← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

من الشجر الرطب، فيضربها به ضربة واحدة فتبر يمينه. وهذا حكم ورد في شرعنا حيث أخرج أبو داود عن النبي ﷺ مثله في حد رجل زمن (مريض مرضا مزمنا) بالزنى، فأمر رسول الله ﷺ بعذق (عدد من النخيل) فيه مائة شمراخ أو نحوها، فضرب به ضربة. وقال به بعض الفقهاء وهو الإمام الشافعي. ثم أثنى الله تعالى على أيوب ﵇ بقوله: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي لقد وجدناه صابرا على البلاء الذي ابتليناه به في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، نعم الرجل العبد لله أيوب، إنه رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، زيادة في حسناته، ورفع درجته، لا بسبب ذنب ارتكبه، فجازيناه بتفريج كربته، مع أنه ليس في الشكوى إلى الله إخلال بالصبر، ولكن إيمان الأنبياء المطلق الذي يستلهمون منه أن الله تعالى عليم بهم، قد لا يطلبون من الله شيئا، لإذهاب همهم وغمهم، كما فعل إبراهيم ﵇ حينما ألقي في النار، لم يدع ربه، وإنما قال: «علمه بحالي يغنيه عن سؤالي» . وروي عن أيوب ﵇: أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة: «اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت» وكان يقول في مناجاته: «إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا، ومعي جائع أو عريان» . هذه أمثلة عالية من مواقف أيوب ﵇، تعدّ ذخرا عظيما، وقدوة حسنة للمؤمنين، فلا يصدر عنهم في وقت المرض أو المحنة أو الأذى إلا ما يتفق مع الأدب مع الله تعالى والتفويض إليه.

стр. 2207

نعم الله تعالى على إبراهيم وذريته ﵈ هذه أيضا كما سبق سيرة طيبة عبقة لثلّة من الأنبياء، يراد بها العظة والعبرة، والتعليم للبشر، والتخلق بأخلاقهم، والعمل بأعمالهم التي من أجلها استحقوا ما أعد الله لهم ولأمثالهم في هذه الآيات الآتية من الثواب الجزيل والنعيم العظيم. تضمنت الآيات أمر النبي محمدا ﵊ أن يذكر للعبرة والعظة صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق في دعوة بني إسرائيل إلى الرشاد، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره، وصبر إسماعيل للذبح، وصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل، قال الله تعالى واصفا كل ذلك بإيجاز بديع: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) «١» «٢» «٣» «٤» [ص: ٣٨/ ٤٥- ٥٤] . هذه أخبار سارّة عن فضائل الأنبياء والمرسلين، اذكر أيها الرسول محمد عمل وصبر مجموعة من عبادنا المرسلين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي القوة في العبادة والبصيرة النافذة، فإنهم دأبوا على الطاعة، وقوّيناهم على العمل الصالح المرضي. وذلك لأننا خصصناهم بميزة خالصة، وهي العمل للآخرة، والتزام الأوامر، واجتناب النواهي، لتذكرهم الآخرة، وإيمانهم المطلق بها، وذلك شأن الأنبياء والرسل.

стр. 2208

وقوله: ذِكْرَى مصدر، والدَّارِ منصوبة ب (ذكرى) على معنى: أخلصناهم بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعوا الناس إليها، وحضوهم عليها. وإنهم عند الله لمن المختارين من أبناء جنسهم، الخيّرين، المطبوعين على حب الخير وفعله، فلا يميلون للأذى، وليس في قلوبهم شيء من الضغينة والحقد والحسد والبغض لأحد، ولا يقترفون منكرا، ولا يرتكبون معصية، فهم أخيار مختارون من الله تعالى. واذكر أيضا أيها النبي الرسول محمد صبر إسماعيل واليسع وذي الكفل وأعمالهم الصالحة، فكل منهم أيضا من الأخيار المختارين للنبوة وأداء الرسالة الإلهية. ثم أخبر الله تعالى عن الهدف من إيراد هذه الأخبار النبوية، فهذه الآيات القرآنية التي تعدّد محاسن هؤلاء الأنبياء تذكّر لهم وتنويه، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا، وإن لهم وللمتقين أمثالهم لحسن مرجع، يرجعون فيه في الآخرة إلى مغفرة الله ورضوانه ونعيم جنته. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ إشارة إلى القرآن، أي هو ذكر للعالم. ثم فسّر الله تعالى المقصود بالمرجع وحسن المآب: وهو أن لهم جنات إقامة دائمة، مفتّحة لهم الأبواب، فإذا قدموا فتحت لهم أبواب الجنة، إكراما لهم، تفتحها الملائكة ليدخلوها مكرمين. وفي هذا إيماء بتخصيصاتهم وبسعتها وبهائها. تراهم متكئين في الجنات على الأرائك والأسرّة، يطلبون ما لذّ وطاب مما شاؤوا من أنواع الفاكهة الكثيرة، وأنواع الشراب الكثير العذب الطيب وغير ذلك، فمهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا. ولهم زوجات قاصرات حابسات طرفهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهن،

стр. 2209

وهم لدات: متساويات في السن والحسن والجمال، يحب بعضهن بعضا، فلا تباغض ولا غيرة عندهن في نفوسهن. وهذا المذكور من صفات الجنان: هو الذي وعد الله به تعالى عباده المتقين، وهو الجزاء الأوفى الذي وعدوا به، وأجّل ليوم الحساب في الآخرة، بعد البعث والنشور من القبور. وصفة هذا النعيم: الدوام، فهذا الذي أنعمنا به عليكم لرزق دائم لا انقطاع له ولا فناء أبدا، كما جاء في آيات أخرى، منها: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ١٦/ ٩٦] . ومنها: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١١/ ١٠٨] ومنها: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٨٤/ ٢٥] أي غير منقطع. ومنها: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ [الرعد: ١٣/ ٣٥] . إن الترغيب بالنعيم محبّب لدى النفوس البشرية، مما يجعلهم طامعين بتحصيله، حريصين على الوصول إليه، فهو من جملة البواعث والدوافع، إلى الطاعة والتأسي بالأنبياء الكرام، تنزلا في تحقيق الرغبات لمستوى طبائع البشر وتطلعاتهم، لا أن الله ناصب نفسه لتلبية الأهواء، فهذا طبع للبشر، قصد به الترغيب. عقاب الطغاة كلما تلا الإنسان آيات العذاب الشديد وألوان العقاب للكافرين الطغاة، اقشعر بدنه وارتعدت فرائصه، وخاف أن يناله شيء من ذلك، لشدة الوصف، وقسوة العذاب، وتصويره كأنه واقع ماثل أمامه، يراه ولا يطيق تحمله، وحدوث هذا التأثر، والتفاعل مع الوصف، يحمل المؤمن على تفادي الأسباب، والبعد عن

стр. 2210

موجبات العذاب، والبحث عن موجبات الرحمة والمغفرة، والنجاة والتخلص من آفات العقاب وويلاته في الآخرة. وهذه آيات تصف ما يستحقه أهل الكفر والطغيان، قال الله تعالى: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٥ الى ٦٤] هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) [ص: ٣٨/ ٥٥- ٦٤] . المعنى: الأمر المذكور في آيات سابقة وهو جزاء المؤمنين هذا، وهذا واقع أو قائم، وإن للطغاة الكافرين الخارجين عن حدود الطاعة الإلهية، المكذبين لرسله، لسوء مصير، وشر مآب أو مرجع. ذلك المصير: هو إصلاؤهم في نار جهنم وإحراقهم، فبئس الفراش الذي مهدوه لأنفسهم، أي كأن ما تحتهم من النار كالمهاد أو الفراش. والطاغي: المفرط في الشر، والطغيان المراد هنا: هو الكفر، والمآب: المرجع، وجهنم بدل من قوله: لَشَرَّ مَآبٍ ويصلونها: يباشرون حرها وحرقها، والمهاد: ما يفرشه الإنسان ويتصرف به. الأمر هذا فليذوقوه، أو هذا حميم: وهو الماء الحار فليذوقوه، وهذا هو الغساق: صديد أهل النار السيال بتجرعونه. ولهم عذاب آخر كالحميم والغساق، أشد كراهية وإيلاما كالزقوم، وتلك ألوان من العذاب المختلفة المتضادة. وتقول الطائفة الأولى التي تدخل النار مع زبانية جهنم: هذا فوج أي جمع كبير أو كثير داخل معكم، لا مرحبا بهم، أي لا كرامة لهم، إنهم داخلو النار كما دخلناها.

стр. 2211

وقوله تعالى: مِنْ شَكْلِهِ أي من مثله وعلى شاكلته. وأَزْواجٌ أي أصناف وأجناس. ومُقْتَحِمٌ داخل فيها بشدة. فيقول الأتباع لقادتهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي لا كرامة لكم ولا خير تلقونه ولا سعة مكان، وأنتم أحق بهذا منا، إنكم بإغوائكم أسلفتم لنا ما أوجب هذا، فكأنكم فعلتم بنا هذا، فبئس المقر جهنم لكم ولنا. فيقول الأتباع أيضا للروساء: يا ربنا كل من أوردنا هذا المورد، في النار، فزده عذابا مضاعفا في جهنم عقابا على الكفر والإضلال. وقال جماعة من زعماء الكفر تحسرا وتعجبا: ما لنا لا نجد في النار رجالا كنا نعدهم في الدنيا أشرارا لا خير فيهم؟! يريدون بذلك ضعفاء المؤمنين، كعمار وخباب وصهيب وبلال وسالم وسلمان. والزعماء القائلون هذا في عهد النبي ﷺ : هم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأهل القليب (أهل البئر الذين دفنوا فيه من زعماء المشركين في بدر) . ويريدون بقولهم: «كنا في الدنيا نعدّهم أشرارا لا خلاق لهم» أنهم في زعمهم سيكونون في النار. هل لأننا سخرنا منهم أو سخرناهم في أعمال الدنيا، فلم يدخلوا النار، أم مالت عنهم الأعين والأبصار، وهم في الجنة؟! أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ والمعنى: أليسوا معنا، أم هم معنا ولكن أبصارنا تميل عنهم فلا نراهم؟! ثم أخبر الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) أي إن ذلك الذي حكاه الله عن قادة الكفر: هو حق قائم ثابت، لا بد منه، ولا بد أن يتكلموا به، فإن تخاصم أو تنازع أهل النار أمر حتمي واقع يوم القيامة، وتخاصم بدل من قوله: لَحَقٌّ إن هذا الحوار الحامي يقع بين الرؤساء والأتباع، رؤساء الضلالة والإضلال،

стр. 2212

والدعوة إلى الكفر والجحود الذين يترقبون لقاء فئة المستضعفين المؤمنين في النار معهم لدنوهم، ويسخرون من أتباعهم، وأتباعهم يقابلونهم بأسوأ الردود، ويدعون ربهم أن يضاعف لهم العذاب بسبب إغوائهم ودعايتهم للفساد والإفساد. التصديق بالقرآن والتكذيب به أخبر الله تعالى في كتابه عن أسباب الدعوة إلى الإيمان بالقرآن الكريم والتصديق به، لاشتماله على تبيان أصول العقيدة الثابتة: وهي توحيد الله ، وإثبات نبوة الرسول محمد بن عبد الله ﷺ ، وإثبات المعاد أو اليوم الآخر، فيكون التكذيب بهذه الأصول العقدية جرما عظيما، وبعدا عن الحقيقة والواقع، فمن كذب بذلك جنى على نفسه، ومن آمن بتوحيد الله تعالى، وصدق نبيه محمدا، وأيقن بوجود القيامة، فهو العاقل الناجي، قال الله تعالى موضحا هذه الأخبار: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٥ الى ٧٠] قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) [ص: ٣٨/ ٦٥- ٧٠] . أخبر أيها النبي عن مهمتك ورسالتك، وقل للكفار المشركين في مكة، وغيرها المكذبين بما جئت به: إنما أنا مخوف لكم من عقاب الله وعذابه، مبلّغ ما يتعرض له المنكر الكاذب من أحوال السوء، بسبب الإعراض عن دعوتي ورسالتي. إن القرآن الكريم وجميع ما تضمنه من دعوة التوحيد والإيمان بالمعاد حق وصدق وواقع. ليس لي من أغراض أو أهداف إلا الإنذار والتخويف من سوء المصير، وشدة العذاب، وفداحة العاقبة لكل من كذب برسالتي، وأنكر وجود الله تعالى ووحدانيته، فليس هناك في الوجود على الإطلاق إلا إله واحد لا شريك له، فهو

стр. 2213

الإله الجبار القهار لكل شيء سواه، وهو مالك جميع السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، والمدبر لها والمتصرف في شؤونها، وهو القوي العزيز الغالب الذي لا يغلب ولا يقهر، وإنما يغلب كل ما سواه، وهو غفار الذنوب لمن أطاعه والتجأ إليه. والتصديق بالقرآن وبوعد الله نجاة، والتكذيب به هلكة وخسران وضياع. ثم توعد الله المخالفين أمر الله والرسول، المعرضين عن القرآن، فقل أيها الرسول للمشركين: إن هذا الذي أخبرتكم به من كوني رسولا منذرا، وأن الله واحد لا شريك له، وأن القرآن كلام الله ووحيه أنزله علي: هو خبر عظيم خطير، لكنكم أنتم معرضون عما أقول، لا تتفكرون فيه. وفي هذا توبيخ شديد لهم وتقريع، لإعراضهم عن دعوة الرسول محمد ﷺ . والنبأ في كلام العرب: بمعنى الخبر، والقرآن: أوثق الأخبار وأعظمها. ثم أخبر الله تعالى بما يدل على نبوة محمد ﷺ ، ومضمون الخبر: الإعلان من النبي: أنه لم يكن له قبل الوحي القرآني أي علم بأحوال الملأ الأعلى، وما دار بينهم حين اختلفوا في شأن آدم ﵇ وذريته، وجعلهم في الأرض، وامتناع إبليس عن السجود له، فلولا الوحي لم يكن النبي يعلم بتلك الغيبيات. فالدليل على صدق هذا النبي: أنه يخبر قومه بغيوب ومعلومات قديمة لم تأت إلا من عند الله تعالى، ومنها أنه لم يكن له علم بالملإ الأعلى وقت خصومتهم في شأن آدم ﵇، لولا أن الله تعالى أخبره بذلك. والملأ الأعلى هنا: الملائكة أشراف الخلق عدا البشر. ومما أوحى الله لنبيه أن يخبر قومه: أنه ما يوحى إليه إلا للإنذار الواضح، والتبليغ البيّن القاطع، لا لأمر آخر من تسلط أو ملك، أو تحقيق أي مصلحة أخرى. لقد تجسّدت رسالة النبي محمد ﷺ في الإخبار عن أمور عظيمة: وهي الخبر بتوحيد الله، وقدرته، وتدبيره، وقهره وغلبته، وصدق الوحي والقرآن وكونه كلام

стр. 2214

الله تعالى، وحصر مهمة النبي في الإنذار والتخويف من سوء العذاب، وقبح العقاب، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإعلان النجاة لمن صدق بالقرآن، والهلاك والخسران لمن كذب به أو أعرض عنه. خلق آدم ﵇ وتكريمه تكرر الإخبار عن قصة خلق آدم ﵇ وإكرامه، في القرآن الكريم مرات كثيرة، لأن في بيان تلك القصة إيحاء واضحا على تكريم الإنسان بتكريم أصله، وذلك بأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتقدير، لا سجود عبادة وتأليه وتقديس. وكان جميع المأمورين مطيعين أمر الله تعالى ما عدا إبليس الذي اغتر بعنصريته، وأنه خلق من نار، وآدم خلق من تراب، وعنصر النار المرتفع أقوى وأسمى، من عنصر التراب الخامد الراكد. وهذا ما صرحت به الآيات القرآنية الشريفة الآتية التي ختمت بها سورة ص: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٧١ الى ٨٨] إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) «١» «٢»

стр. 2215

[ص: ٣٨/ ٧١- ٨٨] . المعنى: اذكر أيها النبي قصة خلق آدم، حين قال الله تعالى للملائكة: إنني موجد بشرا مخلوقا هو آدم من طين، أي تراب مخلوط بالماء، فإذا أتممت خلقه، بعثت فيه الحياة وأوجدته بأن نفخت فيه من روحي، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة وتأليه وتقديس. وقوله تعالى: مِنْ رُوحِي إضافة ملك إلى مالك، لأن الأرواح كلها هي ملك لله ﵎، وأضيف ذلك إلى الله تشريفا. والنفخ من الروح تمثيل لإفاضة ما تكون به الحياة، فليس هناك نافخ ولا منفوخ. فامتثل الملائكة أمر الله تعالى، وسجدوا لآدم بأجمعهم لم يبق أحد منهم، وفي آن واحد، لا متفرقين إلا إبليس امتنع متكبرا متعاظما عن السجود، وكان بهذا الرفض أو الامتناع كافرا، من فئة الكافرين، لمخالفته أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته. فقال الله تعالى على سبيل التوبيخ والإنكار: يا إبليس ما الذي منعك من السجود لآدم، الذي توليت خلقه بنفسي، من غير أب ولا أم، هل استكبرت عن السجود الآن، أو كنت من القوم المتعالين عن ذلك في الماضي؟ والمراد: إنكار الأمرين معا، وهما رفض السجود والتعالي عن السجود. قال إبليس: إنني خير من آدم، فإني مخلوق من نار، وآدم مخلوق من طين، والنار خير وأشرف من الطين في زعمه، لارتفاعها وعلوها، ولأن التراب عنصر راكد هابط، لا ارتفاع فيه. وهذا توهم أن النار أفضل من الطين، وهو قياس فاسد، لا يصلح أمام النص أو الأمر الإلهي بالطاعة والسجود لآدم. فقال الله تعالى: فاخرج يا إبليس من الجنة أو من السماء، فإنك مرجوم

стр. 2216

بالكواكب، مطرود من رحمة الله ومن إحسانه، وتنصبّ عليك لعنتي الدائمة وسخطي إلى يوم القيامة. فأخرج من جنة الخلد: وهي الجنة الحقيقية المخلوقة من القديم جنة السماء، كخلق النار، وأهبط إلى الأرض، بلا خلاف. والرجيم: المرجوم بالقول السيئ، واللعنة: الإبعاد، ويوم الدين: يوم القيامة، والدين: الجزاء. والمراد بأن اللعنة على إبليس مستمرة دائمة، مخلّدة. وإنما قيدت بيوم الدين: ليبين له طريق التوبة قبل يوم القيامة، وما بعد يوم القيامة واضح أنه لا تقبل التوبة، إذ الآخرة ليست دار عمل. فطلب إبليس قائلا: رب أمهلني في الحياة، ولا تحكم علي بالموت إلى يوم البعث، بعث الأجساد من القبور، فأمهله الله وجعله باقيا إلى يوم الوقت المعلوم: وهو عند النفخة الأولى. وقد طلب إبليس الإمهال إلى يوم البعث، ليتخلص من الموت، وذلك إلى وقت الصعق لا إلى وقت البعث وهو الآن حي مغو مضل. فلما أمن من الموت تمرّد وطغى، وتحدى قائلا: أقسم بعزتك، أي سلطانك وقهرك: لأغوين وأضللنّ بني آدم بتزيين الأهواء والشهوات لهم، إلا عبادك منهم الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الضلال. فأجابه الله قائلا: فالحق الثابت أنا، وأقول الحق، لأملأن جهنم منك ومن أتباعك جميعا، ممن أطاعك وتبع إغواءك. والإغواء: تزيين المعاصي. وقل أيها الرسول للمشركين من قومك: لا أطلب منكم أجرا على تبليغي رسالة الله إليكم، ولست من المتقولين على الله، حتى أقول ما لا أعلم أو أدعو إلى غير ما أمر الله تعالى. والتكلف: التصنّع والاختلاق. وما هذا القرآن إلا تذكرة لجميع العوالم من الإنس والجن، ولسوف تعرفنّ خبره وصدق نبأه بعد زمان قريب: إما بعد الموت وإما يوم القيامة.

стр. 2217

تفسير سورة الزّمر تنزيل القرآن وغاياته تفضل الله تعالى على عباده بأعظم هدية وأكرم منحة خالدة: ألا وهي تنزيل القرآن الكريم تدريجا في مبدأ الأمر والوحي الإلهي إلى أن اكتمل وحفظ حفظا تاما في الصدور والكتابة، من غير زيادة ولا نقص فيه، ولا تعديل ولا تبديل لشيء فيه، وسيظل محفوظا بكفالة الله وتعهده إلى يوم القيامة، لأنه منهاج الحياة السديدة، في العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والاجتماعية. أنزله الله بالحق والميزان، فأبطل عقائد المشركين الوثنية، ونفى اتخاذ الله ولدا، وشرع شرائع الشرائع، وأبان الحلال والحرام، ونظم أصول الحياة والآداب والفضائل، لينقذ الله به العالمين من الضلالة إلى النور، ومن الزيغ والانحراف إلى طريق الهداية والاستقامة، قال الله تعالى مبينا مصدر القرآن، ومحددا غاياته وأهدافه في مطلع سورة الزمر: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) «١» [الزمر: ٣٩/ ١- ٤] .

стр. 2218

هذا الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم تنزيل من الله تعالى، العزيز: في قدرته الذي لا يغلب، الحكيم في إبداعه وصنعه، فهو الكتاب الإلهي الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، إنا أنزلنا أيها النبي الرسول القرآن مقترنا بالحق، متضمنا إياه، أي الحق فيه وفي أحكامه وفي أخباره، فكل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع الأحكام والتكاليف الشرعية، ولم ننزله مشوبا بالباطل الكاذب الذي لا قرار له. فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأخبرهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك ولا نظير. والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى ورضوانه، ولا يقصد شيئا آخر. والدين: العبادة والطاعة، وأساس توحيد الله، وتنزيهه عن الشريك والنظير. ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء وغيره، وأما ما سواه من الدين، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به. ومعنى الآية: الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل. والدين هنا: يعم المعتقدات وأعمال المكلفين العضوية التي يمارسونها. وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ بمعنى: من حقه ومن واجباته، لا يقبل غيره. وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وعبدوا سواه، وهي الأصنام أو الكواكب أو الملائكة أو بعض البشر، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، ويشفعوا لنا عنده في حوائجنا، فهم في أسوأ عاقبة، وأقبح مصير، لذا هددهم الله بقوله: إن الله يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله، فيدخل الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار. قال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في

стр. 2219

ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ثم أخبر الله تعالى بما معناه: إن الله لا يهدي الكاذب الكفّار في حال كذبه وكفره، وعناده وإعراضه ومبالغته في الكفر والجحود، ولا يوفقه للاهتداء إلى الحق، فهو كاذب مفتر على الله، في زعمه أن لله ولدا، وأن تلك المعبودات الباطلة تشفع لعابديها، وتقربهم إلى الله تعالى. ثم رد الله تعالى على زعم المشركين اتخاذ ولد لله، بقوله فيما معناه: لو شاء الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه موجوداته ومحدثاته ما يشاء أن يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم الأبناء، لا البنات كما زعموا، والواقع أنه لا موجود سوى الله، ولا أحد غير الله إلا وهو مخلوق لله، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق. وقوله: مِمَّا يَخْلُقُ أي من موجوداته ومحدثاته. ثم نزّه الله تعالى نفسه تنزيها مطلقا عن جميع الشركاء، فأخبر بقوله: تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، والذي قهر الأشياء والمخلوقات كلها، فدانت لعظمته، وخضعت لسلطانه وهيبته. عظمة القدرة الإلهية في مناسبات مختلفة، يورد الله تعالى البراهين والأدلة الحسية القطعية على وحدانيته، وقدرته، واستغنائه عن مخلوقاته، ليقتنع اللادينيون من الملاحدة والمشركين بأن الله تعالى هو وحده الإله الحق، وأنه القادر على كل شيء، وأنه

стр. 2220

مستغن عن جميع مخلوقاته وموجوداته، وتلك الأدلة والبراهين محسوسة مشاهدة، منها خلق السماوات والأرضين وما فيهما من العوالم، وخلق الإنسان من نفس واحدة، وخلق الأنواع الثمانية من الأنعام، وهذه آي كريمة تعبر بجلاء واضح عن هذه الموجودات: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥ الى ٧] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) «١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٥- ٧] . هذه أدلة ثلاثة على وحدانية الله وقدرته، في كل دليل منها ثلاثة أدلة: الدليل الأول- من عالم السماء والأرض: أبدع الله تعالى عالم السماء والأرض إبداعا بالواجب الواقع موقعه، الجامع للمصالح، فليس في هذا الخلق باطل وعبث، من غير استعانة بأحد، فهو وحده الإله الموجود الذي لا شريك له ولا نظير، التامّ القدرة، الكامل الاستغناء عن غيره. يلف الليل على النهار، ويلف النهار على الليل أو يولج أحدهما في الآخر، ويعيد من هذا على هذا، بنسب متفاوتة تتفق مع أحوال الزيادة والنقصان، دون الاستمرار

стр. 2221

على مقدار واحد، وهو دليل على كروية الأرض، لأن التكوير: اللف على الجسم المستدير، وعلى دوران الأرض حول نفسها مرة ثانية، لأن تعاقب الليل والنهار لا يتم من غير دوران. ويجعل الله الشمس والقمر مذللين لأمره بالطلوع والغروب، يسير كل منهما في فلكه إلى منتهى معيّن، وإلى وقت محدد في علم الله تعالى وهو انتهاء الدنيا وقيام القيامة، أو انتهاء دورة القمر كل شهر، ودورة الشمس كل سنة. ألا إن هذا التدبير والخلق من إله غالب قادر، ساتر لذنوب عباده بالمغفرة. والدليل الثاني- من خلق الإنسان والأنعام، فإنه سبحانه خلقكم أيها الناس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم ﵇، ثم جعل حواء من جنسه أو من طينته، أو خلقها من ضلعه- ضلع آدم القصير، ثم تكاثر الخلق منهما. وأمر الله تعالى بخلق أو إيجاد ثمانية أصناف من الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم والمعز، جاعلا من كل صنف ذكرا وأنثى، ويبتدئ الله خلق الناس في بطون الأمهات في مراحل متدرجة من الخلق والإبداع، حيث يكون بدء تكون الجنين من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم تتكون العظام، ثم تكسى باللحم والعروق والأعصاب. ومراحل الخلق هذه في ظلمات ثلاث: هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة والأغشية. هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان: هو الرب المربي لكم، الذي له الملك المطلق في الدنيا والآخرة، وهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟! وثمرة هذه العبادة تعود للناس، فإن تكفروا بالله أيها المشركون، بعد توافر هذه الأدلة على وجود الله وتوحيده وقدرته، فإن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، ويغضب الله من كفر بعض عباده، ويرضى ويحب شكرهم على نعمه وآلائه، ويثيبهم

стр. 2222

به خيرا، أي يقبله منهم. والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان. وبعبارة أخرى: لا يقع الكفر إلا بإرادة الله تعالى، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه الله دينا لعباده. واستغناء الله عن خلقه هو الدليل الثالث على قدرته. قال ابن عباس عن هذه الآية: إِنْ تَكْفُرُوا.. هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. وكلمة وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ هم المؤمنون. ويحتمل أن تكون الآية مخاطبة لجميع الناس، لأن الله غني عن جميع الناس. والمبدأ في المسؤولية أمام الله: إنما هو المسؤولية الشخصية أو الفردية، فلا تحمل نفس إثم أو ذنب نفس أخرى، والوزر: الثقل، وإنما كل إنسان مطالب بأمر نفسه، من خير أو شر. والجزاء على قدر العمل، فإن مصيركم جميعا أيها الخلائق إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم من خير أو شر، إنه خبير بما تخفيه النفوس من أسرار، فلا تخفى على الله خافية. وهذا خبر يتضمن الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته، كما يتضمن أيضا أن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيطلع كل أحد على أعماله، لأنه تعالى المطلع على نيات الصدور وسرائر الأفئدة. الإنسان في وقت المحنة الإنسان في منهاج حياته لا يسير على منوال واحد، ما دام مستكبرا معاندا مكابرا الحقائق، فتراه يصر على الكفر بالله بفلسفات بالية وعقائد موروثة ساذجة، حتى إذا ألم به ضرر، أو تعرض لأزمة أو محنة، بادر إلى الاستعانة بالله تعالى، والتضرع إليه، إذ لا يجد في أصائل نفسه طريقا للفرج إلا الله القوي القادر الذي يكشف الضر، ويدفع الشر، وهذا دليل على تناقض الكافر، يضرع إلى الله تعالى وقت الشدة،

стр. 2223

ويهمله ويعرض عنه وقت الرخاء، أما المؤمن فمنهاجه سواء، إن أصابه سراء ونعمة شكر، وإن تعرض لضراء ونقمة صبر، فكان خيرا له في كلا الحالين، مما يدل على ثبات إيمانه، وصلابة يقينه وتمسّكه بالمبدأ الذي لا يحيد عنه. قال الله تعالى واصفا الإنسان: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٨ الى ٩] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) «١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٨- ٩] . هذه موازنة واضحة بين الكافر والمؤمن في وقت الرخاء والشدة، أما الكافر فهو متناقض مضطرب، إذا أصابته شدة من مرض أو فقر أو خوف، تضرع إلى ربه، تائبا إليه، مستغيثا به لتفريج كربه، ثم إذا أنعم الله عليه بنعمة أو خير، وصار في حال رخاء، نسي دعاء الله في حال الضرر، أو نسي الله مطلقا، ورجع إلى كفره، وجعل الشركاء والنظراء أو الأمثال من الأصنام وغيرها شركاء لله، يعبدها، ليؤول أمره إلى الوقوع في دائرة الضلال، وإضلال غيره عن جادة الحق، وطريق الإسلام والتوحيد. والإنسان في هذه الآية: يراد به الكافر، بدلالة ما وصفه به آخرا من اتخاذ الأنداد لله تعالى، ولقوله سبحانه موبخا ومهددا إياه: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ. وتخويل النعمة: إما في كشف الضر المذكور، أو يريد أي نعمة كانت، واللفظ يشمل الأمرين. ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول للكفار- على سبيل التهديد- قولا، يخاطب به

стр. 2224

واحدا واحدا منهم: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ أي تلذّذ به، واصنع ما شئت مدة قليلة: وهي مدة عمر ذلك المخاطب، فإنك في النهاية يوم القيامة مصيرك أن تكون من أصحاب النار، أي من سكانها والمخلّدين فيها. وهذا أمر يراد به التهديد. ثم ذكر الله تعالى على جهة المقارنة حال المؤمن المخلص، والمعنى: أذلك القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلا، وهو من أصحاب النار؟ الجواب واضح وهو أن المؤمن خير. والقانت: الطائع الخاشع، المصلي لله في أوقات الليل، ساجدا خاضعا لربه، وفي حال قيامه، يخاف الآخرة، ويرجو رحمة ربه، جامعا بين الخوف والرجاء، وتلك هي حقيقة العبادة الكاملة، التي يفوز بها صاحبها. وهذا دليل على فضل قيام الليل وأنه أفضل من قيام النهار. وكما لا يستوي القانت المطيع الخاشع، والكافر الجاحد، لا يستوي أهل العلم والجهل، إنما يتعظ بآيات الله ويتدبرها أهل العقول السليمة والأفكار السديدة، لا الجهلاء الأغبياء، الذين لا يقدّرون الأمور حق قدرها، ولا يتأملون في مصير المستقبل. نزلت هذه الآية أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ إما في عثمان بن عفان أو في عمار بن ياسر، أو ابن مسعود أو سالم مولى أبي حذيفة. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين: العلم والعمل، كما قال أبو حيان في البحر المحيط، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي، والمراد بالعلم هنا: ما أدى إلى معرفة الله تعالى، ونجاة العبد من سخطه. وهذه المقارنة في معنى مقارنة آتية في السورة نفسها (سورة الزمر) في قول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٣٩/ ٢٢] .

стр. 2225

والقنوت يطلق على الدعاء، والطاعة، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة» . وعن ابن عباس قال: «من أحب أن يهوّن الله عليه الوقوف يوم القيامة، فلينزه الله في سواد الليل ساجدا وقائما» . طريق الخلاص في الآخرة إن طريق الخلاص والنجاة في عالم القيامة محصور في أمور ثلاثة: تقوى الله وطاعته، وإخلاص الدين لله، واجتناب الطواغيت، أي الأوثان وكل ما عبد من دون الله، فإذا ملأ الإنسان قلبه خوفا من الله تعالى، وبادر لأداء الفرائض والواجبات، وأخلص النية والعمل لله، واجتنب كل ألوان الشرك والوثنية، كان ناجيا مطمئنا، مستقرا في جنان الخلد، عند مليك مقتدر، وهذا وعد إلهي منجز، وسبيل متعين للنجاة، قال الله تعالى مبينا هذا التوجه الصحيح وأصوله: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١٠ الى ٢٠] قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) «١» «٢» «٣»

стр. 2226

«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ١٠- ٢٠] . المعنى: قل أيها النبي: يا عباد الله الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا، اتقوا عذاب ربكم: باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، فللمحسنين أعمالهم حسنة في الدنيا: وهي الصحة والعافية والنصر والسلطان، وإذا لم تتمكنوا من ممارسة مقتضيات التقوى في بلد، فهاجروا إلى بلد آخر، حيث تمكن طاعة الله، فإن أرض الله واسعة غير ضيقة، فسيحة غير مغلقة، إنما يوفي الله الصابرين في عملهم ثوابهم بغير مكيال ولا وزن، وبما لا يقدر على حسابه حاصر وحاسب، وهذا حض على الهجرة. وهذا وعد من الله ﵎ على الصبر على المكاره، والخروج عن الوطن، ونصرة الدين، وجميع الطاعات، ومفاد الوعد أن الأجر يوفّى بغير حساب، أي بغير حصر ولا عدّ، بل جزافا، وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى، وهذا رأي جمهور المفسرين. يروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة. ثم أمر الله تعالى بعد الأمر بالتقوى بالإخلاص في العبادة والطاعة، فقل أيها النبي: إنما أمرت أن أعبد الله وحده، بإخلاص خال من الشرك والرياء وغير ذلك، وأمرت بأن أكون أول المسلمين المنقادين لله الخاضعين له، من هذه الأمة، في مخالفة دين الآباء الوثنيين. وقل للمشركين الوثنيين: إني أخشى إن عصيت ربي بترك التقوى وإخلاص العبادة

стр. 2227

لله وتوحيده: أن أتعرض لعذاب شديد الأهوال في يوم القيامة. وأمرني ربي أن أعبده وحده لا شريك له، وأن يكون تعبّدي خالصا لله غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما. ثم قال لهم على سبيل التهديد والوعيد: اعبدوا ما أردتم عبادته من غير الله، من الأوثان والأصنام، فسوف تجازون بعملكم. ثم قل لهم أيها الرسول: إنما أهل الخسارة التامة: هم الذين خسروا أنفسهم بالضلالة والشرك والمعاصي، وخسروا أتباعهم من الأهل حيث أوقعوهم في الضلال، وعرّضوهم للعذاب الدائم يوم القيامة، وذلك هو الخسران الواضح، ولا خسران أعظم منه. ونوع الخسران: أن لهم طبقات متراكمة من النار الملتهبة، من فوقهم ومن تحتهم، ومن كل جانب، ذلك العذاب الشديد الذي يخبر به الله خبرا كائنا لا محالة، ليرهب به عباده، فيا عبادي خافوا بأسي وعذابي واتقوا غضبي. ووعد المؤمنين: هو أن الذين تجنبوا عبادة الأوثان والشيطان وكل ما عبد من دون، ورجعوا إلى الله، لهم البشارة بالثواب الجزيل: وهو الجنة، فبشر أيها الرسول بالجنة عبادي المؤمنين الذين يستمعون القول الحق من كتاب الله، وسنة رسوله، فيفهمونه، فيتبعون أحسن ما يؤمرون به، ويعملون بما فيه. أولئك المتصفون بهذه الصفة هم الموفقون للصواب في الدنيا والآخرة، وهم ذوو العقول الصحيحة والآراء السديدة. وآية فَبَشِّرْ عِبادِ نزلت في رجل من الأنصار أعتق سبعة مماليك، ليعتق نفسه من أبواب النار السبعة، وآية: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ نزلت في ثلاثة نفر موحدين الله في الجاهلية، وهم زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. ثم واسى الله رسوله على إعراضهم عن دعوته بما معناه: إنك لا تقدر على هداية

стр. 2228

من وجب عليه قرار العذاب، ولا تتمكن من إنقاذه من النار. لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم في الجنة غرف مبنية محكمة البناء، تجري من تحت تلك الغرف والقصور أنهار عذبة الماء، وذلك وعد محقق من الله تنفيذه، ووعد الله حق ثابت، لا نقض فيه ولا رجوع عنه. حال الدنيا الفانية وتوجيه الهداية رغّب القرآن الكريم بالآخرة لخلودها ونعيمها التام، ونفّر من الدنيا لفنائها وسرعة زوالها، فهي أشبه بزرع اخضّر بماء السماء، ثم اصفر وتهشم، وأوضح القرآن سبيل الهداية للدين الحق والنور الإسلامي، فمن استضاء قلبه بالإسلام، فهو على نور من ربه، ومن استنار بتعاليم القرآن، ولأن جلده وقلبه لذكر الله تعالى، فهو على طريق مستقيم. ومن أعرض عن هدي القرآن، وانغمس في المعاصي والمنكرات، فقد عرّض نفسه لسوء العذاب، واستحقاق الخزي في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى واصفا أحوال الدنيا وحال انشراح الصدر بالقرآن: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢١ الى ٢٦] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) «١»

стр. 2229

«١» [الزمر: ٣٩/ ٢١- ٢٦] . المعنى: ألم تشاهد أيها النبي وكل بشر أن الله أنزل من السحاب مطرا، فأدخله وأسكنه في الأرض، ثم أخرج منها عيونا متدفقة بالماء، ثم تسقى به الأرض، فيخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا أنواعه، من الحنطة والشعير والحبوب الأخرى والخضروات وغيرها، ثم ييبس ويجف، فتراه مصفرا بعد خضرته، ثم يتكسر ويتهشم، إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإخراج الزرع به موعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة. هذا مثال لحال الدنيا الفانية، متاعها زائل، وبهجتها ذاهبة، وكل مفكر تفكيرا صحيحا يدرك أن سرعة زوال الدنيا يدل على قصر عمر الإنسان، وأنه مهما طال، لا بد له من الانتهاء، كما جاء في آية أخرى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٢٨/ ٨٨] . ولا يكون الانتفاع بهذه المواعظ إلا إذا شرح الله الصدور للإسلام، ونوّر القلوب بالإيمان، ولا يستوي هذا ومن حجب قلبه عن الأنوار الإلهية. أفمن وسّع الله صدره، فقبله واهتدى بهدية، فأصبح مستنير القلب بنور الله، وهو نور المعرفة، والاهتداء إلى الحق، كمن قسا قلبه لسوء اختياره وغفلته وجهالته؟! أي لا يستوي المهتدي للإسلام والحق، ومن هو قاسي القلب، البعيد عن الحق، فالعذاب الشديد لمن تحجرت قلوبهم عند سماع ذكر الله، ولم تخشع لصوت الحق الإلهي، أولئك قساة

стр. 2230

القلوب في ضلال واضح عن الحق، ولا يفهم الكلام إلا بمحذوف يدل عليه الظاهر، تقديره كالقاسي القلب والمعرض عن ذكر الله. ذكر الواحدي في أسباب النزول: أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة ﵄، وأبي لهب وابنه، وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم. وشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله تعالى. و «النور» : هداية الله، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود ﵁ فيما أخرجه ابن مردويه: قلنا: يا رسول الله، كيف انشراح الصدر؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح الصدر، قلنا: وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت» . والقسوة: شدة القلب. ثم وصف الله القرآن الذي يشرح الصدر بأن الله نزل أحسن الأحاديث وهو القرآن، لما فيه من الخيرات والبركات والمنافع العامة والخاصة، وهو كتاب يشبه بعضه بعضا، في جمال النظم وحسن الإحكام والإعجاز، وقوّة المباني والمعاني، وبلوغ أرقى درجات البلاغة، وتثنى فيه القصص، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام من أوامر ونواه، ووعد ووعيد، ويثنى في التلاوة، وتقشعر من عظمة آياته وأمثاله ومواعظه جلود الخائفين من الله، ثم تسكن وتطمئن الجلود والقلوب عند سماع آيات الرحمة، ذلك القرآن الذي هذه صفته هو هداية الله، يهدي به من يشاء هدايته وتوفيقه للإيمان، ومن يخذله الله عن الإيمان بالقرآن من الفسّاق والعصاة والفجار، فلا مرشد له. عن ابن عباس: أن قوما من الصحابة قالوا: يا رسول الله، حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر، فنزل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ. وسبب التمييز بين المهتدي والضال يظهر في هذه المقارنة، وهي: أفمن يتقحّم نار جهنم، فلا يتمكن من اتقاء العذاب الشديد يوم القيامة، كمن هو آمن لا يتعرض

стр. 2231

لشيء من المخاوف والمكروهات؟ وحين يقال للكافرين: ذوقوا جزاء ظلمكم وكسبكم من المعاصي في الدنيا. لقد كذب بعض الأقوام السابقين لقومك رسلهم، فأتاهم العذاب من جهة لا يترقبون إتيان العذاب منها، فأذاقهم الله الذل والهوان في الدنيا بما أنزل من العذاب والنكال، كالخسف والمسخ والقتل، والأسر، ولعذاب الآخرة أشد وأعظم مما أصابهم في الدنيا. ضرب الأمثال في القرآن من حكمة الله تعالى ورحمته وفضله: إيراد الأمثال والأشباه الحسية لتوضيح المجملات، وتقريب البعيد، وإقناع الناس، تخويفا وتحذيرا، وهذه إحدى خواص القرآن الكريم، ومن خواصه أيضا أنه قرآن متلو إلى يوم القيامة، وأنه عربي اللسان، وغير ذي عوج، أي إنه بريء وبعيد عن التناقض والتعارض. وفيه مثل عجيب للمؤمن الموحد، والمشرك، في أهم الأمور وأعظمها خطرا: وهو التوحيد، يدل على فساد مذهب المشركين، وبعدهم عن المنطق، فهم إن كانوا يرفضون الشركة في عبد مملوك لهم، فكيف يجعلون لله الشريك؟! قال الله تعالى موضحا هذه الخواص: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٧ الى ٣١] وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) «١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٢٧- ٣١] . ضرب الله الأمثال المجملة للناس في القرآن الكريم، والمراد بضرب المثل: تطبيق

стр. 2232

حالة غريبة على حالة تشبهها، والمثل يقرّب المعنى إلى الذهن، وذلك لعل الناس يتعظون ويعتبرون. ثم وصف الله القرآن بصفات ثلاث: هي كونه قرآنا، أي مقروءا متلوا في المحاريب إلى يوم القيامة، وكونه عربيا بلسان عربي مبين، أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، وكونه غير ذي عوج، أي براءته وبعده عن التناقض والتضاد. وقدّم الله تعالى التذكر على الاتقاء، لأن من اتعظ بشيء وفهم معناه، أقبل على ساحة التقوى: بالتزام المأمورات واجتناب المنهيات والاحتراز من المعاصي والمنكرات. ثم مثّل الله تعالى الكافر العابد للأوثان والشياطين بعبد لرجال عدّة، في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذّبون هذا العبد، لأنهم يتضايقون في أوقاتهم، ويضايقون هذا العبد في كثرة العمل، فهو أبدا دائب متعب، فكذلك عابد الأوثان، أي ضرب الله مثلا للمشرك في صنعه، لا في معبوده، الذي يعبد أكثر من إله، بحالة رجل عبد مملوك يملكه عدد من الرجال، مختلفون فيما بينهم، متنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، متعاسرون، لسوء أخلاقهم وطباعهم، كل له رأي وحاجة، فإذا طلب كل واحد من السادة من هذا العبد شيئا أو حاجة، فماذا يفعل، وكيف يرضي جميع الشركاء؟ كذلك المشرك في عبادته آلهة متعددة لا يتمكن من إرضاء جميع تلك الآلهة، فهو معذب الفكر بها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه، تفكّر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا في تعب وضلال. ومثّل الله تعالى المؤمن بالله ﵎ وحده، بعبد لرجل واحد يكلفه شغله، فهو يعمله على تؤدة، وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلّته، ويشكره على إجادة عمله، أي ضرب الله مثلا آخر للمؤمن بحالة رجل آخر مملوك لشخص واحد، لا يشاركه فيه غيره، فإذا طلب شيئا منه لبّاه دون ارتباك ولا حيرة، وهذا كالمسلم الذي لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربه، فهل يكون في طمأنينة أو في حيرة؟.

стр. 2233

الحمد لله على إقامة الحجة على عبدة الأوثان، وعلى أن الحمد لله لا لغيره، وعلى التوفيق للإسلام والحق، بل أكثر الناس لا يعلمون هذا الفرق، فيشركون مع الله غيره. وبما أن أكثر الناس جاهلون بالحق، لا ينتفعون بهذا المثل، هدد الله تعالى بالموت، فمصير جميع الخلائق إلى الله، وهو الذي يفصل بينهم في مظالمهم، والموت عاقبة كل حي، فإنك أيها النبي ميت، وهم سيموتون، ثم يكون التقاضي عند الله تعالى فيما اختلفتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك، فينجي الله المؤمنين الموحدين، ويعذّب المشركين المكذبين. والتخاصم في الآخرة ليس خاصا بين المؤمنين والكافرين، وإنما هو حادث بين كل متنازعين في الدنيا، فإنه تتكرر المنازعة في الآخرة. وهو دليل على أن النبي محمدا ﷺ سيخاصم قومه، ويحتج عليهم بأنه بلّغهم الرسالة، وأدى الأمانة، وأنذرهم وبشرهم، وهم يخاصمونه ويعتذرون بما لا معنى له، وهذا توعد للمشركين: بأنهم سيتخاصمون يوم القيامة في ردهم شريعة الله، وتكذيبهم لرسول الله ﷺ . أخرج الإمام أحمد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الخصمين يوم القيامة: جاران» . وعيد المكذبين ووعد المصدقين ليس هناك بعد الشرك بالله أسوأ من الكذب، وإن الذين يفترون الكذب لا يفلحون، والكذب أخس صفة تؤدي إلى الطعن بالرجولة، وتدل على فقد الثقة بالنفس، وضعف الإنسان، وتورطه بالنفاق، لذا كان أسوأ اعتقاد المشركين تكذيب الله تعالى بإثبات ولد له أو شريك، وتكذيب الرسول ﵌ بعد إثبات صدقه في نبوته، بالأدلة القاطعة والمعجزات الباهرة، فاستحقوا الوعيد في نار

стр. 2234

جهنم، ويقابل ذلك وعد الصادقين المصدقين بالله ورسوله بمنحهم عند ربهم كل ما يشاءون من الجنة والنعيم والرضوان، وإثابتهم أفضل الثواب، ليقترن الوعد بالوعيد، وتظهر التفرقة بين الحالين، قال الله تعالى مبينا هذا التفاوت: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٢ الى ٣٧] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) «١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٣٢- ٣٧] . من أقبح خصال المشركين: أنهم يكذبون الله ورسوله، فلا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولدا أو شريكا، أو صاحبة، وحرّم وحلل من غير أمر الله، وكذّب بما جاء به رسول الله ﷺ من دعوة الناس إلى التوحيد، والأمر بإقامة فرائض الشرع، والنهي عن المحرّمات، والإخبار بالبعث والنشور والحساب والجزاء. وهؤلاء في الواقع يستحقون أشد العذاب، أليس في نار جهنم الواسعة مقام ومستقر لهؤلاء الكافرين؟! وفيه دلالة على علة كذبهم وتكذيبهم، وهو الكفر. وفي مقابل هذا الوعيد: يأتي الوعد للمؤمنين، فالذي جاء بالصدق والقول الحق: وهو رسول الله ﷺ ، والذين صدقوا به، وآمنوا بأنه رسول من عند الله، وهم أتباعه المؤمنون، أولئك لا غيرهم هم الذين اتقوا الله وخافوه، وتجنبوا الشرك وعبادة الأوثان.

стр. 2235

وثواب هؤلاء الصادقين المصدقين: أن لهم ما يطلبون عند ربهم في جنان الخلد، من رفع الدرجات، ودفع الضرر، وتكفير السيئات، وذلك جزاء الذين أحسنوا في أعمالهم. قال على بن أبي طالب ﵁ وجماعة: الذي جاء بالصدق هو محمد ﷺ ، والذي صدّق به: هو أبو بكر ﵁. وقال قتادة وابن زيد، الذي جاء بالصدق: هو محمد ﷺ ، والذي صدّق به هم المؤمنون. وقال مجاهد: هم أهل القرآن. وعلة هذا الجزاء: تكفير السيئات، والمجازاة بأحسن أفعالهم، أي وعدهم الله تعالى بالجنان ونعمها من أجل تكفير سيئ عملهم، وإثابتهم بمحاسن أعمالهم، وإذا غفر الله لهم أسوأ أعمالهم، غفر لهم ما دونه بطريق أولى. والحسن الذي يعملونه: هو الأحسن عند الله تعالى. وكذلك يكفي الله المؤمنين في الدنيا ما أهمهم، ويمنع عنهم ما يخيفهم، أليس الله يكفي من عبده وتوكل عليه؟ فيدفع عنه الويلات والمصائب، ويحقق له جميع رغائبه. والمراد بعبده: النبي ﷺ وجميع عباد الله. وهذا تقوية لنفس النبي ﷺ ، لأن كفار قريش كانوا خوّفوه من الأصنام، وقالوا: أنت تسبّها وتخاف أن تصيبك بجنون أو علة، فنزلت الآية في ذلك. أي إن المشركين يخوّفونك أيها النبي بالذي يعبدون من دون الله. وروي أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى كسر صنم العزّى، فقال سادنها «١» : يا خالد، إني أخاف عليك منها، فلها قوّة لا يقوم لها شيء، فأخذ خالد الفأس، فهشم به وجهها وانصرف «٢» . ثم قرر الله تعالى: أن الهداية والإضلال من عنده بالخلق والاختراع، وأن ما أراد

стр. 2236

من ذلك لا رادّ له، ثم توعد الله المشركين بعزته وانتقامه، فكان ذلك والانتقام يوم بدر وما بعده. أي إن من حقّ عليه القضاء بضلاله لسوئه وعناده ومكابرته، ماله من هاد يهديه إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة، ومن يوفقه الله إلى السعادة والإيمان لاستعداده لهما، فلا مضل له أبدا. أليس الله بغالب لكل شيء، قاهر له، ينتقم من عصاته بعذاب شديد؟ فهو سبحانه منيع الجانب، قوي البطش، شديد الانتقام من أعدائه المشركين المكذبين رسوله وأمينه ﵊. مناقشة عبدة الأصنام الإسلام دعوة الإصلاح الكبرى الشاملة لجميع أبناء البشر، لذا كان حريصا بصراحته ورحمته واعتماده على العقل الحر والمنطق الرشيد، هداية الناس جميعا حتى الوثنيين البدائيين إلى الدين الحق والعقيدة الصحيحة القائمة على توحيد الله ، وإبطال عبادة كل ما لا خير فيه ولا نفع، ولا دليل من الواقع عليه، واعتمد القرآن الكريم في مناقشة عبدة الأصنام على أساسين واضحين: الأول- أن المشركين لو سئلوا عن خالق السماوات والأرض لأقروا بأنه الله تعالى. الثاني- أن أصنامهم التي يعبدونها عاجزة عن تحقيق الخير أو دفع الشر. روي عن مقاتل: أن النبي ﷺ سألهم، فسكتوا، فنزل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال بعض المشركين: لا تدفع هذه الأصنام شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت هذه الآيات الآتية:

стр. 2237

[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) «١» [الزمر: ٣٩/ ٣٨- ٤٠] . هذا ابتداء احتجاج على المشركين بحجة حاسمة، مفادها أن القرآن الكريم انتزع منهم الإقرار بالخالق المخترع الموجد: وهو الله ، وحينئذ لم يبق لهم في الأصنام غرض إلا أن يقولوا: إنها تضر وتنفع. فقيل لهم: إذا أراد الله أمرا، هل للأصنام قدرة على نقضه؟ والجواب واضح: وهو أنه لا قدرة للأصنام على شيء من ذلك. وتقرير الأمرين أو الأصلين يتبين في معنى هذه الآيات. لئن سألت أيها النبي أو أي إنسان المشركين عن خالق السماوات والأرض، لأقروا على الفور وبصراحة: بأنه هو الله الخالق، مع أنهم يعبدون الأصنام. فإذا أقررتم بأن الله تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن هذه الآلهة المزعومة: إن أراد الله بأحد شيئا من الضّر، أي الشدة والبلاء، هل تستطيع هذه الأصنام أن تمنع ما أراده الله من شدة، وإن أراد الله بأحد منحه شيئا من الخير والنعمة والفضل والإحسان، هل تقدر هذه الأصنام حجب رحمة الله عنه؟ وإذا كانت لا تمنع شرا، ولا تجلب نفعا، فكيف تجوز عبادتها وتعظيمها؟! ثم أمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالاتكال على الله تعالى، وأنه حسبه وكافيه من كل

стр. 2238

شيء ومن كل ناصر، وأنه هو وحده لا غيره الذي يجب أن يتوكل عليه المتوكلون، ويفوض إليه جميع الأمور المؤمنون، ويلجأ إلى الاستعانة به كل البشر أجمعون. ثم أمر الله نبيه بأن يتوعد المشركين في قوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: قل أيها النبي: يا قوم، اعملوا ما شئتم، وافعلوا ما أنتم عليه من هذه الحال والطريقة التي أنتم عليها، من معاداة رسالتي، والاعتماد على القوة والشدة والثروة، واجتهدوا في استعمال مختلف أنواع المكر والكيد، فإني على حالتي ومنهجي وطريقتي التي أدعو بها إلى توحيد الله، ونشر دينه في الآفاق، ولدى جميع الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك وعاقبته الوخيمة، وتأملوا فيمن سيأتيه عذاب يذله ويهينه في الدنيا، بعد تفاخره وعناده واستكباره، فيظهر حينئذ المبطل من المحق، وسيتعرض لعذاب دائم مستمر، لا محيد عنه في الآخرة: وهو عذاب النار يوم القيامة. وقوله سبحانه: اعْمَلُوا لفظ أمر بمعنى الوعيد والتهديد، والعذاب المخزي: هو عذاب الدنيا يوم بدر وغيره من الهزائم المنكرة التي تلحق بالمشركين، والعذاب المقيم: هو عذاب الآخرة. إن النظرة العاجلة السريعة التي يتبين خطؤها عما قريب: هي التي تحمل أهل الشرك والكفر والضلال على البقاء على ما هم عليه، وإن النظرة المتأنية المعتمدة على المنطق السديد والعقل الرشيد هي التي تغيّر المواقف، وتحوّل أصحاب العقول السوية من طريق الغواية والانحراف إلى طريق الرشاد والاستقامة. مظاهر القدرة الإلهية والوحدانية مظاهر وحدانية الله تعالى وسلطانه ومقدرته الفائقة تتعدد في الكون والإنسان والحياة وما بعد الممات في عالم الآخرة، وأول المظاهر الكبرى للوحدانية والقدرة

стр. 2239

الإلهية: إنزال القرآن الكريم على النبي محمد ﷺ وبيان علو مكانته واصطفاء ربه له، ثم الاعلام بقدرة الله على قبض الأرواح بانتهاء آجالها، وملكه الشفاعة التي لا تتم إلا بأمره وإذنه. وهناك مظاهر ثلاثة متممة أخرى، وهي كون الله مبدع السماوات والأرض، واتصافه بعلم الغيب والشهادة، علم الآخرة والدنيا المشاهدة، وإظهار أنواع من العقاب غير معروفة ولا محسوبة، وبيان آثار السيئات والمعاصي التي يرتكبها الناس، قال الله تعالى مبينا ذلك: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤١ الى ٤٨] إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) [الزمر: ٣٩/ ٤١- ٤٨] . المعنى: يقرر الله تعالى أنه أنزل القرآن الكريم بالحق، أي متضمنا الحق في أخباره وأحكامه، أو أنزله بالواجب من إنزاله وبالاستحقاق لذلك، لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس. وهذا بيان لإقامة الحجة على العباد، ولم يبق إلا اختيارهم وإقدامهم على الأخذ به، فمن عرف الحق وسلك طريقه واتبعه، فاهتداؤه ومعرفته

стр. 2240

لخير نفسه، ومن حاد عن الحق وتنكر له، فضلاله على نفسه، ووباله على ذاته، وما أنت أيها الرسول بموكل على الناس أن يهتدوا ولا يمكنك حملهم على جادة الهداية، وإنما عليك إبلاغ الرسالة. ومن المعلوم أن إنزال القرآن هو أول مظاهر قدرة الله وفضله وتوحيده. والمظهر الثاني: أن الله تعالى هو الحاكم المطلق على الناس بالموت، فهو الذي يقبض الأرواح من طريق الملائكة حين انتهاء آجال أصحابها، وهي الوفاة الكبرى، فيمسك تلك الأرواح، أي لا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل روح النفس الأخرى التي نامت إلى أجسادها حين اليقظة، بأن يعيد إليها إحساسها، ويبقيها على قيد الحياة، إلى أجل معين: هو وقت الموت. إن في ذلك التوفي التام، وإرسال الروح مرة أخرى لعلامات باهرة على قدرة الله ووحدانية، من قوم يتفكرون ويتأملون في ذلك. أما الروح فلا يعلم حقيقتها إلا الله، ولا سلطان عليها لأحد غير الله، لا بتحضير الأرواح أو التنويم المغناطيسي ولا بغير ذلك: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ١٧/ ٨٥] . بل اتخذ المشركون من دون الله آلهة شفعاء تشفع لهم عند الله؟ لا ينبغي لهم ذلك، وقل لهم أيها النبي للرد عليهم: كيف تتخذون تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئا من شفاعة ولا غيرها، ولا تدرك تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئا من شفاعة ولا غيرها، ولا تدرك تلك الأصنام أن الناس يعبدونها. وقل أيضا يا نبي الله: إن الله تعالى هو مالك جميع أنواع الشفاعة، وليس لأحد منها شيء فالله هو مالك جميع السماوات والأرض وكل ما يحدث فيهما، ثم إليه مصائر جميع الناس بعد البعث، فيحاسبهم على جميع أعمالهم، وفي هذا تهديد ووعيد لمن يعتمد على غير الله في أي شيء. ومن قبائح المشركين: إذا ذكر الله وحده، وأنه لا إله سواه، انقبضوا وانزعجوا،

стр. 2241

لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، وإذا ذكرت الأصنام كاللات والعزى، إذا هم يفرحون ويسرّون. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في قراءة النبي ﷺ سورة النجم عند الكعبة، وفرحهم عند ذكره الآلهة، أي عند قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) [النجم: ٥٣/ ١٩] . ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ادع الله أيها النبي فقل: يا خالق السماوات والأرض، ويا عالم الغيب والشهادة (ما غاب عن البشر وما شاهدوه) أنت تحكم بين عبادك في كل ما اختلفوا فيه. وهذا دليل على العلم التام لله . ثم توعد الله المشركين بأمور ثلاثة: أولها: لو أن هؤلاء المشركين ملكوا جميع خزائن الأرض ومثلها معها، لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب يوم القيامة. وثانيها: وظهر لهم من أنواع العقاب والعذاب المهيأ لهم ما لم يكن في حسابهم ولا خطر في بالهم. وثالثها: وظهر لهم جزاء وأثر سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به في دار الدنيا، ومن إنذارات النبي ﷺ . سوء الطبع عند الإنسان من قبائح طبائع المشركين والكافرين: تنكرهم للنعمة الإلهية حال الرخاء، ولجوؤهم إلى الله تعالى حين الشدة والبلاء، زاعمين بأن الإنقاذ والنعمة يحدثان بمهارتهم وجهدهم، مع أن الله تعالى وحده هو مصدر الخير والنعمة والرزق، وليس جمع الثروة بمهارة الإنسان وفطنته وخبرته، ولا ضعفها ولا قلتها بغبائه وخموله،

стр. 2242

وإنما أمر الرزق بيد الله تعالى بشرط السعي والعمل، فقد يكون الجهد الكثير، ولا يحصل سوى الرزق القليل، وقد يكون العجز والضعف، ويسوق الله الرزق الوفير لصاحبه، على وفق مراد الله تعالى وحكمته، وهذا ما دوّنته الآيات الآتية: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) «١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٤٩- ٥٢] . إن طبع الإنسان غريب، فتراه إذا كان كافرا أو مشركا، وأصابه ضرّ من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرّع إلى الله تعالى، واستعان به لكشف الضّر عنه، حتى إذا منحه الله نعمة من صحة وعافية وسلامة أو ثروة ومنصب وجاه، أو غير ذلك، زعم أنه وصل لذلك بخبرته ومهارته بأوجه المكاسب والعمل، أو لأنه يستحق ذلك، والحقيقة أن الحياة بأوضاعها كلها ابتلاء وخبرة للناس وامتحان لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، ولا يدركون أن كلّا من النعمة والنقمة اختبار وامتحان، ففي حال الإنعام ليعرف الشاكر من الجاحد، وفي حال الإفقار ليعلم الصابر والمؤمن من الجزع والجاحد، والجزع: ضدّ الصبر. وهذه المقالة من المشركين، قالها الذين سبقوهم، فزعموا هذا الزعم، وادّعوا هذه الدعاوي مثل قارون وغيره، فما صحّ قولهم، ولم يفدهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، ولا نفعهم جمع المال الكثير.

стр. 2243

ترتّب على هذا الموقف المباين للصواب والسداد أن يحلّ بهم جزاء المعاصي والسيئات التي اكتسبوها من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا بعقوبات شتى كخسف الأرض بقارون، وتدمير عاد وثمود وقوم لوط، ولهم أشدّ العقاب أيضا في الآخرة، وكذلك هؤلاء الظالمون الكافرون من مشركي مكة حين نزول الوحي وأمثالهم في كل زمان، سيصيبهم وبال كسبهم منكرات الأعمال، وسوء الاعتقاد، كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بمفلتين ولا ناجين بأنفسهم من سلطان الله تعالى، بل مردّهم ومرجعهم إليه، في قبضته وهيمنته، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة. إن هؤلاء المعاندين لرسالة الأنبياء والمعارضين لدعوة الإصلاح، لا يغني عنهم كسبهم وجمعهم للأموال، ولا يغني أمثالهم، والجميع يستحقون التوعّد، فأولئك الغابرون، أصابهم جزاء ما كسبوا، وكذلك الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين للنّبي محمد ﷺ سيصيبهم ما أصاب المتقدّمين. ثم قرّر الله تعالى القرار الحقيقي في أمر الكسب والرزق وسعة النّعم، وطريقة قسمته بين الناس على وفق الحكمة والمصلحة للعباد أنفسهم، وهذا القرار هو: أو لم يعلم المشركون وأمثالهم أن الله هو الذي يبسط الرزق لقوم، ويضيّقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لمهارة أحد ولا لعجزه، إن في ذلك لدلالات واضحات وعلامات قاطعات لقوم يؤمنون بالله وحده، ويصدّقون بسلطانه وقدرته الخارقة والشاملة. وقد خصّ الله تعالى المؤمنين بأنهم هم الذين ينتفعون بالآيات ويدركون ذلك، ويقدرون مواقفهم السديدة في مواجهة الحقّ تعالى، ويبين هذا أيضا آية أخرى هي قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشّورى: ٤٢/ ٢٧] .

стр. 2244

إن في هذا البيان الإلهي تقريرا لأمرين: الأول- أن الله تعالى هو لا غيره الرازق المتكفّل بأرزاق المخلوقات من بدء الحياة إلى الموت. والثاني- أن قسمة الرّزق بيد الله تعالى، لا تكون مرتبطة بالمهارات وضدّها من العجز، ولا بالإيمان ونقيضه، ولا بالاستقامة والطاعة وعكسها. طريق التجديد والإصلاح من المعلوم أن الإنسان مركب على النقض، معرّض للأخطاء، فالخطأ ملازم لكل إنسان، لكن لا يجب ولا يصح استمرار الخطأ، وإنما العلاج سهل ويسير، والتخلص من آثار الزلات والانتكاسات أمر ليس بالعسير ولا بالشاق، ألا وهو العودة إلى الله تعالى، وتجديد الحياة، وتصحيح المسيرة بالتوبة الخالصة بين الإنسان وربه، وإخلاصه العمل له سبحانه، والتوجه الصحيح في فهم حقيقة الوجود، وضرورة الإيمان لكل إنسان، والالتزام بأصول الحق والسداد والاستقامة. قال الله تعالى مبينا هذا المنهاج ليفتح لنا باب الأمل والرجاء: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٩] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2245

[الزمر: ٣٩/ ٥٣- ٥٩] . نزلت هذه الآية فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، أو تخبرنا أن لنا توبة، أو أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان: ٢٥/ ٦٨- ٧٠] ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. وهذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة، تشمل الكافر والمؤمن. المعنى: قل أيها النبي لقومك: يا عباد الله الذين أسرفوا أو تجاوزوا الحد في المعاصي، واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله تعالى، فإن الله تعالى يغفر جميع الذنوب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، كما في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨] . إن الله كثير المغفرة واسع الرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة، فإن توبة الكافر تمحو كفره، وتوبة العاصي تمحو ذنبه، ومقتضى ظواهر القرآن: أن الذنب مغفور بالتوبة ولا بد، لكن الشرك ليس بمغفور إجماعا، وكل مغفرة أو عمل مقيد بمشيئة الله. لكن المغفرة تتطلب أمرين: التوبة الخالصة لله تعالى، وإخلاص العمل لله سبحانه، لذا أمر الله بالإنابة إليه بالتوبة والطاعة، واجتناب المعاصي، وتسليم الأمر لله ، والرضا بحكمه وبأمره، من قبل مجيء عذاب الدنيا، والوقوع في الهزيمة المنكرة. ومعنى قوله: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ: ارجعوا وميلوا بنفوسكم. وإخلاص العمل لله لا يكون إلا باتباع القرآن الكريم بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والتزام طاعته، وتجنب معصيته. ومعنى قوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ
следующие страницы →