تفسير سورة النجم
إثبات ظاهرة الوحي
تميزت سورة النجم المكية بالإجماع بأنها أول سورة أعلن بها رسول الله ﷺ ، وجهر بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفي آخرها سجد، وسجد معه المؤمنون والمشركون، والجن والإنس، غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، روى ذلك البخاري عن ابن عباس، ﵄.
وأقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بالنجم تشريفا له لإثبات ظاهرة الوحي على قلب النبي ﷺ ، بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ الذي رآه النبي ﷺ على صورته الحقيقية مرة أخرى، وذلك في السماء بعد رؤيته في الأرض، قال الله تعالى:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [النجم: ٥٣/ ١- ١٨] .
стр. 2522
أقسم الله تعالى بالنجم إذا مال للغروب، تشريفا له، حتى يؤول ذلك إلى معرفة الله ﵎. مثل قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٥٦/ ٧٥] .
والمقسم عليه وهو الوحي حق ثابت. فما عدل النبي ﷺ عن طريق الحق إلى الباطل، وما جهل بما أوحي إليه. والضلال: هو الذي يكون بغير قصد من الإنسان. والغي: ما تتكسبه وتريده.
وما يقول هذا النبي قولا عن هوى وغرض، إن كل ما ينطق به هو وحي أوحاه الله إليه، ويبلّغ جميع وحي الله من غير زيادة ولا نقصان. والمراد بالوحي: القرآن.
والوحي: إلقاء المعنى في خفاء.
ومعلّم القرآن الناقل عن رب العزة: هو جبريل ﵇، الشديد بقواه العلمية والعملية، وهو ذو قوة وشدة، وذو حصافة في العقل، ومتانة في الرأي، وقد اعتدل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، حين كان في الأفق الأعلى، أي في الجهة العليا من السماء، وهو أفق الشمس، فسدّ الأفق حين جاء بالوحي إلى النبي ﷺ أول مجيئه.
ثم قرب جبريل من الأرض إلى محمد ﷺ عند حراء، وتعلق بالهواء، وازداد في القرب من محمد والنزول، فكان فيما بينهما مقدار ما بين قوسين من المسافة أو أقل من ذلك، فأوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحى من القرآن في تلك النزلة، من شؤون الدين والتشريع، وهذا كان في أثناء رؤية حقيقة جبريل، والرسول في الأرض في حراء. ورآه مرة أخرى على حقيقته، والرسول في السماء، ليلة الإسراء، وحينما رآه سدّ الأفق، له ست مائة جناح.
ولم تكن رؤية جبريل خيالا، وإنما حقيقة معاينة، فما أنكر فؤاد النبي ما رآه من
стр. 2523
صورة جبريل، وإنما كان في كامل وعيه، وكان فؤاده صادقا، فتكون عينه أصدق، فكيف تجادلونه وتكذبونه معشر قريش فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة؟ وقوله:
أَفَتُمارُونَهُ «١» خطاب لقريش معناه: أتكذبون فتجادلونه على ما يراه معاينة؟ ولم يرو قط أن محمدا ﷺ رأى ربه قبل ليلة الإسراء. ولكن لا مانع من رؤية القلب.
أخرج مسلم والترمذي وأحمد: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ : هل رأيت ربّك؟ فقال:
«نور أنى أراه» .
ولقد رأى محمد ﷺ جبريل نازلا مرة أخرى على صورته التي خلقه الله عليها، وذلك في ليلة الإسراء، عند سدرة المنتهى التي هي في المشهور: شجرة في السماء السابعة، وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين.
ونحن نؤمن بسدرة المنتهى، على النحو الوارد في ظاهر القرآن الكريم، دون تعيين مكانها وأوصافها.
وتلك السدرة يحيط بها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله ما يحيط، مما لا يحصره وصف ولا عدد. وهذا يشعر بالتعظيم والتكثير.
ما مال بصر النبي ﷺ عما رآه، وما تجاوز ما رأى، فرؤية جبريل وغيره من مظاهر ملكوت الله رؤية عين، وليست من خدع البصر، وهذا يؤكد أن معراج النبي ﷺ إلى السماء كان بالروح والجسد.
لقد رأى في ليلة المعراج من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، وهو رؤية جبريل على صورته، وسائر عجائب الملكوت و (الكبرى) : وصف ل (آيات) . وهذا كما جاء في آية أخرى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١٧/ ١] ولكن دون تحديد المرئي، للإشارة إلى تعظيمه وأهميته.
стр. 2524
قال الألوسي نقلا عن الكشاف: إن هذه الآيات سيقت لتحقيق أمر الوحي، ونفي الشبهة والشك فيه، ليتأكد الكل أن هذا الوحي ليس من الشعر ولا من الكهانة، فليس للشيطان ولا للجن أي قدرة على تصورهم وإدراكهم صورة جبريل الحقيقية أو غيرها، لأن النبي ﷺ عرفه بقلبه وبصره، ورآه في حالاته المتعددة، ومن ثم لم يكن من المعقول أن يشتبه عليه.
أصنام الجاهلية العديمة الفائدة
حرص القرآن الكريم على أصول ثلاثة في العقيدة: وهي التوحيد، والرسالة أو النبوة، والإيمان باليوم الآخرة، وتقرير التوحيد يتطلب هدم الإشراك بالله، وبيان انعدام فائدة الأصنام، وهذا ما ذكرته الآيات الآتية، بأسلوب استنكاري مع التهكم والتوبيخ، إذ كيف يليق بكرامة الإنسان وحرمة العقل الإنساني، أن يعبد الإنسان حجرا أو معدنا أو شخصا يجعله إلها آخر مع الله؟ وهي لا تستطيع منع الضرر عن أنفسها، قال الله تعالى:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٣١]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)
«١» «٢» «٣»
стр. 2525
«١» [النجم: ٥٣/ ١٩- ٣١] .
أوضح القرآن عظمة الله وقدرته، ثم أتبع ذلك الكلام عن الأصنام، فقال:
أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها، وبعدها عن القدرة والصفات العلية؟ أنظرتم إلى اللات: صنم ثقيف والطائف، والعزى: شجرة بين مكة والطائف تعظمها قريش، ومناة: صخرة هذيل وخزاعة، وغيرها من الأصنام، إنها حجارة صماء، أو أشجار مستنبتة، فكيف تشركونها بالله، وهي مصنوعة لكم، أو مخلوقة غير خالقة، فمن يستحق العبادة أهي أم الله الخالق القادر؟! أتجعلون لله ولدا، ثم تجعلونه أنثى، وتختارون الذكور لأنفسكم؟ تلك قسمة جائرة عن الحق، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة الجائرة بين المخلوقين؟! إن تسمية هذه الأصنام آلهة، مع أنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل ولا تفهم، ولا تضر ولا تنفع، إنها مجرد أسماء سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، لا مسميات حقيقية، اتخذتموها آلهة أنتم وآباؤكم، لم ينزل الله بها من حجة ولا برهان تعتمدون به على أنها آلهة.
ما يتّبعون في تسمية الأصنام آلهة إلا مجرد وهم أو ظن لا يغني من الحق شيئا، ولا يتّبعون إلا ما تهواه نفوسهم وميولهم، من غير نظر إلى الحق الواجب اتباعه، ولقد جاءهم من الله القرآن الكريم الذي فيه الهداية والإرشاد.
стр. 2526
والقضية ليست تمنيات، بل إن الإنسان يقرر ما يتمنى ويتصور، وليس كل من تمنى خيرا حصل له، وليس لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم، فالسلطان ليس لغير الله، وليس للأصنام مع الله أمر ولا شأن في الدنيا ولا في الآخرة، كما جاء في آية أخرى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ [النساء: ٤/ ١٢٣] .
وطريق الشفاعة هو: كثير من الملائكة الكرام في السماء، مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله، لا تشفع لأحد إلا لمن أذن ورضي الله أن يشفع له، فكيف بهذه الجمادات؟.
ثم أنكر الله تعالى على المشركين جعلهم الملائكة بنات الله ووصفهم بالأنوثة، فالذين لا يصدقون بوجود الآخرة والحساب والعقاب يزعمون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وليس لهؤلاء المشركين علم صحيح بصدق ما قالوه، ولا معرفة ولا برهان، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم، وما يتبعون في زعمهم إلا التوهم أو الظن الذي لا أساس له من الصحة، ومثل هذا الظن لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، فأعرض أيها الرسول عمن أعرض عن القرآن أو تذكير الله، ولم يكن همّه إلا الدنيا، وترك النظر إلى الآخرة، فاترك مجادلتهم والاهتمام بشأنهم فقد بلّغت ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ. وقوله: وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يدل على إنكارهم البعث والحشر.
إن أمر الدنيا وطلبها هو منتهى ما وصلوا إليه من العلم، فلا يلتفتون إلى ما سواه من أمر الدين، إن ربك هو عالم بمن انحرف عن سبيله، سبيل الحق والهدى، وعالم بمن اهتدى إلى الدين الحق، فأعرض عنهم، لأن الله هو الخالق لكل شيء، وسيجازي كل فريق أو أحد على عمله.
стр. 2527
ولله تعالى ملك جميع ما في السماوات وما في الأرض، وهو الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وقد خلق الخلق بالحق، وجعل عاقبة أمر الخلق أن يجزي كلا من المحسن والمسيء بعمله، يجزي المسيء بإساءته التي عملها، ويجزي المحسن بإحسانه، فتكون لام (ليجزي) لام العاقبة أو الصيرورة.
قال ابن الجوزي في تفسيره: والآية: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى أي: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وبين قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا لأنه إذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن، جازى كلا بما يستحقه، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك.
صفات المحسنين وتوبيخ بعض المشركين
يدعي بعض الناس أنهم أتقياء بررة، محسنون خيّرون، ولكنهم في الواقع بعيدون عن الإحسان بالمعيار الشرعي الصحيح، فإن المحسنين هم الذين أحسنوا أعمالهم واجتنبوا الكبائر والفواحش، فلا يدعي إنسان ما ليس فيه أو يزكي نفسه بما ليس فيها. وفي مقابل هؤلاء المقصرين كان بعض المشركين كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، وأبي جهل بن هشام في غاية الجفاء. والبعد عن معايير الشرع والخلق القويم، وهذا ما حكته الآيات الآتية:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٢ الى ٤١]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦)
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2528
«١» «٢» «٣» [النجم: ٥٣/ ٣٢- ٤١] .
أخرج الواحدي والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صدّيق، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «كذبت اليهود، ما من نسمة «٤» يخلقه الله في بطن أمه إلا ويعلم أنه شقي أو سعيد» فأنزل الله عند ذلك هذه الآية: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
المحسنون: وهم الذين تقدم ذكرهم: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى فكلمة الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ نعت لكلمة (الذين) المتقدم قبله: هم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال اليتيم، وعن الفواحش كجرائم الحدود من زنا وقذف وسرقة وحرابة وشرب مسكر. والكبائر: كل ذنب توعد الله عليه بالنار وهي السبع الموبقات الآتي بيانها، والفواحش: ما تناهي أو تزايد قبحه عقلا وشرعا من الكبائر، ولكن لا يقع منهم إلا اللمم: أي صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال كالنظر إلى المحرّمات والقبلة، فإن اقترفوا اللمم تابوا.
ورد في الصحيحين عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والنولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
стр. 2529
ثم رغب الله بالتوبة بقوله: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أي إن الله تعالى كثير الغفران للذنوب إذا تاب العبد منها.
والله تعالى بصير بكم حين ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم من التراب، وحين أوجدكم أجنة: أولادا في بطون أمهاتكم، فلا تمدحوا أنفسكم، ولا تبرّئوها عن الآثام، ولا تدّعوا الطهارة عن المعاصي، فالله هو العليم بمن اتقى الشرك والمعاصي. وظاهر الآية: النهي عن أن يزكي أحد نفسه.
ثم ذكر الله تعالى على سبيل التعجب والتقريع خبر بعض المشركين، الذي تميز بسوء فعله، حيث أعرض عن الإيمان، وأحجم عن العطاء، وجهل ما غاب عنه من العذاب.
ومعنى الآية: أخبرني وأعلمني بهذا الذي تولى عن الخير، وأعرض عن اتباع الحق، أعطى قليلا من المال ثم لم يتمه، ليتحمل عنه غيره وزره، هل عنده علم ما غاب عنه من أمر العذاب؟ أو أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر، فإن المتحمّل عنه ينتفع بذلك؟
أخرج الواحدي وابن جرير عن مجاهد وابن زيد قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسول الله ﷺ على دينه، فعيّره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله ، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقال محمد بن كعب القرظي:
نزلت في أبي جهل بن هشام.
стр. 2530
ثم ذكّر الله تعالى هذا المعرض عن الإسلام بأن المسؤولية شخصية، فقال: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ أي بل أإنه لم يخبر بما في أسفار التوراة، وصحف إبراهيم الذي أكمل ما أمر به، وأدى الرسالة على الوجه الأكمل: أنه لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، فكل نفس ارتكبت جرما من كفر أو ذنب، فعليها وحدها وزرها، لا يحمله عنها أحد. وهو مبدأ المسؤولية الشخصية التي هي من مفاخر الإسلام.
وأنه ليس للإنسان إلا أجر سعيه وجزاء عمله، فلا يستحق أجرا عن عمل لم يعمله، وهو مبدأ كون الجزاء مرتبطا بالعمل، وهذا متمم للمبدأ السابق، فكما لا يتحمل أحد مسئولية غيره، كذلك ليس له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، والمراد بيان ثواب الأعمال الصالحة وكل عمل، فالخير مثاب عليه، والشر معاقب عليه.
وأن سعي الإنسان أو عمله محفوظ، يجده في ميزانه لا يضيع منه شيء ويدخره الله له بصفته وسيلة إثبات وإشادة، ولوم للمقصرين، وقوله فَهُوَ يَرى أن يراه الله تعالى ومن شاهد الأمر. وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين، وتوبيخ للمسيئين. ثم يجزي الله هذا الإنسان جزاء كاملا غير منقوص، فيجازي بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء. وهذا وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.
من مظاهر القدرة الإلهية
تعددت مظاهر القدرة الإلهية في الكون والإنسان والحياة، وتلك المظاهر تصدر عن حكمة إلهية بالغة، وسلطان عظيم شامل، وعدل كامل، ورحمة شاملة، فلا يكون عقاب إلا بعد إمهال، ولا عذاب إلا بعد إنذار، ولم يبق إلا اعتدال الإنسان ووعيه في مراعاة مصلحته واستحضاره عظمة ربه، والاتعاظ بالأمثال والعبر التي
стр. 2531
جعلت في تدمير الأمم أو الأقوام الغابرة، وذلك قبل أن يموت الإنسان ويفاجأ بقيام القيامة، وهذا ما أخبر عنه القرآن الكريم في الآيات الآتية:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٤٢ الى ٦٢]
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦)
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١)
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النجم: ٥٣/ ٤٢- ٦٢] .
- إن المرجع والمصير إلى الله تعالى يوم القيامة، لا إلى غيره، فيجازي المخلوقات بأعمالهم، وهذا ترهيب للمسيء، وترغيب للمحسن.
- والله هو الذي أضحك من شاء في الدنيا بأن سرّه، وأبكى من شاء بأن غمّه.
والمراد أن الله خلق ما يسرّ من الأعمال الصالحة، وما يسوء ويحزن من الأعمال السيئة، وهذا دليل القدرة الإلهية.
أخرج الواحدي عن عائشة قالت: مرّ رسول الله ﷺ بقوم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، فنزل عليه جبريل ﵇ بقوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) فرجع إليهم، فقال: ما خطوت أربعين
стр. 2532
خطوة، حتى أتاني جبريل ﵇، فقال: ائت هؤلاء، وقل لهم: إن الله يقول: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) .
- وأنه ﵎ أمات من شاء وأحيا من شاء.
- وأنه هو الذي خلق الصنفين: الذكر والأنثى من كل إنسان أو حيوان، من قطرة ماء يصبّ في الرحم، ويتدفق فيه. ثم ينفخ الله الروح في النطفة فتصير شيئا حيا.
- وأن على الله تعالى إعادة الأرواح إلى الأجساد عند البعث والنشور والحشر، فكما خلق الله الإنسان من البداءة، هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الأخرى يوم القيامة.
- وأنه سبحانه وحده الذي أغنى من يشاء من عباده، وأفقر من يشاء منهم، بحسب الحكمة والمصلحة للخليقة. وكلمة أَغْنى قال حضرمي: معناه أغنى نفسه.
ووَ أَقْنى أفقر عباده إليه. وقال الأخفش: أغنى: أفقر. قال ابن عطية: وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة: أكسب ما يقتنى. وقال ابن عباس ﵄: أقنى: أقنع.
- وأنه تعالى رب هذا النجم المضيء الذي يطلع خلف الجوزاء في شدة الحر، وهما شعريان: إحداهما الغميصاء «١» ، والأخرى: العبور، لأنها عبرت المجرّة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه الشعرى. وأول من سن عبادتها أبو كبشة من أشراف العرب، وكانت قريش تطلق على الرسول ﷺ : (ابن أبي كبشة) تشبيها له به، لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي ﷺ من جهة أمه.
- وأنه تعالى دمر وأفنى قوم هود ﵇، وهم عاد القدماء، وهي أول أمة
стр. 2533
أهلكت بعد نوح، وكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله ورسوله، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، وعاد الأخرى: هي ثمود قوم صالح.
- وأهلك قبيلة ثمود، كما أهلك عادا، ودمرهم بذنوبهم، فلم يبق منهم أحدا.
- وأهلك الله قوم نوح من قبل هذين الفريقين: عاد وثمود، إنهم كانوا هم أظلم من عاد وثمود، وأشد طغيانا منهم، وأكثر تمردا وتجاوزا للحد من الذين أتوا من بعدهم، لأنهم بدؤوا بالظلم.
- وخسف الله مدائن قوم لوط، بجعل عاليها سافلها، أسقطها جبريل ﵇ بعد أن رفعها، ثم أمطر عليها حجارة من سجيل منضود، فغطاها بالعذاب على اختلاف ألوانه، وهذا أسلوب فيه تفخيم وتهويل لأمر العذاب.
- فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تتشكك وتمتري.
- هذا القرآن ورسول الله نذير مخوف محذّر من جملة النذر المتقدمة، لأن القرآن منذر كالكتب السماوية السابقة.
- اقتربت القيامة، ليس هناك أحد قادر على كشفها والاعلام عنها إلا الله تعالى، لأنها من أخفى المغيبات، فاستعدوا لها قبل مجيئها بغتة، وأنتم لا تشعرون.
- كيف تعجبون من صحة القرآن، تكذيبا منكم، وتضحكون منه استهزاء، وتسخرون من آياته، ولا تبكون كما يفعل الموقنون، وأنتم لاهون عنه، غافلون معرضون؟! فاسجدوا أيها المؤمنون شكرا على الهداية، واخضعوا لله، وخصوه بالعبادة، فهو المستحق لذلك.
стр. 2534
تفسير سورة القمر
موقف المشركين من دعوة الإسلام
طالب المشركون بتحقيق معجزات مادية، على سبيل المكابرة والعناد، على الرغم مما رأوا من الآيات والمعجزات الباهرة الدالة على صدق نبوة الرسول محمد بن عبد الله ﷺ ، ومع الإخبار بأنباء إهلاك الأمم المكذبة رسلها، ليعتبروا ويتعظوا، ومع تحذيرهم مما يتعرضون له في الآخرة من عذاب شديد، ونشر من القبور، ذليلين مهانين، مسرعين إلى الداعي إسرافيل إلى شيء رهيب، وهو موقف الحساب. وهذا ما أطلعتنا عليه أوائل سورة القمر المكية بالإجماع إلا الآية واحدة، اختلف فيها أهي مكية أم مدينة، وهي آية: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) :
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [القمر: ٥٤/ ١- ٨] .
أخرج البخاري ومسلم والحاكم- واللفظ له- عن ابن مسعود قال: رأيت القمر
стр. 2535
منشقا شقين بمكة، قبل مخرج النبي ﷺ ، فقالوا: سحر القمر، فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
والمعنى: قربت القيامة ودنت، لكنّ وقتها مجهول التحديد،
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بعثت والساعة كهاتين» وأشار بالسبّابة والوسطى.
وانشق القمر فعلا نصفين، معجزة للنبي ﷺ ، وآية ظاهرة على قرب القيامة وإمكانها.
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء (وهو جبل مشهور بمكة) بينهما.
لكن المشركين ظلوا على عنادهم، فإنهم وإن يروا علامة على النبوة وصدق النبي ﷺ ، يعرضوا عن التصديق والإيمان بها، ويولّوا مكذبين بها، قائلين: هذا سحر محكم قوي، من المرّة أي القوة، أو دائم مطرد متماد. وكذبوا بالحق الساطع حين جاءهم، وهو آيات الله الظاهرة، اتبعوا شهواتهم، لا بدليل، ولا بتثبّت، بسبب جهلهم وسخفهم، فهددهم الله ورد على تكذيبهم وأخبرهم بأن كل أمر مستقر، أي كل شيء منته إلى غاية، فالحق يستقر ثابتا ظاهرا، والباطل يستقر زاهقا ذاهبا، ومن جملة ذلك أمر النبي ﷺ سينتهي إلى غاية يظهر فيها أنه على حق، وأنهم على باطل.
ثم ونجّهم الله على إصرارهم على الكفر وعلى ضلالهم، فقال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) أي وتالله لقد جاء مشركي مكة وأمثالهم من أخبار الأمم المكذبة رسلها، وما حل بهم من العقاب والنكال، مما أخبر به القرآن، ما فيه كفاية لزجرهم وكفّهم عما هم فيه من الشرك والوثنية، ويدخل في كلمة (الأنباء) جميع ما جاء به القرآن من المواعظ والقصص وأحداث الأمم الكافرة.
стр. 2536
وهذه الأنباء وما فيها من عبرة وعظة وهداية: حكمة بالغة كاملة، قد بلغت منتهى البيان، ليس فيها نقص ولا خلل، فلا تفيدهم الإنذارات شيئا بسبب عنادهم الذي يصرفهم عن الحق، كما جاء في آية أخرى: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠/ ١٠١] وكلمة (ما) إما نافية، أو استفهامية بمعنى التقرير، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة؟ والحكمة البالغة: هي المؤثرة تأثيرا بالغا في وعظ النفوس.
فأعرض عنهم يا محمد، ولا تتعب نفسك بدعوتهم، حيث لا يؤثر الإنذار فيهم، بعد هذا العناد والمكابرة، وانتظرهم، واذكر يوم يدعو الداعي فيه وهو إسرافيل، إلى شيء هائل تنكره نفوسهم، استعظاما له، إذ لا عهد لهم بمثله أبدا، وهو موقف الحساب الرهيب، وما يشتمل عليه من الأهوال والبلايا. وكلمة (نكر) : منكور غير معروف، ولا يرى مثله، وهو نعت للأمر الشديد، وهذا وعيد لهم.
وذلك اليوم هو يوم يخرج الناس من قبورهم، ويكون الكفار ذليلة أبصارهم، من الذل والهوان، كأنهم لانتشارهم واختلاطهم إذا توجهوا نحو المحشر والداعي: جراد منتشر موزع في الآفاق، أو مثل الفراش المبثوث، كما في آية أخرى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) [القارعة: ١٠١/ ٤] .
ويكونون مهطعين، أي مسرعين في مشيهم نحو المقصد، إما لخوف أو طمع ونحوه، ويسيرون نحو الداعي لهم وهو إسرافيل دون تلكؤ ولا تأخر، ويقول الكافرون: هذا يوم صعب، شديد الهول على الكفار، ولكنه ليس بشديد على المؤمنين. وشدته لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته. وذلك كما جاء في آية أخرى: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) [المدثر: ٧٤/ ٩- ١٠] .
ويدل ذلك بطريق المفهوم على أنه يوم هيّن يسير على المؤمنين.
стр. 2537
قصة نوح ﵇ مع قومه
ساق الله تعالى في قرآنه قصص الأقوام السابقين، وعيدا لقريش وضرب مثل لهم، ومن أقدم هذه القصص: قصة نوح ﵇ مع قومه، فإنهم كذبوه، وزجروه عن تبليغ الدعوة بالسب والرد القبيح والتخويف، ووصفوه بأنه مجنون.
فاستنجد بربه، فأجابه، ودمّر القوم بالطوفان. وهذه هي نهاية الظلمة الذين عارضوا الرسل، وقاوموا الدعوة إلى الله ووحدانيته، واتبعوا الأهواء، وصدوا عن سبيل الله، سبيل الحق والعدل وتوحيد الله، فكان لا بد من التذكير بقصتهم للاعتبار والاتعاظ، كما يبدو في هذه الآيات:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١٧]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [القمر: ٥٤/ ٩- ١٧] .
هذه القصة من قصص أربع في هذه السورة وعيد للمشركين حين نزول الوحي، على تكذيبهم رسولهم نوحا ﵇، فلقد كذبت قبلهم قوم نوح بالرسل، حيث كذبوا عبد الله نوحا ﵇، واتهموه بالجنون، وزجروه عن دعوة النبوة وتبليغها بأنواع الأذى والتخويف. قوله: عَبْدَنا تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق العبودية لله، فلم يكن على وجه الأرض في وقته عابد سواه، فكذبوه.
стр. 2538
فدعا نوح ﵇ ربه تعالى قائلا: إني ضعيف عن مقاومة هؤلاء، فانتصر أنت لدينك، بعد علمك بتمردهم وعنادهم، فأجابه الله: لقد صببنا عليهم ماء غزيرا كثيرا متدفقا. وكلمة (أبواب السماء) هي تشبيه ومجاز، لأن المطر كثر كأنه من أبواب. ومنهمر: شديد الوقوع وغزير.
وجعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة، وينابيع متدفقة، فالتقى ماء السماء، وماء الأرض، على أمر قد قضي عليهم، ورتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت، أو على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه، وهو وصف الطوفان لعقابهم والانتقام منهم.
وحملنا نوحا ﵇ على سفينة ذات ألواح: وهي الأخشاب العريضة، ودسر: وهي المسامير التي تشدّ بها الألواح، وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
تسير السفينة بمنظر ومرأى منا، وحفظ وحراسة لها، جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارا لنوح ﵇، لأن إرساله نعمة، وتكذيبه كفران موجب للنقمة. وهذا دليل على ضرورة اتخاذ الأسباب، لتحقيق النتائج المرجوة. فقوله: بِأَعْيُنِنا معناه بحفظنا وكفايتنا وتحت نظر منا لأهلها.
ولقد أبقينا خبر السفينة عبرة للمعتبرين، أو تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة، فهل من متعظ يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟! فانظر أيها السامع كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذب رسلي، ولم يتعظ بإنذاراتي التي جاء بها المرسلون، وكيف انتصرت لهم وثأرت لهم، وكيف كانت إنذاراتي؟ وهو اطلاع لقريش على سبيل التوبيخ والتخويف، معناه: كيف كان عاقبة إنذاري، لمن لم يحفل به، مثلكم أيها القوم؟ وجمع النّذر: إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، لأن الإنذار وهو الاعلام المتقدم رحمة وشفقة. وقوله: كُفِرَ معناه جحد به.
стр. 2539
ولقد سهلنا القرآن وقرّبناه للحفظ عن ظهر قلب، ويسرنا إدراك معناه لمن أراده للتذكر، فهل من متعظ بمواعظه، معتبر بعبره؟! إن الله تعالى يسّر حفظ القرآن وفهم معانيه، بما فيه من حسن النظم، وشرف المعنى، فله التصاق بالقلوب مع محبة، وامتزاج بالعقول السليمة مع قناعة. وقوله تعالى في نهاية هذه القصة وبقية القصص الأربع: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ استدعاء وحض على حفظه وتذكر مراميه، لتكون زواجره وعلومه وهداياته حاضرة في النفس. وهي تعداد نعم الله تعالى في أنه يسّر الهدى.
والحكمة من تكرار: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) تجديد التنبيه على الاستذكار والاتعاظ، والتعرف على تعذيب الأمم السابقة، والاعتبار بحالهم.
وهكذا كان حكم تكرار آية الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) عند عدّ كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عدّ كل آية، لتكون ماثلة أمام الأذهان، محفوظة في كل أوان، وكذلك تكرار هذه القصص في القرآن بعبارات مختلفة، لتنبيه الغافل على أن كل موضع له فائدة، لا تعرف في غيره.
قصة عاد وثمود
تكرر بعد تكذيب قوم نوح برسولهم تكذيب قبيلتي عاد وثمود برسوليهم هود وصالح ﵉، وكان الجزاء الماحق مثل جزاء من قبلهم، وتشابهت الجرائم وتماثلت العقوبات، من أجل تحقيق غاية واحدة: هي زجر الكافرين عن كفرهم، ونقلهم من ذل الكفر والمعصية إلى عز الإيمان والطاعة. فإذا بقوا على مواقفهم لم يبق بعدئذ عذر لهم، ويكون عقابهم حقا وعدلا، وهذا ينبغي أن يكون أمثولة مستحضرة
стр. 2540
في أذهان المناوئين والمعارضين لدعوة الإسلام والحق على يد خاتم النبيين المرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، قال الله تعالى مبيّنا قصتين بعد قصة نوح ﵇:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٣٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [القمر: ٥٤/ ١٨- ٣٢] .
كذبت قبيلة عاد العربية، قوم هود ﵇ رسولهم، فانظروا أيها المخاطبون من قريش وغيرهم كيف كان عذابي لهم، وإنذاري إياهم.
وقوله فَكَيْفَ كانَ كيف منصوب إما على خبر (كان) وإما على الحال، و (كان) بمعنى وجد ووقع في هذا الوجه. والنذر: جمع نذير.
إنا سلطنا عليهم ريحا شديدة الصوت والبرد، في يوم شؤم عليهم، متتابع أو دائم الشؤم حتى أهلكهم ودمّرهم. قال قتادة: استمر بهم ذلك النحس حتى بلغهم جهنم.
تقتلع الناس من الأرض اقتلاع النخلة من أصلها، أي إنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال عظام، كأنهم بقايا أو مؤخرات نخل منقلع عن
стр. 2541
مغارسه، أي إن ما تقطّع وتشعب من شخص الإنسان يشبه أعجاز النخل، والنخل: تذكر وتؤنث، فلذلك قال: منقعر. والكاف في قوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ في موضع الحال.
فانظروا كيفية عقابي وإنذاري، ولقد سهّلنا القرآن للحفظ والاستذكار والاتعاظ، فهل من متذكر متعظ؟! والإنذار بالتخويف وهزّ الأنفس. قال الرّمّاني: لما كان الإنذار أنواعا، كرر التأكيد والتنبيه. وفائدة تكرار قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ التأكيد والتحريض وتنبيه الأنفس.
كذبت أيضا بالنذر، أي الرسل قبيلة ثمود قوم صالح ﵇، وهم أهل الحجر بين الحجاز والشام، وتكذيب نبيهم صالح ﵇ تكذيب لجميع الرسل، لاتفاقهم على أصول الدين، فقالوا حسدا منهم لصالح ﵇، واستبعادا أن يفضل نوع من البشر بعضه الآخر: أنكون جميعا، ونتّبع واحدا؟ وكيف نتبع بشرا من جنسنا، منفردا وحده، لا تبع ولا متابع له على ما يدعو إليه؟ لقد خبنا وخسرنا إن أطعنا واحدا منا، وإنا إذا اتبعناه نحن في خطأ وبعد عن الصواب، وفي أمر متلف مهلك بالإتلاف، وفي احتراق نفس هما وحنقا باتباعه، أو في جنون أو عناء.
كيف خص بالوحي والنبوة من بيننا، وفينا من هو أحق بذلك منه؟ بل هو كذوب متجاوز الحد فيما يدّعيه من نزول الوحي عليه، ومتكبر بطر. والأشر: البطر المرح، أي ليس الأمر كما يزعم، فكأنهم بهذا الوصف اتهموه بأنه أراد الاستعلاء عليهم وأن يقودهم وهم يطيعونه.
فرد الله عليهم مهددا ومتوعدا بقوله: سَيَعْلَمُونَ غَداً.. أي سيعرفون عما قريب في المستقبل وقت نزول العذاب بهم في الدنيا أو في يوم القيامة، وسيتبين لهم
стр. 2542
من المفتري الكذاب، البالغ الحد في كونه أشرا، أصالح في تبليغ الرسالة أم هم في تكذيبهم إياه؟ والمراد أنهم هم الكذابون البطرون المتكبرون.
ولقد أرسلنا لهم الناقة العظيمة التي اقترحوها أن تخرج من صخرة صماء من الجبل، وذلك على سبيل الاختبار والامتحان، فانتظر ما يؤول إليه أمرهم بارتقاب الفرج والصبر.
وأخبرهم أن ماء البئر أو النهر الصغير مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل نصيب من الماء يحضره صاحبه في نوبته، فتشرب الناقة في يوم ويشربون هم في يوم آخر، أو إنهم يشربون من الماء يوما، ومن لبن الناقة يوما آخر، فكأنه تعالى أنبأهم بنعمة الله تعالى عليهم في ذلك.
ولكن ثمود ملّوا هذه القسمة، فتجرأ أحدهم وأشقاهم وأجرؤهم بتواطؤ معهم على عقر الناقة، فأهوى بسيفه على قوائمها، فكسر عرقوبها، ثم نحرها. فعاقبتهم، فانظروا كيف كان عقابي لهم على كفرهم بي، وتكذيبهم رسولي الذي يخوفهم عذاب الله تعالى.
وتعاطى: مطاوع طاوع، كأن هذه الفعلة تدافعها الناس، فتناولها هذا الشقي. إنا أرسلنا عليهم صيحة جبريل، فصاح بهم، فأبيدوا جميعا، وصاروا كعشب أو تبن صاحب الحظيرة الذي جمعه فيها، أو كالشجر اليابس المتهشم. ولقد سهلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من متعظ؟!
قصة لوط وآل فرعون
من غرائب القصص: قصة قوم لوط، فإن الأمم الأخرى كذبوا الرسل وأصروا على العناد والكفر، أما قوم لوط فقد ضموا إلى ذلك اقترافهم فاحشة خطيرة هي
стр. 2543
اللواط، وارتكبوا سفساف الأخلاق وأدناها، وأكثرها إخلالا بالمروءة، فكان عقابهم- وهو الخسف وقلب ديارهم عاليها سافلها- فريدا من نوعه بين أنواع العقاب الإلهي، تطهيرا للأرض أو البيئة من مفاسدهم وموبقاتهم. وهذا ما أنبأ به القرآن في الآيات الآتية:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٣ الى ٤٢]
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [القمر: ٥٤/ ٣٣- ٤٢] .
كذبت بالرسل أيضا من الأمم البائدة قوم لوط، فإنهم كذبوا رسولهم في دعوته، وكذبوا بالآيات التي أنذرهم بها، واقترفوا الفاحشة، وتكذيب رسول واحد كتكذيب جميع الرسل، لأن مهمتهم واحدة، ولقد أنذر لوط قومه بعذاب الله، فلم يرتدعوا، فعاقبناهم. بأن أرسلنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى أو الحجارة، وشبّه ذلك بالسحاب، فدمرتهم جميعا إلا لوطا ﵇ وآله الذين آمنوا به واتبعوه، فإنا أنجيناهم من الهلاك في آخر الليل قبل الفجر.
وإنجاء هؤلاء الناجين كان إنعاما من الله عليهم، وتكريما لهم، ومثل ذلك الجزاء الحسن، نجزي من شكر نعمة الله ولم يجحدها، بأن آمن وأطاع أمر ربه، واجتنب نهيه.
стр. 2544
والله تعالى عدل في العذاب، حيث جاء بعد إنذار، فلقد أنذرهم الرسول بطشة الله بهم، أي عذابه الشديد، فتشككوا بإلقاء الشبه والضلال في هذا الإنذار، وكذبوه.
ومن جرائمهم: أنهم أرادوا تمكينهم ممن أتى لوطا ﵇ من الأضياف الملائكة، الذين جاؤوا في صورة شباب مرد: حسان، ليفجروا بهم، فصيرنا أعينهم مطموسة، قال قتادة: هي حقيقة، جرّ جبريل ﵇ شيئا من جناحه على أعينهم، فاستوت مع وجوههم. وقال ابن عباس والضحاك: هي استعارة، وإنما حجب إدراكهم، فدخلوا المنزل، فلم يروا شيئا، فجعل ذلك كالطمس.
وقال الله لهم على لسان الملائكة: ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ولقد نزل بهم العذاب بكرة، أي صباحا في أول النهار، عند طلوع الشمس، وكان عذابا متصلا مستقرا بهم، لم يفارقهم حتى ماتوا، وهم أيضا معذبون في قبورهم بانتظار جهنم، ثم يتصل ذلك بعذاب النار، فذوقوا جزاء أفعالكم عذابي الشديد، وتحملوا مقتضى إنذاركم المتقدم، وهذا مكرر تأكيدا وتوبيخا.
ولقد سهّلنا آيات القرآن للاتعاظ والتذكر، فهل من متعظ معتبر؟! وذكرت هذه الجملة عقب كل قصة من القصص الأربع، للتأكيد والتنبيه، والزجر والاتعاظ.
ووالله لقد جاءت الإنذارات بالعذاب قوم فرعون وأتباعه، على يد موسى وهارون ﵉، ويحتمل أن يريد ب (آل فرعون) قرابته، وخصهم بالذكر، لأنهم عمدة القوم وكبراؤهم.
كذبوا بآيات الله المتعددة، وبالمعجزات الباهرة التي أجراها الله تعالى على يد موسى، ومنها الآيات التسع كالعصا واليد، فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله بالعذاب الشديد أخذ قوي غالب في انتقامه، قادر على إهلاكهم، قاهر لا يعجزه شيء، حيث أغرق فرعون وجنوده بالبحر، ونجى موسى ومن آمن معه.
стр. 2545
إن هؤلاء الأقوام العتاة (قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون) بلغوا الحد الأقصى في الضلال والفجور، وتجاوزوا المعتاد والحدود كلها، فكانوا أمثولة العالم، وحديث البشرية إلى يوم القيامة، فالله تعالى يعاقب بمثل هذا العقاب كل من اتصف بصفات تلك الأقوام، والجزاء من جنس العمل. وهو سبحانه أيضا ينجي أهل الإيمان الذين أطاعوا الله ورسوله، ولم يخشوا إلا الله لا صنما ولا وثنا، ولا حجرا ولا صخرة، ولا كوكبا، ولا شخصا مهما بلغ في عتوه وضلاله، ويظل البقاء على الدوام لأهل الحق والسداد، ويفنى مع الزمان أهل الباطل والعدوان.
تهديد المشركين وتهنئة المتقين .
بعد أن أورد الله تعالى قصص إهلاك الأمم المتقدمة الذين كذبوا الرسل، وهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون في سورة القمر، هدّد الله تعالى مشركي مكة وأمثالهم، بأن ينزل بهم من العذاب ما نزل بمن تقدمهم، لتشابههم في السبب:
وهو الإصرار على الضلال والشرك وتكذيب النبي ﷺ ولهم في الآخرة عذاب أشد وأبقى. ثم بشّر الله تعالى وهنأ المتقين الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بطاعته بالجنة والأنهار العذبة التي آمنوا بها، وفي مقاعد النور والخير والإحسان التي صدقوا بها، بقرب من الله قرب مكانة وتكريم، لا قرب مكان وتعيين، فقال الله سبحانه:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٣ الى ٥٥]
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)
«١» «٢» «٣»
стр. 2546
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [القمر: ٥٤/ ٤٣- ٥٥] .
هذا خطاب لكفار قريش على جهة التوبيخ، أكفاركم يا مشركي العرب خير من الذين تقدم ذكرهم، ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وجحودهم كتب السماء، أم عندكم براءة: سلامة من العذاب مكتوبة، فيما أنزل من الكتب ألا ينالكم عذاب أو نكال؟ والمعنى: ليس كفاركم معشر العرب خيرا من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم، فلستم بأفضل منهم، حتى تأمنوا ما أصابهم من العذاب عند تكذيبهم الرسل. وهذا تهديد وتوبيخ للمصرّين على الكفر من مشركي العرب.
ثم خاطب الله نبيه محمدا ﷺ : أم يقولون: نحن جميع واثقون بأنا منتصرون بقوتنا، على جهة الإعجاب والاستكبار، على الضعفاء الأذلاء، والاستفهام إنكاري، سيهزمون فلا ينفع جمعهم.
سيهزم جمع المشركين، ويولّون الأدبار هاربين، وهذا من أدلة النبوة، فقد هزموا يوم بدر، وقتل زعماء الكفر. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يوم بدر:
«نحن جميع منتصر» فنزلت: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) واستشهد رسول الله ﷺ في بدر بهذه الآية.
стр. 2547
ثم تركت هذه الأقوال وأضرب عنها، عناية بأمر القيامة التي عذابها أشد عليهم من كل هزيمة وقتال، فقال الله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي بل إن القيامة موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، هو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو مقدمة له، وعذاب القيامة أعظم وأنكى، وأشد مرارة وقسوة من عذاب الدنيا.
ونوع عذاب الآخرة: هو أن المجرمين، أي الكفار- في رأي أكثر المفسرين- في الدنيا في حيرة وبعد عن الهدى والصواب، وفي الآخرة في احتراق وتسعّر، أي في نيران مستعرة.
يوم يجرّون في النار على وجوههم للإهانة والإذلال، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا:
ذوقوا وقاسوا حرّ النار وآلامها وشدة عذابها. وهذا توعد بالسحب في جهنم. وأكثر المفسرين على أن المجرمين هنا يراد بهم الكفار، وقال قوم: المراد بالمجرمين: القدرية الذين يقولون: إن أفعال العباد ليست بقدر من الله تعالى.
ثم أوضح الحق تعالى أن جميع ما يحدث في الكون ومنه أفعال الناس كلهم هو مخلوق لله تعالى، فقال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) أي إن كل شيء من الأشياء وكل فعل من الأفعال في الكون والحياة، خيرا أو شرا، مخلوق لله تعالى، مقدر بقدر معلوم، وفي هيئة وزمن مخصوص، وهو محكم مرتب بحكمة الله تعالى، وعلى وفق المكتوب في اللوح المحفوظ، ومعلوم لله في الأزل. وهذا المعنى يقتضي أن كل شيء مخلوق، إلا ما قام الدليل العقلي على أنه ليس بمخلوق، كالقرآن وصفات الله تعالى.
وهذه الآية رد واضح على طائفة القدرية الذين ينكرون القدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله.
أخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: خاصمت قريش رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت هذه الآية.
стр. 2548
وأخرج الطبري ومثله البخاري عن علي ﵁: قال أبو عبد الرحمن السّلمي: «فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، سنيسره للعسرى» .
وأخرج النحاس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «القدرية الذين يقولون: الخير والشر بأيدينا، ليس لهم في شفاعتي نصيب، ولا أنا منهم، ولا هم مني» .
ثم أوضح الله نفاذ مشيئته وقدره في الخليقة، فقال: وَما أَمْرُنا أي إن أمرنا بإيجاد الأشياء يكون مرة واحدة، لا حاجة فيه إلى تأكيد ثان، فيكون أمرنا بكلمة واحدة نافذا حاصلا موجودا كلمح البصر في سرعته. ولمح البصر: إغماض العين ثم فتحه.
ثم أعاد الله تعالى التنبيه للحق، فتالله لقد أهلكنا أمثالكم في الكفر يا معشر قريش، من الأمم السابقة المكذبين بالرسل، فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك؟! وجميع ما فعله السابقون وتفعلونه من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ وغيره من كتب الملائكة. وكل صغير وكبير من الأقوال والأفعال مسطور في اللوح المحفوظ وغيره من كتب الملائكة، وكل صغير وكبير من الأقوال والأفعال مسطور في اللوح المحفوظ وفي دواوين الملائكة وصحائفهم. ثم أخبر الله تعالى عن جزاء المتقين فقال:
إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي إن أهل التقوى والإيمان والصلاح في بساتين غناء، وأنهار متدفقة، في المقعد الذي صدّقوا به، في الخبر به عند الملك العظيم، المقتدر على ما يشاء ويريدون، وهو الله تعالى، والعندية: لبيان الرتبة والقربة. والنّهر اسم جنس، ويراد به الأنهار.
стр. 2549
تفسير سورة الرحمن
نعمة القرآن والكون
نعم الله تعالى لا تعدّ ولا تحصى، منها الكبرى المستقرة، ومنها الصغرى المتجددة بتجدّد الحياة الإنسانية وغيرها، فعلى كل إنسان شكر هذه النعم اعترافا بها وإجلالا لها ووفاء لحق المنعم، وربما كان أدق هذه النعم هو النسبية الكائنة بين الأشياء، بحيث لا يكون هناك زيادة ولا نقص، ونجد الحديث عن هذه النعم الكبرى في مطلع سورة الرحمن التي هي مكية النزول في الأصح.
وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة: «وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟» . قال الله تعالى:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ١٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الرحمن: ٥٥/ ١- ١٣] .
стр. 2550
عدد الله نعمه في هذه السورة مبتدئا بذاته المقدسة مصدر النعم.
الرحمن: هو الله تعالى المنعم بجلائل النعم الدنيوية والأخروية، وهم اسم من أسماء الله الحسنى. وهو الذي أنزل القرآن وعلّمه الناس. أوجد الإنسان: وهو هنا اسم جنس، وعلّمه النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول.
ومن نعم الله تعالى العلوية مجال التعلم: أن الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق منظم، معلوم في بروج ومنازل معلومة، لا يتجاوزانها، ويدلان على اختلاف الفصول وعدد الشهور والسنين، ومواسم الزراعة، وآجال المعاملات وأعمار الناس.
ومن نعمه في عوالم الأرض السفلى: أن النبات الذي لا ساق له، والشجر الذي له ساق ينقادان طبعا لله تعالى فيما أراد، كما ينقاد الساجدون من المكلفين اختيارا، فيظهران في وقت محدد ولأجل معين، وهما غذاء الإنسان، ومتعة له.
وظاهرة التوازن أو النسبية بين الأشياء: هي في أن الله رفع السماء فوق الأرض، ووضع شرع العدل وأمر به، كما قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٥٧/ ٢٥] .
وأمر الله بإقامة العدل على الوجه الصحيح، ومنه إقامة الوزن للأشياء بالعدل، ونهى عن نقص المكيال والميزان، كما قال تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء:
٢٦/ ١٨٢] وذلك بقدر الإمكان. وأما ما لا يقدر البشر عليه من تحرير الميزان وتسويته بدقة، فهو موضوع عن الناس.
وقوله: وَلا تُخْسِرُوا من أخسر، أي نقص وأفسد.
وهذا لتأكيد الأمر بالعدل، فقد أمر الله سبحانه أولا بالعدل والتسوية، ثم نهى عن التجاوز والزيادة عند استيفاء الحق، ثم منع الخسران الذي هو النقص والبخس.
стр. 2551
ثم ذكر الله تعالى ما في الأرض من نعم كثيرة في مقابل السماء، فالله هو الذي وضع الأرض وبسطها لينتفع بها الناس، وأرساها بالجبال الراسخات ليستقر الناس على وجهها.
ثم أوجد الله طرق المعايش في الأرض، ففيها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح، وفيها أشجار النخيل ذات أوعية الطلع وأغطية النّور والزهر الذي يتحول بعدئذ إلى تمر، وفيها جميع ما يقتات الإنسان من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة ونحوها، ذات العصف: وهو ورق الزرع الجاف، ويتحول إلى التبن الذي هو رزق البهائم، وفيها كل مشموم من النبات ذي الرائحة الجميلة، وتنكير كلمة (فاكهة) وتعريف كلمة (النخل والحب) لأن الفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص، أما ثمر النخيل والحب فهو قوت محتاج إليه في كل زمان، متداول في كل وقت، ويحتاج إليه جميع الأشخاص، وكذلك الريحان الذي لا يفارق أغلب النباتات.
فبأي النعم المتقدمة يا معشر الجن والإنس تكذبان؟ فهي من الرب المنعم الذي يتعهد عباده بالتربية والنماء، فيكون هو الجدير بالحمد والشكر على كل حال.
والضمير قوله: رَبِّكُما للجن والإنس. وعرف ذلك إما من قوله: لِلْأَنامِ أي الثّقلان، وإما من تفسيرهما في قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ ووَ خَلَقَ الْجَانَّ.
ويقال بعد ذلك: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر.
وقد تكررت هذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة، بعد كل خصلة من النعم، وجعلها الله فاصلة بين كل نعمتين، لتأكيد التذكير بالنعمة، وتقريرهم بها، وللتنبيه على أهميتها، والنعم تشمل دفع المكروه، وتحصيل المقصود.
стр. 2552
إن هذه النعم المادية لا شك في أهميتها والحاجة إليها، لكن أعظم نعمة وأول نعمة وأخلدها وأجدها هي نعمة القرآن، كما افتتحت بها السورة، وكما وصف هذا الكتاب في آية أخرى مثل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٦/ ٨٩] . ومثل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ١٧/ ٨٢] .
نعم إلهية أخرى
يذكّرنا الله تعالى بنعمه على الدوام، ليدلنا على قدرته العظمى ووحدانيته الخالدة، فهو سبحانه خلق الإنسان في أصله من الطين اليابس، وخلق أصل الجن من النار، وهو رب المشارق والمغارب، وهو الذي حجز بين البحرين: العذب والملح، وسيّر السفن في أعالي البحار، وأعد كل ذلك لخير الإنسان ما دام في الحياة، ثم يفنى كل شيء، ويبقى الله ذو الجلال والعظمة والإكرام. وهذا ما نصت عليه الآيات الآتية:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ٢٨]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الرحمن: ٥٥/ ١٤- ٢٨] .
стр. 2553
من دلائل القدرة الإلهية: أن الله تعالى خلق أصل الإنسان وهو آدم من طين يابس له صلصلة، أي صوت مثل الخزف: وهو الطين المطبوخ بالنار، ليتماسك ويصير صلبا.
وخلق الله تعالى أصل الجن: وهو إبليس من طرف النار، أي من لهب خالص لا دخان فيه، فبأي نعم الله يا معشر الثقلين: الإنس والجن تكذبان أو تنكران هذا الواقع المشاهد؟
والله تعالى رب مشرقي الشمس في الصيف والشتاء، ورب مغربي الشمس في الصيف والشتاء، وبهما تتكون الفصول الأربعة، وتختلف أحوال المناخ من حر وبرد واعتدال. فبأي نعم الله هذه تكذبان أو تنكران؟! وخص الله تعالى ذكر المشرقين والمغربين بالتشريف في إضافة الرب إليهما، لعظمهما في المخلوقات، وأنهما طرفا آية عظيمة وعبرة، وهي: الشمس وجريها. ومتى ذكر المشرق والمغرب: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: ٧٣/ ٩] فيراد منهما جنس المشرق والمغرب في الجملة، ومتى ذكر المشارق والمغارب فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٧٠/ ٤٠] فيراد به مشارق كل يوم ومغاربه، ومتى ذكر المشرقان والمغربان كما هنا فيراد بهما نهايتا المشارق والمغارب، لأن ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. وقال مجاهد: هو مشرق الصيف ومغربه، ومشرق الشتاء ومغربه. والله تعالى أرسل البحرين، والمراد بهما نوعا الماء العذب والأجاج، أي خلطهما في الأرض وأرسلهما متداخلين، قريب بعضهما من بعض، ولكن بينهما حاجز يحجزهما ويمنعهما من الاختلاط، فلا يبغي أحدهما على الآخر، بالامتزاج، والاختلاط. فبأي نعم ربكما أيها الإنس والجن تكذبان أو تنكران؟
يخرج من أحد البحرين- على حذف مضاف- وهو الأجاج: اللؤلؤ وهو: كبار
стр. 2554
الجوهر المتكون في الصدف، والمرجان: صغاره، وهو حجر أحمر. وتتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر «١» فبأي نعم الله الظاهرة لكم أيها الجن والإنس تكذبان؟ ففي ذلك من دلائل القدرة الإلهية ما لا يستطيع أحد تكذيبه، وخروج هذه الأشياء إنما هو من الملح، لكنه تعالى قال: مِنْهُمَا تجوّزا.
والله الذي خلق وألهم صنع الجواري: وهي السفن، جمع جارية، الرافعات أشرعتها في الهواء كالجبال الشواهق ونحوها من المرتفعات من الظراب والآكام.
ولفظة الْمُنْشَآتُ تعم الكبير والصغير. وقوله كَالْأَعْلامِ هو الذي يقتضي الفرق بينهما هنا. وإنما قال: وَلَهُ الْجَوارِ خاصة، مع أن الله السماوات والأرض وما بينهما، لأن أموال الناس وأرواحهم في قبضة قدرة الله تعالى، فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ لقد خلقت لكم هذه النعم، أيمكنكم إنكار صناعة السفن الضخمة أو كيفية إجرائها في البحر، أو منافعها في تقريب المسافات، ونقل الحمولة وأنواع التجارة والصناعات، ليستفاد منها في بلاد أخرى.
ومما يؤكد كون هذه الأشياء من دلائل القدرة الإلهية: أن وجودها وزوالها بيد الله تعالى، فجميع من على الأرض من الناس والدواب، وجميع أهل السماوات إلا من شاء الله، سيتعرضون للفناء والموت، وتزول الحياة، ولا يبقى إلا الله ، ذو العظمة والكبرياء، وصاحب الفضل والإكرام الذي يسبغ به على من يشاء من عباده، فبأي شيء من نعم الله هذه تكذبان أيها الجن والإنس؟! والضمير في قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) عائد للأرض، ولم يتقدم لها ذكر لوضوح المعنى، كما قال تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٨/ ٣٢] . والآية تشمل بالفناء جميع الموجودات الأرضية من حيوان وغيره. وغلّبت عبارة من يعقل في قوله
стр. 2555
تعالى: كُلُّ مَنْ. وقوله وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الوجه: عبارة عن الذات، لأن العضو منفي عن الله تعالى، وهذا كما تقول: هذا وجه القول والأمر، أي حقيقته وذاته، وذُو الْجَلالِ صفة لفظة الوجه.
نعم الله وعجائبه يوم القيامة
النّعم الإلهية موصولة في الدنيا والآخرة، وفي كل نعمة تعجب من صنعها وتيسيرها للناس، وفيها دلالة واضحة على عظمة القدرة الإلهية، وكون كل شيء بخلق الله وإبداعه، حتى إن كل الاكتشافات والاختراعات المادية، وإن صدرت في الظاهر من الإنسان، فإنما هي بإلهام الله وإرشاده وتعليمه، وكذلك غزو الفضاء بالآلات والأقمار الصناعية وسفن الفضاء والصواريخ، إنما تم بتمكين الله وتعليمه.
وسيفاجأ الإنسان في الآخرة بغرائب الأحداث والظواهر الكونية خلافا للمألوف في الدنيا، كانشقاق السماء وتبدّلها، وتسيير الجبال وإزالتها، وتفرّد الله بالحساب والجزاء، وكون المسؤولية شخصية أو فردية، وتميّز المجرمين عمن سواهم، ومشاهدة جهنم المستعرة تغيّظا وإرهابا. قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٩ الى ٤٥]
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2556
«١» «٢» «٣» [الرّحمن: ٥٥/ ٢٩- ٤٥] .
المعنى: كل إنسان بحاجة إلى الله تعالى، فجميع من في السماوات والأرض يطلبون حوائجهم من الله تعالى، فلا يستغني عنه أهل السماء والأرض. والسائل الناطق يتكلم، وغير الناطق يعتمد على حاله، فحاله يقتضي السؤال. والله سبحانه يظهر في كل وقت أو زمن شأنا من شؤون قدرته الأزلية، من إحياء وإماتة، ورفع وخفض وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو جلّ وعلا. والشأن: اسم جنس للأمور. فبأي نعم الله تكذبان معشر الجن والإنس، فإن اختلاف شؤونه في تدبير عباده: نعمة لا تجحد، ولا تكذّب.
وسنتجرّد لحسابكم وجزائكم على أعمالكم معشر الجن والإنسان، فبأي شيء من نعم الله تكذبان أيها الثقلان. وقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) : عبارة عن إتيان الوقت الذي قدّر فيه وقضى أن ينظر في أمر عباده، وذلك يوم القيامة.
وليس المعنى: أن هناك شغلا يفرغ منه، وإنما هي إشارة وعيد. والثّقلان: الجن والإنس، يقال لكل ما يعظم أمره: ثقيل.
أيها الجنّ والإنس، إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء الله وقدره، فاخرجوا منها، لا تقدرون على النفوذ من حكمه إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، فلا يمكنكم الهرب.
стр. 2557
والمعشر: الجماعة العظيمة. والسلطان: القوة على تحقيق غرض الإنسان، أو الحجة.
والأقطار: الجهات. وقال ابن عباس ﵄: إن استطعتم بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض. فبأي نعم الله تكذبان أيها الثقلان: الجن والإنس؟
ولو خرجتم من جوانب السماوات والأرض يسلط عليكم أيها الإنس والجن لهب النار الخالص، ويصبّ على رؤوسكم نحاس مذاب، فلا تقدرون على الامتناع من عذاب الله. وتثنية ضمير (عليكما) لبيان الإرسال في الجملة على النوعين من الإنس والجن، لا على كل واحد منهما، ولا على الجميع.
ومن أحوال الآخرة والجزاء: أنه إذا جاء يوم القيامة انصدعت السماء، وتبددت وصارت كوردة حمراء، وذابت مثل الدهن، أو بدت كالجلد الأحمر، والمراد أنها تذوب كما يذوب الزيت، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها. فبأي نعم الله تكذّبان أيها الإنس والجن؟ ففي الخبر بذلك رهبة ورعب.
ويوم تنشق السماء، لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه، لأنهم يعرفون بعلامتهم عند خروجهم من قبورهم، ولأن الله تعالى أحصى أعمالهم وحفظها عليهم. والآية تقتضي نفي السؤال. وهناك آيات أخرى تفيد إثبات السؤال مثل: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ١٥/ ٩٢- ٩٣] . قال ابن عباس ﵄: إن السؤال متى أثبت فهو بمعنى التقرير والتوبيخ، ومتى نفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام، لأن الله ﵎ عليم بكل شيء.
فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟ مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم. وسبب عدم السؤال أنه يعرف الكفار (المجرمون) والفجار يوم خروجهم من
стр. 2558
القبور بعلاماتهم، وهي كونهم سود الوجوه، زرق العيون، يعلوهم الحزن والكآبة، فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم مجموعا بينهما، وتضمّ الأقدام إلى النواصي. فبأي النّعم تكذبان؟ فقد أنذرتم وحذرتم سابقا.
ويقال لهم، أي للمجرمين يوم القيامة توبيخا وتقريعا: هذه نار جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها، التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرة أمامكم.
وإنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها، وبين حميمها: وهو الماء المغلي في جهنم من مائع عذابها. والحميم: الماء الساخن. فبأي النّعم تكذبان بعد هذا البيان والاعلام السابق؟!
نعم مادية على المتقين في الآخرة
في مقابلة ألوان العذاب على الكفار في الآخرة في سورة الرّحمن، ذكر الله تعالى بعدها ألوان النعيم المادية من الطعام والشراب والفاكهة، والفرش والنساء الحوريات، ترغيبا في التقوى أو العمل الصالح، وتحذيرا من العصيان والمنكرات، فمن خاف ربّه انزجر عن معاصي الله، ومن آمن بالله المستحق للعبودية والطاعة لذاته، أقبل على ساحات الرّضوان الإلهي، وحقق لنفسه السعادة والطمأنينة والهناءة. وأنواع النعيم الأخروي هي ما يأتي في قوله تعالى:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٦١]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)
«١» «٢» «٣»
стр. 2559
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّحمن: ٥٥/ ٤٦- ٦١] .
لمن خاف قيامه بين يدي ربّه للحساب، بالكفّ عن المعاصي والتزام الطاعات:
نعمتان كبريان: روحية ومادية، أما الروحانية: فهي رضا الله تعالى كما في قوله:
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التّوبة: ٩/ ٧٢] . وأما المادية: فهي جنّتان تشتملان على متع الدنيا في الشكل، لكنها أسمى منها وأفضل، فهما جنّتان لا جنّة واحدة. فبأي نعم الله تكذبان أيها الثّقلان؟ فإن نعم الجنان لا مثيل لها، فضلا عن دوامها. وهذا دليل على أن الجن المؤمنين يدخلون الجنة إذا اتّقوا معاصي ربّهم وخافوه.
وللجنتين الماديتين أغصان الأشجار وأنواع الثمار، فبأي نعم ربّكما أيها الإنس والجنّ تكذّبان؟
وقد نزلت آية: وَلِمَنْ خافَ فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: في أبي بكر الصّدّيق ﵁.
وفي كل من الجنتين عين جارية، لسقي الأشجار والأغصان، والاثمار من جميع الأنواع، فبأي نعم ربّكما معشر الجنّ والإنس تكذبان؟ فتلك حقيقة قاطعة، وواقع ملموس.
وفي هاتين الجنّتين من كل فاكهة صنفان، يستلذّ بكل واحد منهما، أحدهما:
стр. 2560
رطب، والآخر يابس، لا يتميز أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب، خلافا لثمار الدنيا، بل فيهما مما يعلم وخير مما يعلم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فبأي هذه النعم تكذبان أيها الإنس والجنّ؟ وهي نعم واقعية وثابتة.
ثم بعد الطعام ذكر الله الفراش، فهؤلاء الخائفون من عصيان الله يتنعمون على فرش بطائنها (وهي ما تحت الظهائر) من إستبرق (ما غلظ من الدّيباج) وثمر الجنّتين أو المجتنى قريب التناول. فبأي شيء من هذه النّعم يحصل التكذيب والإنكار؟! وكلمة مُتَّكِئِينَ إما حال من محذوف تقديره: يتنعمون متكئين، وإما من قوله تعالى:
وَلِمَنْ خافَ. والاتّكاء: جلسة المتنعّم المتمتّع.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: بطائنها من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: ذاك مما قال الله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السّجدة: ٣٢/ ١٧] وكذلك قال. والجنى: ما يجتنى من الثمار، ووصف بالدنوّ لأنه فيما روي في الحديث يتناوله الرجل على أي حالة كان، من قيام أو جلوس أو اضطجاع، لأنه يدنو إلى مشتهيه. ثم وصف الله الحور العين في الجنّتين، فقال:
فِيهِنَّ قاصِراتُ.. أي في الجنّتين الحور العين اللاتي قصرن ألحاظهن على أزواجهن، لم يفتضضهنّ قبلهم أحد من الإنس أو الجن. ويقال لدم الحيض ولدم الافتضاض: طمث، فإذا نفي الطمث فقد نفي القرب منهن على جهة الوطء.
والضمير في قوله: فِيهِنَّ عائد للجنات، إذ الجنّتان جنات في المعنى. فبأي النّعم تكذبان أيها الثّقلان؟! ومعنى قوله: وَلا جَانٌّ يحتمل أن يكون اللفظ مبالغة وتأكيدا، كأنه تعالى قال: لم يطمثهن شيء. ويحتمل أن الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فنفى في هذه الآية جميع المجامعات.