← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، وإذا ذكرت الأصنام كاللات والعزى، إذا هم يفرحون ويسرّون. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في قراءة النبي ﷺ سورة النجم عند الكعبة، وفرحهم عند ذكره الآلهة، أي عند قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) [النجم: ٥٣/ ١٩] . ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ادع الله أيها النبي فقل: يا خالق السماوات والأرض، ويا عالم الغيب والشهادة (ما غاب عن البشر وما شاهدوه) أنت تحكم بين عبادك في كل ما اختلفوا فيه. وهذا دليل على العلم التام لله . ثم توعد الله المشركين بأمور ثلاثة: أولها: لو أن هؤلاء المشركين ملكوا جميع خزائن الأرض ومثلها معها، لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب يوم القيامة. وثانيها: وظهر لهم من أنواع العقاب والعذاب المهيأ لهم ما لم يكن في حسابهم ولا خطر في بالهم. وثالثها: وظهر لهم جزاء وأثر سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به في دار الدنيا، ومن إنذارات النبي ﷺ . سوء الطبع عند الإنسان من قبائح طبائع المشركين والكافرين: تنكرهم للنعمة الإلهية حال الرخاء، ولجوؤهم إلى الله تعالى حين الشدة والبلاء، زاعمين بأن الإنقاذ والنعمة يحدثان بمهارتهم وجهدهم، مع أن الله تعالى وحده هو مصدر الخير والنعمة والرزق، وليس جمع الثروة بمهارة الإنسان وفطنته وخبرته، ولا ضعفها ولا قلتها بغبائه وخموله،

стр. 2242

وإنما أمر الرزق بيد الله تعالى بشرط السعي والعمل، فقد يكون الجهد الكثير، ولا يحصل سوى الرزق القليل، وقد يكون العجز والضعف، ويسوق الله الرزق الوفير لصاحبه، على وفق مراد الله تعالى وحكمته، وهذا ما دوّنته الآيات الآتية: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) «١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٤٩- ٥٢] . إن طبع الإنسان غريب، فتراه إذا كان كافرا أو مشركا، وأصابه ضرّ من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرّع إلى الله تعالى، واستعان به لكشف الضّر عنه، حتى إذا منحه الله نعمة من صحة وعافية وسلامة أو ثروة ومنصب وجاه، أو غير ذلك، زعم أنه وصل لذلك بخبرته ومهارته بأوجه المكاسب والعمل، أو لأنه يستحق ذلك، والحقيقة أن الحياة بأوضاعها كلها ابتلاء وخبرة للناس وامتحان لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، ولا يدركون أن كلّا من النعمة والنقمة اختبار وامتحان، ففي حال الإنعام ليعرف الشاكر من الجاحد، وفي حال الإفقار ليعلم الصابر والمؤمن من الجزع والجاحد، والجزع: ضدّ الصبر. وهذه المقالة من المشركين، قالها الذين سبقوهم، فزعموا هذا الزعم، وادّعوا هذه الدعاوي مثل قارون وغيره، فما صحّ قولهم، ولم يفدهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، ولا نفعهم جمع المال الكثير.

стр. 2243

ترتّب على هذا الموقف المباين للصواب والسداد أن يحلّ بهم جزاء المعاصي والسيئات التي اكتسبوها من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا بعقوبات شتى كخسف الأرض بقارون، وتدمير عاد وثمود وقوم لوط، ولهم أشدّ العقاب أيضا في الآخرة، وكذلك هؤلاء الظالمون الكافرون من مشركي مكة حين نزول الوحي وأمثالهم في كل زمان، سيصيبهم وبال كسبهم منكرات الأعمال، وسوء الاعتقاد، كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بمفلتين ولا ناجين بأنفسهم من سلطان الله تعالى، بل مردّهم ومرجعهم إليه، في قبضته وهيمنته، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة. إن هؤلاء المعاندين لرسالة الأنبياء والمعارضين لدعوة الإصلاح، لا يغني عنهم كسبهم وجمعهم للأموال، ولا يغني أمثالهم، والجميع يستحقون التوعّد، فأولئك الغابرون، أصابهم جزاء ما كسبوا، وكذلك الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين للنّبي محمد ﷺ سيصيبهم ما أصاب المتقدّمين. ثم قرّر الله تعالى القرار الحقيقي في أمر الكسب والرزق وسعة النّعم، وطريقة قسمته بين الناس على وفق الحكمة والمصلحة للعباد أنفسهم، وهذا القرار هو: أو لم يعلم المشركون وأمثالهم أن الله هو الذي يبسط الرزق لقوم، ويضيّقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لمهارة أحد ولا لعجزه، إن في ذلك لدلالات واضحات وعلامات قاطعات لقوم يؤمنون بالله وحده، ويصدّقون بسلطانه وقدرته الخارقة والشاملة. وقد خصّ الله تعالى المؤمنين بأنهم هم الذين ينتفعون بالآيات ويدركون ذلك، ويقدرون مواقفهم السديدة في مواجهة الحقّ تعالى، ويبين هذا أيضا آية أخرى هي قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشّورى: ٤٢/ ٢٧] .

стр. 2244

إن في هذا البيان الإلهي تقريرا لأمرين: الأول- أن الله تعالى هو لا غيره الرازق المتكفّل بأرزاق المخلوقات من بدء الحياة إلى الموت. والثاني- أن قسمة الرّزق بيد الله تعالى، لا تكون مرتبطة بالمهارات وضدّها من العجز، ولا بالإيمان ونقيضه، ولا بالاستقامة والطاعة وعكسها. طريق التجديد والإصلاح من المعلوم أن الإنسان مركب على النقض، معرّض للأخطاء، فالخطأ ملازم لكل إنسان، لكن لا يجب ولا يصح استمرار الخطأ، وإنما العلاج سهل ويسير، والتخلص من آثار الزلات والانتكاسات أمر ليس بالعسير ولا بالشاق، ألا وهو العودة إلى الله تعالى، وتجديد الحياة، وتصحيح المسيرة بالتوبة الخالصة بين الإنسان وربه، وإخلاصه العمل له سبحانه، والتوجه الصحيح في فهم حقيقة الوجود، وضرورة الإيمان لكل إنسان، والالتزام بأصول الحق والسداد والاستقامة. قال الله تعالى مبينا هذا المنهاج ليفتح لنا باب الأمل والرجاء: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٩] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2245

[الزمر: ٣٩/ ٥٣- ٥٩] . نزلت هذه الآية فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، أو تخبرنا أن لنا توبة، أو أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان: ٢٥/ ٦٨- ٧٠] ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. وهذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة، تشمل الكافر والمؤمن. المعنى: قل أيها النبي لقومك: يا عباد الله الذين أسرفوا أو تجاوزوا الحد في المعاصي، واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله تعالى، فإن الله تعالى يغفر جميع الذنوب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، كما في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨] . إن الله كثير المغفرة واسع الرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة، فإن توبة الكافر تمحو كفره، وتوبة العاصي تمحو ذنبه، ومقتضى ظواهر القرآن: أن الذنب مغفور بالتوبة ولا بد، لكن الشرك ليس بمغفور إجماعا، وكل مغفرة أو عمل مقيد بمشيئة الله. لكن المغفرة تتطلب أمرين: التوبة الخالصة لله تعالى، وإخلاص العمل لله سبحانه، لذا أمر الله بالإنابة إليه بالتوبة والطاعة، واجتناب المعاصي، وتسليم الأمر لله ، والرضا بحكمه وبأمره، من قبل مجيء عذاب الدنيا، والوقوع في الهزيمة المنكرة. ومعنى قوله: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ: ارجعوا وميلوا بنفوسكم. وإخلاص العمل لله لا يكون إلا باتباع القرآن الكريم بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والتزام طاعته، وتجنب معصيته. ومعنى قوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ

стр. 2246

إِلَيْكُمْ.. أي التزموا طريق التفهم والطاعة، واتبعوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، فهو أحسن من أن يسلك الإنسان طريق الغفلة والمعصية، وهذا هو المعنى المقصود ب (أحسن) وليس معناه أن بعض القرآن أحسن من بعض، من حيث هو قرآن، وإنما وجه الأحسنية: هو بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما يجد من عواقبها، فما يأمر به الله خير مما يفعله الإنسان بهواه وعقله، قال السّدي: الأحسن: هو ما أمر الله ﵎ به في كتابه. واتباع أوامر الله: مطلوب قبل مجيء العذاب فجأة من غير موعد، والناس غافلون عنه لاهون، لا يشعرون به، وهذا تهديد ووعيد. وهذا منهج الحكمة والعقل، فإن المبادرة إلى التوبة والعمل الصالح أمر مطلوب قبل فوات الأوان، وذلك قبل الندم، وقبل أن تقول نفس مفرطة في التوبة: يا حسرتاه على التقصير في الإيمان والطاعة، وتدبّر القرآن والعمل بأوامره وإرشاداته، فلقد كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ بدين الله وكتابه وبرسوله وبالمؤمنين، غير مصدّق بالله وحسابه. أو قبل أن تقول نفس: لو أن الله أرشدني إلى دينه، لكنت ممن يتقي الله ويجتنب الشرك. فهذه الجملة وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ هي من قول الكافر، مفادها الندامة على استهزائه بأمر الله، والسّخر: الاستهزاء. أو قبل أن تقول حين معاينة العذاب: ليت لي رجعة أخرى إلى الدنيا، فأكون من المؤمنين بالله، الموحّدين له، المحسنين في أعمالهم. ثم رد الله تعالى على أصحاب هذه التأملات بأنه قد جاءت آيات الله في قرآنه تنذر وتحذر، فكذبوا بها، وتكبروا عن اتباعها، وكانوا من الجاحدين بها، الكافرين بمضمونها. إن هذه التحذيرات من سوء العاقبة مفيدة في الدنيا، لا في الآخرة، فإن الدنيا: هي دار التكليف، والآخرة هي دار الحساب والجزاء، وفي الآخرة لا ينفع الندم، ولا مجال لإصلاح العمل أو العودة للدنيا لتصحيح الأعمال.

стр. 2247

الوحدانية والخلق والجزاء يجمع الله تعالى في بضع آيات موضوعات متعددة، يساند بعضها بعضا، وتحقق الغاية منها لإصلاح الإنسان، وتحذيره من الانحراف والعصيان، فيكون الوعد بجوار الوعيد، والنهي يقابل الأمر، والترغيب مع الترهيب، والإخبار بسوء مصير المكذبين بآيات الله، ونجاة المتقين في عالم القيامة، واقتران التذكير بأن الله خالق كل شيء، مع التفرد بالسلطان والحساب والجزاء، والتحذير من إحباط الشرك جميع الأعمال، والأمر بعبادة الله وشكره، وهذا اللون من الجمع بين المتقابلات يتميز به أسلوب القرآن المتميز بالإعجاز، وارتقاء المستوى البلاغي والفصاحة إلى أرقى الحدود لأن الأشياء تتبين بأضدادها، قال الله تعالى: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٠ الى ٦٧] وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) «١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٦٠- ٦٧] . هذه ألوان من الأخبار المتضمنة للوعيد والتحذير والإنذار لمعاصري النبي محمد

стр. 2248

صلّى الله عليه وسلّم ومن يأتي بعدهم، تتضمن بيان خواص الألوهية والوحدانية، وكمال العظمة والسلطان والقدرة الإلهية. أول هذه الخواص: أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإبداع وإيجاد جميع الأشياء في الدنيا والآخرة، وأنه القائم على جميع الأمور المستقل بها، الموكل بحفظها وتدبيرها، والمتولي إكمالها وتتميمها، وهذا دليل على أن الله هو الخالق لجميع أعمال الناس. وأخبر أيها النبي بخبر مهم جدا: وهو أنك وكل إنسان ترى المشركين يوم القيامة، الذين كذبوا على الله في ادعائهم شريكا لله، وجوههم مسودة مظلمة بكذبهم وافترائهم، لما شاهدوه من مآس وأحزان، وعذاب وسخط، إن في جهنم مسكنا ومقاما للمتكبرين عن طاعة الله، الذين أبوا الانقياد للحق والطاعة. وأخبر في مقابل هؤلاء الجناة للمعادلة والموازنة عن حال المتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي، فإن الله تعالى ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة، ويحميهم من السوء والكدر، ومن الحزن والألم، فهم آمنون من كل فزع. وثاني خواص القدرة الإلهية: أن الله تعالى هو المتصرف والمتحكم في شؤون السماوات والأرض، وبيده خزائن الخيرات فيهما: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذه استعارة يراد بها بيان قدرة الله تعالى المطلقة وتحكم الله في مخزونات الكون حفظا وتدبيرا، ومنحا ومنعا، أو عطاء وحرمانا، لكن الذين جحدوا بآيات الله الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته، في أنحاء السماوات والأرض، أولئك لا غيرهم هم الذين خسروا أنفسهم، واستحقوا الخلود في النار، جزاء كفرهم. وإذا كان الله تعالى هو المتميز بالوحدانية والقدرة المطلقة، فيستحق المشركون التوبيخ على ترك عبادة الله، والتوجه نحو عبادة الأصنام، فقل أيها الرسول لكفرة

стр. 2249

قومك وأمثالهم: كيف تأمروني أيها الجهال بعبادة غير الله تعالى؟ بعد قيام الأدلة القطعية على تفرده بالألوهية، فهو خالق الأشياء ومدبرها ورازق الأحياء، فلا تصلح العبادة إلا له تعالى. وسبب نزول هذه الآية: هو كما روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن المشركين من جهلهم، دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، وأن يعبدوا معه إلهه، فنزلت هذه الآية: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) . ثم قرّر الله تعالى مبدأ إعلان الوحدانية الدائم في قوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ.. أي إن أمر المشركين المساومين عجيب، فلقد أوحي إلى النبي محمد وإلى كل نبي عليهم الصلاة والسّلام: لئن أشركت مع الله إلها آخر، ليبطلنّ عملك، ولتكونن من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا دنياهم وأخراهم. وهذا دليل على أن الشرك يحبط الأعمال، ويضيعها هباء منثورا، ولو كانت خيرا. ثم أكد الله تعالى مقتضى الوحدانية بأمر النبي ﷺ بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يكون من الشاكرين نعم الله بالهداية والرسالة النبوية. أما المشركون: فلم يقدروا الله حق قدره، أي لم يعظموه حق تعظيمه، حين عبدوا معه إلها آخر، فإن الأرض كلها تحت سلطان الله وتصرفه وملكه والسماوات خاضعة لقدرته وسلطانه ومشيئته، تنزه الله عما يشركون به من الشركاء. والمراد باليمين والقبضة في الآيات: أنها عبارة عن القدرة والقوة. وسبب نزول هذه الآية كما روى الطبري: هو الرد على رهط من اليهود حين أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي، ثم جاءه الجواب عما سألوا عنه بنزول سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) فلما تلاها عليهم النبي قالوا: صف لنا ربك، كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف

стр. 2250

ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل فقال مثل مقاله، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية. نفخة الصور وتوابعها لكل شيء مخلوق نهاية، والدوام والخلود ابتداء وبقاء هو لله تعالى، والنهاية الحتمية للمخلوقات جميعها تكون يوم القيامة، وهي أمر سهل على الله تعالى، لأن من ملك البدء في الخلق، أمكنة الإعادة، وهما سواء بالنسبة للخالق ، ونهاية الكون تكون بنفخات ثلاث: الأولى صعقة الفزع، وهي ليست مذكورة في الآيات الآتية، ثم نفخة الصور للإماتة، ثم نفخة البعث من القبور، وهاتان النفختان مذكورتان في الآيات الآتية، ويتبع ذلك فصل الخصومات أو المنازعات بين الناس، على منهج الحق التام والعدل المطلق، ثم إيصال الحق لصاحبه. قال الله تعالى واصفا هذه الأحداث الجسام: [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٨ الى ٧٥] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) «١»

стр. 2251

[الزمر: ٣٩/ ٦٨- ٧٥] . من تمام مظاهر قدرة الله تعالى: النفخ في الصور ليصعق الأحياء من أهل الدنيا والسماء، والنفخات ثلاث كما ذكرت: نفخة الفزع «١» ، ولم تتضمنها هذه الآية، فاذكر أيها النبي حين ينفخ إسرافيل في الصور للإماتة، والصور قرن أو بوق، فيخرّ ميتا جميع أهل السماوات والأرض، إلا من شاء الله ألّا يموت حينئذ كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل حيث يموتون بعد ذلك، ثم ينفخ إسرافيل نفخة أخرى للبعث من القبور، فيقوم الناس أحياء من قبورهم، ينظرون أهوال يوم القيامة، وينتظرون ماذا يفعل بهم، بعد أن كانوا عظاما بالية، ورفاتا مفتتة كالتراب. روي أن بين النفختين أربعين سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة، لا يدري الراوي أبو هريرة ذلك، كما روى البخاري. وتكون أحوال القيامة على النحو التالي: ١- ٤: تضيء الأرض في المحشر بتجلي الحق للخلائق لفصل القضاء، ويوضع سجل أو صحائف الأعمال لبني آدم بين يدي أصحابها، إما باليمين أو بالشمال ويجاء بالأنبياء إلى الموقف ليسألوا عما أجابتهم به أقوامهم، ويجاء أيضا بالشهود الذين يشهدون على الأمم، من الملائكة الحفظة التي تقيّد أعمال العباد. والشهداء: جمع شاهد، والمراد بالشهود: أمة محمد ﷺ الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس.

стр. 2252

وتكون توابع الحشر والنشر والحساب والجزاء كما يلي: ١- ٤: يقضي الله بين العباد بالحق والعدل والصدق، ولا يظلم ولا ينقص شيء من ثوابهم، ولا يزاد في عقابهم، ويكون الجزاء على قدر أعمالهم، وتوفى أو تعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، والله أعلم من كل أحد بما يفعل العباد في الدنيا، من غير حاجة إلى كاتب أو حاسب أو مسجل، ولكن وضع الكتاب أو صحف الأعمال وشهادة الشهود والأنبياء لإلزام الناس بالحجة وقطع المعذرة. ثم أبان الله تعالى حال الأشقياء وحال الأتقياء. فيساق الكافرون سوقا عنيفا بزجر وتهديد إلى جهنم، جماعات متفرقة، حتى إذا وصلوا إليها، تفتح لهم أبوابها السبعة، ليدخلوها ويعاقبوا فيها. وتقول لهم خزنة النار من الملائكة، على وجه التقريع والتوبيخ: ألم يأتكم رسل من جنسكم تأخذون عنهم، ويتلون عليكم آيات الله التي أنزلها لإقامة الحجة على صحة ما دعوكم إليه، ويحذرونكم شر هذا اليوم، فأجابوا بقولهم: بلى، جاءونا وأنذرونا، ولكن كذبناهم وخالفناهم، ووجبت كلمة العذاب على من كفر بالله وأشرك. فتقول لهم الملائكة: ادخلوا في أبواب جهنم التي فتحت لكم، مقدّرا لكم فيها الخلود والبقاء والدوام إلى الأبد، فبئس المقر الدائم جهنم، بسبب تكبركم في الدنيا عن اتباع الحق. وأما الأتقياء الذين اتقوا الشرك، وهم كل من يدخل الجنة من المؤمنين: فتسوقهم الملائكة إلى الجنة بإعزاز وتكريم، جماعات متعاقبة، حتى إذا وصلوا إلى أبواب الجنة الثمانية، بعد تجاوز الصراط فتفتح لهم أبوابها الثمانية، والواو في قوله: وَفُتِحَتْ واو الحال، للدلالة على فتح الأبواب سابقا، وعلى الترحيب بهم، ولاستعجال السرور قبل الدخول إذا رأوها مفتوحة، وصيانة لهم عن المذلة التي يلقاها من يجد الباب مغلقا في وجهه. وتقول لهم خزنة الجنة: سلام لكم من كل آفة ومكروه، طابت أعمالكم وأقوالكم وسعيكم في الدنيا، فادخلوا الجنة ماكثين فيها على الدوام.

стр. 2253

وقال هؤلاء المؤمنون الأتقياء: الحمد لله الذي أنجز لنا وعده على ألسنة الرسل، وجعلنا ورثة جنان الخلد، ننزل فيها أي مكان شئنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا ونعم أجر العالمين: وهو الجنة. وترى أيها السعيد أن الملائكة تحيط بالعرش المجيد، ينزهون الله عن أي نقص أو شبيه، ويمجدونه ويعظمونه، ويفصل بينهم فصلا بالحق والعدل، ويقولون: سبحان الله وبحمده، فهو رب جميع العالمين من إنس وجن.

стр. 2254

تفسير سورة غافر مصدر القرآن الكريم لقد أدرك الكافرون من العرب والمؤمنون أن القرآن العظيم كلام الله تعالى، لاختلافه التام عن كلام البشر من أدب وشعر، ونثر وخطابة، ولتفوقة في البلاغة والفصاحة، ولسموه في النظم والمعنى والانسجام، إلا أن من لم يؤمن به عائد وتحدى، حفاظا على المراكز والمصالح، ومن بادر إلى الإيمان به، استجاب لنداء العقل والحكمة، واختار لنفسه طريق السعادة والنجاة، وحمى نفسه من التردي والضياع والخسران. وهذا ما قررته الآيات الشريفة الآتية بكل ثقة وبداهة في أول سورة غافر أو المؤمن التي هي مكية: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) «١» «٢» [غافر: ٤٠/ ١- ٦]

стр. 2255

هذه الآيات تبين مصدر إنزال القرآن: وهو أنه من عند الله، وتناقش الكفار الذين جادلوا بالباطل، لدحض الحق، فاستحقوا التهديد بالعذاب في النار. حم: حروف مقطعة للاستفتاح والتنبيه لخطر ما بعدها، وللتحدي بالإتيان بمثل آي القرآن في الفصاحة والبلاغة، والإحكام في النظم والمعنى، لأنه لم يخرج تركيبه عن الحروف العربية، مثل هذين الحرفين: حم، ثم إن تنزيل القرآن الكريم على قلب النبي محمد ﷺ من الله الغالب القوي القاهر، الواسع العلم بخلقه وبكل أقوالهم وأفعالهم، فأنت أيها النبي صادق في قولك: إنك رسول الله، وإن القرآن من عند الله. والله منزّل القرآن: هو غافر الذنب الصادر من الإنسان، وقابل التوبة الخالصة منه، وشديد العقاب لمن عاداه، وذو الفضل والسعة والنعمة والمن بكل نعمة، ينعم بمحض إحسانه، وهو الإله الواحد الذي لا شريك له ولا نظير، وإليه مرجع الخلائق كلهم. هذه ست صفات لله تضمنت وعيدا بين وعدين، وعيدا بالعقاب، ووعدا بمغفرة الذنب وبالإمداد بالنعم، وهكذا رحمة الله تعالى تغلب غضبه. قال عمر ﵁: «لن يغلب عسر يسرين» مشيرا لقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الشرح: ٩٤/ ٥- ٦] . ولا يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها إلا الذين كفروا بالله، فهم يجادلون بالباطل، أي جدالا باطلا، فلا تغتر أيها النبي أو تظن أن وراء تقلبهم وإمهالهم خيرا لهم، ولا يغتروا بإملاء الله تعالى لهم، أي ولا تنخدع بتصرفهم وتمتعهم بالمساكن والمزارع والأسفار، وتنقلهم في بلاد الله للتجارة وتحقيق الأرباح، وجمع الأموال، فإنهم معاقبون عما قليل، وعاقبتهم في النهاية: الدمار والهلاك. ثم ذكر الله تعالى أن لهم مثلا بمن تقدمهم من الأمم السابقة، فكما حل العقاب بأولئك، كذلك ينزل بهؤلاء، فلقد كذبت قبل جماعة قريش قوم نوح والأحزاب

стр. 2256

(الجماعات) الذين تحزبوا على الرسل من بعد قوم نوح، كعاد وثمود وأهل مدين وأصحاب لوط، وقوم فرعون وغيرهم، فإنهم جاهروا بتكذيب الرسل، فعوقبوا أشد العقاب. وعزمت كل أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم المرسل إليهم على أخذه، لحبسه وتعذيبه، أو قتله، أو طرده، وجادلوا الرسل بالشبهة المزيفة، وبباطل القول وزخرف الكلام، لرد الحق، وإبطال الإيمان الصحيح. وقوله تعالى: لِيَأْخُذُوهُ معناه: ليهلكوه، والأخيذ: القتيل أو الأسير، فأخذهم الله، أو أهلكم ودمرهم. فانظر كيف كان عقابي الذي عاقبتهم به؟ فإنه كان مهلكا مستأصلا. فيكون قوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر. ثم أكد الله تعالى هذا المعنى بقوله: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.. أي وكما أخذت أولئك المذكورين وأهلكتهم، فكذلك حقت كلماتي، ووجب عذابي على جميع الكفار، من تقدّم منهم ومن تأخر، أنهم أهل النار وسكانها. وهذه كلها عبارة عن تحتم القضاء عليهم، فما دام السبب واحدا أو العلة واحدة، فإن الجزاء أو العذاب واحد، وهو استحقاقهم النار. إن عدالة القرآن الكريم، وبيانه البديع، وقانونه الحق المبرم يتطلب كل ذلك الإذعان لدعوته وامتثال أمر الله وطاعته، والحذر من مخالفته وعصيانه، ولو لم يكن ذلك منهج القرآن الذي يسوّي بين جميع البشر في الحساب والجزاء، لما أيقن أهل الإيمان بقدسيته، ولما جعلوه بمثابة الروح والقلب والدم في نفوسهم، بل الذي لا يعلوه شيء ولا يتقدم عليه شيء.

стр. 2257

استغفار الملائكة للمؤمنين كرّم الله تعالى أهل الإيمان بأنواع متعددة من التكريم والتشريف، سواء في الدنيا أو في الآخرة، ومن ذلك أن الملائكة حملة العرش والذين هم حول العرش وهم أفضل الملائكة يستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله ﵎ لهم الجنة والرحمة. وما أحوج الإنسان إلى رحمة الله وفضله!! وما أكرم المؤمن الذي يحظى بدعاء الملائكة، وبقبول الله لهذا الدعاء المخلص المجاب من رب العزة، كما جاء في بعض الآيات: كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا [الفرقان: ٢٥/ ١٦] . أي سألته الملائكة فأجيبوا. وجاء تفسير مجمل هذا الدعاء في آية أخرى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٤٢/ ٥] . وهذا الدعاء والتكريم الملائكي للمؤمنين: هو مضمون الآيات الآتية: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧ الى ٩] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) [غافر: ٤٠/ ٧- ٩] . المعنى: إن الملائكة حملة العرش ومن حول العرش وهم الكروبيون أفضل الملائكة ينزهون الله تعالى عن جميع النقائص، ويحمدونه على نعمه البالغة، ويصدّقون بوجود الله ووحدانيته، ولا يتكبرون إطلاقا عن عبادته، ويطلبون المغفرة السابغة للذين آمنوا بالله وبالغيب، لا للذين كفروا بالله ومغيباته، إذ لا يجوز الاستغفار للكفار إلا بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك، كاستغفار إبراهيم ﵇ لأبيه. واستغفار رسول الله ﷺ للمنافقين: معناه أن يهديهم الله ثم يستقيموا.

стр. 2258

والعرش: أعظم المخلوقات، وهو مركز تدبير العالم وهو حقيقة، الله أعلم به. ومضمون دعاء الملائكة بالاستغفار هو: يا ربنا الذي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، اغفر واستر واصفح عن المؤمنين الذين تابوا عن الذنوب، واتبعوا سبيلك ودينك في القرآن، واحفظهم من عذاب الجحيم- عذاب النار. ربنا وأدخل المؤمنين جنات عدن، أي جنات الإقامة الدائمة التي وعدتهم بها على ألسن الرسل، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم المؤمنين الصالحين، اجمع بينهم وبينهم، تكميلا لنعمتك وفضلك، إنك أنت القوي الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك. روي عن سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية: أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته، فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ فيلحقون به لصلاحهم، ولتنبيهه عليهم وطلبه إياهم، وهذه دعوة الملائكة. ولم يقتصر دعاء المؤمنين على طلب إدخال الجنان، وإنما شمل طلب الحماية من العذاب أو العقاب، فيا ربنا احفظ المؤمنين من ألوان العقاب والعذاب وجزاء المعاصي التي ارتكبوها، بأن تغفر لهم، ولا تؤاخذهم بشيء منها، واحمهم من آثار السيئات، فمن وقيته من السيئات يوم القيامة، فقد شملته برحمتك، وأنجيته من عذابك، وذلك هو الفوز الأكبر الذي لا فوز أفضل منه. وقوله تعالى: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يحتمل معنيين: الأول: يحتمل أن يكون الدعاء في أن يدفع الله عنهم السيئات نفسها حتى لا ينالهم عذاب من أجلها.

стр. 2259

الثاني: ويحتمل أن يكون الدعاء في رفع العذاب اللاحق من السيئات، أي وقهم جزاء السيئات، فهو على هذا على حذف مضاف. إن فائدة استغفار الملائكة للمؤمنين التائبين الصالحين هي زيادة الكرامة والثواب، وتحقق الإجابة لهذا الدعاء، لأن دعاءهم وسؤالهم بوعد من الله تعالى، لا خلف فيه. ومن مزيد فضل الله وتكريمه: إخباره في قرآنه المجيد عن هذا العون والمدد: بأن الملائكة تستغفر لأهل الإيمان، كما تستغفر أيضا لطلاب العلم، كما جاء في الحديث النبوي الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحة والبيهقي عن أبي الدرداء الذي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهّل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء..» . أهوال الحساب يوم القيامة لا يتصور إنسان تصورا واعيا مدى المخاطر والأهوال والمخاوف التي يتعرض لها الكفرة في عالم الحساب يوم القيامة، ولولا القرآن الكريم الذي رسم صورة مرعبة لحال الكفار في ذلك اليوم الرهيب، لما أدركنا تلك الأهوال أو تصورناها، وإشفاقا على هذا الإنسان المتمرد في الدنيا عن الإيمان بربه والعمل بأوامر الله، كيف يتحمل تلك الأهوال وألوان العذاب والهزات والآلام الشديدة؟! ولكن العلاج سهل وتفادي الويلات المرتقبة أمر يسير جدا، وهذه مهمة القرآن الكريم في الإنذار والتحذير، كما ترسم هذه الآيات:

стр. 2260

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٠ الى ١٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) «١» «٢» «٣» «٤» [غافر: ٤٠/ ١٠- ١٧] . هذه أحوال الكافرين، ذكرت عقب بيان أحوال المؤمنين من التكريم بدعاء الملائكة لهم، ليتبين الفرق، وتتبين المعادلة أو الموازنة بين الفريقين على نحو واضح كالشمس، وهذه الفوارق هي ما يلي: - تنادي الملائكة الكفار يوم القيامة، وهم يعذبون في نار جهنم: بأن تعذيب الله وغضبه عليهم في الآخرة أشد وأكبر من مقت أنفسهم ولومها على ما قدموا من سوء الأعمال في الدنيا حين أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى، ودعوا إليه، فكفروا وتمردوا. - فيجيب الكفرة مستغيثين مستنجدين قائلين: يا رب، لقد أمتنا مرتين حين كنا نطفا في الأصلاب، وذرأت في عالم الذر، وحين صرنا أمواتا بعد حياة الدنيا، وأحييتنا مرتين أيضا: حياة الدنيا، وحياة البعث والنشور من القبور، فاعترفنا

стр. 2261

بذنوبنا التي اقترفناها في الدنيا، من تكذيب الرسل، والتورط في الشرك، وإنكار البعث والحساب في عالم الآخرة، فهل لنا طريق للخروج من النار والرجوع إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل؟! فأجابتهم الملائكة: ذلكم المقت لأنفسكم، وتعرضكم للعذاب الذي أنتم فيه على النحو القائم في وضعكم: لا تغيير فيه ولا تبديل، ولا رجعة إلى الدنيا، بسبب أنكم كنتم إذا دعيتم لتوحيد الله في دنياكم، كفرتم به وتركتم توحيده باستمرار، وإن يشرك بالله غيره من عبادة الأصنام ونحوها، تصدّقوا بالشرك وتجيبوا الداعي إليه، فالحكم لله وحده دون غيره صاحب العظمة والجلال، والتعالي عن المثيل في ذاته وصفاته، الأكبر من كل شيء في الوجود. ومن كمال عظمة الله وقدرته: أنه سبحانه هو الذي يظهر لكم دلائل توحيده، وعلامات قدرته في آيات الكون العظيمة، الدالة على مبدعها وخالقها، وينزل لكم من السماء المطر، يكون سببا في الرزق والنماء، ونتاج الزروع والثمار، ولكن لا يتعظ بتلك الآيات إلا الراجع إلى ربه، الخاشع المطيع، فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، ولو كره الجاحدون المنكرون منهجكم ذلك. ومن صفات الله العالية: أنه رفيع الصفات، منزه عن مشابهة المخلوقات، صاحب العرش والسلطان المطلق، ينزل الوحي على من يريد من عباده ويصطفيه، لينذر بهذا الوحي الناس من العذاب، يوم اجتماع الخلائق للحساب في محشر القيامة. ومن صفات القيامة: أن يوم التلاق أو اجتماع الناس للحساب هو اليوم الذي يكونون فيه ظاهرين للعيان، أي مرئيين بالعين المجردة، لا يسترهم شيء لاستواء الأرض وهم خارجون من قبورهم، ويكون فيه الملك المطلق والسلطان الشامل لله

стр. 2262

الواحد الأحد، صاحب القهر والغلبة والقدرة، لا لأحد سواه من ملك أو رسول أو نبي. إن يوم القيامة: هو يوم الجزاء والحساب والعقاب والثواب بحسب عمل كل عامل، من خير أو شر، صالح أو سيئ، ولا ظلم في الحكم فيه على أحد، فلا زيادة في العقاب، ولا نقص من الثواب، وإن الله في هذا الموقف سريع الحساب لعباده على أعمالهم في الدنيا، فيحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة، كما جاء في آية أخرى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [لقمان: ٣١/ ٢٨] . وهذا نص واضح على أن الثواب أو العقاب على اكتساب العبد وعمله، وعلى إحاطة الله بالأشياء علما. إنذارات من مخاوف القيامة حرص الحق في قرآنه على تقويم الإنسان وضمان حياة السعادة والنجاة له، فقدّم له الإنذارات المتتالية، والتحذيرات المتعاقبة، ولا سيما من أهوال القيامة ومخاطرها، وهو يوم الآزفة، ليبادر الناس جميعا للإيمان، ويتجنبوا الشرك والعصيان، فإن فعلوا حققوا الخير لأنفسهم، وإن تمردوا وعصوا، جلبوا الدمار والهلاك لذواتهم، ولا يغنيهم أي شيء قدموه أو يقدمونه عن الجزاء العادل، والحساب الرهيب عن سوء أعمالهم، وفحش منكراتهم. وإذا كان الأمر خطيرا تفادينا أسبابه، والسبب النافع يحقق ثمرة طيبة، والسبب العقيم يؤدي إلى نتيجة وخيمة، قال الله تعالى واصفا إنذاراته: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٨ الى ٢٢] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) «١» «٢»

стр. 2263

«١» [غافر: ٤٠/ ١٨- ٢٢] . المعنى: خوّف أيها الرسول أهل الكفر من يوم القيامة، ليؤمنوا ويتركوا الشرك والضلال، حيث تكون القلوب في ذلك اليوم كأنها زائلة عن مواضعها من الخوف، وترتفع حتى تصير إلى الحلوق، ويكون أصحابها ممتلئين كربا وغما شديدا، ولا يكون للظالمين الكافرين قريب ينفعهم، ولا شفيع يشفع لهم، أو تقبل شفاعته بهم. وقوله تعالى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ معناه عند الحناجر، قد صعدت من شدة الهول والجزع. وهذا يصور حال الرعب والخوف أو الذعر الذي يكون عليه الكفار يوم القيامة، والله تعالى يعلم النظرة الخائنة، التي ينظرها الإنسان إلى ما حرّم الله عليه، أي يعلم الاختلاسة التي تختلس النظر إلى المحرّم وتسارقه، ويعلم الله أيضا كل ما تسرّه الضمائر من أمور خيّرة أو شريرة،. وما تخفيه الصدور من الرغبات والنوايا والخواطر. والنظرة الخائنة: هي النظرة الثانية، وما تخفي الصدور: أي عند النظرة الأولى التي لا يمكن للمرء دفعها. وقوله تعالى: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ متصل بقوله: سَرِيعُ الْحِسابِ لأن سرعة حسابه تعالى للخلق، إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى رؤية وفكرة، ولا لشيء مما يحتاجه الحاسبون. والله يحكم بالحكم العادل، ويجازي كل

стр. 2264

إنسان بما يستحقه من خير أو شر. وأما الذين يعبدون الأصنام من غير الله، فإن أصنامهم لا يتمكنون من القضاء بشيء، أو فلا يحكمون بشيء، ولا يملكون شيئا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شيء، وإن الله هو السميع لكل شيء من الأقوال والبصير بالأفعال، فيجازي عليها أصحابها يوم القيامة. وهذا وعيد شديد، وتحذير رهيب على أقوالهم وأفعالهم. ثم أنذر الله تعالى الكافرين، وخوّفهم من عقاب الدنيا، بعد أن حذّرهم من عذاب الآخرة، فأرشدهم إلى الاعتبار والاتعاظ بغيرهم، أفلم يمش هؤلاء المكذبون برسالتك أيها النبي محمد، فينظروا مآل الغابرين المكذبين أنبياءهم، وما حلّ بهم من عذاب الاستئصال والانتقام، مع أنهم كانوا أشد قوة من قومك أهل مكة وأمثالهم، وأبقى آثارا، بما عمروا في دنياهم من حصون وقصور، وأشادوا من مدن وقلاع، فأهلكهم الله بذنوبهم ومنكراتهم، ولم يكن لهم من الله من واق، أي ساتر مانع يقيهم السوء، ويدفع عنهم العذاب. وهذا تحذير شامل للكافرين في كل زمان، حيث يجب عليهم أن ينظروا بما حل بالأقوام الغابرين. وعلّة هلاكهم وتدميرهم أو أخذهم وإماتتهم: بسبب أن رسلهم كانوا يأتونهم بالحجج الواضحة على الإيمان الحق، فكفروا بما جاءوهم به، فأهلكهم الله، ودمر ديارهم عليهم، إن الله ذو قوة شديدة، وبطش كبير، وذو عقاب مؤلم جدا، يفعل كل ما يريد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل من متعظ؟ وقوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى أخذ الله الكفار بذنوبهم، وإن لم يكن لهم منه واق أو حافظ مانع. وسبب إهلاك الماضين هو ما عليه قريش في عصر النبي ﷺ ، حيث جاءهم رسول من الله تعالى، مؤيد بالمعجزات والبراهين، فكفروا به، فأهلكهم الله، وقد وصف الله نفسه بالقوة وشدة العقاب، وكل ذلك وعيد لقريش وأمثالهم.

стр. 2265

موقف فرعون من رسالة موسى ﵇ إن الصراع الحاد بين الخير والشر، وبين دعوة الإصلاح ومعارضيها أمر قديم في الإنسان، ولكن مهما كانت المقاومة شديدة، فإنه لا يأس ولا قنوط، فقد يهتدي بعض الراشدين العقلاء، ويظل أولو النفوذ والسلطة والمصلحة على غيهم وضلالهم وتمسكهم بمواقفهم، على الرغم من معرفة الحق وقوته، وضعف الباطل وجهالته، وهذا موقف من هذه المواقف التي تتصادم فيها دعوة المصلحين مع مصالح المتسلطين، وهو موقف فرعون من رسالة موسى ﵇، وصف الله تعالى هذا الموقف بقوله: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) «١» «٢» [غافر: ٤٠/ ٢٣- ٢٧] . هذه قصة عجيبة في تاريخ الدعوة إلى الله تعالى، فيها للنبي ﷺ إيناس وتثبيت وأسوة، وفيها لقريش والكفار وعيد وتخويف وإرهاب أن يحل بهم ما حلّ بأولئك من النقمة، وفيها للمؤمنين وعد، ورجاء بالنصر والظفر وإدراك عاقبة الصبر. تبدأ القصة بقسم الله تعالى أننا: لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الدالة على صدقه، وأيدناه بحجة بينة واضحة، مضمونها تحدي فرعون بالعصا واليد وغيرهما من الآيات

стр. 2266

التسع. أرسلناه إلى فرعون ملك مصر، وإلى هامان وزيره، وإلى قارون كبير الأثرياء في زمانه، فقالوا عنه: إنه ساحر مخادع مجنون، كذّاب فيما زعم أن الله أرسله وخص هؤلاء الطغاة بالذكر، لأنهم رؤساء القوم، وغيرهم تابع لهم، وشأن المتسلطين المستكبرين ألا يذعنوا لكلمة الحق والهداية، حفاظا على مراكزهم وقواهم ومكانتهم بين الأتباع. فلما أتى موسى ﵇ بالحق، أي بالبرهان القاطع الدال على أن الله أرسله إلى فرعون وقومه، بمعجزاته الظاهرة، قال الطغاة: عودوا إلى قتل الذكور. وترك النساء أحياء، لئلا يكثر جمعهم، ويضعف شأنهم، وما مكر الكافرين وقصدهم تقليل خصومهم إلا في ضياع وذهاب سدى، لا فائدة منه. وقال فرعون لقومه: دعوني أقتل موسى، وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله إليهم، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك. وسبب القتل: أني أخشى عليكم يا شعب مصر أن يغير منهاج دينكم الذي أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام، ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة الله وحده، أو أن يوقع بين الناس الخلاف والفتنة والإفساد، فتكثر الخصومات والمنازعات. والظاهر من هذا الموقف لفرعون: أنه بهر بآيات موسى ومعجزاته، وانهدّ ركنه، واضطربت معتقدات أصحابه، فلجأ إلى التهديد بالقتل. وهذا سلاح الجبّارين المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. فإذا اعتز فرعون بجبروته وبطشه وقوته، فإن موسى ﵇ اعتصم بالله تعالى، وقال داعيا ربه لما سمع قول فرعون وتهديده له بالقتل لأنه كان معه في مجلس واحد: إني استجرت بالله، وعذت به من شره وشر أمثاله من كل متعاظم متعال مستكبر عن الإذعان للحق، كافر مجرم لا يؤمن باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء.

стр. 2267

واستعاذة موسى من فرعون الذي جمع بين الاستكبار وبين التكذيب بيوم الآخرة والجزاء والحساب، بسبب الجرأة على الله تعالى وعلى عباده. وقول موسى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ لحث قومه على مشاركته في الاستعاذة بالله من شر فرعون وملئه. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم» . إن هذه المواجهة الكلامية الساخنة غير متكافئة في عرف الناس، فإن فرعون الملك الحاكم الجبار يعتمد على قوى كثيرة، وجند مدججين بالسلاح، وأما موسى بمفرده أو مع أخيه هارون لا يملكان مثل تلك القوى الظاهرة المادية، ويحكم الناس عادة على الضعيف بالهزيمة، ويغيب عنهم أن الضعيف يتقوى بقوة الله تعالى، فيتغلب على جميع القوى بتأييد الله تعالى. دفاع مؤمن آل فرعون عن موسى ﵇ لقد طاش عقل فرعون وصوابه أمام معجزات موسى ﵇، فلجأ إلى التهديد بقتل موسى ﵇، وزاد من ارتباكه واضطرابه مقالة رجل مؤمن من قومه وما صدع به، فدافع عن موسى بأوجه ثلاثة: الأول- استنكار قتل موسى المؤمن بربه. الثاني- تحذير القوم بأس الله في الدنيا والآخرة بتكذيب الرسل. الثالث- تذكيرهم بما فعل آباؤهم الأولون مع يوسف ﵇، من تكذيب رسالته ورسالة من جاء بعده.

стр. 2268

وهذا الدفاع من رجل هو من آل فرعون أو من أبناء عمه، كان يكتم إيمانه بالله تعالى، كان له شأنه البعيد في إحباط خطط فرعون، وهو موقف تاريخي خلّده القرآن الكريم، فرضي الله عن هذا المؤمن وأمثاله في سجل الخالدين. قال الله تعالى واصفا قصة مؤمن آل فرعون: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٥] وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [غافر: ٤٠/ ٢٨- ٣٥] . هذا موقف خالد لرجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، أثبته الله في المصاحف، لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأثنى عليه إلى الأبد، لقد قال هذا الرجل: كيف تقتلون رجلا لا ذنب له إلا أنه قال: الله ربي؟ والحال أنه قد جاءكم

стр. 2269

بالمعجزات الواضحات الدالة على صدق نبوته ورسالته، فهذا لا يستدعي القتل، فتوقف فرعون عن قتله. وأضاف الرجل حججا ستا أخرى لتأييد كلامه وهي: ١- إن كان هذا الرجل، أي موسى كاذبا في دعوته، كان وبال كذبه عليه، فاتركوه، وإن كان صادقا في دعواه يصبكم بعض الذي يعدكم به إن خالفتموه من العقاب الدنيوي والأخروي، فاتركوه أيضا في دعوته. ٢- لو كان موسى مسرفا متجاوزا الحد في قوله، كذابا في ادعائه النبوة، لما هداه الله إلى المعجزات المؤيدة له، ولخذله الله وأهلكه. ٣- يا قومي، قد أنعم الله عليكم بهذا الملك الواسع، وأنتم الغالبون على بني إسرائيل في مصر، فمن الذي يمنعنا من عذاب الله إن حل بنا؟! فقال فرعون مجيبا الرجل المؤمن: ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، وما أدلكم إلا طريق الصواب الذي يحقق الفوز والغلبة، وهو قتل موسى. ٤- وقال المؤمن: إني أخشى عليكم إن كذبتم موسى أن يصيبكم مثل ما أصاب الأقوام الذين تحزّبوا على أنبيائهم، وكذبوا رسلهم من الماضين، مثل عادة قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم كقوم لوط، فقد حل بهم عذاب الله تعالى، ولم يجدوا ناصرا لهم ينصرهم، ولا عاصما يحميهم، ولا يريد الله إلحاق ظلم بعباده، فلم يهلكهم بغير جرم شديد أو كبير. وهذا تخويف بالعذاب الدنيوي. ٥- ثم خوفهم العذاب الأخروي بقوله: يا قومي، إني أخشى عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي الناس بعضهم بعضا للاستعانة والاستنجاد، وحين تفرّون هاربين من النار، لا تجدون واقيا ولا عاصما مانعا يعصمكم من عذاب الله ويحميكم منه، ومن يضلّه الله، فلم يوفقه للرشد والصواب، فلا مرشد له غيره.

стр. 2270

٦- وأذكركم بأن تكذيب الرسل موروث لديكم من الأسلاف، فلقد بعث الله لآبائكم يوسف بن يعقوب بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه، فكذبتموه وكذبتم بمن جاء بعده من الرسل، وما زلتم في شك مما أتاكم به، حتى إذا مات أنكرتم بعثة رسول من بعده، فكفرتم به في حياته وبعد موته، ومثل هذا الضلال وسوء الحال، يضل الله كل إنسان لإسرافه في المعاصي وتجاوزه الحدود، وارتيابه في دين الله. وهؤلاء المرتابون الذي يجادلون في آيات الله الكونية والدينية ليبطلوها، بغير حجة واضحة، كبر أو عظم ذلك الجدل بغضا عند الله وعند المؤمنين، لأنه جدال بالباطل، لا أساس له، أما مقت الله: فهو العذاب والغضب، وأما مقت المؤمنين: فهو هجر الكفار وترك التعامل معهم. وكما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين بالباطل المسرفين، فكذلك يطبع أو يختم على جميع قلوب المتكبرين الجبارين. تحديات فرعون وإصرار الرجل المؤمن في الدفاع عن موسى احتدم الجدال بين فرعون والرجل المؤمن من قومه وأتباعه حول شأن موسى ﵇، فلجأ فرعون إلى التحدي الحسي، وإقامة برج شاهق في السماء للاطلاع على إله موسى، مقرا به أولا، ثم مكذبا به ثانيا، وصمم الرجل المؤمن على موقفه المدافع عن موسى ﵇، ونصح قومه ودعاهم إلى الإيمان بالله وحذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته لهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إياه لعبادة الأصنام طريق الهلاك والعذاب، وهذا في الآيات الآتية:

стр. 2271

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٦] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) «١» «٢» «٣» «٤» [غافر: ٤٠/ ٣٦- ٤٦] . المعنى: نادى فرعون وزيره هامان والناظر في أموره قائلا: يا هامان ابن لي قصرا مشيدا عاليا، لعلي أصل إلى طريق السماء، فأبحث عن إله موسى، وهو لا يريد بذلك إلا الاستهزاء منه وإنكار رسالته، وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه بأن له إلها غيري. ومثل ذلك التزيين المفرط في الحماقة والبلادة، زين لفرعون الجبار سوء عمله وقبح صنعه، من الشرك والتكذيب، فتمادى في الغي والطغيان، وحجب عن طريق الهدى والعدل والصواب، ولم يكن كيده أو مكره إلا في خسار وضياع، ثم تابع

стр. 2272

مؤمن آل فرعون مواعظه لقومه، فقال: يا قومي، اتبعوني فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، أدلكم على طريق الرشاد والخير والسداد: وهو اتباع دين الله وأمره. ثم حذرهم من فتنة الدنيا وزهّد فيها، فقال: يا قومي، ليست هذه الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يستمتع به قليلا، ثم يزول وينتهي بالموت، وإن الآخرة هي دار الاستقرار والبقاء والخلود، أي إن الدنيا شيء يتمتع به قليلا، وعلى المرء الرغبة في الآخرة. من ارتكب معصية، فلا يجزى في الآخرة إلا مثلها، عدلا من الله، ومن عمل العمل الصالح: وهو اتباع أمر الله واجتناب نهي الله، وهو مصدق بالله وبرسله، فهؤلاء هم لا غيرهم أهل الجنة التي يرزقون فيها رزقا وفيرا بغير عدّ وتقدير، ولا مقصور على حجم العمل، فضلا من الله ونعمة، أي إن جزاء السيئة مثلها فقط، وجزاء الحسنة لا يقتصر على المثل، بل يتجاوزه لما شاء الله. ويا قومي، أخبروني عنكم، ما بالي أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة، بالإيمان بالله تعالى وعبادته وطاعته وتصديق رسله، وتدعونني إلى عمل أهل النار، وهو الشرك وعبادة الأصنام؟! أي إن الدعاء إلى طاعة الله وعبادته وتوحيده: هو الدعاء إلى سبب النجاة، ودعاؤهم إياه دعاء إلى سبب دخول النار. ثم فسر الفرق بين الدعوتين في أن الواحدة كفر وشرك، والأخرى دعوة إلى الاعتزاز بالله تعالى وغفرانه. إنكم تدعونني لأمر خطير: وهو الكفر بالله والإشراك به، مما لم يقم أي دليل على صحته وقبوله، وأنا أدعوكم إلى الإيمان بالمتصف بصفات الألوهية الحقة، من العزة الكاملة، والعلم الشامل، والإرادة التامة، والمغفرة الواسعة، والتعذيب الشديد، فآمنوا به يغفر لكم ويعزكم. وحقا إن دعاءكم لعبادة الأصنام والأنداد ليس لها أي دعوة مستجابة، فلا تجيب الداعي، سواء في الدنيا والآخرة، والواقع المتحقق أن مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت، ثم بالبعث في الآخرة، فيجازى كل إنسان

стр. 2273

بعمله، وأن المسرفين المتجاوزين الحد في المعاصي: هم أهل النار الذين يصيرون إليها. وسوف تتذكرون وتدركون صدق قولي لكم من الالتزام بأوامر الله ونواهيه وثمرة نصحي وإرشادي، حين ينزل بكم العذاب، وإني أفوض أمري إلى الله وأستعين به ليعصمني من كل سوء، فإن الله مطلع على أمور عباده، خبير بهم، فيهدي مستحق الهداية المستعد لها، ويضل مستحق الضلالة الحريص عليها. وأما مصير الرجل المؤمن من آل فرعون: النجاة، حيث حفظه الله، وحماه في الدنيا، من سوء مكرهم، وتآمرهم على قتله، وأحاط سوء العذاب بآل فرعون في الدنيا بالغرق في البحر، وسيعذبون في الآخرة. ويعرض آل فرعون بأرواحهم في قبورهم على النار في الصباح والمساء من أيام الدنيا إلى قيام القيامة، أي إنهم يعذبون في القبور، ويقال للملائكة يوم القيامة: أدخلوا آل فرعون في جهنم، حيث يكون العذاب فيها أشد وأعظم، قال الهذيل بن شرحبيل والسدي: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تروح بهم، وتغدو إلى النار. الجدل بين أهل النار يبادر الإنسان حينما يقع في فخ الحقيقة والجزاء إلى تقاذف المسؤولية ولوم الآخرين، وينسى نفسه وتقصيره، وذلك في الدنيا، أو في حال العذاب في نار الآخرة، وهذا واقع قائم بين السادة والأتباع، حيث يشتد الجدل بينهم في ذلك المقر، ويحاول كل فريق إلصاق التهمة بغيره والتملص من المؤاخذة، ولكن لا جدوى ولا فائدة من هذا الجدال، ولا يقبل عذر من المقصرين والظلمة، ويكون الفوز

стр. 2274

والنصر المحقق والمؤكد لأهل الإيمان، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وصف الله تعالى لنا هذا اللون من الجدال الذي سيحدث بين أهل النار في الآيات الآتية: [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٤٧ الى ٥٥] وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) «١» «٢» «٣» «٤» [غافر: ٤٠/ ٤٧- ٥٥] . المعنى: اذكر أيها النبي لقومك على سبيل العظة والعبرة وقت تخاصم وتجادل الكفار في النار، ومنهم فرعون وقومه، فيقول الأدنياء والأتباع للرؤساء والأشراف والكبراء: إنا كنا تابعين لكم، وقد أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، فهل أنتم تدفعون عنا جزءا من العذاب أو تتحملون عنا بعضه! فأجابهم المستكبرون: إننا جميعا في جهنم، وإن الأمر قد انجزم بحصول الكل منا ومنكم فيها، وإن حكم الله تعالى قد نفذ واستمر بذلك، فكيف نغني عنكم؟ فلو قدرنا على دفع شي من العذاب، لدفعناه عن أنفسنا، إن الله قضى قضاءه العادل المبرم بين العباد، بأن فريقا في الجنة، وفريقا في السعير.

стр. 2275

ولما يئس الضعفاء من السادة، طلبوا من خزنة جهنم تخفيف العذاب، فقالوا لهم: ادعوا الله ربكم لعله أن يخفف عنا مقدار يوم من العذاب. وذلك لأنهم علموا أن الله تعالى لا يستجيب لهم ولا يسمع دعاءهم. فرد خزنة جهنم عليهم على سبيل التوبيخ والإلزام بالحجة: أما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة القاطعة على توحيد الله تعالى، والتحذير من سوء العاقبة؟! قالوا: بلى قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم، ولا بما جاؤوا به من الأدلة والمعجزات على صدقهم. فقالت لهم الخزنة تهكما: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن كفر بالله، وكذّب رسله، بعد مجيئهم بالحجج القاطعة، وليس دعاء الكافرين بالله ورسله إلا في ضياع وبطلان، لا يقبل ولا يستجاب. والمراد: فادعوا أيها الكافرون الذين لا معنى لدعائكم، وليس دعاؤنا إلا لأهل الحق والإيمان والطاعة. ثم أخبر الله تعالى أن ينصر رسله ﵈ والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الشهود من الملائكة والنبيين وصالحي المؤمنين، للشهادة بأن الرسل قد بلّغوا الرسالة، وأدّوا الأمانة. وقيام الشهود يكون حين تقوم القيامة، حيث لا تنفع معذرة الظالمين المشركين، ولا تقبل منهم فدية، لأن عذرهم واه، وشبهتهم زائفة، وهم مطرودون مبعدون من رحمة الله، ولهم شر ما في الآخرة: وهو النار والعذاب فيها. ثم أخبر الله تعالى عن إرسال الرسل، فليس محمد ﷺ وحده مرسلا، وليس هو ببدع من الرسل، فلقد أرسل الله موسى ﵇ بالتوراة والنبوة، تأنيسا لمحمد ﵇، وتذكيرا بما كانت العرب تعرفه من أمر موسى ﵇. وكانت

стр. 2276

التوراة هادية لقوم موسى بالشرائع والأحكام، وأورث الله بني إسرائيل التوراة، فهو إمام ونبراس لهم، وهداية وإرشاد، وتذكير لأهل العقول السديدة بما فيها من أحكام، فكأن بعضهم يرث التوراة عن بعض. وإذا كان النصر مقررا في النهاية للرسل وأتباعهم، فاصبر أيها الرسول محمد على أذى المشركين، كما صبر الذين من قبلك من المرسلين، فإن عاقبة الصبر خير، ووعد الله بالنصر حق ثابت لا يخلفه أبدا، ودوام على الاستغفار لذنبك، من ترك الأولى والأفضل، أو أن المراد أمته، أي إنه إذا أمر هو بالاستغفار فغيره أولى، وستكون عاقبة أمرك كعاقبة أمر موسى، ونزّه الله تعالى عن كل شريك ونقص، مقترنا تسبيحك بحمد الله وشكره، على الدوام، في أوائل النهار وأواخره. أسباب المجادلة في آيات الله وتفنيدها يلجأ بعض المتشككين إلى الجدل في آيات الله، بقصد التشكيك ومحاولة الدفاع عن الباطل، بغير حجة مقبولة، ولا برهان سليم، وقد يكون الجدل حول إنكار البعث والقيامة، كشأن الماديين الملحدين، ويتعامى هؤلاء جميعا عن حقائق الأشياء وأسباب وجودها، وعن الأدلة الكونية الدالة على ضرورة الإيمان بوجود الله وقدرته وحكمته، وقد ذكر الله تعالى في الآيات الآتية عشرة أدلة على وجوده ووحدانيته وقدرته، لإثبات وجود القيامة، منها: خلق السماوات والأرض، فلا يوجد شيء بالصدفة بدون موجد، ومنها تعاقب الليل والنهار، وجعل الأرض قرارا والسماء بناء، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات، واتصاف الله تعالى بالحياة الأبدية الذاتية والوحدانية، وهذا ما تضمنته الآيات الآتية بمناسبة الأمر بعبادة الله وطاعته:

стр. 2277

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٥٦ الى ٦٥] إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) «١» «٢» «٣» [غافر: ٤٠/ ٥٦- ٦٥] . أخبر الله تعالى عن أولئك المشركين الكفرة الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان، وهم يريدون بذلك طمسها، أنهم ليسوا على شيء فلا حجة لهم ولا سلطان أو برهان مقبولا لهم، ليس في صدورهم وضمائرهم إلا التكبر والتعاظم عن قبول الحق، وحسد النبي محمد ﷺ على ما آتاه الله من الفضل والنبوة، ولا يستطيعون بلوغ آمالهم بسبب ذلك الكبر، ولا محققي إرادتهم في أن تكون لهم الرياسة والنبوة بعد النبي ﷺ فاستعذ بالله أيها النبي والتجأ إليه في كل أمورك، من كل

стр. 2278

مستعاذ منه، ومن شرورهم، لأن الله يسمع أقوالك وأقوال مخالفيك، وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم، ومجاز كل واحد بما استوجبه. ثم وبخ الله تعالى هؤلاء الكفار المتكبرين على ضلالهم، وذكّرهم بعظمته وقدرته، بأدلة كثيرة، منها أن خلق السماوات والأرض وما فيهما أكبر بكثير من خلق الناس، بدءا وإعادة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بعظيم قدرة الله، ولا يتأملون بهذه الحجة الدامغة الدالة على قدرة الله تعالى. ومثل المجادل بالباطل في مواجهة المحق والمتفكر والمتعظ كمثل الأعمى والبصير، ولا يتساوى الاثنان، فلا يتساوى المجادل بالباطل أو الكافر الذي لا يتأمل بآيات الله الكونية، ولا المجادل بالحق أو المؤمن الذي يتفكر في آيات الله ويتعظ بها. وكذلك لا يستوي المحسن بالإيمان والذي يعمل الصالحات من أداء الفرائض والطاعات، والمسيء بالكفر والعاصي الذي يغفل دور الآيات ويتنكر للطاعات، فما أقل ما يتذكر كثير من الناس ويتعظ بهذه الأمثال! ثم أخبر الله تعالى عن وقوع القيامة حتما، فإن يوم القيامة آت لا ريب في مجيئه ووقوعه، فآمنوا أيها الناس به إيمانا قاطعا، لا شك فيه، ولكن مع الأسف أكثر الناس لا يؤمنون ولا يصدقون بالآخرة. وطريق النجاة في الآخرة واضح وهو طاعة الله وعبادته، وقال الله: من دعاه أجابه، فالدعاء مخ العبادة، وإن الذين يتكبرون ويتعاظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون حتما جهنم صاغرين أذلاء. ومن أدلة قدرة الله على البعث وغيره: أنه سبحانه أوجد تعاقب الليل والنهار وجعل الليل للسكن والهدوء والراحة، وجعل النهار مضيئا منوّرا لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها من الحرف والمهارات

стр. 2279

والخبرات، وإن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها هو المتفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم. والله وحده هو الرب المتصرف في كل شيء المدبر لكل أمر، خالق الأشياء كلها، لا إله ولا معبود في الوجود غيره، فكيف تصرفون أيها المشركون عن عبادته؟! ومثل هذا الانصراف عن عبادة الله، يصرف الجاحدون بآيات الله، المنكرون توحيده. والله هو الذي جعل الأرض محل استقرار وثبات، والسماء مبنية بناء محكما لا خلل فيه، ولا يتهدم ولا يتصدع، وخلق الناس في أحسن صورة، وأجمل نظام وتقويم، ورزقهم من طيبات الرزق ولذائذه، ذلكم المتصف بهذه الصفات الجليلة: هو الله رب العالمين من الإنس والجن، المنزه عن جميع النقائص. والله هو الحي الباقي الدائم الذي لا إله غيره، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، صاحب الحمد، المستحق للشكر والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن. النهي عن عبادة غير الله حاول المشركون الوثنيون في مكة استمالة النبي ﷺ لمنهاجهم، وتخفيف حملاته على دين الآباء والأجداد، والتوصل إلى أوساط الحلول. فقال الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة- فيما رواه جويبر عن ابن عباس-: يا محمد، ارجع عما تقول بدين آبائك، فأنزل الله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية. قررت هذه الآية الكريمة النهي الشديد عن عبادة الأصنام والأوثان، وبيّنت الآيات الآتية بعدها سبب النهي: وهو البينات التي جاءت النبي ﷺ من ربه، من دلائل الآفاق والأنفس، قال الله تعالى واصفا ذلك:

стр. 2280

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٦ الى ٦٨] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) «١» [غافر: ٤٠/ ٦٦- ٦٨] . جاءت هذه الآيات الشريفة بعد بيان صفات الله تعالى، بأنه الحي القيوم، وذلك يقتضي فساد حال الأصنام، وأنها موات جماد هامدة، ليس فيها شيء من صفات الله تعالى، التي منها صدور الأمر من لدنه، وإيجاد الأشياء، وتدبير الأمر كله، وعلمه بالكل، مما يدل دلالة قاطعة على أنه حي لا إله إلا هو. أمر الله تعالى نبيه ﷺ بعد هذا: أن يصدع بأنه نهي عن عبادة الأصنام التي عبدها الكفار من دون الله ، وأمر بعدها بالإسلام الذي هو الإيمان والأعمال. قل أيها الرسول لمشركي قومك المكيين: إن الله تعالى ينهاني عن عبادة أحد من غير الله تعالى من الأصنام والأنداد والأوثان، حين جاءتني الأدلة القاطعة من آي القرآن والبراهين العقلية الدالة على التوحيد، وأمرت بالإسلام لله والانقياد لأوامره، وإخلاص الدين له، وإعلان الإيمان وأداء الأعمال المفروضة، والاستسلام لرب العالمين من إنس وجن، والخضوع له بالطاعة، والرضا بما أمر ونهى. ثم ذكر الله تعالى أربعة أدلة من دلائل الآفاق والأنفس تدل على وحدانية الله وهي:
следующие страницы →