في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما» .
وروى النسائي بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: «اللهم إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة»
وروى البخاري أيضا حديثا آخر: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» .
هذه وصايا نبوية كريمة في الإشراف على نفس اليتيم والعناية بشخصيته وتربيته، وجاء النص القرآني لبيان ضرورة الإشراف على شؤون اليتيم فيما هو أخطر وأهم وهو الأمور المالية، فيجب على ولي اليتيم حفظ مال اليتيم وتنميته واستثماره ورعايته والبعد عن أكل مال الأيتام أو إهمال المحافظة عليها، فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «١» (١٠) [النساء: ٤/ ١٠] .
وأوجب القرآن الكريم- كما تقدم بيانه- وإيتاء اليتامى أموالهم عند بلوغهم الرشد، من غير تلكؤ ولا إهمال، فقال الله سبحانه:
[سورة النساء (٤) : آية ٢]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
«٢» [النساء: ٤/ ٢] .
نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، أي الإثم العظيم، فدفع إليه ماله، فقال النبي ﷺ : من يوق شح نفسه،
ورجع به هكذا، فإنه يحلّ داره، يعني جنته. فالآية إذن خطاب لأوصياء الأيتام.
وقال ابن زيد: هذه الآية والمخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب ألا يورّث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم: ورّثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا طيبا، وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا، فيجيء فعلكم ذلك تبديلا.
стр. 282
وعلى كل حال في بيان سبب النزول، تطالب هذه الآية إعطاء الأيتام حقوقهم كاملة، سواء من إرث غيرهم، أو بتسليم مالهم إليهم عند البلوغ، فيجب على الأولياء والأوصياء دفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، ينهى عن أكلها وضمها إلى أموال الأوصياء، أيها الأوصياء إياكم أن تتمتعوا أو تنفعوا بمال اليتيم في موضع يجب أن تتمتعوا فيه بمالكم. فإنكم أخذتم من ماله، وتركتم مالكم، تكونوا قد استبدلتم الخبيث بدل الطيب، والحرام بدل الحلال، وهذا منهي عنه شرعا، وموقع في الإثم والذنب العظيم.
هذا مظهر من مظاهر رعاية اليتيم في الإسلام، وهو يدل على جانب تشريعي مهم جدا هو ألا يستغل القوي الضعيف، والكبير الصغير وأن يراقب الإنسان ربه في كل عمل، لأن الله تعالى سائل كل إنسان عن كل صغيرة وكبيرة.
إعطاء الضعفاء أموالهم
المال نعمة وثروة للفرد والجماعة، فتجب المحافظة عليه وتنميته والبعد عن إهدار الثروة المالية في غير فائدة، وليس الحق في المال خاصا بصاحبه، وإنما للأمة والجماعة حق الإشراف على كيفية استعمال المال واستثماره وتنميته بالوجوه المشروعة المحققة للمصالح الخاصة والعامة، لذا لم يجز الإسلام تسليم المال لتنميته وإنفاقه لمن ليس أهلا لرعايته وحفظه، مثل السفهاء المبذرين الذين لا يحسنون التصرف في المال، والأيتام الذين تنقصهم الخبرة في إدارة المال وتشغيله واستثماره، وإنما يترك المال بيد القوّام المشرفين بمقتضى الولاية الشرعية على أحوال هؤلاء المتخلفين بسبب الطيش أو بسبب الصغر.
стр. 283
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥ الى ٦]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ٥- ٦] .
نزلت آية السفهاء في ولد الرجل الصغار وامرأته، أي في النساء، والأصح أنها نزلت في المحجورين السفهاء، أي المبذرين.
نهى الله تعالى الأمة ممثلة في أولياء السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم من تسليم أموالهم إليهم، حتى لا يبددوها ويصبحوا عالة على المجتمع، وإنما يبقى المال بيد القيّم المشرف على المبذر الذي يعيّنه القضاة، حتى يتم تمرين السفيه المبذر على المحافظة على الأموال التي هي قوام الحياة لأصحابها وللأمة أو الجماعة. ويقوم الولي بتثمير المال وتشغيله في وجوه مشروعة معقولة وينفق على السفيه المبذر إنفاقا معتدلا من ثمرة المال وكسبه، لا من أصل المال وذاته، وتكون النفقة بحسب الحاجة من أكل وكسوة وتعليم وتمريض، لأنها مظاهر خارجية، وعلى الولي أن يحسن إلى السفيه أدبيا أو خلقيا، فيقول له قولا لينا، لا خشونة فيه، ويعامله معاملة أولاده بالعطف واللين، ويشعره بالعزة والكرامة، ويعلمه أن ما ينفقه عليه من ماله، وليس من مال القيم المشرف، وسيأخذه بعد الرشد والصلاح.
ونزلت آية الحجر على الأيتام من أجل المحافظة على أموالهم وتنظيم العلاقة بينهم وبين الأوصياء عليهم، فعلى الأوصياء اختبار اليتيم عند البلوغ- بلوغ سن الزواج
стр. 284
والاكتمال العقلي، فيدرّبه على كيفية تشغيل المال وحسن التصرف فيه، فإن تحقق الوصي من رشد اليتيم سلّم ماله إليه كاملا غير منقوص، ويشهد عليه حين التسليم منعا من الإنكار وادعاء بقاء شيء من المال عند الوصي.
ومخالطة اليتيم من قبل وصيه أو قريبه خير من اعتزاله وعيشه منفردا، فليس للوصي أن يبادر إلى أخذ شيء من مال اليتيم، فيسرف ويبذر في أكله لأن طبيعة النفس محبة التبذير في مال الآخرين، وليس له أخذ شيء من مال اليتيم مسرعا قبل وصول اليتيم إلى مرحلة البلوغ.
أما أكل الوصي من مال اليتيم من غير إسراف ولا تبذير، فيجوز في حال الحاجة والاعتدال بمثابة أجر له بقدر عمله وخدمته، فإن كان الوصي غنيا فلا يأكل منه، وعليه أن يتعفف، وإن كان فقيرا محتاجا فليأكل الوصي بالمعروف شرعا وعرفا بلا إسراف ولا تبذير، قال عمر ﵁: «إني أنزلت نفسي من مال الله (أي مال الأمة) منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» .
المال إذن أمانة عند صاحبه وعند الأمة، وبالمال تقام المدنيات وتبنى الحضارات، وهو أساس قوة الأمة وتقدمها، لذا وصف المال في القرآن بأنه قوام الحياة، فيجب على الأولياء والأوصياء والمحافظة على أموال اليتامى والسفهاء المبذرين حتى لا يصبح اليتيم أو المبذر فقيرا محتاجا عالة على المجتمع.
الحقوق المالية للنساء واليتامى
حرم الإسلام كل أنواع الظلم والجور، ومن أخطر المظالم: أكل أموال الآخرين بالباطل، وعدم توريث النساء من تركات أقاربهم، وأكل مال اليتيم. ولقد أنصف
стр. 285
الإسلام المرأة، فجعل لها ذمة مالية مستقلة بنفسها، فلها حق التصرف الكامل بمالها، سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو أختا، ولها الحق التام في دخلها وكسبها وإرثها من أقاربها.
وإنصاف المرأة في التشريع القرآني كان للرد على ما كان سائدا في عرب الجاهلية من حرمان المرأة من حقها في الميراث.
ثبت في تاريخ التشريع: أن أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحلة وبنات له، فمنع ابنا عمه سويد وعرفطة ميراث أوس عن زوجته وبناته، فشكت إلى رسول الله ﷺ ، فدعاهما رسول الله، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلّا (أي عاجزا من الأولاد) ولا ينكي عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهن الميراث، ثم نزلت آية المواريث، فجعلت لكل حقه.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧ الى ١٠]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٧- ١٠] .
توجب هذه الآيات إعطاء كل وارث حقه في مال مورثه من الوالدين والأقربين، من غير تفرقة بين الذكور والإناث، والصغار والكبار، سواء أكان المال المتروك بعد الوفاة للمورث قليلا أم كثيرا.
стр. 286
وحفاظا على تماسك الأسرة، وتقوية للصلات فيما بين أفرادها، وإبقاء للمحبة والوداد، والتعاون والتآلف، وامتصاص النقمة والحسد من النفوس البشرية، أوصى القرآن الكريم عند حضور قسمة التركات إعطاء الأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين شيئا من مال التركة ولو قليلا، ويسترضى هؤلاء الأقارب ويقال لهم قول حسن، ويعتذر إليهم اعتذارا جميلا يهدّئ النفوس، ويستل الضغائن والأحقاد، ويمنع الحزازات ونشوء العداوات أو استمرارها، وظهور الانتقادات وتردد الألسنة في التعييب والطعن، والترفع عن البخل والشح، والمخاطب المطالب بتنفيذ هذا الأمر والأدب القرآني هم الورثة أو المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. وإعطاء هؤلاء الأصناف الثلاثة من التركة، وهم القرابة غير الوارثين والأيتام والمساكين نوع من الأدب غير الواجب شرعا، ولكنه أمر محبب مرغب فيه، وفيه خير ومصلحة.
والقول الحسن المعروف الذي يقال لهم: هو كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة أو اعتذار لطيف أو غير ذلك.
وذكّر الله تعالى أولئك الأولياء أو الأوصياء في معاملة اليتامى بأمر جميل يهز المشاعر والنفوس للبعد عن القسوة على اليتيم، وهو أن هؤلاء الكبار الأوصياء مفارقون أولادهم، وربما تركوا ذرية ضعفاء صغارا يخافون على مصالحهم، فليتقوا الله في أيتام الآخرين، كما يحبون أن يتقي الله في أيتامهم أوصياء غيرهم، وليقولوا لهم قولا حسنا سديدا طيبا يجبر خواطرهم، ويمنع الضر عنهم، ويتفق مع آداب الدين وأخلاق الصالحين، بكل ما يحسن إليهم ويسر قلوبهم، ويعوضهم حنان الأب المتوفى، فكل أولياء الأيتام مطالبون بالإحسان إلى الأيتام، وسداد القول لهم، وإحسان معاملتهم ومعاشرتهم، وتقوى الله في أكل أموالهم كما يخافون تماما على ذريتهم أن يفعل بهم خلاف ذلك.
стр. 287
إن أكلة أموال اليتامى ظلما وأخذها بغير حق، أو تبديدها أو التقصير في رعايتها وحفظها إنما يأكلون في بطونهم أموالا تؤدي بهم إلى نار جهنم، وسيحرقون بها إحراقا شديدا بسبب ظلمهم.
والتحذير من أكل أموال اليتامى ظلما كالتحذير من حرمان النساء أو الإناث من حقوقهم المقررة شرعا في المواريث من تركات أقاربهم.
قواعد الميراث في الشريعة
نظمت الشريعة الإسلامية قواعد الميراث على أساس من الحق والعدل ومنع الجور بين الورثة، مراعية في ذلك قوة القرابة من المتوفى، وتوزيع المسؤولية وتحمل عبء النفقة في مجال الأسرة. والإرث يعتبر حقا شرعيا لتفتيت الثروة ومنع تكدس الأموال في أيدي فئة قليلة من الناس، بناء على اعتراف الإسلام بمبدإ الملكية الشخصية ومراعاة قواعد الفطرة والجهد الإنساني، فإن الإنسان يحب أن يذهب ماله لأحب الناس وأقربهم لديه.
وكان تنظيم قواعد الميراث في ثلاث آيات من سورة النساء وهي الآيتان (١١، ١٢) وآية الكلالة (وهو من لا والد له ولا ولد) آخر آية في سورة النساء (١٧٦) وأوضحت السنة النبوية هذه القواعد وأضافت عليها بالوحي الإلهي.
وسبب نزول آيات المواريث:
أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال.
فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله إلى عمهما،
стр. 288
فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمّهما الثمن، وما بقي فهو لكم، وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
تضمنت آيات المواريث حقوق الأولاد، وحقوق الوالدين، وحقوق الأزواج، وحقوق الكلالة (من مات وليس له أصل ولا فرع وارث) وذلك في الآيتين التاليتين:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١ الى ١٢]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
[النساء: ٤/ ١١- ١٢] .
أما حقوق الأولاد فقال تعالى:
يُوصِيكُمُ «١» اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ٤/ ١١] . أي يعطى الولد الذكر ضعف الأنثى، لأنه المسؤول عن الإنفاق على نفسه وأولاده وزوجته وأخته غير المتزوجة، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو أختا. وتأخذ البنت الثلث مع أخيها، وتدخره لنفسها، وتأخذ البنتان أو الأختان أو البنت مع الأخت الثلثين، وتأخذ
стр. 289
البنت الواحدة المنفردة نصف ما ترك أبوها، والباقي للورثة العصبة الأباعد نسبيا إذا قورنوا مع الولد. والبنات يحجبن بنات الابن.
وأما حقوق الوالدين: فلكل من الأب والأم السدس لأن علاقتهما ومحبتهما بالنسبة للمتوفى الولد سواء، إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، وورثه أبواه فلأمه الثلث من التركة، والباقي للأب. فإن كان للمتوفى إخوة من ذكور أو إناث، رجعت الأم من الثلث إلى السدس، سواء كانت الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم.
ويقدم أولا ما يحتاجه الميت من نفقات التكفين والتجهيز والدفن، ثم يقضى الدين الذي كان على المتوفى في حال الحياة، ثم تنفذ وصايا الميت في حدود الثلث، ثم تقسم التركة، قال الله تعالى بعد بيان حقوق الأولاد والوالدين: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً «١» مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ٤/ ١١] وتقديم الوصية على الدّين في الذّكر للتنويه بها والعناية بتنفيذها، لأن الورثة قد يتثاقلون في تنفيذ الوصية، ولكنهم لا يستطيعون التلكؤ في سداد الدين الذي يكون للدائن حق المطالبة به، وهذا دليل واضح على إلغاء ما كان في الجاهلية من حرمان الأنثى والولد الصغير.
وأما حقوق الأزواج: فللزوج نصف تركة زوجته المتوفاة إن لم يكن لها ولد ولا ولد ابن، من الزوج أو من غيره، سواء كانت الزوجة مدخولا بها أو مجرد معقود عليها من غير دخول، فإن كان للزوجة ولد أو ولد ابن فلزوجها الربع، والباقي للأقارب الآخرين من بعد أداء الدين وتنفيذ الوصية.
وللزوجة ربع تركة زوجها المتوفى إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولها الثمن إن كان لزوجها ولد، والباقي للورثة الآخرين من بعد الدين والوصية.
стр. 290
وأما الكلالة: (الميت الذي لا ولد له ولا والد) فهو من مات وليس له وارث من أب أو جد، ولا فرع وارث من ولد وولد ابن، وكان له أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس، ويلاحظ وجود التسوية بين الذكر والأنثى هنا، لأن قرابتهما للميت على درجة متساوية واحدة وطريق الصلة واحد وهو الأم، فإن كان الإخوة لأم اثنين فأكثر فلهم الثلث كالأم، وهذا كله من بعد سداد الدين وتنفيذ الوصايا.
وإن كان لهذا الرجل الكلالة أخت شقيقة أو لأب فلها النصف، وللأختين الثلثان، وللأخت الثلث مع أخيها.
هذه قواعد الإرث في شرع الله ودينه في غاية العدالة والإنصاف، والرحمة ومراعاة مسئوليات الحياة، فيجب التزامها ولا يجوز تجاوزها، ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه.
ضوابط الإرث وعقاب المخالفين وعقوبة الزناة في صدر الإسلام
أوضح القرآن الكريم بعض القيود والضوابط التي يجب التزامها في تشريع الإرث وقسمة الحقوق المتعلقة بالتركة، وتوزيع الأنصباء بين الورثة، وجعل الإسلام نظام الإرث من قواعد النظام العام التي لا يجوز مخالفتها، أو تخطي الحدود المرسومة من الله تعالى، لأن الله سبحانه أرحم الرحماء بعباده، وأحكم الحاكمين، وأعدل المشرعين.
وأول هذه الضوابط والقيود: التقيد بشرع الله وترك ما كان عليه الناس في الجاهلية من حرمان الأنثى والصغير، لأن الناس لا يعرفون النافع حقيقة من الضار على المدى البعيد، فيلزم التقيد بما أمر الله به، فهو أعلم بالمصلحة من عباده، وأدرى بما هو أقرب نفعا للبشر، لذا فرض الله أحكام الميراث فريضة محكمة لا هوادة في وجوب العمل بها،
стр. 291
فريضة من الله، إنه كان عليما بأحوال الناس، حكيما فيما يشرع لهم، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، قال الله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. [النساء: ٤/ ١١] .
والقيد الثاني والضابط الآخر لقواعد الإرث: هو ترك الإضرار في الوصية، فلا يجوز للموصي الإيصاء بأكثر من الثلث: «الثلث والثلث كثير» كما صح في الحديث.
ولا الوصية لوارث
لقوله ﷺ في الحديث المتواتر: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .
ولا يجوز الإيصاء بمعصية، ولا يحل للإنسان إضرار الورثة بأن يقر بدين غير ثابت لم يقبضه من الدائن أو يكون الدين المقرّ به مستغرقا المال كله، ولا تجوز الوصية بالثلث فرارا من وارث محتاج، ولا يصح حرمان الوارث من حقه في الميراث، وهكذا فوجوه الإضرار كثيرة،
قال النبي فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة: «من ضارّ في وصية ألقاه الله تعالى في واد في جهنم» .
وقال أيضا فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في التفسير عن ابن عباس: «الضرار في الوصية من الكبائر» .
ويجمع كل أوجه الضرر في الوصية والدين قول الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: ٤/ ١٢] .
الضابط العام الثالث لنظام الإرث الشرعي: التزام أحكام الله كما شرع، لأن التزامها مانع من الوقوع في المعصية، وطاعة الله ورسوله موجبة لدخول الجنة، ومعصية الله ورسوله وتعدي حدوده ومحارمه مقتض لدخول نار جهنم والتعرض للعذاب المهين المذل. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣ الى ١٤]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
«١»
стр. 292
[النساء: ٤/ ١٣- ١٤] .
الآيات تشير إلى ما سبقها من أحكام، فإن الأحكام المتعلقة برعاية الضعفاء من الأيتام والنساء، وأحكام العدل والإنصاف بين الزوجات والحجر على السفهاء المبذرين واليتامى قبل البلوغ، وأحكام المواريث، كل تلك الأحكام هي حدود الله ومحارمه التي لا يجوز لمسلم أن يتخطاها ويتجاوزها. ومن يطع الله ورسوله فيما شرع وبيّن، يدخله جنات تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار العذبة، مع الخلود الأبدي فيها، من غير انقطاع ولا تحول عنها ولا موت آخر، وهو جزاء المحسنين، وذلك هو الفوز العظيم. وهذا وعد قاطع من الله، والله لا يخلف الميعاد.
وهناك وعيد على عصيان هذه الأحكام بسبب إنكار عرب الجاهلية لقسمة الميراث، فقد كلم فيها النبي ﷺ عيينة بن حصن وغيره، ويشتمل الوعيد لمن يتعدى حدود الله، أي أحكامه في الميراث وغيره، وينتهك حرمة الله ويعصي الله ورسوله:
إدخاله نارا وقودها الناس والحجارة، خالدين فيها إلى ما شاء الله، وله عذاب مهين ومذل له، فهو عذاب مادي وروحي.
هذه الضوابط لقواعد الميراث تعد مؤيدات شرعية مانعة من مخالفتها وإهمالها. قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ [النساء: ٤/ ١٣- ١٤] .
أي إن أحكام المواريث السابقة هي أحكام الله وشرائعه، فلا تعتدوها ولا
стр. 293
تتجاوزوها، ومن يطع الله باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما جاء به عن ربه من أحكام، يدخله جنات (بساتين) تجري الأنهار من تحت قصورها، وذلك هو الظفر والفلاح الذي لا مثيل له في الدنيا.
ومن يخالف أوامر الله ورسوله، ويتجاوز الأحكام المشروعة، يدخله نارا، ماكثا فيها على الدوام، وله عذاب مقترن بالإهانة والإذلال.
ثم ذكر الله تعالى عقاب الزناة في مبدأ الإسلام، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١٥- ١٦] .
أي والنساء اللاتي يرتكبن الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في المنازل، حتى الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.
والرجلان اللذان يأتيان الزنا، فآذوهما بالقول، وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما، فاتركوا عقابهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله كان وما يزال كثير القبول لتوبة عباده، رحيما بهم.
وقد نسخت هذه العقوبة بآية النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢٤/ ٢] . بالنسبة للأبكار، وبأحاديث الرجم للمحصنين والمحصنات في السنة القولية والعملية.
стр. 294
وقت قبول التوبة وأحكامها
إن الإنسان تتنازعه عوامل الخير والشر، وتطرأ عليه حالات الضعف الإنساني أحيانا، فيندفع مع أهوائه وشهواته ويستجيب لوساوس شيطانه، فيقع في المعاصي والمخالفات، ثم يندم ويتراجع ويبحث عن طريق الإنقاذ والتخلص من أخطاء الماضي، لأن نفسه معذبة وضميره يوبخه ويؤنبه، وقد فتح الله باب الأمل أمام المخطئين النادمين ألا وهو التوبة الصادقة ما بين الإنسان وربه، من غير وساطة أحد، لا عالم ولا قريب ولا معلم، وقد وضع الشرع للتوبة شروطا وأحكاما.
وشروط التوبة أربعة: الإقلاع عن الذنب، والعزم على ترك الخطيئة في المستقبل، حتى لا يكون هناك إصرار لا توبة معه، والندم على الفعل في الماضي، ورد الحقوق المالية إلى أصحابها، وطلب المسامحة من الآخرين الذين أخطأ الإنسان معهم في الحقوق الأدبية. والتوبة: الندم على ارتكاب معصية الله تعالى.
وأحكام التوبة نصت عليها آيتان قرآنيتان، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٧- ١٨] .
التوبة فرض على جميع المؤمنين بإجماع الأمة لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٢٤- ٣١] وذلك بأن يدرك المؤمن المذنب قبح فعله السابق، ويندم ندما حقيقيا مصمما، على ألا يعود إلى الذنب أبدا.
стр. 295
وقبول التوبة والمغفرة أوجبه الله على نفسه تفضلا ورحمة وبيانا لصدق إنجاز الوعد، ولسابق وعد الله الكريم في قوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:
٦/ ٥٤] . والله الذي أوجب قبول التوبة على نفسه عليم بخلقه، لأن النفس الإنسانية قد تشذ ويغويها الشيطان، فتقع في المعصية، فلولا باب التوبة ليئس الناس وضاقت بهم الدنيا، وظلوا على حالهم.
وقال قتادة: اجتمع أصحاب النبي ﷺ على أن كل معصية، فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا وخطأ.
وأحسن أوقات التوبة: أن يبادر الإنسان المخطئ إلى الإقرار بها من قريب، أي بعد وقوع الخطيئة مباشرة وبسرعة، حتى لا يفوت الأوان، وتتراكم السيئات، أي المعاصي. ويظل باب التوبة مفتوحا إلى ما قبيل مجيء وقت الموت أو الاحتضار، فمدة الحياة كلها وقت قريب، لما
رواه أحمد والترمذي عن بشير بن كعب والحسن أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد، ما لم يغرغر «١» ويغلب على عقله» .
وذلك لأن الرجاء فيه باق، ويحتاج الأمر إلى وقت يصح منه الندم والعزم على ترك الفعل، حتى يظهر دور الإنسان الاختياري والإرادة البشرية، فإذا غلب الإنسان على عقله، تعذرت التوبة لعدم توافر الندم والعزم على الترك. والله عليم بمن يتوب، وييسره هو للتوبة، حكيم فيما ينفذه من الأمر والقبول، وفي تأخير من يؤخّر عن التوبة حتى يهلك ويموت.
وأما توبة اليأس فغير مقبولة، مثل أولئك الذين يواظبون على اقتراف المعاصي، ويستمرون في غيهم وضلالهم حتى إذا أدركهم الموت وساعته، تابوا عند العجز عن
стр. 296
المعصية، والخوف من العقاب، وذلك مثل توبة فرعون حينما حضره الموت، وأدركه الغرق، وصار في غمرة الماء، وفي حيّز اليأس، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان.
ولا يقبل الله توبة الذين يموتون وهم كفار، ولا توبة من يؤجل التوبة حتى تحضره الوفاة، لأنها تكون حينئذ قسرية، والأعمال المقبولة لا تكون إلا عند التكليف والاختيار، وأولئك الذين يرجئون التوبة ويؤخرونها عن وقتها المناسب هيأ الله لهم عذابا مؤلما ومذلا في الآخرة، لأنهم أصروا على أخطائهم، واستعبدهم الشيطان إلى الموت.
معاملة النساء
من المعلوم أن المرأة نصف المجتمع، وهي في حكم الله وتقديره تشارك الرجل في تحمل أعباء الحياة، وتعاونه في تحقيق المهام والمعايش، ولقد أنصف الإسلام المرأة وكرمها ورفع مكانتها، وأنزلها منزلة لائقة بها، تتفق مع فطرتها ومهماتها، لأنها شريكة في الحياة، وهي إنسان حي له كرامة وشخصية، وأعطاها من الحقوق المناسبة لطبيعتها وتركيبها وإمكاناتها النفسية والبدنية.
وكانت المرأة في الجاهلية وفي عصور الرومان واليونان تعد من قبيل المتاع، وكان أقارب الزوج المتوفى عند العرب يستولون عليها كرها عنها. روى البخاري أنه كان إذا مات الرجل منهم، كان أولياؤه أحق بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، أي منعوها الزواج، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآية الآتية. وكان من عادات العرب في الجاهلية أيضا إذا أرادوا فراق امرأة، رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بالمهر الذي دفعه إليها، فنزلت آية أخرى. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٩ الى ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
стр. 297
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١٩- ٢١] .
يخاطب الله المؤمنين بصفة الإيمان الباعثة على الالتزام والطاعة، فيذكر أنه لا يليق بكم أن تعاملوا المرأة كالمتاع، فتستولون عليها وترثونها وهي كارهة، ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن وتضاروهن، حتى يضطررن إلى الافتداء بالمال أو التنازل عن الصداق (المهر) .
قال النبي ﷺ في حجة الوداع فيما رواه الترمذي وغيره: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم «٦» ، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»
أي بعقد الزواج المشروع. لكن ارتكاب الفاحشة أي الزنى مسقط لحق المرأة في المهر. وعليكم أيها المؤمنون وبخاصة الشباب أن تعاشروا نساءكم وتخالطوهن بالمعروف بما تألفه الطباع السليمة، ولا ينكره الشرع والعقل والعرف، من غير تضييق في النفقة ولا إسراف، وكلمة (المعاشرة) تقتضي المشاركة والمساواة، أي كل واحد يعاشر صديقه من جانبه بالمعروف، معرضا عن الهفوات، جالبا السرور، حافظا الود، معينا على الشدائد، قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الروم: ٣٠/ ٢١] .
فإن كرهتم النساء لعيب خلقي أو قبح أو تقصير في أمر أو مرض أو لأسباب
стр. 298
أخرى فربما كرهتم شيئا، وفيه الخير الكثير لكم. قال السّدي: الخير الكثير في المرأة: الولد. أي أن الصبر في معاملة النساء أمر مطلوب شرعا لأن الكمال لله، وقد تنجب هذه المرأة أولادا نجباء، وقد يكون لها مزايا وخصال أخرى تغطي الخصال المذمومة، لذا
قال النبي ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: «لا يفرك مؤمن مؤمنة- أي لا يبغضها- إن ساءه منها خلق، سرّه منها خلق آخر» .
وإذا أردتم أيها الزوجان الفراق- وهو أبغض الحلال إلى الله- وكان بينكما نشوز وإعراض وسوء عشرة، فلا يجوز أخذ شيء من مهر المرأة، ولو بلغ قنطارا من الذهب، وكيف تأخذونه بهتانا (كذبا) وأخذه إثم واضح وذنب كبير؟ وكيف تأخذونه بعد إبرام العقد الخطير وهو الميثاق الغليظ، وبعد مكاشفة الأسرار، وحدوث الاختلاط والمباشرة، إن هذا أمر مستنكر شرعا لا يليق بمؤمن.
خطب عمر بن الخطاب فقال: «ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجشمت إليك أي تحملت الشدائد، فكلمته امرأة من وراء الناس، كيف هذا؟ والله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فأطرق عمر ثم قال: «كل الناس أفقه منك يا عمر» «امرأة أصابت، ورجل أخطأ» والله المستعان، وترك الإنكار.
محارم النساء
راعى الإسلام ما تستوجبه رابطة الدم من حرمة وتعظيم، فحرم الزواج على الرجال ببعض الأقارب القريبين جدا، وفي ذلك رفع للحرج، وجعل العيش في بيئة الأسرة الواحدة أمرا ميسورا لا حرج فيه، علما بأن بعض قبائل العرب قد اعتادوا أن يخلف الرجل على امرأة أبيه، فإذا توفي الرجل عن امرأته، كان ابنه أحق بها،
стр. 299
يتزوجها إن شاء إن لم تكن أمه، أو يزوجها من شاء. ووجدت أمثلة فعلية لبعض الرجال الذين تزوجوا من زوجات الآباء، لا داعي لذكر أسمائهم هنا، وكان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجّس وفعل هذه الفعلة. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السير والمثالب المستنكرة.
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فنزلت هاتان الآيتان: قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٢٢- ٢٣] .
سمى الله تعالى الزواج بامرأة الأب نكاح المقت، أي الكراهية والاحتقار لأنه نكاح ذو مقت يلحق فاعله، وكانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوجة الوالد: المقتي. لذا قال الله تعالى بعد ذكره: وَساءَ سَبِيلًا أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى عذاب الله. فلا يحل الزواج في الإسلام بزوجة الأب، روى ابن جرير الطبري: كل امرأة تزوجها أبوك، دخل بها أو لم يدخل بها فهي حرام. وكما يحرم الزواج بامرأة الأب، يحرم أيضا الزواج بامرأة الجد، وفاعل
стр. 300
ذلك يستحق العقاب لنكاحه ما نكح الآباء أو الأجداد، إلا ما مضى في الجاهلية، فهو معفو عنه. إن هذا الزواج كان فاحشة يأباه العقل، ويمقته الشرع، وبئس ذلك الطريق في العرف، ثم أبان الله تعالى تحريم النساء من جهات ست، وتلك هي أنواع المحرمات:
١- نكاح الأصول: فقد حرم الله نكاح الأمهات والجدات.
٢- ونكاح الفروع: فقد حرم الله زواج البنات: بنات الصلب وبنات الأبناء.
٣- ونكاح الحواشي: فقد حرم الله نكاح الأخت، سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، وحرم الله نكاح العمات والخالات القريبة والبعيدة، كعمة الأب، وخالة الأم.
٤- والتحريم بسبب الرضاع: يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب، فالأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة يحرم التزوج بهن، فإذا رضع طفل من امرأة، فهي أمّه تحرم عليه، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته، وأقاربها أقاربه.
٥- التحريم بسبب المصاهرة: تحرم أم الزوجة التي تم الدخول بها أو العقد عليها، والجدة كالأم، وتحريم ابنة الزوجة من غيرك، وهي الربيبة بشرط الدخول بأمها، ويحرم أيضا أولاد أولادها، فإن لم يحدث دخول بها، لا يحرم عليه بناتها، وزوجة الابن وزوجة ابن الابن تحرم على الأب والجد بمجرد العقد عليها. قال الله تعالى:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أما الابن المتبنّى ممن ليس للصلب فلا تحرم زوجته على من تبناه.
٦- ما يحرم بسبب عارض: يحرم مؤقتا الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها المحارم كالمرأة وعمتها وخالتها، وتظل الحرمة قائمة ما دام الزواج قائما بالأخت فعلا أو في العدة، وعفا الله عما سلف، فلا مؤاخذة على من تزوج في الجاهلية بأختين أو بأخت وعمتها أو خالتها.
стр. 301
هذه هي المحرّمات من النساء أوضحها القرآن الكريم، فيجب على من أراد الزواج تجري الأمر بين النساء، حتى لا يقع في زواج حرام، وخاصة التحريم من جهة الرضاع.
حلائل النساء بشرط المهر
أحل الإسلام الزواج بكل امرأة ليست من المحرمات بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها وخالتها، ولو كانت في العدة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ٢٤] .
حرم الله التزوج بالمتزوجات من النساء، إلى أن تطلّق الواحدة وتنتهي عدتها، وسميت المرأة المتزوجة محصنة، لأنها دخلت في حصن الزوج وعصمته وحمايته، فتحرم المحصنات المتزوجات ما دمن في عصمة رجل أو في العدة بعد الطلاق منه، إلا السبايا- في الماضي- وهن المملوكات بسبب الحرب المشروعة، لا كحروب الاستعمار والاستغلال، فقد كان يجوز للمسلم الزواج بالمسبية من غنائم الحرب إذا فرض الإمام عليها الرق وتمت قسمة الغنائم وآلت ملكيتها إلى ملك مسلم، وذلك بشرط براءة رحمها من زوجها الأول، ويكون الاستبراء بانتظار حيضة تأتيها بعد
стр. 302
السبي، وذلك تعويضا لها عن زوجها السابق، حتى لا تكون أداة فساد أو عالة على المجتمع.
كتب الله علينا هذه المحرمات، وأحل لنا ما عدا المذكور في آية المحارم من النساء، وما عدا المطلّقة ثلاثا حتى تنكح زوجا آخر غير زوجها الأول بزواج عادي، وليس بتحليل مؤقت، وما عدا المشركة الوثنية حتى تسلم.
والزواج بمن أحل الله مشروط بتقديم المهر للزوجة، ويسمى المهر أحيانا في العربية أجرا، ومشروط أيضا بتوافر قصد الإحصان والإعفاف، لا بقصد سفح الماء والزنى، محصنين أنفسكم وزوجاتكم، غير مسافحين ولا زانين.
أحل الله الزواج بالنساء ما وراء أو ما عدا من حرّم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزوجهن، والقصد الصحيح المشروع من الزواج هو الإعفاف، وحفظ الماء، وإيجاد النسل الطاهر، فيختص كل رجل بأنثى، وكل أنثى برجل، دون تعدد الأزواج كما هو حادث الآن في أوربا وأمريكا أحيانا، أما الزاني فلا يريد تحقيق المقاصد المشروعة الدائمة من الزواج، وإنما يريد فقط قضاء شهوته، وسفح الماء، استجابة للطبيعة الحيوانية فيه.
وما استمتعتم به من النساء بعد وجود عقد زواج مشروع دائم، فآتوا النساء مهورهن التي فرضها الله عليكم، والمهر تكريم للمرأة، وليس ثمن شيء ولا عوضا عن شراء، وهو ليس في مقابلة التمتع بالمرأة، ولكنه لتحقيق العدل والمساواة، ودليل المحبة والإخلاص، لذا سماه الله نحلة وعطية، ولا مانع بعد تسمية مهر معين في عقد الزواج، التراضي والاتفاق بعد العقد على زيادة المهر أو نقصه أو تنازل الزوجة عن شيء من مهرها لمصلحة الحياة الزوجية، وعلامة على الإخلاص والتعاون، ويدفع المهر للزوجة بعد العقد أو الدخول، وهو حق خاص بالمرأة وليس لوليها أو قريبها
стр. 303
أي حق في المهور، إن الله عليم بكل نية وقصد، حكيم في كل تشريع يضعه للعباد.
وقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ يراد به الاستمتاع بطريق عقد الزواج الدائم، كما ذكرت، وليس المراد به ما يسمى بالمتعة، فقد كانت المتعة في صدر الإسلام مباحة لم يتعلق بها تحريم لأن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، ثم نهى عنها القرآن وحصر العلاقة المشروعة بين الرجل والمرأة في الزواج أو ملك اليمين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) [المؤمنون: ٢٣/ ٥- ٦] ونهى النبي ﷺ عن المتعة نهيا دائما إلى يوم القيامة، ولا تختلف المتعة كثيرا عن الزنى بعينه، لأنها تتم بلا إذن ولي ولا شهود، والزنى لا يباح قط في الإسلام، ولذلك قال عمر ﵁: «لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيّبته تحت الحجارة» .
إن تنظيم العلاقة بين الجنسين: الرجل والمرأة على أساس واضح دائم من الزواج الصحيح الذي يقصد به الدوام هو في الواقع خير ومصلحة لكل من الطرفين.
ثم ذكر الله تعالى حكم حالة العجز عن المهر فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [النساء: ٤/ ٢٥] .
أي ومن لم يجد منكم غنى وسعة في ماله للتزوج بحرة مسلمة مؤمنة، فيحل له أن يتزوج أمة مؤمنة غير مشركة ولا كتابية، والله أعلم بحقيقة إيمانكم، فلا تأبوا الزواج
стр. 304
بالإماء عند الضرورة، بعضكم من جنس بعض، سواء في الدين، فتزوجوا الإماء بإذن أوليائهن، وأدوا إليهن مهورهن بالمعروف شرعا وعادة بحسب التراضي، حال كونهن عفيفات غير مجاهرات بالزنا، ولا متخذات أصحاب يزنون بهن سرا، وإذا صارت الإماء محصنات بالزواج، فعليهن بالزنا الجلد بمقدار نصف عقوبة الحرائر، أي خمسين جلدة فقط، لأن حد الحرة مائة جلدة، أما الزانية غير المحصنة من الإماء فلا تجلد، وإنما تعزر تأديبا في رأي ابن عباس، والمعتمد رأي الجمهور أن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم تتزوج، لما ثبت في الصحيحين من حدها، ذلك الترخيص بالزواج من الإماء لمن خاف منكم الوقوع في الزنا، وأن تصبروا عن نكاح الإماء خير وأفضل لكم، حتى لا يصير الولد رقيقا، والله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم حين يسر لهم ذلك. وهذا كله حيث كان الرق قائما، وبعد الاتفاق الدولي عام ١٩٥٢ على منعه، لم يعد هناك مجال لتطبيق هذا الحكم.
أهداف التحريم والإباحة للنساء
أخرج البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعدّ منها الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ من هذه السورة، والرابعة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ والخامسة: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤/ ٤٠] والسادسة:
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء: ٤/ ١١٠] والسابعة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨] والثامنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ. [النساء: ٤/ ١٥٢]
стр. 305
أما الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ من سورة النساء فهي قوله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
«١» [النساء: ٤/ ٢٦- ٢٨] .
بعد أن ذكر الله تعالى الأحكام المتعلقة بالبيوت والنساء والزواج حلاله وحرامه، ذكر الحكمة من تشريع تلك الأحكام.
وأول هذه الحكم التشريعية: أن الله يريد أن يبين لنا ما خفي عنا، ويرشدنا إلى ما فيه مصلحتنا، ويهدينا مناهج أو طرق من كان قبلنا من الأنبياء والصالحين، وطرقهم: هي التي سلكوها في دينهم ودنياهم، وأن دينهم الذي ارتضاه لهم سابقا لا يبعد عما اختاره الله لهذه الأمة في القرآن المجيد. وهذا دليل على أن شرعنا كشرع من قبلنا، في توجيه الأوامر والنواهي وإيراد القصص، وفي ضرورة توافر السمع والطاعة لما يشرعه الله تعالى.
يريد الله من بيان الأحكام التشريعية في قضايا الزواج ومحارم النساء ومن يباح منهن: أن يرشدنا إلى الطاعات والأعمال التي إذا أديناها وقمنا بها على وجهها الصحيح، كانت سبيلا ممهدة لقبول الله التوبة، فالأعمال الصالحة كفّارات للسيئات، والله بفضله يتوب علينا ويكفر عنا سيئاتنا، إن فعلنا تلك الأعمال، كما قال الله سبحانه: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١/ ١١٤] ، والله عليم بكل قصد حسن أو سيء، حكيم في كل عمل وتشريع يسنّه لعباده، عليم بسنن الشرائع ومصالح العباد، مصيب بوضع الأشياء في مواضعها الصحيحة بحسب الحكمة والإتقان.
стр. 306
والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة، المتبعون ما أنزله الله منها، وتوبة الله على عبده: هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات، وتوفيقه له، ثم كرر الله إظهار إرادته التوبة على عباده لتأكيد الإخبار الأوّل، وقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، يريد الله أن يتوب على عباده- وهذا تفضل ورحمة منه- يتوب عليهم بما كلفهم به من الأعمال التي تطهرهم وتزكي نفوسهم، فيتوب الله عليهم بعد هذا، وأما المفسدون فلا يتوب الله عليهم لإصرارهم على الإفساد، فهؤلاء المفسدون مبتغو الشهوات الذين يجرون وراءها إنما يريدون بالإضافة لإفساد نفوسهم إفساد المؤمنين الصالحين، يريدون أن يميلوا معهم ميلا عظيما، لأن مرتكب الإثم يهمه جدا ويحرص أن يشاركه غيره في فساده، إرضاء لنفسه وتستيرا عليها، واطمئنانا لسلوكها.
يريد الله أيضا من بيان أحكام التشريع في قضايا الزواج وغيرها التخفيف والتيسير على عباده، وبيان كون هذه الشريعة سمحة سهلة لا مشقة ولا ضيق ولا حرج في أحكامها، لقوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ.. [الحج: ٢٢/ ٧٨] . وبيان التخفيف والسماحة أمر ضروري في أمور الزواج، قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.
لذا أراد الله تعالى أن يبين سبب هذا التخفيف وهو أن الإنسان خلق ضعيفا عن مقاومة الشهوات، والتأثر بإغراءات النساء، وهذا مقصد تشريعي عام في الإسلام، فإن هذه الشريعة قامت على مبدأ التخفيف والتيسير والبعد عن المشقة والمضايقة، والله تعالى بكرمه خفف عن عباده، وجعل الدين يسرا سمحا سهلا، ولم يجعله ضيقا حرجا، وضعف الإنسان ناشئ عن ضعف نفسه، ولأن هواه يستميله في الأغلب، لذا راعى التشريع هذا الضعف ويسّر الصعب، وشرع السهل.
стр. 307
أكل أموال الناس بالباطل والتوبة من المعاصي
نظم الإسلام طريق التعامل مع الآخرين، والحفاظ على الأموال من غير اعتداء عليها، ولا أخذ مال الآخرين إلا بالتراضي، لأن المال حق لصاحبه، وهو قرين الروح، وأكثر الخصومات والمنازعات تقع بسبب الأموال، والإسلام يريد تحقيق الاستقرار والحفاظ على المودة والحقوق بين الناس، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٢٩- ٣٠] .
حرمت الآية الاعتداء على المال والنفس، فلا يحل أكل مال الآخرين بالباطل، وهو الطريق غير المشروع والمأخوذ من أعيان الأموال أو منافع الأشياء ظلما من غير مقابل، ويشمل ذلك كل ما يؤخذ من الأموال عوضا في عقد فاسد أو باطل، كبيع الإنسان ما لا يملك، وثمن المأكول الفاسد غير المنتفع به حقيقة كالجوز والبيض والبطيخ الفاسد، وثمن ما لا قيمة له ولا منفعة معتبرة شرعا كالقرد والخنزير والذباب والدّبور والميتة والخمر وأجر النائحة وآلة اللهو، فمن باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه، كان ثمنه حراما خبيثا، وعليه رده لصاحبه.
لكن يجوز أخذ أموال الآخرين بطريق التراضي في العقود الصحيحة شرعا كالإعارة والهبة والبيع والإجارة، ولكن بالطريق الذي أذن به الشرع لقوله تعالى:
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي كلوا الأموال من طريق التجارة القائمة
стр. 308
على الرضا المتبادل بيعا أو إجارة. وليس كل تراض معترفا به شرعا، وإنما التراضي ضمن حدود الشرع، فلا يحل المال الربوي في بيع أو قرض جر نفعا، ولا المال المأخوذ بالقمار والرّهان من الجانبين، حتى وإن تراضى عليه الطرفان لأن رضاهما مصادم لأمر الشرع الإلهي.
وتمام التراضي: أن يعقد البيع بالألسنة بالإيجاب والقبول، فتنتقل ملكية المبيع للمشتري، ويجب على المشتري الوفاء بالثمن دون تلكؤ، ولا يجوز نقض هذا البيع من أحد الطرفين دون موافقة الآخر، ولا يحل السوم على السوم، والبيع على البيع، والخطبة على الخطبة،
لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لا يسم الرجل على سوم أخيه، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه» .
وفي حديث آخر: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه» .
ثم حرمت الآية قتل النفس بطريق الانتحار: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
وقال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا» .
لأن الاعتداء على النفس اعتداء على صنع الله، ولا يملك الإنسان نفسه، كذلك يحرم علينا أن يقتل بعضنا بعضا، فمن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فيستحق القصاص أو الإعدام لأنه اعتدى على الأمة كلها، قال الله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: ٥/ ٣٢] فدم الإنسان على الإنسان حرام إلا من ارتد أو زنى وهو محصن أو قتل عمدا. وعقوبة قاتل النفس عمدا وظلما في الآخرة:
هو إصلاؤه نار جهنم وإدخاله فيها إلا أن يتوب، وبئس المصير المشؤوم الذي يرجع إليه هذا القاتل المعتدي، وذلك العقاب أمر سهل يسير على الله، لأنه القادر على كل شيء.
стр. 309
ثم أورد الله تعالى آية أخرى عقب ذلك فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٣١]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)
«١» [النساء: ٤/ ٣١] .
والمعنى: إن تتركوا أيها الناس المعاصي الكبائر، يغفر الله لكم الذنوب الصغائر، ويدخلكم مكانا طيبا مكرما وهو الجنة. والكبائر: هي كل معصية اقترنت بالوعيد الشديد، أو أوجب الشرع عليها حدا من الحدود المقدرة في الكتاب والسنة،
وفي حديث الصحيحين عن أبي هريرة تعداد الكبائر، قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
ولا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، والذنوب الصغائر: هي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ مقدر، كالنظر إلى امرأة أجنبية غير محرم، والقبلة.
واجتناب الكبائر يكفّر الصغائر إذا تم ذلك بالقدرة والاختيار لا بالإكراه، وكان الممتنع عن الكبيرة يؤدي الفرائض من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها.
الحث على العمل وإعطاء الحقوق لمستحقيها
اعتنى الإسلام الحنيف بتطهير الظاهر والباطن لكل إنسان، فكما أن الله حرم أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس، وذلك من الأفعال الظاهرة لتطهير الظاهر والمحسوسات، كذلك حرم ما تنطوي عليه النفوس من أمراض فتاكة ضارة كالحسد والحقد والبغضاء، وتمني أخذ ما لدى الآخرين من نعم وثروات، وما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال.
стр. 310
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٢]
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
[النساء: ٤/ ٣٢] .
نزلت هذه الآية بسبب أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، وشركناهم في الغزو، أي الجهاد، وقال الرجال: ليت لنا في الآخرة حظا زائدا على النساء، كما لنا عليهن في الدنيا، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ.. الآية.
يتبين من سبب النزول المذكور أن الأطماع البشرية هي المسيطرة على النفوس، فالمرأة تريد مساواة الرجل في كل شيء، ولو كان ذلك مغايرا للطبيعة الإنسانية، أو فيه جور وظلم، وإخلال بميزان النفقات المقرر في هذه الشريعة، حيث إن الرجل هو المكلف بعبء الإنفاق على الأسرة، ولا تكلف المرأة بشيء من النفقة.
وبما أن الشرع حكم عدل محايد، فقد نهانا الله تعالى أن يتمنى كل إنسان منا ذكرا كان أو أنثى ما فضل الله به غيره عليه، بل الواجب على كل منا أن يعمل ويكتسب ويجد ويجتهد، ويتقن عمله، ويحسن القصد والنية، ويعمل في المجال المناسب لطبيعته، فالرجل بتكوينه هو الذي يجاهد، والمرأة بحكم أنوثتها وضعفها لها مهام أخرى في التربية وإعداد الأجيال ورقابة الأولاد من الانحراف، ولا يجوز التحاسد، لأن ذلك التفضيل بين المرأة والرجل قسمة مقدرة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير سديد، وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح له كل شخص من بسط الرزق له أو تقتيره
стр. 311
عليه، قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشورى: ٤٢/ ٢٧] .
فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأن الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه. والتفضيل بين الجنسين الذكر والأنثى يشمل النواحي الخلقية البدنية، والقدرات والمواهب والخبرات، فليس من المعقول أن يتمنى الإنسان أن يكون كغيره قوي البنية أو صحيح الجسم، ذكرا أو أنثى، ويسلب غيره تلك القدرة، وليس من اللائق طلب التساوي في المواهب والخبرات والمعارف كالعلم وتحصيل المال أو الجاه مثلا، ويحرم غيره منها، ولكن على الإنسان أن يطلب من الله وحده الخير والإحسان والنعم الكثيرة: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ والله عليم بما يحقق المصلحة لكل إنسان، فلا يجوز أن يتمنى أحد زوال ما لدى الآخرين من نعمة، وأن تكون إليه، وهذا هو الحسد: وهو تمني ما لدى الآخرين من النعم، أما الغبطة وهي أن يكون لكل واحد مثل ما لغيره دون زوال النعمة عنه فهي جائزة، فالله سبحانه مقسم الأرزاق ومصدر الفضل والإحسان، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لحكمة ومصلحة للعبد نفسه.
ثم أوصى الله تعالى بإعطاء الحقوق لأصحابها، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٣]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٣٣] .
نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنّون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، وردّ الله تعالى الميراث إلى الأقارب
стр. 312
العصبات أو الورثة، ومنع الله تعالى أن يجعل للمتبني ميراث المتبنى، ولكن جعل له نصيبا في الوصية.
ومعنى الآية: لكل من الرجال والنساء ورثة، لهم الحق في تركتهم، والموالي: هم الوالدان والأقربون والأزواج، فآتوا أيها المورثون حقوق الورثة كاملة من غير نقصان، أما الذين كنتم تتبنونهم في الجاهلية- والآن حرم عليكم التبني في الإسلام- فلكم إعطاؤهم شيئا من أموالكم بطريق الوصية، لا بطريق الميراث، والله رقيب على أفعالكم، شهيد على أعمالكم، فيجازيكم عليها يوم القيامة، فلا يحملنكم الطمع والحسد على أن يأخذ واحد منكم شيئا من نصيب غيره في الميراث، سواء أكان ذكرا أم أنثى.
تنظيم حياة الأسرة
نظم الإسلام الحياة الزوجية وشؤون الأسرة تنظيما عادلا، يتفق مع الحكمة الرشيدة، والأوضاع السديدة، فجعل تدبير أمر المنزل في قضاياه العامة للرجل، وجعل له القوامة على المرأة، أي القيام بأمرها والمحافظة عليها بعناية ورعاية تامة، دون استبداد ولا استعلاء ولا ترفع أو ظلم، كما كلف الله الرجل مقابل هذه الدرجة من القوامة بالجهاد، وحماية الأوطان، والإنفاق على النساء المستوجب إعطاء الذكور ضعف حظ النساء، فإذا كان للرجل درجة القوامة، فعليه في مقابلها مسئوليات جسام أخرى لأنه أقدر على تحمل المسؤولية والمشاق ومزاحمة الناس في الحياة العملية، والتعرض للمخاطر، والانفراد أحيانا في أماكن لا يجد فيها معينا ولا مؤنسا.
стр. 313
لذا قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٣٤- ٣٥] .
قال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ : القصاص، فأنزل الله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ..
الآية، فرجعت المرأة بغير قصاص،
أي لم يعاقب الزوج على لطم زوجته. وقال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء، أي إن الآية نزلت مبيحة للرجال تأديب نسائهم.
فالرجل قيّم على المرأة، أي هو الرئيس والكبير والحاكم والمؤدب إذا اعوجت، وهو القائم عليها بالحماية والرعاية، فعليه الجهاد دونها، وله من الميراث ضعف نصيبها لأنه هو المكلف بالنفقة عليها. وسبب هذه القوامة أمران:
أولا- وجود مقومات جسدية، فهو أقوى وأكمل إدراكا وخبرة ومعرفة بشؤون الحياة، ومعتدل العاطفة.
ثانيا- أنه المنفق على البيت والزوجة والقريبة، ويلزمه المهر رمزا لتكريم المرأة، وتعويضا أدبيا لها، ومكافأة على مشاركته في حصن الزوجية، وفيما عدا ذلك فالرجل والمرأة متساويان في الحقوق والواجبات، قال الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ. [البقرة: ٢/ ٢٢٨]
стр. 314
أي إن الزوجين متساويان بالمعروف الذي يقره الشرع، دون تجاوز الحدود المشروعة، وللرجال درجة القوامة، لتسيير شؤون هذا المجتمع الصغير، الخلية الأولى للمجتمع، وهو الأسرة. والعجز عن النفقة يسقط حق القوامة للرجل. وللنساء حالتان: فالصالحات منهن قانتات مطيعات لأزواجهن، حافظات للأسرار المنزلية والأعراض والخلوات، ولهن ثواب عظيم على ذلك،
روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «خير النساء: امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها»
وهؤلاء النساء الصالحات ليس عليهن إلا المعاشرة بالمعروف.
وأما النساء الشاذات الناشزات غير المطيعات للأزواج، وهن اللاتي يترفعن عن حدود الزوجية وحقوقها وواجباتها، فيسلك معهن الرجال المراحل الأربع الآتية:
١- الوعظ والإرشاد إذا أثّر في نفوسهن: بأن يقول الرجل للزوجة: اتقي الله، فإن لي عليك حقا.
٢- الهجر والإعراض في مضجع المبيت من غير خروج من المنزل: وهو ترك المبيت مع الزوجة في فراش واحد، ولا يحل هجر الكلام أكثر من ثلاثة أيام.
٣- الضرب غير المبرّح، أي غير المؤذي كالضرب الخفيف باليد على الكتف ثلاث مرات، أو بالسواك أو بعود خفيف، لا بالكف على الوجه، ولا بالعصا ونحوها مما يؤذي، لأن المقصود هو الإصلاح لا غير، والضرب أمر رمزي فقط.
٤- التحكيم: فإن اشتد الخلاف والعداوة، أرسل حكمان: أحدهما من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة، للسعي في إصلاح ذات البين بعد استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، ومعرفة سبب الخلاف، ومتى حسنت النية والنصح لوجه الله،
стр. 315
يوفق الله الحكمين للقيام بالصلح والهداية إلى الخير، وتحقيق الوفاق والتفاهم، والعودة إلى التوادد والتراحم والألفة بين الزوجين.
ومن أهم أسباب الوفاق: ترك الغلو والعصبية، والتواضع وتقوى الله، والاحترام المتبادل، وتقدير إنسانية المرأة، والاتصاف بصفة الرحمة والخوف من الله حال الغطرسة والتجبر، والله عليم خبير ببواعث الخلاف، يجازي كل إنسان بعمله.
مبادئ الحياة الاجتماعية في الإسلام
وضع الإسلام مبادئ العلاقات الاجتماعية على أسس ثلاثة: عبادة الله وحده لا شريك له والخوف منه سبحانه، وتوثيق العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع بدءا من الجار وانتهاء بابن السبيل، والسخاء في الإنفاق والبذل في المعروف ومقاومة الشح والرياء والبخل لأنه رذيلة وتدنيس للمروءة والكرامة.
قال الله تعالى مبينا هذه الأسس أو الأطر:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ٣٦- ٣٩] .
стр. 316
وآيات البخل والرياء نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كانوا يبخلون بما عندهم من العلم، وينصحون الأنصار ألا ينفقوا أموالهم، خوفا من الوقوع في الفقر.
أرشد الله تعالى الناس جميعا في المجتمع إلى بعض خصال الخير والإحسان، وأولها: عبادة الله وحده دون إشراك أحد معه، والعبادة: هي الخضوع التام لله، مع إشعار القلب بتعظيم الله وإجلاله في السر والعلن، والخشية منه وحده، وتكون عبادة الله بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، سواء في الشؤون القلبية كالحسد والحقد، أو في ممارسة الأعضاء بعض الأفعال، والأمر أولا بعبادة الله لأنها مصدر الإلهام بكل خير وترك كل شر، والإقدام على الفضائل.
والواجب الثاني: الإحسان إلى الوالدين وبرهما أي طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، وتحقيق مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما لأنهما سبب وجود الولد، وتربيته برحمة وإخلاص، وحب دائم، وتضحية من الأهل.
والواجب الثالث: الإحسان إلى القرابة وهو صلة الأرحام كالأخ والأخت والعلم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم المادية والمعنوية.
والواجب الرابع: الإحسان إلى اليتامى، ومنهم الذين فقدوا آباءهم واستشهدوا في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله أو الدفاع عن الأوطان، لأن هؤلاء الأيتام والمستضعفين، ومثلهم المعاقون فقدوا الناصر والمعين وهو الأب، والمعاق: فقد القدرة الجسدية على ممارسة حياة كريمة صحيحة.
والواجب الخامس: الإحسان إلى المساكين والفقراء: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما يكفيهم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم، أو بردّهم ردا جميلا، لقوله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ٩٣/ ١٠] وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام.
стр. 317
والواجب السادس- الإحسان إلى الجيران، وهم كما ذكرت الآية ثلاثة أنواع:
الجار القريب في المكان أو النسب أو الدين، والجار البعيد غير القريب المجاور في السكن، والصاحب بالجنب: وهو الرفيق في السفر، والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة ويكون الإحسان للجيران بكف الأذى، وحسن العشرة، وتبادل الهدايا والزيارة، والوليمة والعيادة حال المرض ونحو ذلك.
والواجب السابع: الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف بإكرامه ومساعدته للوصول إلى بلده. ومثله الإحسان للأرقاء في الماضي والخدم والأعوان في الحاضر.
ثم حذرت الآيات القرآنية من أمرين قبيحين هما البخل والرياء في الإنفاق من المال، أما البخل فهو داء وخصلة رذيلة،
قال النبي ﷺ : «إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» .
وقد توعد الله البخلاء بالعقاب في قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
وأما الرياء فهو أمر ذميم محبط ومبطل للأجر والثواب، لأن المرائي لا يقصد بعمله وجه الله، وإنما يقصد بإعطائه المال السمعة والشهرة والتظاهر، لا شكرا لله على نعمة، ولا اعترافا لعباد الله بحق، والرياء كالبخل يعاقب الله عليه، وهو شرك خفي يقصد به التقرب لغير الله، أما المؤمن حقا بالله واليوم الآخر فهو سخي غير بخيل، ينفق ماله بنية حسنة، وبقصد التقرب إلى الله وحده، والله عليم بالنيات.
стр. 318
الترغيب في الامتثال والتحذير من العصيان
التربية الدينية القرآنية قائمة على الترغيب من الله تعالى بامتثال أوامره والتحذير من المخالفة والمعاصي والتورط في المنهيات، وذلك كله من أجل خير الإنسان والأخذ بيده نحو الأهداف المثلى والمصالح والمنافع الأبدية له في الدنيا والآخرة.
لذا بشر الله عباده بأنه لا يظلم مثقال ذرة، ويضاعف الحسنات ويمنح الثواب العظيم على العمل القليل، ويوبخ الله تعالى المقصرين المعرضين عن الطاعة والإيمان، ويذكر أن مواقفهم مدعاة للعجب يوم القيامة، وعندها يندمون ويودون أنهم لم يبعثوا أحياء، وأن يبقوا في قبورهم أمواتا. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٤٠- ٤٢] .
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم في الحساب أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال ذرة، ولا حبة خردل، بل يوفيها له، ويضاعفها له، إن كانت حسنة، كما قال سبحانه:
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء: ٢١/ ٤٧] . ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله، ولو مثقال (وزن) ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، بل إنه سبحانه أيضا يعطي عباده أجرا عظيما من غير مقابل له من الأعمال، فهو سبحانه واسع الفضل والجود، كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة والرضوان الإلهي. والآية تعم المؤمنين وغير المؤمنين، فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر فما زاد، وأما غير
стр. 319
المؤمنين فيما يفعلون من خير فتقع المكافأة عليه بنعم الدنيا، ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم.
ثم يذكر الله الخالق موقفا لغير المؤمنين يستدعي العجب، وهو تمنيهم الدفن في التراب، وذلك حينما يكون الناس في موقف الحساب، ويستحضر الله الشهود على الأمم وهم الأنبياء بما يكون منهم من تصديق وتكذيب، ويجاء بالنبي محمد ﷺ شاهدا على هؤلاء المكذبين، من قريش وغيرهم.
روي أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فاضت عيناه وذرفت الدموع
لأن شهادة أمة محمد ﷺ على الأمم تعد من حالات الإعزاز والتكريم، ولأن شهادة النبي على أمته والأمم السابقة شهادة قاطعة لا تقبل النقض والرفض.
في هذا الموقف الاتهامي والوضع الرهيب لأهل المحشر يود الذين كفروا وعصوا الرسول ويتمنون لو يدفنون في التراب، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وهم لا يستطيعون كتمان حديث أو كلام عن الله لأن جوارحهم (أعضاءهم) تشهد عليهم، بعد أن يختم الله على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر يتمنون الدفن تحت التراب، وشهادة الأعضاء بإنطاقها من الله سبحانه، كما قال ﷻ في كتابه المجيد: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ «١» إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ «٢» (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ «٣» أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [فصلت: ٤١/ ١٩- ٢٣] .
стр. 320
هذه إنذارات شديدة الوقع على النفوس تقابل تلك البشائر التي زفّها الله تعالى للمؤمنين الطائعين.
تحريم الصلاة حال السكر ورخصة التيمم
الصلاة المفروضة في الإسلام هي معراج النفس المؤمنة إلى الله تعالى، وهي محراب التقوى وصفاء النفس وراحة القلب وقرة العين، لذا كان المطلوب فيها استحضار الخشوع والطمأنينة وسكون الأعضاء، وتوافر العقل والإدراك ووعي الأقوال والأفعال المتكررة في الصلاة، وطهارة البدن فلا تصح صلاة السكران والجنب والمحدث وهي باطلة. ولقد يسر القرآن الكريم أداء الصلاة ما دام العقل والوعي متوافرا، وراعى حال الضعف والمرض وفقد الماء من أجل السفر، فأجاز التشريع ما يسمى بالتيمم وهو ضربتان على التراب أو الغبار المتناثر على جدار أو متاع، ومسح الوجه والأيدي إلى المرافق بهما. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٤٣] .
وسبب نزول لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ما
قال علي ﵁: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا، فدعانا وسقانا من الخمر حين كانت الخمر مباحة لم تكن حرّمت بعد، فأكلنا وشربنا، وأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني للصلاة، فقرأت: (قل: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون،