وهذا بسبب جهلهم أن بعض الأشياء لا يقبل الاحتراق في النار، وأنهم لم يعلموا أن من قدر على جعل إنسان يعيش في النار، هو أقدر على خلق شجر فيها لا يحترق.
وأوصاف تلك الشجرة: أنها شجرة تخرج أو تنبت في قعر النار وقرار جهنم، أي ملاصق أساسها الذي لها كالجدران. ويشبه ثمرها في تناهي قبحه، وبشاعة منظره، رؤوس الشياطين، تكريها لذكرها. فقد شبه ثمرها بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لم تر.
وهذه الشجرة يأكل الكفار من ثمرها القبيح الرائحة والطعم، فيملئون منها بطونهم، بالإكراه والاضطرار، لأنهم لا يجدون غير هذه الشجرة ونحوها من كل مرّ عسر المذاق.
ثم إن لهم بعد الأكل منها لشرابا من ماء شديد الحرارة يخالط طعامهم، أي إن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول. ثم إن مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل الزقوم إلى دار الجحيم، أي إن الحميم يكون في موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردّون إلى الجحيم.
وعلة عذابهم على هذا النحو: أنهم وجدوا آباءهم على الضلال، فاقتدوا بهم وقلّدوهم، من غير تعقل ولا تدبر، ولا حجة ولا برهان، فهم يتّبعون آباءهم في سرعة. وذلك يدل على أن الكفر ظاهرة قديمة، وأتباعه كثيرون، فلقد كان أكثر الأمم الماضية ضالين، يجعلون مع الله آلهة أخرى، وليس قريشا وحدهم في هذا الضلال.
ولكن رحمة الله تعالى لم تتركهم بدون إنذار، فلقد أرسل الله في الأمم كلها أنبياء ورسلا ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به، وعبد غيره، لكنهم تمادوا في تكذيب رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، كما قال سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي فانظر أيها الرسول وكل مخاطب بالرسالة الإلهية كيف
стр. 2172
كان مصير الكافرين المكذبين؟ أهلكهم الله ودمرهم وصاروا إلى النار، مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ثم استثنى الله تعالى المؤمنين بقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) أي لكن نجى الله عباده المؤمنين الذين اصطفاهم وأخلصهم لطاعته، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل بأوامر الله سبحانه، ففازوا بجنان الخلد، ونصرهم في الدنيا.
مثّل الله تعالى في هذا المثل لقريش بالأمم التي ضلّت قديما، وجاءها الإنذار الإلهي، وأهلكها الله بعدله. وهو إخبار بأن الله عذّب الضالين في الدنيا، ولهم عذاب شديد آخر في الآخرة.
دعاء نوح ﵇
الأنبياء والرسل ﵈ في مرصد العناية والرعاية الإلهية، فهم يقومون بتبليغ دعوة الله تعالى لتوحيده وعبادته، والله تعالى يراقب ردود أفعالهم لدى أقوامهم، فإن تعرضوا لسوء، أو وقعوا في محنة مستعصية لا سبيل إلى تذليلها، دعوا ربهم بوحي منه لإنجائهم، وقهر عدوهم، وإهلاك معارضيهم، وهذا منهج واضح في حياة الرسل، وفي طليعتهم نوح ﵇ أول رسول إلى قومه، وأبو البشر الثاني، فإنه دعا ربه حين يئس من هداية قومه، كما في الآيات الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
[الصافات: ٣٧/ ٧٥- ٨٢] .
المعنى: تالله لقد دعانا نوح ﵇ واستغاث بنا، ودعا على قومه بالهلاك لما أيس منهم، قائلا: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) [نوح: ٧١/ ٢٦] . بعد أن مضى دهر طويل يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى، فكذبوه وآذوه وهموا
стр. 2173
بقتله، ولم يؤمن معه إلا قليل، وذلك بعد ألف سنة إلا خمسين، وتضمن نداء نوح أي استغاثته أشياء: منها الدعاء على قومه، وسؤال النجاة، وطلب النصرة، وفي جميعها وقعت الإجابة، فقد أجاب الله دعاءه، وقوله تعالى: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يتضمن الإجابة على أكمل ما أراد نوح ﵇. وهذه أوجه الإجابة:
١- نجينا نوحا ومن آمن معه وهم ثمانون من الغم الشديد: وهو الغرق وتكذيب الكفرة.
٢- وجعلنا ذريته وحدهم دون غيرهم هم الباقين على قيد الحياة، وأهلكنا من كفر بدعائه. قال ابن عباس ﵄، وقتادة: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، وقال الطبري: العرب: من أولاد سام، والسودان: من أولاد حام، والترك والصّقلب: من آل يافث.
٣- وأبقينا عليه ثناء حسنا فيمن يأتي بعده إلى آخر الدهر.
وقلنا: عليك يا نوح سلام منا في أوساط العالمين من الملائكة وعالمي الإنس والجن، وفي الباقين غابر الدهر، قال الطبري عن هذا السّلام: هذه أمنة لنوح في العالمين: أن يذكره أحد بسوء. وقال ابن عطية: هذا جزاء ما صبر طويلا على أقوال الكفرة الفجرة.
وأسباب هذه النعم التي أسبغها الله تعالى على نوح ﵇ ثلاثة أشياء:
١- مجازاته على إحسانه، وهكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله . وهذا ثناء من الله تعالى على نوح بالإحسان، لصبره على أذى قومه، ومطاولته لهم، وغير ذلك من عبادته وأفعاله الطيبة.
٢- وسبب كون نوح محسنا: هو كونه من عباد الله المؤمنين، وهذا دليل على أن الإيمان بالله تعالى وإطاعته أعظم الدرجات وأشرف المقامات.
стр. 2174
٣- وإنجاؤه مع المؤمنين برسالته، وإغراق كفار قومه بالطوفان وإهلاكهم، وهذا يقتضي أنه تعالى أغرق قوم نوح وأمّته ومكذبيه، وليس في الآيات نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض، لكن قد قال به جماعة من العلماء، وأسندت به أحاديث أنه لم يبق إلا من كان معه من السفينة، وعلى هذا، يكون الناس اليوم من ذريته ومن المعلوم، لم يكن الناس في عهد نوح بهذه الكثرة، لأن عهد آدم ﵇ كان قريبا، وكانت دعوة نوح ﵇ ونبوته قد بلغت جميعهم، لطول المدة واللّبث فيهم، وكان الجميع كفرة عبدة أوثان، لم ينسبهم الحق إلى نفسه، فلذلك أغرق جميعهم.
إن من مقتضيات الإيمان الصحيح بالله تعالى الإنجاء من المهالك والإسعاد في الدنيا والآخرة، وبقاء الأثر والسمعة الطيبة والذّكر الجميل إلى آخر الدهر.
وعلى عكس ذلك إن من مقتضيات الكفر بالله تعالى: الإيقاع في أنواع العذاب الأليم، والشقاء في الدنيا والآخرة، وسوء السمعة ومحل العظة والعبرة، والسعيد:
من اتعظ بغيره، والشقي: من كان عبرة وأثرا يذكر لغيره.
تحطيم إبراهيم ﵇ الأصنام
على الرغم من تطهير البشرية من لوثات الشرك والوثنية بإغراق الكافرين في طوفان نوح، وإنجاء المؤمنين، فقد ظهرت نزعة الشر في بعض ذرية نوح ﵇، فأرسل الله تعالى إليهم إبراهيم الخليل ﵇ أبا الأنبياء وإمام الحنفاء، وسار على منهاج نوح في الدين والدعوة إلى توحيد الله تعالى، فكان الإعراض من قومه عن دعوته، وآل مصيرهم كقوم نوح إلى أن غلبوا وذلّوا ونالتهم العقوبات الشديدة، ونجى الله تعالى إبراهيم ﵇ من النار التي ألقي فيها،
стр. 2175
كما نجى نوحا ومن آمن معه من الغرق، وهذه آي تبين جهود إبراهيم في دعوته ومصيره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ١٠١]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)
«١» «٢» [الصافات: ٣٧/ ٨٣- ١٠١] .
المعنى: وإن إبراهيم ﵇ من شيعة نوح ﵇، أي على منهاجه في الدين والتوحيد. واذكر أيها النبي محمد حين أقبل إبراهيم على ربه بقلب مخلص سليم من الشك والشرك وجميع النقائص التي تلحق قلوب بني آدم كالغلّ والحسد والكبر ونحوه. وحين قال لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه من هذه الأصنام من دون الله تعالى؟ وهو توبيخ على منهجهم.
أتريدون آلهة من دون الله تعبدونها إفكا وكذبا، دون حجة ولا دليل، وما ظنكم حين تلقون ربكم أنه فاعل بكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وهو استفهام بمعنى التقرير، لا النفي، أي أكذبا ومحالا آلهة دون الله تريدون؟
ثم أخبر الله تعالى عن نظرة إبراهيم ﵇ في نجوم السماء، فإنه تأمل في علوم النجوم وفي معانيها، مريدا بذلك إيهام قومه أنه يعلم ما يعملون ويعلمون.
روي أن علم النجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا، فأوهمهم هو من تلك الجهة،
стр. 2176
وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم، وبعد أن نظر إبراهيم في النجوم قال لقومه: إني مريض عليل، فتولوا عنه وتركوه مدبرين لكفرهم به واحتقارهم لأمره. وهي في الظاهر كذبة من أجل رضوان الله، وفي الحقيقة إنه مرض قلبي معنوي بسبب عبادة قومه الأصنام والأوثان.
ومراعاة للظاهر في أنها كذبة،
قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: «لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله: قوله: إني سقيم، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٢١/ ٦٣] وواحدة في شأن سارّة، قال عنها: هي أختي»
أي أختي في الإسلام ليخلصها من اعتداء ملك جبار في مصر.
فمال إبراهيم خفية إلى أصنام القوم، وقد خرجوا خارج البلد في عيد لهم، ووضعوا الطعام للأصنام لتباركه، فقال لها تهكما وسخرية: ألا تأكلون من هذا الطعام المقدم لكم؟ وذلك على جهة الاستهزاء بعبدة تلك الأصنام، ما الذي يمنعكم من النطق والجواب عن سؤالي؟ ومراده: التهكم والاحتقار، لأنه يعلم أنها جمادات لا تنطق.
فمال عليهم يضربهم بقوة وشدة، حتى حطّمهم إلا كبيرا لهم، فأقبل إليه القوم بعد عودتهم من عيدهم مسرعين، يسألون عمن كسرها، وقد قيل: إنه إبراهيم، وعرفوا أنه هو، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟! فقال: أتعبدون من دون الله أصناما أنتم تصنعونها من حجر وعود، وتنحتونها بأيديكم؟ والله الذي خلقكم وخلق أعمالكم هو الأحق بالعبادة، وأجدر بالتعظيم، فكيف تعبدون غيره؟ وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) دليل على أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد وهو مذهب أهل السنة، وهو أن الأفعال خلق لله واكتساب للعباد. وفي
стр. 2177
هذا إبطال مذهب الجبرية والقدرية.
أخرج الثعلبي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته» . ولفظ حذيفة عند البيهقي: «إن الله صنع كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه» .
فتواطأ قوم إبراهيم على قتله، وقالوا: ابنوا له بنيانا واسعا، وأضرموا فيه نارا عظيمة، ثم ألقوه في تلك النار المستعرة. فأرادوا به سوءا بحيلة ومكر، فأنجاه الله تعالى، وجعل النار بردا وسلاما عليه، ونصره الله عليهم، وجعلهم مغلوبين أذلة بإبطال كيدهم، ومعاقبين على أفعالهم.
ولما نجا إبراهيم ﵇ من إحراق النار، وأيس من إيمان قومه، قال: إني مهاجر من بلد قومي الذين آذوني، تعصبا للأصنام، وتكذيبا لرسله، إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، وسيهديني الله لما فيه صلاح ديني ودنياي، وذلك إلى بلاد الشام المقدسة. رب هب لي ولدا صالحا عونا على طاعتك، وإيناسا في الغربة. فبشره الله بغلام متميز بالحلم الكثير، وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشرّ به إبراهيم ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب.
الذبيح إسماعيل ﵇
بعد أن ترك إبراهيم الخليل ﵇ ديار قومه عبدة الأصنام، وهاجر من أرض بابل حيث كانت مملكة نمرود إلى بلاد الشام، بشره الله بغلام حليم، وهو إسماعيل ﵇ الابن الأكبر لإبراهيم، ولما كبر إسماعيل وشبّ وبلغ ابن ثلاث عشرة سنة، امتحن الله تعالى الأب إبراهيم والابن إسماعيل بقصة الذبح، وأعقب ذلك الامتحان بشارة أخرى بإسحاق نبيا من الصالحين، مباركا عليه وعلى إبراهيم،
стр. 2178
وجعل الاثنين من الأنبياء المرسلين، وإيجاد أكثر الأنبياء من ذريتهما. وهذه الأخبار بالترتيب وردت في سورة الصافات في الآيات الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٢ الى ١١٣]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
«١» «٢» [الصافات: ٣٧/ ١٠٢- ١١٣] .
هذه آي المحنة لإبراهيم بعد محنته بإلقائه في النار، وكل من المحنتين في غاية القسوة واختبار الإيمان بالله تعالى، فلما كبر إسماعيل ﵇ قال له أبوه إبراهيم ﵇: يا بني، إني رأيت في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ أخبره بذلك ليستعدّ لتنفيذ أمر الله، ويثاب على انقياده وطاعته لربه، وليعلم صبره لأمر الله. فأجابه إسماعيل قائلا: امض لما أمرك الله من ذبحي، وافعل ما أوحي إليك، سأصبر على القضاء الإلهي، وأحتسب ذلك عند الله . والمراد بقوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ السعي على القدم، يريد سعيا متمكنا، أو العمل والعبادة والمعونة. وبدأ تنفيذ أمر الله تعالى، فلما استسلم الأب وابنه لأمر الله وطاعته، وأسلما أنفسهما، أي فوّضا إلى الله في قضائه وقدره وألقى إبراهيم على الأرض ابنه على جنبه وجانب جبهته وهو الجبين، ومعنى وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وضعه بقوة، ونادى الملك إبراهيم من الخلف بعدئذ. قد حصل المقصود من رؤياك، وتحقق المطلوب،
стр. 2179
وصرت صادقا مصدّقا بمجرد العزم، وإن لم تذبح. ثم عدّد الله تعالى نعما خمسا على إبراهيم وهي:
١- الإحسان إليه: والمعنى: مثلما جازينا إبراهيم بالعفو عن الذبح، نجزي كل محسن على طاعته، وتفريج كربته ومحنته، وإن هذه المحنة أو الاختبار بالشدة لهو الاختبار الصعب الواضح الذي لا يوجد أصعب منه، حيث اختبر الله إبراهيم في مدى طاعته بذبح ولده، فصبر محتسبا الأجر عند ربه.
٢- وافتداء الذبح، فلقد جعلنا لإبراهيم فداء ولده بتقديم كبش عظيم الجثة سمين.
والذّبح: اسم لما يذبح، وهو الكبش، ووصفه بالعظم لأنه متقبّل يقينا. ويرى أهل السنة: أن هذه القصة نسخ فيها العزم على الفعل. والمعتزلة تقول: إنه لا يصح نسخ إلا بعد وقوع الفعل، وهو مجرد إمرار الشفرة على العنق فقط، وهو ما رآه إبراهيم في منامه، فظن أنه ذبح مجهز، منفّذ لذلك، فلما وقع الذي رآه، وقع النسخ.
٣- الثناء الحسن عليه: وأبقينا لإبراهيم في الأمم المتلاحقة ثناء حسنا، وذكرا جميلا، فأحبه أتباع الملل كلها، من اليهود والنصارى والمسلمين، وأهل الشرك قاطبة، كما جاء في آية أخرى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) [الشعراء: ٢٦/ ٨٤- ٨٥] . ومثل هذا الجزاء نجزي جميع المحسنين بالفرج بعد الشدة.
٤- البشارة بإسحاق: ووهبنا لإبراهيم ولدا آخر بعد إسماعيل هو إسحاق، وجعلناه نبيا صالحا من زمرة الصالحين. والبشارة بولادة إسحاق بعد قصة الذّبح دليل على أن إسماعيل هو الذبيح. وكان الذّبح بمنى.
٥- مباركة إبراهيم وإسحاق: وجعلنا البركة والنعمة الدنيوية والأخروية في إبراهيم وإسحاق، ومنها كثرة الولد والذرية، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما ونسل
стр. 2180
إسماعيل. فقوله تعالى: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي أفضنا على إبراهيم وإسحاق بركات الدين والدنيا، بأن كثّرنا نسلهما وجعلنا أنبياء ورسلا منهما ومن إسماعيل.
وبعض ذريتهما محسن فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي، واضح الظلم والانحراف.
وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس بالوراثة والنسب، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم، لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ٦/ ١٦٤] .
نعم الله على موسى وهارون وإلياس ﵈
امتن الله تعالى على أنبيائه الكرام بنعم كثيرة بسبب تضحياتهم وجهودهم في سبيل نشر الدعوة إلى الله سبحانه، وإصلاح الناس، ومن هؤلاء الأنبياء الصفوة: موسى وهارون ﵈، ومضمون هذه النعم: النبوة وعلوّ المكانة، ونجاتهم من المآزق والمحن، ونصرهم على معارضيهم، وهدايتهم إلى الطريق القويم، وإبقاء الثناء الحسن والسمعة العالية والتحية لهم على ممر الزمان إلى آخر الدهر، وبهذا النوع من الجزاء على إخلاصهم وطاعتهم لربهم، يجزي الله تعالى كل المحسنين، وهذا صريح في الآيات الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٣٢]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
стр. 2181
[الصافات: ٣٧/ ١١٤- ١٣٢] .
تالله لقد أنعمنا على موسى وهارون بالنبوة وغيرها من العطاءات والمنافع التي تؤدي إلى رفع مكانتهما في الدنيا والآخرة. ونجيناهما وقومهما الإسرائيليين من الكرب العظيم، أي الاستعباد الفرعوني ومحاولة قتلهم ومتابعتهم، وإنجائهم من الغرق في البحر. ونصرناهم، أي موسى وهارون وقومهما على أعدائهم، فكانوا هم المتغلبين أصحاب السيادة والسلطة. وأنعمنا على موسى وهارون بالتوراة الكتاب المنظّم لشؤون الدنيا والآخرة. وأرشدناهما إلى الطريق المستقيم: وهو طريق الشرع والنبوة المؤدي إلى الله تعالى.
وأبقينا لهما من بعدهما ثناء حسنا جميلا باقيا آخر الدهر. وهذا هو ما تركه الله عليهما في الآخرين، حيث فسره بقوله تعالى: سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) والمراد به الثناء الحسن في الأمم الباقية المتأخرة. ومثل هذا الجزاء على الإخلاص والطاعة من النبيين الرسولين موسى وهارون نجزي بالخلاص من الشدائد والمحن كل من أحسن عمله، فأطاع الله وانقاد له، لأنهما من فئة عباد الله المؤمنين المصدقين تصديقا صحيحا كاملا.
وإن إلياس بن ياسين الذي هو نبي من أنبياء الله تعالى، والذي ينتهي نسبه إلى أخي موسى ﵉، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵇، وكان قومه الإسرائيليون قد عبدوا صنما، يقال له (بعل) فدعاهم إلى توحيد الله تعالى، ونهاهم عن عبادة ما سواه. ومضمون قصته: اذكر أيها الرسول محمد حين قال إلياس لقومه: أَلا تَتَّقُونَ. أي هلّا تخافون الله تعالى في عبادتكم غيره، وتتركون ما نهاكم عنه من الشرك والعصيان!
стр. 2182
أتعبدون صنما وهو (بعل) الذي صنعتموه بأيديكم، وتتركون عبادة الإله الحق المستحق وحده للعبادة؟ فهو سبحانه أحسن الخالقين، أي إنه هو الخالق المبدع، ولا خالق سواه، وهو الله الذي رباكم بنعمه، بعد أن أوجدكم من العدم، أنتم وآباؤكم وأجدادكم السابقون. وكان إلياس ﵇ في دعوته هذه حكيما، فقد عاب قومه أولا على عبادة غير الله تعالى. ثم صرح بتوحيد الله، ونفي جميع الشركاء عنه.
فكذبوا دعوته ونبوته، فصاروا بسبب تكذيبه لمحضرون، أي لمجموعون للعذاب يوم القيامة، ومجازون على ما قدموا من الأعمال المنكرة، والأفعال والعقائد الفاسدة.
ثم استثنى الله تعالى من ذلك الجزاء: من كان مؤمنا فقال: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) أي إلا عباد الله الذين وحّدوه توحيدا خالصا من الشرك وشوائبه، وعبدوه حق العبادة، وأخلصوا العمل لله، فهؤلاء في كل زمان ناجون من العذاب، مثابون ثوابا حسنا على صالح أعمالهم، لا يتعرضون لشيء من عقاب المشركين.
واستحق إلياس النبي ﵇ مثلما استحق موسى وهارون: أن يبقي الله عليه ثناء حسنا جميلا آخر الدهر وعلى ممر الزمان، وهو السّلام عليه، سلاما مباركا من الملائكة والإنس والجن، لأنه سليم الإيمان بما أمره الله به، وهو الذي قاوم الشرك والوثنية. وإل ياسين: اسم أيضا لإلياس، فهو اسم واحد له، وهذه لغة، كما يقال: إبراهيم وإبراهام، وإدريس وإدراسين.
ومثل ذلك الجزاء على الإخلاص والطاعة من إلياس، يجازي الله جميع المحسنين أعمالهم لله تعالى، وعلة الجزاء أنه، أي إلياس مؤمن من جملة عباد الله المصدّقين بوجود الله وتوحيده واتصافه، أي الله بصفات الكمال والجلال والجمال والإحسان.
стр. 2183
نعم الله على لوط ويونس ﵉
الفضل الإلهي ذو معيار ثابت واحد، فكما أنعم الله تعالى في آيات سابقة من سورة الصافات على موسى وهارون وإلياس ﵈، أنعم أيضا على لوط ويونس ﵉، من إنجاء لوط وأهله إلا امرأته من العذاب، وتدمير بقية القوم، وإخراج يونس حيا من بطن الحوت، وحمايته من هضمه، وإنبات شجرة يقطين عليه يحتمي بأوراقها العريضة، وتسخير سبيل إعادة القوة والصحة له، وذلك كله للعظة والعبرة، قال الله تعالى مبينا هذه النعم:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٤٨]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)
«١» «٢» «٣» [الصافات: ٣٧/ ١٣٣- ١٤٨] .
إن إيراد بعض قصص الأنبياء السابقين من أجل أن يعتبر بها مشركو العرب وقت نزول الوحي، وكذا كل من كفر وعاند ممن يأتي بعدهم، فإن الذين أمعنوا في الكفر بادوا وهلكوا، وبقي الذين آمنوا. إن لوطا ابن أخي إبراهيم أو ابن أخته أرسله الله من جملة المرسلين إلى أهل سدوم في وادي الأردن، لارتكابهم الفواحش، فنصحهم، فأبوا نصحه، فأهلكهم الله بحاصب من الحجارة المحرقة كالبراكين العاتية، فجعل بلادهم عاليها سافلها، ونجى الله تعالى لوطا ﵇ وأهله المؤمنين به إلا امرأته
стр. 2184
التي كانت كافرة، صارت هالكة باقية في العذاب، ولرضاها بفعل القوم، وتواطئها معهم على كل من يأتي إلى لوط ﵇. وكفر امرأة لوط: إما أنها كانت مستترة منه، وإما كانت معلنة، وكان نكاح الوثنيات والإقامة عليهن جائزا.
والغابرون: الباقون، وغبر بمعنى بقي، ومعناه هنا: بقيت في الهلاك.
ثم أهلك الله قوم لوط الذين كذبوا برسالته، وهم أهل الفاحشة الشنيعة (اللواط) . ثم خاطب الله تعالى قريشا بما معناه:
قل لهم يا محمد وإنكم يا أهل مكة لتمرون على منازل قوم لوط التي فيها آثار العذاب وقت الصباح، أي بالنهار ذهابا إلى الشام، وفي الليل أثناء رجوعكم من الشام، أفلا تتدبرون بعقل واع، وتتعظون بما تشاهدونه في ديارهم من آثار التدمير، وعقوبة الله النازلة بهم، فتخافوا من أن يحل بكم نفس العذاب، وتصيروا مثلهم في مصيرهم المشؤوم، لمخالفتهم رسولهم وتكذيبهم به. وهذا توبيخ لمشركي قريش وأمثالهم.
وأشار الله تعالى إلى الصباح والليل، لأن أكثر مشي المسافر على الدواب في الليل وأوائل النهار.
ثم ذكر الله قصة نبي آخر، وهو يونس بن متّى، الذي كان من أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى إلى قومه أهل نينوى بالموصل، ومضمون قصته: واذكر أيها النبي محمد حين هرب يونس من قومه، مغاضبا قومه، إلى سفينة مملوءة بالحمولة، بغير إذن ربه، فتعرضت السفينة للغرق، فاقترع الركاب فيما بينهم تخفيفا من الحمولة الثقيلة على إلقاء بعضهم في البحر، فأصابت القرعة ثلاث مرات يونس ﵇، فألقوه في البحر، والفلك المشحون مفرد أو جمع: السفينة الموقرة.
فابتلعه الحوت الذي كان بجوار السفينة على الفور، وهو الذي أتى ما يلام عليه،
стр. 2185
ثم استنقذه الله تعالى من بطن الحوت بعد مدة إما سبع ساعات أو ثلاثة أيام أو سبعة أيام. وجعل الله تعالى استنقاذه بسبب تسبيحه، بعد إنقاذ القدر السابق، والمراد:
لولا أنه كان في حياته من الذاكرين الله كثيرا، المنزّهين إياه، المصلين له، لبقي ميتا في بطن الحوت إلى يوم القيامة، والتسبيح: صلاة التطوع في وقت الرخاء، نفعته في وقت الشدة، وهذا رأي جماعة من العلماء. وقال ابن جبير. هو قوله في بطن الحوت:
سبحان الله إني كنت من الظالمين. فجعل الله الحوت يلقيه، في مكان خال من الناس والنبات، على جانب نهر دجلة، وهو عليل الجسد، سقيم البدن، كهيئة الصبي حين يولد.
وأنبت الله عليه شجرة فوقه، تظلله وهي شجرة القرع، وهي سريعة النمو، وبعد استعادة عافيته، أرسله الله عائدا إلى القوم الذين هرب منهم يائسا من إيمانهم إلى ركوب البحر، وهم أهل نينوى من أرض الموصل، وعددهم مائة ألف فأكثر، حيث وجدهم قد آمنوا بالله ربهم، بعد أن رأوا أمارات العذاب، فمتّعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم.
مناقشة عقائد المشركين
بعد أن أورد الله تعالى في سورة الصافات أخبار جماعة من أنبياء بني إسرائيل، من قبيل إعداد المقدمات الموطّئة لمناقشة المشركين المكيين في عقائدهم، وجه الله تعالى إنذارا يتضمن التوبيخ والتقريع للمشركين على فساد اعتقادهم وإنكارهم البعث، ونسبتهم البهتان إلى الله تعالى، وجعلهم البنات لله تعالى، تنزه الحق عن ذلك، وقالت فرقة منهم هم من بني مدلج قولا بلغ غاية الإفك والكذب: ولد الله الملائكة، لأنه نكح في سراة الجن، وهذه آيات مخبرة عن هذه الفصول الغريبة:
стр. 2186
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٧٠]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)
«١» «٢» «٣» [الصافات: ٣٧/ ١٤٩- ١٧٠] .
هذه مناقشات للقرشيين المشركين في مكة في عقائدهم، حول إثبات التوحيد، ونفي الشرك، وإثبات البعث يوم القيامة. بدأت بعبارة الاستفتاء أي السؤال بمعنى التوبيخ والتقريع على أقوالهم المفتراة، فاسألهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتأنيب:
كيف تجعلون لله البنات، وأنتم تكرهونهن أشد الكره، ولكم البنون الذين تحبونهم وتعتمدون عليهم في الغزو وتقوية القبيلة؟
إنها قسمة جائرة، وتوزيع عجيب غريب، ينسبون لله النوع الذي لا يختارونه لأنفسهم، كما جاء في آية أخرى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) [النجم: ٥٣/ ٢١- ٢٢] أي جائرة.
بل كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث، وما شاهدوا خلقهم؟ فمثل ذلك الحكم يحتاج لمشاهدة، وهم لم يشاهدوا بدء خلق الملائكة، فلا دليل لهم على مزاعمهم. ألا إن قولهم هذا من محض الكذب والافتراء، الذي لا دليل عليه ولا شبهة دليل، وإن
стр. 2187
حكمهم في غاية الجور، فأي شيء يجعل الله مختارا البنات دون البنين؟! ما لكم تتورطون في هذا الحكم الظالم؟ أفلا تتدبرون بعقولكم وتتفكرون في أنفسكم، فتتذكروا بطلان قولكم؟! بل ألكم حجة واضحة على هذا القول، فإن كان لكم برهان، فهاتوا برهانكم على ذلك، إن صدقتم في ادعائكم؟
وتكرار هذه الاستفهامات لتكرار التوبيخ والتبكيت والإنكار الشديد على أقوال المشركين في مكة. ومن أعظم افتراءات بعضهم وهم بنو مدلج أنهم جعلوا مصاهرة ونسبا بين الله تعالى وبين الجنّة، أي الملائكة، فقالوا: الملائكة بنات الله، ووصفوا بالجنّة، لاستتارهم عن الأبصار. وتالله لقد علمت الملائكة علما يقينيا أن أولئك المشركين لمجموعون للحساب والعذاب في النار، لكذبهم وافترائهم هذا.
تنزيها لله تعالى، وتقديسا له، عن كينونة ولد له، وعما يصفه به الظالمون المشركون، من أوصاف مفتراة.
نزلت هذه الآية كما نقل الواحدي عن المفسرين في قريش وأجناس من العرب:
جهينة وبني سلمة وخزاعة، وبني مدلج أو بني مليح قالوا: الملائكة بنات الله. لكن عباد الله المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على رسله الكرام هم ناجون، فلا يساقون إلى عذاب النار، وهذا استثناء منقطع.
ثم أعلن الله تعالى مدى عجز المشركين عن إضلال أحد، حيث خاطبهم: فإنكم وآلهتكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدرون على فتنة أحد عن دينه، وإضلاله، إلا من هو أضل منكم، ممن هو داخل نيران الجحيم، في علم الله تعالى، وهم المصرّون على الكفر.
ثم نزّه الله تعالى الملائكة مما نسبوا إليه من الكفر بهم والكذب عليهم، حيث أورد الله تعالى ذلك على لسان الملائكة بما قالوه: ليس منا ملك إلا له مرتبة معلومة
стр. 2188
من المعرفة والعبادة والمكان لا يتجاوزها، فهم درجات في طاعة الله تعالى، وإننا لنحن الصافون صفوفا في مواقف العبادة.
أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك قال: كان الناس يصلّون متبددين، فأنزل الله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) فأمرهم النبي ﷺ أن يصفّوا.
ثم أورد الله تعالى ما كان يقوله المشركون قبل البعثة النبوية إذا عيّروا بالجهل فهم كانوا يقولون: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولم نكفر به، فجاءهم النبي محمد ﷺ بالقرآن المجيد، فكفروا به، فسوف يرون عاقبة كفرهم. وهذا وعيد محض، وتهديد على كفرهم بالله ورسوله وقرآنه، لأنهم تمنوا أمرا، فلما جاءهم الله به، كفروا واستهواهم الحسد.
مناصرة الرسل ﵈
سبق القضاء الإلهي الحاسم، وتقرّر فصل الأمر بأن الله ناصر رسله المرسلين، وكذلك جنده المؤمنين في الغالب، إذا نصروا دين الله تعالى، واستقاموا على أمره، وابتعدوا عن نهيه، وكلّ ما يؤدي لسخطه وغضبه. ونصر أهل الحق والإيمان يقابله هزيمة أهل الكفر والعصيان، والضلال والخذلان، وسيجد كل فريق عاقبته، ونتيجة طريقته، وهذا حق وعدل، وإقرار لما يستوجبه فعل كل إنسان من خير أو شر، وإيمان أو كفر، وإعلان هذا القرار: إعذار وبعد عن أي لوم أو عتاب، قال الله تعالى مبينا هذا الحكم الأزلي الثابت:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧١ الى ١٨٢]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
стр. 2189
[الصافات: ٣٧/ ١٧١- ١٨٢] .
آنس الله تعالى نبيه ﵌ وأولياءه بأن القضاء قد سبق، وأن الوعد بالنصر والظفر لرسل الله الكرام على من جحد برسالتهم قد فرغ منه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، ففي الدنيا تكون الغلبة والقهر للرسل العباد: بأسر أعدائهم وتقتيلهم وتشريدهم، أو بإجلائهم، أو بتغلب الحجة والبرهان عليهم ونحو ذلك.
وفي الآخرة بالظفر بالجنة والنجاة من النار. وهذا الحكم مقرّر في الغالب، وإن كان النادر هو العكس. وجند الله: حزبه والمجاهدون في سبيله لإعلاء كلمة الله، وهم الرسل وأتباعهم. والنصر مشروط بنصرة دين الله وشرعه، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، والعمل بالقرآن والسنة النبوية، لقول الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم: ٣٠/ ٤٧] .
وسبق الكلمة: هو في الأزل بأن رسل الله إلى أرضه وجنود الله هم المنصورون على من ناوأهم، المظفّرون بإرادتهم، المستوجبون الفلاح في الدارين.
فأعرض عنهم أيها النبي، واصبر على أذاهم لك، إلى مدة معلومة عند الله تعالى، فإنا سنجعل لك النصر في النهاية. وهذا وعد للنبي ﷺ ، وأمر له بموادعة أو مهادنة المشركين إلى أمد معلوم. والحين أو الأمد: إما يوم بدر، ورجحه الطبري، أو موتهم، أو يوم القيامة.
ووعد آخر للنبي ﷺ ووعيد لهم، مفاده: أمهل هؤلاء المشركين، وانظر ماذا يحل بهم من العذاب بمخالفتك وتكذيبك، كالأسر والقتل. وسوف يبصرون كل ما وعدتهم به من العقاب ويرون عقبى طريقتهم، وما وعدناك به من النصر وانتشار الإسلام، وكرّر الله تعالى هذا للتأكيد.
стр. 2190
ثم وبّخ الله تعالى المشركين على مطالبتهم بتعجيل أو استعجال العذاب، فكيف يجرءون على استعجال عذاب الله الشديد؟ إنهم يستعجلونه لتكذيبهم وكفرهم بالنبي محمد ﷺ . أخرج جويبر عن ابن عباس قال: قالوا: يا محمد، أرنا العذاب الذي تخوفنا به، عجّله لنا، فنزلت هذه الآية: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فإن نزل العذاب بساحتهم، أي بفنائهم أو موضعهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، لإهلاكهم ودمارهم، وتعبير النزول بالساحة تستعمله العرب فيما يرد على الإنسان من خير أو شر. وسوء الصباح: يستعمل أيضا عند العرب في ورود الغارات والرزايا ونحو ذلك.
ثم كرر الله تعالى أمر نبيه ﷺ بالإعراض عن هؤلاء المشركين إلى أجل آخر، يحين فيه هلاكهم، فسوف يرون ما يحل بهم من عقاب. وإعادة الأمر بالتولي أو الإعراض عن المشركين تحقيق لتأنيس النبي والعناية به.
وتنزيها لله ربك أيها الرسول تنزيها مطلقا عن جميع ما يمكن أن يصفه به أهل الضلالات، فالله هو رب العزة المطلقة، والمراد بالعزة هنا: أنه ربّ العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء والمؤمنين. والتحية من الله على المرسلين. وتوفير الثناء الحسن الجميل آخر الدهر، لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيقته، والحمد التام والشكر الكامل لله في الأولى والآخرة في كل حال، فهو سبحانه رب الثقلين: الإنس والجن، دون سواه. وهذا تعليم من الله للمؤمنين أن يقولوا ذلك.
أخرج ابن سعد وابن مردويه عن أنس عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلّمتم على المرسلين، فسلّموا علي، فإنما أنا بشر من المرسلين» .
والعزة في هذه الآية: ليست هي صفة الله تعالى، والتي من حلف بها كان ذلك يمينا، وإنما المراد بها عزته التي خلق بين عباده، فمن حلف بالعزة المخلوقة الكائنة للأنبياء والمؤمنين، فليس ذلك بيمين.
стр. 2191
تفسير سورة ص
الرد على عقائد المشركين
أوضحت سورة (ص) أصول العقيدة الإسلامية: وهي التوحيد والنبوة والبعث، من خلال مناقشة المشركين في عقائدهم المناقضة لتلك الأصول، وإيراد نماذج من قصص الأنبياء السابقين للعظة والعبرة. ومن أخطر عقائد المشركين القول بتعدد الآلهة، بدليل قولهم في مطلع سورة (ص) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً..
أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ ، فشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية، كلمة واحدة، قال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله. فقالوا: إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب، فنزل فيهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) إلى قوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ.
قال الله سبحانه:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)
«١»
стр. 2192
«١» «٢» [ص: ٣٨/ ١- ١٦] .
افتتحت سورة (ص) بهذا الحرف للتنبيه لما يأتي بعدها، وللتحدي وإثبات إعجاز القرآن بأنه متكون من أمثال هذا الحرف، فهل يمكن للعرب معارضته؟ وتالله إن القرآن الكريم كلام الله المعجز، وإن محمدا لصادق في نبوته، وإن القرآن ذو شرف ورفعة باقية خالدة ويختص حرف (ص) في هذا الموضع بأن معناه: صدق الله وصدق رسوله محمد.
بل إن الذين أشركوا في استكبار عن قبول الحق والإيمان به، ومخالفة لله ورسوله، ومعاندة ومكابرة، وكثيرا ما أهلك الله من قبل مشركي قريش كثيرا من الأمم الخالية، بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من عند الله تعالى، ونادوا حين نزول العذاب بهم طالبين النجاة والغوث، فلم يفدهم النداء وقتئذ شيئا، لأن الوقت ليس وقت خلاص وفرار من العذاب بعد المعاينة، والقرن: الأمة من الناس في زمن واحد.
وتعجب مشركو مكة من إرسال رسول مبشر ومنذر منهم ومن أنفسهم
стр. 2193
وعروبتهم، وقالوا لما رأوا معجزاته الباهرة: هذا ساحر خداع كذاب فيما يدعيه من النبوة. وهذا دليل على أنهم كذبوا الرسول من غير حجة ولا برهان.
ثم رد الله تعالى على شبهات ثلاث للمشركين تتعلق بالألوهية أو التوحيد، وبالنبوة، وبالمعاد. أما توحيد الإله: فلم يؤمنوا به وقالوا: أصير محمد الآلهة إلها واحدا، وهو الله؟ إن هذا لشيء غريب عجيب، بالغ النهاية في العجب. وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب قائلين: امضوا على ما كنتم فيه، واثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على التمسك بها. ما سمعنا بهذه الدعوة إلى توحيد الإله في آخر الملل وهي النصرانية، وما هذا إلا افتراء وكذب، لا حقيقة له، ولا مستند من الوحي والدين السماوي.
وأما النبوة: فأنكروا نبوة محمد قائلين: كيف ينزل القرآن على محمد دوننا، ونحن الرؤساء والأشراف؟ بل الحقيقة إنهم في شك من القرآن أو الوحي، وهذا الشك لأنهم لم يذوقوا العذاب الإلهي، فإذا تعرضوا له صدّقوا بالقرآن، وزال عنهم الشك، ولو ذاقوا العذاب، لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي إنهم لجهالتهم لا يبين لهم النظر، وإنما يبين لهم مباشرة العذاب.
فرد الله تعالى عليهم: بل إنهم باستبعادهم رسالة محمد ﷺ ، هل يملكون مفاتيح خزائن الله ونعمه البالغة ورحمته التي فيها الهدى والنبوة وكل فضل، والله هو المانح لهذه النعم الكثير المواهب، حتى يعطوا نعمة النبوة لمن يشاءون؟ والخزائن للرحمة:
مستعارة، كأن المعنى: موضع جمعها وحفظها. بل أهم يملكون السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات والعوالم، فإن فرض أنهم يملكون، فليصعدوا في المعارج التي توصلهم إلى السماء، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع. إنهم حقيرون ذليلون، وما هم إلا جند مغلوبون هنالك حيث يتحزبون فيه على المؤمنين.
стр. 2194
وكلمة (أم) فيها معنى الإضراب عن الكلام الأول، والاستفهام، وقدرها سيبويه ب (بل والألف) كقول العرب: «إنها لإبل أم شاء» . والإشارة ب (هنالك) في قوله تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ إشارة إلى الارتقاء في الأسباب، أي هؤلاء القوم إن راموا ذلك هم جند مهزوم، من جملة الأحزاب والأمم المتعصبين في الباطل، والمكذبي الرسل، فأخذهم الله تعالى. و (ما) في قوله جُنْدٌ ما زائدة مؤكّدة، وفيها تخصيص.
ثم قارن الله وضع قريش بأمثالهم الغابرين، فلقد كذبت الرسل قبل قريش، قوم نوح، وقبيلة عاد، وفرعون ذو الأوتاد، أي المباني العظيمة الثابتة، والحكم الراسخ، وقبيلة ثمود قوم صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، أي غيضة الشجر، أولئك الأحزاب، أي الموصوفون بالقوة والكثرة، كمن تحزب عليك أيها النبي عام الخندق بالمدينة.
لقد كذب كل هؤلاء الأقوام رسلهم الكرام، فوجب العقاب الإلهي لهم، جزاء وفاقا. وما ينتظر كفار قريش إلا عقابا بنفخة الساعة التي هي النفخة الثانية- نفخة الفزع التي ينفخها إسرافيل، فتطال جميع أهل السماوات والأرض إلا من استثنى الله، وليس لتلك النفخة انتظار كالمهلة التي بين الحلبتين، بل هي متصلة حتى مهلكهم.
وقال مشركو مكة وأمثالهم تهكما واستهزاء حين سمعوا بتهديد العذاب في الآخرة: ربنا عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به، ولا تؤخره إلى يوم القيامة. وهذا إنكار من الله على المشركين في مطالبتهم بتعجيل العذاب، وهو يتضمن إنكارهم البعث.
стр. 2195
نعم الله على داود ﵇ وفصله في الخصومة بين رجلين
توالت الأخبار وإيراد قصص الأنبياء السابقين في القرآن الكريم، لتذكّر أحوالهم، والتأسي بهم في صبرهم على أذى أقوامهم، محتسبين الأجر عند الله تعالى. وكان الخطاب فيها للنبي ﷺ ليتأسى بهم، ويهوّن عليه إعراض قومه عن دعوته، فتلك هي سيرة الأقوام الماضين مع رسلهم، وفي تلك القصص بيان أنواع النعم الإلهية التي أنعم الله بها على أولئك الأنبياء في صراعهم مع أقوامهم، وصبرهم عليهم، ثم نجاتهم وتدمير أعدائهم.
وهذه قصة نبي الله داود ﵇، وهي قصة مثيرة للعجب والعبرة، قال الله تعالى:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١٧ الى ٢٦]
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١)
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [ص: ٣٨/ ١٧- ٢٦] .
стр. 2196
تضمنت الآيات بيان عشر صفات لداود ﵇ أنعم الله بها عليه، وهي:
اصبر أيها النبي محمد على ما يتقوله قومك من الأقاويل التي يريدون بها الاستخفاف، ولا تلتفت إليها، واذكر عبدنا داود ذا القوة في الدين والصّدع به، فتأسّ به وتأيد كما تأيد. والأيد: القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوة الطاعة. وهو الأوّاب: الرجاع إلى طاعة الله تعالى في جميع أموره وشؤونه. وهو الصبور على طاعة الله تعالى.
وهو عبد الله محقّق معنى العبودية بمعنى التذلل والخضوع والانقياد والاجتهاد في الطاعة. وهذه أربع صفات، والخامسة والسادسة: أن الله تعالى سخر الجبال والطير معه وذللها، تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار.
والسابعة: جمع الطيور وجعلها مع الجبال مطيعة له، تسبح الله تبعا له، حال كون الطيور محبوسة في الهواء، فكلما سبّح داود جاوبته، وهذا يدل على أن داود ﵇ كان حسن الترتيل، جميل الصوت.
والثامنة: قوة الملك، فقد قوينا ملكه وأيدناه بكل ما وهبناه إياه من قوة وجند ونعمة.
والتاسعة: إيتاء الحكمة، فإنا أعطيناه الفهم والعقل والفطنة وفهم الدين وجودة النظر، والعلم الذي لا ترده العقول، والعدل، وإتقان العمل والحكم السديد.
والعاشرة: حسن الفصل في الخصومات، فإنا ألهمناه حسن الفصل في القضاء بين الناس بالحق، وإصابته وفهمه، وإيجاز البيان، ومنها إيجاب اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعي، وكان إذا خاطب في مسألة، فصّل المعنى وأوضحه، لا يتلكأ، ولا يعجز عن البيان، ولا يعتريه ضعف، فكان كلامه ﵇ فصلا.
ومن قضائه أنه تسلق عليه المحراب في يوم العبادة وفي غير يوم المحاكمة رجلان،
стр. 2197
ففزع منهم، فقالا له: لا تخف، نحن متخاصمان جار بعضنا على بعض، فاحكم بيننا حكما عادلا، ولا تتجاوز الحق في الحكم ولا تبعد في الحكم، واهدنا أو أرشدنا إلى طريق الحق والعدل. وسواء الصراط: وسطه والواضح منه.
واستفتحت الآيات بالاستفهام: وَهَلْ أَتاكَ.. تعجبا من القصة وتفخيما لها. وعبر عن الاثنين بالجمع: تَسَوَّرُوا ودَخَلُوا وقالُوا على جهة التجوز في العبارة عن الاثنين، بلفظ الجمع. والمحراب: الموضع الأرفع من القصر أو المسجد، وهو موضع التعبد. وفزعه بسبب دخولهم من غير الباب ودون استئذان.
وموضوع الخصومة: إن هذا أخ لي في الدين والإنسانية، يملك تسعا وتسعين شاة، وأملك أنا شاة واحدة، فقال: ملّكنيها، وغلبني في المخاصمة والجدال، والحجة. والنعجة: أنثى الضأن. فقال داود ﵇ بعد إقرار المدعى عليه بالدعوى: لقد ظلمك بهذا الطلب، وطمع عليك. وإن كثيرا من الشركاء في المال ليعتدي ويستطيل بعضهم على بعض، إلا من آمن بالله وخاف ربه، وعمل صالح الأعمال، وهؤلاء المؤمنون الصالحون قلة، وشعر داود وعلم أنما اختبرناه وامتحناه، بهذه الواقعة، فاستغفر ربه لذنبه وهو سوء ظنه بالخصمين، وأنهما أتيا لاغتياله، لوقوع اغتيالات في أنبياء بني إسرائيل، وخرّ ساجدا، وعبّر بالركوع عن السجود، لأن القصد منهما التعظيم، ورجع إلى الله بالتوبة من ذنبه.
والعرب تعبر بالظن عن المعلومات الناجمة من غير الحواس، ولا يستعمل الظن بمعنى اليقين التام البتّة، كما ذكر ابن عطية في تفسيره.
فغفر الله له سوء ظنه، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإن له عند ربه لقربى ومكانة رفيعة وحسن مرجع في الآخرة وهو الجنة.
يا داود إنا جعلناك حاكما بين الناس في الأرض، فاقض بين الناس بالعدل، ولا
стр. 2198
تتبع أهواء النفس أو مطامع الدنيا، فيوقعك ذلك في الضلال والانحراف عن الحق، إن الذين يحيدون عن طريق الحق والعدل، لهم عقاب شديد يوم القيامة، بسبب نسيانهم أهوال ذلك اليوم وتركهم الاستعداد له. والمقصود من ذلك تنبيه الحكام والقضاة على الحكم بين الناس بالحق والعدل.
التمييز في الحساب بين المصلحين والمفسدين
قد تكون كثرة النعم منسية شكر المنعم، إذا كان الإنسان غارقا في الأهواء والشهوات، ممعنا في الكفر والضلال، بعيدا عن إشعاعات وأنوار الهدي الإلهي، خالي القلب من الإيمان وتوجيهات القرآن، ومن هنا لا غرابة أن يظن الكافرون أن خلق السماوات والأرض إنما هو باطل لا معنى له، كما ينسون النعم الدائمة، المعطاة لهم من أرزاق وخيرات، وقوة وعافية، ووعي وتفكير، وعلم ومعرفة وغير ذلك. ويترتب على هذا أنه لا مساواة في الحساب بين الجاحدين والمفسدين، وبين المؤمنين والمصلحين، وعلى الجميع أن يطلبوا الإيمان والتقوى من كتاب الله العزيز، قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
[ص: ٣٨/ ٢٧- ٢٩] .
هذه الآيات واردة بين قصتي داود وسليمان، عظة لأمة النبي ﷺ ، ووعيدا للكفرة بالله تعالى.
أخبر الله تعالى أن الذين كفروا يظنون أن خلق السماوات والأرض وما بينهما، إنما هو باطل لا معنى له، وأن الأمر لا يؤول إلى ثواب وعقاب، فرد الله تعالى
стр. 2199
عليهم مكذبا ظنهم، ومتوعدا إياهم بالنار، فالله تعالى لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثا لا حكمة فيه، أو لهوا ولعبا، وإنما خلق ذلك للدلالة على قدرته العظيمة، ومن أجل العمل فيهما بطاعته وعبادته وتوحيده، كما قال الله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: ٥١/ ٥٦] .
ثم أخبر الله تعالى عن كذب ظن الكافرين، وتوعّدهم بالنار، أي إن ظن الذين كفروا بأن هذه المخلوقات العظمى خلقت عبثا لغير غرض، فلا قيامة ولا حساب، هو ظن خطأ كاذب، فيا هلاك هؤلاء الكافرين في النار يوم المعاد والنشور، جزاء ما قدموا من الشرك والعصيان، وجحود نعم الله تعالى، وإنكار البعث.
وأبان الله تعالى الفرق في الحساب عنده بين المؤمنين العاملين بالصالحات وبين المفسدين الكفرة، وبين المتقين والفجّار، فليس من العدل والمعقول والحكمة التسوية بين الفريقين. والمعنى: بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه، وأصلحوا أعمالهم، فأدوا الفرائض والواجبات على وجه متقن، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي والجحود، أم نجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والعصاة؟ ليس ذلك حقا ولا عدلا، ولا حكمة ولا نظاما سويا.
وفي هذا البيان والتفرقة بين الفريقين حض على الإيمان وترغيب فيه، ووعيد للكفرة والجاحدين. ونظير الآية كثير في القرآن المجيد، مثل قوله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) [القلم:
٦٨/ ٣٤- ٣٦] .
ثم أحال الله تعالى في طلب الإيمان والتقوى، على كتابه العزيز بقوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ أي هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، إن طريق السعادة الأبدية: هو اتباع القرآن الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وهو كثير الخير
стр. 2200
والبركة، فيه الشفاء النافع لمن تمسّك به، والنجاة لمن اتبعه، وقد أنزله الله تعالى للناس للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر وإمعان، وليتعظ أهل العقول الراجحة به وببيانه. وقوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا أي لتتدبروا آياته.
قال الحسن البصري ﵀: والله ما تدبّره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل.
وفي هذه الآية اقتضاب وإيجاز بديع، كإعجاز كل القرآن العزيز. ووصف القرآن بالبركة، لأن أجمعها فيه، فهو يورث الجنة، وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا، ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة.
وظاهر هذه الآية يقتضي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل أفضل من أجل هذا، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل، والترتيل وسيلة لفهم المعاني، والاتعاظ بالأحكام، والاسترشاد بالهدي القرآني، وحمل الإنسان على الاتباع والالتزام، وترك هجر القرآن، كما عليه حال بعض الناس اليوم.
والآية أيضا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، والمعرفة تقود إلى الاتباع، قال الحسن البصري: تدبر آيات الله: اتباعها.
إن من أجلّ مقاصد القرآن إصلاح الحياة الإنسانية، بإصلاح الفرد والجماعة، وإصلاح الروابط والعلاقات في جميع مجالاتها وأنواعها.
نعم الله تعالى على سليمان ﵇
أفاض الله فيض نعمه السخية على سليمان، كما أفاض على أبيه داود ﵉، واستمرار هذا الفيض الإلهي يقتضي أن يشكر المحسن، ويتعظ المسيء بما
стр. 2201
يجده في قصتي داود وسليمان ﵉ من عبر وعظات، فإنهما جمعا بين الملك العظيم في الدنيا، والنبوة والرسالة، ولم يمنعهما ذلك الملك من شكر الله وعبادته وطاعته، فهل لقريش وغيرها من الزعامات أن يجدوا في هذه القصة ما يحملهم على شكر المنعم، وعبادته؟ قال الله تعالى:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٤٠]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩)
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
«١» «٢» [ص: ٣٨/ ٣٠- ٤٠] .
وهب الله تعالى سليمان ولدا لداود ﵉، وأثنى عليه بأوصاف من المدح تضمنها قوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ والهبة والعطية بمعنى واحد، والمعنى: لقد أعطينا داود ابنا نبيا وهو سليمان، وهو عبد الله صالح، لأنه رجّاع إلى الله تواب، كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله في أكثر الأوقات. وذكر الله تعالى واقعتين لسليمان من وقائع توبته.
الأولى- قصة عرض الخيل عليه. والمعنى: اذكر أيها الرسول محمد مادحا حين عرض على سليمان ﵇ في مملكته وسلطانه بعد العصر آخر النهار الخيول (الجياد) القائمات على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة «٣» ، وهي آلاف تركها له
стр. 2202
أبوه، ليتعرف أحوالها، ويستعرضها، كالاستعراضات العسكرية اليوم، فقال سليمان: لقد أحببت هذه الخيل وآثرتها على غيرها حبا حصل بذكر الله وأمره، لا بهواي وشغفي، فكانت تركض حتى تغيب عني بسبب الغبار وبعد المسافة. وقوله:
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ معناه: أحببت هذه الخيل حبّ الخير، أو آثرت محبتها «١» .
ومواراتها بالحجاب: بعدها عنه. والمراد: أن حبه للخيل لم يكن إلا امتثالا لأمر الله بربط الخيل لتكون عدة الجهاد في سبيل الله، وتقوية دينه، ونشره بين الناس.
والخير عند بعضهم: هو الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي. والظاهر أن المراد بالخير: هو المال، لكثرة استعماله في المال عند العرب. وقال أبو حيان: الخير عند العرب تسمى الخيل.
والخلاصة أو المراد: أحببت الجياد الصافنات أو عرضها حبا مثل حب الخير، منيبا لذلك عن ذكر ربي، وليس المراد بالخير هو الخيل فقط.
ثم أعاد سليمان ﵇ عرض الصافنات أمامه، فقال: أعيدوا هذه الخيل إلي، فلما عادت جعل يمسح بيده سيقانها وأعناقها ونواصيها، تشريفا لها وتكريما وتدليلا، ومحنة لها، وسرورا بها. وطفق: معناه دام يفعل. ولا يصح القول بأن عرضها عليه ألهاه عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، أو أنه قطّع قوائم الخيل بالسيف، فذلك من الإسرائيليات. وإنما المراد: اختباره بمحبّة الخيل حبا شديدا، لمعرفة مدى تواضعه والبعد عن الاغترار، واشتغاله بالعرض والندم عليه.
والواقعة الثانية: إلقاؤه جسدا على كرسيه: والمعنى: تالله لقد اختبرنا سليمان ﵇ باختبار آخر، وهو كما قال الرازي الفتنة في جسده، حيث ابتلاه الله
стр. 2203
بمرض شديد في جسمه، حتى نحل جسمه، وأصبح هزيلا، ثم أناب، أي رجع إلى حال الصحة، وقال: رب اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله، وهذا من باب السمو بتصور الخطيئة، التي لا تعدو أن تكون تركا للأفضل والأولى، وامنحني ملكا عظيما لا يحصل لأحد غيري مثله، إنك أنت الكثير الهبات والعطايا، فأجب دعائي. ويكون المراد بإلقاء الجسد على كرسيه: أنه مرض مرضا كالإغماء، حتى صار على كرسيه جسدا، كان بلا روح. والمراد بقوله لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أن يتفرد به بين البشر كرامة له.
فأجاب الله دعاءه ومنحه خمس نعم هي:
١- لقد ذللنا الريح، تنقاد لأمره، وتجري لينة طائعة في قوة وسرعة، تحمله حيث اتجه إلى أي مكان أراده.
٢- وذللنا له أيضا الشياطين تعمل بأمره، إما في بناء المباني العظيمة، وإما في الغوص في البحار، لاستخراج الدرر واللآلئ والمرجان، وإما في أعمال أخرى.
٣- وذللنا له شياطين آخرين، وهم مردة الشياطين، حتى إنه قرنهم في القيود والسلاسل، قمعا لشرهم، وعقابا لهم. ومقرنين: موثقين.
٤- وجعلنا له حرية التصرف فيما أعطيناه من الملك العظيم والثروة، والسيطرة على الريح والشياطين، وأذنّا له أن يمنح من ثروته من يشاء، ويمنع من يشاء، بلا حساب عليه في الإعطاء أو الإمساك (المنع) أو يمنّ على من شاء من الجن فيطلقه أو يقيده كما قال قتادة.
٥- وإن له في الآخرة لقربى وكرامة عند الله تعالى، وحسن مرجع وهو الجنة، وفيض ثواب، فهو ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة.
إن هذه النعم العظيمة على سليمان ﵇ تدل على عظيم فضل الله، وعلى
стр. 2204
أن سليمان كان نبيا ورسولا من الصالحين كأبيه، لم يصدر عنه إلا كل ما هو خير متفق مع مقتضى الرسالة، ودعوة الناس إلى عبادة الله وشكره وليس دعاؤه بطلب ملك يتفرد به مرادا به: أنه لا يعطي الله تعالى نحو ذلك الملك لأحد، وإنما المبالغة في هبة الملك وطلبه.
محنة أيوب ﵇
أيوب ﵇: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، من ذرية يعقوب ﵇، وهو المبتلى في جسده وماله وأهله، ولكن صبر وسلّم معتقده ودينه، ولم يكن ابتلاؤه بمرض معد أو منفّر طبعا، خلافا لما زعم بعضهم، وإنما كان مرضه جلديا مضعفا غير منفر، وبعد أن طال صبره دعا ربه، فأوحى إليه بالاغتسال والشرب من ماء نابع، حفره بقدمه، فشفي وعوفي، ورد الله عليه أهله وزاده مثلهم في الذرية، وافتدى الله يمينه بضرب زوجته بعود فيه مائة قضيب من الشجر الرطب، فيضرب به ضربة واحدة، يبر بها يمينه. وهذه حكاية محنته وبلواه وزوالها عنه. قال الله تعالى:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
«١» «٢» [ص: ٣٨/ ٤١- ٤٤] .
الاعتبار والاتعاظ بقصص الأنبياء السابقين هو غاية إيراد قصصهم، فمنهم كثير
стр. 2205
النعمة كداود وسليمان ﵉، ومنهم من ابتلي وامتحن بالمرض كأيوب ﵇، ففي حال النعمة شكر وحمد، وفي حال النقمة صبر وتفويض لله.
والمعنى: اذكر أيها النبي محمد لقومك مدى صبر أيوب ﵇ على مرضه مدة طويلة من الزمان، قيل: هي نحو من ثماني عشرة سنة، اذكره حين دعا ربه: بأنني قد مسني الضر، وألحق بي الشيطان الضر والمشقة والألم. ولم يكن مرضه منفّرا الناس منه، وإنما هو مرض جلدي ظاهري، قابل للشفاء.
أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : أن أيوب ﵇ بقي في محنته ثماني عشرة سنة.
فأجاب الله دعاءه، وأمره أن يضرب برجله الأرض، فنبعت عين جارية، فاغتسل فيها، وشرب منها. وقوله: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ الركض: الضرب بالرّجل.
والمعنى اركض الأرض، ولما فعل ذلك عوفي من مرضه.
وأعاد الله له أيضا أهله وولده الذين تركوه، ووهب له ماله في الدنيا ورد ما هلك من ماشيته، وبارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعفت الحال، رحمة من الله به، وتذكرة لأصحاب العقول السديدة، فإن ما بعد الصبر والشدة إلا الفرج، وما بعد العسر إلا اليسر.
وكانت زوجته تتردد عليه مدة مرضه، فيوسوس لها الشيطان ويقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ، ولو ذبح عناقا (أنثى المعز أو الضأن إلى تمام الحول) للصنم الفلاني لبرئ، ويعرض عليها وجوها من الكفر، فكانت ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: ألقيت عدو الله في طريقك؟ فلما أغضبته بهذا ونحوه، حلف لئن برئ من مرضه ليضربنها مائة سوط.
فلما برئ، أمره الله تعالى أن يأخذ بيده قبضة أو حزمة كبيرة من القضبان ونحوها
стр. 2206
من الشجر الرطب، فيضربها به ضربة واحدة فتبر يمينه. وهذا حكم ورد في شرعنا حيث
أخرج أبو داود عن النبي ﷺ مثله في حد رجل زمن (مريض مرضا مزمنا) بالزنى، فأمر رسول الله ﷺ بعذق (عدد من النخيل) فيه مائة شمراخ أو نحوها، فضرب به ضربة.
وقال به بعض الفقهاء وهو الإمام الشافعي.
ثم أثنى الله تعالى على أيوب ﵇ بقوله: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي لقد وجدناه صابرا على البلاء الذي ابتليناه به في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، نعم الرجل العبد لله أيوب، إنه رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، زيادة في حسناته، ورفع درجته، لا بسبب ذنب ارتكبه، فجازيناه بتفريج كربته، مع أنه ليس في الشكوى إلى الله إخلال بالصبر، ولكن إيمان الأنبياء المطلق الذي يستلهمون منه أن الله تعالى عليم بهم، قد لا يطلبون من الله شيئا، لإذهاب همهم وغمهم، كما فعل إبراهيم ﵇ حينما ألقي في النار، لم يدع ربه، وإنما قال: «علمه بحالي يغنيه عن سؤالي» .
وروي عن أيوب ﵇: أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة: «اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت» وكان يقول في مناجاته: «إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا، ومعي جائع أو عريان» .
هذه أمثلة عالية من مواقف أيوب ﵇، تعدّ ذخرا عظيما، وقدوة حسنة للمؤمنين، فلا يصدر عنهم في وقت المرض أو المحنة أو الأذى إلا ما يتفق مع الأدب مع الله تعالى والتفويض إليه.
стр. 2207
نعم الله تعالى على إبراهيم وذريته ﵈
هذه أيضا كما سبق سيرة طيبة عبقة لثلّة من الأنبياء، يراد بها العظة والعبرة، والتعليم للبشر، والتخلق بأخلاقهم، والعمل بأعمالهم التي من أجلها استحقوا ما أعد الله لهم ولأمثالهم في هذه الآيات الآتية من الثواب الجزيل والنعيم العظيم.
تضمنت الآيات أمر النبي محمدا ﵊ أن يذكر للعبرة والعظة صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق في دعوة بني إسرائيل إلى الرشاد، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره، وصبر إسماعيل للذبح، وصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل، قال الله تعالى واصفا كل ذلك بإيجاز بديع:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [ص: ٣٨/ ٤٥- ٥٤] .
هذه أخبار سارّة عن فضائل الأنبياء والمرسلين، اذكر أيها الرسول محمد عمل وصبر مجموعة من عبادنا المرسلين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي القوة في العبادة والبصيرة النافذة، فإنهم دأبوا على الطاعة، وقوّيناهم على العمل الصالح المرضي.
وذلك لأننا خصصناهم بميزة خالصة، وهي العمل للآخرة، والتزام الأوامر، واجتناب النواهي، لتذكرهم الآخرة، وإيمانهم المطلق بها، وذلك شأن الأنبياء والرسل.
стр. 2208
وقوله: ذِكْرَى مصدر، والدَّارِ منصوبة ب (ذكرى) على معنى:
أخلصناهم بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعوا الناس إليها، وحضوهم عليها.
وإنهم عند الله لمن المختارين من أبناء جنسهم، الخيّرين، المطبوعين على حب الخير وفعله، فلا يميلون للأذى، وليس في قلوبهم شيء من الضغينة والحقد والحسد والبغض لأحد، ولا يقترفون منكرا، ولا يرتكبون معصية، فهم أخيار مختارون من الله تعالى.
واذكر أيضا أيها النبي الرسول محمد صبر إسماعيل واليسع وذي الكفل وأعمالهم الصالحة، فكل منهم أيضا من الأخيار المختارين للنبوة وأداء الرسالة الإلهية. ثم أخبر الله تعالى عن الهدف من إيراد هذه الأخبار النبوية، فهذه الآيات القرآنية التي تعدّد محاسن هؤلاء الأنبياء تذكّر لهم وتنويه، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا، وإن لهم وللمتقين أمثالهم لحسن مرجع، يرجعون فيه في الآخرة إلى مغفرة الله ورضوانه ونعيم جنته. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ إشارة إلى القرآن، أي هو ذكر للعالم.
ثم فسّر الله تعالى المقصود بالمرجع وحسن المآب: وهو أن لهم جنات إقامة دائمة، مفتّحة لهم الأبواب، فإذا قدموا فتحت لهم أبواب الجنة، إكراما لهم، تفتحها الملائكة ليدخلوها مكرمين. وفي هذا إيماء بتخصيصاتهم وبسعتها وبهائها.
تراهم متكئين في الجنات على الأرائك والأسرّة، يطلبون ما لذّ وطاب مما شاؤوا من أنواع الفاكهة الكثيرة، وأنواع الشراب الكثير العذب الطيب وغير ذلك، فمهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا.
ولهم زوجات قاصرات حابسات طرفهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهن،
стр. 2209
وهم لدات: متساويات في السن والحسن والجمال، يحب بعضهن بعضا، فلا تباغض ولا غيرة عندهن في نفوسهن.
وهذا المذكور من صفات الجنان: هو الذي وعد الله به تعالى عباده المتقين، وهو الجزاء الأوفى الذي وعدوا به، وأجّل ليوم الحساب في الآخرة، بعد البعث والنشور من القبور.
وصفة هذا النعيم: الدوام، فهذا الذي أنعمنا به عليكم لرزق دائم لا انقطاع له ولا فناء أبدا، كما جاء في آيات أخرى، منها: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ١٦/ ٩٦] . ومنها: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١١/ ١٠٨] ومنها: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٨٤/ ٢٥] أي غير منقطع. ومنها: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ [الرعد: ١٣/ ٣٥] .
إن الترغيب بالنعيم محبّب لدى النفوس البشرية، مما يجعلهم طامعين بتحصيله، حريصين على الوصول إليه، فهو من جملة البواعث والدوافع، إلى الطاعة والتأسي بالأنبياء الكرام، تنزلا في تحقيق الرغبات لمستوى طبائع البشر وتطلعاتهم، لا أن الله ناصب نفسه لتلبية الأهواء، فهذا طبع للبشر، قصد به الترغيب.
عقاب الطغاة
كلما تلا الإنسان آيات العذاب الشديد وألوان العقاب للكافرين الطغاة، اقشعر بدنه وارتعدت فرائصه، وخاف أن يناله شيء من ذلك، لشدة الوصف، وقسوة العذاب، وتصويره كأنه واقع ماثل أمامه، يراه ولا يطيق تحمله، وحدوث هذا التأثر، والتفاعل مع الوصف، يحمل المؤمن على تفادي الأسباب، والبعد عن
стр. 2210
موجبات العذاب، والبحث عن موجبات الرحمة والمغفرة، والنجاة والتخلص من آفات العقاب وويلاته في الآخرة.
وهذه آيات تصف ما يستحقه أهل الكفر والطغيان، قال الله تعالى:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٥ الى ٦٤]
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
[ص: ٣٨/ ٥٥- ٦٤] .
المعنى: الأمر المذكور في آيات سابقة وهو جزاء المؤمنين هذا، وهذا واقع أو قائم، وإن للطغاة الكافرين الخارجين عن حدود الطاعة الإلهية، المكذبين لرسله، لسوء مصير، وشر مآب أو مرجع. ذلك المصير: هو إصلاؤهم في نار جهنم وإحراقهم، فبئس الفراش الذي مهدوه لأنفسهم، أي كأن ما تحتهم من النار كالمهاد أو الفراش. والطاغي: المفرط في الشر، والطغيان المراد هنا: هو الكفر، والمآب:
المرجع، وجهنم بدل من قوله: لَشَرَّ مَآبٍ ويصلونها: يباشرون حرها وحرقها، والمهاد: ما يفرشه الإنسان ويتصرف به.
الأمر هذا فليذوقوه، أو هذا حميم: وهو الماء الحار فليذوقوه، وهذا هو الغساق:
صديد أهل النار السيال بتجرعونه.
ولهم عذاب آخر كالحميم والغساق، أشد كراهية وإيلاما كالزقوم، وتلك ألوان من العذاب المختلفة المتضادة.
وتقول الطائفة الأولى التي تدخل النار مع زبانية جهنم: هذا فوج أي جمع كبير أو كثير داخل معكم، لا مرحبا بهم، أي لا كرامة لهم، إنهم داخلو النار كما دخلناها.