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي إن علم الله علم شامل مطلق، لا يختص بهذه الأمور الخمسة، بل إنه سبحانه عليم بكل ظاهر وباطن، خبير بكل ما يتعلق بالأشياء. وسبب نزول هذه الآية: هو ما أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية هو الحارث بن عمرو، فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد، وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية.

стр. 2038

تفسير سورة السجدة إنزال القرآن وإبداع الخلق أثبت الله تعالى كون القرآن كلام الله بكونه معجزا لا يضارعه شيء، وليس كلام أحد من خلقه، وأقام الأدلة على وجوده وتوحيده وقدرته العظمى بخلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان وغيره في أحسن تقويم، وزوّده بمفاتيح المعرفة من السمع والبصر والفؤاد، ليشكر ربه، ويهتدي إلى خالقه، وليصلح حاله ومجتمعة، وهذا ما افتتحت به سورة السجدة التي كان النبي ﵌ يقرؤها كل يوم، قال جابر بن عبد الله: «ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ الم، تَنْزِيلُ السجدة، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» . قال الله تعالى: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩) [السجدة: ٣٢/ ١- ٩] .

стр. 2039

افتتحت هذه السورة بالأحرف الأبجدية المقطعة للتنبيه والتحدي وبيان إعجاز القرآن، لذا اقترنت هذه الحروف غالبا بالكلام عن القرآن والإشادة به. لقد أنزل الله هذا القرآن من عنده إنزالا لا شك فيه، من غير أدنى اعتبار لارتياب الكفرة، فهو تنزيل من رب العالمين: عالم الإنس والجن، ولا شك فيه، من جهة الله تعالى، وليس بسحر ولا شعر ولا سجع كهان. بل أيقولون زورا وبهتانا: اختلقه محمد من عنده، بل هو الحق الثابت، أي هو حق من عند الله رب محمد، أنزله إليه لينذر به قوما- أي قريشا ومن جاورهم والعالم كله- بأس الله وعذابه، إن كفروا وعصوا، ولم يأتهم منذر سابق من قبل النبي محمد ﷺ ، لعلهم يهتدون بإنذاره. والذي أنزل القرآن الكريم: هو الله تعالى خالق السماوات والأرض ومبدعهما وما بينهما، من غير مثال سابق، في مدة ستة أيام، ليست من الأيام المعروفة، ثم استوى على أعظم مخلوقاته: وهو العرش العظيم استواء يليق بذات الله وجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحديد بزمان أو مكان، وليس لكم أيها الناس ولا سيما الكفار ولي، أي ناصر ينصركم، ويدفع عنكم العذاب، ولا شافع يشفع لكم عنده إلا بإذنه، بل هو المالك المطلق لكل شيء، أفلا تتدبرون وتتعظون، فتؤمنوا بالله وحده لا شريك له. إن منزل القرآن: هو الذي يدبر أمر الكون كله، أي ينفذ الله تعالى قضاءه لجميع ما يشاؤه، ثم يرجع اليه خبر أمره وتنفيذه في يوم من أيام الدنيا، مقداره ألف سنة، مما تعدّون في هذه الحياة، لأن ما بين السماء والأرض خمس مائة سنة. والمعنى: أن الأمور تنفّذ من عنده، ثم يعود إليه عاقبة أمره. وذلك المدبّر لأمور الكون: هو العالم بجميع الأشياء، يعلم الغائب عن الأبصار،

стр. 2040

وهو المشاهد المعاين لها، وهو القوي الغالب القاهر، الرحيم التام الرحمة بعباده المؤمنين الطائعين التائبين. والرحيم: الراحم غيره، والرحمن: صفة لذات الله تعالى مختص بها لا يسمى بها أحد غيره. والمدبر للأمور كلها هو الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وبدأ خلق الإنسان آدم من طين، والطين من ماء وتراب، ثم جعل الله ذرية الإنسان يتناسلون من امتزاج سلالة متكونة من ماءي الرجل والمرأة، وهو ماء ضعيف: وهو النطفة. والسلالة: ما استل من الشيء، والنطفة: سلالة الإنسان. ثم بعد خلق الإنسان من تراب، جعله الله سويا مستقيما، فقوّم أعضاءه، وعدّلها وأتمها، ونفخ فيه الروح التي هي من أمر الله، ولا يعرف حقيقتها إنسان، وأنعم الله على الإنسان بالحواس المختلفة ليتعايش تعايشا سليما مع محيطه، وهي حواس كثيرة، منها السمع الذي تسمع به الأصوات، والبصر الذي تبصر به المرئيات، والعقل أو الفؤاد الذي يتم به التفكير والوعي والإدراك، والتمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر. لكنكم أيها الناس لا تقابلون هذه النعم بالوفاء والشكر والتقدير، وإنما تشكرون ربكم شكرا قليلا على هذه النعم التي رزقكم الله تعالى، والشكر: لا يكون باللسان فقط، وإنما باستعمال الحواس في طاعة الله ومرضاته. إنكار المشركين بالبعث لقد تلوثت عقائد الوثنيين بأمور ثلاثة: الشرك بالله بأن يعبدوا معه إلها آخر، وإنكار النبوة والوحي المنزل على قلب النبي ﷺ ، وإنكار البعث أو اليوم الآخر، فتصدى القرآن الكريم لهذه المواقف الباطلة، فأثبت لهم توحيد الله من خلال قدرته

стр. 2041

الفائقة، وأثبت لهم النبوة من خلال المواقف المشهودة والمعجزات المؤيد بها النبي، ورد ردا مفحما على إنكار البعث بأن القادر على ابتداء الخلق قادر على الإعادة، والإعادة أهون عليه، أي في تقدير الإنسان، وهما أي البدء والإعادة سواء بالنسبة لله ، وهذه آي تحكي باطل المشركين في إنكار البعث، قال الله تعالى: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٠ الى ١٤] وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) [السجدة: ٣٢/ ١٠- ١٤] . لقد استبعد المشركون الوثنيون المعاد بعقولهم البسيطة، وقالوا: أإذا متنا وصارت أجسادنا ترابا مفتتا ذاهبا في الأرض، أيمكن أن نعود خلقا جديدا بعد تلك الحال؟! وهذا منهم قياس لقدرة الله تعالى الخارقة على قدرة الإنسان المحدودة العاجزة. بل إنهم في الواقع جاحدون لقاء ربهم يوم القيامة للحساب والجزاء. فرد الله تعالى عليهم بقوله: قل أيها النبي للمشركين: إن ملك الموت عزرائيل الموكّل بقبض الأرواح يقبض أرواحكم في الوقت المحدد لانتهاء الأجل، ثم في نهاية الدنيا بعد الموت تعودون أحياء إلى ربكم، كما كنتم قبل الوفاة، وذلك في يوم المعاد. ثم أخبر الله تعالى عن حال المشركين في يوم البعث والحساب، بأسلوب فيه تعجيب لمحمد ﵌ وأمته من حال الكفرة ومما حلّ بهم، فلو تشاهد أيها النبي حين يقوم المشركون بين يدي ربهم، خافضي رؤوسهم من شدة الحياء والخزي والعار، لرأيت أمرا عجبا. وجواب (لو) محذوف، لأن حذفه أهول،

стр. 2042

إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله. والمجرمون: هم الكافرون، بدليل قولهم: إِنَّا مُوقِنُونَ أي إنهم كانوا في الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس: هو من الهول والذل والهم بحلول العذاب. وتراهم يقولون: ربنا نحن الآن نسمع قولك، ونطيع أمرك، لقد أبصرنا الحشر، ونسمع تصديقك للرسل، فارجعنا إلى دار الدنيا، نعمل فيها ما يرضيك من صالح الاعتقاد والقول والعمل، وقولهم: أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي ما كنا نخبر به في الدنيا، فكنا مكذبين به. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، بأن يخترع الإيمان في قلوبهم، ويلطف بهم لطفا يؤمنون به، ولكن ثبت قول الله وقضاؤه، وسبق منه الاعلام أنه لا بد من ملء جهنم من الجن والإنس أجمعين، ولكنهم اختاروا في الدنيا الكفر والضلال، وسوء الاعتقاد والعمل. لذا يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم بيوم القيامة، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، والآن نعاملكم معاملة المنسيين، وإن كان الله تعالى لا ينسى شيئا، وهذا من قبيل المشاكلة لأفعالهم، مثل قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: ٥٩/ ١٩] وقوله سبحانه: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [التوبة: ٩/ ٦٧] . ويقال لهم أيضا على سبيل التبكيت والتأكيد: ذوقوا عذاب النار الدائم الذي تخلدون فيه بسبب كفركم وتكذيبكم وسوء أعمالكم، وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بتكسبكم الآثام، وارتكابكم المعاصي. إن هذه الإنذارات والأوصاف الرهيبة تستوجب من العقلاء الحذر الشديد قبل الوقوع في مواقعها أو محطاتها، وقبل التعرض لألوان التوبيخ والتقريع بسبب سوء الاعتقاد والعمل في الدنيا. والسعيد: من اتعظ بغيره، والشقي: من حرم الإفادة من

стр. 2043

العبر والأحداث، فإن المصير حتمي، ولا منجاة من أحد الأمرين: إما الجنان، وإما النيران. جزاء المؤمنين والفاسقين إن ترجمة الإيمان إنما تكون بالخضوع ساجدين لله تعالى، وبتسبيحه وتحميده وبالإقبال على الرب في الصلاة في جوف الليل، ويكون جزاء المؤمنين الجنة. ولا يعقل في ميزان أحد التسوية بين المؤمن والفاسق. والفسق يكون بجحود الله تعالى وإنكار وحدانيته، وإنكار اليوم الآخر، ونبوة خاتم النبيين، ويكون جزاء الفاسقين النار. ومن رحمة الله تعالى تعريض الكافرين أو الفاسقين لشيء من العذاب القريب في الدنيا، لعلهم يرجعون عن غيهم وضلالهم. قال الله تعالى مبينا جزاء الفريقين: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٥ الى ٢٢] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) [السجدة: ٣٢/ ١٥- ٢٢] . المعنى: إنما يصدق بآيات القرآن والكون والرسل الذين إذا وعظوا بها واستمعوا لها بعد تلاوتها عليهم، سقطوا ساجدين لله على وجوههم، تذللا وخضوعا،

стр. 2044

وإقرارا بالعبودية، ينزهون الله في سجودهم عن الصاحبة والولد والشريك، ويحمدون الله على نعمه، فهم يجمعون بين التسبيح والتحميد، لا يستكبرون عن طاعة ربهم، والانقياد لأوامره. وهم أيضا يصلّون قيام الليل أو التهجد، تترفع وتبتعد جنوبهم أو جوانبهم عن مضاجع النوم والراحة، أي أماكن النوم، يدعون الله خوفا من العقاب، وطمعا بالرحمة وجزيل الثواب، وينفقون بعض أموالهم في سبيل الخير والإحسان. فلا تدري نفس على الإطلاق من ملائكة ورسل عظمة ومقدار ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذائذ التي تقرّ بها الأعين أي تفرح وتسرّ، جزاء عدلا مقابل صالح أعمالهم، التي عملوها بإخلاص في الدنيا، من غير سمعة ولا مراءاة، ومن أبسط المعقولات في قانون الجزاء الإلهي أو البشري أنه كيف يسوّى بين المؤمن بالله ورسوله، المطيع لأمره ونهيه، وبين الكافر الفاسق الخارج عن دائرة طاعة الله تعالى، المكذب رسل الله الكرام، إنهما لا يستويان في ميزان أحد، ولا في ميزان الله يوم القيامة. عن عطاء بن يسار: أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنهما تلاحيا، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية. وعليه يكون جزاء الفريقين مختلفا في الآخرة: أما الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال، فلهم جنات المأوى المستقر المريح، التي فيها ألوان النعيم، ثوابا وجزاء على أعمالهم الحسنة. وأصل النّزل: ما يعد للضيف من الطعام والشراب والمبيت، والمراد به هنا: ثوابا وجزاء. وأما الذين فسقوا، أي كفروا بالله تعالى، وعصوه وعملوا السيئات، وخرجوا عن دائرة الطاعة، فمأواهم النار التي يستقرون فيها، كلما عزموا على الخروج منها لشدة العذاب والأهوال، أعيدوا فيها خاسئين ذليلين، أي صاروا مخلّدين فيها،

стр. 2045

ويقال لهم: تذوقوا وتحملوا عذاب النار الذي كذبتم به في الدنيا، فإن الله أعدّه للظالمين الفاسقين. ورحمة من الله بعباده يذكرهم بألوان النقم الدنيوية، فإنه سبحانه يذيق الكفار والعصاة شيئا من العذاب الأقرب وهو عذاب الدنيا، من المصائب والآفات، كالجوع والقتل والسبي، قبل مجيء العذاب الأشد في يوم القيامة، ليرجعوا عن ضلالهم إلى الهدى والرشاد. والتعبير بكلمة (لعلهم) ليس للترجي، فهو مستحيل على الله تعالى، وإنما معناه: ليرجعوا عما هم عليه من الضلال. والسبب العام للعذاب: هو الإعراض عن هدي الله تعالى، فليس هناك أشد ظلما ممن ذكّره الله بآياته القرآنية ومعجزات رسله، ثم أدبر عنها، وهجرها وجحدها، كأنه لا يعرفها، لذا فإن الله سبحانه ينتقم أشد الانتقام من هؤلاء الكفار الذين كفروا بالله، واقترفوا المنكرات والموبقات. إن القرآن الكريم هدى ورحمة، لما فيه من بيان سابق قبل المفاجأة بألوان العقاب أو العذاب في الآخرة، كما أوضحت هذه الآيات. توجيهات وأوامر متعلقة بالرسالة في سورة السجدة إثبات للتوحيد والبعث والرسالة النبوية، وقد ختمت السورة بالتركيز على أمر الرسالة المحمدية بعد نبوة موسى وإنزال التوراة عليه، ليستمر العطاء الإلهي والإرشاد بين جميع الأمم والشعوب، وتتحقق الثمرة المرجوة بصلاح العقائد والأعمال، مع لفت النظر إلى ضرورة الاتعاظ والاعتبار بأحوال الأمم السابقة، وبمشاهد الكون والحياة، وتبشير النبي ﷺ بالنصر الحاسم، والإعراض عن المشركين، وانتظار المصير المرتقب فيهم، قال الله تعالى موضحا هذه المعاني:

стр. 2046

[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) [السجدة: ٣٢/ ٢٣- ٣٠] . هذه أخبار فيها عظة واقعية، أولها تطمين النبي ﵌ حول إيتائه الرسالة الكاملة، فلقد آتى الله موسى ﵇ التوراة. فلا تكن يا محمد في شك من لقائك الكتاب، فإنا آتيناك القرآن كما آتينا موسى التوراة، فأنت كغيرك من الرسل، والصلة قائمة بين الرسالتين، فإن التوراة جعلت هداية وإرشادا لبني إسرائيل، وكذلك القرآن المجيد هداية لأمتك أيها النبي محمد، والمتأخر ينسخ المتقدم. والمقصود من الآية: حمل اليهود على التصديق برسالة محمد ﷺ وتحريض المشركين أيضا على التصديق بتلك الرسالة، للتشابه القائم بين الرسالتين والمهمتين، في أصولهما المشتركة، وفي ذات ما أنزل على كل من موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ولقد جعلنا من بني إسرائيل أئمة يقتدى بهم، يدعون إلى الحق والخير والإيمان، بإذننا وتوفيقنا وإعانتنا، لما صبروا على طاعة الله وتنفيذ الدين الحق، وتصديق الرسل واتباعهم، وكانوا بآياتنا الدالة على التوحيد والقدرة الإلهية مصدّقين موقنين. إن ربك أيها النبي يقضي يوم القيامة بين عباده فيما اختلفوا فيه من قضايا

стр. 2047

الاعتقاد، والدين والحساب، والثواب والعقاب، والعمل، فيثيب الطائع بالجنة، ويعذب العاصي بالنار. أو لم يتبين لمكذبي الرسل كم، أي كثيرا ما أهلكنا من قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم، مثل عاد وثمود وقوم لوط، يمر المكذبون المشركون في أسفارهم بمساكنهم وديارهم المدمّرة، إن في ذلك التدمير لدلائل وعلامات على قدرة الله ، وعظات وعبرا لقوم يتعظون بها. أو لم يشاهد هؤلاء المكذبون بالبعث الوثنيون أننا قادرون على الإحياء، كما نسوق الماء من السماء إلى الأرض اليابسة، فنخرج به زرعا أخضر تأكل منه أنعامهم، وتتغذى به أجسامهم، وتتقوى به أبدانهم، أفلا يبصرون هذا بأعينهم، فيعلموا أننا قادرون على الإعادة بعد الموت، كإحياء الأرض بعد موتها؟! وهذا دليل على إقامة الحجة على المشركين في معنى الإيمان بالقدرة الإلهية والبعث، بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء، والسوق: هو بالسحاب. والأرض الجرز: الأرض العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش. ويتساءل هؤلاء المشركون عن موعد وقوع العذاب بهم، استبعادا وتكذيبا وعنادا، قائلين: ومتى يعذبنا الله بسببك، وأنت وصحبك ما نراكم إلا أذلة قليلين؟ إن كنتم صادقين في تهديدكم ووعيدكم. فوبخهم الله في الجواب بقوله: قل أيها النبي لهؤلاء المكذبين برسالتك: إن يوم الانتقام والقضاء الفصل النافذ: هو يوم القيامة الذي لا ينفع فيه إيمان الكافرين ولا توبتهم، ولا هم يؤخرون فيه بالإعادة إلى الدنيا للتوبة والإيمان والعمل الصالح، لأن قبول الإيمان إنما هو في دار الدنيا، فلا تستعجلوا العذاب، فهو واقع حتما. فأعرض أيها النبي عن هؤلاء المشركين، ولا تأبه بتكذيبهم، وتابع تبليغ رسالتك

стр. 2048

المنزلة إليك من ربك، وانتظر النصر الحاسم من الله الذي وعدك به، فإن الله سينجز لك ما وعدك به، وسينصرك على من خالفك وعاداك، إن الله تعالى لا يخلف الميعاد، وإنهم منتظرون الغلبة عليك والهلاك، فإن مصير الظالمين آت لا ريب فيه.

стр. 2049

تفسير سورة الأحزاب أحكام إسلامية صرفة الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية مستقلة عن الشرائع الأخرى، سواء كانت وضعية أو سماوية، لأنها شريعة خاتمة، تقرر أحكاما عامة ودائمة، لا تتغير ولا تتبدل، وتتميز بعلاجها لمشكلات وقضايا تعايش معها المجتمع العربي الجاهلي، ولكنها ليست صالحة للاستمرار، على خلاف بعض العادات النافعة، مثل التعاون في تحمل دية القتل الخطأ، والاعتدال في الحياة، كالسخاء والشجاعة، وولاية الولي على القاصر والولاية على المرأة في عقد زواجها، أما الذي لم يرتضه الإسلام فمثل العصيان، والنفاق، والظهار، والتبني، وادعاء تعدد القلب لدى الإنسان، وهذا ما أوضحته سورة الأحزاب في مطلعها حيث قال الله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) «١»

стр. 2050

«١» [الأحزاب: ٣٣/ ١- ٥] . ما أروع مطلع هذه الآية وتأثيرها العميق والبعيد في تربية القيادة الإسلامية والإصرار على المبدأ، والثبات على العقيدة. وسبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال: إن أهل مكة، ومنهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي ﷺ أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون واليهود في المدينة إن لم يرجع قتلوه، فنزلت الآيات. أمر الله النبي ﷺ بالتقوى: ومعناه المداومة على التقوى، ومتى أمر أحد بشيء هو به قائم، فمعناه المداومة، وحذره تعالى من طاعة الكافرين، والمنافقين وهم المظهرون للإيمان، وهم لا يبطنونه. والمعنى: يا أيها النبي اتق الله، أي دوام على التقوى بإطاعة أوامر الله، واجتناب محارمه، ولا تطع أهل الكفر والنفاق في شيء، واحذرهم، إن الله كان وما يزال تام العلم بعواقب الأمور، حكيما في أقواله وأفعاله، فهو أحق باتباع أوامره وطاعته. واتبع الوحي المنزل إليك من ربك، فإن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، والظاهر والباطن، ثم يجازيكم على أعمالكم. وفوض جميع أمورك وأحوالك إلى الله تعالى، وكفى بالله وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه، فذلك كاف مقنع، والوكيل: القائم بالأمر، المغني فيه عن كل شيء. وللإنسان قلب واحد، ولم يخلق الله فيه قلبين، ولا يجتمع في القلب الواحد

стр. 2051

الخوف من الله والخوف من غيره، فإذا كان الإنسان مؤمنا بالله ورسوله فلن يكون كافرا أو منافقا، والمعنى: لا يجتمع في قلب واحد اعتقادان، أو اتجاهان متضادان، يأمر أحدهما بشيء والآخر بضده. ولم يجعل الله الزوجات المظاهر منهن كالأمهات في الحرمة، بأن يشبه الرجل امرأته بإحدى محارمه، كأن يقول: أنت علي كظهر أمي، فذلك منكر من القول وزور. ولم يجعل الله أيضا الأدعياء المدعى بنوتهم بالتبني أبناء في الحقيقة، فالولد منسوب لأبيه الحقيقي، لا لمن يدعيه ابنا له، والتبني حرام، لمنافاته الحق والعدل، وهذه الآية لإبطال التبني. إن المذكور كله في الآية من الأمور الثلاثة: ادعاء القلبين، واجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع النسب: هو مجرد قول باللسان، لا يغير من الحقيقة، فلا يكون هناك قلبان لأحد، ولا تصبح الزوجة بالظهار أما، ولا يصبح الولد المتبنى ابنا في الحقيقة، والله تعالى هو الذي يقرر الحق الثابت والصدق والعدل والواقع، ويرشد إلى السبيل الأقوم الصحيح. وعليكم أن تنسبوا الأولاد الذين تبنيتموهم إلى آبائهم الحقيقيين، فذلك أعدل في حكم الله وشرعه، وأصوب من نسبة الابن لغير أبيه، فإن جهلتم آباء الأدعياء، فهم إخوة في الدين وأنصار لكم وبنو عمومتكم، ولا إثم عليكم بنسبة بعض الأولاد لغير آبائهم خطأ، أي نسيانا في الماضي قبل النهي، وإنما الإثم يحصل بتعمد نسبة الابن لغير أبيه، وهو يدري أنه ابن غيره، وكان الله واسع المغفرة، شامل الرحمة لمن تاب وأناب، أي لما مضى من فعلهم في ذلك، والمغفرة والرحمة صفتان مطّردتان في كل شيء. والخطأ في الآية: بمعنى النسيان، وليس مقابل العمد.

стр. 2052

ولاية النبي ﷺ على جميع المؤمنين النبي ﷺ قائد الأمة ومنقذها، وأبوته المعنوية ورحمته شاملة لجميع المؤمنين، لا يختص بها أحد، وهذا يستدعي محبة النبي أكثر من محبة الإنسان نفسه، وأن يمتثل أوامره، أحبت نفسه ذلك أم كرهته، والنبي كغيره من الأنبياء أو الرسل السابقين ملزم بتبليغ رسالة ربه على الوجه الأكمل، بمقتضى العهد والميثاق الإلهي عليهم، وذلك لينقسم الناس فريقين: فريق الصادقين المصدقين برسالات الأنبياء، وفريق المكذبين الجاحدين الذين يتنكرون لدعوات الأنبياء، ويثيب الله أهل الصدق والإيمان، ويعاقب أهل الكفر والضلال. قال الله تعالى مبينا هذه الأحكام العامة: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦ الى ٨] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) [الأحزاب: ٣٣/ ٦- ٨] . النبي ﵌ أرأف الناس بجماعة المؤمنين وأحرصهم على مصالحهم وإنقاذهم، فهو يدعوهم إلى النجاة، وهم يتجهون إلى الهلاك. قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ حين نزلت هذه الآية: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فعلي، أنا وليه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . وقد أزال الله تعالى بهذه الآية أحكاما كانت في صدر الإسلام، منها أن النبي ﷺ كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذكر الله تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وأزواج (زوجات) النبي ﷺ بمثابة الأمهات في الحرمة والاحترام والتعظيم

стр. 2053

والتقدير، وفي تحريم الزواج بهن بعد النبي، وفي غير ذلك هن أجنبيات، فلا يحل النظر إليهن، ولا الخلوة بهن، ولا ارثهن ونحو ذلك. والقرابة ذوو الأرحام أو العصبات أولى بعضهم ببعض في الميراث وغيره، وفي منافع بعضهم، فهم أولى وأحق من بقية المؤمنين المهاجرين والأنصار، وهذا إبطال لحكم التوارث بالنصرة بعد الهجرة الذي كان مقررا في بداية الأمر، حيث كانت الشريعة تقرر التوارث بأخوة الإسلام وبالهجرة، فإنه كان بالمدينة توارث في صدر الإسلام بهذين الوجهين: الهجرة والنصرة. لكن إذا ذهب الميراث بالتآخي، بقي حكم الوصية عند الموت، والإحسان في الحياة، والصلة والود، وهذا الحكم وهو توريث ذوي الأرحام حكم من الله تعالى مقرر في اللوح المحفوظ، لا يبدّل ولا يغير. ثم أخبر الله تعالى عن ميثاق النبيين بتبليغ الرسالة الإلهية، والمعنى: اذكر أيها الرسول أننا أخذنا العهد المؤكد على جميع الأنبياء، وبخاصة أولو العزم منهم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵈، أنهم يبلّغون رسالة ربهم إلى أقوامهم. وتخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر للتشريف والتعظيم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة من أجل التوحيد. وقدّم الله في الآية ذكر محمّد ﷺ ، على الرغم من تأخر زمانه، تشريفا خاصا له أيضا، وروى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث» . وكرّر الله في الآية أخذ الميثاق لمكانته. ووصف الميثاق بأنه غليظ أي شديد: إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوته. وأخذ الميثاق على الأنبياء في التبليغ بعد بعثتهم، لكي يجعل الله خلقه فرقتين- فاللام في «ليسأل» : لام كي وهو الأصوب من جعلها لام الصيرورة- فرقة يسألها الله عن

стр. 2054

صدقها، على معنى إقامة الحجة والتقرير، فتجيب بأنها قد صدقت الله تعالى في إيمانها وجميع أفعالها، فيثيبها الله على ذلك. وفرقة كفرت، فينالها ما أعد لها من العذاب الأليم. إن إنزال الشرائع بقصد الاختبار، ليعرف المؤمنون الصادقون، ويتميز الكافرون الجاحدون، بعد اختيار كل فريق اتجاهه. والصدق في هذه الآية: إما المضاد للكذب في القول، وإما صدق الأفعال واستقامتها. والكلام مشعر بضرورة اختيار الأفضل، وهو الإيمان الصحيح لتحقيق النجاة والفلاح، وترك أضداد الإيمان، من الكذب والنفاق والشرك والرياء. أحداث غزوة الخندق - ١- تجمع الأحزاب والمنافقين نزلت في سورة الأحزاب آيات بينات في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة في السنة الخامسة من الهجرة، حيث اجتمع حول المدينة عشرة آلاف أو أكثر، وهو أكبر تجمع للمشركين واليهود وأهل الكتاب، للقضاء على النبي ﷺ وصحبه، وهي تظاهرة خطيرة، بعد إجلاء يهود بني النضير من المدينة، فخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ ، وجسّروهم على ذلك، فتجمعت جموع قريش من كنانة وغطفان وبني أسد وأهل نجد وتهامة واليهود، وتحزبوا وأزمعوا السير إلى المدينة بقيادة أبي سفيان بن حرب، فعلم النبي ﷺ بذلك، فحفر الخندق حول ديار المدينة وحصّنه، وكان أمرا لم يعهده العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي ﵁، وجاء وصف هذه الغزوة في الآيات الآتية:

стр. 2055

[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٩ الى ١٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) «١» [الأحزاب: ٣٣/ ٩- ١٥] . المعنى: يا أيها المصدقون بالله ورسوله، اذكروا بالشكر والحمد نعمة الله التي أنعم بها عليكم، حين وقعتم في حصار جنود وحشود هائلة من قريش وغطفان واليهود وغيرهم، الذين جاؤوا لإبادتكم، فأرسلنا عليهم ريحا باردة في ليلة شاتية، وجنودا ملائكة لم تروها، أرعبتهم، فأكفأت القدور، وقلبت البيوت، وآثروا فك الحصار والنجاة، وكان الله مطلعا على جميع أعمالكم من حفر الخندق، والتعرض للشدائد، والاستعداد للقتال، والله يجازيكم عليها. واذكروا حين جاءتكم الأحزاب من أعلى الوادي جهة المشرق، ومن أسفل الوادي جهة المغرب، ومالت الأبصار عن موازينها، فلم تلتفت لكثرة العدو، وصرتم في حال رهيبة من شدة الخوف والفزع، وتظنون ألوان الظنون الحسنة والسيئة، أي تكادون تضطربون، فمنكم المؤمن الثابت، ومنكم المنافق المتردد المضطرب، وتقولون: ما هذا الخلف للوعد؟ وحينئذ اختبر الله المؤمنين، فظهر المؤمن المخلص، والمنافق الكاذب، واضطربوا اضطرابا شديدا من الفزع وتهديدات العدو.

стр. 2056

واذكروا حين قال المنافقون وضعفاء الإيمان لحداثة عهدهم بالإسلام ما وعدنا الله ورسوله من النصر على العدو إلا خداعا ووعدا باطلا زائفا، لا حقيقة له. والقائل: جماعة من اليهود والمنافقين نحو سبعين رجلا. واذكروا أيضا حين قالت طائفة من المنافقين: يا أهل المدينة، لا مجال لإقامتكم مع محمد وعسكره، ولا قرار لكم هنا، فارجعوا إلى بيوتكم في المدينة، لتسلموا من القتل والاستئصال. ويطلب في هذه الحال الرهيبة فريق من المنافقين الإذن في العودة إلى بيوتهم في المدينة، قائلين: إن بيوتنا ليست محصّنة، وهذا كذب وليست كذلك، بل هي حصينة خلافا لما يزعمون، وإنما قصدهم الهرب والفرار. والواقع أنهم ضعاف الإيمان، فلو دخل عليهم الأعداء من جوانب المدينة، واشتد الخوف الحقيقي، ثم طلب منهم العودة صراحة إلى الكفر، لفعلوا ذلك سريعا. ولم يمكثوا للجهاد إلا زمنا يسيرا، ممتلئا بالخوف والذعر. وقوله: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أي محاربة محمد ﷺ وأصحابه. والأقطار: النواحي. ولقد كان هؤلاء المنافقون، وهم بنو حارثة، عاهدوا الله يوم أحد قبل هذه المخاوف ألّا يولوا الأدبار، وألا يفروا من الزحف، ولكن الله يسألهم عن ذلك العهد والوفاء به يوم القيامة، ويجازيهم على نقضه. وقوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا معناه مطلوبا مقتضى، حتى يوفى به، وفيه توعد لقريش وأنصارهم. إن هذا الوصف لأحوال التجمع القرشي حول المدينة، يقتضي تذكر الأهوال وإدراك المخاطر، ثم المبادرة إلى الشكر وحمد الله على نعمته وفضله، إذ نجى الله المؤمنين، وهزم الكافرين الأحزاب وحده تعالى.

стр. 2057

غزوة الخندق- ٢- توبيخ المنافقين استحق المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر اللوم والتوبيخ الشديد، وافتضاح شأنهم وعلم الله بهم، وبيان صفاتهم السيئة، من البخل، والجبن، وسلاطة اللسان، والاعلام بأنهم في الحقيقة غير مؤمنين، وأنهم من شدة خوفهم ظنوا أن الأحزاب لم يرحلوا ولم ينهزموا، وإن عادوا إلى القتال لتمنوا الخروج من المدينة إلى البادية، وإن قاتلوا مع المؤمنين لم يقاتلوا إلا قتالا يسيرا، بسبب انهزامهم الداخلي وفقد الثقة بالنفس. وهذه آيات كريمات تبين هذه الأحوال، قال الله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١٦ الى ٢٠] قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠) [الأحزاب: ٣٣/ ١٦- ٢٠] . هذه تهديدات مبطنة وظاهرة، وتوبيخات شديدة لأولئك الذين نافقوا ولم يؤمنوا، أخبرهم أيها النبي أن الفرار لا ينجي من القدر، وأنهم لا يمتّعون في عالم الدنيا إلا تمتعا قليلا، أو زمانا يسيرا بل تنقطع أعمارهم في يسير من المدة. والقليل المستثنى: هو مدة الآجال المقررة.

стр. 2058

وقل لهم أيها الرسول، لا أحد يستطيع أن يمنعكم من مراد الله بكم، أو دفع السوء عنكم إذا قدّره الله عليكم، أو جلب الخير والنفع لكم إن أراده الله، ولن يجد هؤلاء المنافقون ومؤيدوهم مجيرا ولا نصيرا ينصرهم أو يشفع لهم. ثم حذرهم الله تعالى بدوام علمه بالخائنين، ووبخهم بإخبار نبيه أن الله يعلم الذين يعوقون الناس عن نصرة الرسول، ويمنعونهم بالأقوال والأفعال، ويعلم القائلين لإخوانهم وأصحابهم من أهل المدينة: تعالوا إلى ما نحن فيه من الإقامة في البساتين تحت الظلال والثمار، واتركوا محمدا والحرب معه، ولا يأتي المنافقون الحرب أو القتال، إلا زمنا قليلا أو شيئا يسيرا إذا اضطروا إليه، خوفا من الموت أو القتل. وهلم: بمعنى أقبل. وصفات هؤلاء المنافقين الشخصية قبيحة جدا: فهم أولا: قوم بخلاء أشحة بأنفسهم وأموالهم وجميع أحوالهم، لا يقدّمون منفعة للمؤمنين ولا لغيرهم بحق. وهم أيضا جبناء، فإذا ظهرت أمارات الخوف من العدو في بدء المعركة والقتال، لاذوا بك أيها النبي، ورأيتهم ينظرون إليك، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت، حذرا وخورا وضعفا، فإذا ذهب ذلك الخوف العظيم، بدت منهم سلاطة اللسان وتفاخروا بأنهم أهل النجدة والشجاعة، وهم في ذلك كاذبون مراوغون، وسبب هذه السلاطة أنهم لا خير فيهم ولا منهم، قد جمعوا بين الجبن والكذب ونضوب الخير، فهم جبناء في الحالين: حال البأس أو الشدة، وحين جمع الغنيمة. وسبب مرضهم الشديد الذي ينخر العظام أنهم فاقدو الإيمان، فهم غير مصدقين بالله ورسوله، وإن لم يظهروا الإيمان لفظا، فأبطل الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها

стр. 2059

في الظاهر مع المسلمين، وكان ذلك الإحباط أو الإبطال لثمرة الأعمال سهلا هينا عند الله تعالى، بمقتضى عدله وحكمته. وهذه الصفات القبيحة ملازمة لهم، فهم يظنون من شدة الخوف والفزع الذي ملأ قلوبهم أن أحزاب الكفر من قريش وغطفان وبني قريظة، لم يرحلوا عن المدينة، ولم ينهزموا، وأنهم عائدون إلى الحصار. وإذا استعد الأحزاب لقتال المؤمنين، تمنوا ألا يكونوا حاضرين معهم في المدينة وبين المقاتلين الصامدين، بل يكونون في البادية، يترقبون الهزيمة للمؤمنين، ويسألون عن أخبارهم وما كان من أمرهم مع العدو، شماتة بهم، وانتظارا لإيقاع الشر والسوء بهم، وجبنا وخوفا شديدا، وغرضهم من البداوة: أن يكونوا سالمين من القتال، ولو كانوا موجودين مع المؤمنين في ساحة المعركة ما قاتلوا إلا قتالا يسيرا، لجبنهم وخوفهم، وهذا إيناس للنبي، وتحقير لشأن المنافقين. غزوة الخندق- ٣- حال المؤمنين في القتال وغيره كان أهل الإيمان الحق مثلا أعلى في الشجاعة والبطولة والصبر على لقاء الأعداء، والصدق في المواقف كلها، والتأسي التام بالنبي ﷺ القدوة الحسنة، ولم تكن الأحداث تزيدهم إلا صلابة في الموقف وإصرارا على تحدي الأعداء، فاستحقوا أفضل الجزاء في الدار الآخرة، كما استحق المنافقون العذاب، والمشركون الهزيمة المنكرة والخيبة والفشل، وقد سجل القرآن العظيم هذه الأحوال المتباينة، وذلك في الآيات الآتية:

стр. 2060

[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢١ الى ٢٧] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) » [الأحزاب: ٣٣/ ٢١- ٢٧] . أوجب الله تعالى على كل مسلم أن يقتدي بالنبي ﵊، حين قاتل وصبر وجاد بنفسه، في وقعة الأحزاب وغيرها، والمعنى: لقد كان لكم معشر المؤمنين، أسوة أي قدوة صالحة يقتدى به وهو رسول الله، فهو مثل أعلى لكم في الشجاعة والإقدام، إذا كنتم تريدون ثواب الله وفضله على العمل الصالح، وتخشون الله وحسابه، وتذكرونه ذكرا كثيرا في جميع الأوقات، حبا به سبحانه وتعظيما له، وخشية منه، وطمعا في فضله ورحمته، فإن ذكر الله تعالى دافع لطاعته، ومانع من نقمته، والتأسي برسوله. وهذا عتاب للمتخلفين، وإرشاد للتأسي برسول الله. وبما أن ذكر الله من خير الأعمال نبّه عليه الحق . وموقف المؤمنين يختلف عن المنافقين، فحينما شاهد المؤمنون فئات الأحزاب وجموعهم الحاشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الاختبار بمجابهة الأعداء ثم يعقبه النصر القريب، وصدق الله ورسوله الوعد بالنصر، وما زاد المؤمنين تجمع

стр. 2061

الأعداء وتكاثرهم لحربهم، وصبرهم على البلاء، إلا إيمانا بالله ورسوله، واستسلاما لقضائه وقدره، وانقيادا لأمره ونهيه. والتسليم: الانقياد لأمر الله تعالى كيف جاء. ويختلف موقف المؤمنين أيضا عن المنافقين بالوفاء بالعهد، فهم صدقوا العهد مع الله تعالى، ووفوا بما عاهدوا الله عليه من الصبر في حال الشدة والبأس، فمنهم من انتهى أجله واستشهد كيوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر قضاء الله والشهادة وفاء بالعهد، وما بدّلوا عهدهم وما غيروه، بخلاف المنافقين الذين ولّوا الأدبار، وبدّلوا الأقوال ونقضوا العهود. وهذا ثناء من الله على عباده المؤمنين الذين عاهدوا الله على الاستقامة التامة، فوفوا نذورهم وعهودهم، قال الحسن: قضى نحبه: مات على ما عهد. إن تعرض المؤمنين للمحن والبلايا واختبارهم بالخوف وملاقاة الأعداء، من أجل تمييز الخبيث من الطيب، ومكافأة الصادقين في إيمانهم، بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به ومحافظتهم عليه، ولتعذيب المنافقين الذين كذبوا، ونقضوا العهد، وأخلفوا الأوامر واعتذروا بالأعذار الكاذبة، فاستحقوا العذاب واللوم. إن الله تعالى كان وما يزال كثير المغفرة حيث ستر ذنوب عباده ورحمهم ورزقهم الإيمان، ووفقهم للتوبة، ولم يعاقبهم على ما مضى بعد التوبة الخالصة. وهذا حث على التوبة والإيمان قبل فوات الأوان. وكانت نهاية معركة الأحزاب أو الخندق تحقيق النصر للمؤمنين، وهزيمة الكافرين، وجلاءهم عن المدينة بعد الحصار الشديد، فقد ردّهم الله تعالى عن المدينة خائبين خاسرين، مع شدة غيظهم، لعدم تحقيق مآربهم، ولم يحققوا خيرا لأنفسهم، لا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة من الآثام والعذاب وإحباط

стр. 2062

الأعمال، بسبب عداوتهم للنبي ﵊، ومحاولاتهم التخلص منه، بالقتل أو غيره. وكفى الله المؤمنين القتال، أي لم يحوجهم إلى قتال ومبارزة، حتى يجلوا الأعداء عن بلادهم، بل كفاهم الله وحده شرهم، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وكان الله وما يزال صاحب القوة ومصدرها، قادرا على استئصال الأعداء وإذلالهم، لا يغلبه أو يقهره أحد مهما كان قويا. وتحقيق هذا النصر الإلهي الواضح على جموع الأحزاب يستدعي الشكر والحمد لله ﷻ ، وزيادة الإيمان بقدرته، لذا كان ﵊ فيما أخرج الشيخان يقول: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» . ثم ذكر الله هزيمة بني قريظة الذين تواطؤوا مع قريش في غزوة الأحزاب، فإن الله تعالى أنزلهم من حصونهم وقلاعهم، وأجلاهم عنها، وألقى في نفوسهم الخوف الشديد، لممالأتهم المشركين على محاربة النبي ﷺ ، وصار أمرهم أن قتل المسلمون فريقا منهم، وهم الرجال المقاتلون، وأسروا فريقا منهم، وهم النساء والصبيان. وجعل الله أراضيهم المزروعة ومنازلهم المعمورة وأموالهم المدخرة وأرضا أخرى لم تطأها أقدام المؤمنين في عهد النبوة، وهي التي ستفتح في المستقبل، جعلها الله كلها للمسلمين، مثل خيبر ومكة وفارس والروم، وكان الله وما يزال تام القدرة على كل شيء، ينصر من يشاء، ويذل من يشاء.

стр. 2063

مضاعفة الأحكام لزوجات النبي ﷺ صان الله تعالى بيت النبوة الطاهر صيانة أدبية عالية، وتعهد أمهات المؤمنين بالتربية العالية القائمة على العفة والكرامة، وجعلهن المثل الطيب الذي يحتذي لنساء المؤمنين والمؤمنات على ممر الزمان، واقتضى هذا إعدادهن لمنازل الآخرة العالية، ومضاعفة ثواب أعمالهن، وزيادة عقوبتهن، فالأجر مرتان، والعقاب ضعفان. وهذا دليل على كون القرآن الكريم كلام الله تعالى، حيث لا مجال فيه لتمييز بيت النبوة بمزايا معينة أو بخصوصيات محددة، وإنما كان التشديد عليهن هو الصفة الغالبة، ويقابله زيادة الحسنات بفعل الصالحات، قال الله تعالى مبينا هذه الأحكام الخاصة: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٨ الى ٣١] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) «١» [الأحزاب: ٣٣/ ٢٨- ٣١] . أمر الله تعالى رسوله بتخيير نسائه بين التمتع بزهرة الحياة الدنيا وزخافها وزينتها وهي المال والبنون، ومتاعها، وبين الآخرة ونعيمها، فإن آثرن الدنيا وأحببنها، فارقهن وأعطاهن متعة الطلاق المستحقة: وهو مال يهدى للمطلقة تطييبا لخاطرها، وطلقهن طلاقا لا ضرر فيه ولا بدعة. قال أبو الزبير: نزل ذلك بسبب أن رسول الله ﷺ سأله أزواجه النفقة، وطالبنه منها فوق وسعه.

стр. 2064

وإن خيّر الزوج زوجته في تطليق نفسها، فقال الإمام مالك: هي طالق ثلاثا، وليس للزوج الإنكار، بخلاف التمليك. وقال غير مالك: هي طلقة بائنة. وإن أرادت نساء النبي ﷺ رضا الله ورسوله وثواب الآخرة وهو الجنة، فإن الله أعد للمحسنة منهن ثوابا عظيما، يفوق زينة الدنيا. ويشير هذا إلى أن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة، كان محسنا صالحا. وحينما خيّرهن رسول الله ﷺ بين الدنيا والآخرة، اخترن جميعا الآخرة، فسّر بذلك، وشكرهن الله على حسن اختيارهن، وكرّمهن. ثم بعد اختيارهن الآخرة خصصهن الله تعالى بمضاعفة الأحكام الشرعية في حقهن، فيا نساء النبي، من يرتكب منكن معصية كبيرة ظاهرة القبح، كالنشوز وعقوق الزوج وسوء الخلق، يكون عقابها مضاعفا، لشرف منزلتكن وفضل درجتكن، وكان تضعيف العذاب لكنّ يسيرا هينا على الله تعالى. ويا نساء النبي، من تطع منكن الله ورسوله بسكون وخشوع، وتخشع جوارحها، وتستجب لأمر ربها، وتعمل عملا صالحا، يضاعف الله لكنّ الأجر والثواب، بسبب كونكن من أهل بيت النبوة ومنزل الوحي، وأعد الله لكل واحدة منكن زيادة على هذا رزقا كريما خالصا في الجنة، لا عيب فيه ولا نقص. والاعتاد: التيسير والإعداد، والرزق الكريم: الجنة، ويجوز أن يقصد بالرزق: الرزق الدنيوي من حيث هو حلال وطيب. وأزواج (زوجات) الرسول ﷺ اللواتي نزلت الآية فيهن تسع: خمس قرشيات: وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية. وأربعة غير قرشيات: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حييّ بن أخطب الخيبرية، وزينت بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ أجمعين، فهن مع السيدة خديجة ﵂ أمهات المؤمنين.

стр. 2065

ولما نزلت هذه الآية، بدأ النبي ﷺ بعائشة فقال: «إني ذاكر لك أمرا، ولا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك» ثم تلا الآية، فقالت له: وفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: «وقد علم أن أبويّ لا يأمراني بفراقه» ثم تتابع أزواج النبي ﷺ على مثل قول عائشة ﵂، فاخترن الله ورسوله. وهذا ثابت في الحديث عند البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة ﵂، والرواية على لسانها. إن هذا الاختيار الموفق من نساء النبي دليل واضح على كمالهن وفضلهن وعلو درجتهن، وعلى مدى تأثير الإسلام العظيم في صوغهن على مراد الله تعالى. خصوصيات آل البيت النبوي كان لآل بيت النبوة خصوصيات ومزايا، أولها- كما في الآية السابقة: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (وهي من الجزء ٢٢) : مضاعفة الثواب والعقاب، والثانية- الامتياز على سائر النساء بشرط التقوى، والثالثة- الحزم في القول والكلام، والرابعة- القرار في البيوت والنهي عن التبرج، والخامسة- استدامة الطاعة بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله والرسول، والسادسة- التطهير من الآثام، والسابعة- السمعة الطيبة، والثامنة- تعليم القرآن والسنة. وفيما عدا هذه الخصوصيات سوّى الله تعالى بين النساء والرجال في ثواب الأعمال والمغفرة. وهذا ما أبانته الآيات التالية: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)

стр. 2066

[الأحزاب: ٣٣/ ٣٢- ٣٥] . هذه مزايا إيجابية عظيمة لنساء النبي ﷺ في مقابل واجبات ألزمن بها، فيا أيها النسوة آل البيت لا شبيه لكنّ بين بقية النساء، فأنتن أفضل النساء، بشرط التقوى، فعليكن إظهار الحزم في القول، وترك اللين في الكلام، وتميز النطق بالجدّ والحزم والقوة، حتى لا يطمع في الخيانة من في قلبه مرض، أي نفاق كما قال قتادة، وقال عكرمة: أي فسق وغزل، وهو الصواب، كما قال ابن عطية، وقلن القول المعروف: وهو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس، البعيد عن ترخيم الصوت وعن الريبة. وهذه الخصوصية مشروطة بشرط التقوى، لما منحهن الله من صحبة الرسول ﵊، وعظم المكانة، ونزول القرآن في حقهن. وأنتن مأمورات بالقرار في البيوت، منهيات عن التبرج تبرج الجاهلية العربية قبل الإسلام، وعليكن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله. وسبب تلك الأوامر والمنهيات والمواعظ: إرادة الله إذهاب الإثم عنكن، والتطهير من المعاصي والمأمورات. والتبرج: إظهار الزينة والتصنع بها، وأهل البيت: كل من لازم النبي ﵌ من الأزواج والقرابة، بدليل مطلع الآية: يا نِساءَ النَّبِيِّ. وعلى أهل البيت تذكر تلاوة القرآن في بيوتكن، والحكمة: وهي السنة النبوية،

стр. 2067

وتعليم الكتاب والسنة للناس، إن الله كان وما يزال تام اللطف والخبرة، حين علم ما ينفعكم، ويصلحكم في دينكم، وجعل في بيوت آل البيت الآيات والشرائع. ثم سوّى الله تعالى في عشر صفات بين الرجل والمرأة وهي الإسلام والانقياد لأوامر الله تعالى والتصديق التام بما جاء عن الله من شرائع وأحكام وآداب، والقنوت لله: وهو دوام العمل الصالح، والطاعة في رضا وسكون وخشوع، والصدق في القول والعمل باعتباره علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، والصبر على المصائب، وتحمل المشاق في أداء العبادة وترك المعصية، والخشوع في العبادة، وهو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله تعالى، والتصدق بالمال لمساعدة المحتاجين والضعفاء الذين لا مكسب لهم، وصوم الفرض والنفل لإشراقة الروح وقوة النفس، والتسامي عن الماديات والشهوات، والإقبال على الله تعالى تشبها بالملائكة، والعفة وحفظ الفروج عن المآثم والمحرّمات إلا عن المباح بالزواج، وذكر الله تعالى ذكرا كثيرا، أي استحضار عظمة الله تعالى في القلب، وتنزيهه باللسان عن كل نقص، ووصفه بكل كمال في جميع الأحوال. هؤلاء المتصفون بهذه الخصال العشر هيأ الله تعالى لهم مغفرة سابغة تمحو سيئاتهم وذنوبهم، وأجرا عظيما لا مثيل له: وهو الجنة بمنازلها العالية وطيباتها، وأنهارها، وجمالها، ونعيمها الدائم. زواج زيد بن حارثة بزينب في أسباب نزول بعض الآيات إيضاح لدلالاتها، وبيان للظروف التي تقدمتها، كما أن فيها دفعا قويا لامتثال أمر الله تعالى، والتزام توجيهاته، وبيان خطة قضائه وقدره.

стр. 2068

من هذه الأسباب للآية (٣٦) من سورة الأحزاب: ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب، يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد، أبت، فأنزل الله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ... وسبب نزول الآية التي بعدها (٣٧) : ما أخرج البخاري عن أنس: أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وأخرج الحاكم عن أنس قال: جاء زيد ابن حارثة يشكو إلى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﷺ : أمسك عليك أهلك، فنزلت: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. قال الله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) [الأحزاب: ٣٣/ ٣٦- ٤٠] . المعنى: ليس لأي مؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله بأمر أن يختاروا أمرا آخر، وإنما عليهم امتثال المأمور الإلهي وتجنب عصيانه، والرسول العربي: هو المبلّغ حكم الله، ومن يخالف أمر الله والرسول أو يعصي نهيه، فقد تاه وانحرف عن طريق الهدى والرشاد، ووقع في الضلال الواضح الذي يستحق عليه الإثم الكبير، وتطبيقا

стр. 2069

لهذا امتثلت زينب بنت جحش بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله أمر النبي لها بزواجها من زيد بن حارثة الذي كان عتيق النبي ومتبناة في مبدأ أمر الإسلام، فكان يدعى زيد بن محمد، حتى أبطل الله التبني بآية: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فصار يدعى: زيد بن حارثة. واذكر أيها النبي حين قلت لزيد الذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق والحرية والتربية: حافظ على زواجك بزينب، واصبر على طبعها، واتق الله في شأنها، ولا تطلقها لتعاليها وأنها من علية قريش، وتخفي أيها الرسول في نفسك ما الله مظهره من الحكم الإلهي: وهو علمك بطلاق زيد لها في المستقبل وتزوجك بها، لإعلام الله لك بذلك، وتحذر انتقاد الناس، والله أولى بأن تحذره أو تخشاه، وتلزم أمره وتمتثل حكمه. فلما طلّقها زيد، وانتهت حاجته منها ورغبته بها، وانقضت عدتها، أمرك الله تعالى بتزوجها، لرفع الحرج عن المسلمين في التزوج بأزواج أدعيائهم الذين تبنوهم، وليبين الله أن رابطة التبني ليست كحرمة النبوة، فتزوجها النبي ودخل بها، بعد أن أمر النبي زيدا بخطبتها له، فاستخارت الله تعالى وقبلت، ونزل القرآن في قصتها، وكان إنفاذ أمر الله وقدره كائنا لا محالة. وقوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فيه حذف مضاف تقديره: وكان حكم أمر الله. قالت زينب: أنا التي زوجني الله من فوق سبع سموات. ولم يكن على النبي حرج أو مشقة أو عيب فيما أحل الله له وقدّره، فذلك حكم الله وقانونه في الأنبياء قبله، لم يكن الله ليجعل عليهم ضيقا وإحراجا، وكان أمر الله الذي قدّره مقدرا في الوقت المناسب له، وواقعا لا محيد عنه. وهذا رد على

стр. 2070

المنافقين واليهود الذين عابوا الرسول فيما فعل بتزوجه بزوجة متبناة في الماضي، وفي تعدد زوجاته لنشر الدعوة الإسلامية. وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ منصوب على المصدر، أي استن بسنة الله، أو على إضمار فعل، تقديره: الزم سنة الله. وأمر الله: أي مأمورات الله، والكائنات عن أمره، فهي مقدرة. وقدرا: على حذف مضاف: أي ذا قدر أو عن قدر. ثم امتدح الله جميع الأنبياء بقوله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ.. أي إنهم أولئك الرسل، الذين رفع الله الحرج عنهم فيما أحل لهم، مهمتهم تبليغ رسالات الله وشرائعه إلى الناس، تبليغا تاما كما أمر الله تعالى، بأمانة، وهم يخافون الله وحده في ترك التبليغ لشيء من الوحي، ولا يخافون أحدا سواه، وفيه تعريض بمعاتبة النبي بالعتاب الأول في خشيته الناس، ثم رد الله الأمر كله إلى الله تعالى، وأنه المحاسب على جميع الأعمال والمعتقدات، وكفى به أنه لا إله إلا هو. ثم رد الله تعالى على انتقاد العرب وغيرهم تزوج النبي بزوجة من كان متبنى له، فقال: ما كانَ مُحَمَّدٌ.. أي لم يكن النبي أبا على الحقيقة لأحد من الناس المعاصرين له، وإنما هو رسول الله لتبليغ رسالته للناس، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، وكان الله وما يزال تام العلم بكل شيء، ولا يفعل إلا الأصلح. وسبب نزول هذه الآية: ما أخرج الترمذي عن عائشة قالت: لما تزوج النبي ﷺ بزينب قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أراد الله امتحان زينب بزواج زيد، لإلغاء عادة التبني، وجعل الشرف في الإسلام للتقوى لا للأحساب والأنساب.
следующие страницы →