← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

[الأحزاب: ٣٣/ ٣٢- ٣٥] . هذه مزايا إيجابية عظيمة لنساء النبي ﷺ في مقابل واجبات ألزمن بها، فيا أيها النسوة آل البيت لا شبيه لكنّ بين بقية النساء، فأنتن أفضل النساء، بشرط التقوى، فعليكن إظهار الحزم في القول، وترك اللين في الكلام، وتميز النطق بالجدّ والحزم والقوة، حتى لا يطمع في الخيانة من في قلبه مرض، أي نفاق كما قال قتادة، وقال عكرمة: أي فسق وغزل، وهو الصواب، كما قال ابن عطية، وقلن القول المعروف: وهو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس، البعيد عن ترخيم الصوت وعن الريبة. وهذه الخصوصية مشروطة بشرط التقوى، لما منحهن الله من صحبة الرسول ﵊، وعظم المكانة، ونزول القرآن في حقهن. وأنتن مأمورات بالقرار في البيوت، منهيات عن التبرج تبرج الجاهلية العربية قبل الإسلام، وعليكن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله. وسبب تلك الأوامر والمنهيات والمواعظ: إرادة الله إذهاب الإثم عنكن، والتطهير من المعاصي والمأمورات. والتبرج: إظهار الزينة والتصنع بها، وأهل البيت: كل من لازم النبي ﵌ من الأزواج والقرابة، بدليل مطلع الآية: يا نِساءَ النَّبِيِّ. وعلى أهل البيت تذكر تلاوة القرآن في بيوتكن، والحكمة: وهي السنة النبوية،

стр. 2067

وتعليم الكتاب والسنة للناس، إن الله كان وما يزال تام اللطف والخبرة، حين علم ما ينفعكم، ويصلحكم في دينكم، وجعل في بيوت آل البيت الآيات والشرائع. ثم سوّى الله تعالى في عشر صفات بين الرجل والمرأة وهي الإسلام والانقياد لأوامر الله تعالى والتصديق التام بما جاء عن الله من شرائع وأحكام وآداب، والقنوت لله: وهو دوام العمل الصالح، والطاعة في رضا وسكون وخشوع، والصدق في القول والعمل باعتباره علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، والصبر على المصائب، وتحمل المشاق في أداء العبادة وترك المعصية، والخشوع في العبادة، وهو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله تعالى، والتصدق بالمال لمساعدة المحتاجين والضعفاء الذين لا مكسب لهم، وصوم الفرض والنفل لإشراقة الروح وقوة النفس، والتسامي عن الماديات والشهوات، والإقبال على الله تعالى تشبها بالملائكة، والعفة وحفظ الفروج عن المآثم والمحرّمات إلا عن المباح بالزواج، وذكر الله تعالى ذكرا كثيرا، أي استحضار عظمة الله تعالى في القلب، وتنزيهه باللسان عن كل نقص، ووصفه بكل كمال في جميع الأحوال. هؤلاء المتصفون بهذه الخصال العشر هيأ الله تعالى لهم مغفرة سابغة تمحو سيئاتهم وذنوبهم، وأجرا عظيما لا مثيل له: وهو الجنة بمنازلها العالية وطيباتها، وأنهارها، وجمالها، ونعيمها الدائم. زواج زيد بن حارثة بزينب في أسباب نزول بعض الآيات إيضاح لدلالاتها، وبيان للظروف التي تقدمتها، كما أن فيها دفعا قويا لامتثال أمر الله تعالى، والتزام توجيهاته، وبيان خطة قضائه وقدره.

стр. 2068

من هذه الأسباب للآية (٣٦) من سورة الأحزاب: ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب، يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد، أبت، فأنزل الله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ... وسبب نزول الآية التي بعدها (٣٧) : ما أخرج البخاري عن أنس: أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وأخرج الحاكم عن أنس قال: جاء زيد ابن حارثة يشكو إلى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﷺ : أمسك عليك أهلك، فنزلت: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. قال الله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) [الأحزاب: ٣٣/ ٣٦- ٤٠] . المعنى: ليس لأي مؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله بأمر أن يختاروا أمرا آخر، وإنما عليهم امتثال المأمور الإلهي وتجنب عصيانه، والرسول العربي: هو المبلّغ حكم الله، ومن يخالف أمر الله والرسول أو يعصي نهيه، فقد تاه وانحرف عن طريق الهدى والرشاد، ووقع في الضلال الواضح الذي يستحق عليه الإثم الكبير، وتطبيقا

стр. 2069

لهذا امتثلت زينب بنت جحش بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله أمر النبي لها بزواجها من زيد بن حارثة الذي كان عتيق النبي ومتبناة في مبدأ أمر الإسلام، فكان يدعى زيد بن محمد، حتى أبطل الله التبني بآية: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فصار يدعى: زيد بن حارثة. واذكر أيها النبي حين قلت لزيد الذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق والحرية والتربية: حافظ على زواجك بزينب، واصبر على طبعها، واتق الله في شأنها، ولا تطلقها لتعاليها وأنها من علية قريش، وتخفي أيها الرسول في نفسك ما الله مظهره من الحكم الإلهي: وهو علمك بطلاق زيد لها في المستقبل وتزوجك بها، لإعلام الله لك بذلك، وتحذر انتقاد الناس، والله أولى بأن تحذره أو تخشاه، وتلزم أمره وتمتثل حكمه. فلما طلّقها زيد، وانتهت حاجته منها ورغبته بها، وانقضت عدتها، أمرك الله تعالى بتزوجها، لرفع الحرج عن المسلمين في التزوج بأزواج أدعيائهم الذين تبنوهم، وليبين الله أن رابطة التبني ليست كحرمة النبوة، فتزوجها النبي ودخل بها، بعد أن أمر النبي زيدا بخطبتها له، فاستخارت الله تعالى وقبلت، ونزل القرآن في قصتها، وكان إنفاذ أمر الله وقدره كائنا لا محالة. وقوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فيه حذف مضاف تقديره: وكان حكم أمر الله. قالت زينب: أنا التي زوجني الله من فوق سبع سموات. ولم يكن على النبي حرج أو مشقة أو عيب فيما أحل الله له وقدّره، فذلك حكم الله وقانونه في الأنبياء قبله، لم يكن الله ليجعل عليهم ضيقا وإحراجا، وكان أمر الله الذي قدّره مقدرا في الوقت المناسب له، وواقعا لا محيد عنه. وهذا رد على

стр. 2070

المنافقين واليهود الذين عابوا الرسول فيما فعل بتزوجه بزوجة متبناة في الماضي، وفي تعدد زوجاته لنشر الدعوة الإسلامية. وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ منصوب على المصدر، أي استن بسنة الله، أو على إضمار فعل، تقديره: الزم سنة الله. وأمر الله: أي مأمورات الله، والكائنات عن أمره، فهي مقدرة. وقدرا: على حذف مضاف: أي ذا قدر أو عن قدر. ثم امتدح الله جميع الأنبياء بقوله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ.. أي إنهم أولئك الرسل، الذين رفع الله الحرج عنهم فيما أحل لهم، مهمتهم تبليغ رسالات الله وشرائعه إلى الناس، تبليغا تاما كما أمر الله تعالى، بأمانة، وهم يخافون الله وحده في ترك التبليغ لشيء من الوحي، ولا يخافون أحدا سواه، وفيه تعريض بمعاتبة النبي بالعتاب الأول في خشيته الناس، ثم رد الله الأمر كله إلى الله تعالى، وأنه المحاسب على جميع الأعمال والمعتقدات، وكفى به أنه لا إله إلا هو. ثم رد الله تعالى على انتقاد العرب وغيرهم تزوج النبي بزوجة من كان متبنى له، فقال: ما كانَ مُحَمَّدٌ.. أي لم يكن النبي أبا على الحقيقة لأحد من الناس المعاصرين له، وإنما هو رسول الله لتبليغ رسالته للناس، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، وكان الله وما يزال تام العلم بكل شيء، ولا يفعل إلا الأصلح. وسبب نزول هذه الآية: ما أخرج الترمذي عن عائشة قالت: لما تزوج النبي ﷺ بزينب قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أراد الله امتحان زينب بزواج زيد، لإلغاء عادة التبني، وجعل الشرف في الإسلام للتقوى لا للأحساب والأنساب.

стр. 2071

ذكر الله تعالى ربط الله تعالى قلوب عباده بغرس أصول الإيمان والتقوى فيها، وعلّمهم بسبب تعرضهم للنسيان كيفية تجديد رابطتهم بالله تعالى، من طريق مداومة ذكر الله تعالى ذكرا كثيرا، من غير تقدير بحد معين، لتسهيل الأمر عليهم، وتعظيم الأجر فيه، قال ابن عباس ﵄: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غلب على عقله، وقال: الكثير: ألا ينساه أبدا. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون» . وفي ترطيب اللسان بذكر الله تعالى واستحضار القلب عظمة الله: إشعار بفائدة الذكر، وبضرورة الارتباط الوثيق بالله تعالى وخشيته، ليستقيم الإنسان على أمر الله، قال الله تعالى آمرا بالذكر، مبينا فائدته القصوى وثمرته عند الله : [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤١ الى ٤٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) [الأحزاب: ٣٣/ ٤١- ٤٤] . الآية تبيان فضيلة الذّكر، وثواب الذاكرين. فيا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم ذكرا كثيرا، من غير تحديد وقت، ولا تقدير قدر، إنما المطلوب غلبة ذكر الله تعالى في أحوال الإنسان، وضموا إلى الذكر التسبيح في الصباح والمساء، والمراد: في كل الأوقات، التي تبدأ بطرفي النهار والليل، وإنما خص هذان الوقتان بالذّكر، لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار. وأكد النبي ﷺ الأمر بمداومة الذكر، روى البيهقي عن مكحول مرسلا: «إن ذكر الله شفاء، وذكر الناس داء» . ورواه الديلمي عن أنس بن مالك بلفظ: «ذكر الله شفاء

стр. 2072

القلوب» «١» . وعن قتادة: «قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . وخص الأمر بالذكر في المزدلفة عند المشعر الحرام، فقال الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [البقرة: ٢/ ١٩٨] وفي أداء مناسك الحج في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [البقرة: ٢/ ٢٠٣] وبعد ذهاب الخوف من العدو: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢/ ٢٣٩] وعند ذبح الأنعام: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الحج: ٢٢/ ٣٦] وعند الصيد: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: ٥/ ٤] . ووصف الله المؤمنين بالذاكرين في الأوقات كلها في قوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ٣/ ١٩١] وقوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: ٣٣/ ٣٥] . ثم أبان الله تعالى فضيلة الذّكر وسببه وثوابه بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي إن الله تعالى الذي تذكرونه وتسبّحونه: هو الذي يرحمكم، وصلاة الله على عباده: هي رحمته لهم، وبركته لديهم، ونشره إلينا الجميل، والملائكة تستغفر لكم، لأن صلاة الملائكة: الدعاء للمؤمنين، وذلك من أجل إرادة هدايتكم، وإخراجكم من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الحق والهدى والإيمان، وكان الله وما يزال رحيما، تام الرحمة بالمؤمنين من عباده، في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فإن الله يهديهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، ويبصّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم الى الكفر والابتداع الضالّ، وأما في الآخرة: فيؤمّنهم الله من الفزع الأكبر، ويظلّهم بمظلته الرحيمة، وتبشّرهم الملائكة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، رأفة بهم، ومحبة لهم.

стр. 2073

وسبب نزول هذه الآية: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي ما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت آية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٣٣/ ٥٦] قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما أنزل الله تعالى عليك خيرا إلا أشركنا فيه، فنزلت: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ. ومن بشائر رحمة الله بعباده استقبالهم بالتحية والسلام، فتحيتهم من الله تعالى بواسطة ملائكته يوم لقائه في الآخرة: هو السلام، وأعد الله تعالى لهم ثوابا حسنا، وهو الجنة وما فيها من ألوان النعيم والمناظر الحسنة، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال الله تعالى في آية أخرى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: ٣٦/ ٥٨] . وقال سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ١٣/ ٢٣- ٢٤] . وظائف النبي ﷺ إن عبء تبليغ الوحي الإلهي، والقيام بموجب الرسالة ليس بالأمر الهين، فهو بالإضافة إلى اقترانه بظروف عسيرة صعبة، ومقاومة شديدة من القوم، يتطلب إحساسا متقدا من الرسول، وشعورا كبيرا بالمسؤولية، خشية التقصير في تكليف الله إياه، واطمئنانه إلى تنفيذ مراد الله، ويمكن حصر خصائص أو وظائف النبي محمد ﷺ بسبع، تشمل جميع أوجه الوحي الإلهي، وهذا ما أوضحته الآيات الكريمة الآتية: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٩] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)

стр. 2074

[الأحزاب: ٣٣/ ٤٥- ٤٩] . هذه مهمات أو وظائف سبع للنّبي ﷺ ، ذكرت الآية الأولى منها ثلاثا: وهي الشهادة على أمته وغيرهم بالتبليغ إليهم، والتبشير، والإنذار، فيا أيها النّبي المنزل إليك الوحي، إنا كلفناك وأرسلناك شاهدا على أمّتك بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم في تبليغ أنبيائهم، ونحو ذلك، وتبشر المؤمنين برحمة الله وبالجنة، وتنذر العصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد. قال ابن عباس ﵄ فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره: لما نزلت هذه الآية، دعا رسول الله ﷺ عليّا ومعاذا ﵄، فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشّرا ولا تّنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، فإني قد أنزل علي، وقرأ الآية» . والآية الثانية ذكرت وظيفتين للنّبي ﷺ ، وهما الدعوة إلى الله، وجعلك سراج النور المنقذ من ظلمة الكفر، فيا أيها النّبي إنا جعلناك داعية الناس إلى الله بأمره في تبليغ التوحيد والأخذ به، ومكافحة الكفر. وجعلناك أيضا ذا سراج تضمّنه شرعك لما فيه من النور، لتخرج الناس من ظلمة الكفر إلى نور الحق والتوحيد والإيمان. فقوله: وَسِراجاً مُنِيراً استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه، فكأن المهتدين به والمؤمنين يخرجون بنوره من ظلمة الجهالة والكفر إلى الإيمان الحق. ووصف السّراج بالإنارة، لتميّزه وإضاءته، لأن بعض السّرج لا يضيء لضعفه. ومفاد المهمة السادسة في الآية الثالثة: تبشير المؤمنين المصدّقين برسالتك بأن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم، وأجرا عظيما. أخرج ابن جرير الطبري في سبب نزول هذه الآية عن عكرمة والحسن البصري قالا: لما نزل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٤٨/ ٢] . قال رجال من

стр. 2075

المؤمنين: هنيئا لك يا رسول الله، قد علمنا بما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ الآية [الفتح: ٤٨/ ٥] ، وأنزل في سورة الأحزاب: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً. والمهمة السابعة: لا تطع أيها النّبي الكافرين بنبوتك، ولا المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، واترك إيذاءهم وعقابهم، أي اصفح عن زللهم ولا تؤذهم، وفوّض أمرك إلى الله تعالى في كل ما تعمل وتذر، وثق به، فإن فيه كفاية لهم، والله هو حافظك وراعيك، وكفى بالله كافيا عبده، وذلك حق مطلق: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزّمر: ٣٩/ ٣٦] . ثم عاد البيان القرآني لتفصيل حكم عدة ومتعة المرأة غير المدخول بها، بعد بيان عدة زينب المدخول بها، في حال طلاقها، فيا أيها المصدّقون بالله ورسوله، إذا تزوجتم النساء المؤمنات، ثم طلقتموهن قبل الدخول (أو البناء) بهن، فليس لكم عليهن عدة تستوفون عددها، ولكن قدّموا لهنّ بعد الطلاق تطييبا لخاطرهن متعة: وهي كسوة كاملة تليق بكم وبهن بحسب الزمان والمكان، وطلقوهن طلاقا لا ضرر فيه، بل إنه متّصف بجمال التسريح: وهو ألا يطالبها بما آتاها، ويحسن عشرتها، ويكلمها بكلام طيب دون أذى. فقوله: تَعْتَدُّونَها من العدّ. وتخصيص المؤمنات بالذّكر: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ إرشاد إلى الحرص على الزواج بالمؤمنات، فإنهن أشدّ تحصينا للدين. وهذه الآية خصّصت آيتين: إحداهما: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢/ ٢٢٨] فخصصت هذه الآية من لم يدخل بها، وكذلك خصّصت من ذوات الثلاثة الأشهر: المرأة اليائس من الحيض، والصغيرة التي لم تحض قبل الدخول في آية: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ.. [الطّلاق: ٦٥/ ٤] فهاتان قبل الدخول لا عدة عليهما.

стр. 2076

خصوصيات النبي ﷺ في الزواج اقتضت ظروف النبوة وأحوال نشر الدعوة الإسلامية اختصاص النبي ﷺ ببعض الأحكام في الزواج بالنساء، ومنها هبة المرأة نفسها للنبي من غير مهر، وإعفاؤه من القسم بين الزوجات، والاقتصار على زوجات تسع، وهذا ما نصت عليه الآيات الآتية: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) [الأحزاب: ٣٣/ ٥٠- ٥٢] . أحل الله تعالى لنبيه أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له كل النساء بهذا الوجه ضمن قيود معينة، وأباح له ملك اليمين، وأباح له بنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجرن معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفا وتنبيها. ذكر الله تعالى في الآية الأولى أربع فئات من النساء المباحات للنبي ﷺ ، الأولى: النساء الممهورات، أي اللاتي أعطيت أجورهن، والأجر في اللغة: المهر، والفئة الثانية: ملك اليمين مثل صفية وجويرية وريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم إبراهيم. والفئة الثالثة: بنات العم والعمة والخال والخالة المهاجرات معه من مكة إلى المدينة. والفئة

стр. 2077

الرابعة: المرأة الواهبة نفسها للنبي بغير مهر، إن رغب النبي في الزواج بها، والزواج بلفظ الهبة خصوصية للنبي دون المؤمنين هذه خصوصيات للنبي، وقد علم الله حكم ما أحل من النساء لبقية المؤمنين من الزوجات والمملوكات المسبيات. وإباحة هؤلاء النساء لك أيها النبي لدفع الحرج والمشقة عنك، ولتتفرغ لتبليغ رسالتك، وكان الله وما يزال واسع المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات، ما لا يمكن التحرز عنه، ورحيما بك وبالمؤمنين، بدفع الحرج والمشقة، وترك العقاب على ذنب تابوا عنه. وسبب نزول هذه الآية: هو ما أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ.. إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ فلم أكن أحلّ له، لأني لم أهاجر. وخير الله نبيه في القسم بين الزوجات دون إلزام، فلك أن تؤخر المبيت عند من تشاء من زوجاتك، أي هذه الأصناف كلها، وتبيت مع من تشاء، لا حرج عليك من ترك القسم لهن، ومن طلبت إلى المبيت معك ممن تركت البيتوتة معهن، فلا إثم ولا حرج عليك في ذلك، كل ذلك أقرب إلى سرورهن وقرة أعينهن، وعدم حزنهن، ورضاهن كلهن بما تفعل، دون قلق ولا عتاب، والله تام العلم بالميل لبعضهن دون بعض، من غير اختيار، وكان الله وما يزال شامل العلم تام الحلم، فلا يعاجل المذنب بعقاب، حتى يتوب. نزلت هذه الآية كما أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها!! فأنزل الله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ.. الآية، فقالت عائشة: أرى ربك يسارع لك في هواك. وبما أن ملك اليمين نادر، فإن نساء النبي سررن بسبب تحريم بقية النساء على

стр. 2078

النبي، بنزول هذه الآية. ثم حرم الله تعالى على نبيه التزوج بغير الزوجات التسع اللاتي عنده، فلا يحل لك أيها الرسول النساء بعد هؤلاء اللواتي عندك، جزاء لاختيارهن الله ورسوله، ولا يحل لك أيها النبي الاستبدال بهن غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى، وإن أعجبك حسنها، إلا ملك اليمين، كمارية القبطية التي أهداها المقوقس لك، وكان الله وما يزال مطلعا على كل شيء، مراقبا كل ما يكون من أي إنسان، وكل ما يحدث في الكون، فاحذروا مخالفة أوامره، فإن الله يجازي كل امرئ بما كسب. وسبب نزول هذه الآية: هو ما أخرج ابن سعد في الطبقات عن عكرمة، قال: لما خيّر رسول الله ﵌ أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ. فهذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضا الله عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيّرهن رسول الله ﵌. آداب دخول البيت النبوي إن للبيوت عامة حرمة خاصة، وتزداد هذه الحرمة وتتألق في بيوت النبي ﵌، لذا شرع الإسلام آدابا عامة في الدخول لبيوت الآخرين والخروج منها، وآدابا خاصة بالبيت النبوي، وفرض الحجاب على نساء النبي، وتحريم الزواج بهن من بعده، ومنع الاختلاط. وقد نزلت آية حجاب زوجات النبي أمهات المؤمنين، كما ذكر قتادة والواقدي، في صبيحة عرس رسول الله ﵌ بزينب بنت جحش التي زوّجها الله من نبيه، في ذي القعدة من السنة الخامسة. وهذه هي الآداب في الآيات القرآنية الآتية:

стр. 2079

[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) «١» [الأحزاب: ٣٣/ ٥٣- ٥٥] . تضمنت الآية الأولى حكمين: الأول- الأدب في شأن الطعام والجلوس، والثاني- أمر الحجاب. أما الحكم الأول، فيا أيها الذين آمنوا أو صدقوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيتا من بيوت النبي ﵌ في كل الأحوال إلا بالإذن لتناول طعام، غير منتظرين وقت نضجه، فإذا نضج فادخلوا. فإذا دعيتم فادخلوا، فإذا تناولتم الطعام فانتشروا في الأرض غير مستأنسين أو مشتغلين بلهو الحديث. إن دخولكم بيت النبي واشتغالكم بالحديث قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي، وإيذاؤه حرام، وكان النبي يتضايق من ذلك، ويكره أن ينهاكم عن ذلك من شدة حيائه ﷺ ، والله لا يستحيي من بيان الحق، وهو الأمر بالخروج من البيت، ومنع البقاء فيه. وهذا أدب عام يشمل النبي ﵌ وسائر المؤمنين. نزلت هذه الآية فيما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس، قال: لما تزوج النبي ﵌ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، وقام

стр. 2080

من القوم من قام، وقعد ثلاثة، ثم انطلقوا، فجئت، فأخبرت النبي ﵌ أنهم انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ.. الآية. والحكم الثاني: هو حجاب زوجات النبي، فكما نهيتكم عن الدخول إلى بيوت النبي من غير إذن، ودون انتظار نضج الطعام، كذلك نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي ﷺ ، فإذا طلبتم منهن شيئا من الأمتعة، كالمواعين وسائر مرافق الدين والدنيا، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر. ذلك الحجاب أطهر وأطيب للنفس، وأبعد عن الريبة، لقلوبكم، وقلوبهن، أي أطهر من الهواجس ووساوس الشيطان. وذلك لأنه لم يصح لكم أن تؤذوا رسول الله وتضايقوه، كالبقاء في منزله، والاشتغال بالحديث، وانتظار نضج الطعام، ويحرم عليكم أبدا التزوج بنسائه بعد الفراق بموت أو طلاق، تعظيما له، إن إيذاء الرسول ﷺ وزواج نسائه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير. والبعد عن الإيذاء سرا وعلنا مطلوب، فإنكم إن تظهروا شيئا من الأذى أو تكتموه، فإن الله تام العلم به، يعلم السرائر والخفايا، والظواهر والأحوال كلها. ثم استثنى الله من حكم حجاب أزواج النبي: المحارم، فلا إثم ولا حرج على زوجات النبي ﷺ في ترك الحجاب أمام الآباء والأبناء، بسبب النسب أو الرضاع، والإخوة وأبناء الإخوة والأخوات، وأمام النساء المؤمنات، والأرقاء من الذكور والإناث، بعدا عن الحرج والمشقة في ذلك بسبب الخدمة. ودخل الأعمام في الآباء. والمرفوع فيه الإثم بهذه الآية: هو الحجاب كما قال قتادة، أي يباح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون الحجاب، ورؤيتهن. وقال مجاهد: ذلك في وضع الجلباب وإبداء الزينة. ثم مع الإلزام بالحجاب أمر الله نساء النبي بالتقوى، وتوعد على المخالفة

стр. 2081

بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي إن الله كان وما يزال مطلعا على كل شيء، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأمر والنهي الإلهي. حكم إيذاء النبي والمؤمنين لقد عظّم الله تعالى نبيه المصطفى ﷺ ، فأعلن الصلاة عليه، أي رحمته، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وهذا تشريف له، وذكر الله منزلته عنده، وحرّم إيذاءه بمخالفة أمره، وعصيان نهيه، والطعن في أهل بيته، فإن المؤذين ملعونون في الدنيا، معذبون في الآخرة، وكذلك حرّم الله تعالى إيذاء أهل الإيمان، وجعل ذلك مستوجبا للإثم الكبير، وهذا ما أبانته الآيات الكريمة الآتية: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) [الأحزاب: ٣٣/ ٥٦- ٥٨] . هذه الآية أظهرت مكانة النبي ﷺ عند الله والملائكة، فإن الله يصلي على نبيه بالرحمة والرضوان، والملائكة تدعو له بالمغفرة وعلو الشأن، لذا فأنتم أيها المؤمنون مأمورون بالصلاة والسلام عليه تسليما كثيرا مباركا فيه. والصلاة من الله تعالى: رحمة منه وبركة، وصلاة الملائكة: دعاء وتعظيم، وصلاة الناس: دعاء واستغفار. وصفة الصلاة على رسول الله: تظهر فيما أخرجه الشيخان وأحمد وغيرهم عن كعب بن عجرة ﵁: قال رجل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل: «اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما

стр. 2082

صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» . والصلاة والسلام على النبي واجبة مرة في العمر، عملا بالأمر المقتضي للوجوب، وهو: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا وهي حينئذ مثل كلمة التوحيد، لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما يدل على الماهية المطلقة عن قيد التكرار والمرة. ويسن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله في المناسبات المختلفة ولا سيما في يوم الجمعة وعند زيارة قبره ﷺ ، وبعد النداء للصلاة، وفي صلاة الجنازة. أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصلّ علي..» . وشأن التشريف والتعظيم للنبي من الله وملائكته والأمر بالصلاة والسلام عليه، يستوجب تحريم الأذى والإخلال بقدره، لذا عقب الله ذلك بالتهديد بالعقاب لكل مؤذ، فإن الذين يصدر منهم إيذاء الله ورسوله، لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وطردهم من رحمته وأبعدهم عن كل خير، وأعد لهم عذابا ذا إهانة وإذلال وتحقير في نار جهنم. وإيذاء الله معناه: الكفر به، ونسبة الصاحب والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به. أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي قتادة ﵁ في الآية: أن النبي ﷺ قال فيما يروي عن ربه : «شتمني ابن آدم، ولم ينبغ له أن يشتمني، وكذبني ولم ينبغ له أن يكذبني، فأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني» ، أي إنه ينكر البعث. وإيذاء الرسول ﷺ : يكون بما يؤذيه من الأقوال والأفعال، كأن يقال عنه: إنه ساحر، أو شاعر، أو كاهن أو مجنون. وروي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزوجه صفية بنت حيي بن أخطب.

стр. 2083

ثم ذكر الله تعالى عقاب المؤذين لأهل الإيمان، فإن الذين يصدر منهم الأذى للمؤمنين والمؤمنات بالأفعال والأقوال القبيحة، والبهتان، والكذب الفاحش المختلق، سواء فيما يمس العرض أو الشرف أو المال، بأن ينسبوا إليهم ما لا علم لهم به ولم يفعلوه، فإنهم تحملوا البهتان أي الفعل الشنيع، أو الكذب الشائن، وارتكبوا ما يوجب الوقوع في الإثم والذنب الواضح. ومن أشد أنواع الأذى للمؤمنين: الطعن بالصحابة، والغيبة، واستباحة عرض المسلم، والتعييب والتحقير، والإنقاص، والهمز واللمز، والإتلاف والاعتداء على النفس والمال. ويستثني من ذلك حالة الرعاية والتأديب لأغراض شريفة أو كريمة. إن صون حرمة المؤمن واجب شرعي، وأدب أخلاقي كريم، لا سيما في أثناء الغيبة. وإن إيذاء الله بالكفر به، وإيذاء الرسول بالطعن بشيء من تصرفاته، أو الإساءة لأهله، جرم عظيم وفعل شنيع. الحجاب وجزاء المنافقين لا يمكن لأحد الادعاء بأن المرأة ليست فتنة للرجل، بشعرها وسواعدها وأرجلها وسائر جسدها، بدليل إدامة النظر إليها ما لم يكن هناك شاغل أو مانع خلقي أدبي أو ديني، والواقع خير شاهد، ولا مكابرة فيه وبرهان ذلك الأمر الإلهي الدائم بغض النظر من الرجل والمرأة، لذا نظم الشرع الحنيف العلاقة بين الرجل والمرأة، فأقامها على الحق والعدل، وصان المرأة من كل ذرائع الافتتان بها أو إيذائها، وذلك بما لا داعي لستره وهو جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، على المعتمد المحقق شرعا. وأما المنافقون فهم أداة إفساد وتفريق، وداء مرضي ضار، فكان من الطبيعي كشفهم

стр. 2084

أمام المجتمع، وزجرهم بما يستحقون، وتهديدهم بالعقاب المناسب، قال الله تعالى مبينا فرضية الحجاب الشرعي بحدوده المعتدلة وحكم أهل النفاق: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٩ الى ٦٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢) [الأحزاب: ٣٣/ ٥٩- ٦٢] . يأمر الله النبي بتبليغ زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بإرخاء الستر عليهن وتغطيتهن بالحجاب الشرعي: وهو الجلباب، أي الرداء الساتر لجميع الجسد ما عدا الوجه والكفين، وهو أدب حسن يبعد المرأة عن مظان التهمة والريبة، ويحميها من أذى الفساق، ويميز الحرائر عن الإماء كما كان في الماضي، وكان الله وما يزال واسع المغفرة لما سلف من إهمال التستر، عظيم الرحمة بعباده، حيث أرشدهم إلى هذا الأدب الرفيع فقد كانت عادة العربيات في الجاهلية التبذل في الستر، وكشف مواطن الزينة، فبدل الإسلام بالتبرج: الصون والستر المناسب. روي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصّعدات «١» (كالمصاطب) لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت الآية بسبب ذلك. ثم توعد الله المنافقين (الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر) فلئن لم يكفوا عما هم عليه من النفاق فلنسلطنك عليهم، هم والذين في قلوبهم مرض (وهو شك وريبة في أمر الدين وحب الزنا) وأهل الإرجاف في المدينة (وهم قوم من المنافقين كانوا يتحدثون بغزو العرب المدينة، بأن رسول الله ﵌ سيغلب،

стр. 2085

ونحو هذا مما يضعف نفوس المؤمنين) ثم لا يجاورونك أيها النبي إلا جوارا قليلا ووقتا قليلا. وهم في حال إقامتهم في المدينة زمنا قليلا يكونون مطرودين من رحمة الله، منبوذين، أينما حوصروا وقدر عليهم، أسروا وأخذوا أذلاء، وقتلّوا شر تقتيل، فلم يجدوا أحدا يؤويهم، بل ينكل بهم ويؤسرون. وهذا الحكم وهو لعن المنافقين وأسرهم وتقتيلهم وتسليط المؤمنين عليهم وقهرهم، هو سنة الله وطريقته في المنافقين في كل زمن مضى، وهم منافقو الأمم، ولا تبديل ولا تغيير لسنة الله ونظامه، لقيامها على الحكمة والمصلحة وصلاح الأمة، بل هي سنة ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء مدى الزمان. وقوله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ منصوب على المصدر، أي استنوا بسنة الله تعالى. يلاحظ من هاتين الآيتين أن الحجاب الشرعي ذا الحدود المعتدلة من غير إفراط ولا تفريط مظهر حضاري كريم، لا يعوق نشاط المرأة، وإسهامها في كل عمل حيوي يفيد المجتمع والأمة. ويلاحظ أيضا أن الأوصاف الثلاثة: وهي النفاق، ومرض القلب، والإرجاف موجودة كلها في المنافقين. وهم خطر على الأمة في عقيدتها، وفي سلمها وحربها، فهم كالسوس ينخر في جسم الأمة، وهم في السّلم جرثومة فتك وأداة تخريب وتفريق، وفي الحرب أداة إضعاف وإشاعة السوء، وزعزعة المقاتلين، وهم في الواقع عون للأعداء على المسلمين، مما يجب التخلص منهم، وعقابهم أشد العقاب، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء ٤/ ١٤٥] .

стр. 2086

جزاء الكفار اصطدمت الدعوة الإسلامية إبّان ظهورها بحاجز صلب من شرك المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر، وأنكروا النبوة وإرسال النبي، وجحدوا بوجود يوم القيامة، وأخذوا في توجيه أسئلة التحدي والعناد، والتشكيك بأصول الدين والعقيدة، وحاولوا طمس معالمها، وتوهين بنيتها، فسألوا سؤال مكابرة عن تحديد موعد القيامة، فاستحقوا التهديد والوعيد بالعذاب الأليم، والتعرض لشيّ الوجوه والجلود بالنار، وبادروا في الآخرة لإظهار الندم على ترك إطاعة الله والرسول، وملازمتهم تقليد الآباء والسادة، وطالبوا بمضاعفة العذاب على سادتهم، وهذا ما صرحت به الآيات الكريمة الآتية: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٣ الى ٦٨] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) [الأحزاب: ٣٣/ ٦٣- ٦٨] . سئل رسول الله ﷺ عن وقت الساعة (القيامة) متى هو؟ فلم يجب في ذلك بشيء، ونزلت الآية آمرة أن يردّ العلم فيها إلى الله، إذ هي من مفاتيح الغيب التي استأثر الله بعلمها. وهذا السؤال والجواب في حال الاستفسار بحسن نية. لكن تساءل الناس المشركون سؤال تهكم وسخرية واستهزاء، ومعهم المنافقون سؤال تعنت وتنطع، ثم اليهود سؤال امتحان واختبار، فأجابهم الله ونبيه بأن علمها محصور بالله تعالى. ثم توعدهم بقربها بقوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي ينبغي أن تحذر، فما

стр. 2087

يعلمك بها، فإنها من المغيبات المختصة بالله تعالى، وربما توجد في وقت قريب. وهذا تهديد للمستعجلين، وتوبيخ لأهل التعنت والتهكم والاختبار. وقوله تعالى: تَكُونُ قَرِيباً القريب: لفظة واحد، تطلق على الجمع والإفراد والتذكير والتأنيث. ثم توعد الله الكافرين بعذاب لا ولي لهم فيه ولا ناصر، ومضمونه: إن الله تعالى طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته، وهيّأ لهم في الآخرة نارا شديدة الاستعار والإحراق. وهم في نار جهنم وعذابها خالدون مخلّدون، ماكثون فيه على الدوام، ولا يجدون من يواليهم ويناصرهم وينقذهم أو يخلّصهم من ذلك العذاب. وأما أوصاف العذاب: فهي رهيبة جدا، إن الكافرين يجرّون في النار على وجوههم، ويتقلّبون فيها كاللحم المشوي على النار، ويظهرون أشد الندامة قائلين: يا ليتنا أطعنا الله ورسوله فيما أمر ونهى. كما جاء في آية أخرى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: ٥٤/ ٤٨] . وقال سبحانه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: ٢٥/ ٢٧] . ثم أعلن الكافرون سبب انحراف اعتقادهم، ولاذوا بالتشكي من كبرائهم في أنهم أضلوهم، فقالوا وهم في عذاب جهنم: يا ربنا لقد أطعنا في الشرك والكفر رؤساءنا وقادتنا وعظماءنا وعلماءنا، وخالفنا الرسل، فأضلونا عن طريق الهدى بما زيّنوا لنا من الكفر بالله ورسوله. يا ربنا عذبهم عذابا مضاعفا: عذاب الكفر، وعذاب إضلال غيرهم وإغوائهم إيانا، أي عذبهم عن أنفسهم وعمن أضلوا، وأبعدهم عن رحمتك بعدا كبيرا. وإضلال السبيل: يراد به سبيل الإيمان والهدى، واللعن الكبير: أي العنهم مرات كثيرة. إذا كان هذا هو مصير الضالين والمضلين في الآخرة، فلم لا يبادر الفريقان إلى

стр. 2088

ترك الضلال والإضلال، فالداعي إلى الضلال يقلع عن مساعيه الشريرة في إضلال الآخرة، والمدعو للضلال يتخلص من تأثيرات المضلين، ويبتعد عن أقوالهم وأفعالهم وجميع إغراءاتهم وأضاليلهم، فإذا فعلوا ذلك في الدنيا دار التكليف والاختبار، نجّوا أنفسهم من سوء العذاب وسوء المصير. تحريم الإيذاء وأداء الأمانات لقد زخر القرآن العظيم بتوجيهات المؤمنين إلى أقوم السبل، مبتدئا من التخلي عن الحرام، وذلك بتحريم الإيذاء، ثم تقويم النفوس على هدي الله وتقواه بالتزام الأوامر واجتناب النواهي، ثم تحريض كل إنسان على أداء أمانة التكليف الإلهي على أقوم الوجوه وأسلم الطرق، فيؤول أمر الناس أو يصير إلى إثابة المؤمنين المستقيمين على درب الطاعة، وتعذيب الكافرين والمنافقين والمشركين الوثنيين. وهذه عملية إفراز وعزل، يتميز بها كل فريق عن الآخر، بالمزايا أو الصفات التي تؤهله إلى مصير معين: حسن كريم، أو سيّئ مشؤوم، قال الله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٩ الى ٧٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) [الأحزاب: ٣٣/ ٦٩- ٧٣] . تميزت هذه الآيات بأدب الخطاب الإلهي، لابتدائها بوصف المخاطبين بالإيمان، فيا أيها المصدقون بالله ورسوله، لا تؤذوا رسول الله ﷺ بالقول أو العمل، مما

стр. 2089

يكرهه، فتكونوا كالذين آذوا موسى، وهم قوم من بني إسرائيل، فبرأه الله من اتهامهم الباطل، وكان موسى ﵇ وجيها عند الله، أي مكرم الوجه. وإيذاء موسى: هو ما تضمنه حديث النبي ﷺ المشهور، الذي أخرجه البخاري، ومسلم بمعناه، قال: «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، وكان موسى ﵇ يتستر كثيرا، ويخفي بدنه، فقال قوم: هو آدر (منتفخ الخصية) أو أبرص (والبرص: بياض يظهر في الجسد لعلّة) أو به آفة (والآفة: كل ما يصيب شيئا فيفسده، من عاهة أو مرض أو قحط) فاغتسل موسى يوما وحده، وجعل ثيابه على حجر، ففرّ الحجر بثيابه واتّبعه موسى يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر (أي اترك ثوبي يا حجر) فمرّ في أتباعه في ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليما مما ظنّ به» . فبرأه الله مما قالوا. هذا هو التوجيه الأول: وهو نهي المؤمنين عن إيذاء الرسول، والتوجيه الثاني هو: الأمر بالتقوى، فيا أيها المؤمنون بالله ورسوله، اتقوا الله في كل الأمور باجتناب معاصيه، والتزام أوامره، وقولوا القول السديد، أي الصواب والحق في كل أموركم، فإذا فعلتم ذلك أصلح الله لكم أعمالكم، وهو قبولها وإثابتكم بالجنة دار الخلود، وغفر لكم ذنوبكم الماضية. وهذا وعد من الله تعالى بأنه يجازي على القول السّداد، بإصلاح الأعمال، وغفران الذنوب، ثم حرّض الله تعالى على الطاعة، فمن يطع أوامر الله والرسول، ويجتنب النواهي، فقد نجا من النار، وفاز أعظم فوز بالجنة. ومما لا شك فيه أن المسؤولية عن التكاليف حساسة وخطيرة وثقيلة، فقد عرض الله الأمانة، أي التكاليف الإلهية كلها من فرائض وطاعات ومنهيات على أرجاء السماوات والأرض، فأعرضت عن حمل مسئوليتها، خوفا من حملها، وتحملها الإنسان مع ضعفه، ولكنه لم يقدّر ذلك الحمل، فكان ظلوما لنفسه، جهولا بقدر ما

стр. 2090

يحمله. والإنسان هو ابن آدم، كما قال جماعة كابن عباس والضحاك وغيرهما. والأمانة: كل شيء يؤتمن الإنسان عليه، من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة. ولام لِيُعَذِّبَ اللَّهُ هي لام العاقبة أو الصيرورة. لأن الإنسان لم يحمل الأمانة ليقع في العذاب، ولكن حمل ذلك فصار الأمر وآل إلى أن يعذّب من نافق أو أشرك، وأن يتوب على من آمن. وكان من عاقبة التكليف والرضا به هو انقسام الناس إلى فريقين: طائعين وكافرين، فيعذب الله فريق المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، لخيانتهم الأمانة وتكذيب الرسل، ونقض الميثاق، ويثيب الله المؤمنين والمؤمنات بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، العاملين بطاعة الله، وكان الله تعالى وما يزال واسع المغفرة للمقصرين التائبين، كثير الرحمة لخلقه إذا أقبلوا على ربهم، واستدركوا أخطاءهم.

стр. 2091

تفسير سورة سبأ إثبات البعث يفتتن الناس عادة بالقوة، ويمجدون الأقوياء، ويتعاطفون مع الأبطال، ويتابعون مشاهد بطولاتهم في أعمالهم، وما يلحقون به غيرهم من هزائم منكرة، ولكنهم مع الأسف الشديد لاهون، غير متأملين بمن هو مصدر القوة كلها جميعا في السماوات والأرض. وأبين دليل على قوة الله وعزته وسلطانه: خلقه السماوات والأرض، والإنسان في أقوم خلقه وأشدّ تركيب، وأحكم انسجام بين أجزاء جسده. قال الله تعالى مدللا على قدرته، وإثبات البعث، في مطلع سورة سبأ المكية، إلا قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قيل: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي ﷺ ، وقيل: هي مدنية، والمراد من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب كابن سلام وأشباهه: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) «١» «٢» [السبأ: ٣٤/ ١- ٥] .

стр. 2092

الشكر والحمد المطلق التام لله مالك السماوات والأرض وما فيهما، والمتصرف بشؤونهما، له الحمد في الآخرة كالدنيا، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة بنعمه الكثيرة، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، يدبّر شؤون خلقه أحكم تدبير، وهو خبير ببواطن الأمور وظواهرها. والألف واللام في كلمة الْحَمْدُ لاستغراق الجنس، أي الحمد بأنواعه المختلفة هو لله تعالى من جميع جهات الفكر. والصفات التي تستوجب المحامد هي في الآية: ملكه جميع ما في السماوات وما في الأرض، وعلمه المحيط بكل شيء، وخبرته وحكمته بالأشياء، لخلقه إياها، ورحمته بأنواع خلقه، وغفرانه لأهل الإيمان. ولله أيضا كل الحمد في الآخرة، فاللام والألف للجنس أيضا، وهو خبر يفيد أن لله وحده الحمد في الآخرة، لإنعامه وأفضاله ورحمته، وظهور قدرته، وغير ذلك من صفاته. والله يعلم كل ما يدخل في الأرض، كالغيث والكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والمعادن. ويعلم ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب والأرزاق، والأمطار، والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة أيضا، وأعمال العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي، والطيور، والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه. ولكن أنكر الكفار قيام القيامة، فقالوا استعجالا منهم واستهزاء بالوعيد: لن تقوم الساعة، ولا حساب، ولا حشر، ولا جنة، ولا نار، فرد الله: قل أيها النبي

стр. 2093

لهم: بلى والله لتأتينكم بلا شك أو ريب. وهذا في غاية التأكيد، بسبب القسم بالله، وتأكيد الفعل باللام، وبنون التوكيد الثقيلة. والله القادر على البعث: عالم بالغيبيات، لا يغيب عنه شيء من الموجودات، ولو كان أصغر شيء كالذرة، يعلم الأصغر والأكبر، وكل ذلك ثابت علمه، ومدوّن في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ، وبما أن العلم بالمغيبات ثابت لله تعالى، فاقتضى إمكان البعث. وقيام الساعة ضروري للحساب وإحقاق الحق والعدل بين الناس، من أجل إثابة المؤمنين الذي يعملون العمل الصالح: وهو الفرائض وكل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، وأولئك لا غيرهم لهم المغفرة، أي محو الذنوب، والرزق الكريم: وهو الجنة. وهذا هو الفريق الأول. وهو ضروري أيضا من أجل عقاب الكفار المعاندين الذين حاولوا إبطال آيات القرآن، وأدلة البعث، ظانين أنهم يفلتون من العقاب، وأولئك لا غيرهم لهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم، وهو أسوأ العذاب وأشده. إن تصور عالم الآخرة الرهيب الذي لا بد من وقوعه بعلم الله تعالى وقدرته وحكمته، والنظر في مصائر الخلائق، وفصل الحساب بينهم وتصنيفهم إلى أهل الجنة وأهل النار، كل هذا مدعاة للتأمل في هذا المصير المحتوم والإعداد له بحسن الأعمال، وتجنب سوء الأفعال. موقف المؤمنين والكافرين من البعث والنبوة تفاوتت مواقف المؤمنين والكافرين من النبوة والبعث تفاوتا كبيرا، واختلفوا اختلافا صارخا، فأهل الإيمان والعلم يرون الوحي المنزل على محمد ﷺ حقا، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن البعث حق، وأهل الكفر والجهل يرون الوحي كذبا،

стр. 2094

والبعث مستبعدا غير قائم، وأن إعادة الأجساد أحياء ضرب من البعث، وتعاموا عن قدرة الله الخارقة، وأنه قادر على خسف الأرض بهم، أو إسقاط شهب نارية من السماء تحرقهم، وهذا ما ذكرته الآيات الآتية: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٦ الى ٩] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) [سبأ: ٣٤/ ٦- ٩] . الإيمان: يقين وتصديق واطمئنان في النفس، وأهل الإيمان والعلم يرون رؤية متيقنة أن الوحي الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ حق مؤكد ثابت، وأنه يهدي (أي يرشد) إلى الطريق الأقوم، والحياة السعيدة، ويدركون أن القرآن يرشد المتبعين له إلى طريق الله ذي العزة والقوة والجبروت، وأنه القاهر لكل شيء، والمحمود في جميع أقواله وأفعاله وشرائعه وأقداره. والطريق المستقيم: هو الطريق المعتدل، وأراد طريق الشرع والدين القويم. والكفر: زيغ، وضلال، وانحراف وخطأ محض، ويقول الكافرون على سبيل الهزء والسخرية والتعجب: هل ندلكم على شخص يسمى محمدا يخبركم بخبر غريب، وهو أنكم إذا بليتم وصرتم ترابا، وتمزقت أجسادكم قطعا متفرقة، تعودون بعدئذ أحياء كما كنتم مرة أخرى؟! إن حال هذا الرجل لا يخلو أن يكون إما كذابا يدّعي الوحي من ربه، وإما أنه مجنون لا يعقل ما يقول، ويتوهم البعث. وهذا قول الكافرين، الذين قالوا:

стр. 2095

أَفْتَرى وهو من قول بعضهم لبعض. والمعنى: أافترى، دخلت ألف الاستفهام على ألف الوصل، ثم حذف ألف الوصل، وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضا عن محمد ﵌. ثم أضرب القرآن الكريم عن قولهم، أي قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، فكأنه قال: ليس الأمر كما قالوا، بل الذين كفروا ولم يصدقوا بالآخرة: هم في العذاب الدائم في عالم الآخرة، وهم في الدنيا في الضلال البعيد عن الحق. فقوله تعالى: فِي الْعَذابِ يريد: عذاب الآخرة، لأنهم يصيرون إليه، وقوله: فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ يريد، أنهم في غاية البعد عن الصواب والطريق الذي ضل منه، بسبب حيرة صاحبه. واحتاجوا إلى التنبيه على قدرة الله الخلاقة بخلق السماوات والأرض، والتوبيخ على عدم التفكر والتدبر في ذلك الخلق، فقيل لهم: أفلم ينظروا أمامهم وخلفهم إلى السماء الناطقة بوجود القادر، والأرض الدالة على وجود الصانع؟! فلو نظروا إلى السماء والأرض، لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب لهم، فإن يرد الله يخسف بهم الأرض، كما خسفها بقارون، أو يسقط عليهم قطعا أو شهبا نارية من السماء تحرقهم، كما أسقطها على أصحاب الأيكة، فلو شاء الله لفعل ذلك بهم. إن في ذلك، أي في إحاطة السماء بالمرء، ومماسّة الأرض له على كل حال، لعلامة قاطعة، ودلالة واضحة على وجود الله وقدرته لكل عبد فظن رجّاع إلى الله تعالى، لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وخلق الأرض في انخفاضها وسعتها، قادر على إعادة الأجساد كما كانت. والمنيب: هو الراجع إلى الله . لقد تكررت الآيات القرآنية المرشدة إلى الإيمان بالبعث وتقدير قدرة الله الفائقة،

стр. 2096

مثل قول الله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر: ٤٠/ ٥٧] . وقوله : أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى [يس: ٣٦/ ٨١] . ما أكثر الأدلة المقنعة على وجود الله وقدرته، وإثباته إمكان البعث وجمع الناس ليوم القيامة، ولكن التعامي عن الحقائق سمة أهل الضلال وذوي الأهواء، الذين يؤثرون مصالحهم الذاتية القريبة على الباقي الدائم. النعم الإلهية على داود وسليمان ﵉ أنعم الله تعالى على داود وسليمان ﵉ بنعم عظيمة عجيبة، ما تزال موضع إعجاب وإكبار، وتقدير وإعظام، ولم يتكرر بعضها إلى الآن لأحد من البشر، وقد كان ذلك الإنعام محل شكر وحمد من هذين النبيين الكريمين، لأنهما قدوة للناس. وأهم هذه النعم: ثلاثة على كل من داود وسليمان، وهي تسخير الجبال لداود وتسبيحها معه، ويقابلها تسخير الريح لسليمان، وتسخير الطير لأداء الخدمات لداود ونظيرها تسخير الجن لسليمان، وإلانة الحديد لداود في مقابل إلانة النحاس لسليمان، وهذا ما تبيّنه في الآيات الآتية: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٠ الى ١٤] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤) «١» «٢»

стр. 2097

«١» «٢» [سبأ: ٣٤/ ١٠- ١٤] . منح الله تعالى داود ﵇ فضلا منه وكرما نعما عظيمة ثلاثا من خلال الجمع له بين النبوة والملك العظيم، أولها: ترجيع الجبال مع ترانيمه وتسابيحه، فكان إذا سبّح سبّحت معه الجبال، ويسمع صداها. وتسخير الطيور له، يفهم لغتها، ويستخدمها في قضاء حاجاته، والانة الحديد له، فيصير في يديه كالعجين، من غير طرق ولا إذابة في النار، ليعمل بها الدروع الواسعة، وينسجها نسجا محكم الحلقات بحيث تكون حلقها منسجمة متوالية غير متفاوتة، فلا هي ضيقة ولا واسعة ولا ثقيلة، وهذا يحقق حاجة داود حيث كان عصره عصر حروب وقتال مع الملك المعاصر له. وهذا هو المراد بقوله تعالى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي قدر تقديرا سديدا في نسج الدروع المحكمة، بحيث تجمع بين الخفة والمتانة، والتوسط والاعتدال، فلا تكون الحلقات صغيرة ولا كبيرة، وهذه نعم تستحق الشكر، ومردودها على آل داود، لذا قال الله لهم: وَاعْمَلُوا صالِحاً أي اعملوا يا آل داود عملا صالحا فيما أمدكم الله به من النعم، ثم توعدهم بقوله: إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي لا يخفى علي أمركم، فإني بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي شيء منها. وهذا ترغيب في العمل الصالح، وتحذير من التقصير والإهمال. وكذلك منح الله تعالى نعما ثلاثا أخرى لسليمان بن داود ﵉ وهي تسخير الريح، أي تذليلها له، بحيث يكون غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة

стр. 2098

شهر. والغدو: السير وقت الغداة من أول النهار إلى منتصفه، والرواح: الجريان في منتصف النهار إلى الغروب. ومن يعدل من الجن ويخرج عن طاعة سليمان نذقه بعض العذاب المؤلم. إما في النار بالحريق، وإما في الآخرة بالنار الدائمة، وهذه النعمة كتسخير الجبال لداود. والنعمة الثانية: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي وأذبنا له عين النحاس، كما ألنا الحديد لداود، فكان يصنع منه ما يشاء، دون نار ولا مطرقة. وسمي عينا، لأنه سال من معدنه سيلان الماء من الينبوع. والنعمة الثالثة: تسخير الجن لخدماته، فكانوا يعملون بين يديه ما يشاء من محاريب الصلاة، والتماثيل الكبيرة المباحة في شرعه، والجفان، أي القصاع الكبيرة كالحفر الكبيرة، وهي آنية الأكل، وقدور الطبخ الثابتات في أماكنها، فلا تتحرك عن مواضعها لعظمتها وثقلها. وهذه النعمة ذات مرود نفعي أيضا على آل سليمان، لذا قال الله لهم: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً أي اعملوا يا آل داود بطاعة الله، شكرا له على ما أمدكم به من النعم الدينية والدنيوية، وقليل هو الشاكر من عبادي، والشكر في الحقيقة: ليس مجرد الحمد باللسان، وإنما هو استعمال جميع الحواس والأعضاء المخلوقة للإنسان فيما خلقت له من المنافع المباحة. والشكور: صيغة مبالغة، وهو الّذي يشكر الله في جميع أحواله من الخير والضر. وأخبر الله تعالى بمناسبة تسخير الجن لسليمان عن اختصاص الله بعلم الغيب، حتى إن الله تعالى لما أمات سليمان، ظل ميتا قائما، متكئا على عصاه، ولم تعلم الجن بموته، وبقوا يعملون أمامه خوفا منه، ولم يدلّهم على موته إلا سوسة العود، أي حيوان الأرض أو الأرضة التي نخرت عصاه من الداخل، فلما سقط بوقوع عصاه،

стр. 2099

ظهر للجن أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب، ولو صح ما زعموا أنهم يعلمون الغيب، لعلموا بموته، وهو أمامهم، ولم يبقوا مدة من الزمان ماكثين في العمل الشاق الذي سخرهم فيه لإنجازه، ظانين أنه حي، والجن القائمون بالعمل المهين، أي المذل من الهوان، لم يكونوا مؤمنين، لأن المؤمن لا يعذب بعذاب مهين. أهل سبأ وسيل العرم حذر القرآن الكريم من أمرين خطيرين: وهما الإشراك بالله، وجحود النعم الإلهية، وأبان حال الكافرين بأنعم الله كأهل مكة القرشيين وقت نزول الوحي الإلهي، وأنذرهم بالاعتبار والاتعاظ بقصة أهل سبأ، وأوعد كل من يجحد بنعم الله تعالى بعقاب مماثل. وأنزل الله تعالى آيات تبين قصة سبأ وتدمير بيوتهم بسيل العرم. وسبب النزول: ما أخرج ابن أبي حاتم: أن فروة بن مسيك الغطفاني ﵁ قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إن سبأ قوم كان لهم في الجاهلية عز، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: ما أمرت فيهم بشيء بعد، فأنزلت هذه الآية: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الآيات. قال الله تعالى: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٥ الى ٢١] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) «١» «٢» «٣»

стр. 2100

[سبأ: ٣٤/ ١٥- ٢١] . المعنى: لقد كان لقبيلة سبأ في مساكنهم في مأرب باليمن علامة على قدرة الله تعالى بإحياء الأرض بعد موتها، وهي بستانان عن يمين الوادي وشماله، وفيهما جميع الثمار، يقال لهم بلسان الحال أو المقال: كلوا من رزق أو ثمار ربكم في هذين البستانين، واشكروا الله على ما رزقكم من هذه النعم، فهذه بلدة طيبة بطيب أشجارها وثمارها وجمال مناخها، والله المنعم عليكم غفور لذنوب الموحدين التائبين. فأعرضوا عن توحيد الله وعبادته وطاعته وعن شكره على ما أنعم عليهم، ومالوا لعبادة الشمس من دون الله تعالى، فأرسل الله عليهم سيل العرم، أي المياه الكثيرة، فحطمت سد مأرب، فملأ الماء الوادي، وأغرق البساتين، ودمّر البيوت، وأبدلهم الله بتلك البساتين الغناء بساتين لا خير فيها، فيها أشجار ذات ثمر مرّ وهي الأراك، وأثل: وهو الطرفاء، وسدر، أي نبق ذو شوك كثير وثمر قليل. وسبب ذلك العقاب أو التبديل: هو مجازاة كفرهم أو شركهم بالله، وتكذيبهم الحق، ولا يعاقب الله تعالى إلا المغرق في الكفر، الجحود النعم. وأنعم الله تعالى عليهم بنعم أخرى: هي جعل قرى مرتفعة عامرة بين قراهم وقرى الشام التي بارك الله فيها بالمياه والخيرات، وجعل فيها محطات متعاقبة ذات مسافات متناسبة، وقيل لهم: سيروا في طرقات تلك القرى ليالي وأياما آمنين. فبطروا النعمة وسئموها، وتمنوا طول الأسفار وتباعد الديار، وقالوا: ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي نسافر إليها مفاوز وصحارى، لركوب الرواحل،

стр. 2101

والتزود بالماء، ليتميزوا ويتكبروا على الفقراء العجزة، وظلموا أنفسهم بهذا الطلب، فجعلهم الله عبرة للمعتبر، وحديثا للناس يتحدثون به، وفرّقناهم في البلاد كل تفريق، فصارت العرب تضرب بهم المثل قائلين: «تفرّق القوم أيدي سبأ» أي مذاهب سبأ وطرقها، إن في ذلك البلاء والتدمير الذي حلّ بهم لعلامات مؤثرة لكل عبد كثير الصبر على المصائب، وكثير الشكر على النعم. وتالله لقد حقق إبليس فيهم ظنه، إذ أغواهم، فانقادوا له، وعصوا ربهم، وعبدوا الشمس من دون الله، إلا فريقا منهم انتصروا على وساوس الشيطان، وبقوا طائعين لله تعالى. ولم يكن لإبليس على هؤلاء القوم حجة وبرهان، ولم يكرههم على الكفر، وإنما كان له الوسوسة والتزيين فقط، والابتلاء بوسوسته، ليظهر للملأ حال من يؤمن بالآخرة وحسابها وجزائها من ثواب وعقاب، من غير المؤمن بها، الشاك في وجودها، وربك أيها النبي رقيب على كل شيء، وسيجازي الكفار على أعمالهم في الآخرة. إبطال شفاعة آلهة المشركين يتحدى الحق ﷻ المشركين ويتهكم منهم في زعمهم الاستعانة بآلهتهم المزعومة من الأوثان والأصنام، ويقيم عليهم الحجة بإقرارهم أن الله الخالق هو الذي يرزقهم، ويهددهم بالحساب العسير يوم القيامة، وبالكشف عن آلهتهم، ويؤكّد لهم عموم الرسالة النبوية، ويرد على استبعادهم وجود يوم القيامة، فإن لهم ميعادا محددا من غير تقديم ولا تأخير، قال الله تعالى مقررا هذه المناقشات والحقائق: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٢ الى ٣٠] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)

стр. 2102

«١» [سبأ: ٣٤/ ٢٢- ٣٠] . قل أيها النبي للمشركين القرشيين وأمثالهم: نادوا آلهتكم المزعومة من الأصنام لكشف الضر عنكم، في سنوات القحط الذي نزل بكم، أو جلب النفع لكم. والجواب معلوم، فإن تلك الآلهة المزعومة لا يملكون شيئا أبدا، ولو بمثقال أو وزن ذرة في السماوات والأرض، ولا شراكة لهم أصلا، وليس لله تعالى منهم شريك أو معين. ولا تنفع الشفاعة عند الله في أي حال إلا بإذن الله لمن شاء، لا من الأصنام ولا من غيرها، من الملائكة والأنبياء والبشر ونحوهم، والذي يحدث بعد انتظار الإذن بالشفاعة أن الناس والملائكة يقفون فزعين خائفين منتظرين الإذن، فإذا أذن للشافعين وزال الخوف من نفوسهم، قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا: يقول ربنا القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، والله هو المتعالي المتكبر العظيم. وقل أيضا أيها النبي للمشركين عبدة الأوثان على سبيل التوبيخ واللوم: من

стр. 2103

الرازق لكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بالنبات والثروات المعدنية ونحوها، وإننا نحن أو إياكم إما مصيب أو مخطئ، والمصيب واحد، والآخر مخطئ أو مبطل، وهذا أسلوب في غاية اللطف والأدب في المحاورة، لاستدراج الخصم إلى النظر في حاله وحال غيره، وهي دعوة إلى الحرية واختيار المخاطب ما يحقق له المصلحة، والاعتراف بخطئه وإصابة غيره. والمراد: أن الخطأ واضح في وصف المخاطبين، كما تقول لمن خالفك في مسألة: أحدنا مخطئ، أي تثبّت وتنبّه. وقل أيها الرسول أيضا للمشركين على سبيل المهادنة والمتاركة: لستم أنتم مسئولين عنا إن أخطأنا أو أجرمنا في عبادة الله وحده، ونحن لا نسأل عما تعملون من خير أو شر، ومعنى هذا التبري منهم، فلستم منا ولا نحن منكم، ودعوتنا واضحة إلى توحيد الله، فإن أعرضتم فنحن برآء منكم. وقل كذلك يا نبي الله للمشركين: إن ربنا يجمع بيننا يوم القيامة في ساحة الحساب، ويقضي بيننا بالحق والعدل، والله هو القاضي العادل الحاكم بالصواب، العالم بحقائق الأمور، ويجزي كل عامل بعمله. قل يا نبي الله لهم أيضا: أروني هذه الآلهة التي اتخذتموها أندادا ونظراء لله، حتى أشاهدهم، وأشاهد ما يقدرون عليه، الحق واضح، كلا، أي فارتدعوا عن ادعاء المشاركة، فلا شريك لله، بل هو الله الواحد الأحد، الغالب القاهر، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه. وليعلموا أننا أيها النبي أرسلناك رسولا للناس قاطبة، العرب والعجم، الأبيض والأسود، مبشرا الطائع بالجنة، ومنذرا العاصي بالنار، لكن أكثر الناس لا يعلمون بعموم الرسالة النبوية ولا بمهمة التبشير والإنذار، ولا بخطورة الضلال. ويتساءل المشركون تهكما وتعنتا: متى الوعد الذي تعدنا به وهو قيام الساعة إن كنتم صادقين

стр. 2104

في قولكم؟ والجواب: لكم موعد يوم مؤجل محدد لا شك فيه، هو يوم القيامة، لا تتأخرون عنه ساعة ولا تتقدمون عليه. حوار القادة والأتباع في الآخرة لم يكن المشركون الوثنيون في مكة وغيرها يؤمنون بالقرآن ولا بما تقدمه من الكتب الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور، وكأنهم كذّبوا بجميع كتب الله تعالى، مما أوجب عليهم العقاب الشديد في الآخرة، وتراهم أذلة مهانين، يتخاصمون ويتحاورون فيما بينهم، فيلوم الأتباع سادتهم، ويتبرأ المستكبرون من الأتباع ومن إضلالهم، فيلزمهم الأتباع بكذبهم، ويستوي الفريقان في العذاب الأليم، يصف الحق سبحانه في قرآنه مشاهد من هذا الحوار في الآيات الآتية: [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٣] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) «١» [سبأ: ٣٤/ ٣١- ٣٣] . استبد العناد بالكفار الظالمين المشركين وأصروا على عدم الإيمان، وقال جماعة من مشركي العرب في مكة وغيرها: لن نؤمن بالقرآن ولا بالكتب السابقة، كالتوراة

стр. 2105

والإنجيل والزبور، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والهلاك، فلو نظرت إليهم أيها الرسول حين يكون الكافرون أذلة مهانين، محبوسين في موقف الحساب، يتخاصمون ويتجادلون، ويتبادلون التهم والملامة والعتاب، لرأيت أمرا عجبا. ولون هذا الجدل: أن يقول الأتباع الضعفاء للسادة المتكبرين في الدنيا: لولا صدّكم لنا عن الإيمان الصحيح، لكنا مؤمنين بالله مصدقين برسوله وكتابه وشرعه، أي لولا أنتم لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر. فأجابهم القادة على سبيل التكذيب: أنحن منعناكم عن الهدى، بعد أن جاءكم من عند الله؟ لا، بل كنتم مجرمين، أي دخلتم الكفر ببصائركم واختياركم وإرادتكم، ودعوتنا لم تكن لازمة لكم، لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان. فردّ الأتباع على الرؤساء: بل كفرنا بسبب مكركم، أي احتيالكم وخديعتكم، في الليل والنهار، حين طلبتم منا البقاء على الكفر بالله، وأن نجعل له أندادا، أي أشباها وأمثالا في الألوهية والعبادة. وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما، ولتدل هذه الإضافة على الحرص والدأب والاستمرار. وأسرّ الفريقان الندامة، أي اعتقدوها في نفوسهم، وأخفوها عن غيرهم، خشية الشماتة، وظهرت علائم الندامة حين واجهوا العذاب المحدق بهم، وتيقنوا حصولهم فيه، وحين تكبيلهم بالأغلال، أي القيود والسلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم في النار. وكان التساؤل المنطقي القائم على العدل: هل يجازون إلا بعملهم؟ أي إنما نجازي الفريقين وأمثالهم، كل بحسب عمله، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، فللقادة عذاب يناسبهم، وللأتباع عذاب آخر يلائمهم، ولا ظلم ولا تحامل، كما جاء في آية أخرى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤١/ ٤٦] . إن كفران المشركين بما
следующие страницы →