← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أسباب الهزيمة في غزوة أحد للنصر أسباب وللهزيمة أسباب، والمؤمن المتبصر هو الذي يدرك ما يجب عليه الحالين. وقد أبان القرآن أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد، للرد على المنافقين المشككين في نبوة الرسول ﷺ ، قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٢] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ١٥٢] . أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه قد نصر المؤمنين أولا في بداية أمر المعركة وقت أن أخذوا يقتلون المشركين قتلا، ويفتكون بهم فتكا، ولكنهم لما طمعوا في الغنائم وانقسموا فريقين: فريق الرماة فوق الجبل تركوا أماكنهم حينما رأوا انهزام المشركين، وفريق ثبت مكانه وقالوا: لا نخالف أمر الرسول أبدا، وهم القائد عبد الله بن جبير مع نفر قليل من أصحابه، والفريق الأول وهم الرماة هم الذين أرادوا الدنيا وتركوا أماكنهم طلبا للغنيمة، والفريق الثاني هم الذين أرادوا الآخرة وثبتوا في مكانهم ولم يخالفوا أمر الرسول ﷺ ، ثم تحول النصر إلى هزيمة، وعفا الله عن المخالفين، وصرف المؤمنين عن المشركين ليمتحن إيمانهم ويظهر الصادقون من المنافقين، وتاب الله بفضله العظيم على المؤمنين. ثم ذكّر الله المؤمنين حيث انهزموا ولم يلتفتوا إلى ما وراءهم، والحال أن الرسول

стр. 247

يدعوهم لمناصرته قائلا: «إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» . فقال تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) «١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٥٣] . أي إن الله جازاكم على صنيعكم، وألقى عليكم الغم والحزن بسبب الغم الذي أدخلتموه على الرسول وسائر المؤمنين بعصيانكم أمره ورأيه، وما فعل بكم ذلك إلا ليمرنكم ويدربكم على الشدائد، ولئلا تحزنوا على شيء فات، ولا ما أصابكم من عدوكم، والله خبير بأعمالكم ومجازيكم عليها. ثم بيّن الله فضله على المؤمنين الصادقين الملتفين حول الرسول بإلقاء النعاس عليهم، وكشف زيف المنافقين الذين لا يثقون بنصر الله، قائلين: لن يأتي النصر لنا، وإن محمدا ليس نبيا، إذ لو كان نبيا ما هزم، رابطين بين النبوة والنصر، ومضمرين الحقد والعداوة لبقية المؤمنين، فرد الله عليهم بأن النصر من عند الله، والأمر كله لله، فقال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٤] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [آل عمران: ٣/ ١٥٤] . فالنصر من عند الله، وهذا رد على

стр. 248

المنافقين القائلين: هل لنا من الأمر والنصر نصيب، ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، أي إن الخروج للقتال خطأ، ولو لم يخرج المسلمون لم يقتل أحد. ثم أوضح الله تعالى أن الذين تركوا أماكنهم أو انهزموا إنما أوقعهم الشيطان في هذا الخطأ بسبب أفعالهم وذنوبهم السابقة، ولكن عفا الله عنهم لما تابوا، قال تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٥] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) «١» [آل عمران: ٣/ ١٥٥] . أي إن الله غفور للذنوب حليم لا يعجل بالعقوبة. لقد كان انهزام المسلمين في أحد بسبب الحرص على المادة والغنائم، ومخالفة أوامر الرسول ﷺ ، والإصغاء لوساوس الشيطان، واقتراف الخطايا والذنوب، وإن الاستفادة من دروس الهزيمة أهم من فوائد النصر والغلبة، فلا يمكن تحقيق النصر إلا بتجنب وسائل الضعف والهزيمة، والله برحمته ينبّه هؤلاء المخطئين كيلا يقعوا في الخطأ المماثل إلى الأبد. تبديد مخاوف الموت يشيع بين الناس- بسبب وسوسة الشيطان- خطأ فاسد ومعتقد باطل أن الأمان في البقاء في البيوت والمدن، وأن الموت في السفر والارتحال، أو الحرب والقتال، وأن من سافر في تجارة ونحوها، ومن قاتل فقتل، لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرّض فيه نفسه للسفر أو للقتال. فندّد الله تعالى في قرآنه هذا الاعتقاد الفاسد، وأبان حقيقة أمر الموت، وأنه بيد

стр. 249

الله وحده، وأن الاستشهاد في سبيل الله طريق لغفران الله والتعرض لرحمته، فقال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٥٦- ١٥٨] . أبطل الله في هذه الآيات ما يوسوس به الشيطان من أن السفر أو الجهاد عرضة للقتل أو الموت، فيا أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا تكونوا كأولئك المنافقين الكفار الذين لا يهتدون إلى صواب الرأي وسلامة الاعتقاد، فهم يقولون في شأن إخوانهم في الدين، الذين يسافرون للتجارة، أو يجاهدون في سبيل الله، فيموتوا أو يقتلوا: لو كانوا عندنا مقيمين، لم يبرحوا مكانهم، ما ماتوا وما قتلوا. إن هذا المعتقد خطأ واضح، فليست المنايا ترسل بلا حساب، وأن الهلاك بالسفر أو الحرب، والمنافق أو الجبان هو الذي يعتقد أنه لو قعد في بيته لم يمت، وحينئذ يتحسر أو يتلهف لو سافر أو جاهد، أما المؤمن الشجاع فهو الذي يتيقن أن كل موت أو قتل بأجل سابق، فيسلم الأمر لله، ويكون التسليم لله تعالى بردا وسلاما على قلبه، قال الله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران: ٣/ ١٤٥] . احذروا أيها المؤمنون أن تكونوا مثل الكفار والمنافقين، وثقوا بالله واعتقدوا حق الاعتقاد أن الله هو الذي يحيى ويميت، والله بما تعملون بصير، فلا تخفى عليه

стр. 250

خافية من خبايا نفوسكم ومعتقداتكم، وفي هذا ترغيب للمؤمنين بتسليم الأمر لله، وتهديد للكافرين بسبب سوء الاعتقاد. ووالله أيها المسلمون لئن قتلتم في سبيل الله أو متم، فإن مغفرة الله لكم ورضوانه عليكم خير من كل ما تجمعون من حطام الدنيا الفانية. وكل ميت أو قتيل يحشر إلى الله، فيحاسبه على ما قدم في دنياه، وأجره على الله. وهذا وعظ بالآخرة والحشر، وتزهيد في الدنيا والحياة، وإفهام واضح لحقيقة الموت والحياة. إن هذا التصحيح لأخطاء الناس عن أجل الموت يبعث في النفس روح التضحية والفداء، والإقدام والجهاد من أجل إرضاء الله ورفع لواء الإسلام والذود عن حياض الوطن الغالي، فكل من يقتل في سبيل الله حي يرزق عند ربه، وحي على ألسنة الناس بالذكر الطيب والثناء الحسن. وإن الجبن والاستضعاف في الأمة وتهيب مخاطر الموت يوقع الأمة والبلاد برمتها في ذل وقهر أبدي، يجعل الناس عبيدا أو كالعبيد للقوي المستبد، والسيد الظالم. ولقد ذاقت بلاد المسلمين والعرب ويلات الاستعمار، وأدركت بتجربة قاسية مدى الظلم والذل والنكال الذي يلحق بالكرامة والثروة والقيم والأعراض، فهل من متعظ مدرك ما نعانيه من وجود الصهاينة في بلادنا والمستعمرين الجدد في منطقة الخليج تحت مظلة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد؟ الأخلاق النبوية أعد الله تعالى نبيه محمدا ﷺ إعدادا طيبا يتناسب مع مهمة الرسالة، وسياسة الدعوة، وصلاح الناس، وترغيبهم في الإسلام وذلك بتليين قلب النبي وغرس

стр. 251

خصلة الرحمة في قلبه، ومشاورة أصحابه، ومحبته الخير لهم بالدعاء والاستغفار لهم والعفو عنهم، والتوكل على الله وطلب المعونة والنصر منه . قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) «١» » «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٥٩- ١٦٠] . اشتملت هذه الآيات على مقومات نجاح الدعوة النبوية وأصول الحكم الإسلامي ومنهج التعامل مع الناس. وأول هذه المقومات: إلانة قلب النبي ورحمته الشاملة بالناس، فالله تعالى جعل نبيه سهل المعاملة، ليّن الكلام والإرشاد، شديد العطف، إذ لو كان شديد النفس غليظ القلب، لانفض الناس من حوله، ولكن الله جعله رحمة مهداة للعالمين: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ٢١/ ١٠٧] . وجعله المثل الأعلى الكامل في الخلق والمعاملة، حتى امتدحه ربه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: ٦٨/ ٤] . ومن هذه المقومات التي أمر الله بها نبيه: أن يعفو ويصفح عن أخطاء قومه، فلا يجازيهم على معاملتهم السيئة له، وإنما يقابل الإساءة بالإحسان، ويستغفر الله لهم فيما وقعوا به من تبعات وأخطاء. ومن مقومات الإسلام ودعوته: الشورى، فهي من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٤٢/ ٣٨] .

стр. 252

وقال النبي ﷺ : «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» «١» . وقال ﵇: «المستشار مؤتمن» «٢» . والاستشارة مطلوبة في جميع شؤون الدنيا والدين، أما أمور الدين فالقرآن هو الحكم فيها، وأما أمور الدنيا فالعقل والتجربة والحنكة والود أساسها. ومن مقومات العقيدة الإسلامية: التوكل على الله، وتفويض الأمر والشأن له، ولكن بشرط اتخاذ الأسباب، واقتران التوكل بالجد في الطاعة، والعمل والحزم وبذل الجهد بحسب مقتضى الحكمة وواقع الأمور. ثم نبّه الله المؤمنين إلى عقيدة النصر بقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أي الزموا الأمور التي أمركم بها ووعدكم النصر معها، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، لأن جميع ما في الكون بتدبيره ومشيئته، وإذا خذل الله قوما بأن تركهم وتخلى عنهم في مواطن الحاجة والشدة، فلن يجدوا ناصرا لهم من بعده، لذا وجب عليهم أن يتوكلوا على الله وحده بعد اتخاذ الأسباب، لأنه لا ناصر لهم سواه، ولا معين لهم غيره، ونصر الله مرهون بشرط نصرة دين الله، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) [محمد: ٤٧/ ٧] . إن هذه القيم الخلقية القرآنية- النبوية تعد اللبنة الأولى لبناء الأمجاد والحفاظ على حرمة الديار والبلاد، وإن تخلق النبي ﷺ بأخلاق القرآن يعد دليلا حسيا وترجمة عملية للالتزام بالأخلاق القائمة على حماية الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والمساواة.

стр. 253

بعض المقومات الإسلامية من المعلوم أن رسالة الإسلام رسالة إنقاذ وإصلاح للمجتمع، وغرس لمبادئ الفضيلة والخصال الكريمة في النفوس المسلمة، وإيجاد رابطة قوية ووثيقة بين الأفراد، وتنمية الشعور بالواجب، وحماية الحقوق العامة والخاصة لكل إنسان. ومن أهم هذه المبادئ والمقومات: الحفاظ على حقوق الجماعة بصون الأمانة وتحريم الخيانة، سواء من المغانم أو غيرها، واتباع ما يرضي الله والتزام أوامره، والبعد عما يسخط الله ويوجب العذاب، وليس الناس في الجنة في درجة واحدة، وإنما هم في درجات، ومهمة النبي ﷺ تبليغ الأحكام والشرائع لأمته، وتلاوة آيات القرآن الكريم عليها وإفهامها لهم، وتعليمهم جميع ما في القرآن، والسنة النبوية، فإذا ما امتثلوا هذه التعاليم كانوا مثال المجتمع الفاضل، وتخلصوا من مفاسد الجاهلية البدائية وضلالاتها الموروثة، وبنوا حضارة جديدة قائمة على الحق والعدل والإحسان والأخلاق الفاضلة. قال الله تعالى مبينا هذه المقومات: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦١ الى ١٦٤] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ١٦١- ١٦٤] . وسبب نزول آية الإغلال: أنه قيل للرماة الذين تركوا أماكنهم يوم أحد: لم

стр. 254

تركتم أماكنكم؟ فقالوا: نخشى أن يقول النبي ﷺ : من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم النبي ﷺ : ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم: بل ظننتم أننا نغل- أي نخون- ولا نقسم، أي الغنيمة. ومعنى الآيات: أن الله قد عصم أنبياءه من ارتكاب بعض الدناءات، فلا يصح ولا يليق بمكانة نبي أن يأخذ شيئا من الغنائم، لأن النبي هو المثل الأعلى في الخلق والكرامة للناس جميعا، ومن أخذ شيئا في الدنيا بغير حق، عوقب عليه في الآخرة، ولا يظلم ربك أحدا بمؤاخذة من غير ذنب. ولا يعقل في ميزان الحق والعدل أن يسوّى بين الطائع والعاصي، والمحسن والمسيء: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ. [آل عمران: ٣/ ١٦٢] . والعدل يقضي أيضا بتفاوت درجات المحسنين، وتباين منازلهم، فمنازلهم في الجنة بعضها أعلى من بعض في المسافة أو التكرمة، وكذلك المسيئون يعذبون في جهنم بألوان مختلفة من العذاب بحسب تفاوتهم في السوء وارتكاب الفواحش والمنكرات، فهم في دركات متفاوتة من النار. وكان من أعظم النعم على المؤمنين: بعثة النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، إذ أرسله ربه رحمة للعالمين، وكان من بين العرب قومه، فهو من جنسهم، وهو عربي من ولد إسماعيل، فجدير بقومه العرب أن يكونوا سبّاقين إلى الإسلام، والتصديق برسالة النبي ﷺ ، ورسالته إصلاح وإنقاذ لهم وللبشرية جمعاء، يرشدهم إلى الإيمان الحق بالله وينقذهم من ظلمات العقائد والأخلاق الفاسدة إلى نور الهداية الربانية والخصال الكريمة والمبادئ القويمة، ويتلو عليهم آيات القرآن الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته وعلمه وكمال صفاته، مثل قوله سبحانه:

стр. 255

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [آل عمران: ٣/ ١٩٠] . والرسول يزكّي النفوس، ويطهرها من كل دنس وفحش ورذيلة وكفر ومعصية، واستطاع أن يخرج من العرب الجاهليين أمة لها نظام وحكم وسياسة وإدارة فاقت كل نظام سابق، ويعلّم الرسول أمته القرآن والكتابة والحكمة والسنة النبوية حتى صار منهم الكتّاب والعلماء والحكماء والقادة في جميع العلوم والمعارف، وإن كانوا سابقا في متاهة وضلال مبين. والخلاصة: إن رسالة السماء تتطلب من الناس الحفاظ على الحقوق فلا سرقة ولا خيانة من المغنم، وهم أمة الحضارة والمدنية إن اتبعوا تعاليم القرآن وفهموا أسرار التشريع وعملوا بمنهج النبي ﷺ وسيرته العطرة. إرشاد المؤمنين ببيان قبائح المنافقين يظن بعض الناس خطأ أن النصر على العدو ينبغي أن يكون دائما في جانب المسلمين مهما كان وضعهم، ومهما خالفوا وعصوا أوامر دينهم، ويظن آخرون خطأ أيضا أن الدفاع عن الوطن وتخليص الأراضي المحتلة من الغاصب المحتل ليس جهادا في سبيل الله، وأن الشهداء من أجل ذلك ليسوا شهداء في الجنة. لقد أجاب القرآن عن هذين الخطأين، وردّ تلك الشبهتين بما يبين الحقيقة والصواب، ويرشد إلى واجب المؤمنين في الأخذ بالأسباب وتصحيح الأخطاء بين التصور وواقع الأمر، فقال الله تعالى، معلّما ومبينا وجه الحق والاستفادة من الأحداث، ومعرّفا لهم أن ما أصابهم من قلق للمصيبة التي نزلت بهم بعد أحد إنما كان ذلك لسبب من أنفسهم، قال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٨] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)

стр. 256

«١» «٢» . [آل عمران: ٣/ ١٦٥- ١٦٨] . ترشد هذه الآيات الكريمات أهل الإيمان والحق إلى معرفة أسباب الهزيمة في أحد من خلال هذا العتاب الإلهي، فإن كنتم أيها المؤمنون هزمتم في معركة أحد وقتل منكم سبعون، فقد هزمتم المشركين في معركة بدر وقتلتم من المشركين سبعين وأسرتم سبعين، على أن هزيمتكم في أحد كنتم أنتم سببها، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ٣/ ١٦٥] علما بأن الله قادر على نصركم لأنه سبحانه القادر على كل شيء، فلا يقع شيء خارج عن قدرته، ولكنه سبحانه أراد أن يعلّمكم من دروس الهزيمة ما تتمكنون به من تجنب أسبابها في معارك أخرى. وما أصابكم من مصيبة وقلق يوم أحد، وقتل سبعين من المسلمين، يوم التقى الجمعان والجيشان، جيش المسلمين وجيش المشركين، فبإذن الله وإرادته وتقديره لأن كل شيء في الوجود خاضع لإرادته وحكمته. لقد حدثت الهزيمة في معركة أحد، ليعلم إيمان المؤمنين، ويعلم نفاق الذين نافقوا، أي ليتحقق في الظاهر والواقع والتطبيق موقف أهل الإيمان وموقف أهل النفاق، ويتميز أعيان المؤمنين من أعيان المنافقين، لقد قيل للمنافقين: تعالوا قاتلوا في سبيل الله وجاهدوا للدفاع عن الدين والحق والعدل، ابتغاء مرضاة الله، لا

стр. 257

لمكسب دنيوي، أو تعالوا قاتلوا دفاعا عن النفس والأهل والوطن، فما كان من هؤلاء المنافقين إلا أن قعدوا وتكاسلوا قائلين للمؤمنين: لو نعلم أنكم تتعرضون للقتال لا تبعناكم وسرنا معكم، ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون، إنهم بهذه المقالة وتخلفهم عن جيش المسلمين هم يومئذ للكفر أقرب منهم للإيمان، فإن من يقعد عن الجهاد في سبيل الله، أو الدفاع عن الأوطان، ليس من المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) [الحجرات: ٤٩/ ١٥] . إن هؤلاء الذين تخلفوا عن المشاركة في القتال يوم أحد هم جماعة تظاهروا بالإيمان بأفواههم فقط، ولم يؤمنوا حقا بالإسلام، فهم المنافقون. إنهم قالوا لأمثالهم المنافقين المشاركين في المعركة، وقعدوا هم عن الجهاد: لو أطاعونا ولم يسيروا مع المسلمين ما قتلوا، وكأنهم يظنون أن الموت والهلاك فقط بسبب الذهاب إلى ساحات القتال. إنهم جبناء. فلو أن أجل الموت جاءهم في السلم، وهم في بيوتهم، هل يستطيعون أن يدفعوا الموت عن أنفسهم؟ لا، فهم أينما وجدوا يدركهم الموت، ولو كانوا في بروج مشيدة. والخلاصة: إن النصر ليس لازما أن يكون دائما في صف المسلمين، وبخاصة إذا خالفوا أوامر دينهم، والجهاد كما يكون من أجل إعلاء كلمة الله والدين والحق، يكون من أجل البلاد والديار والأوطان، وتخليص الأراضي من أيدي المعتدين. منزلة الشهداء والمجاهدين وجزاؤهم إن الصراع قائم منذ القديم بين أتباع الدين الحق وبين الأعداء الذين يقاومون دعوة الأنبياء، ويحرصون على حفظ مصالحهم الدنيوية وزعاماتهم ومناصبهم، ولا

стр. 258

يسمحون للمستضعفين أن تكون لهم عزة وكرامة، وقوة ومنعة. لذا تنشأ الحروب بين الفريقين، ويصبح الجهاد وردّ العدوان أمرا واجبا وفريضة لازمة، ويكون تقديم الشهداء وبذل التضحيات في الأمة عملا مفروضا. وقد جعل الإسلام للشهداء منزلة عالية في الدنيا بتخليد ذكرهم والثناء الحسن عليهم، وفضلوا في قبورهم بالرزق من الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، إذ لا يرزق إلا حي. قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٥] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) «١» [آل عمران: ٣/ ١٦٩- ١٧٥] . تضمنت هذه الآيات الشريفة الكلام عن منزلة الشهداء، وعن بطولات المجاهدين في سبيل الله المخلصين أعمالهم ابتغاء مرضاة الله. روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم وشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم» ، فنزلت هذه الآية.

стр. 259

آية الشهداء هذه تحث المؤمنين على الجهاد ونصر الإسلام وإعلاء كلمة الله، وترغب في الاستشهاد في سبيل الله، لأن للشهداء مكانة عالية عند ربهم، فهم أحياء عند ربهم حياة من نوع خاص، في عالم الغيب، يمددهم الله برزق من الجنة، قال النبي ﷺ فيما يرويه الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس: «أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» . هؤلاء الشهداء فرحون بما رأوه من نعيم واسع وفضل كبير وإكرام جليل من الله، وهم مسرورون بإخوانهم المجاهدين الذين يتبعونهم على درب الجهاد والاستشهاد، لما شاهدوه من الجزاء العظيم لهم: وهو حياة أبدية ونعيم دائم، لا خوف عليهم من مكروه، ولا حزن على ما فاتهم في الدنيا، وهم يستبشرون بما يتجدد لهم من نعمة الحياة عند ربهم، ورزقه لهم، وحفظ ثوابهم العظيم. والمجاهدون الذين يحظون بشرف الشهادة هم المؤمنون الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم الألم الشديد والجراح في غزوة أحد، فلبوا نداء الرسول ﷺ حينما طلبهم فورا بعد أحد للقاء أبي سفيان في غزوة حمراء الأسد، للذين أحسنوا منهم العمل واتقوا ربهم وخافوا عقابه لهم أجر عظيم يتناسب مع جهادهم وتضحياتهم. وهم الذين قال لهم بعض الناس (نعيم بن مسعود) : إن الناس وهم قريش قد جمعوا جموعهم فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم، وذلك في غزوة بدر الصغرى، فزادهم قول الناس المثبّطين إيمانا بالله وثقة به ويقينا في دينه، فخافوا الله، ولم يخافوا الناس، واعتمدوا على نصره وعونه قائلين: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. أي كافينا الله وهو نعم الناصر المتولي أمورنا، وهذه الكلمة هي التي قالها إبراهيم الخليل حينما ألقي في النار، وقالها النبي محمد ﷺ حين قال الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. ولما

стр. 260

فوض أولئك المؤمنون المجاهدون أمورهم لربهم، أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضى الإلهي، والله صاحب الفضل العظيم. إنما ذلكم الشيطان وهو نعيم بن مسعود المثبّط للمسلمين قبل إسلامه، أو هو إبليس يخوفكم- أيها المؤمنون- أنصاره وهم المنافقون وقريش ومن معهم من صناديد الكفار، فلا تخافوهم وخافوني باتباع أمري وجاهدوا مع رسولي إن كنتم مؤمنين حقا. ومجمل القول: إن المؤمن القوي لا يكون جبانا، وإن الشهداء أحياء بعد قتلهم حياة غيبية خاصة، ورزقهم في الدنيا من الجنة، والخوف يجب أن يكون من الله فقط لا من الأعداء، وعلى المؤمن أن يثق بتأييد الله وعونه ونصره، ويتخطى كل أسباب الخوف من غير الله. استبعاد الخوف من الأعداء الخوف غريزة في البشر، وتزداد المخاوف حين لقاء الأعداء في المعارك، ولكن الإيمان بالله يلقي في النفس الطمأنينة، ويقوّي النفوس المؤمنة، فترى المؤمن قويا شجاعا مقداما، والكافر ضعيفا جبانا متقهقرا، ولا يتغير هذا الموقف في القديم والجديد، فأهل الإيمان هم الشجعان، وغير المؤمنين هم الجبناء عادة. وجاء القرآن لتربية نفوس المؤمنين، وتبديد المخاوف من ملاقاة الأعداء، وغرس الثقة والقوة في صفوف الدعاة إلى الله، لأن إرادة الله هي الغالبة، والله سبحانه هو القوي الغالب القاهر. ومن مقتضى الإرادة الإلهية تمييز أهل الإيمان عن غيرهم، لتعرف مكانتهم ومنزلتهم عند الله تعالى. قال الله مبينا الفارق بين صف المؤمنين وبين صف الكافرين:

стр. 261

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٦ الى ١٧٩] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٧٦- ١٧٩] . والمراد من هذه الآيات توصية النبي ﷺ وأمته من بعده بما يجب أن يكونوا عليه حين لقاء أعدائهم. فلا تجعل أيها النبي نفسك حزينة كئيبة من موقف المسارعين في نصرة الكفار، إن هؤلاء لا يحاربونك ويضرونك، إنما يحاربون الله، فهم لا يضرون الله شيئا، وإنما يضرون أنفسهم، والدمار عليهم، يريد الله ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من الثواب، لفساد طبيعتهم، وميلهم إلى الشر والضرر، ولهم في الآخرة عذاب شديد، لمساعدتهم في نصرة الكفر وتأييده. وإن الذين بدلوا الكفر بالإيمان، فاختاروا الكفر، وآثروه على الإيمان، لن يضروا الله شيئا، بل الضرر واقع عليهم، ولهم عذاب مؤلم جدا في الآخرة. ولا يغترن هؤلاء الكفرة بإمهال العذاب عنهم، فليس ذلك الإمهال خيرا لهم، بل هو شر عليهم، لأن إمهالهم وتركهم مدة أخرى من الزمان ليزدادوا إثما على إثم، ويمعنوا في الضلال والباطل، ولهم عذاب بالغ الإهانة والذل.

стр. 262

وما كان الله ليترك المؤمنين على حالهم، حتى يميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، لأن بهذا التمييز والغربلة يعرف المخلصون، وينقّى المجتمع من بذور الشر والفتنة والفساد، ويكون هذا التمييز لاختبار المؤمنين بالشدائد والمصائب، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) [محمد: ٤٧/ ٣١] . وما كان الله ليعلمكم حقيقة أنفسكم بطريق الغيب، وإنما يعلمكم بالحقائق في ميدان التجربة والممارسة والتكاليف، فذلك الميدان هو الدليل القاطع على إخلاص المؤمن، وتردد المنافق وجبنه. لا بد من أن يمر الناس في عالم الدنيا بمرحلة الابتلاء والاختبار ليظهر الصادقون من الكاذبين، أما مرتبة الاطلاع على الغيب فهي مختصة بمن يختارهم الله من خلقه للرسالة والنبوة، وإذا أطلع الله رسوله على بعض الغيب، وأخبر به الناس، فيكون منهم الذين يؤمنون بالغيب ومنهم الكافرون، والإيمان بالله ورسله وغيبياته وتقوى الله محقق للثواب العظيم والرضوان الإلهي. والغيب: كل ما غاب عن البشر، مما هو في علم الله من الحوادث التي تحدث، والأسرار التي يبطنها المنافقون، والأقوال التي يقولونها إذا غابوا عن الناس. تبين لدينا: أن تآمر الأعداء على المؤمنين لن يحقق فائدة تذكر، وأن الخوف منهم يتصادم مع شرف الإيمان، والإيمان والتقوى أمران أساسيان في تحقيق الظفر والنصر في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة. البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله إن بناء المجد والحضارة للأمة، والدفاع عن شرفها وعزتها وكيانها يتطلب جانبا مهما في الحياة العملية ألا وهو الإنفاق في سبيل الله، والبعد عن البخل والشح، والتضحية بشيء من المال كالتضحية بالنفس والنفيس.

стр. 263

فالإنفاق بسخاء في سبيل المصلحة العامة ضرورة وفضيلة، والبخل والتقصير في الاسهام بالقضايا العامة ممنوع ورذيلة بل وداء وبيل. ولذا رغب القرآن الكريم بالإنفاق، وحذر من البخل، وتوعدّ الكانزين والبخلاء بالعذاب في نار جهنم، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٤] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) «١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٨٠- ١٨٤] . قال ابن عباس وغيره: إنما نزلت الآية في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علّمهم الله من أمر محمد ﷺ . والمعنى: لا يظنن أحد أن البخل وكنز المال مفيد في الملمات، وأن الجود يفقر والإقدام قتال، لا، فإن البخل شر مستطير على الأمة والفرد، فمن قصر بأداء الزكاة المفروضة أو أهمل واجبه في دعم مصلحة الأمة العليا، استحق العذاب الشديد في نار جهنم في الآخرة، وكان محل نقد وذم وتشنيع عليه من أبناء مجتمعة في الدنيا. أخبر النبي ﷺ : أن من كان له مال، فلم يؤد زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع «٥» يأخذ بلهزمتيه «٦» ، ثم يقول له: أنا مالك، أنا مالك، أنا كنزك.

стр. 264

وكيف يجوز البخل، والله مالك السماوات والأرض هو الرزاق، والمطلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية، لذا أمر الله بالإنفاق في قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٥٧/ ٧] ، وقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٢/ ٣] . وقد وبخ الله اليهود حين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ قال ابن عباس: أتت اليهود رسول الله ﷺ حين أنزل الله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢/ ٢٤٥] فقالوا: يا محمد، أفقير ربك؟ يسأل عباده القرض، ونحن أغنياء، فأنزل الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ. ووبخهم أيضا على جرمهم الخطير الشنيع، وهو قتل الأنبياء بغير حق، ويقال لهم يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي المحرق والمؤلم، وذلك بسبب ارتكابهم الذنوب والفواحش، وليس الله بظالم أحدا من عباده، فيؤاخذه بلا ذنب. هؤلاء اليهود الذين حاولوا أيضا قتل النبي ﷺ بدس السم في طعامه يوم خيبر، وهم المانعون للزكاة القائلون كذبا: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن برسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويفترون على الله الكذب بزعمهم أن الله أوحى إليهم ذلك في التوراة. فرد الله عليهم بأن هذه معجزة، وقد سبق أن أرسلت لكم الأنبياء الكثر ومعهم المعجزات، وأتوكم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم، فلم كذبتموهم، ولم تصدقوهم، ولم قتلتموهم إن كنتم صادقين؟ فإن كذبوك أيها النبي محمد بعد هذا كله، فقد كذبت رسل كثيرون قبلك، جاؤوا بالمعجزات والكتب الإلهية مثل التوراة ذات الهدى والنور، والإنجيل الكتاب المنير، ومع ذلك لم يؤمنوا حق الإيمان. أجل! إن أداء الزكاة المفروضة، والإنفاق بالصدقات المطلقة سبيل واضح من

стр. 265

سبل التعاون الإنساني البناء وتحقيق التكافل الاجتماعي الواجب عقلا ودينا وقانونا، وإن البخل والشح داء مدمر للأمة، ومعوق نهضتها، ومقوض بنية عزتها وكرامتها. الموت أمر حتمي والدنيا دار ابتلاء الحياة الإنسانية مدرسة كبري، وميدان لتسابق الأعمال الخيرية، والتنافس الشريف، والعمل والعطاء، والبذل والبناء، ولا بد من طي صحيفة العمر الإنساني بالأجل المحتوم والموت المحقق، فمن عمل خيرا سعد في الدنيا والآخرة، ومن قصّر في واجبه كان مغرورا مخدوعا. ولا تخلو الحياة من مصاعب ومشاق، ومحن وبلايا، ومصائب وفتن في الأموال والأنفس، ويتعرض أهل الإيمان لحملة مكثّفة دائمة وسلسلة من ألوان الأذى والشر، ولكن لا بد من صبر واعتماد على الله، مقدّر الأشياء، والفعال لما يريد. لذا حذر القرآن الكريم من تفويت الفرصة قبل مفاجأة الموت، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٥ الى ١٨٦] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٨٥- ١٨٦] . هذه الآيات الكريمات وعظ للنبي ﷺ ولأمته في شأن الدنيا وأهلها، ووعد كريم

стр. 266

في الآخرة، فبالتفكر في الموت تهون الأمور، ولا يعبأ أحد بما يلقاه في الدنيا من مصاعب ومشكلات ومؤذيات، فكل إنسان إلى الموت سائر، فمن كان مسيئا لنفسه ودينه وأمته فإساءته محدودة موقوتة، لا داعي للتضجر منها ولا التألم، وسيجازى عليها جزاء أوفى. ومن كان مؤمنا عاملا الخير، يوفى جزاءه وحقه كاملا غير منقوص يوم القيامة. ومن نحّي عن النار وأدخل الجنة، فقد فاز فوزا عظيما، لأن روحه سمت وغلبت صفاته الطيبة على نوازعه الشريرة، واتجه بعمله لإرضاء الله سبحانه. وما حياتنا الدنيا التي نحياها ونشغلها بالماديات كالطعام والشراب، أو بالمعنويات كالجاه والمنصب إلا أوضاع زائلة نتمتع وننتفع بها، ثم تزول بسرعة، والمفتون بالدنيا ومظاهرها مغرور مخدوع دائما، لأن الحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال هي متاع قليل، تخدع المرء وتمنّيه بالأباطيل، فالواجب على العاقل ألا يغتر بالدنيا وألا يسرف في حبها، وإلا أصابه شررها عند فراقها، إنما الدنيا جسر للآخرة، فمن أحسن العبور بالعمل الطيب لنفسه وأمته، فقد أصاب الهدف، وكان متعقلا واعيا. وليست الدنيا خالية من المصاعب والمتاعب، ولا بد من أن يتعرض المرء فيها لألوان من الأذى والشدائد، سواء في داخل الأمة والبلاد، أم في خارج الديار من الأعداء، لذا كان لا بد من الامتحان العسير في الحياة في الأموال والأنفس، والاختبار في المال يكون من الله بطلب بذله في جميع وجوه الخير وفيما يعرض من حوائج وآفات، والاختبار في النفس يكون بطلب الدفاع والجهاد في سبيل الله والتعرض للقتل والموت في الحرب وغيرها من أجل إسعاد الأمة برمتها. ويتعرض المسلمون في كل عصر لألوان من المحن والمؤامرات من المشركين وأهل الكتاب، ويلحقون بهم الأذى الكثير في الاعتبار والكرامة والديار والطعن في الدين

стр. 267

والقرآن والنبي ﷺ ، كما نشاهد في تصريحات المسؤولين من قادة الأعداء، وفي الكتب والمجلات والإذاعات، ولكن السلاح الأمضى والعلاج النافع هو الصبر والتقوى، الصبر على المكائد ومحاولة التخلص منها، وتقوى الله في السر والعلن بالتزام المأمورات واجتناب المنهيات، ومن يصبر ويتق الله يؤته الله أجرين من رحمته، ويكون التصبر والتقوى من عزائم الأمور، أي مما يجب العزم عليه من الأمور، فذلك دليل الإرادة القوية والحكمة والعقل والاتزان. وفي الجملة: إن هدف الحياة هو العمل والبناء، والإنجاز والعطاء، وإعداد العدة اللازمة لخيري الدنيا والآخرة، وعوامل النجاح في هذا العالم: الصبر والإرادة، والتقوى والإخلاص في العمل. أمانة الاعلام الديني إن من أقدس واجبات العلماء في الدين أن يكونوا أمناء على ما يعلمون من الكتب الإلهية، لإبلاغها للناس والعمل بها، فلا يكتمون شيئا منها، لأنها أحكام الله وشرائعه التي أنزلها للإصلاح والإسعاد، وتحقيق الأمن والسلام وصون الحقوق العامة والخاصة. وهذا يعد عهدا مؤكدا على أهل العلم مثل العهود والمواثيق التي يعقدها الناس فيما بينهم، والعهد واجب الاحترام والتنفيذ، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٧] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) «١» [آل عمران: ٣/ ١٨٧] . هذه الآية خطاب لمعاصري النبي ﷺ وخبر عام لهم ولغيرهم، مضمونه أن يذكر

стр. 268

النبي محمد ﷺ خبر الميثاق: وهو العهد المؤكد الذي أخذه الله على أهل الكتاب بوساطة الأنبياء، وأقسم عليها ليبينن الكتاب الإلهي للناس ويظهرونه ولا يحرفونه عن موضعه حتى يفهم الناس ويعملوا بما جاء فيه. ولكن نبذ أهل الكتاب هذا الميثاق وراء ظهورهم، وبدلوا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا الفانية كالرياسة والمال الزائل، فكانوا في هذه الصفقة مغبونين، حيث جعلوا العرض الفاني بدل النعيم الباقي في الآخرة، فبئس الشراء شراؤهم، وبئست هذه المبادلة، قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره عن أبي هريرة: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» . وإذا أخبر العالم الديني بحكم شرعي فعليه أن يكون أمينا في نقله حاذقا في فهمه، فلا يحرّفه ولا يبدله، ولا يبتر منه شيئا، ولا يدلّس ويعمّي الأمور ويغطّي الحقائق، ولا يطلب الثناء على ما فعل من بيان الخبر المشوه أو الحكم المبدل، وهو في هذا كاذب دجّال، قال الله تعالى عقب الآية السابقة: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٨ الى ١٨٩] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) «١» [آل عمران: ٣/ ١٨٨- ١٨٩] . وسبب نزول هذه الآية كما روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو، تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا إليه، وقالوا: كانت لنا أشغال ونحو هذا، فيظهر رسول الله ﷺ القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية، فكانوا يفرحون بما يأتونه ويفعلونه من التخلف والاعتذار، ويحبون أن يقال لهم: إنهم في حكم المجاهدين، لكن العذر حبسهم، أي منعهم عن الجهاد.

стр. 269

وقال جماعة كثيرة من المفسرين: إنما نزلت الآية في أهل الكتاب أحبار اليهود، لقول ابن عباس: إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي ﵇ عن شيء، فكتموه الحق، وقالوا له غير ذلك، ففرحوا بما فعلوا، وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقد صحته. لقد كان هؤلاء من أهل الكتاب يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم قادة وأئمة يهتدى بهم، وهذا فرح في غير محله وتضليل وقلب للحقائق، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب وعلماؤه، وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، لذا أخبر القرآن الكريم أنهم معذبون في الآخرة، وعذابهم شديد مؤلم جدا. فما على العلماء إلا أن يبينوا للناس حقيقة الكتاب الإلهي، وحكم الشرع الصحيح، فإن فعلوا الواجب وأخبروا بالحق، يكفهم الله تعالى ما أهمهم وينصرهم على أعدائهم، ويغنهم عن هذه المسالك المشبوهة التي لا تليق بمراكزهم، فهم قدوة الناس، ومحل التقدير والاحترام، والله الذي يكفيهم ما أهمهم هو مالك السماوات والأرض، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع وهو على كل شيء قدير، قادر على نصر من نصر دينه وشرعه، وهلاك من ضيّع دينه وشرعه. بان لك أن واجب العلماء مقدس، وهو تبيين الدين والتعريف بحقيقته لغير المؤمنين بأسلوب واضح سهل، وفهم لروح التشريع، حتى يهتدوا به، وتبيين الدين أيضا للمسلمين حتى يهتدوا به ويفهموه على حقيقته، دون بتر ولا تشوية، ودون إخلال وتجهيل، وبصراحة وإخلاص.

стр. 270

أسلوب القرآن في بيان العقيدة أرشد البيان الإلهي في القرآن الكريم إلى مواضع التأمل والتفكر، والنظر والعبرة، في أبسط الأشياء الكونية، وأوضحها للناس، فأقام الدليل القاطع على وجود الإله الصانع الخالق بوجود السماوات والأرضين، فالمخلوقات دليل واضح على العلم، ومحال أن يوجد شيء من غير موجد، وأن يكون هذا الموجد غير عالم ولا مريد ولا حي. قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) «١» «٢» «٣» «٤» [آل عمران: ٣/ ١٩٠- ١٩٥] . روى ابن حبان في صحيحة وابن أبي حاتم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «هل لك يا عائشة أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله، إني لأحب قربك، وأحب هواك (أي ما تهوى وتريد) وقد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في البيت، فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن،

стр. 271

وجعل يبكي حتى بلغت الدموع حقويه «١» ، ثم جلس، فحمد الله وأثنى عليه، وجعل يبكي، ثم رفع يديه، فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلّت الأرض، فأتاه بلال ليؤذن بصلاة الغداة (أي الصبح) فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا. ثم قال: ومالي لا أبكي؟ وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. الآيات، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . هذه الآيات ترشد إلى أدلة وجود الله سبحانه، وهي خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ففي السماء بدائع الكواكب والنجوم وأفلاكها ومداراتها، وفي الأرض خزائن الرزق من زروع وأشجار وأنهار ومعادن جامدة وسائلة، والليل والنهار يتعاقبان بانتظام، ويتفاوتان بحسب الفصول طولا وقصرا، ويختلفان نورا وظلاما، إن في هذا كله لعلامات لأولي الأبصار على وجود الله، وأولوا الأبصار: هم الذين ينظرون ويتأملون في السماء والأرض وما فيهما، ويذكرون نعم الله وفضله في كل حال من قيام وقعود واجتماع وافتراق، ويكون ذكرهم بالقلب والعقل حتى تطمئن النفس أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ١٣/ ٢٨] ثم يذكرون معتقدهم باللسان، ذاكرين الله كثيرا، ومسبحين إياه بكرة وأصيلا. ويردد هؤلاء الذاكرون وقلبهم ممتلئ خشية وعبرة: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل لا بد لهذا الخلق من نهاية للجزاء والحساب، ربنا اصرف عنا عذاب النار بعنايتك وتوفيقك، فمن أدخلته النار فقد أهنته وأخزيته، وليس للظالمين الكافرين من أعوان ولا أنصار، ربنا إننا سمعنا رسول الهدى يدعو للإيمان، فآمنا بربنا وصدّقنا برسالة رسوله، ربنا فاغفر لنا الذنوب وكفر عنا السيئات، وأمتنا واحشرنا مع أهل

стр. 272

البر والخير والاستقامة، واجعلنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم. ربنا وانصرنا على أعدائنا وأعطنا ما وعدتنا من حسن الجزاء والنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة، فأنت الصادق الوعد الذي لا تخلف الميعاد. فأجاب الله أدعية هؤلاء المؤمنين بأن أعطى كل عامل جزاء عمله كاملا غير منقوص، لا فرق بين ذكر وأنثى، بل العدل والمساواة التامة في الجزاء، والرجل مولود من الأنثى، والأنثى من جنس الرجل في الخلقة والتكوين، وللمهاجرين الذين تركوا الديار والأموال، وتعرضوا للأذى والقتل، وعد قاطع بتكفير سيئاتهم وغفران ذنوبهم وإدخالهم جنات النعيم، فضلا من الله ونعمة، والخلاصة أن الجزاء منوط بالعمل، ولا فرق بين الرجل والأنثى في العمل والثواب. جزاء المؤمنين وغيرهم في الآخرة وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالثواب العظيم، ثم واساهم وصبّرهم على ما يتعرضون له من شدائد ومصاعب في الحياة، ليدوموا على العمل الصالح، ويستمروا على ما هم عليه من الإيمان القوي الذي لا يتأثر بالأحداث. فقال الله تعالى في أواخر سورة آل عمران: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 273

«١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٩٦- ٢٠٠] . ذكر بعض الرواة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) . والمراد من الآيات أنه لا تغتر أيها المخاطب بما تراه في الدنيا من ظواهر الأشياء، ولا تظن أن حال الكفار حسنة بما تراه عندهم من مظاهر الثراء والسعادة، ولا تنزعج لذلك، فإنهم يتقلبون في البلاد ويترددون في شؤون التجارة والكسب، ويتمتعون بزخارف الدنيا، وينتفعون بخيراتها، ولكن تمتعهم بما لديهم قليل، فهو قصير الأمد وزائل، وكل زائل قليل. ثم يكون مصيرهم القاتم المدمر: وهو دخول جهنم، وبئس المكان الممهد الموطأ لهم كالفراش، وهذا على سبيل التهكم بوصف بلاط جهنم كأنه الفراش. وفي مقابل فئة الكفار نجد فئة المؤمنين الذين إذا قورن حالهم في الدنيا والآخرة بحال غيرهم، ظهر الفرق جليا، ليعرف المسلمون أنهم أسعد حالا في دنياهم، وآخرتهم. هؤلاء المؤمنون الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات واجتناب المنهيات لهم جنات المأوى والنعيم، تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار، نزلا معدا لهم كما يعد النزل للضيف من زاد وغيره، وما أعد الله لهم خير لأهل البر الذين فعلوا الخير وأخلصوا فيه، أي إنه خير مطلق محض لا يقارن به سواه، ولا تفاضل بينه وبين غيره، لأن ما أعد للكفار شر محض لا خير فيه. وإنصافا للحقيقة وإبرازا للحق والعدل، أخبر القرآن الكريم أن بعض أهل

стр. 274

الكتاب الذين آمنوا بالله إيمانا حقيقيا خالصا لا شبهة فيه، لهم كالمسلمين الأجر الكامل عند ربهم، والله سريع الحساب يحاسب الناس في مدة قصيرة، تعادل نصف يوم، وذلك الأجر الممنوح إذا تحققت فيهم الأوصاف التالية: وهي الإيمان بالله إيمانا صادقا، والإيمان بالقرآن المنزل على نبي الإسلام والمسلمين، والإيمان بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل، والخشوع لله والخضوع له بالعبادة والإخلاص، فإن القلب متى كان خاشعا ممتلئا بخوف الله، خضعت جميع الأعضاء لله وأوامره، ومتى جمعوا هذه الصفات استحال عليهم تبديل كتابهم، وإيثارهم كسب الدنيا الذي هو ثمن قليل على آخرتهم وعلى آيات الله تعالى. نزلت هذه الآية الدالة على إيمان بعض الكتابيين بسبب أصحمة الحبشي النجاشي سلطان الحبشة، فإنه كان مؤمنا بالله وبمحمد ﷺ ، فلما مات عرف خبر موته رسول الله ﷺ في ذلك اليوم، فقال لأصحابه كما ثبت في الصحيحين: «إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه» أي صلاة الغائب، فصلى عليه رسول الله بالناس الموجودين. ثم ختمت سورة آل عمران بوصية جامعة يوصي الله فيها المؤمنين أن يصبروا على تكاليف الدين، وعلى ما يتعرضون له من مصائب وشدائد، وعليهم أن يصابروا الكفار ويغلبوهم في الصبر، فيكونوا أكثر تحملا لشدائد الحرب وويلاتها، وواجبهم أن يرابطوا في الثغور أي الاستعداد للقاء الأعداء في المواضع الاستراتيجية المهمة المجاورة لبلاد الأعداء، وأن يخافوا الله ويحذروه ويراقبوه في السر والعلن ليفلحوا ويفوزوا. هذا هو جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين وبيان سبب الجزاء لكلا الفريقين.

стр. 275

تفسير سورة النساء وحدة الإنسانية خلق الله تعالى هذا العالم ليكون كبقية الآيات الكونية دليلا على وجود الله سبحانه، وعلى اتصافه بصفات القدرة المتناهية والحكمة العالية والإتقان الباهر، والإبداع الذي لا نظير له. ومن حكمته تعالى أنه جعل العالم بمثابة الأسرة الواحدة، المترابطة العناصر، المتعاونة فيما بينها، المتحابة المتوادة بين أفرادها. يحب كل إنسان أخاه، ويريد الخير له، فالإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، لأن المعيشة واحدة، والهدف والمقصد واحد، والمصير المحتوم هو واحد أيضا حينما ينتهي هذا العالم، ويعود لعالم آخر للحساب والجزاء، وتحقيق العدل والإنصاف التام بين البشر. والقرآن الكريم نص صراحة على وحدة الإنسانية، ووحدة الأسرة، ووحدة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. أما الوحدة الإنسانية التي تجعل البشرية بمثابة الجسد الواحد والنفس الواحدة فقد جاء الإعلان عنها في مطلع سورة النساء المدنية النزول، إذ يقول الله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) «١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١] .

стр. 276

في هذه الآية تنبيه واضح على وجود الإله الخالق الصانع المدبر المتقن، وعلى افتتاح الوجود الإنساني بخلق العالم في الأصل من نفس واحدة هي آدم ﵇ أبو البشر الذي خلقه الله وسوّاه بيديه وقدرته من طين، ونفخ فيه من روحه، فكان إنسانا كامل الخلقة والتكوين. ثم خلق الله تعالى حواء من جنس آدم في الطبيعة والتركيب، والبنية والغريزة، والأخلاق والصفات المتشابهة. ومن أجل الحفاظ على الوحدة الإنسانية بين جميع البشر، أمر الله تعالى وأوصى عباده أن يتعاونوا ويتضامنوا ويتراحموا، فهم متجاورون في العيش، شركاء في الانتفاع بثمرات وخير هذا العالم كله السماوي منه والأرضي ويكون التعاون بالقيام بالواجبات واحترام حقوق الآخرين، وهذا المعنى هو المعبر عنه في الاصطلاح القرآني بالتقوى: وهي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات في كل ماله صلة وثقى بالله وحده لا شريك له، أو بالنفس البشرية، أو بحقوق العباد الآخرين، ويؤكد النص القرآني الأمر بالتقوى بما يحمل على الامتثال بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين، فالله هو رب الجميع الذي ربّاهم بنعمه، وأفاض عليهم من إحسانه، وأمدهم بكل وسائل الحياة العزيزة الكريمة، وذكّرهم بأنهم من أصل واحد، كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه خلق من تلك النفس الأولى زوجها، وتناسل منهما البشر والنوع الإنساني ذكورا وإناثا، وجعل من تلك الذرية خلية أصغر ووحدة أضيق وهي رابطة الأسرة القائمة على الرحم الواحدة، وصلة الدم والقرابة، مما يدعوهم إلى التراحم والتعاون. وكل ذلك دليل على القدرة الإلهية الباهرة التي تستوجب وتتطلب التقوى من أجل الحفاظ على علاقات البشر الطيبة في المستوى الثنائي والجماعي. وأكد الله تعالى الأمر بتقوى الله لتحسين العلاقات الإنسانية من جانبين: الجانب الأول: الإحسان الفطري العميق في كل نفس وإن كانت كافرة غير مؤمنة-

стр. 277

الإحساس بتعظيم الله ﷻ ، وشعوره الذاتي بأن الله وحده هو الذي ينقذه في أثناء تعرضه للمحن والشدائد، أو عند تعرضه للمصائب والكوارث، فيقول الواحد لأخيه الإنسان: أسألك بالله أن تفعل كذا، وأسألك بإيمانك وتعظيمك له أن تقوم بكذا. والجانب الثاني: تقوية بنية الأسرة وصلة الرحم بتذكير الناس بضرورة صلة الأرحام بالمودة والإحسان، وتجنب قطع العلاقات الأسرية، وتأكيد المحبة والتواصل فيما بين أبناء الأسرة الواحدة، وقد أخبر الله بأن الناس بإحساسهم الداخلي الذاتي يتساءلون بالأرحام، فيقول الواحد لقريبه: أسألك بما بيننا من قرابة أن تفعل كذا. ثم ختم الله تعالى الآية بخاتمة رائعة تدل على وجوب تذكر وحدة الإنسانية ووحدة الأسرة بأن الله تعالى مطلع على كل شيء من أعمالنا، رقيب حفيظ لكل عمل وحال، وأنه سبحانه لا يشرع لنا إلا ما فيه حفظنا ومصلحتنا، وهو الخبير بنا، البصير بأحوالنا. حقوق الأيتام وتعدد الزوجات في الإسلام الإسلام دين العفة والطهر، وهو أيضا دين العدل والحق، فكما أن هذا الدين يحرص على نقاوة المجتمع وطهر الرجل والمرأة من الفواحش والعلاقات غير المشروعة، كذلك هو أيضا يحرص على إقامة صرح العدالة في العلاقات الاجتماعية، ويقاوم الظلم ويحرم الجور لأن بالظلم خراب المدنيات ودمار الأمم، وبالعدل يتحقق الاستقرار والاطمئنان، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالعفة والطهر والتخلص من الفواحش يصفوا المجتمع، وتتجانس الطبائع، ويتعاون الجميع على أسس واضحة لا نشاز فيها ولا شذوذ.

стр. 278

ومن أهم مظاهر العدل: إيتاء اليتامى حقوقهم، والتسوية والعدالة في معاملة الزوجات، أما الأول فقد أمر الله تعالى به في قوله: [سورة النساء (٤) : آية ٢] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) «١» [النساء: ٤/ ٢] . أي أعطوا أيها الأولياء والأوصياء اليتامى أموالهم وأدوا حقوقهم إذا بلغوا سن الرشد. (واليتيم: من فقد أباه دون البلوغ) . ولا تأخذوا الطيب من أموال اليتامى، وتضعوا مكانه الخبيث من أموالكم، ولا تأخذوا أموالهم لتضموها إلى أموالكم، إن ذلك الفعل إثم عظيم. نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم، طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية. ومشروعية تعدد الزوجات للضرورة أو الحاجة في الإسلام يقصد به تحقيق أمرين: أولهما: تحقيق رغبة بعض الناس من طريق الحلال، وإبعادهم عن سلوك طرق الحرام، فبدلا من وجود ظاهرة الفاحشة أو الزنا، أوجد الإسلام البديل وهو تعدد الزوجات. والأمر الثاني: هو أن نظام التعدد مرتبط ارتباطا جذريا بمراعاة العدل المطلق في معاملة الزوجات، فلا يقبل شرعا وجود التعدد من غير عدل في المعاملة بين الزوجات. ومن هنا ربط الشرع بين إباحة تعدد الزوجات وبين ضرورة الترفع عن الظلم الذي يلحقه الأولياء أو الأوصياء بالبنات اليتامى، فقال الله تعالى: [سورة النساء (٤) : الآيات ٣ الى ٤] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [النساء: ٤/ ٣- ٤] .

стр. 279

سبب نزول آية التعدد: هو ما ورد في الصحيحين عن عروة بن الزبير: أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن هذه الآية، فقالت: يا بن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فلا يعطيها مثل ما يعطي أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع. ومعنى الآية: إن خفتم أيها الأولياء من الظلم أو عدم العدل في أموال اليتامى وتحرجتم من أكلها بالباطل، فخافوا من الوقوع في ظلم آخر أشد ضررا وهو ظلم النساء بالتزوج بنساء كثيرات، فكان العربي في الجاهلية يتزوج العشر وأكثر وأقل، وفي هذا ظلم مؤكد، وطريق إنهاء هذا الظلم هو بالاقتصار على الزواج عند الحاجة أو الضرورة على أربع كحد أقصى دون تجاوز، بشرط توافر العدل المادي في المعاملة، وبشرط توافر القدرة على الإنفاق. وبما أن تحقق العدل بين النساء أمر صعب ونادر، فإن الشريعة أمرت بالاقتصار على زوجة واحدة، وهذا هو الأصل العام في الإباحة كما قال الله تعالى هنا: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً وقال في آية أخرى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) [النساء: ٤/ ١٢٩] . ومن الظلم في مجال الزواج ما يفعله كثير من الرجال من إلجاء المرأة للتنازل عن مهرها كله أو بعضه ليوافق على طلاقها، فالله تعالى أمر بإعطاء النساء كامل مهورهن دون أخذ شيء منه، المعجل والمؤجل، فإن حدث التنازل عن بعض المهر من الزوجة أو من وليها تلقائيا وبرضا مطلق واختيار، دون إكراه مادي أو أدبي، جاز ذلك. إن تعدد الزوجات جائز مباح في الإسلام، وليس كل مباح مرغوبا فيه، فهو غير

стр. 280

مرغوب فيه إلا لحاجة أو ضرورة، مثل معالجة ظرف طارئ عقب الحروب وقتل الرجال وكثرة النساء الأرامل، فيكون التعدد عملا إنسانيا وإنقاذا. وقد يكون التعدد بسبب عقم المرأة، أو بسبب نهم الرجل، أو لأغراض تتعلق بنشر الدعوة الإسلامية مثل تعدد زوجات الرسول ﷺ . رعاية اليتيم في الإسلام حقا إن الإسلام هو دين الرحمة العامة بجميع الناس، ورسالته إنقاذ وإصلاح، وبناء ومحافظة على القيم، ورعاية لمصالح الناس جميعا، وبخاصة الضعفاء والأيتام، واليتيم: هو من فقد والده حال الصغر. رعى الإسلام شؤون الأيتام رعاية تامة تشمل النفس والمال، وفرض تنصيب الأولياء الكبار الراشدين من الأقارب كالأب والجد للإشراف على مصالح اليتامى في حال الصغر، والولاية نوعان: ولاية على النفس وولاية على المال. أما الولاية على النفس: فهي إلقاء المسؤولية الشديدة على قريب اليتيم كالجد والأخ والعم لتربية اليتيم وحفظه وتعليمه وتطبيبه وتنشئته نشأة صالحة قوية محصّنة، حتى يكون سويا لا يقل عن أمثاله، ويحظى بما يحظى به غيره من الأولاد بالبر والعطف والإحسان. روى الطبراني في حديثه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي بعثني بالحق، لا يعذّب الله يوم القيامة من رحم اليتيم، ولان له في الكلام، ورحم يتمه وضعفه..» . أي رأف باليتيم وساعده، وحادثة بطيب القول، واستعمل البشاشة واللطف في المعاملة، واختار الألفاظ الحلوة العذبة في محادثته، واجتنب القسوة والغلظة، وكان قلبه مليئا بالحنان والعطف والإحسان والجود على اليتيم. وقد بشّر النبي ﷺ ولي اليتيم وكفيله بالجنة، فقال فيما رواه البخاري: «أنا وكافل اليتيم

стр. 281

في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما» . وروى النسائي بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: «اللهم إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» وروى البخاري أيضا حديثا آخر: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» . هذه وصايا نبوية كريمة في الإشراف على نفس اليتيم والعناية بشخصيته وتربيته، وجاء النص القرآني لبيان ضرورة الإشراف على شؤون اليتيم فيما هو أخطر وأهم وهو الأمور المالية، فيجب على ولي اليتيم حفظ مال اليتيم وتنميته واستثماره ورعايته والبعد عن أكل مال الأيتام أو إهمال المحافظة عليها، فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «١» (١٠) [النساء: ٤/ ١٠] . وأوجب القرآن الكريم- كما تقدم بيانه- وإيتاء اليتامى أموالهم عند بلوغهم الرشد، من غير تلكؤ ولا إهمال، فقال الله سبحانه: [سورة النساء (٤) : آية ٢] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) «٢» [النساء: ٤/ ٢] . نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، أي الإثم العظيم، فدفع إليه ماله، فقال النبي ﷺ : من يوق شح نفسه، ورجع به هكذا، فإنه يحلّ داره، يعني جنته. فالآية إذن خطاب لأوصياء الأيتام. وقال ابن زيد: هذه الآية والمخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب ألا يورّث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم: ورّثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا طيبا، وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا، فيجيء فعلكم ذلك تبديلا.

стр. 282

وعلى كل حال في بيان سبب النزول، تطالب هذه الآية إعطاء الأيتام حقوقهم كاملة، سواء من إرث غيرهم، أو بتسليم مالهم إليهم عند البلوغ، فيجب على الأولياء والأوصياء دفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، ينهى عن أكلها وضمها إلى أموال الأوصياء، أيها الأوصياء إياكم أن تتمتعوا أو تنفعوا بمال اليتيم في موضع يجب أن تتمتعوا فيه بمالكم. فإنكم أخذتم من ماله، وتركتم مالكم، تكونوا قد استبدلتم الخبيث بدل الطيب، والحرام بدل الحلال، وهذا منهي عنه شرعا، وموقع في الإثم والذنب العظيم. هذا مظهر من مظاهر رعاية اليتيم في الإسلام، وهو يدل على جانب تشريعي مهم جدا هو ألا يستغل القوي الضعيف، والكبير الصغير وأن يراقب الإنسان ربه في كل عمل، لأن الله تعالى سائل كل إنسان عن كل صغيرة وكبيرة. إعطاء الضعفاء أموالهم المال نعمة وثروة للفرد والجماعة، فتجب المحافظة عليه وتنميته والبعد عن إهدار الثروة المالية في غير فائدة، وليس الحق في المال خاصا بصاحبه، وإنما للأمة والجماعة حق الإشراف على كيفية استعمال المال واستثماره وتنميته بالوجوه المشروعة المحققة للمصالح الخاصة والعامة، لذا لم يجز الإسلام تسليم المال لتنميته وإنفاقه لمن ليس أهلا لرعايته وحفظه، مثل السفهاء المبذرين الذين لا يحسنون التصرف في المال، والأيتام الذين تنقصهم الخبرة في إدارة المال وتشغيله واستثماره، وإنما يترك المال بيد القوّام المشرفين بمقتضى الولاية الشرعية على أحوال هؤلاء المتخلفين بسبب الطيش أو بسبب الصغر.

стр. 283

قال الله تعالى: [سورة النساء (٤) : الآيات ٥ الى ٦] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ٥- ٦] . نزلت آية السفهاء في ولد الرجل الصغار وامرأته، أي في النساء، والأصح أنها نزلت في المحجورين السفهاء، أي المبذرين. نهى الله تعالى الأمة ممثلة في أولياء السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم من تسليم أموالهم إليهم، حتى لا يبددوها ويصبحوا عالة على المجتمع، وإنما يبقى المال بيد القيّم المشرف على المبذر الذي يعيّنه القضاة، حتى يتم تمرين السفيه المبذر على المحافظة على الأموال التي هي قوام الحياة لأصحابها وللأمة أو الجماعة. ويقوم الولي بتثمير المال وتشغيله في وجوه مشروعة معقولة وينفق على السفيه المبذر إنفاقا معتدلا من ثمرة المال وكسبه، لا من أصل المال وذاته، وتكون النفقة بحسب الحاجة من أكل وكسوة وتعليم وتمريض، لأنها مظاهر خارجية، وعلى الولي أن يحسن إلى السفيه أدبيا أو خلقيا، فيقول له قولا لينا، لا خشونة فيه، ويعامله معاملة أولاده بالعطف واللين، ويشعره بالعزة والكرامة، ويعلمه أن ما ينفقه عليه من ماله، وليس من مال القيم المشرف، وسيأخذه بعد الرشد والصلاح. ونزلت آية الحجر على الأيتام من أجل المحافظة على أموالهم وتنظيم العلاقة بينهم وبين الأوصياء عليهم، فعلى الأوصياء اختبار اليتيم عند البلوغ- بلوغ سن الزواج

стр. 284

والاكتمال العقلي، فيدرّبه على كيفية تشغيل المال وحسن التصرف فيه، فإن تحقق الوصي من رشد اليتيم سلّم ماله إليه كاملا غير منقوص، ويشهد عليه حين التسليم منعا من الإنكار وادعاء بقاء شيء من المال عند الوصي. ومخالطة اليتيم من قبل وصيه أو قريبه خير من اعتزاله وعيشه منفردا، فليس للوصي أن يبادر إلى أخذ شيء من مال اليتيم، فيسرف ويبذر في أكله لأن طبيعة النفس محبة التبذير في مال الآخرين، وليس له أخذ شيء من مال اليتيم مسرعا قبل وصول اليتيم إلى مرحلة البلوغ. أما أكل الوصي من مال اليتيم من غير إسراف ولا تبذير، فيجوز في حال الحاجة والاعتدال بمثابة أجر له بقدر عمله وخدمته، فإن كان الوصي غنيا فلا يأكل منه، وعليه أن يتعفف، وإن كان فقيرا محتاجا فليأكل الوصي بالمعروف شرعا وعرفا بلا إسراف ولا تبذير، قال عمر ﵁: «إني أنزلت نفسي من مال الله (أي مال الأمة) منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» . المال إذن أمانة عند صاحبه وعند الأمة، وبالمال تقام المدنيات وتبنى الحضارات، وهو أساس قوة الأمة وتقدمها، لذا وصف المال في القرآن بأنه قوام الحياة، فيجب على الأولياء والأوصياء والمحافظة على أموال اليتامى والسفهاء المبذرين حتى لا يصبح اليتيم أو المبذر فقيرا محتاجا عالة على المجتمع. الحقوق المالية للنساء واليتامى حرم الإسلام كل أنواع الظلم والجور، ومن أخطر المظالم: أكل أموال الآخرين بالباطل، وعدم توريث النساء من تركات أقاربهم، وأكل مال اليتيم. ولقد أنصف

стр. 285

الإسلام المرأة، فجعل لها ذمة مالية مستقلة بنفسها، فلها حق التصرف الكامل بمالها، سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو أختا، ولها الحق التام في دخلها وكسبها وإرثها من أقاربها. وإنصاف المرأة في التشريع القرآني كان للرد على ما كان سائدا في عرب الجاهلية من حرمان المرأة من حقها في الميراث. ثبت في تاريخ التشريع: أن أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحلة وبنات له، فمنع ابنا عمه سويد وعرفطة ميراث أوس عن زوجته وبناته، فشكت إلى رسول الله ﷺ ، فدعاهما رسول الله، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلّا (أي عاجزا من الأولاد) ولا ينكي عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهن الميراث، ثم نزلت آية المواريث، فجعلت لكل حقه. قال الله تعالى: [سورة النساء (٤) : الآيات ٧ الى ١٠] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) «١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٧- ١٠] . توجب هذه الآيات إعطاء كل وارث حقه في مال مورثه من الوالدين والأقربين، من غير تفرقة بين الذكور والإناث، والصغار والكبار، سواء أكان المال المتروك بعد الوفاة للمورث قليلا أم كثيرا.
следующие страницы →