← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

إن النفاق مرض عضال يضرّ بالأمة والمجتمع، كما يضرّ بأهله الذين كانوا أغبياء أو حمقى أو ضعيفي نظر ووعي. ولقد عانى المسلمون في الصدر الأول من هذا المرض وأهله الذين كانوا شوكة للطعن من الخلف، لولا تأييد الله ونصره وإحباط مكائدهم. الحضّ على خشية الله والصدقات لا تكفي المقارنة الوصفية أحيانا بين الأشياء والأحوال المتضادّة، مثل وصف جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، لذا كان المولى يتعهد أهل الإيمان بمزيد من التوجيه والنصح والإرشاد والتربية الفاضلة، ليكونوا دائما عنوانا مشرّفا على رسالة الإسلام العظيمة، رسالة الخير والإنقاذ والنجاة للبشرية جمعاء. ومن هذا التوجيه القرآني للمؤمنين: حثّ المؤمنين على ملازمة الخشوع وخشية القلب لمواعظ الله تعالى، وتحذيرهم من التشبه ببعض قساة القلوب الذين قطعوا صلتهم بأنبيائهم، وأهملوا أوامر دينهم ونواهيه، كما يتبين في هذه الآيات: [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحديد: ٥٧/ ١٦- ١٩] .

стр. 2592

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه، عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن أصحاب النّبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.. الآية. في هذه الآية معنى الحضّ والتقريع، قال ابن عباس ﵄: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. والخشوع: اللين والذّلّ لله تعالى، وهو هيئة تظهر في الجوارح (الأعضاء) متى كانت في القلب، فلذلك خصّ الله تعالى القلب بالذكر. والمعنى: ألم يحن الوقت لكي تلين قلوب المؤمنين وترق عند سماع تذكير الله ووحيه؟ أو لأجل ذكر الله وقرآنه، أو لأجل تذكير الله تعالى إياهم وأمره فيهم، فيفهمون المطلوب ويطيعون الآمر والنّاهي وهو الله تعالى. ولا يتشبهوا بحملة الكتاب الإلهي من قبلهم قبل نزول القرآن، حين طال عليهم الزمان والفجوة بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم بذلك السبب، حتى صاروا لا يتأثرون بالموعظة، ولا بالوعد والوعيد، وبدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واتّبعوا أهواءهم، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وأوامره ونواهيه، فصارت أعمالهم باطلة، وقلوبهم فاسدة. ثم ضرب الله المثل في تأثير مواعظ القرآن، وهو كما أن الله يحيي الأرض بالنبات والغيث بعد جدبها، قادر على أن يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد الضلال، ببراهين القرآن وأدلته، فقد أوضحنا لكم الآيات والحجج، كي تتدبّروها، وتعقلوا ما فيها من المواعظ، وتعملوا بها. والثواب كبير على الصدقة في سبيل الله، فإن المتصدقين والمتصدقات بأموالهم على ذوي الحاجة والفقر، ودفعوا المال بنيّة خالصة، ابتغاء رضوان الله، يضاعف لهم الثواب، فتكون الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ولهم

стр. 2593

فوق ذلك ثواب سخي كثير النفع، حسن العطاء والأثر. فقوله: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ أي إن الذين تصدّقوا. والذين أقرّوا بوحدانية الله وصدقوا رسله، هم في منزلة الصّديقين، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق. والصواب أنهم الذين سبقوا إلى الإيمان ورسخوا فيه. والذين استشهدوا في سبيل الله، لإعلاء كلمته ودينه، ولرفع راية الحق والتوحيد وأهله، لهم الثواب العظيم عند ربّهم، والنور الموعود به الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. فقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ خبر عن الشهداء فقط في قول، وخبر عن المؤمنين المذكورين في أول الآية في أكثر الأقوال. وهذا إشارة لصنفين من المؤمنين: وهم الشهداء والصّدّيقون، والصّنفان الآخران: الأنبياء والصّالحون، وهؤلاء الأربعة هم المذكورون في آية أخرى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النّساء: ٤/ ٦٩] . والصّدّيقون: مبالغة من الصّدق أو من التّصديق، وهم الذين سبقوا إلى الإيمان ورسخوا فيه. والذين أنكروا وجود الله، وجحدوا وحدانيته، وكذبوا آياته وبراهينه الدالة على ألوهيته الحقّة، وصدق رسله، أولئك لا غيرهم أصحاب النار خالدين فيها أبدا. وهذا حال الأشقياء، بعد التعرف على حال السعداء. حال الدنيا وحقيقة الآخرة زهّد القرآن الكريم بالدنيا حتى لا تطغى على العمل للآخرة، ولأنها فانية زائلة، وأوضح حقيقة الآخرة، حتى يقبل العالم على الإيمان بها والإعداد لها، ولأنها خلود دائمة، والخالد أبقى وأجدى، فيفضل على المؤقت الزائل، ويحرص العقلاء أهل

стр. 2594

الإيمان والتقوى على التنافس في عمل الآخرة، لأنها درجات يتفاضل فيها السعداء، وكلما كان المؤمن في درجة أعلى، والفردوس أعلى الجنان، كان أو في نعمة، وأكثر غبطة، وهذا ما نجده في الآيات الآتية: [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١] اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحديد: ٥٧/ ٢٠- ٢١] . هذه آية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها، والتعريف بحقيقة الآخرة ورفعة مكانتها للمؤمنين العاملين، وشدة عذابها للأشقياء الضّالين. اعلموا أيها الناس جميعا أن الحياة الدنيا مجرد لعب ليس فيها جدّ يدوم، ولهو يتلهى به ثم يزول، وزينة يتزين بها مؤقتا ثم يذهب، ومفخرة يتفاخر بها، وتكاثر في الأموال والأولاد ثم ينتهي من غير أثر. والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفات والأفكار المختصة بالدنيا، المجردة عن أي عمل صالح للآخرة. واللعب واللهو شيء واحد، أو إن اللعب: ما لا فائدة فيه، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه. والزينة: التحسين الخارج عن ذات الشيء. والتفاخر: التباهي بالأنساب والأموال وغيرها. والتكاثر: هو الرغبة في الدنيا ومظاهرها وألوانها وعددها، ليعتز بها الكاثر على من دونه. والدنيا بهذه الأوصاف سبب البعد عن الدين، فهي التي يؤثرها ضعفاء النفوس

стр. 2595

والعقول على الآخرة، وحبها رأس كل خطيئة، وهي مركب الشيطان، وسبب قسوة القلب، وضعف الذّمة وقلّة التقوى، وكل ما فيها عرض زائل يخدع السّذج والبسطاء، وما هي إلا كمثل مطر، أعجب الزّراع النبات الحاصل به، ثم يجفّ وييبس بعد خضرته، ثم يصير فتاتا هشيما متكسّرا بعد يبسه، تعصف به الرياح. والكفار هنا: الزّراع، لأنهم يكفرون، أي يسترون البذر في الأرض. ونظير الآية كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.. [يونس: ١٠/ ٢٤] . ثم حذّر القرآن من أمر الدنيا، ومن مخاطر ومهالك العذاب في الآخرة، ورغّب في الاستعداد للظفر بالجنة والمغفرة والرضوان، فليس في الآخرة إلا أمران: إما عذاب شديد لأعداء الله والرّسل، وإما مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته. وما الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يتمتع به، وخديعة لمن يغتر بها، ولم يعمل لآخرته. وقوله: مَتاعُ الْغُرُورِ معناه الشيء الذي لا يعظّم الاستمتاع به إلا مغتر. والآخرة: مجال التّسابق في الخيرات والمبرات، لذا قال الله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ.. أي بادروا إلى ما يوجب المغفرة لكم من ربكم من الأعمال الصالحة والإيمان المنجي، وإلى ما يوصل إلى جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض معا، وقد عبّر عن المساحة بالعرض، ولم يقصد أن طولها أكثر ولا أقل. وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات. وقوله: سابِقُوا معناه: كونوا في أول صف المسابقة في الجهاد وغيره من الطاعات والفرائض. هذه الجنة أعدت وخلقت للذين صدقوا بالله ورسله، وعمل بما فرض الله عليه، واجتنب نهيه. وهذا دليل على أن الجنة مثل النار مخلوقة الآن معدّة لأهلها.

стр. 2596

ومن حظي بالجنة والمغفرة فذلك من فضل الله ورحمته، يؤتيه من يريد من عباده، والله صاحب الفضل العميم الواسع، ورحمته سبقت غضبه. ألا إن الجنة غالية الثمن، وثمنها سهل بسيط وهو الإيمان والعمل الصالح والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فتلك غراسها الطيبة. المصيبة والقدر ونظام الحياة الإسلام دين إيجابي وتنظيمي في آن واحد، وإيجابيته ظاهرة في العقيدة، خلافا لتصوّر الجهلة والعوام السّذّج، فإن من آمن بالقدر لا يعني اتّكاله على المقدّر، لأنه يجهل ذلك، وإنما يكون إيمانه بالقدر مبعث الإقدام والجرأة والشجاعة، فلا يهاب الموت إذا قاتل العدو، لأن الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وأن الإقدام لا يقتل، وإذا أنفق في سبيل الله، فلا يخشى الفقر، لأنه يوقن بأن الرازق هو الله، وأن الجود أو السخاء لا يفقر. والحياة منظمة بقانون إلهي شامل مبني على العلم والوعي والتخطيط، وإعداد القوة، والعدل في الحكم، ومجاهدة النفس من أجل صلاح النفس والمجتمع، وجهاد العدو الخارجي الذي لا يفهم بغير القوة. وهذه آيات تدلّ على الإيجابية واحترام نظام الحياة: [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٥] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥»

стр. 2597

«١» «٢» [الحديد: ٥٧/ ٢٢- ٢٥] . لا توجد مصيبة من خير أو شر في الدنيا، سواء في الأرض كالقحط والجدب، أو الغلاء وغير ذلك، أم في الأنفس كالأمراض والموت والفقر، وذهاب الأولاد وغير ذلك، إلا وهي مسطرة أو مدونة في اللوح المحفوظ، من قبل إيجاد الخليقة، إن ٧ ثباتها في اللوح المحفوظ مع كثرتها والعلم بها قبل وجودها سهل يسير على الله، غير عسير، لأن الله هو الخالق، وهو أعلم بما خلق، يعلم ما كان وما سيكون وما لا يكون إلى يوم القيامة. وخصّ الكلام بالمصيبة لأنها أهم على البشر، وهي بعض الحوادث، فدلّ على أن جميع الحوادث خيرها وشرها معلوم عند الله، مدوّن في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، أي إن الكتاب السابق أزلي قبل هذه الأشياء كلها، وإن تحصيل هذه الأشياء كلها في كتاب. أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم في الدنيا، ولا تفرحوا فرح بطر وأشر بما هو آت، فلا تأسوا على ما فاتكم، لأنه لو قدّر شيء لكان، ولا تفرحوا بما جاءكم أو أعطاكم، فذلك كله من قدر الله ورزقه لكم، إن الله يعاقب كل مختال في نفسه، أي متكبّر، فخور على غيره، مباه بماله أو جاهه. والمختال غالبا يكون بخيلا، لذا ذكر الله خصال البخلاء، فهؤلاء البخلاء الفخورون: هم الذين يبخلون عادة بأموالهم وإيمانهم وغير ذلك، فلا يؤدون حقّ الله فيها، ولا يواسون فقيرا، بل إنهم يطلبون من غيرهم إمساك المال، ويرغّبون الناس بالبخل بما يملكون، حتى يجعلوا لهم أشباها وأمثالا، ومن يعرض عن

стр. 2598

الإنفاق وعن أمر الله وطاعته، فإن الله غني عنه، محمود الذات في السماء والأرض عند خلقه، لا يضرّه ذلك، ولا يضرّ البخيل إلا نفسه. إعراب: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ على مذهب الأخفش: صفة لكلمة كل في قوله: كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، أو مبتدأ وخبره محذوف معناه الوعيد والذّم، وحذفه للإبهام. ثم أوضح الله تعالى الغرض من بعثة الرّسل وهو تنظيم شؤون الحياة، فقال: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ.. أي تالله لقد أرسلنا رسلنا الملائكة إلى الأنبياء بالوحي، وبعثنا الأنبياء بالمعجزات البيّنة والحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب، أي جنس الكتاب الشامل لكل كتاب سماوي كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وأنزلنا معهم الميزان، أي العدل في الأحكام، أي أمرناهم به، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل، وتقوم حياتهم عليه، فيتعاملوا بينهم بالإنصاف في جميع أمورهم الدينية والدنيوية. وخلقنا الحديد وبقية المعادن، وجعلناه رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ففيه قوة رادعة، وفيه منافع للناس ينتفعون به في كثير. من حاجاتهم ومعايشهم، كأدوات الطعام، ومرافق المنازل وحياة الإقتصاد، وصناعة السلم والحرب وغير ذلك. وهناك مضمر بعد قوله: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ تقديره: لينتفع الناس، وذلك مقدمة لما أظهره بعدئذ وهو وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ليدلّ على أن هذا هو المقصود. إنما شرع الله ذلك ليعلم علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه ورسله بإخلاص، باستعمال الحديد في أسلحة الجهاد ومقاومة الأعداء، إن الله قوي قادر، عزيز قاهر غالب، يستطيع دفع عدوان الظالمين، وينصر رسله والمؤمنين من غير حاجة إليهم.

стр. 2599

إن إيجاد دولة قوية معززة بقيمها وأنظمتها وأنشطتها وقوة أبنائها، واعتمادها على ذاتها جهادا وتضحية، وتصنيعا وزراعة واتّجارا، هو ما أراده الله من إنزال الشرائع، وإرسال الرسل، وفيه الخير والعزة والمنعة والحفاظ على الكرامة والحقوق. وحدة أصول الشرائع أرسل الله تعالى الرسل بالبيّنات والمعجزات لمهام عظمي، لإقامة نظام المجتمع القوي المتين الفاضل، بالكتاب الإلهي، والعدل، وصلابة الموقف وازدهار الصناعة، ثم أتبع ذلك ببيان وحدة الرسالات الإلهية والنّبوات والشرائع في أصولها من عهد نوح وإبراهيم، ثم موسى وعيسى ﵈، إلى عهد خاتم النّبيين صلوات الله وسلامه عليه، وهذا واضح في الآيات الآتية: [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) «١» «٢» «٣» [الحديد: ٥٧/ ٢٦- ٢٩] . المعنى: تالله لقد بعثنا نوحا أبا البشر الثاني إلى قومه، وإبراهيم أبا الأنبياء إلى قوم

стр. 2600

آخرين، وجعلنا الرسالة والنّبوة في ذرّيتهما، وجعلنا الكتب المنزلة فيهما. والكتاب: يعني الكتب الأربعة، فإنها جميعا في ذرّية إبراهيم ﵇. وذكر نوح وإبراهيم تشريف لهما، وبيان نعم الله عليهما، ثم على ذرّيّتهما. ومع ذلك من ذرّيتهما من فسق وعاند، وهم الكثيرون، ومنهم المهتدون الطائعون. وهذا يدلّ على أن الانحراف عن جادة الحق، كان بعد التمكّن من معرفته. ثم أتبعنا بعدهم في الزمان رسلنا، واحدا بعد الآخر، ثم خصّ الله تعالى عيسى ابن مريم بالاتباع تشريفا له، ولشهرته في عصر التنزيل القرآني، وأن الله آتاه الإنجيل، وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، متضمنا أصول شرعه، ومكملا للتوراة، وموضحا حقيقة الشريعة. ومن صفات عيسى ﵇: أن الله جعل في قلوب أتباعه الخلّص: وهم الحواريون وأنصارهم رقّة في الطبع، ورحمة بالخلق، خلافا لليهود القساة، لكنهم ابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم: وهي الانقطاع للعبادة ورياضة الروح واعتزال الناس، ولم يشرعها الله لهم ولم يأمرهم بها، ولكنهم قصدوا من ذلك ابتغاء رضوان الله، وكان مآلهم أمرين: أولهما- أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر الله به، والثاني- أنهم لم يقوموا بحقّ ما التزموه، ولم يراعوا كونه قربة لله ، ولم يرعوه حق الرعاية، بل غيّروا وبدّلوا، فأعطينا المؤمنين منهم إيمانا صحيحا ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان، وكثير من هؤلاء المترهبين فاسقون خارجون عن حدود الله وطاعته، يأكلون الأموال بالباطل، وينحرفون في سلوكهم. وناسب ما ذكر: الاتّعاظ والإعتبار وبيان ثواب المؤمنين بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ.. أي يا أيها الذين صدّقوا بوجود الله ووحدانيته، وصدّقوا رسوله من مؤمني أهل الكتاب: اليهود والنصارى، خافوا الله تعالى، بترك ما نهاكم عنه، وأداء ما أمركم به، وآمنوا

стр. 2601

برسوله محمد ﷺ ، يعطكم الله نصيبين أو ضعفين من رحمته، بسبب اكتمال إيمانكم، ويزيدكم على ذلك أنه يجعل لكم نورا تمشون به على الصراط، تهتدون به في الآخرة، ويغفر لكم ذنوبكم، والله واسع المغفرة والرحمة. أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما نزلت: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القصص: ٢٨/ ٥٤] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النّبي ﷺ فقالوا: لنا أجران، ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ.. الآية، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وزادهم النور. ثم ردّ الله تعالى على اليهود الذين زعموا اختصاص النّبوة فيهم، فقال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ.. أي اتّقوا الله وآمنوا، يؤتكم الأمور الثلاثة المتقدمة (وهي مضاعفة الأجر، وإيتاء النور، وغفران الذنوب) ليعلم ويتحقق الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على ردّ ما أعطى الله لرسوله، ولا إعطاء ما منع عنه، وهم عاجزون من أن ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضّل به على المستحقين له، كالنّبوة والرسالة وغيرهما، وأن الفضل محصور بيد الله، ومنه النّبوة والعلم والتقوى، يعطيه من يشاء، والله واسع الفضل، كثير العطاء والخير لمن يشاء من عباده. والمراد: أن إيمان أهل الكتاب بكتابهم ورسولهم لا يكفي، ما لم يؤمنوا بالنّبي محمد ﷺ . أخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أنه لما نزلت: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الآية.

стр. 2602

تفسير سورة المجادلة الظّهار حكمه وكفّارته كانت في الجاهلية العربية تشيع عادات وأحكام غريبة، سواء في نظام المجتمع القبلي كعادة الأخذ بالثأر وحبّ الانتقام والتهور في الشجاعة، أو في علاقات الأسرة العربية كأنظمة الزواج الجاهلي المشترك، وحرمان المرأة من الميراث، وتحريم المرأة بالظّهار تحريما أبديّا، فلما جاء الإسلام ألغى بعض الأنظمة، وعدّل بعضها، وأبقى بعضها مثل تحمّل العاقلة (العصبة) دية القتل الخطأ، ومن الأحكام التي عدّلها جعل الظّهار يفيد التحريم المؤقت وينتهي بالكفارة، لأنه إثم من القول وزور، كما جاء في مطلع سورة المجادلة المدنية النزول بالاتّفاق، في الآيات الآتية: [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) «١» «٢» «٣» [المجادلة: ٥٨/ ١- ٤] .

стр. 2603

أخرج الحاكم وصححه عن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها.. وهو أوس بن الصامت. لقد قبل الله شكوى المرأة التي تراجعك الكلام أيها النّبي في شأن زوجها الذي ظاهر منها، قائلا لها: «أنت علي كظهر أمّي» أي في الحرمة، وتشتكي إلى الله ما أغمها وأحزنها، والله يسمع ما تتراجعان به من الكلام، إن الله يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر على الوجه الأتم الأكمل، ومن ذلك محاورة هذه المرأة معك نبي الله. والمحاورة: مراجعة القول ومعاطاته. والشكوى: الإخبار عن مكروه أصابك. ثم وبّخ الله المقدمين على الظّهار، فالذين يشبّهون أزواجهم بأمّهاتهم، بقولهم لهنّ على لسان الواحد منهم: أنت علي كظهر أمي ونحوه، أي في التحريم، ليست نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم، لأن الأمهات في الحقيقة هنّ اللواتي ولدنهم فقط. وإنهم ليقولون قولا ينكره الشّرع، ويقبحه، وهو كذب محض وبهتان، وإن الله تعالى واسع المغفرة والعفو لمن تاب وأناب، إذ جعل الكفارة عليهم مخلّصة لهم عن هذا المنكر. فوصف الزوجة وتشبيهها بالأم خبر مزوّر مكذوب، لا يغيّر الحقيقة، وهذا يدلّ على أن الظّهار حرام موجب للإثم والمعصية. وقد كان الظّهار طلاقا في الجاهلية، يوجب التحريم المؤبّد. وكفّارة الظّهار لمن يريد نقضه والعودة لحالته الطبيعية مع زوجته، من إرادة الاستمتاع: هو عتق رقبة كاملة لا بعضها، وهي هنا مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وبه

стр. 2604

أخذ الحنفية والظاهرية. وقيّد بقية العلماء الرقبة بوصف الإيمان، كما هو المقرّر في كفّارة القتل الخطأ حيث قال الله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النّساء: ٤/ ٩٢] ، من طريق الإلحاق أو القياس، والمسمى في أصول الفقه: حمل المطلق على المقيد، بسبب الاتّحاد في السبب بين القتل والظّهار، فيتّحدان في الحكم. وذلك من قبل التماس، أي العودة إلى الجماع، والله تام العلم والخبرة بما تعملون. وذلكم، أي الإلزام بالكفارة عظة لكم لتنتهوا عن الظّهار. وهذا تحذير من التقصير في الكفارة. والمسيس في رأي الحسن البصري والثوري وجماعة: هو الوطء، ويجوز غيره من أنواع الاستمتاع. واتّجه الجمهور إلى تعميم الحكم على منع الوطء والمباشرة بأنواعها من تقبيل ومضاجعة واستمتاع بأعلى المرأة كالحيض، فلا يجوز للمظاهر أن يطأ ولا يقبّل ولا يلمس بيده ولا يفعل شيئا من هذا النوع إلا بعد الكفارة. فمن لم يجد الرقبة في ملكه أو ملك غيره، بأن لم توجد كما في عصرنا، أو لم يجد ثمنها، فيجب عليه صيام شهرين متتابعين متواليين من غير تفريق لا يفطر فيهما، إما بصيام ستين يوما تباعا، أو بأن يصومهما بالأهلّة، يبدأ مع الهلال ويفطر مع الهلال، فإن أفطر يوما أو أكثر بغير عذر، أو جامع المرأة، استأنف من جديد صيام الشهرين في رأي الجمهور، وقال الشافعي وأبو يوسف: لا يستأنف إذا وطأ ليلا، لأنه ليس محلّا للصوم. ولا ينقطع التتابع عند المالكية إذا أفسد الصوم لعذر غالب كالمرض والنسيان ونحوه، وينقطع عند الحنفية والشافعي في المذهب الجديد. فمن لم يستطع الصوم لشيخوخة أو مرض مزمن أو لمشقة شديدة، فعليه إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مدّان من القمح (أو نصف صاع من القمح) عند الحنفية،

стр. 2605

وصاع «١» من تمر أو شعير كالفطرة، ومدّ وثلثان من القمح إن اقتاتوه عند المالكية، ومدّ من قمح أو نصف صاع من تمر أو شعير عند الشافعية والحنابلة. والطعام: هو غالب قوت البلد. ومن العلماء من يرى إطعام مدّ بمدّ النّبي ﷺ . ذلك الترخيص والتسهيل من النقل من تحرير رقبة إلى الصوم والإطعام، وتشريع الكفارة بسبب الظّهار، لتصدقوا بشرع الله وأمره، وتلك حدود الله، فالتزموها وقفوا عندها، وللكافرين المتجاوزين حدود الشرع عذاب مؤلم شديد على كفرهم، وهو نار جهنم، وعذاب في الدنيا، وهذا وعيد وتهديد. وعيد المعادين لله ورسوله امتدح الله تعالى بعد آيات الظّهار المؤمنين الواقفين عند حدود الله، ثم أتبعه بوعيد المعادين لأمر الله ورسوله بالإهانة في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، إذ لا تخفى على الله خافية منهم، أو حال من أحوالهم في السّر والعلن، وسوف ينبئهم الله بأفعالهم يوم القيامة والحساب، ويجازيهم على ما قدّموا من أعمال. فنزلت هذه الآيات في شأنهم، وهم المنافقون وقوم من اليهود كانوا في المدينة يحتكّون بالنّبي ﷺ ، وينتظرون به وبالمؤمنين الشّر، ويدبّرون المؤامرات، ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك، نزلت هذه الآيات بهم إلى آخر النجوى: [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»

стр. 2606

«١» [المجادلة: ٥٨/ ٥- ٧] . إن الذين يعادون، ويخالفون أوامر الله والرسول، ويعاندون الأحكام والشرع، أذلّوا وأهينوا، كما أذلّ المنافقون السابقون من قبلهم من كفار الأمم الغابرة، بسبب معاداة شرع الله تعالى، وفي ذلك تبشير بنصر المؤمنين على من عاداهم، ووعيد لكل من يهجر شريعة الله، وقد أنزلنا في هذا القرآن للناس آيات واضحات، دالّة على صدق الرسول ﷺ ، لا يخالفها إلا كل كافر معاند، وللجاحدين بتلك الآيات، المستكبرين عن اتّباع شرع الله والانقياد له: عذاب يهين صاحبه ويذلّه، بسبب كفره واستكباره، وذلك العذاب هزيمة وهوان في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة. والمحادّة: أن يكون كل واحد من المتعاديين في حد أو جهة، والآخر في حدّ أو جهة مغايرة أو مخالفة. وكبت الرجل: إذا بقي حزنان يبصر ما يكره، ولا يقدر على دفعه. اذكر أيها الرسول ذلك اليوم الذي يأتي فيه العذاب، وهو يوم القيامة، تعظيما له، وأخبر بأن لهم عذابا مهينا يوم يحشرهم الله جميعا من الأولين والآخرين في يوم الحساب، مجتمعين في حال واحدة، فيخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، لإقامة الحجة عليهم، فقد حفظ الله وضبط كل ما صنعوا من خير أو شرّ، والله سبحانه مطّلع على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء. وهذا وعيد وإنذار. ألم تعلم أيها النّبي وكل مخاطب أن علم الله واسع شامل، محيط بكل شيء في

стр. 2607

الأرض والسماء، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما، فما يوجد من تناجي أو تسارر ثلاثة أشخاص إلا كان الله رابعهم، مطّلع عليهم، يسمع كلامهم وسرّهم ونجواهم، ولا خمسة أفراد إلا كان الله سادسهم بالعلم والقدرة والإحاطة، ولا أكثر من هذا العدد مهما بلغ ولو ملايين إلا كان الله معهم، عليم بهم وبأقوالهم وأسرارهم، في أي مكان وأي زمان، ثم يخبرهم الله بكل ما عملوا يوم القيامة، إن الله واسع العلم بكل شيء، وسع علمه وسمعه وبصره السماوات والأرض وما بينهما. وكلمة نَجْوى إما أن يكون المراد به جمعا من الناس، أي أولو نجوى، ويكون قوله تعالى بعدها: ثَلاثَةٍ على هذا بدلا من نَجْوى أو صفة، أو يكون (النجوى) مصدرا محضا وهو التناجي، فيقدر قبل (أدنى) فعل، تقديره: ولا يكون أدنى. والسبب في ذكر الثلاثة والخمسة وإهمال ذكر الإثنين والأربعة: هو إما تصوير الحالة الواقعية التي نزلت الآية بسببها، فإنها نزلت في قوم منافقين، اجتمعوا على التّناجي مغايظة للمؤمنين، وكانوا على هذين العددين. وإما أن طبيعة المشاورة تتطلب وجود عدد وتر، فيكون الاثنان أو الأربعة وغيرهما من الأرقام الزوجية يمثلان التنازع، والثالث والخامس كالمتوسط الحكم بينهم، فذكر سبحانه الثلاثة والخمسة تنبيها على الأفراد والمجموعات الباقية. وقد أجمع المفسّرون على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك. وقد جمعت هذه الآية بين جميع وسائل العلم، فإنه مع علم الله تعالى وسمعه وبصره بكل شيء هو مطّلع على جميع أمور خلقه، ومحيط علمه بكل كائن صغير أو كبير، كما جاء في ختام الآية: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ

стр. 2608

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وفي هذا إعلام لمن يتناجون بالسوء والمكر، على سبيل التوبيخ لهم والتبكيت وإلزام الحجة. قال الإمام أحمد: افتتح الله الآية بالعلم، واختتمها بالعلم. ومن المعلوم أن العالم بالأسرار والقدير على اتخاذ القرار يفعل ما يشاء بالناس، مما يقتضي الحذر والالتزام بمرضاة العالم. آداب المناجاة تابع الله تعالى في كلامه عن النّجوى أو المسارّة بين الأفراد بيان حال الذين نهوا عن النّجوى وهم اليهود والمنافقون، ثم عودتهم إلى المنهي عنه، وتحيتهم بالسوء للنبي ﷺ قائلين له: السّام عليك، أي الموت، مما أوجب تهديدهم بدخول جهنم. وناسب ذلك التعريف بآداب المناجاة الاجتماعية، من الامتناع عن التناجي بالإثم والعدوان، والإلزام بالتناجي بالبر والتقوى، أي بالخير، وفعل كل ما يقي الإنسان عذاب النار، من فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات، فقال الله تعالى: [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٨ الى ١٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المجادلة: ٥٨/ ٨- ١٠] .

стр. 2609

الآية الأولى نزلت في قوم من اليهود، نهاهم رسول الله ﷺ عن التّناجي بحضرة المؤمنين، وإظهار ما فيه ريبة من ذلك، فلم ينتهوا، فنزلت هذه الآية. أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيّان قال: كان بين النّبي ﷺ وبين اليهود موادعة، فكانوا إذا مرّ بهم رجل من الصحابة، جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظنّ المؤمن أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكرهه، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى، فلم ينتهوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى الآية. وقال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين. والمعنى: ألم تعلم وتنظر إلى الذين نهيتهم عن التّناجي والمسارّة بالسوء، ثم عودتهم إلى ما نهيتهم عنه، وهم اليهود والمنافقون، كما ذكر في سبب النزول. ويتسارّون فيما بينهم بما هو معصية وذنب كالكذب، واعتداء وظلم للآخرين، وعدوان على المؤمنين، وتواص بمخالفة النبي ﷺ . وإذا أتى إليك بعض اليهود حيّوك بتحية سوء، لم يحيّك بها الله مطلقا، فيقولون: السّام عليكم يا محمد، والسّام: الموت، يريدون بذلك السّلام في الظاهر، وإنما يعنون الموت في الباطن، فيجيبهم النّبي ﷺ بقوله: وعليكم، فسمعتهم عائشة ﵂ يوما، فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فقالت: بل عليكم السّام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : مهلا يا عائشة، إن الله يكره الفحش والتّفحش، قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت: وعليكم. ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستريحون، وذلك أنهم كانوا يقولون، أي المنافقون وبعض اليهود الذين تخلّقوا بخلقهم،: نحن الآن نلقى محمدا بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنان سوء، ولا يعاقبنا الله تعالى بذلك، ولو كان نبيّا لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، فأخبر الله تعالى بذلك، وأنها كافيتهم، أي إنهم قالوا ذلك المقال، فجاوبهم الله: بأن جهنم تكفيهم، يدخلونها، فبئس المرجع والمآل: وهو جهنم.

стр. 2610

ثم ذكر الله تعالى آداب المناجاة، حتى لا يكون المؤمنون مثل اليهود والمنافقين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ أي يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله- والإيمان يقتضي امتثال أمر الله، والبعد عما ينافي العقيدة- إذا تحدّثتم سرّا فيما بينكم، فلا تفعلوا مثلما يفعل الجهلة من اليهود والمنافقين، من التّناجي بالمعصية والذنب، والاعتداء على الآخرين وظلمهم، وعصيان النبي ﷺ ومخالفته. وتحدّثوا بما هو طاعة وترك معصية، وبما فيه خير واتّقاء الله فيما تفعلون وتتركون، فإنكم إليه تجمعون يوم القيامة للحساب، فيخبركم بأعمالكم وأقوالكم، ويحاسبكم عليها. وهذه وصية للمؤمنين بألا يكون منهم تناج في مكروه، وذلك عامّ جميع الناس إلى يوم القيامة. ثم ذكر الله تعالى أن التّناجي والشيطان لا يضرّ أحدا إلا بإذن الله، أي إنما التّناجي بالسوء من تزيين الشيطان ووسوسته، للإساءة للمؤمنين وإيقاعهم في الحزن، بإيهامهم أنهم في مكيدة يكادون بها، وليس الشيطان أو التّناجي الذي هو منه بتحريضه، بضارّ أحدا من المؤمنين إلا بإذن الله، أي بأمره وقدره، ثم أمر الله تعالى المؤمنين بالتوكّل على الله ربّهم، وتفويض الأمر إليه في جميع شؤونهم، والاستعاذة بالله من الشيطان، وترك المبالاة بما يزيّنه من النجوى. لذا قال الرسول ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن مسعود ﵁: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه» . أدب المجالسة والتصدّق قبل مناجاة الرسول ﷺ منع الإسلام من التّناجي سرّا أو بالإثم والعدوان، حفاظا على الثقة والبعد عن الريبة والشك، وتبييت الغدر، والطعن، وأمر في المجالس بالتوسع، للتعاون والمحبة

стр. 2611

والودّ واحترام الآخرين. وكل ذلك لإشعار المسلمين أنهم في الواقع إخوة أمناء وأحبّاء، وصف واحد أمام الأعداء، حديثهم واضح لا غش فيه، ومجلسهم قائم على المساواة وتبادل الاحترام، وكان في صدر الإسلام الأمر بالتصدّق قبل مكالمة النّبي ﷺ توقيرا له وتعظيما، ثم رفع ذلك، دفعا للحرج وتيسيرا على جميع المؤمنين. وهذا مقرر في الآيات الآتية: [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١١ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) «١» «٢» «٣» [المجادلة: ٥٨/ ١١- ١٣] . قال زيد بن أسلم وقتادة: نزلت (آية الأمر بالتّفسح) بسبب تضايق الناس في مجلس النّبي ﷺ وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسّن والقدم (التقدم) في الإسلام، فلا يجد مكانا، فنزلت الآية بسبب ذلك. يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، إذا طلب منكم التوسع في المواضع أو المجالس، فليفسح بعضكم لبعض، وليوسع أحدكم للآخر، يوسع الله لكم في جنته ورحمته. فالسّنة المندوب إليها هي التفسّح، أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي

стр. 2612

والدارمي وأحمد، عن أبي هريرة: أن النّبي ﷺ قال: «لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» . فيكون القيام من المجلس منهيّا عنه، لهذا الحديث. أما القيام إجلالا للقادم فجائز بالحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد، عن أبي أمامة بن سهل: أن النّبي ﷺ حين أقبل سعد بن معاذ ﵁ قال: «قوموا إلى سيدكم» . وواجب على المعظّم ألا يحبّ ذلك ويأخذ الناس به، لحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن معاوية: «من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . وإذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا من المجلس، فافعلوا ذلك، وقد نزلت الآية آمرة بالقيام من المجلس، متى فهم ذلك بقول أو فعل، تمكينا من جلوس آخرين. أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: أنها نزلت يوم الجمعة، وقد جاء ناس من أهل بدر، وفي المكان ضيق، فلم يفسح لهم، فقاموا على أرجلهم، فأقام ﷺ نفرا بعدّتهم، وأجلسهم مكانهم، فكره أولئك النفر ذلك، فنزلت آية وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا. وعلّة الأمر بالقيام للآخرين، وهو جواب الأمر بالنشوز أو النهوض: هو أن الله تعالى يرفع منازل المؤمنين في الدنيا والآخرة، بتوفير نصيبهم فيها، ويرفع أيضا بصفة خاصة منازل العلماء درجات عالية، في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، فمن جمع الإيمان والعمل رفعه الله بهما درجات، ومنه الرفع في المجالس، والله خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه، مطّلع على أحوال ونوايا جميع عباده، ومجازيهم عليها بما يناسب، من خير أو شرّ. ثم أمر الله تعالى بالصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقّوا عليه، فأراد

стр. 2613

الله أن يخفف عن نبيّه، فأنزل: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فلما نزلت، صبر كثير من الناس، وكفّوا عن المسألة، فأنزل الله بعد ذلك: أَأَشْفَقْتُمْ الآية. والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا بوجود الله وتوحيده، وصدقوا برسالة رسوله، إذا أردتم مناجاة النّبي ﷺ أو مساررته في أمر من أموركم، فقدّموا قبل المناجاة صدقة، تصدّقوا بها، لتعظيم النّبي ﷺ ، والتّخفيف عنه، ونفع الفقراء. ذلك، أي تقديم الصدقة قبل المناجاة، خير لكم، لما فيه من طاعة الله وامتثال أمره، والثواب الأخروي، وأزكى لنفوسكم بتطهيرها من الشّح والبخل وحبّ المال، ونفع الفقراء، فإن لم يجد أحدكم تلك الصدقة، فلا حرج عليكم بالمناجاة بدون صدقة، والله واسع المغفرة والرحمة لأهل الطاعة. ثم رفع الله تعالى الحكم السابق بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ أي أخفتم الفقر من تقديم الصدقات قبل مناجاة نبيّكم ﷺ ، قال مقاتل: إنما كان ذلك عشر ليال، ثم نسخ، بما يلي. ومعناه: وحين لم تفعلوا ما أمرتكم به من الصدقة قبل النجوى لثقلها عليكم، ورخّص الله لكم في الترك والمناجاة من غير صدقة، فثابروا واثبتوا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله، والله خبير محيط بأعمالكم، فمجازيكم عليها. وليس في الآية ما يدلّ على وقوع تقصير من الصحابة في تقديم الصدقة، فقد يكون عدم الفعل، لأنهم لم يناجوا. ولا يدلّ قوله: «فتاب عليكم» على أنهم قصّروا، لأن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا، ومثل هذا يمكن التعبير عنه بالتوبة.

стр. 2614

موالاة الأعداء حذّر القرآن المؤمنين من موالاة غيرهم ممن لا يريد بهم إلا السوء أو الشّر، وذلك حفاظا على وحدة الأمة ورعاية مصالحها، وإغلاق المنافذ للنفاذ بين جيوب الصف الإيماني من أجل إفساده وبذر بذور الفتنة والفرقة بين فئاته. وهذا مبدأ أساسي في السياسة الخارجية والداخلية، لا تستغني عنه أمة من الأمم، وكما جاء في كلام الله في هذه الآيات: [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ٢٢] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [المجادلة: ٥٨/ ١٤- ٢٢] .

стр. 2615

الآية الأولى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من اليهود وهم المغضوب عليهم. ومعناها: أخبرني عن حال هؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود ومالؤوهم في الباطن، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين، فموقفهم يدعو إلى العجب. لذا فإن الله سخط عليهم، وهم، أي المنافقون، في الواقع ليسوا من المؤمنين ولا من اليهود، ويحلفون، يعني المنافقين، بالأيمان الكاذبة، وهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له. هيّأ الله لهم العذاب المؤلم الشديد، وهو عذاب الآخرة، على أعمالهم السيئة المنكرة، ومن أهمها موالاة الكافرين، ومعاداة الكافرين، ساء الفعل القبيح فعلهم في الماضي. اتّخذوا أيمانهم (جمع يمين) وقاية وسترا لتغطية نفاقهم، وصون دمائهم، فانخدع بهم بعض الناس، ومنعوا الناس عن الإسلام، بسبب تثبيطهم وتهوين شأن المسلمين، فلهم عذاب مذلّ ذو إهانة في نار جهنم بسبب أيمانهم الكاذبة بالله تعالى. لن تفيدهم أو تجديهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من عذاب الله، وأولئك المتصفون بهذه الصفات هم أهل النار، لا يفارقونها، ويمكثون فيها على الدوام، لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. اذكر لهم أيها النّبي حين يبعثهم الله جميعا من قبورهم أحياء، ويحشرهم يوم القيامة عن آخرهم، فلا يترك أحدا منهم، فيحلفون بالله أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا، ويظنّون أو يتخيّلون بجهلهم، في الآخرة، أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما ينفع أو يدفع الضّر وتقبل منهم، كما ظنّوا في الدنيا، ألا إنهم بهذا التّصور هم الكاذبون أشد الكذب فيما يحلفون عليه. نزلت في شأن منافق قال له النّبي ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال:

стр. 2616

ذرني آتك بهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا له ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً.. لقد استولى عليهم الشيطان وغلب على عقولهم فأنساهم ذكر الله، فتركوا أوامر الله والعمل بطاعته، أولئك- والإشارة لبعدهم في الغواية والضلال- جنود الشيطان وأتباعه، ألا إن أعوان الشيطان هم الخاسرون الهالكون، لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلال. ان الذين يعادون الله ورسوله، ويخالفون أوامر الله ونواهيه، هم لا غيرهم في عداد الأذلّين المهانين. وقد قضى الله في الأزل أن الله ورسله هم الغالبون بالحجة وانتشار الإسلام، إن الله قوي على نصر رسله، غالب لأعدائه. وهذا تبشير بنصر المؤمنين على الكافرين. قال مقاتل: لما فتح الله مكة للمؤمنين والطائف وخيبر وما حولها، قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي: أتظنّون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم لأكثر وأشد بطشا من أن تظنّوا فيهم ذلك؟ فنزلت: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وشأن المؤمنين أنهم لا يوادّون أعداء الله، فلا تجد قوما آمنوا بالله واليوم الآخر يصادقون من عادى الله تعالى ورسوله، حتى ولو كان المعادون من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم (قرابتهم أو قبيلتهم) التي ينتمون إليها، أي لا يجتمع في قلب واحد إيمان كامل مخلص مع موادّة الكفار، أولئك الذين يتجنّبون موادّة أعداء الله والرسول، ثبّت الله الإيمان الصحيح في قلوبهم، وقوّاهم بنصره وأفرغ الطمأنينة في نفوسهم، ويدخلهم ربهم جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، وقد قبل الله أعمالهم ورضي عنهم، وفرحوا بما أعطاهم ربّهم، أولئك هم

стр. 2617

أنصار الله وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، ألا إن هؤلاء الأنصار هم لا غيرهم الفائزون بالجنان والسعادة الأبدية. قال الرازي: إن الأكثرين اتفقوا على أن قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً.. نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النّبي ﷺ إليهم، لما أراد فتح مكة.

стр. 2618

تفسير سورة الحشر إجلاء بني النّضير من المدينة كان اليهود بطوائفهم الثلاث في المدينة هم الذين بدؤوا بنقض العهد مع النّبي ﷺ ، وتواطؤوا مع المشركين الوثنيين على مكايدة النّبي والمسلمين ومقاتلتهم، وأظهروا العداوة لهم، فحاصرهم رسول الله ﷺ ، ثم صالحهم على الجلاء من المدينة، وكان حصارهم في ربيع الأول- السنة الرابعة من الهجرة. أخرج الحاكم وصححه عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من المتعة والأموال إلا الحلقة وهي السّلاح، فأنزل الله فيهم: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مطلع سورة الحشر المدنية بالإجماع، وتسمى سورة بني النضير: [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥»

стр. 2619

«١» «٢» «٣» [الحشر: ٥٩/ ١- ٥] . نزّه الله تعالى عن كل نقص جميع الكائنات في السماوات والأرض، وسبّحه إما على الحقيقة وذلك بما يتفق مع طبيعة الجمادات، وإما مجازا، أي ان آثار الصنعة فيها والإيجاد لها كالتسبيح، وهو القوي المنيع الجناب، الغالب القاهر في ملكه، الحكيم في صنعه وقدره وشرعه، يضع الأشياء في موضعها الصحيح. ومن حكمة الله وقدرته: أنه سبحانه هو الذي قضى بإخراج الذين كفروا من الكتابيين وهم يهود بني النضير، من ديارهم في المدينة المنورة، في الجمع الأول والجلاء والإخراج، فكان أول جلاء من المدينة: هو الذي فعله رسول الله ﷺ ، والجلاء الآخر أو الثاني من خيبر إلى الشام: هو الذي فعله عمر بن الخطاب ﵁. ما توقعتم أيها المسلمون أن يخرج بنو النضير من ديارهم من المدينة، لقوتهم ومنعتهم، وكانوا أهل حصون وقلاع، وعقارات وبساتين نخيل واسعة، وذوو عدد وعدة، فجاءهم أمر الله وبأسه وعقابه من جهة لم تخطر لهم ببال أنهم لن يقدر عليهم، وهو أن الله أمر نبيّه بإجلائهم وقتالهم، وألقى الخوف الذي يملأ الصدر في قلوبهم، فلم تكن آمالكم وظنونكم أنهم يخرجون ويتركون أموالهم لكم. ولما أيقنوا بالجلاء، أخذوا يهدمون بيوتهم من الداخل، كيلا يستفيد منها المسلمون، كما دمّرها المؤمنون من الخارج، فاتّعظوا أيها العقلاء بما حدث، واعلموا أن الله يفعل مثل ذلك بمن غدر وخالف أمر الله ورسوله.

стр. 2620

ولولا أن قضى الله عليهم بالخروج والجلاء من الوطن على هذا النحو، لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسّبي، كما فعل ببني قريظة سنة خمس للهجرة، بعد غزوة الخندق، وكما فعل بالمشركين يوم بدر في السنة الثانية، وبيهود بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة عقب معركة بدر الكبرى، ولهم في القيامة عذاب شديد في نار جهنم. وسبب إجلاء بني النضير: محاولتهم إلقاء صخرة من فوق سطح على النّبي ﷺ ، مكان جلوسه بجوار جدار، فأطلعه الله تعالى بالوحي على مؤامرتهم، فقام ورجع إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم وإجلائهم عن المدينة، فحاصرهم ست ليال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فطلبوا الصّلح على الجلاء وتحميل الإبل أموالهم إلا السّلاح. وإنما فعل الله بهم ذلك وهو الطرد والإجلاء، وتسليط المؤمنين عليهم، لأنهم عادوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين، من البشارة بمحمد ﷺ ، علما بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ومن يعادي الله ورسوله بعدم الطاعة، ويتواطأ مع المشركين، وينقض العهد أو ميثاق الصحيفة على الأمن والسّلام والتعايش الديني والاجتماعي، والاقتصادي، فإن الله يعاقبه أشد العقاب، ويعذبه في الدنيا والآخرة. وفي أثناء الحصار: أمر النّبي ﷺ بقطع نخل بني النضير وإحراقه، حتى لا يبقى لهم تعلّق بأموالهم وأمل بالعودة، ونادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيب من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟! فنزل قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها.. الآية. أي إن ما قمتم به من قطع النخيل وإحراقه، أو تركه قائما دون قطع، فهو بأمر الله ومشيئته، وقد أذن بذلك، لإعزاز المؤمنين، وإذلال الرافضين للطاعة، وهم اليهود، ولإخزاء الفاسقين، أي الخارجين عن الحدود، الجاحدين بما أنزل الله تعالى على رسله. واللينة: النخلة.

стр. 2621

فالآية ردّ على قول بني النّضير: إن محمدا ينهى عن الفساد، وها هو ذا يفسد، فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه، وليخزي الفاسقين من بني النضير. حكم الفيء (أموال الأعداء) ترتب على إجلاء بني النضير من المدينة وصلحهم على ترحيل أموالهم إلا السّلاح: ظهور ما يسمى بالفيء، وهو الأموال التي أخذت منهم صلحا، فلم تؤخذ بطريق القتال، لأن المقاتلة كانت قليلة، فأجري ذلك مجرى ما لم يحصل فيه قتال أصلا، وخصّ الله تعالى بتلك الأموال رسوله، يتصرف فيها بحسب ما يرى من المصلحة، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة. وهذا في الآيات الآتية المبينة حكم الفيء وطريقة تقسيمه في المصالح العامة: [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٦ الى ١٠] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2622

«١» «٢» «٣» [الحشر: ٥٩/ ٦- ١٠] . هذا حكم قسمة الفيء، وإعلام أن ما أخذ من بني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي ﷺ ، وليس على حكم الغنيمة التي تؤخذ من العدو بطريق العنوة أو القتال، وإنما حكمه حكم خمس الغنائم تصرف في المصالح العامة، فما ردّه الله تعالى على رسوله محمد ﷺ وصيّره إليه من أموال الكفار بني النضير فهو آت من غير قتال، ولكن الله يسلّط بقدرته وتدبيره رسله على من يشاء من أعدائه، فيأخذون أموالهم دون قتال، والله قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء بمن يشاء. وفي ذلك قال عمر ﵁: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقه سنة، وما بقي منها جعله في السلاح والكراع (الخيل) عدّة في سبيل الله تعالى. ومصارف الفيء: هي أن كل ما ردّه الله تعالى على رسوله ﷺ من كفار أهل القرى، كقريظة والنضير وفدك وخيبر، صلحا من غير قتال، ولم ينتزع بإيجاف خيل (وهو السرعة في الجري) ولا ركاب وهي الإبل الخاصة، يحكم الله به بما يشاء، فيكون لرسول الله ﷺ في حياته، يتصرف به بحسب ما يراه من المصلحة، ثم يكون من بعده مصروفا في مصالح المسلمين العامة. ويقسم خمسة أقسام: سهم الله تعالى ورسوله: هو للرسول في حياته، ولمصالح المسلمين من بعده، وسهم قرابة الرسول ﷺ : وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل (المسافر المنقطع عن بلده في سفره) والأربعة الأخماس الباقية لمصالح المسلمين

стр. 2623

العامة. أما الغنيمة فيصرف خمسها لهؤلاء الأصناف الخمسة المذكورين في الآية، وآية الغنائم: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... [الأنفال: ٨/ ٤١] ، والأربعة الأخماس الباقية للمقاتلين في المعركة. وعلّة هذا التقسيم وحكمه: ألا يكون تداول الأموال محصورا بين الأغنياء فقط، ولا يصيب الفقراء منه شيء، فيغلب الأغنياء الفقراء، ويقسمونه بينهم، وهذا مبدأ إغناء الكل. وما أمركم به الرسول ﷺ فخذوه، وما منعكم عنه فاتركوه، وخافوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره، وارتكاب ما زجر عنه. ثم بيّن الله تعالى حال الفقراء المستحقّين للفيء، فسهم هؤلاء غير سهم الله والرسول، وهم فقراء المهاجرين الذين أبعدوا من ديارهم وأموالهم، طلبا لمرضاة الله وفضله، وإعلاء كلمة الله ودينه، ونصرة الله ورسوله بجهاد الأعداء، هؤلاء المهاجرون هم الصادقون في إيمانهم، الذين صدّقوا قولهم بفعلهم. ثم يعطى سهم للأنصار الذين سكنوا المدينة دار الهجرة، من قبل مجيء المهاجرين، ويحبّون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حاجة أي حسدا أو حقدا بسبب ما أوتي المهاجرون دونهم، بل طابت أنفسهم بذلك، ويقدمون غيرهم على أنفسهم في حظوظ الدنيا، ولو كان بهم حاجة وفقر، ومن كفاه الله داء بخل نفسه ووقي من ذلك، فأدى ما يجب عليه شرعا من زكاة أو حقّ، فقد فاز وظفر بكل المطلوب. والإيثار على النفس أكرم خلق. والذين أتوا في الزمان من بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون لهم بإحسان يقولون: ربّنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وانزع من قلوبنا الغلّ أو الحقد والبغض والحسد للمؤمنين قاطبة، فإنك يا ربّ واسع الرأفة، كثير الرحمة،

стр. 2624

فاقبل دعاءنا. قال الإمام مالك: إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض، فلا حظّ له في الغنيمة أدبا له. مواقف المنافقين واليهود في القتال ضمّ التّكتل المعادي للمسلمين في صدر الإسلام فئات ثلاثا: هم المشركون الوثنيون، والمنافقون واليهود، وهم الحلف الثلاثي لمعسكر الشّر والكيد، والتّآمر والعدوان، فقد جمعتهم المصالح، لمحاربة أهل القرآن وأتباع النّبي ﵊، وأظهروا مواقف عدوانية خطيرة، لا بدّ من صدّها والوقوف ضدّها، ولم تمض إلا فترة زمنية قليلة إلا وانفرط عقد هذا الحلف المشبوه، وتبددت قوى أهله، وزال كيد أصحاب الكيد والضّلال، قال الله تعالى واصفا مواقف فئتين من هذا التّكتل، وهم المنافقون واليهود: [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١١ الى ١٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحشر: ٥٩/ ١١- ١٧] .

стр. 2625

أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: أسلم ناس من أهل قريظة، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: «لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم» فنزلت هذه الآية فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ.. نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار. والمعنى: ألم تنظر نبي الله إلى هؤلاء القوم من المنافقين كعبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، وأمثالهم، حين بعثوا إلى يهود بني النضير: أن اثبتوا وتحصّنوا، أو تمنّعوا، فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، ولا نطيع في شأنكم ومن أجلكم أحدا ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم كمحمد وأتباعه، وإن طال الزمان، وإن قوتلتم لننصرنكم على أعدائكم، وكانوا كذبة فيما قالوا من ذلك، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما وعدوهم به من الخروج والنصرة، إما لنيّتهم المبينة ألا يفوا بما وعدوا به، وإما لأنهم لا ينفّذون ما قالوا. ثم فصّل الله تعالى أخبارهم الكاذبة ومواقفهم الخادعة، فقال: لَئِنْ أُخْرِجُوا أي تالله لئن أخرج يهود بني النضير من ديارهم، لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قاتلهم المؤمنون لا يقاتلون معهم، ولئن قاتلوا معهم، لفرّوا هاربين منهزمين، ثم لا يصير الفريقان من المنافقين واليهود منصورين بعد ذلك، بل يذلّهم الله ويخذلهم، ولا ينفعهم نفاقهم. إنكم أنتم أيها المسلمون أشدّ خوفا ورهبة في صدور المنافقين واليهود من رهبة الله، فهم يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، بسبب أنهم قوم لا يعلمون قدر عظمة الله، حتى يخشوه تمام الخشية، ولو فقهوا لعلموا أن الله تعالى أحقّ بالرّهبة منه دونكم.

стр. 2626

وأسلوب المنافقين واليهود في قتال المؤمنين أنهم لا يواجهون جيش الإسلام مواجهة، ولا يقاتلونهم مجتمعين، وإنما يقاتلونهم من وراء الحصون والقلاع، أو من خلف الأسوار التي يتستّرون بها، لجبنهم ورهبتهم، وحربهم الدائرة بينهم شديدة، تظنهم جميعا متوحّدين، وهم متفرّقون، لما بينهم من أحقاد وعداوات، ولأنهم قوم لا يعقلون الحق وأمر الله. وبأسهم: أحقادهم وأضغانهم. ولهم أشباه ونظائر، فهؤلاء اليهود والمنافقون أصابهم مثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، في السنة الثانية من الهجرة، ومثل ما أصاب من قبلهم من يهود بني قينقاع الذين أجلاهم النّبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات بالشام، بعد سنة ونصف من الهجرة، إنهم ذاقوا في زمان قريب سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب مؤلم جدّا في الآخرة. ولهم مثل آخر، فإنهم مثل الشيطان الذي سوّل للإنسان الشّر، وأغراه بالكفر وزيّنه له، وحمله عليه، فلما كفر مطاوعة للشيطان، تبرأ الشيطان منه، وقال على وجه التّبري من الإنسان: إني أخاف عذاب الله ربّ العالمين إذا ناصرتك، أي ان مثل هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير كمثل الشيطان والإنسان، فالمنافقون مثلهم الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان. فكان عاقبة الفريقين: فريق المنافقين واليهود، وعاقبة الشيطان الآمر بالكفر والإنسان المستجيب لوسوسة الشيطان: أنهما صائران إلى نار جهنم، خالدان فيها على الدوام، وذلك الجزاء وهو الخلود في النار هو جزاء الكافرين جميعا. التذكير بالآخرة تكرر في القرآن الكريم كثيرا الأمر بتقوى الله التي هي التزام المأمورات، واجتناب المنهيات، وذلك فيما يقارب مائتين وأربعين مرة، إما بالأمر، أو بالخبر،

стр. 2627

أو بالوصف والإشادة بالمتّقين، من أجل تربية الإنسان وتصحيح عقيدته وعبادته وسلوكه في الحياة، ورغّب القرآن في الإعداد للجنّة، وحذّر من عمل أهل النار، ووصف أهل الجنة المستحقين لها بالفائزين، وأهل النار بالفاسقين. وهذه آيات وعظ وتذكير وتقريب للآخرة. وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية، قال الله تعالى: [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [الحشر: ٥٩/ ١٨- ٢٤] . يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، افعلوا ما أمرتكم به، واجتنبوا ما نهيتكم عنه، ولتتأمل نفس واحدة ما أسلفت ليوم القيامة، واتّقوا الله- وكرّر الأمر بذلك للتأكيد- فإن الله مطّلع على أعمالكم، ومجازيكم عليها كلها. واحذروا أن تكونوا كالذين تركوا أمر الله، وأهملوا حقوق الله الواجبة على عباده، ولم يخافوا ربّهم، فجعلهم ناسين أنفسهم بسبب نسيانهم لربّهم، فلم يعملوا

стр. 2628

الأعمال الصالحة التي تنفعهم في المعاد، وتنجيهم من العذاب، أولئك هم التاركون حقوق الله، الخارجون عن حدود الله وطاعته. ولا مساواة بين المحسنين والمسيئين، فلا يستوي مستحقّو النار، ومستحقّو الجنّة في حكم الله تعالى في الفضل والمنزلة، أصحاب الجنّة هم الناجون، الظافرون بكل مطلوب. وهذا ترغيب في العمل للجنة، وترهيب من العمل للنار. وهذه الآيات الثلاث كلها لتأكيد الأمر بالتقوى وطاعة الله تعالى. وللقرآن عظمته البالغة ومواعظه المؤثرة، فلو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال، لرأيته مع كونه بالغ الصلابة، في غاية الخشوع والخضوع والانقياد لأمر الله، يكاد يتشقّق من خوف الله وخشية عذابه، وهذه الأمثال المذكورة نضربها للناس جميعا، لعلهم يتفكرون فيما يجب عليهم التفكّر فيه، ويتّعظوا بالمواعظ. وهذه موعظة بالغة للإنسان، وذمّ لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعية الله تعالى، مع وجود الأوصاف لله التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية. ولقد عظم القرآن الكريم بعظمة صفات منزله، فالله هو الإله الواحد الذي لا إله غيره، ولا ربّ سواه، عالم بكل ما غاب عن الأحاسيس، وبكل ما هو مشاهد محسوس، وهو ذو الرحمة الشاملة الواسعة، المنعم بجلائل النّعم ودقائقها. والغيب: ما غاب عن المخلوقين ومنه الآخرة. والشهادة: ما شهدوه، ومنه الدنيا. هو الله الواحد الأحد، وكرّر ذلك للتأكيد والتقرير، والمالك لجميع الأشياء، المتصرّف فيها على وجه التمام والكمال، الطاهر من كل عيب أو نقص، الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، السالم من أي نقص وعيب ومن أي جور، أي ذو السّلام، المصدق أنبياءه فيما بلّغوا، والمصدّق المؤمنين في أنهم آمنوا، المهيمن، أي الرقيب الحافظ لكل شيء، الأمين عليه، القوي الغالب، ذو العزّة والجبروت فلا يدانيه شيء

стр. 2629

ولا يلحق رتبته، والبليغ الكبرياء والعظمة، الذي له التكبّر حقّا، المنزه نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات، الخالق: المقدر لخلقه على حسب ما تقتضيه حكمته، الموجد خلقه من غير تفاوت مخلّ به، المصوّر: الموجد صور الأشياء وكيفياتها، له الأسماء الحسنى: الدّالة على محاسن المعاني، ينزهه كل ما في السماوات والأرض، وهو بهذه الصفات القوي الغالب القاهر الذي لا يغالبه مغالب، الشديد الانتقام من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه وشرعه وقدره، وفي كل الأمور التي يقضي فيها، فهو كامل القدرة، تام العلم. أي إن الله واجب الوجود أزلا وأبدا، الحاضر الذي لا يزول. المعبود بحق، فلا يستحقّ العبادة أحد غيره، كامل الصفات والأفعال. فقوله: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته، لا إله إلا هو، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله ﷺ بقوله: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنّة» «١» . وقد ذكرها الترمذي وغيره مسندة، واختلف الرّواة في بعضها. وأخرج الدّيلمي عن ابن عباس مرفوعا: «اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر» . فيدعى بها لاشتمالها على الاسم الأعظم. والعبرة في الدعاء بهذه الأسماء: الإخلاص وصفاء النفس والروح، والتوجّه الصادق لله .

стр. 2630

تفسير سورة الممتحنة حكم موالاة الأعداء في مواطن كثيرة من آي القرآن الكريم حذّر الله تعالى من موالاة الكفار، ونهى عن اتّخاذهم أولياء، أي أصدقاء، لوجود التهمة وانعدام الثقة بنصحهم وقولهم، ومن أجل الحفاظ على المصالح العامة العليا للأمة، التي إن روعيت تحقق النصر والأمن والمصلحة، وإن ألغيت أو عبث بها بعض الناس، وقعت الأمة في الهزائم المتوالية، والهزّات، والمحن المتلاحقة، وسورة الممتحنة كلها نزلت- كما أخرج أصحاب الكتب السّتة- في شأن حاطب بن أبي بلتعة الذي أخبر قريشا بكتاب مع امرأة بعزم النّبي ﷺ على حربهم، ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليّا وعمارا وعمرا أو الزبير والمقداد بن الأسود (أي ثلاثا) والظاهر المشهور أنهم علي والزبير والمقداد، لتخليص الكتاب من المرأة، ففعلوا، وقد أراد حاطب الذي شهد بدرا مصانعة قريش ليحموا له أهله وأمواله، ولم ينافق أو يكفر، فأنزل الله هذه السورة (الممتحنة) التي هي مدنية بالإجماع ومطلعها: [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) «١» «٢» «٣»
следующие страницы →