وبال نقضه على نفسه، ومن أوفى بالعهد مع الله، فسيلقى الثواب العظيم. وهذا ما سجلته الآيات التالية:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٨ الى ١٠]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الفتح: ٤٨/ ٨- ١٠] .
إنا أرسلناك أيها النبي لأداء وظائف ثلاث هي: الشهادة على الناس من أمتك وغيرهم، بأعمالهم وأقوالهم بتبليغ شرع الله إليهم، وتبشير المؤمنين الطائعين برحمة الله وجنته، وإنذار الكافرين والعصاة وتخويفهم من عذاب الله .
والغرض السامي من إرسالك أيها الرسول: هو أن تؤمن أمتك بالله ورسوله- والخطاب للرسول وأمته- وأن يعظموك ويفخموك، وأن يحترموك ويقدروك، وينزهوا الله تعالى عما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة، والتشبّه بالمخلوقات، وذلك على الدوام، وبخاصة في الصباح والمساء، لقوله: بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي في الغدو والعشي. وهذه هي صلاة البردين، أي صلاة الفجر والعشاء،
جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي موسى: «من صلّى البردين دخل الجنة» .
والفعلان: (تعزروه وتوقروه) عند جمهور المفسرين: للنبي ﷺ ، وفعل (تسبحوه) لله تعالى. وقال بعض المتأولين: الضمائر في الأفعال الثلاثة هي كلها لله تعالى.
ثم بيّن الحق تعالى عظمة بيعة الرضوان في الحديبية مع النبي ﷺ ، وهي بيعة
стр. 2452
الشجرة حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش، لما بلغه مقتل عثمان بن عفان ﵁، الذي أرسله لمفاوضة قريش، قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، وكان معه ألف وأربع مائة رجل، وبايعهم رسول الله ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت. وقال ابن عمر وجابر: على ألا نفرّ.
والمبايعة مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ثم صار اسم البيعة يطلق على معاقدة الخلفاء والملوك. وعلى هذا سمّت الخوارج أنفسها الشّراة، أي الذين اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم.
ومعنى الآية: إن الذين يبايعونك أيها الرسول بيعة الرضوان بالحديبية: تحت الشجرة على قتال قريش، إنما يبايعون الله، أي يطيعونه ويعاهدونه على امتثال أوامره، وصفقتهم إنما يمضيها الله تعالى ويمنح الثمن، أي الثواب عليها، فمن بايع النبي في الظاهر، فقد بايع الله في الحقيقة والواقع.
وأكد الله هذا المعنى بقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي بأنّ عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله تعالى على السواء، وأن الله حاضر معهم، يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، والله تعالى هو المبايع حقيقة بوساطة رسوله ﷺ ، فهو السفير المعبر عن الله، وسفارته بين الله وأوليائه المؤمنين.
فمن نقض البيعة مع النبي ﷺ ، فإنما وبال نقضه وضرره على نفسه، لا يجاوزه إلى غيره. ومن وفى بالعهد وثبت عليه، ونفّذ ما عاهد عليه الرسول ﷺ في البيعة، فسيؤتيه الله ثوابا جزيلا، ويدخله الجنة، كما عبر الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ٤٨/ ١٨] .
стр. 2453
إن هذه البيعة تعد وقفة مشرفة، وتضحية بالغة، وتصميما عاليا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لتحقيق أعظم الغايات، لذا كان هذا الموقف مما يغبطون عليه، وقد أكرمهم الله تعالى بهذا الرضوان الإلهي على مدى الدهر، وجعله قرآنا يتلى، وأنموذجا عظيما للأبطال والشجعان، في سجلات اللقاءات والإعداد للمعارك الفاصلة الخالدة.
أوضاع المتخلفين عن الحديبية
تخلف عن الذهاب مع النبي ﷺ في عمرته يوم الحديبية قوم من الأعراب «١» : هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل وهم غفار وأشجع والدّليل، رأوا أنه يستقبل عدوا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة وهم الأحابيش، ولم يكن الإيمان قد تمكن من قلوبهم، وقالوا: لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله تعالى في الآيات الآتية، وأعلم محمدا ﷺ باعتذارهم في الظاهر قبل أن يصل إليهم، وبطلبهم المشاركة في وقعة خيبر وغنائمها، ودعوتهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد. قال الله تعالى:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١١ الى ١٧]
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥)
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)
«٢» «٣»
стр. 2454
[الفتح: ٤٨/ ١١- ١٧] .
هذه أخبار أنبّأ الله تعالى بها نبيه قبل وقوعها، أولها اعتذار المتخلفين عن الذهاب معه في عمرته يوم الحديبية، فإنهم سيقولون له بعد عودته: شغلتنا الأموال والأهلون، فاستغفر لنا، لكنهم لم يصدقوا في هذا الاعتذار، وإنما قالوا ذلك بألسنتهم في الظاهر، وبما لا يعبر عن حقيقة نواياهم وقلوبهم، في أن محمدا وصحبه سينهزمون أمام قريش وثقيف والقبائل المجاورة لمكة وهم الأحابيش، فقل أيها النبي لهم: من يحمي أموالكم وأهليكم إن أراد الله بكم سوءا، أو أراد بكم نفعا، ثم رد الله عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
ثم فسر لهم علة تخلفهم بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور، بل ظننتم أنه لن يعود الرسول ﷺ والمؤمنون معه إلى أهليهم وأوطانهم أبدا، وأن العدو سيقتلهم، وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، فقبلتموه، وظننتم أن الله تعالى لن ينصر رسوله، وكنتم قوما هلكى أو هالكين عند الله تعالى، بسبب فساد هذا الاعتقاد.
ثم أخبر الله تعالى عن عقاب أهل الكفر: وهو أن من لم يصدّق بالله تعالى ورسوله، ولم يخلص عمله لربه، كما صنع هؤلاء المتخلفون عن الحديبية، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير المتلظية بهم.
стр. 2455
وقدرة الله شاملة، فهو مالك السماوات والأرض، وسلطانه مطلق فيهما، يتصرف فيهما كيف يشاء، يغفر لمن شاء مغفرة ذنوبه، ويعذب من أراد تعذيبه على كفره وعصيانه، وكان الله وما يزال غفورا لذنوب عباده التائبين رحيما يرحم جميع خلقه.
وسيقول لك أيها النبي هؤلاء الأعراب المتخلفون عنك في عمرة الحديبية: إذا سرتم إلى خيبر، وظفرتم بمغانمها: اتركونا نتبعكم في السير، ونشهد معكم الموقعة، وهذا دليل آخر على كذبهم في اعتذارهم بعد كشف أمرهم: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ إنهم يريدون في شأن غنائم خيبر تبديل حكم الله ووعده لأهل الحديبية، بتخصيصهم بمغانم خيبر، فقد أمر الله رسوله ألا يسير معه إلى خيبر أحد من غير أهل الحديبية، ووعدهم بمغانمها وحدهم، فقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر.
فقل أيها النبي لهم: لن تسيروا معنا إلى خيبر، وقد قال الله ذلك سابقا: وهو أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية خاصة، لا نصيب فيها لغيرهم. وحينئذ سيقول المخلفون عند سماع هذا القول: بل إنكم تحسدوننا في المشاركة في الغنيمة، فلذا لم تأذنوا لنا في الخروج، فرد الله عليهم: ليس الأمر أمر حسد كما تزعمون، بل إنكم لا تفهمون إلا فهما قليلا، أي لا تفهمون شيئا من أحكام الدين: وهو جعل القتال من أجل الله تعالى، والإخلاص فيه.
ومع ذلك، ميدان القتال متسع، فإنكم إن أردتم صدق الانتماء للمسلمين، فإنكم ستطالبون إلى قتال قوم أولي شدة وبأس، تخيرونهم بين أحد أمرين: إما القتال وإما الإسلام، لا ثالث لهما. وهذا يشمل مشركي العرب والمرتدين. قال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب رسول الله ﷺ في حنين ثم وعد الله وأوعد،
стр. 2456
وهو إن تطيعوا فيما تدعون إليه من الجهاد، يؤجركم الله أجرا حسنا، وإن أعرضتم كما فعلتم زمن الحديبية يعذبكم الله.
ثم استثنى الله تعالى أصحاب الأعذار من التكليف بفرضية الجهاد: ليس هناك حرج على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار وهي العمى، والعرج المستمر، والمرض المزمن، أو الطارئ في وقت طروئه، لعدم استطاعتهم. ثم رغب الله في الجهاد وطاعة الله ورسوله، فمن يطع الله ورسوله، يدخله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ومن يستنكف عن الطاعة، ويعص الله ورسوله، يعذبه الله عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس: لما نزلت: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ قال أهل الزمانة:
كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.. الآية.
بيعة الرضوان وآثارها الخيّرة
كان لبيعة الرضوان عام الحديبية أثر كبير في تاريخ المسلمين، وكانت بركة عليهم، حيث ظفروا برضوان الله تعالى، وبشّروا بغنائم كثيرة، يأخذونها، وبهزيمة أعدائهم الكفار، وبحمايتهم من إغارة ثمانين رجلا مسلحين من جبل التنعيم على النبي ﷺ وعلى أصحابه.
أخرج مسلم والترمذي عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله ﷺ ثمانون رجلا في السلاح من جبل التنعيم (موضع في الحل بين مكة وسرف) يريدون غرّة (غفلة) رسول الله ﷺ ، فأخذوا، فأعتقهم أي الرسول، فأنزل الله:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ.. الآية.
وجاء النص على هذه الوعود والبشائر في الآيات الآتية:
стр. 2457
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٤]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢)
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
«١» [الفتح: ٤٨/ ١٨- ٢٤] .
تالله لقد رضي الله عن المؤمنين المخلصين، الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة بيعة الرضوان، بالحديبية، على قتال قريش وعدم الفرار، بايعهم النبي على الموت، وكان عددهم في الأصح ألفا وأربع مائة. وسميت بيعة الرضوان، لقوله تعالى:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ ...
ورضاه لأنه تعالى علم ما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص، والسمع والطاعة، فأنزل الطمأنينة وسكون النفس عليهم، وجازاهم بفتح خيبر، بعد انصرافهم من الحديبية، ثم أتبعه بفتح مكة وسائر الأقاليم المجاورة.
وأثابهم أيضا مغانم كثيرة يأخذونها، وهي غنائم خيبر، وكان الله وما يزال قويا غالبا قادرا، مدبرا أمور خلقه، على وفق الحكمة والسداد.
ووعدكم الله أيها المؤمنون مغانم كثيرة من المشركين والكفار، على ممر الدهر، إلى يوم القيامة، ولكن عجّل لكم غنائم خيبر، وكف عن قتالكم أيدي قريش يوم الحديبية بالصلح، وأيدي اليهود أهل خيبر وحلفائهم، من أسد وغطفان، كل ذلك
стр. 2458
لتشكروه، ولتكون تلك النعم علامة للمؤمنين، يعلمون بها صدق الرسول ﷺ في جميع ما يعدهم به، وليثبّتكم على طريق الهداية إلى الطريق القويم: طريق الحق، وطاعة الله ورسوله. ووعدكم أيضا غنائم وفتوحات أخرى، غير صلح الحديبية وفتح خيبر، لم تكونوا تقدرون عليها الآن، قد أحاط الله بها علما، أنها ستؤول إليكم، وتفتحونها وتأخذونها، مثل غنائم هوازن في معركة حنين، وفتوحات فارس والروم، وقد تحقق كل ذلك ولله الحمد، وأنجز الله وعده، وكان وما يزال على كل شيء قديرا مقتدرا، لا يعجزه شيء.
ولو بادركم بالقتال كفار قريش بالحديبية، لنصر الله تعالى رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزموا هزيمة منكرة، فارّين هاربين، ثم لا يجدون حارسا وحاميا، يحرسهم ويواليهم على قتالكم، ولا ناصرا معينا ينصرهم عليكم.
تلك سنة الله الدائمة في نصره جيش الإيمان على جيش الكفر، وإعلاء كلمة الحق وإبطال الباطل، على الرغم من عدم تكافؤ القوى، مثل النصر يوم وقعة بدر، وتلك السنة مستمرة ثابتة، لا تغيير لها.
والله تعالى بكرمه وفضله: هو الذي كف أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاؤوا يصدّون رسول الله ﷺ وجنوده عن البيت الحرام، عام الحديبية، في داخل مكة وحدودها، حيث هبط ثمانون رجلا، كما تقدم، على النبي ﷺ من جبل التنعيم، متسلحين بكامل أسلحتهم، يريدون مباغتة النبي ﷺ ، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم. وهذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، بكف المشركين عنهم، وكف المسلمين عن قتال أعدائهم. وكان الله وما يزال بصيرا بأعمال عباده المؤمنين والمشركين، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وكانت هذه الحملة مرسلة من قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل، فلما أحسّ بهم
стр. 2459
المسلمون، بعث رسول الله ﷺ في أثرهم خالد بن الوليد، وسماه حينئذ (سيف الله) في جملة من الناس، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة، وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله ﷺ ، فمنّ عليهم وأطلقهم، فهذا هو كفّ الله تعالى أيديهم عن المسلمين بالرعب، وكفّ أيدي المسلمين عنهم بالنهي عن القتال في بيوت مكة وغيرها، وذلك هو (بطن مكة) .
أسباب وآثار صلح الحديبية
أوضح الله تعالى في كتابه موقف المشركين من المسلمين قبل صلح الحديبية، من إعلان الكفر وصد المؤمنين عن البيت الحرام، وبيّن حكمة هذا الصلح، من أجل تعظيم حرمة المسجد الحرام، ونشر الإسلام وسلامة النساء والرجال المؤمنين، والقضاء على الحمية الجاهلية في مهدها، وكانت آثار هذا الصلح عظيمة، بإنزال السكينة والطمأنينة والثبات على قلب الرسول ﷺ وأتباعه المؤمنين:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
«١» «٢» «٣» [الفتح: ٤٨/ ٢٥- ٢٦] .
المعنى: لم يكن كفّ المسلمين عن المشركين عام الحديبية لخير فيهم، فإنهم هم
стр. 2460
الذين كفروا بالله ورسوله، ومنعوكم أيها المسلمون من الطواف بالبيت الحرام، وأنتم أحق به وأهلوه، وصدوا الهدي (ما يهدى إلى الحرم من الأنعام) محبوسا في مكانه، عن بلوغ محل ذبحه، بغيا وعدوانا، وكان الهدي مائة أو سبعين بدنة (ناقة أو جمل) . ومحلّه: موضع نحره الذي يذبح فيه عادة، وهو منى، أو الحرم المكي، فصار محل الإحصار (المنع من دخول مكة) على طريق الرخصة محلّا للنحر، وكان ذلك خارج الحرم. وتم عقد صلح الحديبية بين سهيل بن عمرو مفاوض قريش، وبين النبي ﷺ ، على أن يعود الرسول عنهم، ويعتمر من العام القابل، فهذا كان صدّهم إياه.
وعلة صرف المسلمين عن القتال وعدم تمكينهم من دخول مكة: حماية أهل الإيمان سرا، وهو أنه كان بمكة مؤمنون، رجال ونساء، خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون أرض مكة، أهلكوا أو قتلوا أولئك المؤمنين، فتصيبهم من جهتهم مشقة وأسى أو مكروه، خطأ بغير قصد ولا علم، لوقوع القتل جهلا، فيقول المشركون:
إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم، فدفع الله تعالى عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع الله تعالى بالمؤمنين عن الكفار.
وقوله تعالى: أَنْ تَطَؤُهُمْ أي لولا وطؤكم قوما مؤمنين، فهي على هذا في محل رفع، أو هو منصوب بدلا من ضمير لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أي لم تعلموا وطأهم أنه وطء مؤمنين.
ولكن كفّ الله أيديكم عنهم وحال بينكم وبين قتالهم، ليخلص المؤمنين من أسرهم، وليدخل في رحمته من يشاء، فيدخل كثير منهم الإسلام.
لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا وذهبوا عن مكة، وانفصل بعضهم عن بعض، لعذب الله الذين كفروا عذابا مؤلما وهو القتل، بأن نسلطكم عليهم، فتقتلوهم قتلا شديدا.
стр. 2461
ووقت هذا العذاب: حين جعل الذين كفروا في مكة في قلوبهم أنفة الجاهلية التي لا تعرف المنطق والحق والعدل، وهو قولهم: «واللات والعزّى لا يدخلونها علينا» وإباؤهم كتابة البسملة ووصف محمد بأنه رسول الله، في مقدمة صلح الحديبية.
فأنزل الله تعالى الطمأنينة والثبات والصبر على رسوله وعلى المؤمنين، حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وثبّتهم على الرضا والتسليم، وألزمهم كلمة التقوى: وهي عند الجمهور (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وتعظيم الحرم، وترك القتال فيه، ولم يستفزهم صنيع الكفرة المشركين، لانتهاك حرمة الحرم.
وكان المؤمنون أهل هذه الكلمة على الإطلاق، في علم الله تعالى وسابق قضائه سبحانه لهم، فهم أهل الحق والاعتقاد الصحيح، على نقيض المشركين ذوي العقيدة الفاسدة، وكان الله وما يزال عليما بمن يستحق الخير، ممن يستحق الشر، وهذا إشارة إلى علمه تعالى بالمؤمنين الذين دفع الله السوء بسببهم عن كفار قريش، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد هذا الصلح، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد المسلمين في تلك المدة أضعاف ما كان قبل ذلك، فقد كان الرسول ﷺ عام الحديبية في ألف وأربع مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس.
تحقيق رؤيا النبي ﷺ ، وأوصافه وأصحابه
رؤيا الأنبياء حق وجزء من الوحي، ولقد رأى النبي ﷺ في منامه عند خروجه إلى العمرة، أنه يطوف بالبيت الحرام هو وأصحابه، بعضهم محلّقون، وبعضهم مقصرون، وقال مجاهد: أري ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه الرؤيا، ووثق
стр. 2462
الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك (أي عام الحديبية) ولكن سبق في علم الله أن ذلك ليس في تلك الوجهة، وإنما في عام مقبل، وتحقق ذلك. وكانت مهمة الرسول وما زالت هداية إلى الطريق القويم وإلى الدين الحق. وأوصاف صحابته عجيبة: هي الشدة على الأعداء، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة العبادة، والحرص على الثواب وإرضاء الله، والتميز بالنور، وتوصيفهم في التوراة والإنجيل، وانتقالهم إلى مرحلة القوة والكثرة، ووعدهم من الله بالمغفرة والجنة، كما في هذه الآيات الآتية:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الفتح: ٤٨/ ٢٧- ٢٩] .
أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أري النبي ﷺ ، وهو بالحديبية أنه يدخل مكة، هو وأصحابه آمنين، محلّقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية، قال أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟
فنزلت: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ..
المعنى: تالله لقد صدق الله تعالى تأويل رؤياه، التي رآها، تصديقا مقترنا بالحق:
стр. 2463
أنكم ستدخلون المسجد الحرام بمشيئة الله تعالى، في عام قابل، وليس في عام الحديبية، حالة كونكم آمنين من العدو، محلقا بعضكم جميع رأسه، ومقصرا بعضكم الآخر، لا تخافون من أحد.
فعلم الله ما لم تعلموا من الحكمة والمصلحة في تأخير العمرة إلى العام القادم، وانتشار الإسلام ودخول الناس فيه، والحفاظ على من كان من المؤمنين في مكة، فجعل من دون ذلك الفتح فتحا قريب الحصول: هو بيعة الرضوان، في رأي كثير من الصحابة، أو هو صلح الحديبية فيما روي عن مجاهد وابن إسحاق، أو هو فتح خيبر، وهو الأولى، فهو كالدليل على صدق الرؤيا وتحققها.
وليس الفتح القريب هو فتح مكة، لأن ذلك لم يكن من دون دخول النبي ﷺ وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح لمكة كان سنة ثمان من الهجرة.
وربط دخول المسجد الحرام بمشيئة الله، لتعليم العباد الأدب، وإرشادهم إلى تعليق كل أمر بمشيئة الله تعالى، سواء كان محقق الوقوع أو محتمل الوقوع.
وأكد الله تعالى تحقيق الرؤيا بتصديق الرسول ﷺ في كل شيء، فالله هو الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى، أي بالإرشاد إلى الطريق الأقوم، وإلى دين الإسلام، والعلم النافع، والعمل الصالح، ليحقق إعلاءه وإظهاره على كل الأديان، وإن بقي من الدين الآخر أجزاء. وكفى بالله شاهدا عندكم بهذا الخبر ومعلما به، وبهذا الوعد، من إظهار دينه على جميع الأديان، وهو رد على سهيل بن عمرو سفير أهل مكة لعقد صلح الحديبية، الذي أبى أن يكتب في مقدمة الصلح البسملة وكلمة (رسول الله) . فالآية على هذا وعيد للمشركين الذين رفضوا هذه الكلمة، فرد الله تعالى عليهم بهذه الآية.
محمد رسول من عند الله حقا بلا شك، وهو مبتدأ وخبر، وصحابته الذين معه
стр. 2464
يمتازون بالشدة والصلابة على الكفار الذين جحدوا بوحدانية الله، ويتراحمون فيما بينهم. وكلمة: وَالَّذِينَ مَعَهُ مبتدأ، وخبره: أشداء، ورحماء: خبر ثان. ووصف الشدة كما في آية أخرى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: ٩/ ١٢٣] . ووصف الرحمة كما جاء في حديث صحيح
أخرجه الإمام أحمد ومسلم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» .
وهاتان صفتان لهم، وبقية الصفات هي:
- إنك تشاهدهم يكثرون الصلاة بإخلاص، فتراهم راكعين ساجدين، يطلبون الثواب والرضا من الله، ويحتسبون عند الله تعالى جزيل الثواب: وهو الجنة.
- وعلامتهم المميزة لهم: وجود النور والوقار في الوجه والسمت الحسن والخشوع.
- ذلك الوصف المذكور للصحابة هو وصفهم المذكور في التوراة، والإنجيل، كانوا ضعافا، فتقوّوا، وصاروا في تكاثرهم مثل الزرع الذي أخرج فروعه على جوانبه، فاشتد وقوي، وأعانه وشدّه، واستقام وقوي على سوقه أو أصله، يعجب هذا الزرع الزّرّاع لقوته وحسن منظره، وتكاثر ليكونوا غيظا للكافرين.
ويُعْجِبُ الزُّرَّاعَ جملة في موضع الحال، فإذا أعجب الزراع، فهو أحرى أن يعجب غيرهم. وقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ابتداء كلام، قبله محذوف، تقديره:
جعلهم الله تعالى بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، أي المشركين، وعد الله تعالى الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا صالح الأعمال، أي الواجبات، منهم: أن يغفر ذنوبهم، ويجعل لهم ثوابا جزيلا في الجنة و (من) لبيان الجنس لا للتبعيض.
стр. 2465
تفسير سورة الحجرات
تقديم الكتاب والسنة والأدب مع الرسول ﷺ
أمر الله بالتزام أحكام القرآن والسنة، ونهى عن تقديم شيء على كلام الله ورسوله، وألزم المؤمنين بتعظيم النبي ﷺ في خطابهم له، من غير رفع الصوت، وفي ترك مناداتهم له كرعاة الشاء باسمه المجرد عن وصف الرسالة بقولهم: «يا محمد، يا محمد» من خارج حجرات (غرف) زوجاته، تأدبا معه بالآداب العالية المشتملة على التوقير والتعظيم، وهذا صريح في الآيات الآتية، في مطلع سورة الحجرات المدنية بالإجماع من أهل التأويل:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [الحجرات: ٤٩/ ١- ٥] .
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله لا تتقدموا بقول أو حكم قبل حكم الله
стр. 2466
ورسوله، فربما أخطأتم، واتقوا الله في كل أموركم، وراقبوه في تجاوز ما لم يأذن به الله تعالى ورسوله، فإن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم ونياتكم. وهذا نهي صريح عن مخالفة القرآن والسنة.
نزلت- كما
روى البخاري والترمذي وغيرهما- لما قدم وفد بني تميم، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، لو أمّرت الأقرع بن حابس، وقال عمر ﵁:
يا رسول الله، بل أمّر القعقاع بن معبد، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية في ذلك.
وأكّد الله تعالى الأدب السابق بغض الصوت، فيا أيها المؤمنون، إذا خاطبتم رسول الله ﷺ ، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، لأن ذلك يدل على ترك الاحترام والأدب، وخاطبوه بالسكينة والوقار والصوت الهادئ، خلافا لعادتكم مع بعضكم برفع الصوت، والجهر غير المعتاد بالقول، ولا تقولوا: يا محمد، ويا أحمد، ولكن:
يا نبي الله، أو يا رسول الله، توقيرا له، واحتراما لرسالته، نهاكم الله عن رفع الصوت المزعج، خشية أن يذهب ثواب أعمالكم، أو وقوعكم في الكفر، من حيث لا تشعرون بذلك. أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية.
ثم رغب القرآن في خفض الصوت، فقال الله تعالى: إن الذين يخفضون أصواتهم أثناء مكالمة النبي ﷺ أو في مجالسه، أخلص الله قلوبهم للتقوى، وجعلها أهلا ومحلا لها، أو اختبرها وطهّرها كما يمتحن الذهب بالنار، فيسّرها وهيأها للتقوى، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم على تأدبهم بخفض الصوت وسائر الطاعات. نزلت- كما أخرج ابن جرير- في ثابت بن قيس الذي آلى على نفسه ألا يرفع صوته أبدا على صوت رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ
стр. 2467
تألّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله إلا كأخي السرار (أي كصاحب السر) فأنزل الله تعالى في أبي بكر: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ.
وروى الإمام أحمد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين لا يشتهون المعصية ولا يعملون بها أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
ثم ذمّ الله تعالى الذين ينادون رسول الله ﷺ ، من خارج حجرات (بيوت) نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، فقال الله مرشدا لهم إلى ما هو الخير والأفضل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ.. أي إن الذين ينادونك أيها النبي من بعيد، من وراء بيوت نسائك، وهم جفاة بني تميم، أكثرهم جهال، لا يعقلون الأصول والآداب الاجتماعية، ولا يقدّرون ما يجب لك من الاحترام والتعظيم. وقوله: أَكْثَرُهُمْ يراد به في أكثر أحوالهم لا يعقلون أو أكثرهم لا كلهم لا يعقلون.
أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: جاء ناس من العرب إلى حجر النبي ﷺ ، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الآية.
وفي مصحف ابن مسعود: «أكثرهم بنو تميم لا يعقلون» .
وليتهم لو صبروا حتى تخرج إليهم كالمعتاد، لكان لهم في ذلك الخير والمصلحة في الدنيا والآخرة، لما فيه من رعاية حسن الأدب مع رسول الله ﷺ ، ورعاية قدره الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والاحترام، والله غفور (كثير المغفرة) لذنوب عباده، رحيم (واسع الرحمة) بهم، لا يؤاخذ مثل هؤلاء، فيما فرض منهم من إساءة الأدب، جهلا وعادة قبيحة، فهم يحتاجون إلى التعليم، وهذا حث على التوبة، وترجية لهم وإعلام بقبول توبة التائب، وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع.
стр. 2468
التثبت من نقل الأخبار
تناقل الأخبار آفة المجتمعات، فقد يكون بعضها إشاعة، أو كذبا، وقد يكون هناك كثير من المبالغة في الخبر وتضخيمه، وغالبا ما يكون نقل الخبر بحاجة ماسة إلى الدقة في النقل، وضبط اللفظ، وفهم المراد، وتأويل المسموع، لذا كان لا بد من الكتابة أو التدوين أو التسجيل ليكون الخبر صحيحا أو مطابقا للواقع، وقد يكون الخبر كله ملفقا أو موضوعا لدوافع سياسية أو مناصرة اتجاه معين أو لبذر بذور الفرقة، وتأجيج نار الخلاف بين الناس، الأقارب أو الأباعد، لذا أوجب القرآن التثبت من الأخبار، تحقيقا للمصلحة العامة أو الخاصة، ومنعا من إيقاع الفتنة، وزرع الفرقة، فقال الله تعالى:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٦ الى ٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [الحجرات: ٤٩/ ٦- ٨] .
سبب نزول الآية- فيما
أخرجه ابن جرير الطبري وأحمد وغيرهما بسند جيد عن ابن عباس- أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدّقا (جابيا للصدقات) وكان معاديا لهم، فأراد إذايتهم، فرجع من بعض طريقه، وكذب عليهم، وقال للنبي ﷺ : إنهم قد منعوا الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب النبي ﷺ ، وهمّ بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورد وفدهم
стр. 2469
منكرين لذلك، فنزلت الآية بهذا السبب.
وهي وإن نزلت خاصة في هؤلاء القوم، فهي عامة إلى يوم القيامة، ما نسخها شيء.
ومعناها: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إن أتاكم فاجر، لا يبالي بالكذب، بخبر فيه إضرار بأحد، فتبينوا الحقيقة، وتثبتوا من الأمر، ولا تتعجلوا بالحكم حتى تتبصروا في صحة الخبر، لتظهر الحقيقة، خشية أن تصيبوا قوما بالأذى، وتلحقوا بهم ضررا لا يستحقونه، وأنتم جاهلون حالهم، فتصيروا على ما حكمتم عليهم بالخطإ نادمين على ذلك.
وفي تنكير (فاسق) و (نبأ) دلالة على العموم في الفساق والأنباء، مما يدل على أن شهادة الفاسق لا تقبل، وأن خبر الواحد العدل حجة.
وعليكم أيها المؤمنون تعظيم قائدكم، فاعلموا أن معكم رسول الله، فعظموه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، ولا تقولوا قولا باطلا، ولا تتسرعوا بالحكم على الناس من غير تبيّن حقيقة الخبر، ولو أطاعكم في كثير من الأخبار التي تخبرونه بها باجتهادكم وتقدمكم بين يديه، لأدى ذلك إلى الوقوع في العنت: وهو المشقة والإثم والهلاك.
ولكن الله تعالى أنعم عليكم بنعم كثيرة، فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا بإنعام الله تعالى عليكم، وحبّب، أي قرّب الإيمان إلى بعضكم وحسّنه وخلقه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر (جحود الخالق وتكذيب الرسل) والفسوق (الخروج عن حدود الدين) والعصيان (المخالفة وعدم الطاعة) أي جعل هذه الثلاثة مكروهة في قلوبكم، بما وصف من العقاب عليها، هؤلاء الذين قبلوا هذه النصائح واستقاموا على طريق الحق ومقتضى الشرع، وأدب الدين، وشكروا الله على ذلك، هم الراشدون المهديون، الذين لم يتورطوا في اتهام غيرهم دون تثبت. وقوله أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ التفات من الخطاب إلى الغيبة.
стр. 2470
وإن تحبيب الإيمان إليكم، وتكريه الأمور الثلاثة المتقدمة تفضل الله بها عليكم تفضلا وإنعاما من لدنه، والله عليم بكل الأمور الحادثة والمستقبلة، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره. وقوله: فَضْلًا مصدر مؤكد بنفسه، لأن ما قبله هو بمعناه، إذ التحبيب والتزيين هو نفس الفضل.
كان قتادة ﵀ يقول: قد قال الله تعالى لأصحاب محمد ﷺ : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وأنتم والله أسخف رأيا، وأطيش أحلاما، فليتّهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله ﵎.
إن في هذا الأدب وهو التثبّت من الأخبار المنقولة، والروايات المروية، فائدة عظيمة للأفراد والجماعات، فكم من خبر مفترى ولّد أحقادا ومنازعات، واتهامات باطلة، فيندم ناقل الخبر لتركه التأمل والتأني،
قال ﵊: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» «١» .
فض المنازعات الداخلية (البغاة)
تقع الصراعات أو المنازعات الداخلية المسلحة عادة في كل زمان ومكان، بسبب بعض الشبهات أو التأويلات، من فئات تستبد بها الأهواء أحيانا، أو الجنوح أحيانا، أو مناصرة لحق يرونه، وظلم يبغون رفعه، وتتكبد الأمة خسارة كبيرة في القضاء على الثورات المسلحة والفتن الداخلية، ولو احتكموا إلى القرآن بمعانيه الدقيقة، لما نشب بينهم شيء من الخلاف، وقد أنزل الله تعالى في قرآنه حكما سديدا في هؤلاء في الآيات الآتية:
стр. 2471
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» [الحجرات: ٤٩/ ٩- ١٠] .
سبب نزول هذه الآية- فيما
أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم- عن أنس بن مالك ﵁: «أنه قيل لرسول الله ﷺ : يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبيّ، فانطلق إليه على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فبال الحمار، فقال: إليك عني، فو الله، لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة: والله، إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل منهما أصحابه، فوقع بينهما حرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...
والمعنى: إذا تقاتلت جماعتان من المسلمين، فعلى ولي الأمر الإصلاح بينهما بالنصح والدعوة إلى الله والإرشاد، وإزالة الشبه، ورفع أسباب الخلاف. والتعبير ب (إن) للدلالة على ندرة الواقعة، والخطاب لولاة الأمور، ويفيد الوجوب. وهو يدل على أن المعصية، وإن عظمت- لا تخرج من الإيمان.
فإن اعتدت أو تجاوزت إحدى الجماعتين على الأخرى، ولم تتقبل النصيحة، فعلى المسلمين أن يقاتلوا الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى حكم الله وترك البغي، ويكون القتال بالسلاح وغيره، يفعل الوسيط ما يحقق المصلحة، وهي الفيئة، فإن تحقق
стр. 2472
المطلوب سلما بغير سلاح، كان مسرفا في الزيادة، وإن تعين السلاح، فعل حتى الفيئة.
فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها، ورضيت بأمر الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى، حتى لا يتجدد القتال بينهما مرة أخرى، واعدلوا أيها الوسطاء في الحكم بينهما، إن الله يحب العادلين ويجازيهم أحسن الجزاء. وهذا أمر بالعدل في كل الأمور، روى عبد الله بن عمرو ﵄ فيما
أخرج ابن أبي حاتم والنسائي- أن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، بين يدي الرحمن ، بما أقسطوا في الدنيا» .
ثم أمر الله بالإصلاح في كل نزاع، لأن الله جعل بين المؤمنين أخوة في الدين، يجمعهم أصل واحد، وهو الإيمان، فيجب الإصلاح بين كل أخوين متنازعين، وقاعدة الإصلاح قائمة على تقوى الله، لذا أمر الله بعدئذ بالتقوى في هذا الإصلاح وفي كل أمر، بأن يلتزم الجميع بالحق والعدل، والبعد عن الظلم، ورقابة الله وخشيته، فإن المتنازعين إخوة في الدين، والإسلام سوّى بين جميع المؤمنين، لعلكم ترحمون أيها المتخاصمون بسبب التقوى: وهي التزام الأوامر، واجتناب النواهي، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ إنما المفيدة للحصر: تفيد أنه لا أخوة إلا بين المؤمنين، لأن الإسلام هو الرباط الجامع بين أتباعه، وهذا يدل على أن أخوة الدين أقوى وأمتن وأخلد من أخوة النسب، كما ذكر القرطبي وغيره.
وليست الفئة الباغية كافرة، قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: أمشركون هم أهل صفّين والجمل؟ قال: لا، من الشرك فرّوا، قيل: أفمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.
стр. 2473
وقال النبي ﷺ : «حكم الله تعالى في الفئة الباغية ألا يجهز على جريح، ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير» «١» .
ولا ضمان في أثناء القتال بين الفئتين المتحاربتين، فإذا لم يقع قتال، نفّذت الأحكام العادية العامة، فيجب القصاص من القاتل عمدا، وتجب الدية في القتل الخطأ، والكفارة.
إن تحكيم كتاب الله والرضا بما فيه، وإفهام المتأولين خطأ تأويلهم هو قاعدة حل المنازعات الداخلية في الإسلام، ولو طبقت هذه القاعدة لما وجدنا اقتتالا قائما بين المسلمين.
الآداب الاجتماعية ووحدة الشعوب في الإنسانية
الدين رباط جامع بين العقيدة والعبادة، والمعاملة، والأخلاق أو الآداب، وليست الآداب مجرد صفات ترفيه أو كمالية في الإسلام، وإنما هي من صلب الدين، يحكمها مبدأ الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والرضا والسخط، خلافا لما يظن بعض الناس خطأ أن الأخلاق صفة كمالية لا تخضع للحساب والعقاب، ومن المعلوم أن تقدم المجتمعات ورقيها إنما يكون بالأخلاق السوية والآداب العالية، لذا كانت سورة الحجرات كلها في الأخلاق والمبادئ الاجتماعية والإنسانية، ومنها هذه الآيات:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١١ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
«٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 2474
«١» «٢» [الحجرات: ٤٩/ ١١- ١٣] .
ينهى الله تعالى عن السخرية واحتقار الناس، والنهي يفيد التحريم، فيا أيها المصدقون بالله ورسوله، لا يهزأ رجال من آخرين، فربما كان المهزوء به عند الله خيرا من المستهزئ أو الساخر، ولا تهزأ نساء من نساء أخريات، فلربما كانت المهزوء بها أفضل وأكرم عند الله من المستهزئة، ولا يطعن ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو فعل أو إشارة، ولا تتداعوا بالألقاب التي يسوء الشخص سماعها، ساء الوصف الذي يوصف به الرجل: وهو الفسق والفجور، بعد اتصافه بالإيمان، فالإيمان فضيلة زاجرة عن ضده وهو الفسق والكفر، ومن لم يتب عما نهى الله عنه من هذه الأوصاف الثلاثة (وهي السخرية، واللمز أو التعييب، والتنابز بالألقاب) فهو من الظالمين أنفسهم وغيرهم، لأن الإصرار على المنهي عنه كفر وظلم.
قال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين نزلت الآية الأولى من سورة الحجرات فيهم، استهزءوا بفقراء الصحابة، مثل عمار وخبّاب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم.
وآية وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ نزلت كما
قال ابن عباس في صفية بنت حييّ بن
стр. 2475
أخطب، أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن النساء يعيّرنني، ويقلن لي: يا يهودية بنت يهوديين!! فقال رسول الله ﷺ : «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الآية.
وآية وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ نزلت- كما أخرج أصحاب السنن الأربعة عن أبي جبيرة بن الضحاك- قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكرهه، فنزلت: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.
ثم أمر الله باجتناب سوء الظن، وحرمه، فيا أيها المصدقون بالله ورسوله، ابتعدوا عن كثير من الظن، فبعض الظن وهو ظن السوء بأهل الخير موقع في الإثم، لنهي الله عنه، وكل رشيد يحترس من سوء الظن ويسد ذرائعه، ثم نهى الله عن التجسس، فلا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتذيعوا أسرارهم ومثالبهم، والتجسس: البحث عما هو مكتوم، من العيوب. والتحسس: البحث عن الأخبار، والاستماع لحديث القوم وهم له كارهون، ثم حرم الله الغيبة: وهي ذكرك أخاك بما يكره، فلا يذكر بعضكم بعضا في غيبته بما يسيء إليه، صراحة أو إشارة، لما فيه من الأذى بالمغتاب، وهو يتناول كل ما يؤذي الآخرين، سواء في الدين أو الدنيا، في الخلق أو الخلق، في المال أو الولد أو الزوجة أو الخادمة أو اللباس ونحو ذلك.
وشبه الله تعالى الغيبة بأكل لحم الإنسان الميت للتنفير، وهو ما يكرهه كل إنسان، وإذا كان يكرهه، فالغيبة مثله، فهي كأكل جثة الإنسان، وهذا تنفير وتوبيخ وتقبيح شديد، فضلا عن كونه محرما شرعا، أي إن الغيبة حرام شراعا، وقبيحة عقلا وعرفا ودينا.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال: زعموا أن آية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً نزلت في سلمان الفارسي، أكل ثم رقد، فذكر رجل أكله ورقاده، فنزلت.
стр. 2476
وتجوز الغيبة عند رفع الظلم وفي الشهادة والقضاء والاستشارة والتحذير من الفاسق، ثم جاءت آية الشعوب «١» الإنسانية، فيا أيها الناس- والنداء هنا بصفة الناس وما قبلها بصفة الإيمان- لقد خلقناكم جميعا من أصل واحد، ومن نفس واحدة، من آدم وحواء، فأنتم متساوون، لأن نسبكم واحد، وأباكم واحد، وأمكم واحدة، فلا تفاخر بالأنساب، فالكل سواء، وقد جعلناكم شعوبا (أمما كبيرة) وقبائل دونها للتعارف لا للتناكر، ولا للتفاخر بالأنساب، إن أكرمكم وأفضلكم عند الله بالتقوى أو بعمل صالح، فدعوا التناكر والتفاخر، إن الله عليم بكم وبأعمالكم، خبير بأحوالكم وأموركم.
أخرج الترمذي والدارمي وأحمد عن أبي بكر: «قيل: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله» .
وحكى الزهراوي: أن سبب نزول هذه الآية غضب الحارث بن هشام، وعتّاب ابن أسيد، حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة.
الإيمان والإسلام
لا تنهض الأمة كلها ولا ترتقي، أو تسمو طفرة واحدة، وإنما تحتاج لفترة زمنية أو تدرج زمني لتشمل التربية جميع أفرادها وجماعاتها، وهكذا كان شأن الأمة الإسلامية في صدر الإسلام، لم يكن الجميع على المنهج الأفضل المطلوب، وإنما هناك تفاوت، فالذين لازموا الرسول ﷺ استناروا بأدبه وأدب القرآن، والذين بعدوا عنه، لم يتنوروا بعد بأخلاق الإسلام، لذا بعد أن حرض القرآن على التقوى، قالت
стр. 2477
الأعراب (جماعة من سكان البادية وهم بنو أسد) أول ما دخلوا في الإسلام: لنا النسب الشريف، فلنا الشرف، فذمّهم الله تعالى، وأوضح ضعف إيمانهم، كما تصور الآيات الآتية:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٤ الى ١٨]
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحجرات: ٤٩/ ١٤- ١٨] .
آية قالَتِ الْأَعْرابُ نزلت- كما ذكر الواحدي عن مجاهد- في نفر من بني أسد ابن خزيمة، قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.
والمعنى: قال جماعة من الأعراب سكان البادية، وهم بنو أسد أول ما دخلوا الإسلام: صدقنا بالله ورسوله وآمنا في قلوبنا، فقال الله لهم: لَمْ تُؤْمِنُوا أي لم تصدقوا بقلوبكم، ولكن قولوا: أسلمنا، أي انقدنا لك يا رسول الله، واستسلمنا،
стр. 2478
وسالمناك فلا نحاربك، والإيمان بعد لم يدخل في قلوبكم، والله كثير المغفرة لمن تاب وأناب وأخلص العمل، واسع الرحمة فلا يعذب بعد التوبة.
دلت الآية على أن الإيمان: الذي هو التصديق بالقلب مع اطمئنان النفس أخص من الإسلام: الذي هو الاستسلام والانقياد لله تعالى، الذي يعصم أو يحقن الدم. ثم بيّن القرآن حقيقة الإيمان، إنما المؤمنون الإيمان الخالص: هم الذين صدقوا بالله ورسوله تصديقا تاما في القلب، وإقرارا باللسان، ثم لم يشكوا ولم يترددوا في إيمانهم، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض بالحق مع الاطمئنان النفسي، والأمن الذاتي، وجاهدوا بالأموال والأنفس حق الجهاد، من أجل طاعة الله وابتغاء رضوانه، قاصدين بجهادهم وجه الله وإعلاء كلمته ودينه، أولئك المتصفون بهذه الصفات المذكورة هم الصادقون في إيمانهم.
ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ بتوبيخهم وبيان حقيقة أمرهم بقوله: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي قل أيها الرسول لهم: أتخبرون الله بما في ضمائركم من الدين، أو بقولكم: آمَنَّا وهو يعلم منكم خلاف ذلك، لأنه العليم بكل شيء في السماوات والأرض وما بينهما، فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟
ثم ذكر الله سبحانه أن إسلامهم لم يكن لله، فإنهم يمتنون بإسلامهم، أي يعدّون إسلامهم منّة ونعمة عليك أيها النبي، حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، أي إنا آمنّا بك، واتّبعناك ولم نحاربك، كما فعلت محارب وحصفة وهوازن وغطفان وغيرهم، فنزلت هذه الآية فيهم، أي في بني أسد، كما حكى الطبري وغيره.
قل أيها النبي: لا تعدّوا أيها الأعراب إسلامكم منّة علي، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، بل الله يمتن عليكم، حين وفقكم للإيمان، بزعمكم إذ تقولون: آمنا، فقد
стр. 2479
لزمكم أن الله تعالى مانّ عليكم إن صدقتم في ادعائكم الإيمان. وفي هذا إيماء إلى أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان.
ثم أكد الله تعالى علمه بكل شيء بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ.. أي إن الله تعالى عليم بما ظهر وما غاب في جميع أنحاء السماوات والأرض، ومن جملة ذلك: ما يسّره كل إنسان في نفسه، والله مطلع على كل شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم بالخير خيرا، وبالشر شرا، وهذه الآية تؤكد الإخبار بعلم الله بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، ليترسخ ذلك في الأذهان ويستقر في أصائل القلوب.
لقد أوضحت هذه الآيات: أن المؤمنين هم الذين يصدقون بقلوبهم أن الله تعالى هو الخالق والقادر والعالم بكل شيء، والرازق صاحب الفضل، والذي لا أول له ولا نهاية، وكل شيء هالك إلا وجهه، وهم يصدقون برسالة رسول الله وأنه خاتم النبيين، وإمام المرسلين، والمبلغ وحي ربه عليه، وأنه عبد الله ورسوله إلى الناس جميعا، لا إلى العرب خاصة، ولم يشكّوا في شيء، وإنما كان إيمانهم كالجبال الرواسي راسخا في القلب، ويقينا تاما لا يشوبه شيء، وأنهم يجاهدون في سبيل الله جهادا بالنفس والمال.
وأما الإسلام: فهو الإعلان باللسان عن أركانه، من النطق بالشهادتين، وتنفيذ واجباته، من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا.
стр. 2480
تفسير سورة ق
إنكار البعث
تكرر الحديث في القرآن المجيد عن إنكار المشركين البعث، مستهجنين أن إعادة الرفات البالية التي صارت ترابا مشتتا، كيف يمكن إعادتها للحياة مرة أخرى، وذلك بسبب فقد الإيمان، والجهل بقدرة الله الخارقة والشاملة لكل شيء، وجاء الرد القرآني على هذا الإنكار من نواح ثلاث: أولها: أن الله الذي خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم، والإعادة أهون من البدء في مستوى عقل البشر، وثانيها: أن الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات قادر على خلق جديد. وثالثها:
أن إنبات النبات والزرع والشجر من التراب الميت في الظاهر، وإحياء الأرض بالمطر، مثل إحياء الإنسان بقدرة الله، وقدرة الله تعالى تتجاوز كل التصورات.
وهذا ما دوّنته الآيات في مطلع سورة (ق) الآتية، وهي مكية بالإجماع وآيات سور كثيرة لإثبات الحشر، قال الله تعالى:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2481
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [ق: ٥٠/ ١- ١١] .
افتتح الله السورة بحرف ق للتنبيه لأهمية ما بعده، وأكثر ما يأتي بعد الحروف الأبجدية أو حروف المعجم الإشارة للقرآن، لبيان الإعجاز القرآني وتحدي العرب للإتيان بمثله، ما دام متكونا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون.
ثم أقسم الله تعالى بالقرآن الممجّد المعظم الرفيع الكثير البركة والخير، أنك يا محمد جئتهم منذرا بالبعث، وجواب القسم محذوف دل عليه ما بعده: وهو إثبات النبوة والمعاد.
هؤلاء كفار قريش تعجبوا لأن جاءهم رسول منهم ينذرهم بالبعث، فقالوا: هذا شيء يدعو للعجب: وهو أن ينذرهم رجل منهم، معروف بالأمانة والصدق والعدل.
وشبهة تعجبهم: أنبعث ونرجع أحياء إذا متنا وتفرقت أجزاؤنا في الأرض، وصرنا ترابا منثورا، وعظاما بالية؟ ذلك البعث رجوع مستبعد عقلا، لأنه في عقلهم المحدود والضعيف غير ممكن وغير مألوف عادة. وقوله: بَلْ عَجِبُوا معناه قد عجبوا والضمير عند جمهور المتأولين: هو لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم. أما المؤمنون فنظروا واهتدوا، وأما الكافرون فبقوا على عمايتهم.
فرد الله تعالى عليهم مبينا مدى قدرته على البعث وغيره، بقوله: لقد علمنا علما متيقنا ما تنقص، أي تأكل الأرض من أجسادهم حال البلى، ولا يخفى علينا شيء
стр. 2482
من ذلك، وعندنا كتاب حافظ شامل لعددهم وأسمائهم وتفاصيل الأشياء كلها، وهو اللوح المحفوظ. إنه تعالى يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقي منه، وأن ذلك في كتاب، وكذلك يعود في الحشر، معلوما ذلك كله. والحفيظ: الجامع الذي لم يفته شيء.
وسبب كفرهم وعنادهم: أن كفار قريش في الواقع كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد ﷺ الثابتة بالمعجزات، وكان تكذيبهم من غير ترو، ولا تدبر وتفكر، وإنما بمجرد تبليغهم به من قبل هذا الرسول، فهم في أمر مضطرب مختلط من دينهم، يقولون مرة عن القرآن والنبي: ساحر وسحر، ومرة: شاعر وشعر، ومرة: كاهن وكهانة، فهم في قلق واضطراب، لا يدرون ماذا يفعلون.
ثم استدل الله تعالى على قدرته العظيمة على البعث وغيره بدليل حسي مشاهد لهم:
أفلم ينظر هؤلاء الكفار نظرا واضحا إلى هذه السماء المخلوقة العجيبة، فهي مرفوعة بلا عمد، ومزينة بالكواكب، ومبنية بناء راسخا، ليس فيها شقوق وصدوع وفتوق، ثم ألم ينظروا أيضا إلى الأرض التي بسطناها ووسعناها، وألقينا فيها جبالا ثوابت لئلا تضطرب بأهلها، وأنبتنا فيها من كل صنف نباتي ذي بهجة وجمال وحسن منظر.
فعلنا ذلك ليتبصّر العباد والمنيبون الراجعون إلى ربهم وطاعته، ويتفكروا في بدائع مخلوقاته، ويتذكروا هذه الأدلة، وخص الله تعالى بالذكر العبد المنيب وأفرده تشريفا، من حيث إن هؤلاء العباد هم المنتفعون بالتبصرة والذكرى.
وكيفية الإنبات من التراب التي يشبهها إعادة الخلق أو البعث والحشر: أن الله قال: لقد أنزلنا من السحاب المطر الكثير النفع، المنبت كل شيء من الأشجار في البساتين، ومن الحبوب التي تحصد كالقمح والشعير ونحوهما. وأنبتنا أيضا به النخيل الجميل الطويل الشاهق في السماء، والتي لها طلع (أول ما يخرج من ثمر النخيل)
стр. 2483
منضّد متراكم بعضه فوق بعض، ليكون مصدر رزق وقوت للعباد، وأحيينا بالمطر كل أرض أو بلدة ميتة لا حراك فيها، وإن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء.
وهذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث. والخروج: هو الخروج من القبور.
سيرة المكذبين الأول وتدوين أقوال الإنسان
ذكّر الله تعالى بما صدر عن الأمم السابقة من تكذيب الأنبياء، مثل قول نوح وأصحاب الرّس (البئر العظيمة باليمامة) وثمود، وعاد، وفرعون، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة (الغيضة الكثيفة قوم شعيب) وقوم تبّع (الملك الحميري باليمن) وذكّر المولى بأنه يعلم كل ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال ووساوس النفس، وأخبر بتسجيل الملكين عن اليمين وعن الشمال كل قول أو فعل للإنسان، كما تصوّر الآيات الآتية:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١٢ الى ١٨]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [ق: ٥٠/ ١٢- ١٨] .
стр. 2484
هدّد الله كفار قريش بأن يعاقبهم بمثل ما عاقب به الأمم السابقة قبلهم، الذين كذّبوا الرسل، فعذبهم بالطوفان كقوم نوح ﵇، أو بالغرق في البحر كفرعون وقومه، أو بريح شديد عاتية كعاد قوم هود ﵇، أو بالريح الحصباء وخسف الأرض، كقوم لوط ﵇، أو بالصيحة الواحدة من جبريل ﵇: وهم ثمود قوم صالح ﵇، وأهل مدين قوم شعيب، وأصحاب الرسّ باليمامة، وأصحاب الأيكة، قوم شعيب ﵇، أو بخسف الأرض وهو قارون وأصحابه، أو بالإحراق بالنار وهم حمير قوم تبّع، وتبّع: اسم لكل من ملك حمير باليمن، مثل كسرى في الفرس، وقيصر في الروم.
كل هؤلاء كذبوا رسلهم الذين أرسلوا إليهم، فوجب عليهم الوعيد، وحقت عليهم كلمة العذاب على التكذيب.
وكان تبّع (أسعد أبو كرب) أحد التبابعة رجلا صالحا، صحب حبرين، فتعلّم منهما دين موسى ﵇، فأنكر قومه عليه ذلك، فندبهم إلى محاجّة الحبرين، فوقعت بينهما محاجّة عظيمة، واتفقوا على أن يدخل جميعهم النار التي في القربان، فمن أكلته النار فهو المبطل، فدخلوا فاحترق قوم تبّع، وخرج الحبران تعرق جباههما، فهلك القوم المخالفون، وآمن سائر قوم تبّع بدين الحبرين «١» .
وذكر الطبري عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلعنوا تبّعا فإنه كان قد أسلم» .
والدليل على إمكان البعث: أفعجزنا بالخلق المبتدأ الأول (بدء الخلق) حين خلقناهم ولم يكونوا شيئا، فكيف نعجز عن بعثهم وإعادتهم مرة أخرى؟ بل هم في
стр. 2485
الواقع في شك وحيرة من خلق مبتدأ جديد أو مستأنف بين مصدق ومكذب، وهو بعث الأموات من القبور.
وكما أن قدرة الله على البعث وغيره تامة، علم الله شامل، وتالله لقد أوجدنا الإنسان (اسم جنس) ونعلم بجميع أموره، ونحن أقرب إليه من حبل وريده، فكيف يخفى علينا شيء مما في قلبه؟ إن الله تعالى يعلم كل ما يصدر عن الإنسان، حتى ما يجول في خاطره، وحتى حديث النفس، وإن كان لا عقاب على حديث النفس، لما رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به» .
وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ عبارة عن قدرة الله تعالى على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة والعلم، قد أحيط به. والآية حجة على منكري البعث والجزاء، والله تعالى وكل بكل إنسان ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله، إحقاقا للحق وإقامة العدل، وإلزاما للحجة.
والله أقرب شيء للإنسان حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به وما يعمل به، فيأخذان ذلك ويثبّتانه، عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، والقعيد: من يقعد معك، فملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات.
ويحتمل أن يكون العامل في قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى فعلا مضمرا تقديره: اذكر إذ يتلقى. والمتلقيان: الملكان الموكلان بكل إنسان.
والقرب المراد في الآية: بالقدرة والملك. ويكون هناك إخبارات متوالية: الإخبار بعلم ما في نفس الإنسان، والإخبار بتدوين الملكين ما يصدر عن الإنسان، ثم خبر مجيء سكرة الموت، والنفخ في الصور، ومجيء كل نفس معها السائق والشهيد (أي ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه) .
стр. 2486
قال الحسن البصري: الحفظة (من الملائكة) أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل، ويؤيد ذلك الحديث الذي
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» .
ويروى أن ملك اليمين الذي يكتب الحسنات أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر: تثبّت لعله يتوب.
سكرة الموت وأحوال العذاب الأخروي
الانتقال عن عالم الدنيا يكتنفه مصاعب وأهوال ومخاطر كثيرة، أولها سكرات الموت: وهي ما يعتري الإنسان عند نزعه، والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة،
وكان رسول الله ﷺ يقول- فيما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن عائشة ﵂: «.. لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» .
ثم يعقب ذلك أهوال، منها: نفخ الصور، ومجيء كل نفس معها سائق يسوقها إلى المحشر وآخر يشهد عليها، وعند الوقوف بين يدي الرحمن للحساب ومعاينة الحقائق يكشف الغطاء عن الإنسان، فيرى ببصيرته أو بصر عينه ما غفل عنه في الدنيا، ويقوم الحوار بين الكافر وقرينه الشيطان يوم القيامة، ويكون القرار الحاسم إما بالزج في جهنم وإما بدخول الجنة، وهذا ما تذكره الآيات الآتية:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)
ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)
стр. 2487
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [ق: ٥٠/ ١٩- ٣٥] .
أيها الإنسان، جاءتك في نهاية العمر شدة الموت وغمرته التي تغشى الإنسان، وتبين لك بالموت الحق يقينا، والمراد بقوله: بِالْحَقِّ بلقاء الله تعالى وفقد الحياة الدنيا، ذلك الموت الذي كنت تميل عنه وتفر منه.
ونفخ في الصور نفخة البعث، ذلك الوقت الذي يكون عظيم الأهوال هو يوم الوعيد الذي أوعد الله به الكفار بعذاب الآخرة.
وأتت كل نفس من البشر، بالبدن والروح، معها ملك يسوقها إلى المحشر، وملك يشهد عليها أو لها بالأعمال من خير أو شر.
ويقال للإنسان الكافر أو كل واحد بر أو فاجر حينئذ في المحشر: لقد كنت في الدنيا غافلا عن هذا المصير أو هذا اليوم، فرفعنا عنك حجاب الغفلة والانهماك في لذائذ الدنيا، فاحتدت بصيرتك أو بصر العين، فصرت ترى ميزانك وغير ذلك من أهوال القيامة، وأدركت ما أنكرته في الدنيا.
стр. 2488
ويقدّم القرين السائق للإنسان: وهو الملك الموكل به أو قرينة من ربانية جهنم:
هذا ما عندي مهيأ معدّ لجهنم، أو هذا العذاب الذي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد، أو هذا الذي أحصيته من الأعمال عتيد لدي، وموجب عذابه.
وقال الزهراوي: قرينه: شيطانه، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف. والواقع أن القرين في الآيتين مختلف. فالقرين الذي في هذه الآية غير القرين الذي في قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ إذ المقارنة تكون على أنواع.
ويقول الله تعالى للسائق والشهيد: اطرحا في جهنم كل من كفر بالله أو أشرك به شريكا آخر، كثير المنع للخير كالزكاة، معتد ظالم بالأذى والفحش، شاكّ في الله وفي أخباره، الذي جعل مع الله شريكا إلها آخر، فألقياه في النار ذات العذاب الشديد.
ويحدث حوار بين الكافر وقرينه الشيطان الذي كان معه في الدنيا، فيقول: القرين الشيطان عن الكافر المقارن له، والمتبرئ منه: يا ربنا ما أضللته أو أوقعته في الطغيان، بل كان هو في نفسه ضالا، مؤثرا الباطل، معاندا للحق، فدعوته فاستجاب لي، فهو الذي كان في ضلال بعيد الغور، يستحق معه هذا العقاب.
قال الله للكافر وقرينه الشيطان: لا تتخاصموا ولا تتجادلوا عندي في موقف الحساب، فإني تقدمت إليكم في الدنيا بوعيدي وإنذاري ولقد قضيت ما أنا قاض، ولا يغير حكمي وقضائي، ولا خلف لوعدي، بل هو كائن لا محالة، ولست بظالم أحدا بغير جرم اقترفه أو ذنب ارتكبه، بعد قيام الحجة.
والعذاب قائم، فاذكر أيها الرسول لقومك حين يقول الله لجهنم: هل امتلأت، من الإنس والجن، فتنطق قائلة: هل من زيادة تزيدونني بها؟ غيظا على العصاة. وهذا حقيقة في الراجح، وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى. والنعيم محقق، حيث قربت الجنّة، لأهل التقوى تقريبا غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، بل هي بمرأى منهم.
стр. 2489
وتقول الملائكة للمنعّمين: هذا النعيم الذي ترونه من الجنة: هو ما وعدتم به في كتب ربكم، وعلى ألسنة رسله المرسلين إليكم، وهذا الثواب لكل رجّاع إلى الله تعالى وطاعته بالتوبة عن المعصية وترك الذنب الحافظ لحدود الله، ذلك المحافظ على الحدود فلا يقربها: هو من خاف الله ولم يكن رآه، وجاء بقلب خاشع مخلص في طاعة الله، سليم من أي شبهة أو شك.
ويقال لهم أيضا: ادخلوا الجنة سالمين من العذاب، ومن زوال النعم، ومن كل المخاوف، ذلك هو يوم الخلود الدائم أبدا. لهؤلاء المتقين الموصوفين بما ذكر ما يريدون من الجنة وتشتهيه أنفسهم، ولدينا زيادة من النعم لم تخطر لهم على بال.
إثبات البعث وتهديد منكريه
أنذر الله تعالى منكري البعث بالعذاب الأليم في الآخرة، ثم هددهم وأنذرهم بعذاب الدنيا المدمر، وبين الإنذارين تبيان حال المتقين في الجنة، للجمع بين الترغيب والترهيب، والإهلاك عظة وتذكير.
ثم أكد الله تعالى دليل إمكان البعث بخلق السماوات والأرض وما بينهما، وأمر رسوله بالصبر على ما يقولون من إنكار البعث، وبتنزيه الله عن كل نقص، فقد اقترب يوم البعث، وسمع صوت الداعي إليه، والله وحده هو المحيي والمميت، وإليه المصير، وهو سبحانه الأعلم بما يقول المشركون في البعث، وما عليك أيها النبي إلا متابعة مهمتك في الإنذار، والتذكير بالقرآن كلّ من يخاف وعيد الله وعقابه، كما تذكر هذه الآيات:
стр. 2490
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [ق: ٥٠/ ٣٦- ٤٥] .
كثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين من قريش ومن وافقهم، كانوا أكثر منهم، وأشد قوة، وآثارا في الأرض، كعاد وثمود وقوم تبّع وغيرهم، وقد فتشوا وبحثوا في البلاد، هل لهم من مفر أو مهرب يهربون إليه؟ وهل نفعهم ما جمعوا من أموال؟
إن فيما ذكر من قصة هؤلاء الأمم، وما ذكر في هذه السورة من المواعظ والعبر، لتذكرة وموعظة وعبرة لمن يعتبر بها، من كل ذي عقل واع، أو أصغى سمعه لفهم الحقائق، وهو شهيد، أي حاضر بروحه وعقله لا بجسده فقط.
ودليل إمكان البعث: تالله لقد أبدعنا من غير مثال سابق خلق السماوات والأرض وما بينهما من عجائب المخلوقات، في ستة أيام، وما أصابنا إعياء ولا تعب، فالقادر على خلقها قادر خلق البشر مرة أخرى. والله قادر على خلقهما في لحظة واحدة.
نزلت ردا على اليهود الذين قالوا: إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام، ثم