أصروا على الكفر خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وأصابهم النقص والهلاك والضياع.
وهذا التكرار دليل على أن الكفر يستوجب أمرين: وهما البغض والسخط، والخسران والهلاك. والمقت: احتقارك الإنسان من أجل معصية، أو بغض دينه الباطل الذي يأتيه. والخسار: الخسران، أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى النار والعذاب.
مناقشة عقائد المشركين
الشرك بالله أعظم البهتان (أسوأ الكذب) والافتراء على الله تعالى، لأنه ينافي الحقيقة على الإطلاق، ويصدر عن بدائية وتخلف، وقصور عقل وضعف نظر، ويؤدي الشرك إلى قلب الموازين، وتغيير المفاهيم، وإضاعة الجهد، وحصر الفكر في غير طائل، ولا دليل عليه من حس أو منطق، وإنما هو مجرد أوهام وخرافة وتأملات فارغة المحتوى. ولو أعمل المشرك عقله بحق، لوجد أن الخالق لكل شيء، والمهيمن على السماوات والأرض: هو الأحق بالعبادة. والشرك أدى إلى إنكار الوحي ورسالة النبي محمد ﷺ ، وهذا أيضا مناف للحقيقة وكذب، ومنشؤه التكبر، والمكر السيّئ والحفاظ على المصالح الموهومة، فيستحق المشركون المنكرون للنبوة أشد العقاب، كما جاء في الآيات الآتية:
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً «١» (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤)
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
стр. 2137
«١» «٢» [فاطر: ٣٥/ ٤٠- ٤٥] .
والمعنى: قل أيها النبي للمشركين: أخبروني عن الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله، هل خلقوا شيئا من الأرض، حتى يستحقوا الألوهية؟ وهل لهم شراكة مع الله في خلق السماوات وملكها والتصرف فيها، حتى تؤلهوهم؟ أم هل أنزلنا عليهم كتابا يقرر لهم الشرك، يكون لهم حجة في مزاعمهم؟ بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم الخاصة وتبادل الوعود والأماني فيما بينهم، وهي كلها أباطيل لا حقيقة لها تتمثل في قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم.
وبعد بيان فساد أمر الأصنام وإبطال ألوهيتها بالحجة الدامغة، أقام الله تعالى الدليل على عظمته وقدرته، ليتبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر الله تعالى، فأخبر سبحانه عن إمساكه السماوات والأرض بالقدرة، فهو سبحانه يمنع زوال السماوات والأرض واضطرابها، ولو قدّر أو فرض زوالهما أو جاء وقت زوالهما، لا يقدر أحد غيره تعالى على إمساكهما وإبقائهما، والله مع عظيم قدرته
стр. 2138
حليم غفور، يمهل عقاب المشركين، ويغفر لمن تاب منهم، ويمسك السماء والأرض عن الزوال، وقوله: أَنْ تَزُولا معناه كراهة أن تزولا، ولئلا تزولا. ومعنى الزوال هنا: الانتقال من مكانها والسقوط من علوها. وقوله تعالى إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ: فيه حذف مضاف تقديره: من بعد تركة الإمساك.
وأقسم كفار قريش بالله أغلظ الأيمان أو طاقتها وغايتها: لئن جاءهم من الله رسول منذر، ليكونن أهدى وأمثل من أي أمة من الأمم السابقة، فلما أتاهم الرسول النذير وتحقق ما تمنّوه، وهو رسول الله ﷺ وما أنزل معه من القرآن، ما ازدادوا إلا كفرا، وتباعدا وإعراضا عن الإيمان، تكبرا عن اتباع آيات الله، ولجوءا إلى سوء المكر، بصدّ الناس عن سبيل الله تعالى، ولكنهم أخفقوا، فما يعود وبال المكر إلا على أنفسهم دون غيرهم، وعوقبوا على مكرهم وإثمهم العقاب المناسب، فهل ينتظرون إلا عقوبة لهم على تكذيبهم الرسول ﷺ ، كعقوبة الأمم الماضية الذين كذبوا رسلهم؟! وتلك سنة الله- أي عادته- وطريقته، التي لا تتغير ولا تتبدل في كل مكذب، ولا تحويل لسنة الله في العذاب من مكذب كافر إلى غيره. والمعنى: أنه لا بد من أن يحيق بهم العقاب، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، فعاقبة الفساد تعود لهم. وهذا وعيد بيّن.
وسبب نزول الآية: أن قريشا قالوا: لو أن الله بعث منا نبيا، ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكا بكتابها منا. وبعد هذا التوعد، ذكّرهم الله بما رأوا من آثار التعذيب في طريق الشام وغيره، كديار ثمود ونحوها، أفلم يتنقلوا في الأرض في رحلاتهم إلى الشام واليمن والعراق، فيشاهدوا مصير السابقين الذين كذبوا الرسل، كيف دمّر الله عليهم، على الرغم من أنهم كانوا أشد من قريش قوة، وأكثر عددا وعدّة، وأكثر أموالا وأولادا، ولم يكن الله ليفوته
стр. 2139
شيء إذا أراد حدوثه في السماوات والأرض، إن الله تعالى عليم بجميع الكائنات، لا يخفى عليه شيء منها، تام القدرة لا يصعب عليه شيء.
ثم أبان الله تعالى سبب إمهاله بعض عباده وتأخيره العذاب عنهم: وهو أن الآخرة من وراء الجميع، وفيها يستوفي جزاء كل أحد، ولو جازى الله تعالى على الذنوب في الدنيا، لأهلك الجميع، أي لو عجل عقاب الناس على معاصيهم لأهلكهم جميعا، ودمر جميع ممتلكاتهم ولم يترك دابة على ظهر الأرض، ولكن يؤجل عقابهم إلى وقت محدد، وهو يوم القيامة، فيحاسبهم حينئذ، ويوفي كل عامل بعمله، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستوجب العقاب، وفيه وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.
стр. 2140
تفسير سورة يس
القرآن والنبي ﷺ وقومه
سورة يس مكية بالإجماع، وهي تتحدث عن رسالة النبي ﷺ ، وتذكّر الناس بالبعث والقدرة الإلهية ووحدانية الله تعالى، وتثير المشاعر والأفكار للتأمل بأحداث القيامة، وتتميز هذه السورة بأنها قلب القرآن، وتشفع لقارئها،
أخرج الدارمي والترمذي والبيهقي عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل شيء قلبا، وإن قلب القرآن يس» .
وأخرج أبو النصر السجزي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في القرآن لسورة تدعى: العظيمة عند الله، يدعى صاحبها: الشريف عند الله، يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يس» .
وأخرج أبو داود وأحمد وابن ماجه وغيرهم عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا يس على موتاكم»
وهو حديث حسن. قال الله تعالى في مطلعها مبينا موقف النبي من قومه:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
«١»
стр. 2141
«١» [يس: ٣٦/ ١- ١٢] .
يس: إما اسم من أسماء محمد ﷺ ، لقوله تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أو إنها حروف مقطعة للتنبيه على أهمية السورة وتحدي العرب بالقرآن بأن يأتوا بمثله، مع أنه متكوّن من الحروف الأبجدية أو الهجائية التي تتركب منها لغتهم. أقسم الله تعالى بالقرآن المحكم بنظمه ومعناه، ذي الحكمة البالغة، بأنك يا محمد لرسول من عند الله، على طريق قويم، ومنهج سليم. وهذا القرآن تنزيل من عند الله ذي العزة والقوة، الرحيم بعباده المؤمنين، ولقد أرسلناك أيها الرسول لتنذر قومك العرب الذين لم يأتهم رسول منذر من قبلك، ولم يأت آباءهم الأقربين من ينذرهم ويعرّفهم شرائع الله تعالى، فهم غافلون عن معرفة الحق والشرع.
نزلت هذه الآية فيما
أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في السجدة، فيجهر بالقراءة حتى يتأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا بهم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، فدعا حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله: أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.
لقد وجب العذاب على أكثر أهل مكة حين نزول هذه الآيات، وهو ما دوّن في شأنهم في اللوح المحفوظ، أنهم لا يؤمنون بالقرآن والنبي ﷺ ، وهم الذين علم الله
стр. 2142
أنهم يموتون على الكفر. ومثل تصميمهم على الكفر كمثل المكبّل في الأغلال لا يستطيع فعل شيء ولا يبصر شيئا. وهذا المثل: إنا جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالقيود، تمنعهم من فعل شيء حتى صاروا مرفوعي الرؤوس، خافضي الأبصار، أي إنهم كالمطوّقين بالقيود في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يستطيعون توجيه أنظارهم إلى شيء.
وتأكيدا لما سبق في تصوير حالتهم: أنهم بتعاليهم عن النظر في آيات الله جعلوا كالمضروب عليهم السدّ، المحيط بهم من الأمام والخلف، ومنعوا من النظر، فهم لا يبصرون شيئا، ولا ينتفعون بخير، ولا يهتدون إليه.
أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن، فأنزل الله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا إلى قوله: لا يُبْصِرُونَ فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصر. فالآية مستعارة المعنى من منع الله إياهم وحوله بينه وبينهم، وهذا أرجح الأقوال، لأنه لما ذكر الله أنهم لا يؤمنون في العلم الأزلي، جعلوا في حالة من المنع، وإحاطة الشقاوة كالمضروب عليهم السد، وتشبه حالهم حال المغلوبين.
ونتيجة لهذا التطويق، يستوي أيها النبي إنذارك لهؤلاء المصرّين على الكفر، وعدم الإنذار، فهم لا يؤمنون، ولا ينفعهم الإنذار.
إنما ينفع إنذارك الذين آمنوا بالقرآن العظيم، واتبعوا أحكامه وشرائعه، وخافوا عقاب الله قبل حدوثه، وقبل رؤية الله، فهؤلاء بشرّهم بمغفرة لذنوبهم، وبأجر كريم وفير على أعمالهم وهو الجنة.
ثم أكد الله تعالى تحقيق الجزاء في عالم الآخرة بقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى أي إننا قادرون على إحياء الموتى، وبعثهم أحياء من قبورهم، ونحن الذين نكتب لهم كل ما قدّموه من عمل صالح أو سيّئ، وكل ما تركه من آثار طيبة أو خبيثة.
стр. 2143
وسبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فقال النبي ﷺ : «إن آثاركم تكتب» . فلم ينتقلوا. وفي صحيح مسلم قال: «يا بني سلمة، دياركم، تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» . وهذا لا يمنع من كون الآية مكية، لأن النبي ﷺ احتج عليهم في المدينة، واتفق قوله ﷺ مع الآية في المعنى. والمراد بالآثار: الخطى إلى المساجد.
أصحاب القرية
يتكرر ضرب الأمثال في القرآن الكريم للعظة والاعتبار والتأثر بأحداث الآخرين، وفي سورة يس ضرب الله مثلا لحال قريش الذين أصروا على الكفر، بحال أهل قرية كذّبوا الرسل، فدمرّهم الله بصيحة واحدة. والقرية، على ما روي عن ابن عباس ﵄، والزهري: أنطاكية. والمرسلون: هم جماعة من الحواريين، بعثهم عيسى ﵇ قبل رفعه إلى السماء، وقبل صلب الذي ألقي عليه شبهه. وهم رسولان دعوا أهل القرية إلى عبادة الله وحده، وإلى الهدى والإيمان، فكذبوهما، فشدّد الله أمرهما بثالث، فصاروا ثلاثة، وقامت الحجة على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، وقتلوه في آخر أمره وكفروا، فأصابتهم صيحة من السماء، فخمدوا وماتوا. فإذا استمر مشركو قريش على عنادهم، كان إهلاكهم يسيرا كأهل هذه القرية، قال الله تعالى:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ٢٩]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)
стр. 2144
«١» «٢» «٣» [يس: ٣٦/ ١٣- ٢٩] .
المعنى: اضرب يا محمد مثلا في الغلو والكفر لقومك بأهل قرية هي أنطاكية في رأي ابن عباس، حين أرسل الله إليهم ثلاثة رجال مرسلين من أصحاب عيسى ﵇ الحواريين، فكذبوهم. وعدد المرسلين اثنان أرسلهما عيسى بأمر الله تعالى، فكذب القوم رسالتهما، فأيدهما الله برسول ثالث، فقالوا لأهل القرية: إنا مرسلون إليكم من ربكم الذي خلقكم بأن تعبدوه وحده، وتتركوا عبادة الأصنام.
فقال أهل القرية للمرسلين الثلاثة: لستم أنتم إلا بشرا أمثالنا، تأكلون الطعام وتشربون، فمن أين لكم التميز علينا؟ والله الرحمن لم ينزل إليكم رسالة ولا كتابا مما تدّعون، ويدّعيه غيركم من الرسل، فما أنتم بادعائكم الرسالة إلا قوم كاذبون.
فأجابهم الرسل الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه، لانتقم منا أشد الانتقام. ومهمتنا أنه ليس علينا إلا إبلاغكم ما أرسلنا به إليكم، ولا يجب علينا إلا تبليغ الرسالة بنحو واضح.
стр. 2145
فهدّدهم أهل القرية بقولهم: لقد تشاءمنا منكم، ولم نر خيرا في عيشنا معكم، ولئن لم تنتهوا عن دعوتكم هذه، لنرجمنكم بالحجارة، وليصيبنكم منا عذاب مؤلم شديد.
فأجابهم الرسل الثلاثة: شؤمكم مردود عليكم، وهو مصاحب لكم، وسببه تكذيبكم وكفركم بربكم، ولسنا نحن، بل أنتم قوم مسرفون في الضلال، متجاوزون الحد في مخالفة الحق.
ثم أيدّهم الله بنصير من القوم، فجاء رجل مؤمن بالله وبالرسل، من أبعد أطراف المدينة يسرع المشي لما سمع بخبر الرسل، وهو حبيب النجار في رواية عن أبي مجلز وكعب الأحبار وابن عباس، فقال ناصحا قومه: يا قوم، اتبعوا رسل الله فيما أتوكم به، لإنقاذكم من الضلال، اتبعوا هؤلاء الذين لا يطلبون منكم أجرا ماليا على إبلاغ الرسالة، فهم مخلصون في عملهم ودعوتهم، وهم جماعة مهتدون إلى الحق والإيمان الصحيح بعبادة الله وحده لا شريك له.
وإني أحب لكم ما أحب لنفسي، وأنا ما الذي يمنعني من عبادة الله الذي خلقني، وإليه رجوعي ومصيري يوم المعاد؟ وفي هذا ترغيب بعبادة الله تعالى وترهيب من عقابه، والدليل على سلامة منهجي في الاعتقاد والعبادة: كيف أتخذ من دون الله آلهة أخرى، لا تضر ولا تنفع، وهي عبادة الأصنام؟ وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، فلن أتخذ من دون الله آلهة، فإنه إن أرادني الله الرحمن بسوء أو ضرر، لم تنفعني شفاعة هذه الأصنام التي تعبدونها، ولا تنقذني من أي سوء. إن اتخذت هذه الأصنام آلهة من دون الله، فإني في الحقيقة والواقع في خطأ واضح، وانحراف بيّن عن الحق، إني صدّقت بربكم الذي أرسلكم أيها الرسل، فاشهدوا لي بذلك عنده. فلما قال ذلك، قتله قومه.
стр. 2146
فقيل له: ادخل الجنة، لاستشهادك في سبيل إعلاء كلمة الحق، فدخلها، فلما عاين نعيمها، قال محبا لإنقاذ قومه: يا ليت قومي يعلمون بمآلي وحسن حالي، فيؤمنوا بالله مثل إيماني.
ثم خاطب الله نبيه متوعدا لقريش: لم نحتج في تعذيب القوم إلى جند من جنود الله كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك، بل كانت صيحة واحدة من أحد الملائكة، دمرتهم، لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، فصاروا بهذه الصيحة موتى هامدين.
بعض أدلة القدرة الإلهية
عني القرآن الكريم عناية شديدة بإثبات البعث (اليوم الآخر) بإيراد مظاهر أو أدلة على القدرة الإلهية الفائقة، إما بإهلاك الظالمين هلاكا استئصاليا، من الأقوام الغابرين، ثم يحضرهم الله للحساب، وإما بإحياء الأرض الميتة بالمطر وإيجاد البساتين اليانعة وتفجير الأنهار فيها، وإما بسلخ النهار من الليل، أو بتسيير الشمس والقمر في مدارهما، أو بحمل الآباء والذرية في السفن، حفاظا على الوجود الإنساني، وغير ذلك، قال الله تعالى موضحا هذه الأدلة:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٠ الى ٤٤]
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)
لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)
стр. 2147
«١» [يس: ٣٦/ ٣٠- ٤٤] .
يا حسرة: المنادي محذوف، أي يا جماعة تحسروا حسرة على هؤلاء، أو المنادي:
الحسرة نفسها، أي هذا أوانك فاحضري.
والمعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم بسبب تكذيبهم الرسل، فلم يأتهم رسول من عند الله، لدعوتهم إلى التوحيد والحق والخير لأنفسهم، إلا استهزءوا به وكذّبوه، وجحدوا ما أرسل به من الحق. وقوله: يا حَسْرَةً نداء للحسرة بقصد الندبة والتحسر، بمعنى: هذا وقت حضورك وظهورك، والمراد التلهف على العباد والإشفاق عليهم، حين يزج بهم في العذاب. وهذا تمثيل لفعل قريش. ثم عناهم الله تعالى بقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا.. أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كعاد وثمود، وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، خلافا لمزاعم الدهرية أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا قبلهم. ثم أعلمهم الله تعالى بوجود الحساب وعقاب الآخرة بعد عذاب الدنيا، فإن جميع الأمم الماضية والحاضرة والمستقبلية سيتم إحضارهم للحساب يوم القيامة، بين يدي الله ، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، وهذا يدل على أن من أهلكه الله في الدنيا له حساب وعقاب آخر في الآخرة.
ومن الآيات أو العلامات الدالة على قدرة الله تعالى على البعث وغيره:
стр. 2148
- إحياء الأرض الهامدة التي لا نبات فيها، بإنزال الماء عليها، وتحركها بالنبات المختلف، وإخراج الحب الذي هو رزق للناس ودوابهم، وهو معظم ما يؤكل.
- ومن الآيات: إيجاد البساتين المشجرة في الأرض، من نخيل وعنب وغيرها، وتفجير الأنهار فيها في مواضع مختلفة، والقصد من ذلك: أن يأكل الناس من ثمار النخيل والأعناب، ويأكلوا مما صنعته أيديهم من نتاج الثمر والزرع أو الحب، كالعصير والدبس والمربيات ونحوها، فهلا يشكرونه على ما أنعم الله به عليهم من هذه النعم الكثيرة!! وهو أمر بالشكر من طريق إنكار تركه.
تنزيها لله تعالى عن الشريك الذي لا يخلق شيئا، والله وحده هو الذي خلق الأصناف كلها من مختلف الأنواع، من الزروع والثمار والنبات، وخلق من النفوس الذكور والإناث، وخلق أشياء لا يعرفونها، كما جاء في آية أخرى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [النحل: ١٦/ ٨] .
- ومن آيات قدرته تعالى وهي آية عظيمة لهم: خلق الليل والنهار، وتعاقبهما، وانسلاخ النهار من الليل، فيأتي بالضوء، وتتبدد الظلمة. ونسلخ: نكشط ونقشر، فهي استعارة، ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام فجأة.
ومن الآيات: دوران الشمس في فلكها حول نفسها في مدارها، ومستقرها: كناية عن غيوبها أو آخر مطالعها. ذلك تقدير من الله القاهر الغالب كل شيء، المحيط علمه بكل شيء. وجعل الله للقمر منازل يسير فيها سيرا آخر، وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل في كل ليلة في واحد منها بمعدل ١٣ درجة في اليوم، ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين، فإذا انتهى الشهر يدق ويصغر حتى يصير كغصن النخلة الأصفر اليابس. ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر، ولا
стр. 2149
العكس، ولا أن يسبق الليل النهار، ولكل منهما مدار يدور في فلكه، ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.
وعلامة ودليل لهم على قدرة الله ورحمته: تسخير البحار لسير السفن المشحونة بالركاب والبضائع، وحمل ذرياتهم في الأصح: حمل ذريات جنسهم أو نوعهم، لتوفير القوت والمعاش. وخلق الله للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل ونحوها، التي يركبون عليها ويحملون أمتعتهم على ظهورها. والأظهر أنه تعالى يخلق لهم مثل الفلك الموجود في زمانهم- زمان بني آدم إلى يوم القيامة. وإن يشأ الله يغرق في الماء الناس الراكبين والسفن الموجودة، أي السفن وحمولاتهم، فلا يجدون مغيثا يغيثهم أو ينجيهم من الغرق، ولا هم ينقذون مما أصابهم، لكن برحمة من الله نسيّركم أيها الناس في البر والبحر، ونحفظكم من الغرق، وتمتيعا من الله لكم في الدنيا إلى وقت محدود عند الله تعالى، وهو الموت.
أحوال الكفار
في التقوى والإنفاق والإيمان بالبعث
للناس مواقف نابعة من الأهواء والشهوات حول تقوى الله، وآياته، والإنفاق في وجوه الخير، والإيمان بالبعث، فهم لا يخشون الله لانعدام الإيمان الصحيح به، ويعرضون عن آيات الله تهكما واستهزاء ومكابرة، ولا ينفقون من رزق الله شيئا في سبيل الله ودفع حاجة المحتاجين، وينكرون إمكان البعث، لأنهم جماعة ماديون لا يدركون آفاق المستقبل، ويستبعدون إمكان إعادة الأجساد التي صارت رميمة كالتراب إلى الحياة مرة أخرى، ولكنهم سيجدون كل ذلك حتما ويوقفون للحساب والجزاء القائم على الحق والعدل. وهذا ما أخبر به القرآن الكريم في الآيات الآتية:
стр. 2150
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [يس: ٣٦/ ٤٥- ٥٤] .
المشركون في غي وضلال، لا يكترثون بالماضي وما جنوا فيه من آثام، ولا يقدّرون مخاطر المستقبل الحاصل بعد الدنيا وما فيه من المخاطر، فتراهم إذا قيل لهم:
اتقوا الله، أي احذروا عذاب الأمم التي سبقتكم في الزمن، وعذاب الآخرة التي تحدث بعدئذ، إذا صممتم على الكفر حتى الموت، لعل الله يرحمكم باتقائكم ذلك، ويحميكم من العذاب.
وما يصل إلى علمهم من آية دالة على توحيد الله وتصديق الرسل إلا أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا لها، ولم يتأملوا بها، لتعطيل طاقة الفكر والوعي عندهم.
ولا يقتصر الأمر على سوء الاعتقاد، فإنهم قساة القلوب على مخلوقات الله، فإذا طلب من قريش الإنفاق أو التصدق بشيء من الأموال والأرزاق التي أنعم الله بها عليهم، أجابوا المؤمنين بطريق الاستهزاء واللامبالاة قائلين: هؤلاء المحتاجون لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فهم لا يستحقون النفقة، ونحن نوافق مشيئة الله فيهم، وقوله تعالى: مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ترغيب في الإنفاق، وذم للبخل،
стр. 2151
وأضافوا قائلين للناصحين لهم: ما أنتم في طلب الإنفاق منا إلا في خطأ واضح، وانحراف عن جادة الهدى والرشاد.
وسبب هذه الآية: أن كفار قريش لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم من المستضعفين، قطعوا عنهم نفقاتهم وجميع صلاتهم، فطلب منهم المؤمنون أيام الموادعة أن يصلوهم، وأن ينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ونسوا واجب التعاطف وتألف الجنس.
وتراهم ينكرون البعث (القيامة) فيقولون للمؤمنين استعجالا له بطريق الهزء والسخرية: متى يأتي هذا الوعد بالبعث الذي وعدتمونا به، وتهددونا به، إن كنتم صادقين في ادعائكم ووعيدكم؟
فأجابهم الله تعالى، إنهم لا ينتظرون لإيجاد القيامة والعذاب إلا نفخة واحدة في الصور، هي النفخة الأولى: نفخة الفزع التي يموت بها جميع المخلوقات، وهم يختصمون فيما في شؤون المال، والاقتصاد، وعقود المعاملات. وفي تلك النفخة السريعة الأثر التي يعقبها الموت فورا، لا يستطيع بعضهم الوصية لبعض بأملاكه وديونه، بل يموتون في أماكنهم، ولا يتمكنون من الرجوع إلى ديارهم التي خرجوا منها.
ثم أخبر الله تعالى عن النفخة الثانية: وهي نفخة البعث والانتشار من القبور، فإذا نفخ في الصور نفخة ثانية للبعث والنشور، فإذا جميع المخلوقات يخرجون من القبور، يسرعون المشي إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء.
وإذا وجدوا في ساحة البعث والحساب، قال هؤلاء المبعوثون: يا هلاكنا، من الذي بعثنا من قبورنا بعد موتنا؟ وكانوا لا يعتقدون أنهم يبعثون من قبورهم، وقدّروا أنهم كانوا في قبورهم نياما، ولما جوبهوا بالحقيقة المرّة، والواقع المحفوف
стр. 2152
بالمخاطر والأهوال قالوا: هذا الذي وعد به الرحمن، وصدق الرسل المرسلون في الإخبار عنه، أي إنهم أقروا بصدق الرسل في يوم لا ينفع فيه التصديق.
ثم وصف الله سرعة البعث بأنها ما هي إلا صيحة واحدة: وهي صيحة القيامة والنفخة الثانية في الصور، فإذا هم أحياء مجموعون لدى الله بسرعة للحساب والجزاء، كما جاء في آية أخرى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) [النازعات: ٧٩/ ١٣- ١٤] . وقال الله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: ١٦/ ٧٧] .
ثم يكون القضاء العدل الحاسم، ففي يوم القيامة لا تبخس نفس شيئا من عملها مهما قلّ، ولا توفوّن أيها الناس إلا ما عملتم من خير أو شر، كما قال الله سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء: ٢١/ ٤٧] .
أهل الجنة وأهل النار
كل عامل يلقى ثمرة عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلا يستغربن أحد أن نتيجة عمله تلازم العمل، وتكون هي الغاية والهدف، فالمحسن الصالح يتلقى من ربه الكريم ثوابا صالحا بفضل الله وكرمه ورحمته، والمسيء المفسد يجازى بسوء فعله وقوله وفساده، حقا وعدلا، وهذا مثل الطالب الذي يعدّ نفسه للامتحان، إن اجتهد وأتقن دراسته، ووعى وفهم وتمثل ما قرأه، وصلح حاله واتقى ربه في كل شؤونه، نجح وتباهي أمام الناس، وإن تكاسل وفرط، ونام، وأضاع وقته في اللهو والفساد، ولم يدرس كتابه دراسة وافية، رسب وذلّ وتصاغر أمام الآخرين. وهذا هو قانون الله في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:
стр. 2153
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٦٨]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)
«١» «٢» «٣» [يس: ٣٦/ ٥٥- ٦٨] .
هذه أوصاف فيها موازنة دقيقة بين جزاءين: جزاء المحسنين وجزاء المسيئين. أما المحسنون: فهم المؤمنون الصالحون المنزلون في روضات الجنات يوم القيامة، المشغولون بما يتمتعون به من النعيم والتفكر عما فيه أهل النار من العذاب.
وفاكِهُونَ: فرحون طربون، وليس التمتع مقصورا عليهم، وإنما هم وأزواجهم في الجنة في ظلال وارفة، يتكئون على الأرائك، أي الوسائد والأسرّة والفرش الناعمة. والأرائك: السرر المفروشة، وتقدّم لهم أنواع الفاكهة، وغير ذلك مما يتمنون ويشتهون. ويحيّون من الله تعالى الرب الرحيم بعباده بالسلام، أي الأمان من كل مكروه، يقول لهم الله: سلام عليكم يا أهل الجنة.
وأما المسيئون: فهم الأشقياء أهل النار الكافرون، فيقال لهم: تميزوا في موقفكم وانفصلوا عن المؤمنين، أيها المجرمون. وهذه معادلة لقوله تعالى لأصحاب الجنة:
стр. 2154
سَلامٌ وهو توبيخ لهم على عهده إليهم، ومخالفتهم عهده، فيكون سبب تمييزهم وفصلهم أنه كما حكى القرآن: ألم أعهد إليكم، أي آمركم وأوصكم من طريق الرسل أيها البشر: ألا تطيعوا الشيطان، فيما يوسوس به إليكم من المعصية والمخالفة، فإن الشيطان عدو ظاهر العداوة لكم، بدءا من عهد أبيكم آدم ﵇.
وأمرتكم أن تعبدوني وتطيعوني وحدي، فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، وهذا هو الطريق المعتدل القويم، وهو دين الإسلام.
ولقد أغوى الشيطان خلقا كثيرا، وزين لهم فعل السيئات، وصدّهم عن طاعة الله وتوحيده، أفلم تعقلوا عداوة الشيطان لكم؟! ويقال لهم تقريعا وتوبيخا: هذه النار التي وعدتم بها في الدنيا، وحذّرتكم منها على ألسنة الرسل، فكذبتموهم: ادخلوها وذوقوا حرها اليوم، بسبب كفركم بالله في الدنيا، وتكذيبكم بها. وهو أمر تنكيل وإهانة. ويواجهون بجرائمهم عيانا، ففي هذا اليوم الرهيب، يختم الله على أفواههم، بحيث لا يقدرون على الكلام، وتتكلم أيديهم وأرجلهم، شاهدة على أصحابها بما ارتكبت من آثام في الدنيا. والتكلم للأيدي والأرجل لأن أكثر الأفعال تتم بمباشرة الأيدي، وسعي الأرجل.
وقدرة الله كبيرة، فلو شاء لأذهب أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يبصرون طريق الهدى، ولا يعرفون طريق النجاة، فكيف يبصرون وقد ذهبت أبصارهم؟ أي لو شاء ربك لمسح أعين الكفار، حتى أرادوا سلوك الطريق الواضح المعروف لهم لما استطاعوا، فكيف يبصرون حينئذ؟
ولو شاء الله لبدّل خلقهم، وحوّل صورهم إلى صور أخرى أقبح منها كالقردة والخنازير، وهم جاثمون في الأماكن التي ارتكبوا فيها السيئات، فلا يتمكنون من الذهاب أمامهم ولا الرجوع وراءهم، بل يلزمون حالا واحدة، لا يتقدمون ولا يتأخرون.
стр. 2155
ومن يطل الله عمره، يتبدل حاله بقدرة الله، ولا يفعل ذلك إلا الله، فيرده إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، والبله بعد الفهم، ونحو ذلك، أفلا يدركون ويتفكرون أنهم كلما تقدّمت بهم السّن، ضعفوا عن العمل، فإذا أعطاهم الله فرصة أخرى للعمل، فلن يفيدهم طول العمر شيئا، وفي هذا قطع لأعذارهم بأنه لم تتوافر لديهم الفرصة الكافية للبحث والنظر والعمل.
صفة الرسالة النبوية
ركّز القرآن الكريم في التشريع المكي على إثبات أصول الدين الثلاثة: وهي الوحدانية، كما جاء في آية سابقة في سورة يس: وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) والبعث أو اليوم الآخر كما في قوله تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) والرسالة النبوية في قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ. وهذه الأصول الثلاثة تنقض عقائد المشركين، وتقيم بدلها ما ينبغي اعتقاده ومطابقته للواقع، فإن تركوا عقائدهم الموروثة، وبادروا إلى الإيمان بأصوله الثوابت، كان لهم عزّ الدنيا والآخرة. قال الله تعالى مبينا أوصاف الرسالة النبوية:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)
[يس:
٣٦/ ٦٩- ٧٦] .
أخبر الله تعالى عن حال نبيه ﷺ بأنه رسول من عند الله، وليس هو بشاعر، ولا
стр. 2156
القرآن شعرا، والشعر: كلام موزون بقواف معينة، ولم يعلّم الله نبيه الشعر، ولا حاجة له به، وكان لا يقول الشعر ولا يرويه ولا يزنه، وإنما يكسر وزنه غالبا إذا نطق به، وينقل المعاني فقط. والقرآن ليس شعرا، وإنما هو ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ، وكتاب إلهي واضح لمن تأمله وتدبره، واسترشد بنظامه في الحياة.
وإنما منع الله نبيه ﷺ من الشعر ترفيعا له عما في قول الشعراء من التخيل وتزويق الكلام. أما القرآن الكريم فهو ذكر الحقائق والبراهين فما هو بقول شاعر ولا كاهن ولا ساحر.
وخصائص مهمة الرسول ﷺ : هي إنذار كل من كان حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره، وتثبيت الحقائق والتعريف بها، وليتحتم العذاب على الكافرين، ويجب الخلود لهم في النار، إذا ما أعرضوا عن الإنذار، ولم يذعنوا للحقيقة.
ثم نبّه الله قريشا حينما أعرضت عن الشرع وعبدت الأصنام، وذكّرهم بإنعامه عليهم، حيث خلق لهم الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) وسخّرها لهم، وملّكها إياهم، ولو شاء لجعلها مستعصية عليهم، نافرة منهم، ومنافع الأنعام كثيرة: أهمها أن الله تعالى جعلها مذللة منقادة لهم، فمنها مركوبهم الذي يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما يأكلون من لحمها.
ولهم فيها منافع أخرى غير الركوب والأكل منها، كالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها، وجعلها مصدرا للشرب من ألبانها، أفلا يشكرون خالقها ومسخّرها وموجدها، وميسر النعم الكثيرة لهم؟! والشكر يكون بعبادة الله وطاعته، وترك الإشراك به شريكا آخر. وهذا تحريض على شكر الخالق المنعم، والقيام بوفاء النعمة.
ولكنّ كفار قريش المشركين تنكروا لهذا الواجب، وكفروا بأنعم الله، واتخذوا
стр. 2157
الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها من دون الله، لعلهم ينصرون بها، ويشفعون لهم، ويقربونهم إلى الله زلفى، في زعمهم.
ولكن هذه المعبودات لا تحقق فائدة لأحد، فهم لا يقدرون على نصر عبّادها ولا نصر أنفسهم، على الرغم من أنهم جند طائعون لها، أي للأصنام، يخدمونهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم، أي هم حراس أمناء.
ثم آنس الله نبيه عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته وعما يلقاه منهم من ألوان الأذى، فلا تهتم أيها النبي بتكذيبهم لك وكفرهم بالله، وبأقوالهم الباطلة المفتراة حيث قالوا: هؤلاء آلهتنا، وهم شركاء لله في المعبودية، فإننا نحن (الله) نعلم جميع ما هم فيه، نعلم سرهم وجهرهم، ونعلم ما يسرّون لك من العداوة، ومعاقبوهم على ذلك.
إن كل زمرة أو مجموعة قليلة من الآيات تصلح ردا قاطعا على عقائد المشركين الوثنيين، ولكن الله جلّت حكمته، نوّع الخطاب، وكرّر المعنى، وأقام الأدلة الكثيرة في مناسبات متعددة، حتى لا يبقى لأحد عذر في البقاء على ضلاله وشركه، وهذه آيات كغيرها تثبت توحيد الله تعالى، وقدرته، وتبيّن مزيد نعمه على عباده، ليحملهم صنع المعروف على تذكر المنعم، والمبادرة إلى الإقرار بوجوده والإذعان لكلامه في قرآنه المجيد.
الرد على منكري البعث
استبد العناد والتحدي ببعض المشركين، فأعلنوا إنكار البعث واليوم الآخر، فجاء العاص بن وائل، أو أبي بن خلف إلى النبي ﷺ ، مجاهرا في إنكاره الآخرة،
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل، ففتّه فقال: يا محمد: أيبعث هذا بعد ما أرمّ؟ قال: نعم، يبعث الله
стр. 2158
هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت الآيات: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخر سورة يس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسدّي نحو الرواية المذكورة وقاله الحسن البصري، وسموا الإنسان أبي بن خلف، وقال أبو حيان: هذا هو الأصح، لما رواه ابن وهب عن مالك، وهو ما رواه ابن إسحاق وغيره.
وقال ابن جبير: هذه الآيات نزلت بسبب أن العاص بن وائل السهمي جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم «١» ، ففتّه، وقال: يا محمد: من يحيي هذا؟ قال الله تعالى واصفا هذا الحدث ورادا على قائليه:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
[يس: ٣٦/ ٧٧- ٨٣] .
المعنى: ألم يعلم كل إنسان أننا بدأنا خلقه من ماء مهين يحمل نطفة صغيرة، في غاية الضعف، ثم جعلناه إنسانا كاملا، ثم يتنكر للخالق، فتراه يجادل بالباطل، وهو ناطق فصيح، وذو عقل قوي. أفلم يستدل منكر البعث بهذا البدء في الخلق على إمكان الإعادة والإحياء؟! إن شأن هذا المخلوق أن يشكر النعمة، فيتعرّف على خالقه القادر، لا أن يجادل بالباطل، ويتشكك في إمكان قدرة الله تعالى على بعثه مرة أخرى.
стр. 2159
لقد ضرب هذا المنكر مثلا بعظم رميم بال على استبعاد البعث، ونسي مبدأ خلق نفسه من العدم، وثم صيرورته إلى الوجود، فقال: من الذي يتمكن من إحياء العظام البالية بعد أن صارت رميما، أي بالية فانية؟! والنسيان من هذا المنكر: إما نسيان الذهول أو نسيان الترك.
فأجابه الله تعالى بقوله: قل أيها النّبي لهذا المشرك المنكر للبعث: يحيي الله العظام البالية: الذي أنشأها وأبدع خلقها في المرة الأولى، من غير شيء، بل من العدم، ولم تكن شيئا مذكورا، والله لا تخفى عليه خافية من الأشياء، سواء أكانت مجموعة أم مجزأة مشتتة في أنحاء الوجود، ولا يخرج عن علمه أي شيء كائنا ما كان، في البر أو في البحر أو في جوف الحيوان أو مختلطا بالتراب.
ودليل آخر على إمكان البعث: وهو أن الله تعالى خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار أخضر نضرا، ثم صيّره حطبا يابسا، يجعله الناس وقودا لنيرانهم، فمن كان قادرا على هذا التحويل والتقلّب من عنصر الرطوبة إلى عنصر الحرارة، فهو قادر على إعادة الرطب يابسا، والحي ميتا، والميت حيّا، لأن المعوّل في ذلك كله على القدرة الإلهية.
ودليل ثالث: وهو أن من خلق السماوات السبع وما فيها من الكواكب السّيّارة والثّوابت، والأرضين السّبع وما فيها من معادن وكنوز وجبال وأنهار، وسهول وهضاب، وهي أعظم من خلق الإنسان، من خلق ذلك، فهو قادر على خلق مثل البشر، وإعادة الأجسام إلى الحياة مرة أخرى، وهي أضعف وأصغر من خلق السماوات والأرض، والله هو الخلاق: أي كثير الخلق، العليم: الشامل العلم.
إن شأن القدرة الإلهية أو شأن الله في إيجاد الأشياء سهل يسير، فإنما هو إذا أراد شيئا قال له: كن، فإذا هو كائن على الفور، من غير توقّف على شيء آخر أصلا.
стр. 2160
فتنزيها لله تعالى عما لا يليق به من العجز والنقص والسوء، فهو الذي بيده ملكية جميع الأشياء، وله القدرة التّامة على كل الموجودات، يتصرّف فيها كيفما يشاء، وإليه وحده دون غيره مرجع جميع العباد، بعد البعث في الدار الآخرة، فيجازي كل إنسان بما عمل، فما عليهم إلا أن يؤمنوا بوحدانيته وقدرته، وبإيجاد الآخرة بحسب علمه.
стр. 2161
تفسير سورة الصافات
من أدلة الوحدانية والقدرة على البعث وغيره
في الكون عجائب المخلوقات والخلق، ففيه الملائكة ذوو الصفات والمهام المتعددة، وفيه السماوات والأرضون، وفي السماء الكواكب الكبيرة والصغيرة التي تزيّن بها السماء الدنيا، وفي السماوات من الكواكب أكبر بكثير مما نشاهده، وفي البشر أناس أشداء الخلق والتكوين، وذلك كله من المظاهر الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وعظمته، والعقلاء: هم الذين يقدّرون هذا ويوقنون به، وهذا ما افتتحت به سورة الصافات المكية النزول، والتي تدل بجملها وتراكيبها الموجزة على إعجاز القرآن وفصاحته، وتأثيره البليغ في النفوس، تأثيرا يهز المشاعر، ويحرّك العواطف، قال الله تعالى:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ٢١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)
وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)
«١» «٢» «٣»
стр. 2162
«١» [الصافات: ٣٧/ ١- ٢١] .
أقسم الله تعالى في هذه الآيات بالملائكة المتصفين بصفات ثلاث: وهي وقوفهم صفوفا للعبادة، أو في الهواء تصفّ أجنحتها انتظارا لأمر الله تعالى، وتزجر السحاب زجرا، أي تسوقه وتحركه سوقا، وتتلو أو تقرأ ذكر الله أي كتبه. وجواب القسم أن الله واحد لا شريك له، وأنه رب السماوات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات، ورب مشارق الشمس وهي أماكن طلوعها بعدد أيام السنة، ولها أيضا مغارب مماثلة، مفهومة بدلالة الآية، فلكل مشرق ومغرب كما جاء في آية أخرى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) [المعارج: ٧٠/ ٤٠] .
ثم أخبر الله تعالى عن قدرته بتزيين السماء الدنيا بالكواكب الكثيرة، وانتظم التزيين بجعلها حفظا وحرزا من الشياطين المردة، وهم مسترقو السمع، فإذا أراد شيطان استراق السمع انقضّ عليه شهاب ثاقب فأحرقه. ولا يقدر الشياطين أن يتسمعوا لحديث الملأ الأعلى: وهم الملائكة، في السماء الدنيا وما فوقها، لأنهم يرمون بالشهب.
ومرادهم أن يسترقوا شيئا مما يوحيه الله تعالى لملائكته من الشرع والقدر. والملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها.
فيكون للشهب والكواكب السماوية فائدتان كبيرتان: تزيين السماء الدنيا، وحفظها من مردة الشياطين. والمارد: المتجرد للشر. وحض الله السماء الدنيا بالذكر
стр. 2163
لأنها التي تشاهدها أبصارنا، وأيضا فالحفظ من الشياطين إنما هو فيها وحدها.
وحفظا: منصوب على المصدر.
إن الشياطين يرمون بالشهب من كل جانب أو جهة يتجهون إلى السماء منها، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع. ويبعدون ويطردون طردا ويمنعون من الوصول إلى مقاصدهم، ولهم في الآخرة عذاب دائم مستمر موجع. والدحور: الإصغار والإهانة حال الطرد، لأن الزجر: الدفع بعنف.
وطرد الشياطين هي الحال الغالبة على جميع الشياطين إلا من شذ، فخطف خبرا أو نبأ، فأتبعه شهاب فأحرقه.
فاسأل أيها الرسول منكري البعث: أيهم أشد خلقا، أي أصعب إيجادا، هم أم السماوات والأرض وما بينهما من الأمم والملائكة والشياطين والمشارق والمخلوقات العظيمة؟
وقد نزلت الآية في الأشد بن كلدة وأمثاله، سمي بالأشد لشدة بطشه وقوته.
والسؤال بقصد التوبيخ والتقريع.
إنا خلقنا أصلهم: وهو آدم من طين لزج يلتصق باليد، فإذا كانوا مخلوقين من هذا الشيء الضعيف، فكيف يستبعدون المعاد؟ وهو إعادة الخلق من التراب أيضا.
واللازب: اللازم، أي يلازم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصاص.
بل في الواقع لا حاجة لاستفتائهم، فهم قوم أهل تكبر وعناد، وأنت يا محمد تتعجب من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، لإيقانك بقدرة الله العظمى، وهم إذا وعظوا لا يتعظون ولا ينتفعون بالموعظة. وإذا شاهدوا دليلا واضحا، أو معجزة أو علامة ترشدهم إلى الإيمان يبالغون في السخرية والاستهزاء، ويتنادون للتهكم والتضاحك.
стр. 2164
وهذه الآية نزلت في ركانة، وهو مكي مشرك، صارعه النبي ثلاث مرات على أن يؤمن، فصرعه، ولم يؤمن، ثم جاء إلى مكة قائلا: يا بني هاشم، ساحروا بصاحبكم هذا أهل الأرض، فنزلت الآية فيه وفي نظرائه.
وقالوا: ما هذا الذي تأتينا به من الدلائل إلا سحر واضح ظاهر، فلا يؤبه به، ولا ننخدع به. وتساءلوا منكرين: كيف نبعث أحياء بعد أن صرنا أمواتا، وترابا مفتتا، وعظاما بالية؟ وهل يبعث معنا أسلافنا القدامى من الآباء والأجداد. فأجابهم الله تعالى: قل لهم أيها الرسول: نعم تبعثون أحياء مرة أخرى، وأنتم ذليلون صاغرون. والأمر سهل جدا على قدرة الله، فما البعث إلا صيحة واحدة من إسرافيل بالنفخ في الصور بأمر الله تعالى للخروج من القبور. وقال منكرو البعث. لنا الويل والهلاك، فقد حل يوم الجزاء والعقاب، على ما قدمنا من أعمال. فأجابتهم الملائكة: هذا يوم الحكم والقضاء المبرم الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، ويعرف فيه المؤمن من الكافر.
مسئولية المشركين في الآخرة
إن كل إنسان في الآخرة مسئول عن أعماله خيرها وشرها، وتكون المسؤولية شديدة، وصعبة على المشركين، حيث يحاسبون عن شركهم وضلالهم، وتركهم الواجبات المفروضة عليهم من الإيمان بالله ورسله أولا، ثم أداء الفرائض، وحيث لا يجدون أحدا يشفع لهم أو ينصرهم، ولأنهم كانوا متكبرين في الدنيا، لا يسمعون لنداء الحق، وكلمة التوحيد، ويتهمون النبي ﷺ بالاتهام الباطل كالقول: بأنه شاعر مجنون، وهذا محض الكذب والافتراء، وصف الله تعالى مسئولية المشركين وأسبابها في الآخرة، فقال الله تعالى:
стр. 2165
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٢ الى ٣٧]
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١)
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)
[الصافات: ٣٧/ ٢٢- ٣٧] .
موقف الحشر في القيامة رهيب وشديد، يأمر الله الملائكة بجمع أصناف ثلاثة في موقف الحساب: وهم الظالمون المشركون، وأمثالهم أو أزواجهم ومعبود وهم الذين عبدوهم من دون الله من الأصنام والأوثان وغيرهم من بني آدم، زيادة في تخجيلهم وتوبيخهم، وحسرتهم وإظهار سوء حالهم. والمقصود بكلمة وَأَزْواجَهُمْ أي أنواعهم وأشباههم.
ويقال للملائكة: أرشدوا هؤلاء المشركين وعرّفوهم طريق جهنم، زيادة في لومهم، واحتقارهم، والتهكم بهم. وقوله: فَاهْدُوهُمْ أي قوّموهم واحملوهم على طريق الجحيم. والجحيم: طبقة من طبقات جهنم، يقال: إنها الرابعة.
واحبسوهم في ساحة الموقف للحساب والسؤال، عن عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم التي صدرت منهم في الدنيا، ويقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعضا، كما كنتم في الدنيا؟ بل إنهم اليوم منقادون لأمر الله، لا يخالفونه، ولا يحيدون عنه، لعجزهم عن العذر أو الحيلة.
وفي هذا الموقف يتساءل المشركون مع بعضهم سؤال توبيخ وتقريع وخصام، كما يتخاصمون في دركات النار.
стр. 2166
قال الأتباع للقادة: إنكم تأتوننا من جهة القوة والشدة، أي إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم، وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة، أو كنتم تأتوننا من الجهة التي يحسّنها تمويهكم وإغواؤكم، ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فأجاب الرؤساء بجوابين: الأول: بل إنكم أنتم أعرضتم عن الإيمان، مع تمكنكم منه، مختارين الكفر. والثاني: لم يكن لنا عليكم من حجة وتسليط نسلبكم به اختياركم وتمكنكم، بل كان فيكم طغيان وتجاوز الحد في الكفر، واختياركم طريق الضلال كان منكم.
فوجب علينا وعليكم حكم ربنا، ولزمنا قول ربنا وتعيّن العذاب لنا، وهو قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) [ص: ٣٨/ ٨٥] . فنحن جميعا ذائقو العذاب حتما في الآخرة. والذوق هنا: مستعار.
إننا أضللناكم، ودعوناكم إلى ما نحن فيه من الضلالة، فاستجبتم لنا.
ثم أخبر الله تعالى: أنهم، أي التابعين والمتبوعين والقادة مشتركون جميعا في العذاب، وحصلوا فيه، كما اشتركوا في الضلال والكفر، والجميع في نار جهنم، كل بحسبه، وبمثل ذلك الجزاء نفعل بالمشركين، ويجازى كل عامل بما قدم.
هؤلاء الذين أجرموا، وجهلوا الله سبحانه، وعظّموا أصناما وأوثانا، إذا دعوا إلى كلمة التوحيد: وهي لا إله إلا الله، استكبروا عن القبول، وأعرضوا عن قولها، كما يقولها المؤمنون.
ويقولون: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا لقول شاعر مجنون، قاصدين بذلك النبي ﷺ ، فهم بهذا أنكروا أولا وحدانية الله، ثم أنكروا الرسالة النبوية، وهؤلاء هم جماعة من قريش.
فرد الله عليهم تكذيبا: بل إن النبي جاء بالحق في جميع ما شرعه الله له، وأول
стр. 2167
مبادئه التوحيد، وصدّق في ذلك الأنبياء المرسلين فيما جاؤوا به من التوحيد، والوعد، والوعيد، وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في تلك الأصول.
ومن حوادث عرض كلمة التوحيد على غير المؤمنين:
أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: «أي عم، قل: لا إله إلا الله، أحاجّ لك بها عند الله» فقال أبو جهل:
أيرغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال آخر ما قال: أنا على ملة عبد المطلب. وبعرضه ﵊ قول: لا إله إلا الله، جرت السنة في تلقين الموتى المحتضرين، ليخالفوا الكفرة في نهاية العمر، ويخضعوا لكلمة التوحيد.
جزاء المؤمن والكافر
العدل الإلهي المطلق: هو أساس الجزاء والحساب في الآخرة، وليس هناك تمييز ولا استئناف، وإنما القرار مبرم حاسم، والتنفيذ محقق وسريع، فمن آمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن دستورا ومنهاجا، وبمحمد نبيا ورسولا، وبالكعبة المشرفة قبلة، كان من الناجين السعداء في جنان الخلد، ذات النعيم المادي المترف ذي الألوان المختلفة، والنعيم النفسي التام، حيث لا همّ ولا قلق، ولا حزن ولا تعب، ومن جحد بالله أو أشرك به، ولم يؤمن برسوله، ولا بالقرآن الكريم، فهو في عذاب مستمر في نيران جهنم، مع المعاناة الدائمة والقلاقل المستمرة، وجزاء الفريق بحسب العمل في الدنيا، قال الله تعالى مبينا ذلك:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٨ الى ٦١]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)
стр. 2168
«١» «٢» «٣» [الصافات: ٣٧/ ٣٨- ٦١] .
يخاطب الله تعالى خطابا مباشرا للناس بما معناه: إنكم أيها الجاحدون لتذوقن العذاب المؤلم الدائم في نار جهنم، وليس جزاؤكم إلا بالحق والعدل الذي لا ظلم فيه، وهو عقابكم على أعمالكم من الكفر والمعاصي، فهي سبب الجزاء. لكن عباد الله وهم المؤمنون الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وهم الطائعون ربهم، المخلصون في عملهم لله تعالى، هم ناجون لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، ولهم رزق معلوم حسنه وطيبه ودوامه عندهم، ويأتيهم في حين تطلعهم إليه، يشتمل على الفواكه أو الثمار المتنوعة، وبإكرام بليغ متمم للنعم، حيث يخدمون ويرفهون.
ومساكنهم في جنان النعيم الدائم، على أسرّة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، بسرور وابتهاج. وشرابهم يدار عليهم بآنية من عيون جارية، فيها الخمر التي لا تسكر وغيرها من الأنبذة ونحوها، يطوف بها عليهم ولدان مخلدون.
وتلك الخمر شديدة البياض، لذيذة الطعم، طيبة الرائحة، ليس فيها أذى أو فساد، ولا تذهب بالعقول، خلافا لخمر الدنيا. وقوله: مِنْ مَعِينٍ أي من جار مطّرد.
وعندهم زوجات عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، ذوات عيون واسعة
стр. 2169
حسان، كأن ألوانهن من البياض المشوب بصفرة خفيفة كالبيض المصون المستور الذي لم تمسه الأيدي، ولم يتلوث بالغبار. وأقبل هؤلاء المؤمنون بعضهم على بعض في حال تمتعهم، يتساءلون عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا ومعاناتهم فيها، إتماما لنعيم الجنة.
ومن تساؤلاتهم: قال مؤمن من أهل الجنة: كان لي صاحب كافر بالبعث مقارن في الدنيا يقول: أنحن إذا صرنا أمواتا وترابا وعظاما بالية، أنكون محاسبين بعدئذ على أعمالنا ونجازى عليها؟ ذلك أمر غير ممكن ولا معقول، فهل تصدق هذا؟ ثم قال المؤمن لجلسائه: انظروا معي إلى أهل النار، لأريكم ذلك القرين الذي قال لي هذا القول، كيف يعذب ويجازى؟ فنظر المؤمن إلى أهل النار، بالرغم من كثرتهم، فرأى قرينه يتلظى بحرّ جهنم. قال المؤمن لقرينه الكافر موبخا: لقد قاربت أن توقعني في الهلاك، ولولا رحمة ربي وعصمته من الضلال، وتوفيقي للحق، وهدايتي للإسلام، لكنت من المحضرين معك في العذاب في النار.
ثم قال المؤمن لجلسائه ابتهاجا وسرورا بنعيم الجنة: ألسنا مخلّدين في نعيم الجنان إلى الأبد، فلا نموت إلا موتتنا السابقة في الدنيا، ولسنا بمعذبين كما يعذب أصحاب النار؟
إن هذا النعيم الدائم الخالد، لهو الفوز الأكبر الذي لا يوصف، ولمثل هذا النعيم والفوز، ليعمل العاملون في الدنيا، ليحظوا به، لا أن يعملوا لحظوظ الدنيا الفانية فقط، المقترنة بالمخاطر والآلام، والمتاعب الكثيرة، والمراد: أن المطلوب من كل عاقل هو العمل للآخرة وللجنة الخالدة، لا أن يقتصر العمل على مكاسب الدنيا وشهواتها الفانية المؤقتة، فإن عمل الآخرة هو الباقي الخالد، وعمل الدنيا فإن زائل.
стр. 2170
ألوان عذاب جهنم
تتنوع ألوان النعيم للمؤمنين الصالحين في الجنان، كما تتنوع ألوان العذاب في جهنم للظالمين المشركين والجاحدين، والتفاوت قائم في كلا الحالين، وبدهي أن النفس ترتاح للنعيم، وتتضايق للعذاب، وقد جاء الوصف القرآني لتعذيب الكفار بما لا يوصف ولا يحتمل، ولكن رحمة الله تعالى قدّمت الإنذار به قبل وقوعه، للاحتراز منه، وتجنب كل الأسباب المؤدية إليه، فلا يبقى بعدئذ عذر لمقصر أو معاند أو جاحد، لأن سبق الإنذار يوجب التعقل، وتقدير الحساب والمخاطر، وهذا ما وصفته الآيات القرآنية الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٢ الى ٧٤]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)
«١» [الصافات: ٣٧/ ٦٢- ٧٤] .
هذه تساؤلات تقريرية لقريش والكفار، ليست للاستفهام، يراد بها إعلامهم بأن هذا المذكور من أوصاف نعيم الجنة وطيباتها في القرآن خير ضيافة وعطاء، أم شجرة الزقوم ذات الطعم المرّ الشنيع التي في جهنم، وهذا نوع من التهكم والسخرية بهم، فهو طعام أهل النار يتزقمونه. إنا جعلنا تلك الشجرة اختبارا للكافرين، حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها، فقالوا: كيف تكون تلك الشجرة في النار، والنار تحرق ما فيها؟.
стр. 2171
وهذا بسبب جهلهم أن بعض الأشياء لا يقبل الاحتراق في النار، وأنهم لم يعلموا أن من قدر على جعل إنسان يعيش في النار، هو أقدر على خلق شجر فيها لا يحترق.
وأوصاف تلك الشجرة: أنها شجرة تخرج أو تنبت في قعر النار وقرار جهنم، أي ملاصق أساسها الذي لها كالجدران. ويشبه ثمرها في تناهي قبحه، وبشاعة منظره، رؤوس الشياطين، تكريها لذكرها. فقد شبه ثمرها بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لم تر.
وهذه الشجرة يأكل الكفار من ثمرها القبيح الرائحة والطعم، فيملئون منها بطونهم، بالإكراه والاضطرار، لأنهم لا يجدون غير هذه الشجرة ونحوها من كل مرّ عسر المذاق.
ثم إن لهم بعد الأكل منها لشرابا من ماء شديد الحرارة يخالط طعامهم، أي إن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول. ثم إن مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل الزقوم إلى دار الجحيم، أي إن الحميم يكون في موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردّون إلى الجحيم.
وعلة عذابهم على هذا النحو: أنهم وجدوا آباءهم على الضلال، فاقتدوا بهم وقلّدوهم، من غير تعقل ولا تدبر، ولا حجة ولا برهان، فهم يتّبعون آباءهم في سرعة. وذلك يدل على أن الكفر ظاهرة قديمة، وأتباعه كثيرون، فلقد كان أكثر الأمم الماضية ضالين، يجعلون مع الله آلهة أخرى، وليس قريشا وحدهم في هذا الضلال.
ولكن رحمة الله تعالى لم تتركهم بدون إنذار، فلقد أرسل الله في الأمم كلها أنبياء ورسلا ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به، وعبد غيره، لكنهم تمادوا في تكذيب رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، كما قال سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي فانظر أيها الرسول وكل مخاطب بالرسالة الإلهية كيف
стр. 2172
كان مصير الكافرين المكذبين؟ أهلكهم الله ودمرهم وصاروا إلى النار، مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ثم استثنى الله تعالى المؤمنين بقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) أي لكن نجى الله عباده المؤمنين الذين اصطفاهم وأخلصهم لطاعته، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل بأوامر الله سبحانه، ففازوا بجنان الخلد، ونصرهم في الدنيا.
مثّل الله تعالى في هذا المثل لقريش بالأمم التي ضلّت قديما، وجاءها الإنذار الإلهي، وأهلكها الله بعدله. وهو إخبار بأن الله عذّب الضالين في الدنيا، ولهم عذاب شديد آخر في الآخرة.
دعاء نوح ﵇
الأنبياء والرسل ﵈ في مرصد العناية والرعاية الإلهية، فهم يقومون بتبليغ دعوة الله تعالى لتوحيده وعبادته، والله تعالى يراقب ردود أفعالهم لدى أقوامهم، فإن تعرضوا لسوء، أو وقعوا في محنة مستعصية لا سبيل إلى تذليلها، دعوا ربهم بوحي منه لإنجائهم، وقهر عدوهم، وإهلاك معارضيهم، وهذا منهج واضح في حياة الرسل، وفي طليعتهم نوح ﵇ أول رسول إلى قومه، وأبو البشر الثاني، فإنه دعا ربه حين يئس من هداية قومه، كما في الآيات الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
[الصافات: ٣٧/ ٧٥- ٨٢] .
المعنى: تالله لقد دعانا نوح ﵇ واستغاث بنا، ودعا على قومه بالهلاك لما أيس منهم، قائلا: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) [نوح: ٧١/ ٢٦] . بعد أن مضى دهر طويل يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى، فكذبوه وآذوه وهموا
стр. 2173
بقتله، ولم يؤمن معه إلا قليل، وذلك بعد ألف سنة إلا خمسين، وتضمن نداء نوح أي استغاثته أشياء: منها الدعاء على قومه، وسؤال النجاة، وطلب النصرة، وفي جميعها وقعت الإجابة، فقد أجاب الله دعاءه، وقوله تعالى: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يتضمن الإجابة على أكمل ما أراد نوح ﵇. وهذه أوجه الإجابة:
١- نجينا نوحا ومن آمن معه وهم ثمانون من الغم الشديد: وهو الغرق وتكذيب الكفرة.
٢- وجعلنا ذريته وحدهم دون غيرهم هم الباقين على قيد الحياة، وأهلكنا من كفر بدعائه. قال ابن عباس ﵄، وقتادة: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، وقال الطبري: العرب: من أولاد سام، والسودان: من أولاد حام، والترك والصّقلب: من آل يافث.
٣- وأبقينا عليه ثناء حسنا فيمن يأتي بعده إلى آخر الدهر.
وقلنا: عليك يا نوح سلام منا في أوساط العالمين من الملائكة وعالمي الإنس والجن، وفي الباقين غابر الدهر، قال الطبري عن هذا السّلام: هذه أمنة لنوح في العالمين: أن يذكره أحد بسوء. وقال ابن عطية: هذا جزاء ما صبر طويلا على أقوال الكفرة الفجرة.
وأسباب هذه النعم التي أسبغها الله تعالى على نوح ﵇ ثلاثة أشياء:
١- مجازاته على إحسانه، وهكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله . وهذا ثناء من الله تعالى على نوح بالإحسان، لصبره على أذى قومه، ومطاولته لهم، وغير ذلك من عبادته وأفعاله الطيبة.
٢- وسبب كون نوح محسنا: هو كونه من عباد الله المؤمنين، وهذا دليل على أن الإيمان بالله تعالى وإطاعته أعظم الدرجات وأشرف المقامات.
стр. 2174
٣- وإنجاؤه مع المؤمنين برسالته، وإغراق كفار قومه بالطوفان وإهلاكهم، وهذا يقتضي أنه تعالى أغرق قوم نوح وأمّته ومكذبيه، وليس في الآيات نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض، لكن قد قال به جماعة من العلماء، وأسندت به أحاديث أنه لم يبق إلا من كان معه من السفينة، وعلى هذا، يكون الناس اليوم من ذريته ومن المعلوم، لم يكن الناس في عهد نوح بهذه الكثرة، لأن عهد آدم ﵇ كان قريبا، وكانت دعوة نوح ﵇ ونبوته قد بلغت جميعهم، لطول المدة واللّبث فيهم، وكان الجميع كفرة عبدة أوثان، لم ينسبهم الحق إلى نفسه، فلذلك أغرق جميعهم.
إن من مقتضيات الإيمان الصحيح بالله تعالى الإنجاء من المهالك والإسعاد في الدنيا والآخرة، وبقاء الأثر والسمعة الطيبة والذّكر الجميل إلى آخر الدهر.
وعلى عكس ذلك إن من مقتضيات الكفر بالله تعالى: الإيقاع في أنواع العذاب الأليم، والشقاء في الدنيا والآخرة، وسوء السمعة ومحل العظة والعبرة، والسعيد:
من اتعظ بغيره، والشقي: من كان عبرة وأثرا يذكر لغيره.
تحطيم إبراهيم ﵇ الأصنام
على الرغم من تطهير البشرية من لوثات الشرك والوثنية بإغراق الكافرين في طوفان نوح، وإنجاء المؤمنين، فقد ظهرت نزعة الشر في بعض ذرية نوح ﵇، فأرسل الله تعالى إليهم إبراهيم الخليل ﵇ أبا الأنبياء وإمام الحنفاء، وسار على منهاج نوح في الدين والدعوة إلى توحيد الله تعالى، فكان الإعراض من قومه عن دعوته، وآل مصيرهم كقوم نوح إلى أن غلبوا وذلّوا ونالتهم العقوبات الشديدة، ونجى الله تعالى إبراهيم ﵇ من النار التي ألقي فيها،
стр. 2175
كما نجى نوحا ومن آمن معه من الغرق، وهذه آي تبين جهود إبراهيم في دعوته ومصيره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ١٠١]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)
«١» «٢» [الصافات: ٣٧/ ٨٣- ١٠١] .
المعنى: وإن إبراهيم ﵇ من شيعة نوح ﵇، أي على منهاجه في الدين والتوحيد. واذكر أيها النبي محمد حين أقبل إبراهيم على ربه بقلب مخلص سليم من الشك والشرك وجميع النقائص التي تلحق قلوب بني آدم كالغلّ والحسد والكبر ونحوه. وحين قال لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه من هذه الأصنام من دون الله تعالى؟ وهو توبيخ على منهجهم.
أتريدون آلهة من دون الله تعبدونها إفكا وكذبا، دون حجة ولا دليل، وما ظنكم حين تلقون ربكم أنه فاعل بكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وهو استفهام بمعنى التقرير، لا النفي، أي أكذبا ومحالا آلهة دون الله تريدون؟
ثم أخبر الله تعالى عن نظرة إبراهيم ﵇ في نجوم السماء، فإنه تأمل في علوم النجوم وفي معانيها، مريدا بذلك إيهام قومه أنه يعلم ما يعملون ويعلمون.
روي أن علم النجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا، فأوهمهم هو من تلك الجهة،