قال الحسن البصري: الحفظة (من الملائكة) أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل، ويؤيد ذلك الحديث الذي
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» .
ويروى أن ملك اليمين الذي يكتب الحسنات أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر: تثبّت لعله يتوب.
سكرة الموت وأحوال العذاب الأخروي
الانتقال عن عالم الدنيا يكتنفه مصاعب وأهوال ومخاطر كثيرة، أولها سكرات الموت: وهي ما يعتري الإنسان عند نزعه، والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة،
وكان رسول الله ﷺ يقول- فيما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن عائشة ﵂: «.. لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» .
ثم يعقب ذلك أهوال، منها: نفخ الصور، ومجيء كل نفس معها سائق يسوقها إلى المحشر وآخر يشهد عليها، وعند الوقوف بين يدي الرحمن للحساب ومعاينة الحقائق يكشف الغطاء عن الإنسان، فيرى ببصيرته أو بصر عينه ما غفل عنه في الدنيا، ويقوم الحوار بين الكافر وقرينه الشيطان يوم القيامة، ويكون القرار الحاسم إما بالزج في جهنم وإما بدخول الجنة، وهذا ما تذكره الآيات الآتية:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)
ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)
стр. 2487
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [ق: ٥٠/ ١٩- ٣٥] .
أيها الإنسان، جاءتك في نهاية العمر شدة الموت وغمرته التي تغشى الإنسان، وتبين لك بالموت الحق يقينا، والمراد بقوله: بِالْحَقِّ بلقاء الله تعالى وفقد الحياة الدنيا، ذلك الموت الذي كنت تميل عنه وتفر منه.
ونفخ في الصور نفخة البعث، ذلك الوقت الذي يكون عظيم الأهوال هو يوم الوعيد الذي أوعد الله به الكفار بعذاب الآخرة.
وأتت كل نفس من البشر، بالبدن والروح، معها ملك يسوقها إلى المحشر، وملك يشهد عليها أو لها بالأعمال من خير أو شر.
ويقال للإنسان الكافر أو كل واحد بر أو فاجر حينئذ في المحشر: لقد كنت في الدنيا غافلا عن هذا المصير أو هذا اليوم، فرفعنا عنك حجاب الغفلة والانهماك في لذائذ الدنيا، فاحتدت بصيرتك أو بصر العين، فصرت ترى ميزانك وغير ذلك من أهوال القيامة، وأدركت ما أنكرته في الدنيا.
стр. 2488
ويقدّم القرين السائق للإنسان: وهو الملك الموكل به أو قرينة من ربانية جهنم:
هذا ما عندي مهيأ معدّ لجهنم، أو هذا العذاب الذي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد، أو هذا الذي أحصيته من الأعمال عتيد لدي، وموجب عذابه.
وقال الزهراوي: قرينه: شيطانه، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف. والواقع أن القرين في الآيتين مختلف. فالقرين الذي في هذه الآية غير القرين الذي في قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ إذ المقارنة تكون على أنواع.
ويقول الله تعالى للسائق والشهيد: اطرحا في جهنم كل من كفر بالله أو أشرك به شريكا آخر، كثير المنع للخير كالزكاة، معتد ظالم بالأذى والفحش، شاكّ في الله وفي أخباره، الذي جعل مع الله شريكا إلها آخر، فألقياه في النار ذات العذاب الشديد.
ويحدث حوار بين الكافر وقرينه الشيطان الذي كان معه في الدنيا، فيقول: القرين الشيطان عن الكافر المقارن له، والمتبرئ منه: يا ربنا ما أضللته أو أوقعته في الطغيان، بل كان هو في نفسه ضالا، مؤثرا الباطل، معاندا للحق، فدعوته فاستجاب لي، فهو الذي كان في ضلال بعيد الغور، يستحق معه هذا العقاب.
قال الله للكافر وقرينه الشيطان: لا تتخاصموا ولا تتجادلوا عندي في موقف الحساب، فإني تقدمت إليكم في الدنيا بوعيدي وإنذاري ولقد قضيت ما أنا قاض، ولا يغير حكمي وقضائي، ولا خلف لوعدي، بل هو كائن لا محالة، ولست بظالم أحدا بغير جرم اقترفه أو ذنب ارتكبه، بعد قيام الحجة.
والعذاب قائم، فاذكر أيها الرسول لقومك حين يقول الله لجهنم: هل امتلأت، من الإنس والجن، فتنطق قائلة: هل من زيادة تزيدونني بها؟ غيظا على العصاة. وهذا حقيقة في الراجح، وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى. والنعيم محقق، حيث قربت الجنّة، لأهل التقوى تقريبا غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، بل هي بمرأى منهم.
стр. 2489
وتقول الملائكة للمنعّمين: هذا النعيم الذي ترونه من الجنة: هو ما وعدتم به في كتب ربكم، وعلى ألسنة رسله المرسلين إليكم، وهذا الثواب لكل رجّاع إلى الله تعالى وطاعته بالتوبة عن المعصية وترك الذنب الحافظ لحدود الله، ذلك المحافظ على الحدود فلا يقربها: هو من خاف الله ولم يكن رآه، وجاء بقلب خاشع مخلص في طاعة الله، سليم من أي شبهة أو شك.
ويقال لهم أيضا: ادخلوا الجنة سالمين من العذاب، ومن زوال النعم، ومن كل المخاوف، ذلك هو يوم الخلود الدائم أبدا. لهؤلاء المتقين الموصوفين بما ذكر ما يريدون من الجنة وتشتهيه أنفسهم، ولدينا زيادة من النعم لم تخطر لهم على بال.
إثبات البعث وتهديد منكريه
أنذر الله تعالى منكري البعث بالعذاب الأليم في الآخرة، ثم هددهم وأنذرهم بعذاب الدنيا المدمر، وبين الإنذارين تبيان حال المتقين في الجنة، للجمع بين الترغيب والترهيب، والإهلاك عظة وتذكير.
ثم أكد الله تعالى دليل إمكان البعث بخلق السماوات والأرض وما بينهما، وأمر رسوله بالصبر على ما يقولون من إنكار البعث، وبتنزيه الله عن كل نقص، فقد اقترب يوم البعث، وسمع صوت الداعي إليه، والله وحده هو المحيي والمميت، وإليه المصير، وهو سبحانه الأعلم بما يقول المشركون في البعث، وما عليك أيها النبي إلا متابعة مهمتك في الإنذار، والتذكير بالقرآن كلّ من يخاف وعيد الله وعقابه، كما تذكر هذه الآيات:
стр. 2490
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [ق: ٥٠/ ٣٦- ٤٥] .
كثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين من قريش ومن وافقهم، كانوا أكثر منهم، وأشد قوة، وآثارا في الأرض، كعاد وثمود وقوم تبّع وغيرهم، وقد فتشوا وبحثوا في البلاد، هل لهم من مفر أو مهرب يهربون إليه؟ وهل نفعهم ما جمعوا من أموال؟
إن فيما ذكر من قصة هؤلاء الأمم، وما ذكر في هذه السورة من المواعظ والعبر، لتذكرة وموعظة وعبرة لمن يعتبر بها، من كل ذي عقل واع، أو أصغى سمعه لفهم الحقائق، وهو شهيد، أي حاضر بروحه وعقله لا بجسده فقط.
ودليل إمكان البعث: تالله لقد أبدعنا من غير مثال سابق خلق السماوات والأرض وما بينهما من عجائب المخلوقات، في ستة أيام، وما أصابنا إعياء ولا تعب، فالقادر على خلقها قادر خلق البشر مرة أخرى. والله قادر على خلقهما في لحظة واحدة.
نزلت ردا على اليهود الذين قالوا: إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام، ثم
стр. 2491
استراح يوم السبت، فنزلت: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ أي تعب وإعياء. وتظاهرت الأحاديث بأن بدء خلق الأشياء كان يوم الأحد، وعند مسلم وفي الدلائل للبيهقي: أن ذلك كان يوم السبت. وأجمعوا على أن آدم ﵇ خلق يوم الجمعة.
ثم أمر الله نبيه بأوامر في مواجهة منكري البعث: وهي اصبر أيها الرسول على ما يقوله المشركون المكذبون بالبعث، وعلى ما يقوله بعض أهل الكتاب: ثم استراح يوم السبت. ونزّه الله دائما عن كل عجز ونقص، مقرونا التسبيح بالحمد دائما، قائلا:
سبحان الله وبحمده، وقت الفجر ووقت العصر، وبعض الليل، وفي أعقاب (أدبار) الصلوات. والمراد بالتسبيح والتحميد قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة الظهر والعصر، ومن الليل: العشاءان، وأدبار السجود:
النوافل بعد الفرائض. وقوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يراد به أهل الكتاب وغيرهم من الكفرة، وذلك يشمل جميع الأقوال الزائفة من قريش وغيرهم.
واستمع، أي انتظر أيها الرسول صيحة القيامة: وهي النفخة الثانية في صور إسرافيل ﵇، يوم ينادي نداء يسمعه جميع أهل المحشر قائلا: هلموا إلى الحساب «١» ، فيخرجون من قبورهم. وقوله: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلائق.
وصيحة البعث كائنة حقا، وهي يوم سماع النفخة الثانية في الصور التي تنذر بالبعث والحشر والجزاء على الأعمال، وذلك يوم الخروج من القبور. إننا وحدنا نحن الإله نحيي الموتى في الدنيا والآخرة، ونميت الأحياء في الدنيا حين انقضاء الآجال،
стр. 2492
وإلينا المرجع في الآخرة للحساب والجزاء، فنجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وإلينا مصير الخلائق وقت أن تتصدع الأرض عنهم، فيخرجون من القبور، ويساقون إلى المحشر، مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم، ذلك حشر، أي جمع هين علينا، لا مشقة فيه ولا عسر.
ثم هدد الله تعالى المشركين بقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ.. أي نحن نعلم علما محيطا بما يقول لك المشركون، من تكذيب رسالتك أيها النبي، ومن إنكار البعث والتوحيد، وما أنت عليهم بمسلّط يجبرهم ويقسرهم على الإيمان، إنما أنت مبلّغ. قال قتادة: نهى الله تعالى عن التجبر، وما أنت عليهم بمتعظّم، من الجبروت.
فذكّر أيها الرسول بهذا القرآن العظيم، وبلّغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر به من يخاف الله ويخشى وعيده للعصاة بالعذاب، ويرجو وعده وفضله ورحمته، وأما من عداهم فلا تأبه بهم.
روي عن ابن عباس ﵄: أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله، لو خوّفتنا، فنزلت: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
стр. 2493
تفسير سورة الذاريات
وقوع البعث وحال الكفرة وعذابهم
تابع الحق ﵎ الكلام عن إثبات البعث والرد على منكريه من المشركين في سورة الذاريات المكية بعد سورة ق، وكلتا السورتين في هذا الموضوع، مع بيان بعض أحوال البعث بين المؤمنين والكافرين في السورة الأولى، والتنبيه على أحداث الأمم السابقة مع أنبيائهم في السورتين، والانتهاء إلى تقرير التوحيد وهدم الشرك، وخطأ موقف الناس من الحياة، وغلبة الطبيعة على المصلحة الحقيقية في المستقبل.
وكان مطلع سورة الذاريات قسما من الرب تعالى على صدق البعث ووجوده، كما في هذه الآيات:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤)
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الذاريات: ٥١/ ١- ١٤] .
стр. 2494
أقسم الله تعالى لتأكيد قضية الإيمان بالبعث: بهذه المخلوقات، وللتنبيه عليها، والتشريف لها، والاعتبار بها، حتى يتوصل الناظر فيها إلى التوحيد، فقال: أقسم لإثبات الحشر بالرياح التي تذرو التراب وغيره وتفرقه، وبالسحب الحاملة الماء الثقيل، وبالسفن الجارية بيسر وسهولة فوق الماء، وبالملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار والآجال بين المخلوقات، بأن الموعود به من الحشر إلى الله تعالى، ووقوع المعاد، صادق واقع، وأن الجزاء بالثواب والعقاب قائم فعلا حتما. والحاجة إلى هذا القسم: الاعلام بصدق النبي ﷺ ، وجريا مع اعتقاد العرب أن الإيمان الكاذبة تذر الديار بلاقع (خرائب) وتضر صاحبها، فالحلف لزرع الثقة التامة، وبخاصة أنهم يعلمون أن محمدا ﷺ لا يحلف كاذبا.
والسماء ذات الطرائق والممرات، أو ذات الخلق السوي القوي، إنكم يا جماعة قريش مختلفو الأقوال، مضطربو الكلام، فمرة تقولون في القرآن والرسول: شعر وشاعر، وأحيانا سحر وساحر، وتارة كهانة وكاهن أو مجنون. وإنما يصرف عن هذا القرآن والإيمان به وبرسوله وعن الخير إلى الشر، من صرف في علم الله تعالى.
قبح أو لعن الكذابون أصحاب القول المختلف، المرتابون في وعد الله ووعيده، الذين هم في جهالة تغمرهم، وغفلة في الكفر تخيم عليهم، والغمرة: كل ما ستر الشيء وغطّاه.
يسألك المشركون تكذيبا وعنادا واستهزاء قائلين: متى يوم الجزاء؟ فقل لهم: إنه يوم يعذب الكفار ويحرقون في نار جهنم. وقوله: يُفْتَنُونَ بمعنى يحرقون ويعذبون في النار، يقال: فتنت الذهب: أحرقته لتختبره، وقوله يَوْمَ هُمْ منصوب على الظرف من مقدّر، تقديره: هو كائن يوم هم على النار، أو نحو هذا، كما قال الزجاج.
وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا عذابكم أو حريقكم، هذا العذاب الذي كنتم
стр. 2495
تستعجلون أو تطلبون تعجيله، استهزاء منكم، وظنا أنه غير كائن، واستعجالهم هو قولهم: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم على جهة التكذيب منهم.
يفهم من هذه الآيات أن وقوع البعث أمر مقطوع به، ولولا التأكيد عليه، لما أقسم الله بهذه المخلوقات، والقسم عليها بغير بدئها بالحروف الأبجدية هو الظاهرة الشائعة في القرآن لإثبات أصول العقيدة: وهي التوحيد، والنبوة، والبعث، فسورة الصافات مثلا أقسم الله فيها لإثبات توحيد الذات الإلهية، فقال: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) [الصافات: ٣٧/ ٤] . وسورة النجم والضحى، أقسم الله فيها على صدق الرسول ﷺ ، فقال: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) [النجم: ٥٣/ ١- ٢] .
وقال: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضحى: ٩٣/ ١- ٣] .
وبقية السور كان المقسم عليه كما في الذاريات هو البعث والجزاء.
ويلاحظ أيضا أن الله تعالى أقسم بجموع المؤنث السالم في سور خمس، ففي سورة (الصافات) لإثبات الوحدانية أقسم الله بالساكنات، وفي بقية السور، أقسم بالمتحركات لإثبات الحشر، فقال: «والذاريات» «والمرسلات» «والنازعات» «والعاديات» لأن في الحشر جمعا وتفريقا، وهو يناسب الحركة.
وتعجل العرب المشركين العذاب، وإصرارهم على كفرهم: هو الذي جعلهم يسألون استهزاء وشكا في القيامة وعنادا، متى يوم الحساب؟ فكان جواب الخالق:
إنه اليوم الذي تحرقون فيه في نار جهنم، وضم إليه التوبيخ والتهكم بهم قائلا منه أو من طريق الخزنة: ذوقوا عذابكم وجزاء تكذيبكم، ذلك العذاب الذي استعجلتم به في الدنيا.
стр. 2496
حال المتقين ونعيمهم
في آيات سابقة في سورة الذاريات ذكر الله تعالى حال الكفرة، وما يلقون من عذاب الله تعالى، ثم أعقب ذلك بيان حال المتقين، وما يلقون من النعيم في الآيات الآتية، ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى. وهذا لون بياني رائع للمقارنة أو الموازنة، فيظهر الحق من الباطل، قال الله تعالى:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ٢٣]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
«١» «٢» «٣» [الذاريات:
٥١/ ١٥- ٢٣] .
إن الذين اتقوا ربهم بالتزام أوامره واجتناب نواهيه باتقاء الكفر والمعاصي، هم في الآخرة في جنات (بساتين) فيها عيون جارية، آخذين في دنياهم ما آتاهم ربهم من أوامره ونواهيه وفرائضه وشرعه.
إنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة، يراقبون الله تعالى فيها، كما جاء في آية أخرى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) [الحاقة: ٦٩/ ٢٤] .
ومن إحسانهم في العمل: أنهم كانوا ينامون زمنا قليلا من الليل، ويصلون أكثره، أي إن نومهم كان قليلا لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، من كل ليلة.
وقوله: ما يَهْجَعُونَ ما عند جمهور النحويين: مصدرية، وقَلِيلًا خبر كان، والمعنى: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، والهجوع فاعل (قليلا) .
стр. 2497
وكانوا في الجزء الأخير من الليل يطلبون من الله تعالى المغفرة، قائلين: اللهم اغفر لنا وارحمنا، أي إنهم كانوا يحيون أكثر الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنّهم باتوا في معصية.
وجعلوا في أموالهم جزءا مقسوما معينا للفقراء والمحتاجين، على سبيل البر والصلة، والسائل: هو الفقير الذي يسأل. والمحروم: هو الذي حرم المال ويتعفف عن السؤال. وهذا الجزء الذي جعلوه للفقراء: هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض، ومعلوم: يراد به متعارف. وكذلك قيام الليل الذي مدحوا به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفضيلة بفعل المندوبات.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية: أن رسول الله ﷺ بعث سرية، فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعد ما فرغوا- لم يشهدوا الغنيمة- فنزلت الآية: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) .
وبعد هذا البيان، يوجد كلام مقدّر تقديره. فكونوا مثلهم أيها الناس، وعلى طريقتهم، فإن النظر المؤدي لهذا التقدير له وجه جيد.
ثم ذكر الله تعالى بعض الأدلة على قدرته الدالة على وقوع الحشر، فقال: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) أي وفي معالم الأرض من جبال ووديان وقفار ومعادن، وعيون وأنهار وبحار، وأنواع مختلفة من النبات والحيوان والناس، مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وقدراتهم الفكرية والجسدية وغير ذلك، من عجائب الصنع الإلهي، في ذلك دلائل واضحة، وعلامات ظاهرة على عظمة الخالق وقدرته الباهرة، للذين يوقنون بالله تعالى، لأنهم الذين يعترفون بذلك، ويتدبرون فيه، فينتفعون به.
ومن أدلة قدرة الله وتوحيده: خلق النفوس البشرية، أفلا تنظرون نظرة متأمل
стр. 2498
معتبر، ناظر بعين البصيرة. ففي تركيب الجسم بأجهزته المختلفة من جهاز هضم ودم وتنفس، وإحساس في الأعصاب ولمس وذوق، وفي تركيب الدماغ وما يشتمل عليه من عشرات ملايين الخلايا، في ذلك دلالة على الخالق المبدع. والله ضامن الرزق لعباده، ففي السماء تقدير الأرزاق وتعيينها، وفيها ما توعدون من خير وشر، وجنة ونار، وثواب وعقاب، ففي السحاب (السماء) المطر، وفي السماء عوامل الرزق من شمس وقمر وكواكب ومطالع ومغارب تختلف بها الفصول، ويكون تغيرها مناسبا لأنواع النباتات المختلفة التي تسقى بماء المطر، وتسوقها الرياح، وتغذيها الشمس بحرارتها، ويمنحها ضوء القمر قوة ونموا.
ثم أقسم الله تعالى على أحقية البعث وضمان الرزق فقال: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) أي فو رب العزة والجلال إن ما أخبرتكم به في هذه الآيات، وما وعدتكم به من أمر القيامة والبعث والجزاء، وتيسير الرزق وضمانه:
حق لا مرية فيه، كائن لا محالة، فلا تشكّوا فيه، كما لا تشكّوا في نطقكم وتيسيره حين نطقكم، فهو كمثل نطقكم، شبّه هذا القول والخبر في التيقن به بالنطق من الإنسان، وهو في غاية الوضوح، ولا لبس فيه، خلافا للرؤية والسمع، قد يقع فيهما اللّبس.
قصة ضيف إبراهيم ﵇
تكررت قصة إبراهيم الخليل في القرآن بمناسبات مختلفة لكونه شيخ المرسلين، ولأنها ذات موضوعات متنوعة، منها حوارة من غير معرفة مع الملائكة الضيوف الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، حتى ينزجر كفار قريش وأمثالهم ما دام هذا القرآن يتلى، وتبين من القصة: مدى كرم إبراهيم، وبشارته من الملائكة بغلام هو
стр. 2499
إسحاق بن سارة، في حال الشيخوخة وعقم امرأته. كما تبين أيضا مدى تأثير العذاب بالحجارة الشديدة الأذى، وإنجاء لوط ﵇ وأهله إلا امرأته، وذلك في الآيات التالية:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٤ الى ٣٧]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الذاريات: ٥١/ ٢٤- ٣٧] .
هل بلغك أيها النبي وكل مخاطب قصة إبراهيم ﵇ مع ضيوفه الملائكة المكرّمين عند الله تعالى، الذين جاءوه بصورة بني آدم، في طريقهم إلى قوم لوط، فحين دخلوا عليه سلموا بقولهم: سلاما، أي نسلم عليك سلاما، فأجابهم بأحسن من تحيتهم بما يدل على الثبات: سلام عليكم، إنكم قوم لا أعرفكم، فمن أنتم؟
فذهب إبراهيم ﵇ خفية من ضيوفه، في سرعة، فقدم إليهم عجلا سمينا مشويا على الحجارة المحماة، فقال بعد دعوتهم للأكل بتلطف وأدب: أَلا تَأْكُلُونَ.
فلما أعرضوا عن الأكل، لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، أحسّ في نفسه
стр. 2500
خوفا منهم، على عادة الناس أن الامتناع عن الطعام يبيّت شرا، وأن تناول الطعام أمان للمضيف، ودليل على سرور الضيف، فظن إبراهيم ﵇ أنهم جاؤوا للشر، لا للخير، فقالوا له: إننا ملائكة رسل من الله تعالى، وبشروه بغلام يولد له، بالغ العلم: وهو إسحاق ﵇ في رأي الجمهور، فأقبلت امرأته سارّة، لما سمعت بشارتهم، صائحة صارخة، وضربت وجهها بيدها، كعادة النساء عند التعجب، وقالت: كيف ألد، وأنا كبيرة السن، وعقيم لا تلد، حتى في عهد الشباب؟! قالت الملائكة: مثلما قلنا لك قال ربك، فلا تشكّي في ذلك، ولا تعجبي منه، فنحن رسل الله، والله على كل شيء قدير، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، العليم بما تستحقونه من الكرامة وبكل شيء في الكون، وكان هذا الحوار مع كل من إبراهيم ﵇، وزوجته سارّة.
ثم سألهم إبراهيم ﵇ قائلا: فما شأنكم الخطير، وأمركم المبهم؟ وكأنه يقول: ما هذه الطامة التي جئتم لها؟ فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم قرية لوط ﵇، بإهلاك أهلها الكفرة العاصين المجرمين، والمجرم: فاعل الجرائم: وهي صفات المعاصي من كفر ونحوه، لنهلكهم بحجارة من طين متحجر، مطبوخ بالنار، كالآجرّ، معلّمة بعلامتها من السماء، تعرف بها، كالخواتيم، على كل حجر اسم المضروب به، كما قيل، مخصصة عند الله لهلاك المتمادين في الضلالة، المجاوزين الحد في الفجور.
ولم يكن هذا العذاب عشوائيا يصيب الجميع، وإنما فيه تمييز المؤمنين عن المجرمين، فلما أردنا إهلاك قوم لوط، أخرجنا من كان في تلك القرية المؤمنين برسالة لوط ﵇، تنحية لهم من العذاب، فلم نجد غير أهل بيت واحد أسلم وجهه لله تعالى،
стр. 2501
وانقاد لأوامره، واجتنب نواهيه، وهو بيت لوط بن هاران بن تارح ابن أخي إبراهيم ﵇، آمن أي لوط برسالة عمه إبراهيم، وتبعه في رحلاته إلى مصر، ثم تركه عن تراض، ونزل إلى سدوم في الأردن. وكان المؤمنون الناجون ثلاثة عشر، هم لوط وأهل بيته إلا امرأته.
وقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ومِنَ الْمُسْلِمِينَ لا تغاير هنا بينهما، لأن أسرة لوط كانوا قوما مؤمنين ومسلمين، والمقرر عند أهل السنة: أن الإيمان أخص من الإسلام، فكل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الوصفان هنا، لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال. ودليل التفرقة بين الإيمان والإسلام قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: ٤٩/ ١٤] .
والعبرة من قصة قوم لوط: ما أخبر الله تعالى عنه: لقد أبقينا في تلك القرى علامة ودلالة لكل من يخاف عذاب الله ويخشاه، وهم المؤمنون، وهي آثار العذاب المدمر المؤلم، فإنها ما تزال ظاهرة بينة، وأثرا باقيا مؤرخا لا يفنى ذكره. فهو آية (علامة) على قدرة الله تعالى، وانتقامه من الكفرة.
تدمير قوم نوح وفرعون وعاد وثمود
لقد طوى الله وجود أقوام غابرين من التاريخ، فاستأصلهم ولم يبق أحدا منهم، وهم قوم نوح وفرعون ولوط وعاد وثمود، وإنما ترك بعض آثارهم للعبرة والعظة، مع بيان جرائمهم ومعاصيهم التي ارتكبوها، لمعرفة أن العذاب أو الجزاء قائم على مبدأ الحق والعدل، فلا ظلم ولا تجاوز فيه، وإنما التجاوز لحدود الله، وتكذيب رسله: كان هو السبب المباشر، ومناط العقاب، مما يثير التفكير ويبعث على التأمل لتفادي الموبقات، وهذا ما دونته الآيات الآتية هنا بإيجاز:
стр. 2502
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣٨ الى ٤٦]
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الذاريات: ٥١/ ٣٨- ٤٦] .
لقد جعلنا في قصة موسى ﵇ آية وعبرة، حين أرسلناه إلى الطاغية فرعون الجبار بشيرا ونذيرا، بحجة واضحة هي المعجزات كالعصا واليد وغيرهما.
فأعرض استكبارا ونأى أو تولى بجانبه تفاخرا بجنده، وقال محقّرا شأن موسى: هو إما ساحر أو مجنون، فكان جزاؤه: أنّا أخذناه مع جنوده أخذ عزيز مقتدر فألقيناهم في البحر، وفرعون آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان وادعاء الربوبية.
وجعلنا أيضا في قصة عاد عظة وعبرة، حين أرسلنا عليهم ريحا صرصرا عاتية، لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب، فلا تترك شيئا مرّت عليه من النفوس والأنعام والأموال إلا جعلته كالشيء الهالك البالي.
وجعلنا في قصة ثمود كذلك آية وعظة، حين قلنا لهم: عيشوا متمّتعين في الدنيا إلى وقت الهلاك. فتكبروا عن امتثال أوامر الله تعالى، فنزلت بهم صاعقة نار من السماء أبادتهم. والصاعقة: الصيحة العظيمة، وهي التي تكون معها النار، وذلك أنهم
стр. 2503
انتظروا العذاب ثلاثة أيام، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع، في غدوة النهار، وهم يعاينون مشاهد الدمار، جزاء لما اقترفوه من كفر ومعاص.
فلم يقدروا على القيام من مصارعهم، والهرب من تلك الصرعة القاضية، بل أصبحوا في دارهم هلكى جاثمين، ولم يكونوا ممتنعين من عذاب الله، ولم يجدوا نصيرا ينصرهم ويدفع عنهم العذاب.
وأهلكنا بالطوفان قوم نوح، من قبل هؤلاء، لتقدم زمنهم على زمن فرعون وعاد وثمود، لأنهم كانوا قوما خارجين عن طاعة الله، متجاوزين حدوده.
هذه هي نهاية قوم عتاة طغاة، ظلموا وبغوا، وكذبوا رسلهم وافتروا، وأصروا على الكفر والضلال، وعاندوا وعارضوا كل هداية من الله تعالى، وليتهم أشفقوا على أنفسهم، واتعظوا بأحداث السابقين قبلهم، ولكنهم لم يفعلوا، والقضية سهلة، والتكليف يسير، لا يحتاجون إلى أكثر من إعلان الإيمان بالله تعالى، وأن يستقيموا على أوامره، ويجتنبوا نواهيه، ويصدقوا برسالات الرسل الكرام الذين لا همّ لهم إلا الإصلاح- إصلاح العقيدة والتصور والعبادة والمعاملة، ولكن قتل الإنسان ما أكفره! إن عبادة الأصنام التي كانت سائدة بين هؤلاء الأقوام، لا تحقق لعابديها نفعا أو خيرا، ولا تمنع عنهم ضررا، أو تحميهم من الشر، وغريب أنهم إن انحدر فيهم الفكر على هذا النحو من الطعن والمساس بكرامتهم، ألم يبق أمامهم حقل التجربة والاختبار؟! وأما توحيد الله تعالى فمصدر كل خير ونفع، والمانع من كل شر وضرر، أفلا يجدر بأصحاب العقول الواعية أن يبادروا إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى؟! إن ألوان العذاب في إهلاك الأقوام الوثنيين السابقين، تدل على أن الله تعالى قادر على أن
стр. 2504
يعذب أو يفني بما به البقاء والوجود، من عناصر الحياة الأربعة: وهي التراب والماء والهواء والنار، فعذب الله قوم لوط بالتراب، وعذّب قوم نوح وقوم فرعون بالماء أو الإغراق في البحر، وعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية (الهواء) وعذب قبيلة ثمود بالنار الصاعقة النازلة من السماء، ولا يقتصر الأمر على هذه النماذج، فالله قادر على كل شيء، وابتكار أصناف أخرى من العذاب، ردعا للظالمين، وتمكينا لهم من التوبة والعدول عن موجبات العذاب.
وهكذا حكم الله وسنته مع جميع الأمم والأقوام والأفراد والجماعات، ولن تجد لسنة الله تبديلا أو تحويلا.
إثبات التوحيد وإنذار المكذبين
بعد بيان مصائر الأقوام الغابرين المكذبين برسالات رسلهم، والمنكرين وحدانية الله تعالى، أورد الله سبحانه بعض الأدلة القاطعة الدالة على توحيده وقدرته، وأنذر المشركين المعاندين في بطاح مكة وما حولها من عبدة الأصنام، حتى لا ينالهم مثل عذاب من تقدمهم، وكأن التكذيب للرسل شيء موصول بين الناس، فإذا أرادوا الخير لأنفسهم والنجاة من مثل ذلك العذاب المتقدم، فليس عليهم إلا الإقرار بوجود الله ووحدانية الذات الإلهية، وعبادته وحده، فإن أصروا على موقفهم، فإن العذاب واقع بهم حتما، كما جاء في الآيات الآتية:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٧ الى ٦٠]
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
«١» «٢» «٣»
стр. 2505
«١» «٢» «٣» [الذاريات: ٥١/ ٤٧- ٦٠] .
لقد بنينا السماء بقوة ومقدرة، وإنا لذوو قدوة وسعة على خلقها وخلق غيرها، فنحن قادرون، لا نعجز عن ذلك، ولا يمسنا تعب، فقوله: لَمُوسِعُونَ نوسع الأشياء قوة وقدرة.
والأرض مهدناها وبسطناها كالفراش، لصلاحية العيش عليها والاستقرار فيها، فنعم الماهدون، أي الباسطون الموطئون، نحن جعلناها مهدا لأهلها ومترعة بالخيرات على سطحها وجوفها.
وأوجدنا من جميع المخلوقات صنفين: ذكرا وأنثى، مصطحبين متلازمين، وهذا إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصحة والمرض، والكفر والإيمان، ونحو هذا. وهذا أدل على القدرة التي توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلا واحدا كالتسخين والتبريد. خلقنا هذه الأصناف المتلازمة، على هذا النحو لتعلموا وتتذكروا أن الخالق واحد لا شريك له. وكلمة (لعلكم) بحسب خلق البشر وعرفهم.
стр. 2506
فالجئوا إلى أمر الله، بالدخول في الإيمان وطاعة الله تعالى، فإني لكم منذر واضح الإنذار، ومخوّف من عذابه وعقابه. ولا تشركوا مع الله إلها آخر سواه، فإن الإله المعبود بحق: هو واحد، ولا تصلح العبادة لغيره.
وعبر الله تعالى عن الأمر بالإيمان والطاعة بلفظ الفرار، لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا وأمرا، حقه أن يفر منه، فجمعت لفظة (فروا) بين التحذير والاستدعاء.
ثم نهى الله تعالى عن عبادة الأصنام والشياطين، وكل مدعو من دون الله تعالى، وفائدة تكرار قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ الإبلاغ وهزّ النفس وتحكيم التحذير.
وكما كذّبك قومك من العرب أيها الرسول، ووصفوك بالسحر أو الجنون، فعلت الأمم المتقدمة التي كذبت رسلها، فهذا شأن الأمم في القديم، ولست أنت وحدك الذي كذّب.
ومن العجب كأن أفراد الأمم أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، وتواطؤوا عليه، والواقع أنهم لم يتواصوا بذلك لتباعد زمانهم، لكنهم قوم طغاة، جمعهم الطغيان:
مجاوزة الحد في الكفر. وهذا توقيف وتعجيب من توطؤ نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، مع تباعد أزمانهم، لكنهم فعلوا فعلا كأنه فعل من تواصى. والعلة في ذلك أن جميعهم طاغ، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله تعالى.
فأعرض عنهم أيها الرسول، وكفّ عن جدالهم، فقد فعلت ما أمرك الله به، وبلّغت الرسالة، فما أنت بملوم عند الله بعد هذا؟ وليس عليك إلا البلاغ.
أخرج ابن منيع وابن راهويه والهيثم بن كليب في مسانيدهم عن علي رضي الله
стр. 2507
عنه قال: لما نزلت فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة، إذا أمر النبي ﷺ أن يتولى عنهم، فنزلت وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فطابت أنفسنا، أو فسّروا بذلك.
وغاية إيجاد الخلق: العبادة، فما خلقت الإنس والجن إلا للعبادة، ولمعرفتي، لا لاحتياجي إليهم. والغاية من هذا الخلق سامية، فلا أريد من خلقهم جلب نفع لي، ولا دفع ضرر عني، ولا أريد منهم إطعامي، على عادتهم، إن الله هو واسع الرزق، يرزق جميع مخلوقاته، وهو ذو القوة والقدرة الهائلة، والشديد القوة. وبعبارة أخرى:
ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقرّوا لي بالعبودية.
ثم هدد الله مشركي مكة وأمثالهم على وثنيتهم، فإن للظالمين أنفسهم بالكفر والشرك وتكذيب الرسول، نصيبا من العذاب، مثل عذاب أمثالهم القدامى، فلا يطلبوا مني تعجيل العذاب لهم، فإن حظهم من العذاب آت لا ريب فيه.
فهلاك وشدة عذاب: للكافرين في يوم القيامة، الذي كانوا يوعدون به.
стр. 2508
تفسير سورة الطور
إيقاع العذاب بالكفار يوم القيامة
أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته تنويها بشأنها على تمام قدرته وشمولها، في إيقاع العذاب بالكفار يوم القيامة، وهذا القسم عظيم يشمل المقسم به من الجبال، والمدّونات الإلهية في الصحف، والكعبة المشرفة، والسماء العالية، والبحار المترعة بالماء، والعذاب المذكور يكتنفه أهوال شدائد، ومخاطر مدلهمة محيطة بأهل العذاب، منها اضطراب السماء، ودك الجبال، وذعر أهل الضلال، ودفعهم بعنف إلى نار جهنم وإدخالهم فيها ومقاساة شدائدها، كما تذكر هذه الآيات في مطلع سورة الطور المكية:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩)
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)
أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الطور: ٥٢/ ١- ١٦] .
стр. 2509
المعنى: أقسم (أنا الحق) بالطور، أي بكل الجبال، والطور اسم جنس للجبال عند أهل اللغة، وبالكتاب المكتوب أسطارا الذي يشمل الكتب الإلهية المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها، في الورق المعد للكتابة، المبسوط غير المطوي، وبالكعبة المشرفة التي تعمّر كل عام بالحجاج والزوار، وتعميرها للإعلام بشأن الكعبة، وبالسماء العالية التي هي كالسقف، وبالبحر المملوء ماء، المحبوس عن الأرض، إن المقسم عليه وهو عذاب الله لواقع كائن في القيامة لا محالة، لمن يستحقه من الكافرين والعصاة الذين كذبوا الرسل.
ويصاحب وقوع العذاب: اضطراب السماء اضطرابا شديدا، وإزالة الجبال من مواضعها كسير السحاب، وصيرورتها هباء كالصوف المندوف.
فويل، أي هلاك وسوء ومشقة أو واد في جهنم لأولئك الذين كذّبوا الرسل، في ذلك اليوم، من شدة هذا العذاب، وهم الذين كانوا يتخبطون في الأباطيل، فيكذبون بالقرآن، ويستهزئون بالنبي. والفاء في قوله فَوَيْلٌ لاتصال المعنى، وهو الاعلام بأمان أهل الإيمان، أما أهل الكبائر من المسلمين فلا يخلّدون في النار، لأنهم لا يكذبون الرسل.
ويكون إلقاء المكذبين في النار بأن يدفعوا إليها دفعا عنيفا شديدا، وفي إهانة وتعتعة. وكلمة يَوْمَ يُدَعُّونَ يوم: بدل من يَوْمَئِذٍ.
ويقال لهم تقريعا وتوبيخا من قبل الزبانية- وهذا كلام محذوف مختصر-: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، والتكذيب بها:
تكذيب للرسول الذي أخبر بها من طريق الوحي.
ويقال لهم أيضا تذكيرا بما كانوا يقولون في الدنيا: أهذا الذي ترون: سحر كما
стр. 2510
كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة؟ بل إنه الحق، ولكنكم أنتم عمي وعن هذا، كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا، والواقع: أن المرئي حق، ولا عمى في البصر.
ومما يقال لهم كذلك تيئيسا لهم وقطعا لرجائهم: ادخلوا النار وتلظوا بحرها، وقاسوا شدائدها، سواء صبرتم عليها أم لم تصبروا، فلا ينفعكم شيء، وعذابكم حتم، جزعتم أم صبرتم، فلا بد من جزاء أعمالكم، والجزاء بالعمل كائن، خيرا أو شرا، كان الصبر أو الجزع، لا محيد لكم عن النار، ولا خلاص لكم منها، ولا يظلم ربك أحدا، بل يجازي كل إنسان بعمله.
هذه أخبار موجعة مؤلمة، تدل على تطبيق مبدأ الحق والعدل، كما تدل على القدرة الإلهية الشاملة، وعلى إثبات يوم الحساب، وما يستتبعه من ثواب أو عقاب، وعلى إمكان البعث.
فالعاقل الذي يريد الخير لنفسه وإسعاد ذاته، يبادر إلى الإيمان بما أخبر الله تعالى به من الغيبيات الأخروية، ومن آمن بشيء بذل كل جهده في التوصل إلى مآربه، والظفر برضوان الله تعالى، فيكون الإيمان بيوم البعث دافعا إلى الخير والعمل الصالح، ومحذّرا من الشر والمنكر والعمل الضار.
وغير العاقل عقلا واعيا يسير على وفق هواه وشهواته، ولا يأبه بهذه المواعظ والزواجر، وتراه مضطرب النفس في الدنيا، حائرا تائها في مسيرة الحياة، وفي الآخرة أشد توجعا وقلقا، ويأسا، وندما، فهو يجني حصاد ما قدم في دنياه، ويلقى المصير المناسب لعمله.
стр. 2511
جزاء المتقين
يقابل جزاء الكافرين الموصوف في الآيات السابقة في سورة الطور جزاء المتقين المتميز بروضات النعيم، ليبين الفرق، ويقع التحريض على الإيمان. والمتقون هنا:
هم متقو الشرك، لأن مصير كل مؤمن في النهاية إلى الجنات، وكلما زادت درجة التقوى، تأكد تحصيل نعيم الآخرة، وهذا النعيم ذو ألوان مادية ومعنوية كثيرة، والماديات: أطعمة وأشربة وفواكه وألبسة، ونحوها، تزدان بالخدمات المميّزة، ومن الخدم الغلمان كأنهم لؤلؤ مكنون: وهو أجمل اللؤلؤ. وهذا على خلاف حال الدنيا حيث يكون الخدم في الغالب في قبح وتبذل، لا صون معه ولا جلاء فيه. ويعرف ذلك من الآيات الآتية:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ٢٨]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦)
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الطور: ٥٢/ ١٧- ٢٨] .
إن أهل التقوى الذين اتبعوا أوامر الله وابتعدوا عن معاصيه، وتجنبوا الشرك هم في جنات (بساتين) نضرة. ويتنعمون فيها بنعيم دائم، خلافا لما عليه الكفرة من عذاب
стр. 2512
الجحيم. فاكهين (فرحين مسرورين) بما منحهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والفرش والحور العين وغير ذلك، وحماهم الله من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها، تضم إلى نعمة دخول الجنة، والوقاية من العذاب: تظهر في متقي المعاصي الذي لا يدخل النار. وأما متقي الشرك الذي يعذب على معاص أخرى، فوقاهم ربهم عذاب الخلود في الجحيم.
وتقول لهم ملائكة الرضوان في الجنة مهنئة لهم: كلوا من طيبات الرزق، واشربوا مما لذّ وصفا وطاب، من غير نكد ولا كدر، بسبب ما قدمتم من أعمال صالحة في الدنيا، تفضلا من الله وإحسانا.
وأنواع المتع الأخرى أنهم والحال يجلسون على أسرّة مصفوفة، متصل بعضها ببعض، حتى تصير صفا واحدا، للدلالة على الاطمئنان والراحة وفراغ البال من الشواغل، ويزوجهم ربهم بقرينات صالحات هن الحور العين: ذوات البياض في الجسم، وبياض العين مع شدة سواد المقلة، وواسعات الأعين.
ومن زيادة النعم والفضل والإحسان: أن الله تعالى يلحق الذرية الذرية المؤمنة كبارا وصغارا على القول الأرجح، بالآباء المؤمنين، والمعنى: يرفع ذرية المؤمن إليه، بشفاعته التي يأذن الله بها. وإن لم يكونوا في التقوى والأعمال كالآباء، فإنه سبحانه يلحق الأبناء بمراتب أولئك الآباء كرامة للآباء، جاء في حديث أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه» ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ الآية. وقوله: بِإِيمانٍ: هو في موضع الحال.
ولا ينقص الله الآباء نعمة أو ثوابا لأعمالهم، بإلحاق ذريتهم بهم، وكل إنسان مرتهن يوم القيامة بعمله، فلا يتحمل أحد ذنب شخص آخر، أيا كان أبا أو ابنا،
стр. 2513
والمعنى: أن الله تعالى يلحق المقصّر بالمحسن، ولا ينقص المحسن من أجره شيئا، والرهين: المرتهن. وفي ألفاظ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ وعيد.
وأصناف النعم المادية على المتقين هي:
- وَأَمْدَدْناهُمْ أي وزودناهم على ما كان لهم من النعيم فاكهة متنوعة، ولحما مختلفا من أنواع اللحوم، من كل ما تشتهيه أنفسهم وتستطيبه وتلذ به. ولا كلفة في الجنة، فلا يتكلّف فيها الذبح والسلخ والطبخ. روي أن المنعّم إذا اشتهى لحما، نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها.
- ويتعاطون في الجنة كأسا من خمر الجنة، والكأس: الإناء الذي فيه الشراب، ويتجاذبون الكؤوس مع جلسائهم تجاذب سرور ولهو وملاعبة، لشدة فرحهم، وليس في شراب الآخرة ما يدعو إلى اللغو (الكلام الذي لا خير فيه) والتأثيم (الذي يوقع في الإثم) خلافا لشراب الخمور في الدنيا.
ويطوف (يدور) عليهم للخدمة بالكأس والفاكهة والطعام وغير ذلك فتيان يخدمونهم، كأنهم في الحسن والبهاء لؤلؤ مستور، مصون في الصّدف.
- وأقبلوا يتحادثون، ويسأل بعضهم بعضا في الجنة عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وما كان فيها من متاعب ومخاوف.
وأجاب المتحدثون سائليهم: إنا كنا في الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله، فتفضل الله علينا بالمغفرة والرحمة، ووفقنا للعمل الصالح، ووقانا عذاب السموم (عذاب النار) . والسموم: اسم من أسماء جهنم. والسموم: الحارّ، الذي يبلغ مسامّ الإنسان، ويقال للريح الباردة: سموم.
إنا كنا في الدنيا ندعوه، أي نعبده ونسأله المغفرة والرحمة، فاستجاب لنا، إنه سبحانه هو الكثير الإحسان، الواسع الرحمة والفضل.
стр. 2514
متابعة نشر الرسالة وإثبات التوحيد
أمر الله تعالى نبيه بمتابعة التبليغ ونشر الدعوة أو الرسالة، مهما كانت الصعاب، والتحديات الباطلة، والاتهامات الواهية، فليس هو بكاهن ولا شاعر ولا مجنون، وإنما أعداؤه قوم طغاة تجاوزوا الحد في الكفر والعناد، ثم أثبت الله قدرته وتوحيده بخلق البشر وخلق السماوات والأرض، مما يدل على إمكان إعادة الخلق والبعث وليس للمشركين دليل مقبول على عقائدهم الزائغة، ولا سلطان لهم على شيء فلا يضر كيدهم رسول الله، وسينصره الله، ويظهر دينه، ولو كره الكافرون، وهذا ما قررته الآيات الآتية:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٩ الى ٤٣]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الطور: ٥٢/ ٢٩- ٤٣] .
لا تأبه أيها الرسول بمحاولات الصد والإحباط من قومك قريش، واثبت على ما
стр. 2515
أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، فلست بحمد الله بكاهن تدعي الإخبار عن الماضي بلا وحي، ولا بمجنون: يتخبطه الشيطان من المس.
بل يقولون: إنه شاعر ننتظر به حوادث الأيام ومصائبها، فيموت كما مات غيره، والريب: الشك، وأطلق على الحوادث على سبيل الاستعارة التصريحية، لعدم البقاء والدوام على الحال، والمنون: الدهر، لأنه يقطع الأجل، وهذا إنكار من الله عليهم باتهامهم الرسول مما ليس فيه، ثم هددهم الله: فقل لهم أيها الرسول:
انتظروا موتي أو هلاكي، فإني معكم من المنتظرين عاقبة الأمر، وقضاء الله فيكم.
أأنزل عليهم شيء من السماء، أم تأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض، وهو زعمهم أن القرآن سحر أو كهانة، أو شعر، وقولهم في الرسول: إنه كاهن أو شاعر أو مجنون. أم إنهم قوم طغاة تجاوزوا الحد في العناد والضلال عن الحق.
أم إنهم يقولون: إن محمدا اختلق القرآن وافتراه من عند نفسه، بل في الواقع إنهم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون بما جاء به رسوله.
فإن ص دقوا في زعمهم هذا بأن محمدا افترى القرآن، فليأتوا بمثل هذا القرآن في نظمه وسمو بلاغته، وبديع أسلوبه، وعظمة بيانه. والواقع أنهم لو اجتمعت معهم الجن وجميع الإنس، ما جاؤوا بمثله أو بمثل سورة منه ذات موضوع معين.
ثم أبطل الله شرك المشركين وردّ على إنكارهم وحدانية الخالق، فهل وجدوا من غير موجد، أم إنهم أوجدوا أنفسهم؟ وبما أن الأمرين منتفيان عقلا وواقعا، فالله هو الذي خلقهم، وهو الإله الواحد.
وهل خلقوا السماوات والأرض وما فيهما من العجائب، وأسباب العيش، ليدعوهم ذلك إلى التكبر، بل في الواقع إنهم غير مستيقنين حقا بأن الله هو الخالق، خلافا لإقرارهم، فهم لا يوقنون ولا ينظرون نظرا يؤديهم إلى اليقين. وخص الله من
стр. 2516
الأشياء السماوات والأرض لعظمها وشرفها في المخلوقات، وهذا توبيخ لهم على أنفسهم.
أم عندهم الاستغناء عن الله تعالى في جميع الأمور، فهل يملكون خزائن الله من النبوة والرزق والمال والصحة والقوة وغير ذلك من الأشياء، فيتصرفوا فيها كيف شاؤوا، أم هم المسلطون على المخلوقات، يدبرون أمرها كيف يشاءون؟ الواقع ليس الأمر كذلك، بل الله هو المالك المتصرف في كل شيء وهو الفعال لما يريد.
بل أيقولون: إن لهم سلّما منصوبا إلى السماء والأماكن العالية يصعدون به، ويستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم، ويطلعون على علم الغيب؟ فليأت مستمعهم إليهم على صحة ما هم فيه بحجة ظاهرة واضحة، كما أتى محمد ﷺ بالبرهان الدال على صدقه، والواقع لا دليل ولا حجة على ما يقولون.
وبعد رد الله على إنكار الكفرة توحيد الألوهية، ردّ على من نسب البنات من الملائكة إلى الله، وأنها نسبة باطلة ولا عدل فيها. والمعنى: بل أتجعلون لله البنات، وتخصون أنفسكم بالبنين؟ وهذا تهديد ووعيد.
بل أتسألهم أجرة يدفعونها إليك على تبليغ الرسالة، فهم من التزام الغرامة مثقلون بحملها، فهم لذلك يكرهون الدخول فيما يوقعهم في الغرامة الثقلية؟! بل أيدّعون أن عندهم علم الغيب، وهو ما في اللوح المحفوظ، فيكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب أو يخبرون بما شاؤوا؟ ليس الأمر كذلك، فلا يعلم الغيب أحد إلا الله تعالى.
بل أيريدون تدبير مكيدة أو مؤامرة كما دبروا في دار الندوة لقتل النبي ﷺ ؟ ولكن النتيجة أن الكافرين هم المكيدون أي المغلوبون المهلكون، سمى الله تعالى غلبتهم كيدا، إذ كانت عقوبة الكيد، من قبيل المشاكلة والمشابهة لما فعلوا أو دبروا.
стр. 2517
ثم نزّه الله تعالى نفسه عما يشركون به من الأصنام والأوثان، والمعنى: بل ألهم إله غير الله يحرسهم من عذاب الله؟ تنزه الله عن الشريك والمثيل والنظير وعن كل ما يعبدون سواه، وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام.
وهذه الأشياء التي ناقشهم الله بها حصرت جميع المعاني والاحتمالات التي توقع في التكبر والعناد، وهي كلها ليست لهم، ولا يبقى شيء يوجب ما هم عليه إلا أنهم قوم طاغون، وذلك سبب عقابهم.
الإعراض عن الكافرين
لم يدع القرآن الكريم وسيلة للإيمان إلا أتى بها، ولا طريقا للكفر إلا سدّه، وناقش المشركين مناقشة هادئة في عقائدهم، لينقلهم من هذا الداء الخطير إلى الإيمان الصحيح، وحينما استبد العناد بهم، ولم يتزحزحوا عن مواقفهم الضالة، هددهم المولى ، وأنذرهم بعقاب الدنيا وعذاب الآخرة. وحاولوا الدفاع عن آرائهم، فاقترحوا للتحدي والمعارضة تحقيق بعض المستحيلات، فكان الأمر الإلهي للنبي ﷺ بالإعراض عنهم، والصبر في تبليغ الرسالة وإنذارهم، وانتظار وعد الله، والتزام التسبيح لله وحده حين يقوم من منامه أو من مجلسه، وعقب غروب النجوم في آخر الليل، وهذا ما قررته الآيات الآتية:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٩]
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2518
«١» «٢» [الطور: ٥٢/ ٤٤- ٤٩] .
كانت قريش في جملة ما اقترحت تحقيقه: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ١٧/ ٩٢] . فإن ير هؤلاء المشركون قطعا من نار السماء ساقطة عليهم لتعذيبهم، لما صدّقوا ولما أيقنوا، ولما انتهوا عن كفرهم، وإنما يقولون: هذا سحاب متراكم بعضه على بعض، نرتوي به، وهذا مثل حسي للمكابرة، لإنكارهم ما تبصره الأعين، مفاده: لو رأوا كسفا ساقطا حسب اقتراحهم، لبلغ بهم الغلو والبعد عن الحق أن يغالطوا أنفسهم وغيرهم.
فإذا كان هذا شأنهم، ولم يتركوا كفرهم، فدعهم أيها الرسول، ولا تأبه بهم، حتى يأتي يوم مصرعهم أو موتهم أو قتلهم، مثل يوم بدر. والصعق: التعذيب في الجملة.
وذلك اليوم هو اليوم الذي لا ينفعهم فيه مكرهم ولا كيدهم لرسول الله ﷺ في الدنيا، ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم، ولا ينصرهم ناصر، بل هو واقع بهم لا محالة.
وإن للظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي، ومكايدة النبي وعبادة الأوثان، عذابا دون أو قبل عذاب الآخرة، وهو إما قتلهم يوم بدر والفتح ونحوهما، وإما مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام، وإما عذاب القبر أو الجوع والقحط، غير أن أكثرهم لا يعلمون ما سينزل بهم من العذاب والبأس. وهذا كما في آية أخرى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) [السجدة: ٣٢/ ٢١] .
стр. 2519
واصبر أيها الرسول على أذى قومك، ولا تبال بهم، وتابع تبليغ رسالتك وإنذارك، وانتظار وعد الله بنصرك عليهم، فكل ما يحكم به الله ويقدّر هو خير ورحمة، فإنك في حراستنا وحفظنا وحمايتنا، والله عاصمك ومؤيدك، ونزّه الله عما لا يليق به، لإنعامه عليك، تنزيها مصحوبا بالحمد، حين تقوم من منامك أو من مجلسك وغيرهم، وحين تقعد، وفي كل تصرّفك، وحين تقوم للصلاة، فتقول:
«سبحان الله وبحمده» وقوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا معناه بإدراكنا وحفظنا وحيطتنا، وهذه الآية ينبغي أن يقدرها كل مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا.
والتسبيح والتحميد مرغب فيه في كل وقت، ومنه أداء الصلوات المفروضة، ومنه ما بعد النوم، لما
رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من تعارّ من الليل «١» ، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي، أو قال: ثم دعا، استجيب له، فإن عزم فتوضأ، ثم صلّى، قبلت صلاته» .
وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه وابن أبي شيبة، عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من المجلس:
«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» .
والتسبيح دائم ليلا ونهارا لقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) أي وإذا قمت من نومك، فسبّحه، واذكره واعبده في بعض الليل، وفي آخر الليل حين غروب النجوم، لأن العبادة حينئذ أشق على النفس، وأبعد عن الرياء، قال الرازي: والظاهر أن المراد من وَإِدْبارَ النُّجُومِ وقت الصبح حين يدبر النجم،
стр. 2520
ويخفى، ويذهب ضياؤه بضوء الشمس. وحينئذ يكون قوله: حِينَ تَقُومُ المراد به النهار، وقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ ما عدا وقت النوم.
فتكون هذه الآية عامة في جميع الأوقات، في الليل والنهار، كما جاء في آية أخرى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) [الإسراء: ١٧/ ٧٩] .
هذا التوجيه الإلهي بالتسبيح والتحميد يقوّي العزيمة، ويشحذ الإرادة، ويمنح النفس ثقة بالنصر في نهاية الأمر، ويخفف المعاناة والهموم، كلما ضاق الأمر، وحزن الإنسان، وفيه ترويض على الصبر مما يعانيه الداعية إلى الله، حيث وجد الإعراض عن دعوته والصدود، فإن النصر سيكون بمشيئة الله حليفة، لذا صبر النبي ﷺ مدة ثلاثة عشر عاما على أذى قومه، وتابع نشر دعوته، فتحقق له النصر والظفر، وانتشر دينه في الآفاق.
стр. 2521
تفسير سورة النجم
إثبات ظاهرة الوحي
تميزت سورة النجم المكية بالإجماع بأنها أول سورة أعلن بها رسول الله ﷺ ، وجهر بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفي آخرها سجد، وسجد معه المؤمنون والمشركون، والجن والإنس، غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، روى ذلك البخاري عن ابن عباس، ﵄.
وأقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بالنجم تشريفا له لإثبات ظاهرة الوحي على قلب النبي ﷺ ، بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ الذي رآه النبي ﷺ على صورته الحقيقية مرة أخرى، وذلك في السماء بعد رؤيته في الأرض، قال الله تعالى:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [النجم: ٥٣/ ١- ١٨] .
стр. 2522
أقسم الله تعالى بالنجم إذا مال للغروب، تشريفا له، حتى يؤول ذلك إلى معرفة الله ﵎. مثل قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٥٦/ ٧٥] .
والمقسم عليه وهو الوحي حق ثابت. فما عدل النبي ﷺ عن طريق الحق إلى الباطل، وما جهل بما أوحي إليه. والضلال: هو الذي يكون بغير قصد من الإنسان. والغي: ما تتكسبه وتريده.
وما يقول هذا النبي قولا عن هوى وغرض، إن كل ما ينطق به هو وحي أوحاه الله إليه، ويبلّغ جميع وحي الله من غير زيادة ولا نقصان. والمراد بالوحي: القرآن.
والوحي: إلقاء المعنى في خفاء.
ومعلّم القرآن الناقل عن رب العزة: هو جبريل ﵇، الشديد بقواه العلمية والعملية، وهو ذو قوة وشدة، وذو حصافة في العقل، ومتانة في الرأي، وقد اعتدل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، حين كان في الأفق الأعلى، أي في الجهة العليا من السماء، وهو أفق الشمس، فسدّ الأفق حين جاء بالوحي إلى النبي ﷺ أول مجيئه.
ثم قرب جبريل من الأرض إلى محمد ﷺ عند حراء، وتعلق بالهواء، وازداد في القرب من محمد والنزول، فكان فيما بينهما مقدار ما بين قوسين من المسافة أو أقل من ذلك، فأوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحى من القرآن في تلك النزلة، من شؤون الدين والتشريع، وهذا كان في أثناء رؤية حقيقة جبريل، والرسول في الأرض في حراء. ورآه مرة أخرى على حقيقته، والرسول في السماء، ليلة الإسراء، وحينما رآه سدّ الأفق، له ست مائة جناح.
ولم تكن رؤية جبريل خيالا، وإنما حقيقة معاينة، فما أنكر فؤاد النبي ما رآه من
стр. 2523
صورة جبريل، وإنما كان في كامل وعيه، وكان فؤاده صادقا، فتكون عينه أصدق، فكيف تجادلونه وتكذبونه معشر قريش فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة؟ وقوله:
أَفَتُمارُونَهُ «١» خطاب لقريش معناه: أتكذبون فتجادلونه على ما يراه معاينة؟ ولم يرو قط أن محمدا ﷺ رأى ربه قبل ليلة الإسراء. ولكن لا مانع من رؤية القلب.
أخرج مسلم والترمذي وأحمد: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ : هل رأيت ربّك؟ فقال:
«نور أنى أراه» .
ولقد رأى محمد ﷺ جبريل نازلا مرة أخرى على صورته التي خلقه الله عليها، وذلك في ليلة الإسراء، عند سدرة المنتهى التي هي في المشهور: شجرة في السماء السابعة، وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين.
ونحن نؤمن بسدرة المنتهى، على النحو الوارد في ظاهر القرآن الكريم، دون تعيين مكانها وأوصافها.
وتلك السدرة يحيط بها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله ما يحيط، مما لا يحصره وصف ولا عدد. وهذا يشعر بالتعظيم والتكثير.
ما مال بصر النبي ﷺ عما رآه، وما تجاوز ما رأى، فرؤية جبريل وغيره من مظاهر ملكوت الله رؤية عين، وليست من خدع البصر، وهذا يؤكد أن معراج النبي ﷺ إلى السماء كان بالروح والجسد.
لقد رأى في ليلة المعراج من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، وهو رؤية جبريل على صورته، وسائر عجائب الملكوت و (الكبرى) : وصف ل (آيات) . وهذا كما جاء في آية أخرى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١٧/ ١] ولكن دون تحديد المرئي، للإشارة إلى تعظيمه وأهميته.
стр. 2524
قال الألوسي نقلا عن الكشاف: إن هذه الآيات سيقت لتحقيق أمر الوحي، ونفي الشبهة والشك فيه، ليتأكد الكل أن هذا الوحي ليس من الشعر ولا من الكهانة، فليس للشيطان ولا للجن أي قدرة على تصورهم وإدراكهم صورة جبريل الحقيقية أو غيرها، لأن النبي ﷺ عرفه بقلبه وبصره، ورآه في حالاته المتعددة، ومن ثم لم يكن من المعقول أن يشتبه عليه.
أصنام الجاهلية العديمة الفائدة
حرص القرآن الكريم على أصول ثلاثة في العقيدة: وهي التوحيد، والرسالة أو النبوة، والإيمان باليوم الآخرة، وتقرير التوحيد يتطلب هدم الإشراك بالله، وبيان انعدام فائدة الأصنام، وهذا ما ذكرته الآيات الآتية، بأسلوب استنكاري مع التهكم والتوبيخ، إذ كيف يليق بكرامة الإنسان وحرمة العقل الإنساني، أن يعبد الإنسان حجرا أو معدنا أو شخصا يجعله إلها آخر مع الله؟ وهي لا تستطيع منع الضرر عن أنفسها، قال الله تعالى:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٣١]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)
«١» «٢» «٣»
стр. 2525
«١» [النجم: ٥٣/ ١٩- ٣١] .
أوضح القرآن عظمة الله وقدرته، ثم أتبع ذلك الكلام عن الأصنام، فقال:
أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها، وبعدها عن القدرة والصفات العلية؟ أنظرتم إلى اللات: صنم ثقيف والطائف، والعزى: شجرة بين مكة والطائف تعظمها قريش، ومناة: صخرة هذيل وخزاعة، وغيرها من الأصنام، إنها حجارة صماء، أو أشجار مستنبتة، فكيف تشركونها بالله، وهي مصنوعة لكم، أو مخلوقة غير خالقة، فمن يستحق العبادة أهي أم الله الخالق القادر؟! أتجعلون لله ولدا، ثم تجعلونه أنثى، وتختارون الذكور لأنفسكم؟ تلك قسمة جائرة عن الحق، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة الجائرة بين المخلوقين؟! إن تسمية هذه الأصنام آلهة، مع أنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل ولا تفهم، ولا تضر ولا تنفع، إنها مجرد أسماء سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، لا مسميات حقيقية، اتخذتموها آلهة أنتم وآباؤكم، لم ينزل الله بها من حجة ولا برهان تعتمدون به على أنها آلهة.
ما يتّبعون في تسمية الأصنام آلهة إلا مجرد وهم أو ظن لا يغني من الحق شيئا، ولا يتّبعون إلا ما تهواه نفوسهم وميولهم، من غير نظر إلى الحق الواجب اتباعه، ولقد جاءهم من الله القرآن الكريم الذي فيه الهداية والإرشاد.