والتزود بالماء، ليتميزوا ويتكبروا على الفقراء العجزة، وظلموا أنفسهم بهذا الطلب، فجعلهم الله عبرة للمعتبر، وحديثا للناس يتحدثون به، وفرّقناهم في البلاد كل تفريق، فصارت العرب تضرب بهم المثل قائلين: «تفرّق القوم أيدي سبأ» أي مذاهب سبأ وطرقها، إن في ذلك البلاء والتدمير الذي حلّ بهم لعلامات مؤثرة لكل عبد كثير الصبر على المصائب، وكثير الشكر على النعم.
وتالله لقد حقق إبليس فيهم ظنه، إذ أغواهم، فانقادوا له، وعصوا ربهم، وعبدوا الشمس من دون الله، إلا فريقا منهم انتصروا على وساوس الشيطان، وبقوا طائعين لله تعالى.
ولم يكن لإبليس على هؤلاء القوم حجة وبرهان، ولم يكرههم على الكفر، وإنما كان له الوسوسة والتزيين فقط، والابتلاء بوسوسته، ليظهر للملأ حال من يؤمن بالآخرة وحسابها وجزائها من ثواب وعقاب، من غير المؤمن بها، الشاك في وجودها، وربك أيها النبي رقيب على كل شيء، وسيجازي الكفار على أعمالهم في الآخرة.
إبطال شفاعة آلهة المشركين
يتحدى الحق ﷻ المشركين ويتهكم منهم في زعمهم الاستعانة بآلهتهم المزعومة من الأوثان والأصنام، ويقيم عليهم الحجة بإقرارهم أن الله الخالق هو الذي يرزقهم، ويهددهم بالحساب العسير يوم القيامة، وبالكشف عن آلهتهم، ويؤكّد لهم عموم الرسالة النبوية، ويرد على استبعادهم وجود يوم القيامة، فإن لهم ميعادا محددا من غير تقديم ولا تأخير، قال الله تعالى مقررا هذه المناقشات والحقائق:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٢ الى ٣٠]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)
стр. 2102
«١» [سبأ: ٣٤/ ٢٢- ٣٠] .
قل أيها النبي للمشركين القرشيين وأمثالهم: نادوا آلهتكم المزعومة من الأصنام لكشف الضر عنكم، في سنوات القحط الذي نزل بكم، أو جلب النفع لكم.
والجواب معلوم، فإن تلك الآلهة المزعومة لا يملكون شيئا أبدا، ولو بمثقال أو وزن ذرة في السماوات والأرض، ولا شراكة لهم أصلا، وليس لله تعالى منهم شريك أو معين.
ولا تنفع الشفاعة عند الله في أي حال إلا بإذن الله لمن شاء، لا من الأصنام ولا من غيرها، من الملائكة والأنبياء والبشر ونحوهم، والذي يحدث بعد انتظار الإذن بالشفاعة أن الناس والملائكة يقفون فزعين خائفين منتظرين الإذن، فإذا أذن للشافعين وزال الخوف من نفوسهم، قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا: يقول ربنا القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، والله هو المتعالي المتكبر العظيم.
وقل أيضا أيها النبي للمشركين عبدة الأوثان على سبيل التوبيخ واللوم: من
стр. 2103
الرازق لكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بالنبات والثروات المعدنية ونحوها، وإننا نحن أو إياكم إما مصيب أو مخطئ، والمصيب واحد، والآخر مخطئ أو مبطل، وهذا أسلوب في غاية اللطف والأدب في المحاورة، لاستدراج الخصم إلى النظر في حاله وحال غيره، وهي دعوة إلى الحرية واختيار المخاطب ما يحقق له المصلحة، والاعتراف بخطئه وإصابة غيره. والمراد: أن الخطأ واضح في وصف المخاطبين، كما تقول لمن خالفك في مسألة: أحدنا مخطئ، أي تثبّت وتنبّه.
وقل أيها الرسول أيضا للمشركين على سبيل المهادنة والمتاركة: لستم أنتم مسئولين عنا إن أخطأنا أو أجرمنا في عبادة الله وحده، ونحن لا نسأل عما تعملون من خير أو شر، ومعنى هذا التبري منهم، فلستم منا ولا نحن منكم، ودعوتنا واضحة إلى توحيد الله، فإن أعرضتم فنحن برآء منكم.
وقل كذلك يا نبي الله للمشركين: إن ربنا يجمع بيننا يوم القيامة في ساحة الحساب، ويقضي بيننا بالحق والعدل، والله هو القاضي العادل الحاكم بالصواب، العالم بحقائق الأمور، ويجزي كل عامل بعمله.
قل يا نبي الله لهم أيضا: أروني هذه الآلهة التي اتخذتموها أندادا ونظراء لله، حتى أشاهدهم، وأشاهد ما يقدرون عليه، الحق واضح، كلا، أي فارتدعوا عن ادعاء المشاركة، فلا شريك لله، بل هو الله الواحد الأحد، الغالب القاهر، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه.
وليعلموا أننا أيها النبي أرسلناك رسولا للناس قاطبة، العرب والعجم، الأبيض والأسود، مبشرا الطائع بالجنة، ومنذرا العاصي بالنار، لكن أكثر الناس لا يعلمون بعموم الرسالة النبوية ولا بمهمة التبشير والإنذار، ولا بخطورة الضلال. ويتساءل المشركون تهكما وتعنتا: متى الوعد الذي تعدنا به وهو قيام الساعة إن كنتم صادقين
стр. 2104
في قولكم؟ والجواب: لكم موعد يوم مؤجل محدد لا شك فيه، هو يوم القيامة، لا تتأخرون عنه ساعة ولا تتقدمون عليه.
حوار القادة والأتباع في الآخرة
لم يكن المشركون الوثنيون في مكة وغيرها يؤمنون بالقرآن ولا بما تقدمه من الكتب الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور، وكأنهم كذّبوا بجميع كتب الله تعالى، مما أوجب عليهم العقاب الشديد في الآخرة، وتراهم أذلة مهانين، يتخاصمون ويتحاورون فيما بينهم، فيلوم الأتباع سادتهم، ويتبرأ المستكبرون من الأتباع ومن إضلالهم، فيلزمهم الأتباع بكذبهم، ويستوي الفريقان في العذاب الأليم، يصف الحق سبحانه في قرآنه مشاهد من هذا الحوار في الآيات الآتية:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)
«١» [سبأ: ٣٤/ ٣١- ٣٣] .
استبد العناد بالكفار الظالمين المشركين وأصروا على عدم الإيمان، وقال جماعة من مشركي العرب في مكة وغيرها: لن نؤمن بالقرآن ولا بالكتب السابقة، كالتوراة
стр. 2105
والإنجيل والزبور، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والهلاك، فلو نظرت إليهم أيها الرسول حين يكون الكافرون أذلة مهانين، محبوسين في موقف الحساب، يتخاصمون ويتجادلون، ويتبادلون التهم والملامة والعتاب، لرأيت أمرا عجبا.
ولون هذا الجدل: أن يقول الأتباع الضعفاء للسادة المتكبرين في الدنيا: لولا صدّكم لنا عن الإيمان الصحيح، لكنا مؤمنين بالله مصدقين برسوله وكتابه وشرعه، أي لولا أنتم لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر.
فأجابهم القادة على سبيل التكذيب: أنحن منعناكم عن الهدى، بعد أن جاءكم من عند الله؟ لا، بل كنتم مجرمين، أي دخلتم الكفر ببصائركم واختياركم وإرادتكم، ودعوتنا لم تكن لازمة لكم، لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان.
فردّ الأتباع على الرؤساء: بل كفرنا بسبب مكركم، أي احتيالكم وخديعتكم، في الليل والنهار، حين طلبتم منا البقاء على الكفر بالله، وأن نجعل له أندادا، أي أشباها وأمثالا في الألوهية والعبادة. وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما، ولتدل هذه الإضافة على الحرص والدأب والاستمرار.
وأسرّ الفريقان الندامة، أي اعتقدوها في نفوسهم، وأخفوها عن غيرهم، خشية الشماتة، وظهرت علائم الندامة حين واجهوا العذاب المحدق بهم، وتيقنوا حصولهم فيه، وحين تكبيلهم بالأغلال، أي القيود والسلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم في النار.
وكان التساؤل المنطقي القائم على العدل: هل يجازون إلا بعملهم؟ أي إنما نجازي الفريقين وأمثالهم، كل بحسب عمله، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، فللقادة عذاب يناسبهم، وللأتباع عذاب آخر يلائمهم، ولا ظلم ولا تحامل، كما جاء في آية أخرى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤١/ ٤٦] . إن كفران المشركين بما
стр. 2106
أنزل الله على رسله وبخاصة القرآن الكريم الكتاب الخالد يجعلهم في عداد الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، ولن يضروا سوى أنفسهم. وعقابهم شديد وأليم في الدار الآخرة. ومما لا شك فيه أن القادة إلى الضلال أسوأ من الأتباع، فهم الذين يستحقون مضاعفة العذاب وأليم العقاب، ولكن يشاركهم الأتباع في هذا العذاب، لأنهم عطلوا نعمة العقل والوعي، وقلّدوا غيرهم تقليدا أعمى، وكان جديرا بهم أن يتحرروا من ربقة التقليد، فكانت عقائدهم فاسدة، وأعمالهم سيئة كقادتهم، فاستحقوا جميعا التخليد في عذاب جهنم، وبئس المصير.
موقف المشركين المترفين
يصحب الترف والغنى عادة عند المترفين مظاهر التكبر والتفاخر بزينة الدنيا ومباهجها، مغترين بالأموال والثروات والأولاد، فيقعون في تصرفات شاذة، وتكون لهم مواقف مستهجنة من الدين والعقيدة والأخلاق، لانهماكهم في الشهوات والمعاصي، وهذا كله يحتاج لحملة قوية، لتصحيح أحوالهم، وثنيهم عن استكبارهم، وهو حال المشركين الوثنيين الذين جاءهم القرآن الكريم بآيات عديدة وأدلة دامغة، ليعودوا إلى جادة الاستقامة، ويرعووا عن غيهم وضلالهم، من تلك الآيات الشريفة ما يأتي:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
стр. 2107
«١» [سبأ: ٣٤/ ٣٤- ٣٩] .
نزلت الآية الأولى وما بعدها فيما
أخرجه ابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: «كان رجلان شريكان، خرج أحدهما إلى الشام، وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما عمل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس «٢» ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دلّني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ فقال: إلى كذا وكذا، فقال:
أشهد أنك رسول الله، فقال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم، فنزلت هذه الآية: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ..
الآية، فأرسل إليه ﷺ : إن الله قد أنزل تصديق ما قلت» .
هذه الآيات مؤانسة من الله لنبيه عما يلقاه من إعراض قومه عن دعوته، والمعنى: لم نبعث إلى أهل كل قرية نبيا أو رسولا، يحذّرهم ويخوفهم عقاب الله إلا قال الأغنياء المترفون منهم: إنا مكذّبون بما أرسلتم به من توحيد الله والإيمان به.
واعتمد هؤلاء الأغنياء على الاغترار بالأموال والأولاد، فقالوا لمن دونهم في الثروة: إن الله فضّلنا عليكم بالأموال والأولاد، وأنتم ضعاف فقراء، مما يدل على تميزنا ورضا الله عنا، وما نحن عليه، ولسنا بمتعرضين للعذاب إطلاقا، لأن الله الذي تدعونا إليه منحنا هذه النعم، فهو إذن راض عنا.
فقل أيها الرسول في الرد عليهم: إن الله يمنح الرزق أو المال لمن أحب ولمن لم يحب، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ولكن أكثر الناس مثلكم لا يعلمون حقيقة
стр. 2108
سنة الله في خلقه، فقياسكم الآخرة على الدنيا خطأ محض، وليس الأمر كما ظننتم، بل بسط الرزق وتقديره أو تقتيره معلّق بالمشيئة الإلهية، في الكافر والمؤمن، وليس ذلك دليلا على رضا الله والقرب منه، لأنه قد يعطي الرزق أملا واستدراجا، ولأن أساس التقرب من الله هو الإيمان والعمل الصحيح فقط.
وليست كثرة أموالكم وأولادكم دليلا على محبة الله لكم ورضاه عنكم، ولا هي مما تقربكم إلى رحمتنا وفضلنا، لأن التقريب إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، فالمؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، الذين يعملون صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات هم المقربون لله تعالى.
أما الذين يحاولون الطعن بآياتنا مغالبين زاعمين التفوق، فهم جميعا مقدّمون للعذاب، من غير مهرب ولا إفلات، وبيان حال هؤلاء المؤمنين بعد بيان حال الكافرين وتوضيح جزاء كل فريق، ليظهر تباين المنازل، وتكون المقارنة حافزا على الاستقامة، وترك الضلالة.
ثم أوضح الله تعالى نظامه في الإمداد بالرزق، فأمر نبيه أن يقول: إن ربي وحده هو الذي يوسع الرزق على من يريد من عباده، ويضيّقه على من يريد، على وفق ما يجده من الحكمة السديدة التي لا يدركها سواه.
وليطمئن كل إنسان على رزقه، فكل ما تنفقونه أيها الناس في فعل الخير، فالله يعوضه عليكم بالبديل في الدنيا، أو بالجزاء في الآخرة، والله هو الرازق في الحقيقة، وما مساعي الناس إلا وسائط وأسباب، وهذا تزهيد في الدنيا، وترغيب في عمل الخير، والإنفاق في مرضاة الله تعالى.
стр. 2109
حال الكفار يوم القيامة
إذا لم يستجب الكافر لمنطق العقل ودلالة الحجة والبرهان، كان جاهلا غبيا، فلا ينفع معه الا التهديد والوعيد، لذا سلك القرآن الكريم هذا المسلك حينما لم يصغ المشركون لنداء العقل والمنطق، وأصروا على الكفر والضلال، فاستحقوا الوعيد والإنذار، والتخويف بالعذاب الشديد يوم القيامة، لا على مجرد تكذيبهم النبي، بل على افترائهم ووصفهم الوحي والنبوة بالإفك المفترى، أو السحر الواضح، دون أن يكون لهم دليل مقبول على ذلك من كتاب منير، أو منذر مبين، وكانوا مثل من تقدمهم من الأقوام الذين كذبوا الرسل، مع أنهم لم يبلغوا في القوة والنعم والتفوق وكثرة المال عشر معشار من قبلهم، وصف الله تعالى هذه الأوضاع بما يأتي:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)
«١» [سبأ: ٣٤/ ٤٠- ٤٥] .
هذه آيات وعيد للكفار، فيوم يجمع الله تعالى العابدين والمعبودين، والقادة والأتباع، ثم يسأل الله الملائكة الذين عبدتهم جماعات وثنية: أهؤلاء كانوا يعبدونكم، وأنتم أمرتموهم بعبادتكم؟ وهذا سؤال تقريع وتوبيخ أمام الخلائق،
стр. 2110
ليسمع الآخرون. فقالت الملائكة: سبحانك، أي تنزيها لك يا رب عن الشريك وعما فعل هؤلاء الكفرة، نحن عبيدك، وأنت مولانا وناصرنا، ومتولي أمورنا، ونتبرأ إليك منهم، ولم نتخذهم عابدين، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين، أكثرهم مصدّقون بهم، فيما يلقون إليهم من الوساوس والأكاذيب. فقولهم أَنْتَ وَلِيُّنا يريدون به البراءة من أن يكون لهم علم أو رضا أو مشاركة في أن يعبدهم البشر.
ثم يعلن الله إفلاس المشركين، ففي يوم القيامة لا يملك أحدهم للآخر نفعا ولا ضرا، ولا يتحقق لهم منفعة من الأصنام والمعبودين، ولا يجلبون لهم ضررا أو سوءا.
وحينئذ يقول الله توبيخا وتقريعا للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والضلال: ذوقوا عذاب جهنم، الذي كنتم تكذبون بوقوعه في الدنيا، فأنتم الآن في حميم النار، وفي لظى السعير.
وأسباب استحقاق الكفار نار جهنم ثلاثة: الطعن بالنبي ﷺ ، وبالقرآن المجيد، وبالإسلام كله.
أما الطعن بالنبي: فإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدالة على إثبات التوحيد، وإبطال الشرك قالوا: ما هذا الرجل، أي محمد إلا رجل يريد صرفكم عن دين الآباء والأجداد من عبادة الأصنام.
وأما الطعن بالقرآن: فإنهم يقولون أيضا: ما هذا الكتاب، أي القرآن إلا إفك مفترى، أي كذب مختلق من قبل محمد، ويدعي أنه من عند الله.
وأما الطعن بالإسلام كله: فإنهم يقولون: ما هذا الدين أو الإسلام إلا سحر ظاهر، بما اشتمل عليه من استجلاب النفوس واستمالة الأسماع. تعالى الله عن أقوالهم، وتنزه شرع الله عن طعنهم.
إنهم يقولون بآرائهم الباطلة هذه الأقوال، من وصف كتاب الله بالسحر أو
стр. 2111
الافتراء، وليس لهم دليل أصلا على ما زعموا، فلم ينزل الله عليهم كتابا قبل القرآن يقرر لهم دينا، ولم يرسل الله إليهم نبيا قبل محمد ﷺ يدعوهم إلى الحق، ولم يبعث الله لهم منذرا ينذرهم عذاب الله.
ولا قيمة لتكذيبهم وتشنيعهم، فلقد كذّبت بالرسل قبلهم أقوام كقوم نوح وعاد وثمود، ولم يبلغوا بقوتهم وماليتهم عشر ما آتى الله السابقين من ذلك، فلم يمنع ذلك عنهم عذاب الله، وكيف كان إنكاري الشديد عليهم؟
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ تعظيم للأمر، وليس استفهاما مجردا، وفي هذا تهديد لقريش، أي إنهم معرّضون لنكير وعذاب مثله، فما جرى على المثيل يجري على مثيله، لتساويهما في سبب العقاب، فيتساويان في الحكم والجزاء.
إن وضع المكذبين لرسول الله مجرد استكبار وعناد، وهم يعرفون الحق معرفة تامة، ولكنهم يحيدون عنه من غير حجة بينة، ولا دليل بيّن، ولا عذر لهم إلا التقليد المتوارث للآباء والأجداد، وإهمال عقولهم وتفكيرهم ووعي ظروف المستقبل.
الدعوة إلى الإيمان والعبادة والنبوة
أمر الله نبيه بدعوة الناس قاطبة إلى عبادة الله تعالى وطاعته والإخلاص له، والنظر في حقيقة نبوته هو، والإيمان بالقرآن والقيامة والحساب والجزاء، وذلك لإنقاذ أنفسهم من العذاب الأليم، والبعد عن دائرة الكفر ومفاسده، والضلال ومذاهبه، والسير في فلك الحق ونفعه، والبعد عن الباطل وخسرانه، قبل أن يأتي يوم القيامة، فلا ينفعهم إيمان بالقرآن والنبي محمد ﷺ ، لأن الآخرة دار الحساب والجزاء، والدنيا دار التكليف والاختبار، وهذا صريح الآيات الآتية:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٦ الى ٥٤]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
стр. 2112
«١» «٢» «٣» [سبأ: ٣٤/ ٤٦- ٥٤] .
المعنى: قل أيها النبي للمشركين: أحذركم عاقبة السوء، وآمركم بخصلة أو قضية واحدة: وهي التأمل والنظر في حقيقة النبوة، وعبادة الله تعالى، وفي طاعته، إما مثنى (اثنين اثنين) وإما فرادى (واحد واحد) لأن الاجتماع الكثير يشوش الفكر، وينشر الغوغائية، وحينئذ تعلمون أن صاحبكم ليس بساحر ولا مجنون، وإنما هو نبي مؤيد من عند الله بالمعجزات المصدقة له، وأنه منذركم ومخوفكم ما ينتظركم من عذاب شديد على النفوس يوم القيامة.
وقل أيها النبي أيضا للمشركين: لم أطلب منكم أجرا ولا عطاء على أداء رسالة الله إليكم، فما ثوابي أو أجري إلا على الله تعالى، والله مطلع على كل شيء، وعالم به، من صدقي بتبليغ الرسالة، وإعلامكم بالنبوة. وهذا أمر من الله تعالى بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة، وتسليم كل دنيا إلى أهلها والتوكل على الله في الأجر، والإقرار بأنه شاهد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك. إن ربي عالم الغيب والشهادة يصطفي للنبوة من يشاء ويرسل جبريل بالوحي إلى من يشاء من عباده.
стр. 2113
وقل كذلك أيها النبي للمشركين: جاء الدين الحق، وهو الإسلام الذي سيعلو على كل الدنيا، وآيات القرآن، وما يصنع الباطل شيئا، والباطل: الكذب والكفر.
ونحوه، استعار له الإبداء والإعادة، ونفاهما عنه.
وقل أيضا أيها الرسول لأهل الشرك: إن انحرفت عن الهدى ودين الحق، فإن إثم انحرافي على نفسي، وإن وفّقت للحق، فبسبب ما أوحى إلي ربي من الهداية والتوحيد والاستقامة، إنه سبحانه تام السمع لقولي وقولكم، قريب مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة، ويجازي كل إنسان بما يستحق.
ولو رأيت أيها النبي هؤلاء الكفار حين خافوا عند البعث والنشر من القبور، ثم الحشر، وعند رؤية ألوان العذاب الشديد، لرأيت العجب، فهم لا يتمكنون من الهرب والنجاة، ويؤخذون فورا من مكان قريب إلى نار جهنم، أي إنهم قريبون من ذلك لتناول القدرة الإلهية لهم حيث كانوا. فتدل الآية على معنى التعجب من حالهم، إذا فزعوا من أخذ الله إياهم، ولم يتمكن أحد منهم من الإفلات.
وقال الكفار حين الأخذ للعذاب: لقد آمنا بمحمد ﷺ وشرعه والقرآن، ولكن كيف لهم تعاطي الإيمان أو نيله، وقد بعدوا عن محل قبوله، أي أنّى لهم تناول مرادهم، وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك. وكيف يظفرون بالإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق والقرآن والرسل في الدنيا؟ وكانوا يرجمون بالظن بقولهم: سحر وافتراء وغير ذلك، ويتكلمون بلا حجة ولا برهان، ويرمون بظنونهم الرسول وكتاب الله، وذلك غيب عنهم. وحيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. والمراد أنه حيل بينهم وبين الإيمان، والتوبة، والرجوع إلى الأمانة والعمل الصالح، لأنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة.
стр. 2114
وقد فعلنا بهم ذلك، كما فعلنا بأمثالهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك وريبة من أمر الرسل، ومطالبتهم بالتوحيد، وإثباتهم البعث والجزاء، والشرائع والأحكام. والأشياع: الفرق المشابهة لهم من كل أمة، جمع شيعة.
стр. 2115
تفسير سورة فاطر
الخلق دليل القدرة الإلهية
تكثر ادعاءات المغرورين والمتكبرين المشركين ومزاعمهم بأنهم يملكون قدرة معينة: إما فكرية وإما جسدية وإما إبداعية، وتتبدد كل تلك المزاعم أمام الواقع الأعظم: وهو إيجاد أشياء مادية وروحية حركية معا، تعمل بفكر منظم ومنطق رتيب. لذا لم نجد حاجة في القرآن الكريم لإثبات وجود الله غير دليل الإيجاد أو الخلق أو الإبداع الإلهي للأشياء بدون سابقة، وهذا وحده كاف لتتداعى أمامه كل ألوان الغرور والتكبر والشرك، واستحق هذا أن يحمد الخالق عليه بكل مشتملات الحمد، ويستغرق هذا جميع الأفعال الشريفة، فيثبت الكمال لله وحده، وهذا ما عبّرت عنه الآيات الآتية في مطلع سورة فاطر:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
«١» «٢» [فاطر: ٣٥/ ١- ٤] .
стр. 2116
لله تعالى جميع أنواع المحامد والشكر الخالص على نعمه، فكلمة الْحَمْدُ الألف واللام لاستغراق الجنس على أتم عموم، والشكر بعض أنواع الحمد، فيشمله، وحمده تعالى لأنه سبحانه مبتدئ خلق السماوات والأرض، مما يدل على وجوده، وتمام قدرته، واتصافه بالكمال وحده، فهو إذن قادر على إعادة الخلق أحياء مرة أخرى.
والله تعالى جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغ رسالاته وغير ذلك، فقد جعلهم رسلا بالوحي ونحوه من الأوامر، ومنهم جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، ومنهم الملائكة المتعاقبون المتناوبون لتنفيذ أوامر الله، ومنهم المسدّدون لحكام العدل وغيرهم، وقد خلقهم الله ذوي أجنحة متعددة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وبعضهم له أكثر من ذلك وهم شذوذ، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. فقوله تعالى:
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة، فهي ممنوعة من الصرف للعدل والتعريف.
وليس هذا بمستغرب أو ببدع في قدرة الله تعالى، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، من أجنحة وغيرها، كملاحة العين، وجمال الأنف، وحلاوة الفم، وحسن الصوت، إن الله تام القدرة في خلق الزيادة المادية الحسية والمعنوية، فلا يعجز عن شيء.
وبالإضافة إلى تمام القدرة الإلهية، فإنه سبحانه نافذ الإرادة والمشيئة والأمر، فما يعطي الله تعالى من خير أو نعمة حسية كرزق، ومطر، وصحة، أو معنوية، كأمن وعلم، ونبوة وحكمة، فلا مانع له، وما يمنع من ذلك، فلا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه من الله، بيده الخير كله، والله هو القوي الغالب القاهر، الحكيم في قوله وفعله وتدبيره، يضع كل شيء في موضعه المناسب له. فقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عام
стр. 2117
في كل خير، يعطيه الله لعباده، جماعة وأفرادا، وقوله: مِنْ بَعْدِهِ فيه حذف مضاف، أي من بعد إمساكه.
وبما أنه تعالى مصدر الخلق والرزق والإنعام، فيجب تذكر نعمه والإقرار بتوحيده، فيا أيها الناس كلهم، تذكروا نعم الله عليكم، واحفظوها بمعرفة حقوقها والإقرار بها، ووحّدوا المنعم بها، فلا خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، ولا إله إلا هو، فكيف بعد هذا البيان الواضح، تصرفون عن الحق: وهو توحيد الله وشكره، وتعبدون هذه الأصنام؟! ثم واسى الله رسوله في أنه: إن يكذبك أيها الرسول هؤلاء المشركون ويعارضونك فيما جئت به من توحيد الله تعالى، فقد كذبت الرسل السابقون من قبلك من أقوامهم، وعارضوهم وآذوهم، ومصير الجميع في نهاية الأمر إلى الله تعالى، فيجازي على ذلك أو في الجزاء، يجازي رسله ومنهم أنت أيها النبي على الصبر، ويجازي أقوامهم على التكذيب، وكلا الجزاءين حق وعدل، ومصلحة ونفع إما للشخص نفسه في الدنيا والآخرة، أو له في الدنيا لتذكيره وزجره.
التحذير من غرور الدنيا
من الظواهر الواقعية أن الدنيا ملهاة، وتأثيرها بزخارفها على النفوس كبير، والإصغاء إلى وساوس الشيطان خطير، لذا حذر الله تعالى منها، من أجل خير الإنسان، وبسبب عرضه على الحساب في يوم القيامة الذي لا بد منه، فيكون الناس إما في خير وتنعيم، أو عذاب وعقاب وجحيم، أما أهل الإيمان والعمل الصالح، فلهم مغفرة وثواب كبير، وأما الكافرون، فلهم عذاب شديد. ولا مجال للمفاضلة
стр. 2118
أو المقارنة بين الفريقين، لعلو درجة المؤمنين، ودنوّ رتبة الكافرين الذين زيّن لهم سوء عملهم، وهذا ما أخبر عنه القرآن الكريم في الآيات الآتية:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٥ الى ٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)
«١» [فاطر: ٣٥/ ٥- ٨] .
أبانت آيات سورة فاطر في مطلعها ثلاثة أصول إيمانية: الأول- التوحيد الإلهي، والثاني- الرسالة النبوية، وهذا مما سبق بيانهما، والثالث- الحشر والبعث، وهذا موضوع الآيات المذكورة هنا.
يعظ الله تعالى جميع العالم، ويحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها، وينبّههم إلى عالم المعاد، فإن وعد الله بالبعث والجزاء حق ثابت لا شك فيه، والمعاد كائن لا محالة، بما فيه من خير ونعيم، أو عذاب مقيم، فلا تلتهوا بمغريات الدنيا ولذائذها عن العمل للآخرة، ولا يغرنكم الشيطان بالله، فيجعلكم في أوهام وآمال خيالية، ولا تلهينكم الحياة الدنيوية.
إن عداوة الشيطان لكم أيها البشر عداوة قديمة ظاهرة، فعادوه أنتم عداوة شديدة، وخالفوه بطاعة الله، واجتنبوا إغراءه بمعاصي الله ونواهيه، فعداوته:
بالمباينة والمقاطعة، والمخالفة له: باتباع الشرع.
إنما يريد الشيطان إضلالكم حتى يوصلكم معه إلى عذاب النار الشديد. ويدعو
стр. 2119
حزبه، أي حاشيته الصاغية له وجماعته الملتفين حوله، ليصيروا من أهل النار، فتكون اللام في لِيَكُونُوا لام الصيرورة، لأنه لم يدعهم صراحة إلى السعير، وإنما ترتب على الاستجابة لوساوسه صيرورة أمرهم منه إلى ذلك. والسعير: طبقة من طبقات جهنم، وهي سبع طبقات.
وجزاء فريقي الآخرة معروف، فالذين كفروا بالله ورسوله، وأنكروا الآخرة، واتبعوا وساوس الشيطان، لهم عذاب شديد في نار جهنم، لأنهم أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن.
والذين صدقوا بالله ورسوله وباليوم الاخر، وعملوا صالح الأعمال من اتباع الأوامر، واجتناب النواهي، لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير، وهو الجنة، بسبب الإيمان والعمل الصالح.
وفرق كبير بين الفريقين، فكيف يتساوى المحسن والمسيء وكيف يتماثل الذين حسّن لهم الشيطان أعمالهم، ظانين أنهم محسنون صنعا، وأولئك المهتدون على طريق الحق والخير؟ والمراد بمن زيّن له سوء عمله: كفار قريش وأمثالهم. وقوله تعالى:
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ جوابه محذوف، تقديره: كمن اهتدى. ثم واسى الله تعالى نبيه عن كفر قومه، ببيان أن من شاء الله إضلاله أضلّه، ومن شاء هدايته هداه، بسبب ما يعلم الله من استعداد كل واحد لتقبل الخير، أو حبّ الشر، ويجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء، وهداية من شاء.
وأمر الله نبيه بالإعراض عن أمر قومه، وألا يهلك نفسه أو يوقعها في الغم والحزن، بسبب عدم إيمان قومه، وإصرارهم على الكفر، وبقائهم في الضلال، فالله عليم بأحوالهم واستعداداتهم، وعالم بما يفعلون من المنكرات والقبائح، فيجازيهم بما يستحقون. وهذا وعيد للكفار، وتهديد، وزجر بليغ، والمراد بقوله: فَلا تَذْهَبْ
стр. 2120
نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
ألا تغتم ولا تهتم وتضايق نفسك أو تهلكها متحسرا عليهم، أو حزنا عليهم، لأنهم لم يؤمنوا برسالتك. والحسرات جمع حسرة: وهي همّ النفس على فوات أمر.
والمطلوب بإيجاز: التأكد من الإيمان بالآخرة. والتحذير من وساوس الشيطان، ومن إغراءات الدنيا، والاستعداد للآخرة والنجاة بالإيمان والعمل الصالح.
الإحتجاج على الكفار في إنكار البعث
إرشادات الحق ﷻ تحمل كل عاقل على الاستجابة لها، والتفاعل معها، والاقتناع بها، لأنها في الغالب مستمدة من الحس المشاهد أمامه، الملموس لديه، ولا ينصرف أحد عن القناعة بهذه الأدلة والإرشادات إلا بسبب العناد والاستكبار، وتعطيل المواهب والطاقات المودعة عنده. وهذا هو الشأن في الإحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث، وهو التأمل بالبلد الميت الذي لا نبت فيه، كيف يخضرّ وينبت بالماء، فتلك حياته، وكذلك إحياء الموتى، أي مثل ذلك ينقلب الميت أو الراكد إلى حياة حركية بإحياء الله، وإعادة الروح لكل إنسان. وهذا ما أرشدت إليه الآيات الآتية:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٩ الى ١١]
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)
«١» «٢» [فاطر: ٣٥/ ٩- ١١] .
стр. 2121
هذان دليلان على إمكان البعث والنشور أو إحياء الموتى من القبور، يحتج بهما الله تعالى على الكفار، الذين أنكروا البعث من القبور، ويدلهم على المثال الموازي تماما.
الدليل الأول- إحياء الأرض بالماء: الله يرسل الرياح، فتحرك الغيوم حيث يشاء الله، فيقودها إلى بلد ميت لا نبات به، فينزل المطر عليه، فتحيا الأرض بالنبات بعد يبسها، وتصبح مخضرة، تموج بالحركة، وجمال الزرع والشجر، بعد أن كانت تربة هامدة، فكذلك مثله، أي وهذا المثال المعاين أمامكم يكون مثله ويساويه تماما النشور، أي الإحياء من القبور، فكما يحيي الله الأرض بعد موتها، يحيي العباد بعد موتهم وصيرورتهم ترابا، لكنّ أرواحهم باقية عند الله تعالى.
ومن كان يريد العزة بعبادة الأوثان، ومغالبة الله، فلله وحده العزة الكاملة، أي ليست لغيره، ولا تتم إلا له، وهذا المغالب مغلوب، كما فسره مجاهد، وهذا رد على الكفار الذين كانوا يطلبون العزة بعبادة الأوثان والأصنام، وعدم إطاعة الرسل، فإن العزة كلها في الحقيقة هي لله تعالى.
ومن مظاهر عزة الله: أنه يسمع كلام الناس، ويقبل طيب الكلام، كالتوحيد والتمجيد والأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم، والتسابيح والتهاليل، وغير ذلك، ومن أفضل الأذكار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وكما أنه تعالى يقبل الكلام الطيب، يرفع العمل الصالح إليه، وهذا أرجح الأقوال، كما ذكر ابن عطية ﵀ في تفسيره.
وأما الذين يعملون مكائد المكر، وسوء الأعمال في الدنيا، كالتامر على قتل النبي، أو إضعاف المسلمين، ويوهمون غيرهم أنهم في طاعة الله تعالى، فلهم عقاب
стр. 2122
بالغ الغاية في الشدة. ومكر أو تدبير هؤلاء المفسدين يفسد ويضيع، ولا ينفذ، لأن الله تعالى يحبط مكائدهم، ويفوّت عليهم ألوان مكرهم.
والدليل الثاني على إمكان البعث: بدء خلق الإنسان، والمراحل التي يمر بها في أطوار خلقه، فالله تعالى ابتدأ خلق الإنسان من تراب، وهو أبونا آدم ﵇، ثم جعل تكاثر ذريته ونسله بواسطة سلالة من ماء مهين، حيث صيّر التراب نطفة بواسطة الماء، ثم جعل الناس أصنافا، ذكورا وإناثا، هذا التحوّل من تراب لا حياة فيه إلى خلية حية، إلى إنسان سوي: دليل قاطع آخر على إمكان البعث الذي هو إعادة الحياة مرة أخرى بفعل الله تعالى، والإعادة في مفهوم الناس وتقديرهم أهون من الخلق، أما بالنسبة لله تعالى فهما سواء.
ودليل القدرة الإلهية هذا، يصحبه دليل آخر لإتمام الهندسة أو الصنع الإلهي، وهو كمال العلم، فإن الله تعالى عالم بحمل أي أنثى في العالم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، يعلم بدء التخلق، ووقت الوضع ومكانه وكيفيته.
وحال الإنسان وعمره بعد الولادة مختلف، فما يمدّ في عمر إنسان، ولا ينقص من عمر آخر إلا وهو مدوّن معلوم في اللوح المحفوظ، سواء كان ذا عمر طويل أو عمر قصير، وذلك النظام المرتّب، والمتفاوت لكل إنسان، سهل يسير على الله تعالى، لديه علمه جملة وتفصيلا.
ومن المعلوم أن عمر الإنسان محدود، لا يزيد ولا ينقص، وأما ظاهر دلالة الآية على تعمير المعمر ونقص عمر قصير الأجل، فهذا بحسب أحوال الناس وأعرافهم، فإنهم يقولون: فلان قضى عمره، وفلان لم يكمل عمره، والحقيقة: أن لكل واحد عمرا في علم الله لا يزيد ولا ينقص.
стр. 2123
من أدلة قدرة الله تعالى وتوحيده
في الوجود أدلة كثيرة على توحيد الله تعالى، وقدرته الفائقة، وإمكانه بعث الناس من القبور مرة أخرى، منها خلق الأشياء المتحدة الجنس، لكنها مختلفة المنافع، مثل إيجاد الماء الملح والماء العذب، إما متجاورين في مكان واحد، أو في أمكنة متباعدة، ومثل تداخل الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب المختلفة النيرة في أنحاء السماوات، وكل هذا ونحوه يدل دلالة واضحة على وجود الإله الخالق، المدبر، الواحد، القدير، المهيمن، ويوحي بوجوب الإيمان به عقلا وفعلا، قال الله تعالى منبها على هذه الأدلة:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
[فاطر: ٣٥/ ١٢- ١٤] .
هذه أدلة أخرى تثبت مقدرة الله العظمى لكل عاقل، وتقطع بأن الأصنام عاجزة عن فعل مثلها.
والدليل الأول: هو أن الله تعالى أوجد البحرين: الملح والعذب، وهما وإن تساويا في الصورة، يختلفان في الطبيعة، فإن أحدهما ملح شديد الملوحة، وهو البحر الذي تسير فيه أنواع السفن ذات الحمولة الكبيرة، والآخر عذب شديد العذوبة، سائغ الشراب، يجري في الأنهار الكبيرة والصغيرة، ويحقق منافع كثيرة.
ويصاد السمك من كل من البحرين الملح والعذب، وتستخرج الحلية الملبوسة
стр. 2124
منهما، وهو اللؤلؤ والمرجان، كما جاء في آية أخرى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ٥٥/ ٢٢- ٢٣] وعلى الرغم من أن الحلية إنما تخرج من الملح، فإنه يجوز النسبة إلى كل من الملح والعذب، كما في آية: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[الأنعام: ٦/ ١٣٠] والرسل: إنما هي من الإنس.
وتشاهد أيها الناظر السفن في البحر والنهر الكبير تمخر عباب الماء، أي تشقّه، مقبلة مدبرة، حاملة المواد التجارية المختلفة، لتطلبوا بالتجارة وكل سفر الرزق من فضل الله، ولتشكروا الله على تسخير الماء العظيم لكم، وعلى ما أنعم به عليكم من النعم.
والدليل الثاني: على قدرة الله التامة: إدخال الليل في النهار، وإدخال النهار في الليل، فيكون أطول من الآخر، وما زاد من أحدهما أو نقص يدخل في الآخر، فكأن الزيادة أو النقص دخول أحدهما في الآخر، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتبادلان صيفا وشتاء.
والدليل الثالث: تسيير الشمس والقمر وبقية الكواكب السيارة، والثوابت، بإرادة الله وقدرته، كل واحد منها يجري بمقدار معين، ومدة محددة، هي زمن مدارها أو منتهاها، تساعد على تعلم عدد السنين والحساب.
ذلكم المذكور الذي فعل هذا من خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان من تراب ونطفة، وغير ذلك: هو الله الرب العظيم، الذي لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وهو صاحب الملك التام، والقدرة الشاملة، وكل ما عداه عبد له.
وفي مقابل ذلك تجد الأصنام عاجزة عن الخلق والإبداع، وهي متصفة بصفات ثلاث، كلها تدل على بطلانها، أولها- أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني- أنها لا تجيب، ولو سمعت، والثالث- أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار.
стр. 2125
إن الذي تعبدونه من الأصنام والأوثان التي هي على صورة بعض الملائكة في زعمكم، لا يملكون شيئا من الأرض والسماوات، ولو كان ذلك شيئا حقيرا بمقدار القطمير، أي قشرة النواة الرقيقة.
ودليل عجز الأصنام: أنكم أيها الوثنيون إن دعوتموها من دون الله، لا تسمع دعاءكم، لأنها جماد لا تدرك شيئا، ولو سمعوا لا يقدرون أن ينفعوكم بشيء مما تطلبون منها، لعجزها عن ذلك، ويوم القيامة يجحدون كون ما فعلتموه حقا، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم أو أقروكم عليها، ولا يخبرك عن أمر هذه الآلهة وشأن عبدتها إلا خبير بصير بها: وهو الله تعالى.
أسباب عبادة الله تعالى
العبادة صلة بالمعبود، وملء القلب بحب الله وعظمته وخشيته، وإشعار بمزيد الحاجة إلى الله تعالى، فهي نفع للعبد، والله تعالى لا تنفعه طاعة، وهو غني عن الناس، لذا تنبغي العبادة لله، فهي ذات شأن كبير، وتستحق التهديد على تركها، مع إعلامنا بمسؤولية كل إنسان عن نفسه فقط، وإرشادنا إلى أن التبشير بالخير، والإنذار بالشر، إنما ينفع من خشي الله تعالى بالغيب، وأقام الصلاة، وزكّى وطهر نفسه من دخائل السوء. والمؤمن يحيا في نور، والكافر يعيش في الظلام، ومهمة النبي ﷺ تبشير المطيع بالجنة، وإنذار المخالف بالنار، وهو الواقع في كل أمة، كما أن التكذيب من الأقوام قديم، قال الله تعالى واصفا كل هذه المعاني والإرشادات:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ٢٦]
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩)
وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)
стр. 2126
«١» [فاطر: ٣٥/ ١٥- ٢٦] .
هذه مواعظ وإرشادات، فيا أيها الناس جميعا، أنتم المحتاجون إلى الله تعالى في كل شيء، والله هو الغني الذي لا حاجة به لأحد، وهو المحمود بالإطلاق المشكور على نعمه وعلى جميع ما يفعله ويقوله، ويقدّره ويشرعه.
ودليل غناه وقدرته: أنه لو شاء لأفناكم، وأتى بقوم غيركم، هم أطوع لله منكم، وأقوم وأتم، وليس ذلك بصعب أو ممتنع على الله تعالى، بل هو يسير هيّن عليه، وهذا تهديد ووعيد.
والمسؤولية لكل إنسان شخصية أو فردية، فلا تتحمل نفس آثمة ذنب نفس أخرى، وذلك لا يمنع من مضاعفة العذاب للقادة المضلين. وكلمة تَزِرُ معناه تحمل الوزر الثقيل. وهذه الآية متعلقة بالذنوب والآثام والجرائم.
وإن طلبت نفس، مثقلة بالأوزار والمعاصي، مساعدة نفس أخرى في حملها، لتحمل عنها بعض الذنوب، لم تتحمل تلك النفس شيئا من ذنوب غيرها، حتى ولو كانت قريبة لها في النسب، كالابن والأب، لأن كل إنسان مشغول بنفسه وحاله.
وأنت أيها النبي تفيد دعوتك أهل التقوى، وتفيد بوعظك الذين يخافون من عذاب ربهم قبل معاينته، وفي خلواتهم السرية، ويؤدون الصلاة المفروضة عليهم على النحو
стр. 2127
المشروع، تامة الأركان والشرائط، ومن تطهر من الشرك والمعاصي، وعمل صالحا، فإنما يتطهر لنفسه، لأن نفع ذلك يعود على نفسه، لا على غيره، وإلى الله المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، يجازي كل امرئ بما كسب.
سبب هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين: اكفروا بمحمد، وعليّ وزركم، فحكم الله تعالى بأن الأوزار لا يحملها أحد عن أحد.
ثم ضرب الله المثل للمؤمن والكافر، فكما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمة ولا النور، ولا الظل ولا الحرور (شدة حر الشمس) كذلك لا يتساوى الكافر الذي عمي عن دين الله، والمؤمن الذي عرف طريق الرشاد، فاتبعه وانقاد له، ولا تتساوى ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا يتساوى الثواب والعقاب أو الجنة والنار.
ولا يتساوى المؤمنون أحياء القلوب والنفوس والمشاعر، والكافرون أموات القلوب والحواس، ومصدر الهداية هو الله تعالى، فإن الله يرشد من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، والمشركون لا ينتفعون بهداية النبي ﷺ ، لأن الكفر سيطر عليهم وأمات قلوبهم، كما لا ينتفع الموتى في قبورهم بالهداية والإرشاد. وهذا تمثيل بما يحسه البشر ويشاهدونه، فهم يرون أن الميت لا يسمع. وما أنت أيها النبي إلا رسول منذر عذاب الله، ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ، وأما الهداية فهي بيد الله تعالى.
ولقد أرسلناك أيها الرسول بدعوة الحق الثابت المطابق للواقع، مبشرا أهل الطاعة بالجنة، ومنذرا الكافرين والعصاة بالنار.
ولم تخل أية أمة من الأمم السابقة من نذير منذر، لئلا يكون للناس حجة أو عذر، وإن يكذبك أيها الرسول قومك فقد كذبت الأمم الماضية أنبياءهم، جاءتهم رسلهم
стр. 2128
بالمعجزات والأدلة على صدقهم، وبالكتب المكتوبة، كصحف إبراهيم وموسى، وبالكتاب الإلهي النير الواضح، كالتوراة والإنجيل.
ومع كل هذا، كذبوا وعصوا، فاستوجبوا العقاب والتهديد، لذا أخذ الله الكافرين بالعقاب والتنكيل، فكيف رأيت أيها النبي إنكاري عليهم بشدة وقوة؟!.
أدلة أخرى على قدرة الله وتوحيده
ما أكثر الأدلة الدالة على وجود الله تعالى وقدرته ووحدانيته، ففي الكون مشاهد وألوان مختلفة، منها العلوم الأرضية، كإخراج الثمار ذات الألوان المتعددة بماء المطر، وإيجاد الناس والدوابّ والأنعام المختلفة الألوان، وبها يدرك العلماء عظمة الكون، ويؤمنون بوجود الله تعالى، ويعرف المؤمنون الذين يتلون القرآن الكريم، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة وينفقون من أموالهم في السر والعلانية: أن هذه الأعمال تحقق لهم القبول والثواب من الله تعالى على طاعتهم، بل إنهم ينتظرون المزيد من فضل الله وإحسانه، قال الله تعالى مبينا هذه الأدلة والبراهين:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٠]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)
«١» «٢» [فاطر: ٣٥/ ٢٧- ٣٠] .
стр. 2129
المعنى: ألم تشاهد أيها الإنسان أن الله خلق الأشياء المتفاوتة من الشيء الواحد، فإنه سبحانه أنزل الماء من السماء، وأخرج به ثمارا مختلفة الألوان والطعوم والأنواع، والرؤية في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ رؤية القلب، وهي المراد في آيات القرآن.
وموضوع هذه الآية مثل آية: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) [الرعد: ١٣/ ٤] . وجعل الله بين الجبال طرقا ذات ألوان مختلفة، بيضاء وحمراء وسوداء شديدة السواد، وخلق الله أيضا الناس والدوابّ والأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) مختلفة الألوان في الجنس الواحد، والنوع الواحد، والحيوان الواحد، كاختلاف الثمار والجبال.
وإنما يخاف الله بالغيب أهل العلم، فهم الذين يتأملون في هذا الاختلاف بين المخلوقات، ويدركون عظمة الصانع، وقدرته على صنع ما يشاء، وفعل ما يريد، فمن كان أعلم بالله، كان أخشى له، ومن لم يخش الله فليس بعالم، فالعلم رأس الخشية وسببها، أخرج القضاعي عن أنس: «خشية الله رأس كل حكمة..» .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن لال عن ابن مسعود: «رأس الحكمة مخافة الله» .
وقال الله تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) [الأعلى: ٨٧/ ١٠] .
وقال ﷺ فيما رواه عبد بن حميد وابن أبي ليلى: «أعلمهم بالله أشدهم له خشية» .
وقال مجاهد والشعبي: «إنما العالم من يخشى الله» .
إن الله قوي قادر قاهر في كل شيء، ومنها انتقامه من الكافرين، وواسع المغفرة لذنوب عباده التائبين المؤمنين. والمراد بالعالم: هو عالم الطبيعة وطبقات الأرض، والحياة، والاجتماع، والفلك ونحو ذلك. وأما العلماء بكتاب الله تعالى: فهم الذين
стр. 2130
يتلون آيات القرآن الكريم، ويعملون بما اشتمل عليه من الفرائض والطاعات، كإقامة الصلاة في أوقاتها، والإنفاق من رزق الله وفضله في السر والعلانية، والنفقة: الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك: التطوع، والعلانية: هو المفروض.
وهؤلاء يطلبون ثوابا جزيلا من الله على طاعتهم. وقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ معناه يطمعون في تجارة رابحة بما يعملون من عمل، لن تكسد ويتعذر ربحها وهذا إشارة إلى الإخلاص في العمل.
ثم ذكر الله تعالى كيفية إيفائه الأجور، فقال: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ.. والفعل لِيُوَفِّيَهُمْ متعلق بفعل مضمر تقديره: وعدهم بألا تبور تجارتهم إن فعلوا ذلك.
والمعنى: إن الله تعالى يوفي المؤمنين العاملين أجورهم كاملة، ويزيدهم من فضله، إما بمضاعفة الحسنات من العشر إلى السبع مائة، وإما النظر إلى وجه الله الكريم، وإما الشّفاعة في غيرهم لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس:
١٠/ ٢٦] ، إن الله تعالى واسع المغفرة لذنوبهم، وافي الشكر لطاعتهم وللقليل من أعمالهم. والغفور: المتجاوز عن الذنوب الساتر لها. والشكور: المجازي على اليسير من الطاعة، المقرب لعبده منه.
إن من أعجب الأدلة وأقواها على وجود الله ووحدانيته وقدرته: عظمة خلق المخلوقات من الجمادات والأراضي والجبال والطرقات، وأنواع الحيوان، والإنسان.
وهذه الآية تتعلق بالعلوم العملية الطبيعية، ويقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش.
وأما أهل الإيمان والعمل الصالح العاكفون على تلاوة القرآن، المقيمو الصلاة، والمنفقون من طيبات الرزق بأداء الفريضة علنا، وهي الزكاة، والتطوعات والصدقات سرا، فهم الراجون الثواب من الله ومزيد الفضل الإلهي، والله سبحانه
стр. 2131
لا يضيع أجر المحسنين، كما جاء في آيات أخرى، منها: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٤/ ١٧٣] ومنها: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ.. إلى قوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [النور: ٢٤/ ٣٧- ٣٨] .
ورثة القرآن وجزاء المؤمنين
إن الاعتقاد بالقرآن الكريم يوجب التقيد بشرائعه وأحكامه وحلاله وحرامه، إلا أن ورثة القرآن ثلاثة أنواع: إما ظالم لنفسه، وإما مقتصد متوسط، وإما سابق بالخيرات، وجزاء السابقين المؤمنين جنان الخلد، يحمدون المولى على نعمه وفضله، ويجدون فيها النعيم المقيم، والراحة الكبرى من عناء الدنيا ومعكراتها وأحزانها، وتلك غاية كل إنسان في الحقيقة، لكن تحقيق هذه الغاية مرهون بالعمل الصالح المؤدي إلى هذه الغاية، لا بمجرد الآمال والأحلام، قال الله تعالى مبينا هذه الأمور:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣١ الى ٣٥]
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)
«١» [فاطر: ٣٥/ ٣١- ٣٥] .
стр. 2132
الآية الأولى: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ تثبيت من الله تعالى لأمر نبيه وبيان لمنزلة القرآن ومهمته بين الكتب السماوية، فالذي أوحينا إليك أيها النبي وهو القرآن المجيد: هو الحق الثابت الدائم المنزل إليك، مصدقا ومؤيدا لما تقدمه أو لما بين يديه من الكتب السابقة، وهو التوراة والإنجيل. إن الله محيط علمه بأمور عباده، بصير مطّلع على أحوالهم. وهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن وهجره إلى غيره.
ثم توارث معاني القرآن وعلمه وأحكامه وعقائده، بقضاء الله وقدره، جماعة من عباد الله وهم أمة محمد ﷺ اختارهم لتحمّل عبء الرسالة القرآنية، فكانوا أقساما ثلاثة:
- فمنهم الظالم لنفسه، أي الذي تجاوز الحد، وهو المفرّط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، وهو العاصي المسرف.
- ومنهم المقتصد: المتوسط المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وهو المتقي للكبائر، لكنه يرتكب بعض الصغائر، ويترك بعض المستحبات المرغوب فيها.
- ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله: وهو الذي يفعل الواجبات والمستحبات، والمتقي على الإطلاق. وبإذن الله: معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده.
والأصناف الثلاثة في الجنة بسبب الإيمان، وتوريث الكتاب واصطفاء بعض الناس ليكونوا أمة الدعوة أمة محمد وما يكون من الرحمة: هو فضل عظيم من الله تعالى. وأورثنا: معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرقة.
أخرج الترمذي وحسنه والطبراني والبيهقي في البعث، وغيرهم عن أسامة بن زيد ﵁: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية وقال: «كلهم في الجنة» .
وجزاء المؤمنين المصطفين: أن يدخلهم ربهم جنات إقامة دائمة يوم المعاد، يحلّون فيها أساور من ذهب، مرصع باللؤلؤ، ويكون لباسهم حريرا خالصا، أباحه الله
стр. 2133
تعالى لهم في الآخرة، بعد حظره على الرجال في الدنيا.
ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» وقال: «هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» .
وقال المؤمنون حين استقروا في جنات عدن: الحمد والشكر لله على ما أذهب عنا من الخوف من المخاطر والمحاذير، وأراحنا من هموم الدنيا والآخرة، إن ربنا صاحب الفضل والرحمة والسعة، فهو غفور لذنوب عباده، متجاوز عنها، ساتر لها، شكور لطاعتهم، مجاز على اليسير من الطاعة، مقرّب لعبده به، قال ابن عباس ﵄ وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات.
وقالوا أيضا: الحمد لله الذي أعطانا هذه المنزلة، ومتّعنا بهذه الإقامة، وبدار المقامة: وهي الجنة، بفضله وإحسانه ورحمته، ولم تكن أعمالنا تساوي ذلك، ولا نتعرض فيها لتعب ولا إعياء، لا في الأبدان ولا في الأرواح، لأنهم واظبوا على العبادة في الدنيا، فصاروا في راحة دائمة في الآخرة، كما قال الله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) [الحاقة: ٦٩/ ٢٤] .
إن نعيم الجنة نعيم مادي حسي وروحاني معنوي، وهو دائم خالد لا ينقطع ولا يزول، وفيه يتمتع أهل الجنة بما لا يحلمون به، وكل ذلك يستحق تمام الحمد والثناء على الله تعالى، لإدراك هذه الحظوة التي لا مثيل لها، ويغبطهم فيها كل بعيد عنها، محروم منها.
جزاء الكافرين
بعد أن ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين في الآخرة في جنان الخلد، ذكر جزاء الكفار لعقد موازنة أو مقارنة بين الجزاءين، فيقبل العاقل على ما يجعله من فريق المؤمنين
стр. 2134
السعداء، ويبتعد عن موجبات جزاء الكافرين الأشقياء، وليتأكد كل الناس أن القرار الحاسم في الحكم الإلهي لا يقبل النقض، ولا يجد الخاسرون أنصارا ينصرونهم من بأس الله وعذابه، ولا طريق للإنقاذ أو تصور العودة إلى الدنيا، لأن الاختبار واحد والنتيجة واحدة، لا تتكرر، قال الله تعالى واصفا جزاء الكفار:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩)
[فاطر: ٣٥/ ٣٦- ٣٩] .
أخبر الله تعالى عن حال الذين كفروا، حال الذين اصطفى من عباده لوراثة القرآن، وهذا منهج القرآن في الغالب، لتتضح الصورة من خلال المقارنة والعظة، فأما المصطفون المختارون لإرث القرآن فهم في جنان الخلد، وأما الذين كفروا بالله وبالقرآن، وستروا ما أرشدت إليه العقول للوصول إلى الحق، فلهم نار جهنم، لا يحكم عليهم بموت ثان، فيستريحوا من العذاب والآلام، ولا يخفف عنهم شيء من العذاب طرفة عين، بل كلما خبت النيران زاد سعيرها، كما قال الله تعالى:
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء: ١٧/ ٩٧] .
ومثل ذلك الجزاء الشديد، يجزي الله تعالى كل كفور، أي مبالغ في الكفر وحال هؤلاء الكفار المعذبين في جهنم أنهم يستغيثون في النار، رافعين أصواتهم، ينادون قائلين: ربنا أخرجنا منها، وردّنا إلى الدنيا، نعمل عملا صالحا ترضى عنه، غير ما كنا نعمله من الشرك والمعاصي، فنجعل الإيمان بدل الكفر، والطاعة بدل المعصية.
стр. 2135
فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتوقيف على الوقائع في الدنيا أولم نترككم في الدنيا مدة من العمر، تكفي للتذكر والاتعاظ إذا أردتم التذكر؟ فتلك مدة كافية للإيمان ومعرفة الحق، وجاءكم الرسول المنذر، وهو النبي محمد ﷺ ومعه القرآن، ينذركم بعقاب الله إن كفرتم وعصيتم،
أخرج الحكيم الترمذي والبيهقي في سننه وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة نودي: أين ابن الستين؟ وهو العمر الذي قال الله فيه: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ» .
فذوقوا عذاب جهنم، جزاء على عصيان أوامر الأنبياء لكم في الدنيا، فليس لكم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال، وهو تهكم بصيغة الأمر، مثل قول الله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٤/ ٤٩] .
ثم أوعد الله تعالى الناس جميعا بإخباره أنه محيط علمه بجميع الأمور والأحوال، فإن الله يعلم كل أمر خفي في السماوات والأرض، ومنها أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية، فلو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا، فإن الله تام العلم بحقائق النفوس، وما تكنّه الصدور، وتضمره السرائر، من العقائد والظنون وحديث النفس، وسيجازي كل إنسان بعمله. وهذا ابتداء تذكير بالله تعالى، ودلائل على وحدانية الله وصفاته التي لا تبتغي الألوهية إلا معها. والغيب: كل ما غاب عن البشر، وبِذاتِ الصُّدُورِ
: ما فيها من المعتقدات والمعاني والأسرار.
وسبب علم الله بالغيب: أن الله جعلكم أيها البشر خلائف في الأرض، يخلف قوم قوما آخرين قبلهم، لينتفعوا بخيرات الأرض، ويشكروا الله بالتوحيد والطاعة، فمن كفر منكم هذه النعمة، فعليه وبال كفره، وجزاؤه عليه دون غيره. وكلما استمر الكافرون على كفرهم، لم يزدهم ذلك إلا بغضا من الله، وسخطا عليهم، وكلما
стр. 2136
أصروا على الكفر خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وأصابهم النقص والهلاك والضياع.
وهذا التكرار دليل على أن الكفر يستوجب أمرين: وهما البغض والسخط، والخسران والهلاك. والمقت: احتقارك الإنسان من أجل معصية، أو بغض دينه الباطل الذي يأتيه. والخسار: الخسران، أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى النار والعذاب.
مناقشة عقائد المشركين
الشرك بالله أعظم البهتان (أسوأ الكذب) والافتراء على الله تعالى، لأنه ينافي الحقيقة على الإطلاق، ويصدر عن بدائية وتخلف، وقصور عقل وضعف نظر، ويؤدي الشرك إلى قلب الموازين، وتغيير المفاهيم، وإضاعة الجهد، وحصر الفكر في غير طائل، ولا دليل عليه من حس أو منطق، وإنما هو مجرد أوهام وخرافة وتأملات فارغة المحتوى. ولو أعمل المشرك عقله بحق، لوجد أن الخالق لكل شيء، والمهيمن على السماوات والأرض: هو الأحق بالعبادة. والشرك أدى إلى إنكار الوحي ورسالة النبي محمد ﷺ ، وهذا أيضا مناف للحقيقة وكذب، ومنشؤه التكبر، والمكر السيّئ والحفاظ على المصالح الموهومة، فيستحق المشركون المنكرون للنبوة أشد العقاب، كما جاء في الآيات الآتية:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً «١» (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤)
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
стр. 2137
«١» «٢» [فاطر: ٣٥/ ٤٠- ٤٥] .
والمعنى: قل أيها النبي للمشركين: أخبروني عن الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله، هل خلقوا شيئا من الأرض، حتى يستحقوا الألوهية؟ وهل لهم شراكة مع الله في خلق السماوات وملكها والتصرف فيها، حتى تؤلهوهم؟ أم هل أنزلنا عليهم كتابا يقرر لهم الشرك، يكون لهم حجة في مزاعمهم؟ بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم الخاصة وتبادل الوعود والأماني فيما بينهم، وهي كلها أباطيل لا حقيقة لها تتمثل في قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم.
وبعد بيان فساد أمر الأصنام وإبطال ألوهيتها بالحجة الدامغة، أقام الله تعالى الدليل على عظمته وقدرته، ليتبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر الله تعالى، فأخبر سبحانه عن إمساكه السماوات والأرض بالقدرة، فهو سبحانه يمنع زوال السماوات والأرض واضطرابها، ولو قدّر أو فرض زوالهما أو جاء وقت زوالهما، لا يقدر أحد غيره تعالى على إمساكهما وإبقائهما، والله مع عظيم قدرته
стр. 2138
حليم غفور، يمهل عقاب المشركين، ويغفر لمن تاب منهم، ويمسك السماء والأرض عن الزوال، وقوله: أَنْ تَزُولا معناه كراهة أن تزولا، ولئلا تزولا. ومعنى الزوال هنا: الانتقال من مكانها والسقوط من علوها. وقوله تعالى إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ: فيه حذف مضاف تقديره: من بعد تركة الإمساك.
وأقسم كفار قريش بالله أغلظ الأيمان أو طاقتها وغايتها: لئن جاءهم من الله رسول منذر، ليكونن أهدى وأمثل من أي أمة من الأمم السابقة، فلما أتاهم الرسول النذير وتحقق ما تمنّوه، وهو رسول الله ﷺ وما أنزل معه من القرآن، ما ازدادوا إلا كفرا، وتباعدا وإعراضا عن الإيمان، تكبرا عن اتباع آيات الله، ولجوءا إلى سوء المكر، بصدّ الناس عن سبيل الله تعالى، ولكنهم أخفقوا، فما يعود وبال المكر إلا على أنفسهم دون غيرهم، وعوقبوا على مكرهم وإثمهم العقاب المناسب، فهل ينتظرون إلا عقوبة لهم على تكذيبهم الرسول ﷺ ، كعقوبة الأمم الماضية الذين كذبوا رسلهم؟! وتلك سنة الله- أي عادته- وطريقته، التي لا تتغير ولا تتبدل في كل مكذب، ولا تحويل لسنة الله في العذاب من مكذب كافر إلى غيره. والمعنى: أنه لا بد من أن يحيق بهم العقاب، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، فعاقبة الفساد تعود لهم. وهذا وعيد بيّن.
وسبب نزول الآية: أن قريشا قالوا: لو أن الله بعث منا نبيا، ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكا بكتابها منا. وبعد هذا التوعد، ذكّرهم الله بما رأوا من آثار التعذيب في طريق الشام وغيره، كديار ثمود ونحوها، أفلم يتنقلوا في الأرض في رحلاتهم إلى الشام واليمن والعراق، فيشاهدوا مصير السابقين الذين كذبوا الرسل، كيف دمّر الله عليهم، على الرغم من أنهم كانوا أشد من قريش قوة، وأكثر عددا وعدّة، وأكثر أموالا وأولادا، ولم يكن الله ليفوته
стр. 2139
شيء إذا أراد حدوثه في السماوات والأرض، إن الله تعالى عليم بجميع الكائنات، لا يخفى عليه شيء منها، تام القدرة لا يصعب عليه شيء.
ثم أبان الله تعالى سبب إمهاله بعض عباده وتأخيره العذاب عنهم: وهو أن الآخرة من وراء الجميع، وفيها يستوفي جزاء كل أحد، ولو جازى الله تعالى على الذنوب في الدنيا، لأهلك الجميع، أي لو عجل عقاب الناس على معاصيهم لأهلكهم جميعا، ودمر جميع ممتلكاتهم ولم يترك دابة على ظهر الأرض، ولكن يؤجل عقابهم إلى وقت محدد، وهو يوم القيامة، فيحاسبهم حينئذ، ويوفي كل عامل بعمله، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستوجب العقاب، وفيه وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.
стр. 2140
تفسير سورة يس
القرآن والنبي ﷺ وقومه
سورة يس مكية بالإجماع، وهي تتحدث عن رسالة النبي ﷺ ، وتذكّر الناس بالبعث والقدرة الإلهية ووحدانية الله تعالى، وتثير المشاعر والأفكار للتأمل بأحداث القيامة، وتتميز هذه السورة بأنها قلب القرآن، وتشفع لقارئها،
أخرج الدارمي والترمذي والبيهقي عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل شيء قلبا، وإن قلب القرآن يس» .
وأخرج أبو النصر السجزي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في القرآن لسورة تدعى: العظيمة عند الله، يدعى صاحبها: الشريف عند الله، يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يس» .
وأخرج أبو داود وأحمد وابن ماجه وغيرهم عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا يس على موتاكم»
وهو حديث حسن. قال الله تعالى في مطلعها مبينا موقف النبي من قومه:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
«١»