«١» «٢» «٣» [الرّحمن: ٥٥/ ٢٩- ٤٥] .
المعنى: كل إنسان بحاجة إلى الله تعالى، فجميع من في السماوات والأرض يطلبون حوائجهم من الله تعالى، فلا يستغني عنه أهل السماء والأرض. والسائل الناطق يتكلم، وغير الناطق يعتمد على حاله، فحاله يقتضي السؤال. والله سبحانه يظهر في كل وقت أو زمن شأنا من شؤون قدرته الأزلية، من إحياء وإماتة، ورفع وخفض وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو جلّ وعلا. والشأن: اسم جنس للأمور. فبأي نعم الله تكذبان معشر الجن والإنس، فإن اختلاف شؤونه في تدبير عباده: نعمة لا تجحد، ولا تكذّب.
وسنتجرّد لحسابكم وجزائكم على أعمالكم معشر الجن والإنسان، فبأي شيء من نعم الله تكذبان أيها الثقلان. وقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) : عبارة عن إتيان الوقت الذي قدّر فيه وقضى أن ينظر في أمر عباده، وذلك يوم القيامة.
وليس المعنى: أن هناك شغلا يفرغ منه، وإنما هي إشارة وعيد. والثّقلان: الجن والإنس، يقال لكل ما يعظم أمره: ثقيل.
أيها الجنّ والإنس، إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء الله وقدره، فاخرجوا منها، لا تقدرون على النفوذ من حكمه إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، فلا يمكنكم الهرب.
стр. 2557
والمعشر: الجماعة العظيمة. والسلطان: القوة على تحقيق غرض الإنسان، أو الحجة.
والأقطار: الجهات. وقال ابن عباس ﵄: إن استطعتم بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض. فبأي نعم الله تكذبان أيها الثقلان: الجن والإنس؟
ولو خرجتم من جوانب السماوات والأرض يسلط عليكم أيها الإنس والجن لهب النار الخالص، ويصبّ على رؤوسكم نحاس مذاب، فلا تقدرون على الامتناع من عذاب الله. وتثنية ضمير (عليكما) لبيان الإرسال في الجملة على النوعين من الإنس والجن، لا على كل واحد منهما، ولا على الجميع.
ومن أحوال الآخرة والجزاء: أنه إذا جاء يوم القيامة انصدعت السماء، وتبددت وصارت كوردة حمراء، وذابت مثل الدهن، أو بدت كالجلد الأحمر، والمراد أنها تذوب كما يذوب الزيت، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها. فبأي نعم الله تكذّبان أيها الإنس والجن؟ ففي الخبر بذلك رهبة ورعب.
ويوم تنشق السماء، لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه، لأنهم يعرفون بعلامتهم عند خروجهم من قبورهم، ولأن الله تعالى أحصى أعمالهم وحفظها عليهم. والآية تقتضي نفي السؤال. وهناك آيات أخرى تفيد إثبات السؤال مثل: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ١٥/ ٩٢- ٩٣] . قال ابن عباس ﵄: إن السؤال متى أثبت فهو بمعنى التقرير والتوبيخ، ومتى نفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام، لأن الله ﵎ عليم بكل شيء.
فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟ مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم. وسبب عدم السؤال أنه يعرف الكفار (المجرمون) والفجار يوم خروجهم من
стр. 2558
القبور بعلاماتهم، وهي كونهم سود الوجوه، زرق العيون، يعلوهم الحزن والكآبة، فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم مجموعا بينهما، وتضمّ الأقدام إلى النواصي. فبأي النّعم تكذبان؟ فقد أنذرتم وحذرتم سابقا.
ويقال لهم، أي للمجرمين يوم القيامة توبيخا وتقريعا: هذه نار جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها، التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرة أمامكم.
وإنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها، وبين حميمها: وهو الماء المغلي في جهنم من مائع عذابها. والحميم: الماء الساخن. فبأي النّعم تكذبان بعد هذا البيان والاعلام السابق؟!
نعم مادية على المتقين في الآخرة
في مقابلة ألوان العذاب على الكفار في الآخرة في سورة الرّحمن، ذكر الله تعالى بعدها ألوان النعيم المادية من الطعام والشراب والفاكهة، والفرش والنساء الحوريات، ترغيبا في التقوى أو العمل الصالح، وتحذيرا من العصيان والمنكرات، فمن خاف ربّه انزجر عن معاصي الله، ومن آمن بالله المستحق للعبودية والطاعة لذاته، أقبل على ساحات الرّضوان الإلهي، وحقق لنفسه السعادة والطمأنينة والهناءة. وأنواع النعيم الأخروي هي ما يأتي في قوله تعالى:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٦١]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)
«١» «٢» «٣»
стр. 2559
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّحمن: ٥٥/ ٤٦- ٦١] .
لمن خاف قيامه بين يدي ربّه للحساب، بالكفّ عن المعاصي والتزام الطاعات:
نعمتان كبريان: روحية ومادية، أما الروحانية: فهي رضا الله تعالى كما في قوله:
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التّوبة: ٩/ ٧٢] . وأما المادية: فهي جنّتان تشتملان على متع الدنيا في الشكل، لكنها أسمى منها وأفضل، فهما جنّتان لا جنّة واحدة. فبأي نعم الله تكذبان أيها الثّقلان؟ فإن نعم الجنان لا مثيل لها، فضلا عن دوامها. وهذا دليل على أن الجن المؤمنين يدخلون الجنة إذا اتّقوا معاصي ربّهم وخافوه.
وللجنتين الماديتين أغصان الأشجار وأنواع الثمار، فبأي نعم ربّكما أيها الإنس والجنّ تكذّبان؟
وقد نزلت آية: وَلِمَنْ خافَ فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: في أبي بكر الصّدّيق ﵁.
وفي كل من الجنتين عين جارية، لسقي الأشجار والأغصان، والاثمار من جميع الأنواع، فبأي نعم ربّكما معشر الجنّ والإنس تكذبان؟ فتلك حقيقة قاطعة، وواقع ملموس.
وفي هاتين الجنّتين من كل فاكهة صنفان، يستلذّ بكل واحد منهما، أحدهما:
стр. 2560
رطب، والآخر يابس، لا يتميز أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب، خلافا لثمار الدنيا، بل فيهما مما يعلم وخير مما يعلم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فبأي هذه النعم تكذبان أيها الإنس والجنّ؟ وهي نعم واقعية وثابتة.
ثم بعد الطعام ذكر الله الفراش، فهؤلاء الخائفون من عصيان الله يتنعمون على فرش بطائنها (وهي ما تحت الظهائر) من إستبرق (ما غلظ من الدّيباج) وثمر الجنّتين أو المجتنى قريب التناول. فبأي شيء من هذه النّعم يحصل التكذيب والإنكار؟! وكلمة مُتَّكِئِينَ إما حال من محذوف تقديره: يتنعمون متكئين، وإما من قوله تعالى:
وَلِمَنْ خافَ. والاتّكاء: جلسة المتنعّم المتمتّع.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: بطائنها من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: ذاك مما قال الله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السّجدة: ٣٢/ ١٧] وكذلك قال. والجنى: ما يجتنى من الثمار، ووصف بالدنوّ لأنه فيما روي في الحديث يتناوله الرجل على أي حالة كان، من قيام أو جلوس أو اضطجاع، لأنه يدنو إلى مشتهيه. ثم وصف الله الحور العين في الجنّتين، فقال:
فِيهِنَّ قاصِراتُ.. أي في الجنّتين الحور العين اللاتي قصرن ألحاظهن على أزواجهن، لم يفتضضهنّ قبلهم أحد من الإنس أو الجن. ويقال لدم الحيض ولدم الافتضاض: طمث، فإذا نفي الطمث فقد نفي القرب منهن على جهة الوطء.
والضمير في قوله: فِيهِنَّ عائد للجنات، إذ الجنّتان جنات في المعنى. فبأي النّعم تكذبان أيها الثّقلان؟! ومعنى قوله: وَلا جَانٌّ يحتمل أن يكون اللفظ مبالغة وتأكيدا، كأنه تعالى قال: لم يطمثهن شيء. ويحتمل أن الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فنفى في هذه الآية جميع المجامعات.
стр. 2561
ثم وصف الله نساء الحور بكأنهن الياقوت صفاء، والمرجان بياضا أو حمرة، فبأي شيء من نعم الله تعالى تكذبان أيها الإنس والجن؟
ثم بيّن الله سبب هذا الثواب، بقوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ.. أي ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، فبأي شيء من نعم الله تكذبان معشر الجن والإنس؟ وهذه آية وعد وبشرى لنفوس جميع المؤمنين، لأنها عامة.
نعم أخرى على المتقين في الآخرة
تابع الله تعالى في سورة الرّحمن سرد أوصاف النعيم المادية للمتقين الخائفين من معاصي الله، المقدمة لهم يوم القيامة، ففي الآيات السابقة بيّن الحق تعالى أن ثواب الخائفين جنّتان. وفي هذه الآيات ضمّ إليهما جنّتان أخريان لمن كان دون المتّقين في الرتبة والفضيلة، ولكنهما خضراوان، وفوّارتان بالماء، ومشتملتان على أنواع الفاكهة اللذيذة، والخيرات الحسان وهي أفضل النساء، وهن عذارى، وأهل هاتين الجنتين متكئون على وسائد مخضرة وبارعة الحسن والجمال، وكل ذلك من الله تعالى المتّصف بالعظمة والجلال، المتنزه عن كل ما لا يليق به، ومصدر هذا الإنعام والفضل على عباده، كما تصوّر لنا هذه الآيات:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦٢ الى ٧٨]
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١)
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)
«١» «٢» «٣»
стр. 2562
«١» «٢» «٣» [الرّحمن: ٥٥/ ٦٢- ٧٨] .
ومن دون الجنّتين المتقدمتين في بيان سورة الرّحمن في المنزلة والقدر: جنّتان أخريان. والجنّتان الأوليان: جنّتا السابقين، والأخريان جنّتا أصحاب اليمين. فبأي شيء من النّعم الإلهية تكذّبان أيها الإنس والجنّ؟
والجنّتان شديدتا الخضرة، من شدة الرّي المائي. فبأي نعم الله تكذبان معشر الجن والإنس؟
وفي الجنّتين عينان فيّاضتان فوّارتان بالماء العذب، فهناك جنّتان تجريان بالأنهر، وجنّتان فوّارتان، والجري أقوى من النّضخ. فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟
وفي هاتين الجنّتين نساء جميلات، خيّرات الأخلاق، حسان الوجوه، فبأي نعم الله تكذبان أيها الجن والإنس؟! وهؤلاء النساء الخيرات، حور شديدات البياض، واسعات الأعين، مع شدة السواد وشدة البياض وصفائه، مخدرات محجّبات مستورات في خيام الجنّة، المكونة من الدّر المجوفة. والخيام: البيوت من الخشب، لا يتبذلن في شارع ولا سوق، ولا يخرجن لبيع أو شراء، وهنّ مقصورات على أزواجهن، لا ينظرن إلى رجال غيرهن.
وهذه هي المرأة المحببة للرجال، خلافا لأذواق المنحلّين اليوم.
ولم يمسّهن ولم يجامعهن قبل ذلك أحد من الإنس والجن، توفيرا للمتّقين الخائفين ربّهم، فبأي نعم الله تكذبان؟
стр. 2563
وهؤلاء الأتقياء البررة متكئون على وسائد خضراء، وبسط منقوشة بديعة، فاخرة الصنع، فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟! ويلاحظ أن أثاث الجنّتين الأوليين أرفع من هذه الصفة، فإنه تعالى قال فيهما هناك: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فبأي شيء من هذه النّعم تكذّبان معشر الجنّ والإنس؟! وختمت الصفات المتقدمة في الجنّتين الأوليين ببيان سببها وهو: أن استحقاق هذا الفضل والإحسان جزاء الإحسان المتقدم في الدنيا.
وهنا ختمت هذه الصفات والسورة كلها بالإقرار بمصدر هذا الفضل، وهو الله تعالى الذي تنزه عن كل ما لا يليق به، فهو المتفرّد بصفات العزّة والعظمة، وإكرام عباده المخلصين، وهو أحقّ بالعبادة والإجلال فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى. وهذه الخاتمة تدلّ على بقاء أهل الجنة ذاكرين اسم الله، منزهين له، مستمتعين به. وأما أوصاف نعيم الدنيا فختمت بما يشير إلى فناء كل شيء من الممكنات يوم القيامة مع بقاء الله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) .
وفي الجملة: هناك لأهل التقوى أربع جنان ذات منازل مختلفة، اثنتان منهما للمقرّبين السابقين، واثنتان دونهما في المكانة والمنزلة لأصحاب اليمين. والفروق واضحة بين كل من النوعين، وذلك دليل على إقامة صرح العدالة في الثواب والتكريم، فلا يستوي كل فريق مع الآخر، مع تفاوتهما في العمل الصالح، وممارسة كل مظاهر التقوى، وأعمال البر في الدنيا، مما يؤهل كل فريق لما أعدّه الله له من الإحسان والنّعم الموافية لعمله.
стр. 2564
تفسير سورة الواقعة
قيام القيامة وانقسام الناس فريقين أو ثلاثة
تحدّثت سورة القيامة على خبر إثبات وقوعها، وكون ذلك ذلك الخبر حقيقة ثابتة واقعة، وعلى كون الناس فيها بحسب حظوظهم وأعمالهم فريقين: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، ومن الفريق الأول فئة السابقين وهم الأنبياء المقربون عند ربّهم في جنات النعيم، فيصير الناس ثلاثة أصناف، لكل صنف مكان عند الله، فالسابقون وهم الأنبياء والرّسل والصّديقون والشهداء وأمثالهم: في منزلة خاصة هي أعلى المنازل، وأصحاب الميمنة: في منزلة أدنى في الجنة، وأصحاب الشمال وهم الكفار في نيران الجحيم، وهذا ما نجده صريحا في الآيات الآتية في مطلع سورة الواقعة المكّية بإجماع من يعتدّ بقوله من المفسرين:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الواقعة: ٥٦/ ١- ١٢] .
إذا حدثت القيامة، والواقعة اسم من أسماء القيامة، كالصّاخّة والآزفة والطّامّة.
стр. 2565
وهذه كلها أسماء تقتضي تعظيمها وتشنيع أمرها، ليس لوقوعها صارف ولا دافع، ولا بد من أن تكون، وليس لها تكذيب ولا رد. وكلمة كاذِبَةٌ إما مصدر كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين، أي ليس لها تكذيب ولا ردّ، وهذا قول قتادة والحسن، وإما أن تكون صفة لمقدّر، كأنه تعالى قال: ليس لوقعتها حال كاذبة.
- وهي خافضة أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين، فتجعلهم في الجحيم، وهم الكفرة والفسقة، ورافعة أقواما كانوا في الدنيا مغمورين، فتجعلهم في الجنة، وهم المؤمنون. فقوله: خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) خبر لمبتدأ، أي هي خافضة رافعة.
- إذا زلزلت وحرّكت الأرض بعنف تحريكا شديدا، حتى ينهدم كل ما عليها من بناء وجبال.
- وفتّتت الجبال فتّا، وصارت غبارا متفرّقا منتشرا أو شائعا في الهواء، كالهباء «١» الذي يطير في النار. وهذا يدلّ على دكّ الجبال وزوالها عن أماكنها يوم القيامة.
- وأصبحتم يوم القيامة من قسمين إلى ثلاثة أصناف: أهل اليمين أصحاب الجنة، وأهل الشمال أهل النار، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنة والرحمة، وهم الأنبياء والرّسل والصّديقون والشهداء.
فأصحاب اليمين: هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذون إلى الجنة، فما أحسن حالهم وصفتهم وأكمل سعادتهم! وقوله: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم. وقوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مبتدأ، والفاء تدلّ على التفسير، وقوله: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما: مبتدأ ثان، وأصحاب الميمنة: خبر: ما، والجملة خبر المبتدأ الأول.
стр. 2566
وأصحاب الشمال: هم الذين يتناولون كتبهم بشمائلهم، ويساقون إلى النار، فما أسوأ حالهم وأتعسهم!! والسابقون من كل أمة إلى الإيمان والطاعة والجهاد وأعمال البر، وهم: الأنبياء والرّسل ﵈، والشهداء والصّديقون، والقضاة العدول، ونحوهم، إنهم السابقون إلى الجنة والرحمة، وهم المقرّبون إلى جزيل ثواب الله وعظيم كرامته والمقرّبون من الله تعالى في جنّة عدن، والمقيمون إلى الأبد في جنات النعيم.
وقوله: أُولئِكَ تدلّ على علو مكانتهم. وقوله: وَالسَّابِقُونَ مبتدأ، ووَ السَّابِقُونَ الثاني خبر على مذهب سيبويه، وجملة أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) مبتدأ وخبر، استئناف بياني. وقال بعض النّحويين: وَالسَّابِقُونَ الثاني: نعت للأول، وجملة أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) على هذا القول: في موضع الخبر.
وهذه الآية تتضمن أن العالم يوم القيامة ثلاثة أصناف: مؤمنون هم على يمين العرش، وهنالك الجنة، وكافرون وهم على شمال العرش، وهنالك النار. والسابقون إلى الإيمان والطاعة وهم عند الله تعالى في جنة عدن، أو في الفردوس أعلى الجنان وهي أعلى منازل البشر في الآخرة. ذكر الله تعالى أصحاب الميمنة متعجبا منهم في سعادتهم، وأصحاب المشأمة متعجبا منهم في شقاوتهم، ثم ذكر السابقين مثبتا حالهم، فأخبر أنهم نهاية في العظمة والسعادة.
والقول في يمين العرش وشماله أمر تقديري، كالقول في يمين الكهف وشماله في آية:
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الكهف: ١٨/ ١٧] بأن تقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان، فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن يمين، وآخره عن شمال.
والسابقون: هم الذين سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالهم في الدنيا سبقا إلى
стр. 2567
أعمال البر وإلى ترك المعاصي.
أخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂، عن النّبي ﷺ أنه قال: «أتدرون من السابقون إلى ظلّ الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» .
نعيم السابقين المقرّبين
السابقون السابقون: هم الذين سبقوا في الدنيا إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، وهم المقرّبون عند الله في أعلى منازل البشر في الآخرة، كما تقدم، وهؤلاء الصفوة المتميزة العليا من أهل الجنة، ومن مختلف الأمم إلى يوم القيامة، يتمتعون بأكمل أنواع النعيم المادي والمعنوي في الآخرة، وقد ذكر الله تعالى ألوان نعيمهم في الآيات الآتية من سورة الواقعة:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٣ الى ٢٦]
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الواقعة: ٥٦/ ١٣- ٢٦] .
السابقون المقرّبون: جماعة كثيرة لا يحصى عددهم، من الأمم، وهم من الأولين
стр. 2568
أكثر من الآخرين الذين عبّر عنهم بالقليل، والأولون: هم في رأي مكي وغيره الأنبياء الذين كانوا في صدر الدنيا أكثر عددا. أو هم في رأي الحسن وغيره السابقون من الأمم، والسابقون من هذه الأمة (أتباع النّبي ﷺ .
أخرج أحمد وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) شقّ ذلك على المسلمين، فنزلت: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .
ولا أرى تعارضا بين هذه الآيات، فهي في السابقين المقرّبين، وآية: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) فهي في أصحاب اليمين.
وروي عن عائشة ﵂ أنها تأوّلت أن الفريقين في أمة كل نبي: هي في الصّدر ثلة، وفي آخر الأمة قليل.
وروى سفيان الثوري عن أبان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النّبي ﷺ : «الثّلّتان جميعا من أمّتي» .
وحال هؤلاء المقرّبين: هم في الجنة متكئون على أسرّة منسوجة بخيوط الذهب، مشبكة بالدّر والياقوت والزّبرجد، في حال التقابل، لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وهم في حبور وسرور، وصفاء واطمئنان.
- يدور عليهم للخدمة غلمان باقون على صفة واحدة، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا يبعد أن يكونوا كالحور العين مخلوقين في الجنة، للقيام بهذه الخدمة.
- يطوفون على أهل الجنة السابقين بأكواب لا عرى لها ولا خراطيم، وبأباريق لها العرى والخراطيم، وبكؤوس مترعة من خمر الجنة الجارية من الينابيع والعيون، ولا تعصر عصرا كخمر الدنيا، فهي صافية نقية من الكحول المسكر، لا تتصدّع رؤوسهم من شربها، ولا يسكرون منها، فتذهب عقولهم.
стр. 2569
- ومعهم ما يختارونه من ثمار الفاكهة، وأنواع لحوم الطيور التي يشتهونها، مما لذّ وطاب، ومن المعلوم أن لحوم الطيور أيسر هضما وأعذب طعما.
- ولهم نساء حوريات بيض، مع شدة سواد العين، وشدة بياضها، واسعات الأعين حسانها، كأنواع اللآلى والدّرر المستورة التي لم تمسها الأيدي صفاء وبهجة، وبياضا ومتعة، وجمالا من أحسن الألوان، يفعل بهم ذلك كله، مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.
- وفي الجنة لا يسمعون كلاما لاغيا لا معنى له، واللغو: الفاحش من القول، ولا كلاما فيه ما يوقع في الإثم من سبّ أو شتم أو ساقط الكلام. ولكن يسمعون أطيب الكلام، ويتبادلون فيما بينهم التحية وأكرم السّلام، كما في آية أخرى:
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إبراهيم: ١٤/ ٢٣] . والمراد أن هذا النعيم ليس مصحوبا بألم، كنعيم الدنيا، وإنما هو خال من الكدر والهمّ، واللغو، والقبح. وحكمة تأخير بيان ذلك عن ذكر الجزاء، مع أنه من النّعم العظيمة: أنه من أتم النّعم، فجعله المولى من باب الزيادة والتمييز، لأنه نعمة اجتماعية تدلّ على نظافة أو طهر الوسط الاجتماعي، بعد تبيان النّعم الشخصية.
وقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ دليل على أن هذه الرّتب والنّعم هي بحسب أعمالهم، لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة هي مقسّمة على قدر الأعمال. وأما دخول الجنة نفسه: فهو برحمة الله ﵎ وفضله، لا بعمل عامل، كما جاء في حديث صحيح،
أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والدارمي وأحمد، ولفظ البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لن ينجّي أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله
стр. 2570
برحمته، سدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدّلجة «١» ، والقصد القصد تبلغوا «٢» » .
وفي البخاري أيضا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «سدّدوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله، وإن قلّ» .
جزاء أصحاب اليمين
ذكر الله تعالى ألوان النعيم للسابقين المقرّبين عند الله يوم القيامة، ثم أتبعه ببيان أصناف النعيم لأصحاب اليمين، من الفاكهة الكثيرة، والظلال، والمياه، والأنهار الجارية، والفرش المرفوعة، والحور العين العذارى في عمر واحد أو متساويات السّن: أتراب، ومحبّبات إلى أزواجهن، وهذا أنموذج إغرائي لمن اهتم بالماديات، قياسا على أحوال الدنيا التي قد تفتقد فيها هذه الأشياء لكثير من الناس، فيجدون الحلم والعوض محقّقا في الآخرة، وهذا ما نصّت عليه الآتية التالية:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦)
عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
«٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الواقعة: ٥٦/ ٢٧- ٤٠] .
стр. 2571
أخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في البعث عن عطاء ومجاهد قالا: لما سأل أهل الطائف الوادي يحمى لهم، وفيه عسل، ففعل، وهو واد معجب، فسمعوا الناس يقولون: في الجنة كذا وكذا، قالوا: يا ليت لنا في الجنة مثل هذا الوادي، فأنزل الله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) الآيات. وهم أصحاب المرتبة المتوسطة، ومنهم عصاة المؤمنين بعد مجازاتهم على معصيتهم أو العفو عنهم.
المعنى: عطف الله تعالى في بيانه على بيان جزاء السابقين المقرّبين: ما أعدّه لأصحاب اليمين الأبرار، الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، فإن منزلتهم دون المقرّبين، ولكن في درجة عالية في الجنة، فهم أصحاب الميمنة، وما أدراك ما هم، وأي شيء هم، وما حالهم ومآلهم؟! وهذا يشير إلى التفخيم والانتباه للتعرّف على حالهم، فجاء البيان المفصل لما أبهم من حالهم، فقال الله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) أي يتمتعون في جنات فيها شجر يشبه شجر السّدر: وهو من العضاة له شوك، وأما سدر الجنة فهو على خلقة سدر الدنيا، له ثمر كقلال هجر، طيب الطعم والريح، ووصفه تعالى بأنه مخضود، أي مقطوع الشوك الذي لا أذى فيه.
ولهم أيضا مثل الطّلح: وهو كذلك من العضاء شجر عظيم كثير الشّوك، ولكن طلح الجنة على صفات كثيرة مباينة لحال الدنيا، ومنضود معناه: مركب ثمره، بعضه على بعض من أرضه إلى أعلاه.
أخرج البيهقي عن مجاهد قال: كانوا يعجبون بوج (واد مخصب بالطائف) وظلاله وطلحة وسدره، فأنزل الله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وهم في ظلال وارفة دائمة الظّل، وحولهم ماء جار لا ينقطع، ويتناولون من أنواع
стр. 2572
الفاكهة الكثيرة ما شاؤوا، فهي لا تنقطع أبدا في وقت من الأوقات، كما تنقطع فواكه الدنيا أحيانا، ولا تمنع عمن أرادها في أي وقت، على أي صفة، أعدت لمن أرادها.
ويجلسون وينامون على فرش مرفوعة على الأسرّة، وذات رفعة، والفرش:
الأسرّة، جمع فراش: وهو ما يفترش للجلوس عليه أو النوم عليه، وقال أبو عبيدة وغيره: أراد بالفرش النّساء. والمرفوعة: معناه المرتفعة الأقدار والمنازل. ثم أشار الله تعالى إلى نساء أهل الجنة، والضمير في رأي قتادة عائد على الحور العين المذكورات قبل، أو إلى الفرش المرفوعة، أي النساء في رأي أبي عبيدة معمر، وإن لم يتقدم لهن ذكر، لدلالة المعنى على المقصد، كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٨/ ٣٢] .
وهؤلاء النّساء يتجدد خلقهن، فقال الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) أي خلقناهنّ شيئا بعد شيء، وأوجدناهنّ خلقا جديدا، من غير توالد، وجعلناهن بكارى عذارى لم يفتضهن قبلهم إنس ولا جان. وكلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، من غير وجع، كما
في حديث رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا» .
وهنّ عرب أتراب، أي متحبّبات إلى أزواجهن، عشقا لهم، من غير سابق معرفة، ومتساويات السّن والشكل والقدّ، حتى يقول الرائي: هم أتراب.
وأصحاب اليمين: هم سالف الأمم، جماعة عظيمة من الأولين، وهم مؤمنو الأمم الماضية، وجماعة من الآخرين، وهم مؤمنو هذه الأمة، أتباع النّبي ﷺ إلى يوم القيامة. ويرى ابن عطية ﵀: بل جميعهم من هذه الأمة، إلا من كان من السابقين. ورأى آخرون الفرقتين في أمة محمد ﷺ ، فالتابعون بإحسان، ونحوهم هم الثّلة الأولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان.
стр. 2573
وذكر أبو حيان في البحر المحيط أنه لا تنافي بين قوله تعالى: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وقوله قبل: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) لأن قوله: مِنَ الْآخِرِينَ هو من السابقين، وقوله: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) هو في أصحاب اليمين.
ومردّ كل ذلك إلى الله تعالى، وتعرف الجماعات بمدى إيمانها وعملها الصالح، سواء أكانوا من الماضين أم من اللاحقين، إقامة للعدل بين الجميع.
جزاء أصحاب الشّمال
اصطلاح الشمال دائما يدلّ على مواجهة تعبير اليمين، الأول يدلّ على الانحراف ومعارضة الفطرة، والثاني يدلّ على الاستقامة والطاعة لله تعالى. وأهل اليمين يتمتعون بألوان النعيم الأخروي، المادّي والمعنوي، النفسي والاجتماعي، وأهل الشمال يتعرضون لمختلف أنواع العذاب الأخروي، بالسّحق والإحراق، وتجدّد العذاب على الدوام، شرابهم صديد أهل النار، والماء الشديد الغليان، وطعامهم شجر الزّقوم الشديد المرار، الذي تعاف مثله الإبل في الدنيا، مع التقريع، والإهانة، والإذلال، والسخرية، كما تصور هذه الآيات:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٥٦]
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 2574
«١» «٢» «٣» [الواقعة: ٥٦/ ٤١- ٥٦] .
هذا بيان جزاء أصحاب الشمال وبيان سببه الموجب له، أصحاب الشمال، وما أدراك ما هم؟ وأي شيء هم فيه، وأي صفة لهم حال تعذيبهم في الآخرة؟ وهذا فيه معنى اللوم وتعظيم المصاب. هم في ريح يابسة، لا بلل معها، شديدة الحرارة، ويشربون الماء المغلي، ويتظلّلون بدخان جهنم الشديد السواد، ليس باردا كالظلال الباردة عادة، ولا حسن المنظر ولا نافعا، وكل ما ليس فيه خير، فهو ليس بكريم، أي ليس للظلال صفة مدح، فهو سيّئ الصفة، وهم فيه مهانون.
وأصحاب الشمال: مبتدأ، وقوله: ما أَصْحابُ الشِّمالِ مبتدأ وخبر، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول.
وأسباب هذا العذاب ثلاثة أشياء:
أنهم كانوا في الدنيا مترفين، أي يتنعمون في سرف وتخوض، وكانوا يصرّون على الذنب العظيم، وهو الشّرك والوثنية، وكانوا ينكرون البعث، فيقولون: كيف نبعث بعد الموت، وبعد الصيرورة ترابا وعظاما بالية أو نخرة؟
والمترف: المنعم في سرف وخوض في الباطل. ويصرّون: معناه يعتقدون اعتقادا لا ينوون عنه إقلاعا. والحنث: الإثم، ومنه حديث البخاري ومسلم وابن ماجه والنّسائي وأحمد: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا كانوا لهما حصنا حصينا من النار» «٤» . أي لم يبلغوا الحلم الذي يتعلق به السؤال عن الآثام.
стр. 2575
والمراد بالإثم: هو الشّرك، وهذا هو الظاهر. وقوله: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ العامل فيه:
فعل مضمر، تقديره: أنبعث أو أنحشر؟ ولا يعمل فيه ما بعده، لأنه مضاف إليه.
فردّ الله تعالى على إنكارهم الآخرة، فقال: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) أي قل لهم أيها الرسول: إن المتقدّمين من الأمم والعالم كله محشورون مبعوثون ليوم معلوم مؤقت. والميقات: مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
ثم خاطب الله كفار قريش ومن كان على حالهم بقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) أي إنكم معشر الضّالّين عن الحق، الذين أنكرتم وجود الله وتوحيده، وكذّبتم رسله، ستأكلون في الآخرة من شجر الزقوم الذي هو شجر كريه المنظر والطعم، حتى تملؤوا بطونكم، لشدة الجوع. ثم إنكم سوف تشربون على الزّقوم عقب أكله، من الماء الحار، لشدة العطش، ويكون شرابكم منه كشرب الإبل العطاش، التي لا تروى لداء يصيبها، حتى تموت. والهيم: الإبل العطاش الظّماء.
وشرب بضم الشين: إما مصدر، أي كالشرب الحاصل من الإبل، وإما إنه اسم لما يشرب، أي شراب الإبل.
وهذا الذي وصفنا من المأكول والمشروب، من شجر الزقوم، وشراب الحميم هو- على سبيل السخرية والاستهزاء- ضيافتهم عند ربّهم يوم حسابهم، وهو الذي يعدّ لهم ويأكلونه يوم القيامة ساعة قدومهم. والنّزل: أول ما يأكل الضيف. ويوم الدين: يوم الجزاء. وهذا خلافا لجزاء أهل الإيمان، كما جاء في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) [الكهف: ١٨/ ١٠٧] أي ضيافة وكرامة.
стр. 2576
إن سوء هذا المصير لأهل الشّمال وهم الكفرة الظالمون واضح السبب: وهو انهماكهم في شهوات الدنيا، وشركهم، وإنكارهم البعث أو اليوم الآخر، وهذا الإنكار مصدر كل شرّ، لأن من آمن بالحساب، خافه، ومن كفر بالحساب اقتحم المهالك من غير تقدير العواقب الوخيمة.
من أدلة إثبات القدرة الإلهية على البعث
كلما وصف الله تعالى إنكار المشركين للبعث، أعقبه بإيراد الأدلة الكافية على القدرة الإلهية الخارقة الكافية على تحقيق هذا الأمر، من واقع الناس وأحوالهم التي تحيط بهم، من خلقهم ورزقهم والإنعام عليهم، وخلق السماوات والأرض، وإحياء الأرض بالنباتات. والبعث ما هو إلا إعادة خلق هيّن على الله تعالى الذي لا يعجزه شيء صغير أو كبير في الأرض ولا في السماوات، فمن لاحظ كل هذا سهل عليه إدراك كيفية البعث الداخل تحت الأمر التكويني السريع: (كن فيكون) . وهذه بعض أدلة القدرة الإلهية في الآيات الآتية:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٧ الى ٧٤]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧»
стр. 2577
«١» «٢» «٣» «٤» [الواقعة: ٥٦/ ٥٧- ٧٤] .
هذه أدلة واقعية محسوسة على قدرة الله تعالى، فلقد ابتدأنا خلقكم أول مرة، بعد العدم، فهلا تصدقون بذلك تصديقا مقرونا بالطاعة والعمل الصالح، وتقرون بأن من قدر على الخلق، قادر على الإعادة بطريق الأولى؟
أخبروني عما تقذفون من المني في الأرحام، أأنتم تخلقونه بشرا سويّا، أم نحن الخالقون الموجدون له؟! وهذا حضّ على التصديق على وجه التقريع. فلا يخفى على أحد ما يوجد في المني من عمل وإرادة وقدرة.
نحن قسمنا الموت بينكم ووقّتناه لكل فرد منكم، فمنكم من يموت كبيرا، ومنكم من يموت صغيرا، والكل سواء في الموت، وما نحن بمسبوقين يسبقنا أحد على أن نبدّل بكم غيركم، فتموت طائفة ونبدّلها بطائفة، وهكذا قرنا بعد قرن، وننشئكم بأوصاف لا يصلها علمكم، ولا تحيط بها أفكاركم. وهذا وعيد يستوجب العظة والعبرة. وهو دليل على كذب المكذبين بالبعث، وتصديق الرّسل في الحشر.
ودليل آخر: أنه قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم على مراحل وأطوار، من نطفة، فعلقة، فمضغة، فهيكل عظمي، فإكساؤكم باللحم، وجعل لكم السمع والبصر والفؤاد، فهلا تتذكرون قدرة الله تعالى على النشأة الأخرى، وتقيسونها على النشأة الأولى؟! وهذه الآية نص في استعمال القياس والحضّ عليه.
стр. 2578
ودليل آخر: أخبروني عما تحرثون من الأرض، وتطرحون فيه البذر، هل أنتم أوجدتموه زرعا ونباتا كاملا فيه السنبل والحب، بل نحن الذين ننبته في الأرض ونصيّره زرعا تامّا؟ بل أنت يا ربّ.
لو أردنا أن نجعل هذا الزرع يابسا أو هشيما متكسّرا لفعلنا، فصرتم تتعجبون من سوء حاله وما نزل به، قائلين: إننا لخاسرون مغرمون. والمغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض، أو إننا لهالكون هلاك أرزاقنا.
وبعد المأكول يكون المشروب، أخبروني أيها الناس عن الماء العذب الذي تشربونه لإطفاء العطش، أأنتم أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون بقدرتنا دون غيرنا، فكيف لا تصدقون بالبعث بعد هذا الإيجاد؟! لو أردنا أن نجعل هذا الماء ملحا لا يصلح للشرب ولا للزرع، لفعلنا، فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم هذا الماء عذبا فراتا زلالا، تشربون منه، وتنتفعون به؟! ثم ذكر النار أداة الطّهي والإنضاج، فهل رأيتم النار التي تستخرجونها بالقدح من الزناد، أأنتم أنشأتم شجرتها التي تقدحون منها النار، أم نحن المنشئون لها بقدرتنا دونكم؟
نحن جعلناه هذه النار تذكرة لكم بحرّ نار جهنم الكبرى، ليتّعظ بها المؤمن، وينتفع بها المقوون، أي المسافرون الضاربون في البوادي، والأراضي القفر. فنزّه الله تعالى القادر على خلق هذه الأشياء أيها النّبي وكل مخاطب بالقرآن، حيث أوجد هذه الأشياء المختلفة المتضادة، من إيجاد عنصر الرطوبة بالماء، وعنصر الحرارة بالنار، ومادة الملوحة في البحار والمحيطات.
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية؟ فقال: إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» .
стр. 2579
إثبات النّبوة والوحي القرآني
أقسم الله تعالى بمساقط أو مواقع النجوم على أن القرآن كتاب كريم، مصون في كتاب محفوظ، وهو اللوح المحفوظ، منزل تنزيلا من ربّ العالمين، والشّك فيه شكّ ساقط لا قرار له. لذا وبّخ الله تعالى المشركين على عقيدتهم الباطلة بإنكار توحيد الله وتكذيب رسوله، وإنكار المعاد. ثم ذكر الله تعالى أحوال الأصناف الثلاثة الذين بدئت بهم سورة الواقعة، وهم السابقون المقرّبون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وجزاء كل فريق يوم القيامة، وهذا هو الحق الثابت الذي لا شك فيه، فيقتضي التوجّه للآخرة وتنزيه الله عن كل نقص، كما تقرر هذه الآيات:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٩٦]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الواقعة: ٥٦/ ٧٥- ٩٦] .
أخرج مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها
стр. 2580
الله،
وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآيات: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) حتى بلغ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) .
أقسم الله تعالى بمواقع النّجوم تعظيما لشأن القرآن أنه تنزيل من ربّ العالمين، ومواقع النجوم: مساقطها عند الغروب. وإن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
والضمير يرجع إلى القسم المفهوم، من الكلام المتقدّم. والمقسم عليه هو أن هذا القرآن الذي نزل على محمد ﷺ لكتاب كثير المنافع والفوائد، لما فيه من: العلم والهدى والحكمة والإرشاد إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وجاء القسم هكذا: فَلا أُقْسِمُ بالنّفي، والمراد: أقسم، لأن العرب تزيد (لا) قبل فعل (أقسم) كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه، فيفيد التأكيد، أي كأنه تعالى يقول: فلا صحة لما يقوله الكفار. فتكون (لا) نافية، في رأي بعض النحويين، وقال بعضهم: هي زائدة، والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع أمر معروف. وقال آخرون: هي مؤكدة، تعطي في القسم مبالغة، وهي كاستفتاح كلام، مثل: (فلا وأبي، أي فو أبي) .
وبعد أن وصف الله القرآن بأنه كريم، أي كثير المنافع، وصفه بثلاث صفات أخرى وهي: أنه محفوظ في اللوح المحفوظ، لا يطّلع عليه إلا الملائكة المقرّبون وهم الكروبيون. ولا يمسّه في السماء إلا الملائكة الأطهار، وكذلك لا يمسّه في الدنيا إلا المطهّرون من الحدثين الأصغر والأكبر، وهو منزّل تنزيلا متدرّجا من الله تعالى، فليس هو بسحر ولا كهانة ولا شعر ولا قول بشر، بل هو الحق الثابت الذي لا مرية فيه.
وقال جماهير العلماء: لا يمسّ المصحف من بني آدم إلا الطاهر من الكفر والجنابة والحدث الأصغر،
وفي كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم- الذي أخرجه عبد الرزاق وأبي داود وابن المنذر، عن عبد الله بن أبي بكر- «ولا يمسّ القرآن إلا طاهر» .
стр. 2581
ثم وبّخ الله تعالى الكفار المتهاونين في شأن القرآن، فقال: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ.. أي أبهذا القرآن الموصوف بالصفات الأربع السابقة أنتم متهاونون، يلاين بعضكم بعضا، ويتبعه في الكفر؟ وتجعلون شكر رزقكم من السماء: وهو المطر، أو من الأرض: وهو الزرع أنكم تكذبون بنعمة الله وبالبعث وبما دلّ عليه القرآن، فتضعون التكذيب موضع الشكر؟ وهذا توبيخ للقائلين في المطر: هذا بنوء كذا وكذا، كالأسد والجوزاء وغير ذلك.
وتوبيخ آخر للمشركين، فهلا إذا وصلت الروح الحلق حين الاحتضار، وأنتم ترون بالعين المحتضر قد قارب فراق الحياة، تنظرون إليه وما يكابده من سكرات الموت، ونحن بالعلم المحيط أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون ملائكة الموت الذين يتولون قبض روحه. والمراد التأمّل والنظر في أن الله مالك كل شيء.
فهلا إن كنتم غير محاسبين أو غير مملوكين ولا مجزيين في عالم البعث والحساب، تمنعون موته وترجعون الروح التي بلغت الحلقوم (مجرى الطعام) إلى مقرّها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم لن تبعثوا. وهذه الحال: هي نزاع المرء للموت. والمدين: المملوك في الأصح.
ومصائر الناس عند احتضارهم وبعد وفاتهم أصناف ثلاثة:
١- فأما إن كان المتوفى من السابقين المقرّبين: وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبّات، وتركوا المحرّمات والمكروهات وبعض المباحات، فلهم استراحة ورحمة وطمأنينة وهو الروح، ورزق حسن للبدن وهو الريحان أو الطيب، وجنة نعيم للروح والجسد، أي إن المرء من السابقين يلقى عند موته روحا (رحمة وسعة) ، وريحانا (وهو الطّيب) وهو دليل النّعم، أو هو كل ما تنبسط إليه النفوس.
стр. 2582
٢- وأما إن كان المتوفى من أهل اليمين: وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، فتبشرهم الملائكة قائلين: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي ليس في أمرك إلا السّلام والنّجاة من العذاب.
٣- وأما إن كان المتوفى من المكذبين بالحق والبعث، الضّالّين عن الهدى، وهم أصحاب الشمال، فإن ضيافتهم ساعة لقائهم ماء شديد الحرارة ثم تصلية في جهنم.
إن هذا الخبر لهو محض اليقين وخالصة والحق الثابت الذي لا شكّ فيه، فأعرض عن أقوال الكفار، وأقبل على أمور الآخرة، وعبادة الله تعالى.
стр. 2583
تفسير سورة الحديد
عبادة الله وتسبيحه في جميع الأوقات
تسبيح الله تعالى: وهو التّنزيه عما لا يليق بالله، المعروف في قولهم: «سبحان الله» : هو حقيقة ثابتة مستقرة في الكون والإنسان والحياة، يعلنها الواقع، ويفرضها المنطق، لأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي والمميت، فيكون التسبيح من السماوات والأرض وما فيهما دائما مستمرا، لأن الله تعالى هو الحقيقة الأبدية، والمهيمن على كل شيء في الوجود، والعالم بكل شيء في السماء والأرض، وإليه المرجع والحساب، ويسيّر الكون، ويوجد تعاقب الليل والنهار، وهو على كل شيء قدير. وهذا ما قررته الآيات الآتية في مطلع سورة الحديد المدنيّة بالإجماع:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحديد: ٥٧/ ١- ٦] .
стр. 2584
أخبر الله تعالى عن تسبيحه، أي تنزيهه بعبارة (سبحان الله) بصيغة الماضي المتضمّنة إفادة الدوام والاستمرار، والتسبيح حقيقة وليس مجازا، وهذا في الجمادات وغيرها من القادرين على التسبيح. والمعنى ينزه الله تعالى عن كل نقص كل شيء في السماوات والأرض، من الجماد والنبات، والإنسان والحيوان، تعظيما له وإقرارا بربوبيّته، سواء بلسان المقال، كتسبيح الملائكة والإنس والجنّ، أو بلسان الحال كتسبيح الجمادات والنباتات. والله هو القوي القادر الغالب الذي خضع له كل شيء، والحكيم في تدبيره وأمره وخلقه وشرعه.
ولله تعالى المالك المطلق للسماوات والأرض، يتصرّف فيهما وحده، وله السلطان التام، وهو نافذ الأمر، وهو الذي يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، وهو تامّ القدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، كائنا ما كان.
والله هو الأول: الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة، والآخر: الذي ليس له نهاية منقضية، والظاهر: بالأدلة ونظر العقول في صنعته، والباطن: بلطفه وغوامض حكمته، وباهر صفته التي لا تصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام والتصورات، وهو بكل شيء عالم علما تامّا، وعموما شاملا.
والله هو الذي أبدع السماوات والأرض في ستة أيام، والأصوب أنها من أيام الدنيا، وأكثر الناس على أن بدء الخلق في يوم الأحد. وعند مسلم: أن البداية في يوم السبت. ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته، على نحو يريده، مما لا يعلم به إلا هو، بالقهر والغلبة المستمرين بالقدرة، والعرش، أي الكرسي أعظم المخلوقات، وليس فيه تحديد بمكان أو جهة، ويعلم الله كل شيء، يدخل في الأرض من مطر وأموات وغير ذلك، ويخرج منها من نبات ومعادن وغير ذلك، وما ينزل من السماء من مطر وملائكة وغير ذلك، وما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد
стр. 2585
الصالحة والسيئة، والدعوات والأبخرة المتصاعدة ونحوها، والله معكم أيها العباد بقدرته وعلمه، وإحاطته وهدايته، أينما كنتم في البر والبحر والجو، والله رقيب عليكم، بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه شيء منها.
والله مالك السماوات والأرض، والدنيا والآخرة، وترجع إليه جميع الأمور، وهذا خبر يعمّ جميع الموجودات. وقوله: لَهُ مُلْكُ مكرر مع الآية السابقة للتأكيد.
والأمور ليست جمع المصدر، بل هي جميع الموجودات، لأن الأمر والشيء والموجود أسماء شائعة في جميع الموجودات أعراضها وجواهرها.
والله المتصرّف في الخلق، يقلّب الليل والنهار، ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل، ويقصر النهار، وتارة على العكس، وتارة يجعلهما معتدلين متساويين، وتتوالى الفصول الأربعة، بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه، وهو سبحانه يعلم السرائر وضمائر الصدور ومكنوناتها، وإن خفيت، لا يخفى عليه من ذلك خافية، سواء الظاهر منها والباطن. وقوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ تنبيه على العبرة فيما يتفاوت فيه الليل والنهار من الطول والقصر، وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة، وذلك بحر من بحار الفكر والتأمل لمن يتأمله.
ويُولِجُ معناه: يدخل، وبِذاتِ الصُّدُورِ ما فيها من الأسرار والمعتقدات، وذلك أغمض ما يكون. وهذا كله حثّ على التأمّل في ملكوت الله، وعلى الشكر على ما أنعم الله، وعلى وجوب تنزيه الله عن كل ما لا يليق بالله.
والخلاصة: هذه الآيات إخبار بتسبيح الله من كل شيء، وبيان موجبات التسبيح وأسبابه، فما أعظم التأمل بالخالق الموجود، وبالكون المخلوق الدّال على الخالق، وما أسعد الإنسان الذي يفكّر في هذا الوجود ليستدلّ به على الرّب المعبود!!
стр. 2586
الأمر بالإيمان والإنفاق
بعد أن أثبت الله تعالى في أوائل سورة الحديد وحدانيته وعلمه وقدرته، بمشاهد السماوات والأرض والأنفس، أعقبها بالأمر ببعض الواجبات، فأمر بالإيمان الخالص بالله تعالى وبرسوله، ثم أوجب على المؤمنين الإنفاق في سبيل الله، وحثّ عليه بمضاعفة الأجر أو الثواب عليه. وأعلمنا بأن آياته الدينية والكونية تخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن أهل الإيمان يسعى نورهم بين أيديهم إلى جنان الخلد التي تبشّرهم بها الملائكة، كما يتّضح من هذه الآيات:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ١٢]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحديد: ٥٧/ ٧- ١٢] .
مطلع الآيات: أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان والإنفاق في سبيل الله، أي صدّقوا بالله إلها واحدا، وبرسوله محمد ﷺ رسولا من عند الله، وداوموا على الإنفاق من الأموال، مما جعلكم خلفاء في التّصرف فيه، من غير تملّكه حقيقة،
стр. 2587
فالذين صدقوا بالله ورسوله من أهل الإيمان، وأنفقوا في سبيل الله، لهم ثواب كبير واسع. وقوله: مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره، وليس له إلا ما تضمنه قول رسول الله ﷺ ، الذي
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وأحمد عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النّبي ﷺ ، وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) [التكاثر: ١٠٢/ ١] قال:
يقول ابن آدم، مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» .
ثم وبّخ الله تعالى على ترك الإيمان بقوله: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ.. أي ما الذي يمنعكم عن الإيمان، والرسول محمد معكم يدعوكم إلى ذلك، فتصدقوا بربّكم، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد أخذ العهد عليكم في عالم الذّر حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال، فالآن آمنوا، أو إذا دمتم على ما بدأتم به.
والغاية من إنزال القرآن: أن الله هو الذي أراد بإنزال الآيات الواضحات في القرآن وغيره، أن يخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والتناقض، إلى نور الهدى واليقين والسعادة، وإن الله لكثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث أنزل الكتب، وبعث الرسل، لهدايتهم.
وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في طاعة الله ومرضاته والجهاد لأجل إعلاء كلمته؟
وكل الأموال والثروات صائرة إلى الله تعالى، إن لم تنفقوها في حياتكم، كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لكم منه شيء، فالمال مال الله، ولا تساوي بين من أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، أولئك الأولون أعظم درجة من الآخرين، لأن حاجة الناس كانت حينئذ أكثر، والعدد أقل
стр. 2588
وأضعف، وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة، والله عليم بأعمالكم وأحوالكم الظاهرة والباطنة، فيجازيكم بذلك.
ذكر الواحدي عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصّدّيق ﵁.
وثمرة الإنفاق تبدو في مضاعفة الثواب، فمن الذي ينفق ماله في سبيل الله، محتسبا أجره عند ربّه؟ فإنه كمن يقرضه قرضا حسنا، والله يضاعف له ذلك القرض، فيجعل له الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، وله بعد ذلك ثواب كثير الخير والنفع، وهو الجنة.
وحال المؤمنين المنفقين يوم القيامة هو: اذكر أيها النّبي ذلك اليوم حين تنظر المؤمنين والمؤمنات يسعى الضياء الذي يرونه على الصراط يوم القيامة أمامهم، وهو نور حقيقة يعطونه، وتكون كتبهم بأيمانهم، أي أعمالهم الصالحة سببا لنجاتهم، وهدايتهم إلى الجنة، وتبشّرهم الملائكة بالجنات (البساتين) التي تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، تكريما لهم، وذلك هو النجاح العظيم الذي لا مثيل له. فللمؤمنين نور حقيقة يوم القيامة يمنحهم الله إياه، وهذا النور من جميع جهاتهم، فهو كاف بين أيديهم، وعن أيمانهم، وكائن بسبب إيمانهم على قراءة إيمانهم.
حال المنافقين في الآخرة
يظهر الفرق واضحا في الآخرة بين المؤمنين، حيث يعطى كل مؤمن مظهر ومبطن للإيمان نورا، وبين المنافقين حيث يطفى نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين، فيلتمس أهل النفاق عون المؤمنين ومساعدتهم لهم، فيجابون بالخيبة واليأس، لأن النار
стр. 2589
مأواهم، وهذه هي نهاية أهل السعادة من المؤمنين الأبرار، وعاقبة أهل الشقاوة ممن نافقوا في الدنيا، فأظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر والضلال. وذلك إنذار واضح ووعيد شديد للمنافقين والمنافقات، كما في هذه الآيات الآتية:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٣ الى ١٥]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الحديد: ٥٧/ ١٣- ١٥] .
يوم يقول المنافقون: متعلّق بآخر الآية السابقة، فالعمل فيه هو قوله تعالى:
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٩» ، كأنه تعالى يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا، وهو عند انطفاء أنوارهم، فيقولون للمؤمنين: انتظرونا حتى نتّبعكم ولعلنا نستضيء بنوركم، ونخرج من هذا الظلام الدامس، فيجابون بما يخيب الآمال ويقال لهم من قبل الملائكة أو من المؤمنين:
ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراءكم، فالتمسوا النور بما التمسناه به، من الإيمان والعمل الصالح، وهذا تهكّم بهم واستهزاء بطلبهم. وينتهي الحوار بأن يضرب بين المؤمنين وبين المنافقين سور أو حاجز، باطنه، أي جانبه الذي يلي أهل الجنة: فيه الرحمة، وهي الجنة ونعيمها، وظاهره البادي، أي جانبه الذي يلي المنافقين أهل النار، من جهته عذاب جهنم. فالرحمة: الجنة، والعذاب: جهنم.
стр. 2590
وينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في دار الدنيا، نوافقكم في أعمالكم وعباداتكم في المساجد، وأداء مناسك الحج، وحضور معارك الجهاد، والعمل بأعمال الإسلام كلها. فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم اختبرتم أنفسكم، وأهلكتموها بالنفاق وإبطان الكفر، وتوقعتم الدواهي والمصائب بالمؤمنين، وشككتم في أمر الدين والبعث بعد الموت، ولم تصدّقوا بما نزل به القرآن، ولا آمنتم بالمعجزات، وخدعتكم الأماني المعسولة الباطلة، حيث قلتم: سيغفر لنا، وسيهلك محمد هذا العام، ستهزمه قريش، وغرّكم طول الأمل وامتداد الأجل، حتى فاجأكم الموت أو الفتح وظهور الإسلام، وخدعكم بالله الشيطان.
ففي هذا اليوم لا يقبل منكم أيها المنافقون فدية تفدون بها أنفسكم من النار أو العذاب، ولا أيضا من الذين كفروا بالله ظاهرا وباطنا، منزلكم الذي تأوون إليه النار، هي أولى بكم من كل منزل، وبئس المصير الذي تصيرون إليه، وهو النار.
وقوله: هِيَ مَوْلاكُمْ قال المفسّرون: معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنما هي- كما قال ابن عطية- استعارة، لأنها من حيث تضمّهم وتباشرهم هي تواليهم، وتكون لهم مكان المولى، أي الناصر والعون. وعلى هذا، فتكون كلمة مَوْلاكُمْ ظرف مكان بمعنى أنه مكانكم الذي يقال فيه: إنه أولى بكم.
إن هذا الحوار أو النقاش السابق وصفه في الدنيا قبل الآخرة إعجاز قرآني، وإنذار موجه لخير الإنسان، لأنه يبين نوع الجزاء المؤلم، وسببه الذي أدى إليه، فلا يبقى هناك مجال للوم أو الاعتذار، فمن أنذر فقد أعذر، وأدى ما عليه ليتجنب الأسباب المؤدية إلى الهلاك والخسران، في يوم لا تغيير فيه ولا تبديل في القضاء والحكم الحاسم.
стр. 2591
إن النفاق مرض عضال يضرّ بالأمة والمجتمع، كما يضرّ بأهله الذين كانوا أغبياء أو حمقى أو ضعيفي نظر ووعي. ولقد عانى المسلمون في الصدر الأول من هذا المرض وأهله الذين كانوا شوكة للطعن من الخلف، لولا تأييد الله ونصره وإحباط مكائدهم.
الحضّ على خشية الله والصدقات
لا تكفي المقارنة الوصفية أحيانا بين الأشياء والأحوال المتضادّة، مثل وصف جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، لذا كان المولى يتعهد أهل الإيمان بمزيد من التوجيه والنصح والإرشاد والتربية الفاضلة، ليكونوا دائما عنوانا مشرّفا على رسالة الإسلام العظيمة، رسالة الخير والإنقاذ والنجاة للبشرية جمعاء. ومن هذا التوجيه القرآني للمؤمنين: حثّ المؤمنين على ملازمة الخشوع وخشية القلب لمواعظ الله تعالى، وتحذيرهم من التشبه ببعض قساة القلوب الذين قطعوا صلتهم بأنبيائهم، وأهملوا أوامر دينهم ونواهيه، كما يتبين في هذه الآيات:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحديد: ٥٧/ ١٦- ١٩] .
стр. 2592
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه، عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن أصحاب النّبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.. الآية.
في هذه الآية معنى الحضّ والتقريع، قال ابن عباس ﵄: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. والخشوع: اللين والذّلّ لله تعالى، وهو هيئة تظهر في الجوارح (الأعضاء) متى كانت في القلب، فلذلك خصّ الله تعالى القلب بالذكر. والمعنى: ألم يحن الوقت لكي تلين قلوب المؤمنين وترق عند سماع تذكير الله ووحيه؟ أو لأجل ذكر الله وقرآنه، أو لأجل تذكير الله تعالى إياهم وأمره فيهم، فيفهمون المطلوب ويطيعون الآمر والنّاهي وهو الله تعالى.
ولا يتشبهوا بحملة الكتاب الإلهي من قبلهم قبل نزول القرآن، حين طال عليهم الزمان والفجوة بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم بذلك السبب، حتى صاروا لا يتأثرون بالموعظة، ولا بالوعد والوعيد، وبدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واتّبعوا أهواءهم، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وأوامره ونواهيه، فصارت أعمالهم باطلة، وقلوبهم فاسدة.
ثم ضرب الله المثل في تأثير مواعظ القرآن، وهو كما أن الله يحيي الأرض بالنبات والغيث بعد جدبها، قادر على أن يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد الضلال، ببراهين القرآن وأدلته، فقد أوضحنا لكم الآيات والحجج، كي تتدبّروها، وتعقلوا ما فيها من المواعظ، وتعملوا بها.
والثواب كبير على الصدقة في سبيل الله، فإن المتصدقين والمتصدقات بأموالهم على ذوي الحاجة والفقر، ودفعوا المال بنيّة خالصة، ابتغاء رضوان الله، يضاعف لهم الثواب، فتكون الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ولهم
стр. 2593
فوق ذلك ثواب سخي كثير النفع، حسن العطاء والأثر. فقوله: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ أي إن الذين تصدّقوا.
والذين أقرّوا بوحدانية الله وصدقوا رسله، هم في منزلة الصّديقين، قال مجاهد:
كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق. والصواب أنهم الذين سبقوا إلى الإيمان ورسخوا فيه. والذين استشهدوا في سبيل الله، لإعلاء كلمته ودينه، ولرفع راية الحق والتوحيد وأهله، لهم الثواب العظيم عند ربّهم، والنور الموعود به الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. فقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ خبر عن الشهداء فقط في قول، وخبر عن المؤمنين المذكورين في أول الآية في أكثر الأقوال. وهذا إشارة لصنفين من المؤمنين: وهم الشهداء والصّدّيقون، والصّنفان الآخران: الأنبياء والصّالحون، وهؤلاء الأربعة هم المذكورون في آية أخرى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النّساء: ٤/ ٦٩] .
والصّدّيقون: مبالغة من الصّدق أو من التّصديق، وهم الذين سبقوا إلى الإيمان ورسخوا فيه.
والذين أنكروا وجود الله، وجحدوا وحدانيته، وكذبوا آياته وبراهينه الدالة على ألوهيته الحقّة، وصدق رسله، أولئك لا غيرهم أصحاب النار خالدين فيها أبدا.
وهذا حال الأشقياء، بعد التعرف على حال السعداء.
حال الدنيا وحقيقة الآخرة
زهّد القرآن الكريم بالدنيا حتى لا تطغى على العمل للآخرة، ولأنها فانية زائلة، وأوضح حقيقة الآخرة، حتى يقبل العالم على الإيمان بها والإعداد لها، ولأنها خلود دائمة، والخالد أبقى وأجدى، فيفضل على المؤقت الزائل، ويحرص العقلاء أهل
стр. 2594
الإيمان والتقوى على التنافس في عمل الآخرة، لأنها درجات يتفاضل فيها السعداء، وكلما كان المؤمن في درجة أعلى، والفردوس أعلى الجنان، كان أو في نعمة، وأكثر غبطة، وهذا ما نجده في الآيات الآتية:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحديد: ٥٧/ ٢٠- ٢١] .
هذه آية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها، والتعريف بحقيقة الآخرة ورفعة مكانتها للمؤمنين العاملين، وشدة عذابها للأشقياء الضّالين.
اعلموا أيها الناس جميعا أن الحياة الدنيا مجرد لعب ليس فيها جدّ يدوم، ولهو يتلهى به ثم يزول، وزينة يتزين بها مؤقتا ثم يذهب، ومفخرة يتفاخر بها، وتكاثر في الأموال والأولاد ثم ينتهي من غير أثر. والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفات والأفكار المختصة بالدنيا، المجردة عن أي عمل صالح للآخرة.
واللعب واللهو شيء واحد، أو إن اللعب: ما لا فائدة فيه، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه. والزينة: التحسين الخارج عن ذات الشيء. والتفاخر: التباهي بالأنساب والأموال وغيرها. والتكاثر: هو الرغبة في الدنيا ومظاهرها وألوانها وعددها، ليعتز بها الكاثر على من دونه.
والدنيا بهذه الأوصاف سبب البعد عن الدين، فهي التي يؤثرها ضعفاء النفوس
стр. 2595
والعقول على الآخرة، وحبها رأس كل خطيئة، وهي مركب الشيطان، وسبب قسوة القلب، وضعف الذّمة وقلّة التقوى، وكل ما فيها عرض زائل يخدع السّذج والبسطاء، وما هي إلا كمثل مطر، أعجب الزّراع النبات الحاصل به، ثم يجفّ وييبس بعد خضرته، ثم يصير فتاتا هشيما متكسّرا بعد يبسه، تعصف به الرياح.
والكفار هنا: الزّراع، لأنهم يكفرون، أي يسترون البذر في الأرض.
ونظير الآية كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.. [يونس: ١٠/ ٢٤] .
ثم حذّر القرآن من أمر الدنيا، ومن مخاطر ومهالك العذاب في الآخرة، ورغّب في الاستعداد للظفر بالجنة والمغفرة والرضوان، فليس في الآخرة إلا أمران: إما عذاب شديد لأعداء الله والرّسل، وإما مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته. وما الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يتمتع به، وخديعة لمن يغتر بها، ولم يعمل لآخرته. وقوله:
مَتاعُ الْغُرُورِ معناه الشيء الذي لا يعظّم الاستمتاع به إلا مغتر.
والآخرة: مجال التّسابق في الخيرات والمبرات، لذا قال الله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ.. أي بادروا إلى ما يوجب المغفرة لكم من ربكم من الأعمال الصالحة والإيمان المنجي، وإلى ما يوصل إلى جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض معا، وقد عبّر عن المساحة بالعرض، ولم يقصد أن طولها أكثر ولا أقل. وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات. وقوله: سابِقُوا معناه: كونوا في أول صف المسابقة في الجهاد وغيره من الطاعات والفرائض.
هذه الجنة أعدت وخلقت للذين صدقوا بالله ورسله، وعمل بما فرض الله عليه، واجتنب نهيه. وهذا دليل على أن الجنة مثل النار مخلوقة الآن معدّة لأهلها.