وأسلوب المنافقين واليهود في قتال المؤمنين أنهم لا يواجهون جيش الإسلام مواجهة، ولا يقاتلونهم مجتمعين، وإنما يقاتلونهم من وراء الحصون والقلاع، أو من خلف الأسوار التي يتستّرون بها، لجبنهم ورهبتهم، وحربهم الدائرة بينهم شديدة، تظنهم جميعا متوحّدين، وهم متفرّقون، لما بينهم من أحقاد وعداوات، ولأنهم قوم لا يعقلون الحق وأمر الله. وبأسهم: أحقادهم وأضغانهم.
ولهم أشباه ونظائر، فهؤلاء اليهود والمنافقون أصابهم مثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، في السنة الثانية من الهجرة، ومثل ما أصاب من قبلهم من يهود بني قينقاع الذين أجلاهم النّبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات بالشام، بعد سنة ونصف من الهجرة، إنهم ذاقوا في زمان قريب سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب مؤلم جدّا في الآخرة. ولهم مثل آخر، فإنهم مثل الشيطان الذي سوّل للإنسان الشّر، وأغراه بالكفر وزيّنه له، وحمله عليه، فلما كفر مطاوعة للشيطان، تبرأ الشيطان منه، وقال على وجه التّبري من الإنسان: إني أخاف عذاب الله ربّ العالمين إذا ناصرتك، أي ان مثل هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير كمثل الشيطان والإنسان، فالمنافقون مثلهم الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان.
فكان عاقبة الفريقين: فريق المنافقين واليهود، وعاقبة الشيطان الآمر بالكفر والإنسان المستجيب لوسوسة الشيطان: أنهما صائران إلى نار جهنم، خالدان فيها على الدوام، وذلك الجزاء وهو الخلود في النار هو جزاء الكافرين جميعا.
التذكير بالآخرة
تكرر في القرآن الكريم كثيرا الأمر بتقوى الله التي هي التزام المأمورات، واجتناب المنهيات، وذلك فيما يقارب مائتين وأربعين مرة، إما بالأمر، أو بالخبر،
стр. 2627
أو بالوصف والإشادة بالمتّقين، من أجل تربية الإنسان وتصحيح عقيدته وعبادته وسلوكه في الحياة، ورغّب القرآن في الإعداد للجنّة، وحذّر من عمل أهل النار، ووصف أهل الجنة المستحقين لها بالفائزين، وأهل النار بالفاسقين. وهذه آيات وعظ وتذكير وتقريب للآخرة. وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية، قال الله تعالى:
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [الحشر: ٥٩/ ١٨- ٢٤] .
يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، افعلوا ما أمرتكم به، واجتنبوا ما نهيتكم عنه، ولتتأمل نفس واحدة ما أسلفت ليوم القيامة، واتّقوا الله- وكرّر الأمر بذلك للتأكيد- فإن الله مطّلع على أعمالكم، ومجازيكم عليها كلها.
واحذروا أن تكونوا كالذين تركوا أمر الله، وأهملوا حقوق الله الواجبة على عباده، ولم يخافوا ربّهم، فجعلهم ناسين أنفسهم بسبب نسيانهم لربّهم، فلم يعملوا
стр. 2628
الأعمال الصالحة التي تنفعهم في المعاد، وتنجيهم من العذاب، أولئك هم التاركون حقوق الله، الخارجون عن حدود الله وطاعته.
ولا مساواة بين المحسنين والمسيئين، فلا يستوي مستحقّو النار، ومستحقّو الجنّة في حكم الله تعالى في الفضل والمنزلة، أصحاب الجنّة هم الناجون، الظافرون بكل مطلوب. وهذا ترغيب في العمل للجنة، وترهيب من العمل للنار. وهذه الآيات الثلاث كلها لتأكيد الأمر بالتقوى وطاعة الله تعالى.
وللقرآن عظمته البالغة ومواعظه المؤثرة، فلو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال، لرأيته مع كونه بالغ الصلابة، في غاية الخشوع والخضوع والانقياد لأمر الله، يكاد يتشقّق من خوف الله وخشية عذابه، وهذه الأمثال المذكورة نضربها للناس جميعا، لعلهم يتفكرون فيما يجب عليهم التفكّر فيه، ويتّعظوا بالمواعظ. وهذه موعظة بالغة للإنسان، وذمّ لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعية الله تعالى، مع وجود الأوصاف لله التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية.
ولقد عظم القرآن الكريم بعظمة صفات منزله، فالله هو الإله الواحد الذي لا إله غيره، ولا ربّ سواه، عالم بكل ما غاب عن الأحاسيس، وبكل ما هو مشاهد محسوس، وهو ذو الرحمة الشاملة الواسعة، المنعم بجلائل النّعم ودقائقها.
والغيب: ما غاب عن المخلوقين ومنه الآخرة. والشهادة: ما شهدوه، ومنه الدنيا.
هو الله الواحد الأحد، وكرّر ذلك للتأكيد والتقرير، والمالك لجميع الأشياء، المتصرّف فيها على وجه التمام والكمال، الطاهر من كل عيب أو نقص، الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، السالم من أي نقص وعيب ومن أي جور، أي ذو السّلام، المصدق أنبياءه فيما بلّغوا، والمصدّق المؤمنين في أنهم آمنوا، المهيمن، أي الرقيب الحافظ لكل شيء، الأمين عليه، القوي الغالب، ذو العزّة والجبروت فلا يدانيه شيء
стр. 2629
ولا يلحق رتبته، والبليغ الكبرياء والعظمة، الذي له التكبّر حقّا، المنزه نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات، الخالق: المقدر لخلقه على حسب ما تقتضيه حكمته، الموجد خلقه من غير تفاوت مخلّ به، المصوّر: الموجد صور الأشياء وكيفياتها، له الأسماء الحسنى: الدّالة على محاسن المعاني، ينزهه كل ما في السماوات والأرض، وهو بهذه الصفات القوي الغالب القاهر الذي لا يغالبه مغالب، الشديد الانتقام من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه وشرعه وقدره، وفي كل الأمور التي يقضي فيها، فهو كامل القدرة، تام العلم. أي إن الله واجب الوجود أزلا وأبدا، الحاضر الذي لا يزول. المعبود بحق، فلا يستحقّ العبادة أحد غيره، كامل الصفات والأفعال.
فقوله: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته، لا إله إلا هو، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله ﷺ
بقوله: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنّة» «١» .
وقد ذكرها الترمذي وغيره مسندة، واختلف الرّواة في بعضها.
وأخرج الدّيلمي عن ابن عباس مرفوعا: «اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر» .
فيدعى بها لاشتمالها على الاسم الأعظم. والعبرة في الدعاء بهذه الأسماء: الإخلاص وصفاء النفس والروح، والتوجّه الصادق لله .
стр. 2630
تفسير سورة الممتحنة
حكم موالاة الأعداء
في مواطن كثيرة من آي القرآن الكريم حذّر الله تعالى من موالاة الكفار، ونهى عن اتّخاذهم أولياء، أي أصدقاء، لوجود التهمة وانعدام الثقة بنصحهم وقولهم، ومن أجل الحفاظ على المصالح العامة العليا للأمة، التي إن روعيت تحقق النصر والأمن والمصلحة، وإن ألغيت أو عبث بها بعض الناس، وقعت الأمة في الهزائم المتوالية، والهزّات، والمحن المتلاحقة، وسورة الممتحنة كلها نزلت- كما أخرج أصحاب الكتب السّتة- في شأن حاطب بن أبي بلتعة الذي أخبر قريشا بكتاب مع امرأة بعزم النّبي ﷺ على حربهم، ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليّا وعمارا وعمرا أو الزبير والمقداد بن الأسود (أي ثلاثا) والظاهر المشهور أنهم علي والزبير والمقداد، لتخليص الكتاب من المرأة، ففعلوا، وقد أراد حاطب الذي شهد بدرا مصانعة قريش ليحموا له أهله وأمواله، ولم ينافق أو يكفر، فأنزل الله هذه السورة (الممتحنة) التي هي مدنية بالإجماع ومطلعها:
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
«١» «٢» «٣»
стр. 2631
«١» [الممتحنة: ٦٠/ ١- ٣] .
يا أيها المصدّقون بالله تعالى ورسوله، لا تتخذوا عدوي وعدوّكم، وهم هنا كفار قريش، أنصارا وأعوانا وأصدقاء لكم، تنقلون إليهم أخبار نبيكم والمؤمنين، بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وهذا نهي صريح عن موالاة الكفار بأي وجه من الوجوه.
وسبب النّهي: أنهم كفروا بالله ورسوله، وبما جاءكم من الحق وهو القرآن وهداية الله، وأخرجوا الرسول والمؤمنين من مكة، من أجل إيمانهم بالله تعالى، وعبادتهم إياه، وذلك للدواعي الآتية المتعلقة بكم:
- لا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيل الله وطلب مرضاته.
- وتنقلون إليهم الأخبار، وتسرّون إليهم بمودّتكم لهم، وأنا الله العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، وبكل ما تخفون وما تعلنون.
- ومن يوال الأعداء منكم، فقد انحرف وأخطأ طريق الحق والصواب، وحاد عن قصد السبيل التي توصل إلى الجنة والرضوان الإلهي.
وكذلك لأسباب ثلاثة منهم تمنع موالاتهم، وتدلّ على عداوتهم وحقدهم وكراهيتهم:
- إن يلقوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء، ويكونوا حربا عليكم.
стр. 2632
- ويمدّوا إليكم أيديهم بالضرب والأذى والقتل وغير ذلك من صنوف الاعتداء، وينالوكم بألسنتهم وكلماتهم سبّا وقذفا وشتما وبكل إساءة.
- ويتمنّوا ارتدادكم وكفركم بربّكم ورجوعكم إلى الكفر، فهم يحرصون على ألا تنالوا خيرا، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء الذين يبتدءونكم بالعداوة والسوء؟! ورابطة الدين والإيمان أنفع لكم من رابطة القرابة والموالاة، فلن تفيدكم يوم القيامة أقاربكم وأولادكم، حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب ابن أبي بلتعة التي هي سبب نزول هذه الآيات، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار، وترك موالاتهم، وتوثيق صلات الإيمان وأخوة الدين، لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ٤٩/ ١٠] . ففي الآخرة يفرّق الله بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار، والله مطّلع على أعمالكم، ومبصر بها، ومجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
والقصد من هذه الآية: أن القرابة النّسبية لا تنفع شيئا عند الله تعالى، إن أراد الله بكم سوءا، ولن تفيدكم القرابة إذا أرضيتموها بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر، فقد خاب وخسر وضلّ عمله، ولو كان قريبا لنبي أو منسوبا لآل البيت الطاهرين، لقوله تعالى في الأبوين: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [لقمان: ٣١/ ١٥] . هذا في الدنيا.
وأما في الآخرة فيقول الله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) [المؤمنون: ٢٣/ ١٠١] . ويقول سبحانه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) [الزّخرف: ٤٣/ ٦٧] .
ألا إن المودّة لا تنفع يوم القيامة إن لم تكن فيما يرضي الله، حبّا ومعاداة، لانفصال كل اتّصال يومئذ، واعتماد كل إنسان على ما قدّم لنفسه.
стр. 2633
إبراهيم الخليل أسوة حسنة
الأنبياء الكرام كلهم قدوة للناس، ولا سيما إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ﵈، وذلك في كل ما أمرهم الله تعالى به، ومنه التّبرؤ من الكفار ومعاداتهم، ولو كانوا إخوة أو آباء أو غيرهم، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة ومحبة وثقة، ولكن الله تعالى استثنى من التّأسي بأقوال إبراهيم ﵊ استغفاره لأبيه، الذي كان عن موعدة وعده بها قبل أن يعلم أنه عدوّ لله، ففي هذا لا يستغفر أحد لأبيه إذا كان كافرا، ولا تأسّي بما حدث، كما تصرّح هذه الآيات الكريمة:
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٤ الى ٩]
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الممتحنة: ٦٠/ ٤- ٩] .
لا بدّ لكل أمة من نبراس أو رمز أو قدوة عملية، يعمل الناس بسيرته العملية،
стр. 2634
وقد جعل الله للمسلمين من الأنبياء الماضين إبراهيم الخليل ﵈ قدوة طيبة حميدة، يقتدون به وبمن آمن برسالته الداعية لتوحيد الله والمنفّذة للدعوة، حين قالوا لقومهم الكفرة عبدة الأوثان: إننا بريئون منكم، لكفركم بالله وشرككم به، وبريئون من كل ما تعبدون من غير الله من الأصنام، فقد جحدنا بما آمنتم به من الأوثان، وكذّبناكم في أقوالكم ولم نؤمن بشيء منها.
وعادتنا معكم: أنه قد ظهرت العداوة والكراهية بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم، فنحن نتبرأ منكم إلى الأبد، حتى تظهروا الإيمان بالله وحده لا شريك له، وتعبدوا الله دون غيره، وتتركوا ما أنتم عليه من الشّرك والوثنية.
ثم استثنى الله تعالى شيئا لا يتأسّى به بإبراهيم ﵇، ألا وهو استغفاره لأبيه، وقوله له: لا أملك لك من ردّ عذاب الله شيئا إن أشركت به، فلا تتأسوا به في هذا الاستغفار للمشركين، فإن استغفار إبراهيم لأبيه كان بسبب وعد سابق وعده إيّاه، فلما تبيّن له أنه عدوّ لله، تبرأ منه.
واعتصم إبراهيم ﵇ والمؤمنون به: بتوحيد الله حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم قائلين: يا ربّنا اعتمدنا عليك في جميع أمورنا، ورجعنا وتبنا إليك، فإليك المرجع والمصير في الآخرة، لا لأحد سواك.
يا ربّنا لا تغلّبهم علينا، فنكون لهم فتنة وسبب ضلالة، لأنّهم يتمسكون بكفرهم ويقولون: إنما غلبناهم لأنا على الحقّ وهم على الباطل، هذا قول قتادة، وقال ابن عباس: لا تسلّطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، وهذا القول الثاني أرجح، لأنهم إنما دعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة إنما دعوا للكفار. واغفر لنا ذنوبنا يا ربّنا، فإنك أنت القوي الغالب القاهر، وذو الحكمة البالغة في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك، وتدبير خلقك.
стр. 2635
ثم أكّد الله تعالى المطالبة بالتّأسّي بإبراهيم والمؤمنين معه، فلقد كان لكم في إبراهيم والمؤمنين معه قدوة حسنة، لمن كان يطمع في الخير والثواب من الله، في الدنيا والآخرة، ويتأمّل النجاة في اليوم الآخر، ومن يعرض عما أمر الله تعالى به، ويوال أعداء الله ويوادّهم، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، فإن الله هو الغني عن خلقه، المحمود: المستحقّ الحمد من جميع مخلوقاته بما أنعم عليهم.
ولما نزلت هذه الآيات، وصمم المؤمنون على قطع الصّلات بالكفار وإظهار عداوتهم، تأسّفوا على قراباتهم أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا، حتى يبقى بينهم الودّ والتّواصل، فنزل قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ الآية مؤنسة لهم في ذلك، ومرجّية أن يقع، فأسلموا في فتح مكة، وصار الجميع إخوانا.
والمعنى: ربّما أسلم أعداؤكم، وصاروا من أهل دينكم، فتحوّلت العداوة إلى مودّة، والبغضاء إلى محبة، والله قادر على كل شيء، وغفور لمن أخطأ، فوادّهم، واسع الرّحمة بهم، فلم يعذّبهم بعد التوبة.
ثم سامح أو رخّص الله في مواصلة الكفار الذين لم يقاتلوا المؤمنين ولم يطردوهم من ديارهم، فلا يمنعكم الله من فعل الخير مع الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء والضعفاء منهم، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا يمنعكم أيضا من أن تحكموا بينهم بالعدل، إن الله يرضى عن العادلين.
نزلت هذه الآية- كما
أخرج أحمد والبخاري ومسلم- في أسماء بنت أبي بكر ﵄، حين استأذنت النّبي ﷺ في صلة أمها وإعطائها شيئا من المال، وهي مشركة، فقال: «نعم، صلي أمك» ، فأنزل الله فيها: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ..
والقصد من الآية: أن الله تعالى لا ينهى عن برّ المعاهدين من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى ألا يعينوا عليهم.
стр. 2636
- إنما ينهاكم الله معشر المؤمنين عن موالاة الذين عادوكم، وهم مشركو قريش المردة وأمثالهم الذين قاتلوكم وأخرجوكم من دياركم، وساعدوا على إخراجكم، أن تتخذوهم أولياء، أي أنصارا وأصدقاء، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم صانعوا من يستحقّ العداوة.
اختبار المهاجرات إلى دار الإسلام
تضمن صلح الحديبية بين النّبي ﷺ ومشركي مكة على أن يردّ المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلما من رجل أو امرأة، فنزلت آية اختبار المهاجرات إلى دار الإسلام إثر صلح الحديبية، ونقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا تردّ إلى دار الكفر، بل تبقى عند المسلمين وتستبرأ بحيضة، وتتزوج، ويعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر الله أيضا المؤمنين بطلب صداق من فرّت امرأته من المؤمنين، معاملة بالمثل، كما يتبين في هذه الآيات:
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٠ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)
«١» «٢» [الممتحنة: ٦٠/ ١٠- ١١] .
أخرج البخاري ومسلم عن المسور ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ ، لما
стр. 2637
عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ.. إلى قوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، أي صدّقوا بالله ورسوله، إذا جاءكم النساء اللاتي آمنّ مهاجرات «١» من بلاد الكفار، فاختبروهن وجرّبوهن وتعرفوا حقيقة ما عندهن، لتعلموا صدق رغبتهن في الإسلام، واسألوهن عن سبب مجيئهن. وسماهن الله تعالى:
مُؤْمِناتٍ قبل التّيقن من ذلك، عملا بظاهر أمرهن. وقوله: فَامْتَحِنُوهُنَّ أمر بمعنى الوجوب، وقيل: بمعنى النّدب أو الاستحباب.
قال ابن عباس وآخرون في كيفية هذا الامتحان: كان بأن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغض زوجها، ولا بجريرة جرّتها، ولا بسبب من أعراض الدنيا، سوى حب الله تعالى، ورسوله ﷺ والدار الآخرة.
ثم حضّ الله تعالى على امتحانهن، واحتمال الاسترابة ببعضهن، فقال: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ.. أي إن الامتحان في الظاهر فقط، أما في الحقيقة والواقع فلا يعلم حقيقة حالهن إلا الله تعالى، والله أمركم بالظواهر، وهو يتولى السّرائر، فإن ترجح لكم أو غلب على ظنّكم أنهنّ مؤمنات، فلا تردوهنّ إلى أزواجهن المشركين. وسمي الظنّ علما: من باب الظّن الغالب.
والعلّة في ألا يردّ النساء إلى الكفار: هي امتناع الوطء وحرمته، فليست المؤمنات حلالا للكفار، وإسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها، وليس الكفار حلالا للمؤمنات. وهذه الآية هي التي حرّمت المسلمات على المشركين الوثنيين. وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، كزواج أبي العاص بن الربيع بزينب ابنة النّبي ﷺ ، ثم أسلم سنة ثمان.
стр. 2638
وأحكام تسوية زواج المسلمة المهاجرة: هي ما يأتي:
- ادفعوا إلى أزواج المهاجرات من المشركين ما غرموه عليهن من المهور.
- ولا إثم ولا حرج عليكم أيها المؤمنون في الزواج بالمؤمنات المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن، وبشرط انقضاء عدتهن، وكون الزواج من الولي وغير ذلك.
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري في قوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت، فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها.
- ويحرم عليكم أيها المؤمنون بعد نزول هذه الآية الزواج بالمشركات الكوافر، واستمرار العصمة الزوجية معهن، فمن كانت امرأته مشركة وثنية، فليست له بامرأة، لانقطاع عصمتها باختلاف الدين.
- وطالبوا بمهور نسائكم إذا ارتددن، وليطالبوا بمهور نسائهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. ذلكم المذكور من إرجاع المهور من الجانبين، واستثناء النساء من حكم صلح الحديبية: هو حكم الله وشرعه يحكم به بين عباده، والله واسع العلم، بالغ الحكمة في أقواله وأفعاله، فلا يشرع إلا ما تقتضيه الحكمة.
- وإن ذهبت امرأة من أزواجكم إلى الكفار، بأن ارتدت المسلمة ورجعت إلى دار الحرب، فعاقبتم، أي فصرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يأتيكم شيء من أزواجهن، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهن مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، إذا لم يردّ المشركون على زوجها مهرها، واحذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، وخافوا الله تعالى بتنفيذ حكمه وشرعه، أي إن علة إيجاب التقوى: هي الإيمان بالله تعالى، والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه.
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ الآية، قال
стр. 2639
- كما تقدم-: نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت، فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتدّ امرأة من قريش غيرها.
وفي الجملة: على الكفار ردّ مهر المرأة العائدة إلى دار الكفر، فإن ردّوه تحقّق المطلوب، وإلا فمن غنائم الحرب العائدة منهم.
بيعة المهاجرات
من المعلوم أن رسالة الإسلام عامة للإنس والجن، للعرب وغيرهم، وللعالم كله، ذكورا وإناثا، لإصلاح الحياة البشرية بنمو متوازن، فتعمّ الاستقامة، ولا يبقى فيها زاوية في المجتمع دون ترميم أو إصلاح، لذا كانت بداية دعوة النّبي ﷺ إلى دين الله وتوحيده، موجهة للرجال والنساء معا، عن طريق البيعة أو المعاهدة، فكانت بيعة الرجال أولا، ثم بيعة النساء، قبل فرض شريعة القتال، ولما فرغ النّبي ﷺ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر أسفل منه يبايع النساء، بأمر رسول الله ﷺ ، ويبلغهن عنه. وهذا ما أخبرت به الآيات الآتية:
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٢ الى ١٣]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [الممتحنة: ٦٠/ ١٢- ١٣] .
стр. 2640
نزلت الآية الأولى يوم فتح مكة، فإنه ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء.
أخرج البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: «أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجرن إليه بهذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ.. الآية، فمن أقرّت بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ :
«قد بايعتك» كلاما، ولا، والله ما مسّت يده يد امرأة في المبايعة قط، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك» .
والمعنى: إذا جاءك أيها النّبي المؤمنات بالله ورسوله، يعاهدنك ويقصدن مبايعتك على الإسلام والطاعة، فبايعهن على ألا يشركن بالله شيئا من وثن أو حجر أو ملك أو كوكب أو بشر، ولا يسرقن من أموال الناس شيئا، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، أي بالوأد وغيره، وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات، ولا يلحقن بأزواجهن أولادا ليسوا لهم.
ولا يعصينك في أمر معروف: وهو كل ما وافق طاعة لله، أي كل ما أقرّ به الشّرع، أو نهى عنه، كالنهي عن النّوح وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشقّ الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، والخلوة بالأجنبي غير المحرم، فبايعهن، واطلب من الله المغفرة لهن، بعد هذه المبايعة منك، إن الله واسع المغفرة لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم، فلا يعذبهم بما اقترفوه قبل الإسلام.
وكانت بنود بيعة النساء هذه، قد بويع بها الرجال أيضا.
روى البخاري عن عبادة ابن الصامت قال: كنا عند النّبي ﷺ ، فقال: «أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا» ؟ قرأ آية النّساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له منها» .
لقد أجمع الصحابة على أن النّبي ﷺ لم تمسّ يده الشريفة يد امرأة أجنبية،
أخرج
стр. 2641
البخاري عن عائشة ﵂ قالت- كما تقدم-: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلاما، ولا والله ما مسّت يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنّسائي وغيرهم عن أميمة بنت رقيقة: «.. قلن: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» . وفي لفظ آخر: «إني لا أصافحكن، ولكن آخذ عليكن ما أخذ الله» .
ثم أكّد الله تعالى النّهي عن موالاة الكفار الأعداء كما بدأ سورة الممتحنة، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً.. أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليهم، ولعنهم، واستحقّوا الطرد والإبعاد من رحمته أنصارا وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ، وأصبحوا لا يوقنون بالآخرة، بسبب كفرهم وعنادهم، كيأس ذلك الكافر من الرحمة في قبره، وذلك لأنه قد رين (غطّي) على قلوبهم، وحملهم الحسد على ترك الإيمان، وغلب على ظنونهم أنهم معذّبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النّبي ﷺ . وقوله تعالى: قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ القوم: إما كفار قريش في رأي ابن عباس، ويكون معنى قوله تعالى: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ كما يئس بقية الكفار في قبورهم من لقاء بعضهم بعضا، لأن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه. وإما أن المراد بهم هم اليهود في رأي ابن زيد والحسن البصري ومنذر بن سعيد، ويكون معنى قوله تعالى: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ: كما يئس الكفار من الرحمة إذا مات وكان صاحب قبر.
والآية نزلت، كما أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادّان رجلا من يهود، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية.
стр. 2642
تفسير سورة الصّف
وحدة الصّف وتطابق القول مع العمل
نظّم الإسلام المجتمع تنظيما دقيقا على أسس متينة، وأخلاق ومبادئ رصينة، لتكون الأمة كتلة واحدة متراصّة، فأمر بوحدة الصّف في القتال، ومواجهة الأعداء، ودعا إلى العمل المطابق للقول، فلا يكون هناك ازدواج أو تنافر بين الكلمة وبين الفعل، لأن ظهور مثل هذه الظاهرة يهدم الثقة، ويزعزع بنية الأمة، ويشيع تصوّرا كئيبا على عدم الصدق في الإيمان وصحّة الاعتقاد، وضعف الفكر وانعدام التخطيط للمستقبل. وهذا ما حذّر منه القرآن الكريم في الآيات الآتية في مطلع سورة الصّف، التي هي مدنيّة على الصحيح عند جمهور العلماء:
[سورة الصف (٦١) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 2643
[الصّف: ٦١/ ١- ٩] .
أخرج التّرمذي والحاكم وصححه والدارمي، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحبّ إلى الله لعملناه، فأنزل الله: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) فقرأها علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها.
المعنى: نزّه الله ومجّده لعظمته وقدرته ووحدانيته وجميع صفات كماله: جميع ما في السّماوات وما في الأرض، من العقلاء وغيرهم، وهو في سلطانه وقدرته القوي الغالب القاهر فوق عباده الذي لا يغالب، الحكيم في أفعاله وأقواله، وفي تدبيره خلقه وتصريف أمورهم وفي أفعاله كلها.
يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، لأي شيء تقولون قولا وتخالفون عملا؟ وهذا إنكار شديد على كل من وعد وعدا أو قال قولا، ثم لا يفي به.
ثم ذمّ الله تعالى كل من يخالف فعله قوله: لقد عظم جرما أن تقولوا قولا، وتفعلون غيره، فإن خلف الوعد دليل على حبّ الذات فقط، وإهدار مصلحة الآخرين وكرامتهم ووقتهم. وكل من يقول ما لا يفعل فهو ممقوت مذموم كذوب غير مخلص. والمقت: البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة، يصنعها الممقوت.
ثم مدح الله تعالى الذين أقدموا على قتال عدوّهم صفّا واحدا، حيث ذكر أن الله يرضى عن المقاتلين المتّحدين صفا واحدا، وكتلة متراصّة لا تتزحزح من المواقع،
стр. 2644
كأنهم بناء راسخ شامخ. وهذا تأكيد لمحبة الله للمقاتلين صفّا. ومحبة الله: هي ما يظهر عليهم من نصره وكرامته. والمحبة: صفة فعل، وليست بمعنى الإرادة، لأن الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، والمقاتلون على غير هذه الصفة كثيرون.
ثم ذكّر الله تعالى بمقالة موسى وعيسى حين كذّبهما القوم، ليكون ذلك ضرب مثل للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون، لأن التكذيب تصادم مع الواقع.
واذكر أيها الرسول لقومك خبر موسى ﵇ حين قال لقومه بني إسرائيل:
يا قوم لم تلحقون الأذى بي بمخالفة ما آمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشّتم والتعييب، وأنتم تعلمون يقينا صدقي فيما جئتكم به من الرسول، فلما زاغوا، أي تركوا الحقّ ولم يتبعوا نبيّهم، أمال الله قلوبهم عن الهدى، والله لا يوفّق للحق ولا يرشد للهداية القوم الكافرين الذين كفروا بأنبيائهم، وعصوا رسلهم. فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيّركم العصيان وقول الباطل إلى مثل حالهم.
واذكر أيضا أيها النّبي لقومك خبر عيسى حين قال: يا بني إسرائيل، إني رسول الله إليكم بالإنجيل، لم آتكم بشيء يخالف التوراة، وإنما أؤيدها وأكملها، فكيف تعصونني؟ وإن التوراة بشّرت بي، وأنا مبشّر بمن بعدي: وهو الرسول العربي أحمد، أي أحمد الناس لربّه، وهو محمد ﵊، فلما جاء أحمد المبشّر به في الكتب المتقدمة بالمعجزات والأدلّة القاطعة، قال الكفار: هذا سحر واضح لا شك فيه.
أخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي (أي بعدي) وأنا العاقب» .
أي الآخر الآتي بعد الأنبياء.
стр. 2645
ولا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، ويجعل له شركاء، وهو يدعى إلى إسلام القلب لله، وإلى التوحيد والإخلاص، والله لا يرشد للحق والصواب القوم الكافرين الظالمي أنفسهم بالكفر.
إن الكفار يريدون أو يحاولون إبطال دعوة الإسلام، ومنع هدايته، ومقاومة دعوته، والله مظهر دين الإسلام في الآفاق، ولو كره الكافرون ذلك.
إن الله هو الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى التّام، ودين الحقّ الناصع، المتمثّل بالقرآن والسّنة، ليجعله متفوقا على جميع الأديان، ولو كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة وهذا تأكيد لأمر الرسالة ومؤازرتها.
حكى الماوردي عن عطاء عن ابن عباس: أن النّبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا واتّصل الوحي بعدها.
وإنما قال: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أولا ليتناسب مع كلمة (النّور) فالكفر أعم من الشرك، والنّور أعم من الدين والرسول ﷺ .
التجارة الناجحة
إن سبيل الفلاح والنجاح هو في اتّباع شرع الله ودينه، ولا نجد أحدا يعرض عن تعاليم الله تعالى إلا كان خاسرا خائبا، لأنه ورّط نفسه في المهالك والعقاب الأليم.
وحينئذ تكون التجارة الرابحة: هي في إعلان الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله بالمال والنفس، لتحقيق العزّة والانتصار، والظفر بالسعادة، وتكون مناصرة دين
стр. 2646
الله والحق صمام أمان من الضياع، وتحقيق النجاة، كما ناصر الحواريون نبيّهم عيسى ابن مريم رسول الله ﵇، فيما تقرّره الآيات الآتية:
[سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الصّف: ٦١/ ١٠- ١٤] .
أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحبّ إلى الله وأفضل؟ فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.. الآية، فكرهوا الجهاد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، ألا أرشدكم إلى تجارة نافعة رابحة؟! وهذا أسلوب فيه ترغيب وتشويق، والمراد بالتجارة هنا العمل الصالح، ونوع التجارة:
هي أن تواظبوا على الإيمان بالله ورسوله، وتخلصوا العمل لله، وتجاهدوا من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بالأنفس والأموال، والأموال مقدمة للإعداد الحربي، لبدء الاستعداد بها.
وكلمة خَيْرٌ إما للتفضيل أي خير من كل عمل، أو إخبار أن هذا خير في ذاته ونفسه.
стр. 2647
ذلكم المذكور من الإيمان والجهاد خير لكم وأفضل من أموالكم وأنفسكم، ومن أنواع التجارات في الدنيا والعناية بها وحدها، إن كنتم تعلمون الحقائق والغايات.
وثمرة الإيمان والجهاد هي: إن فعلتم ما أمرتكم به والتزمتم منهاجي، غفرت لكم ذنوبكم، وأدخلتكم جنات (بساتين) تجري الأنهار من تحت قصورها، وفيها مساكن طيبة للنفوس، ودرجات عالية، في جنات إقامة دائمة، لا تنتهي بموت ولا بخروج منها، وذلكم المذكور من المغفرة ودخول الجنات: هو الفوز الأعظم الذي لا فوز بعده. وهذا في الآخرة.
وفي الدنيا تتحقق لكم خصلة أو نعمة أخرى تعجبكم: هي نصر مبين من الله لكم، وفتح عاجل للبلاد، كمكة وغيرها من بلاد فارس والروم، أي إن قاتلتم في سبيل الله، ونصرتم دينه، تكفّل الله بنصركم. وبشّر أيها الرسول المؤمنين بالنصر العاجل في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.
ثم أمر الله أو ندب إلى النصرة، فيا أيها المؤمنون كونوا على ما أنتم عليه من نصرة دين الله وتأييد شرعه ورسوله، في جميع الأحوال بالأقوال والأفعال، والأنفس والأموال، واستجيبوا لدين الله ورسوله، كما استجاب الحواريون (أصفياء المسيح ﵇ وخلصاؤه) لعيسى حين قال لهم: من الذي ينصرني ويعينني في الدعوة إلى الله؟ فقال الحواريون: نحن أنصار دين الله، ومؤيدوك فيما أرسلت به، فبعثهم الله مبشّرين ودعاة إلى دينه في أنحاء بلاد الشام.
فلما بلّغ عيسى ﵇ رسالة ربّه إلى قومه، وآزره الحواريون، اهتدت طائفة (جماعة) من بني إسرائيل إلى الإيمان الحق، وآمنوا بعيسى على حقيقته أنه: عبد الله ورسوله، وضلّت طائفة أخرى، وكفرت بعيسى، وجحدوا نبوته، واتّهموه وأمّه بالفاحشة، وهما منها بريئان براءة مطلقة.
стр. 2648
فنصرنا المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى، وقوّينا أهل الحق منهم بالحجة والتأييد من عندنا على المبطلين، فأصبحوا غالبين عليهم.
وإيراد هذا المثل واضح التأثير، فإن القلة المتمسكة بالحق، الناصرة لدين الله وشرعه، تصبح عما قريب هي صاحبة القوة والمجد، وكما تحقق ذلك في التاريخ المسيحي قبل الإسلام، تحقق كما هو معروف في التاريخ الإسلامي بعد نزول القرآن، ونبوة محمد ﷺ ، وذلك في مختلف الأنحاء، في داخل الجزيرة العربية حيث تطهرت من الشرك والوثنية، وفي خارجها حيث دحرت قوى مملكتين عظيمتين، وهما فارس والروم، وحلّت محلهما القوة المسلمة الجديدة التي تنشد الخير والسعادة والنجاة للعالم أجمع.
стр. 2649
تفسير سورة الجمعة
فضل البعثة النبوية
كانت البعثة النبوية وما تزال خيرا عميما على العرب والناس قاطبة، لاشتمالها على مقومات الحياة السعيدة الطيبة، وكونها مصدر العلم والمعرفة والبيان، وتتويجها بنزول القرآن الكريم، وتعريف النبي الناس بخصائص القرآن وأسراره، وشرائعه، وإيتاء النبي ﷺ السّنة الشريفة التي هي الحكمة والميزان، وسميت السّنة حكمة، وهي سداد القول وصواب العمل، ووضع ذلك في موضعه الصحيح اللائق به، لأن أقواله ﷺ وأفعاله وإقراراته هي عين الحكمة: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ..
[النّساء: ٤/ ١١٣] ، وسميت السّنة أيضا ميزانا في قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) [الشورى:
٤٢/ ١٧] لأن السّنة النبوية المشتملة على أقواله وأفعاله ﷺ وأحواله ميزان لكل ذلك.
وجاء أيضا في مطلع سورة الجمعة التي هي مدنية بالإجماع ما ينص صراحة على أن السّنة هي الحكمة، في الآيات الآتية:
[سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 2650
«١» [الجمعة: ٦٢/ ١- ٤] .
ينزّه الله ويمجده جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، إقرارا بوجوده ووحدانيته وقدرته، ولأنه مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بأمره وحكمته، المنزه عن جميع النقائص والعيوب، القوي في سلطانه وقدرته، الغالب القاهر الذي لا يغلبه غالب، البالغ العزة والحكمة، المتقن في تدبيره وأفعاله كل شيء.
واللام في قوله لِلَّهِ يسبح لله: زائدة بقصد التوكيد والتمكين.
والله سبحانه هو الذي أرسل في العرب الأميّين، حيث كان أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب، أرسل فيهم رسولا من جنسهم، فهو أمّي مثلهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك، وينمي الخير فيهم، ويعلّمهم القرآن والسّنة ومعالم الشريعة، وإن كانوا من قبل مجيئه لفي خطأ واضح، بعيد عن الحق. فالكتاب في الآية: الوحي المتلو وهو القرآن، والحكمة: السّنة ومعالم الشريعة، أي أحكام الدين والقرآن.
وهذه الآية تعديد نعم الله تعالى على العرب فيما أولاهم.
ووصف العرب بالأميّين لعدم تمكّن أكثرهم من القراءة والكتابة، كما
جاء في قوله ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي-: «إنا أمّة أميّة لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا»
أي تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون.
وهذا الوصف تأكيد أيضا البيان النعمة على العرب بذكر حالهم التي كانت على الضد من الهداية، الغارقة في الضلالة. وكلمة مِنْهُمْ دالّة على أن النّبي محمدا ﷺ العربي الهاشمي هو من العرب الخلّص.
стр. 2651
وامتدّت بركة البعثة النّبوية إلى جميع طوائف الناس، من الروم والفرس وغيرهم، حيث أعدّ الله لقبول دينه جماعة آخرين: وهم من دخل في الإسلام بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وهم لم يلحقوا بالصحب الكرام في ذلك الوقت، وسيلحقون بهم من بعد، والله هو القوي الغالب القاهر، ذو العزة والسلطان، القادر على التمكين لأمّة الإسلام في الأرض، وهو ذو الحكمة البالغة في شرعه وقدره، وأفعاله وأقواله، وتدبير خلقه. وكلمة مِنْهُمْ في قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ إنما يراد بها في البشرية والإيمان، كأنه تعالى قال: وآخرين من الناس، سواء من العرب أو من غيرهم هم من الأمة الإسلامية.
وكلمة آخَرِينَ إما معطوفة بالنصب على ضمير يُعَلِّمُهُمُ أي يعلّم العرب وغيرهم، أو معطوفة بالجر على قوله تعالى: فِي الْأُمِّيِّينَ أي وبعث في الأمّيين رسولا منهم، وفي آخرين.
وهذا دليل على عموم بعثة النبي ﷺ إلى جميع الناس، فهي إلى العرب وغيرهم، ويدلّ على ذلك كتب النبي ﷺ إلى ملوك وأمراء فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم فيها إلى الله وإلى اتباع ما جاء به. وقوله: لَمَّا نفي لما قرب من الحال، والمعنى: أنهم مزمعون أن يلحقوا بهم. وهي (لم) زيدت عليها (ما) للتأكيد.
هذه البعثة النبوية خير كبير ورحمة وفضل على الأمة العربية والناس جميعا، لقوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ.. أي ذلك الإسلام والوحي وإعطاء النبوة العظيمة لمحمد ﷺ : فضل من الله يعطيه من يشاء من عباده، والله صاحب الفضل العظيم الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه، وهو ذو المنّ العظيم على جميع خلقه في الدنيا، بتعليم الكتاب والحكمة في الدنيا، وفي الآخرة بمضاعفة الجزاء على الأعمال. فقوله تعالى:
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ تبيين لموقع النعمة وتخصيصه إياهم (أي العرب وغيرهم) بها.
стр. 2652
وفي القرآن آيات كثيرة أخرى تدل على عموم الرسالة الإسلامية لجميع أبناء البشرية رجالا ونساء، بل وللجنّ أيضا كما هو ثابت في سورة الجنّ وغيرها، مثل قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ٧/ ١٥٨] .
وقوله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [الفرقان:
٢٥/ ١] .
موقف اليهود من التوراة
زعم اليهود أن النبي محمدا ﷺ بعث إلى العرب خاصة، ولم يبعث لهم، لمفهوم الآية السابقة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ.. فردّ الله عليهم بأنهم لم يعملوا بالتوراة، وأنهم لو عملوا بمقتضاها وما تضمنته من البشارة بالرسول محمد، لانتفعوا بها وآمنوا به، ولم يقولوا هذا القول. وكذلك ردّ الله عليهم حين قالوا:
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ٥/ ١٨] بأنه لو كان قولهم حقا وموثوقا به، لتمنّوا على الله أن يميتهم، لينقلهم إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، وهم في الحقيقة لا يتمنون الموت أبدا، بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات. وهذا ما صرّحت به الآيات التالية متضمنة هذين الرّدّين:
[سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٥ الى ٨]
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)
«١» «٢» «٣»
стр. 2653
«١» [الجمعة: ٦٢/ ٥- ٨] .
إن مثل اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة والقيام بأوامرها ونواهيها، ثم هجروها وتركوها، كمثل الحمار الذي يحمل الكتب الكبيرة على ظهره، وهو لا يقدّر قيمتها وأهميتها، ولا الفرق بينها وبين الأحمال الأخرى، لأنه عديم الفهم. وهذا كما حمل الإنسان الأمانة. فهم لم يلتزموا حدود التوراة، حين كذبوا بمحمد ﷺ ، والتوراة تنطق بنبوته، فكأن كل خير لم ينتفع به من حمّله، كمثل حمار عليه أسفار، لا يميز بينها. والأسفار جمع سفر: وهو الكتاب المجتمع الأوراق منضّدة.
ما أقبح ما يمثّل به للمكذبين الذين كذبوا بآيات الله، وما أشنع هذا التشبيه، وهو تشبيه اليهود بالحمار، فإياكم أن تكونوا أيها المسلمون مثلهم. والله لا يوفق للحق والخير القوم الكافرين، بنحو عام، ومنهم اليهود بالأولى. فقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ معناه وتقديره: بئس المثل مثل القوم.
ثم ذمّ اليهود ذمّا آخر، وردّ على مزاعمهم ردا آخر، قل أيها الرسول: يا أيها اليهود إن كنتم تزعمون أنكم أولياء الله، أي أحباؤه من دون الناس، وأنكم على هدى، وأن المسلمين على ضلالة، فاطلبوا الموت لتصيروا إلى الكرامة أو التكريم في زعمكم، وادعوا بالموت على الضّال من الفئتين، إن كنتم صادقين في هذا الزعم.
روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله ﷺ خاطبوا يهود خيبر في أمره، فذكروا نبوّته، وقالوا لهم: إن رأيتم اتّباعه أطعناكم، وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن، وأبناء عزير ابن الله، ومنا الأنبياء، ومتى كانت النّبوة في العرب؟ نحن أحقّ بالنّبوة
стр. 2654
من محمد، ولا سبيل إلى اتّباعه، فنزلت الآية، بمعنى: إنكم إذا كنتم من الله بهذه المنزلة، فقربه وفراق هذه الحياة الخسيسة أحبّ إليكم، فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين، تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة.
قال ابن عطية: ثم أخبر الله تعالى أنهم لا يتمنون الموت ولا يريدونه إلا كرها، لعلمهم بسوء حالهم عند الله تعالى وبعدهم عنه. وروى كثير من المفسّرين أن الله تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد ﷺ ، وآية باهرة، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق الدنيا.
فقال لهم رسول الله ﷺ : تمنّوا الموت على جهة التعجيز وإظهار الآية
، فما تمنّاه أحد، خوفا من الموت، وثقة بصدق محمد ﷺ .
ثم توعّدهم الله تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه، ثم بما بعده من الرد إلى الله تعالى، عالم الحس والمشاهدة، وعالم المغيبات المجهولة للبشر، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها بما أنتم له أهل. إن هذه الرّدود القاطعة، والتحدّيات القرآنية السافرة لليهود تدلّ دلالة قاطعة على أنهم قوم لا يريدون الحق، ويزعمون أنهم شعب الله المختار، وهذا كذب وافتراء، فهم أبعد الناس عن القربى من الله، وعن رضا الله عنهم. إنهم قتلة الأنبياء، وطعنة أعراض وكرامات الأنبياء، وهم أبعد الناس عن التوراة وعن أحكام الله وشرائعه، إنهم أعداء الله والإنسانية على حد سواء، وبخاصة هم أعداء العرب والمسلمين جميعا.
صلاة الجمعة والعمل بعدها
الإسلام دين جمع بين الدنيا والآخرة، والمادة والروح، والعبادة والمعاملة، فهو دين الوسطية والاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقّه، فالعبادة فريضة والجمعة فريضة، يجب احترامها والقيام بها على وجه أتم، من السعي إليها إن كانت جمعة،
стр. 2655
والاستماع إلى خطبتها، فلا يجوز الاشتغال عنها بأي عمل آخر من بيع وشراء أو تجارة، أو لهو، أداء مهمة. لكن بمجرد الانتهاء منها، طلب الإسلام التفرغ للأعمال الأخرى، والسّعي في توفير المكاسب والمعايش مع ملازمة ذكر الله وخشيته سرّا وعلانية، وهذا ما أمرت به الآيات الآتية:
[سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٩ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» [الجمعة: ٦٢/ ٩- ١١] .
يا معشر أهل التصديق والإيمان بالله ورسوله وبالإسلام الحق، إذا أذّن لصلاة الجمعة في يومها المعروف، بالأذان الثاني بعد جلوس الخطيب على المنبر، فيحرم التشاغل بأعمال الدنيا، وعليكم المبادرة إلى أداء الفريضة، من الاستماع إلى ذكر الله، وهو الخطبة، وأداء صلاة الجمعة في المسجد الجامع، وترك البيع وسائر أوجه المعاملات من إجارة وشركة ونحوهما، وذلكم السّعي إلى ذكر الله وترك البيع خير من فعل البيع وترك السّعي، لما في الامتثال من الثواب والجزاء الحسن، إن كنتم من أهل الدّراية والعلم الصحيح بما ينفع. وخصّ البيع بالذكر، لأنه من أهم ما يشغل الإنسان نهارا، وفيه إشارة إلى ترك جميع التّجارات والمهن والحرف في وقت الخطبة والصلاة. أما الأذان الأول فهو تنبيه للإعداد للصلاة والمضي إليها خشية أن يفوت تحقيق المقصد الشرعي من تشريع صلاة الجمعة والاستماع لخطبتها.
стр. 2656
والسّعي في الآية: ليس الإسراع في المشي، كالسّعي بين الصّفا والمروة، وإنما المراد إتيان الصلاة بالسكينة والوقار، والسّعي: هو بالنّية والإرادة والعمل. والذّكر:
هو وعظ الخطبة.
ويسنّ لصلاة الجمعة ثلاثة أذانات: ما قبل دخول الوقت بحوالي نصف ساعة أو أقل، والأذان بعد دخول الوقت، وهو الذي زاده عثمان ﵁ لما اتسعت المدينة، على الزوراء (أعلى دار كانت بالمدينة قرب المسجد) ويوصف بأنه الأذان الثاني أو الثالث، والأذان بين يدي الخطيب، وهو الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ . وقد شاهدت في بلاد المغرب في الرباط وغيرها في وقت واحد أذانات ثلاثة متوالية، قبل شروع الخطيب بالخطبة، وذلك إحياء للسّنة كما يبدو، ولكن الغريب كونها متعاقبة في زمن واحد، حيث لا يصلّون السّنة القبلية.
ويكره البيع تحريما بعد الأذان عند الحنفية، ويحرم عند الآخرين، لكنه ينفذ ويمضى ولا يفسخ عند الشافعية، ويفسخ في المشهور عند المالكية ما لم يتم القبض، ولا يصح عند الحنابلة، لأن الجمعة واجبة على الرجال المقيمين الأحرار الذين لا عذر لهم، وترك الجمعة إخلال بالفرض للأمر بها،
ولقوله ﷺ فيما يرويه أحمد والحاكم عن أبي قلابة، وأحمد والنّسائي وابن ماجه والحاكم عن جابر: «من ترك الجمعة ثلاث مرات متواليات، من غير ضرورة، طبع الله على قلبه»
إسناده صحيح ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي.
والعمل مباح بعد الفراغ من الصلاة وإتمامها، لقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ.. أي إذا أدّيتم الصلاة وفرغتم منها، فيباح لكم التوزّع في نواحي الأرض للتجارة وبقية الأعمال، ولكن لا تنسوا في أثناء العمل تذكر الله كثيرا ومتابعة الأذكار، كالتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار ونحو ذلك. وقوله
стр. 2657
تعالى: فَانْتَشِرُوا وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أمر ومقتضى الأمر هنا الإباحة في طلب المعاش، مثل قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٥/ ٢] .
ثم عاتب الله المؤمنين حين تركوا النّبي ﷺ وهو يخطب، وخرجوا من المسجد، للاشتغال بالتجارة والاستماع إلى طبولها المعبّرة عن الفرحة بقدوم التجارة من بلاد الشام أو غيرها، وذلك في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً.. أي إذا رأى المصلّون في الجامع الذين يستمعون إلى الخطبة قافلة التجارة القادمة من الشام، أو رأوا لهوا كقرع الطبول وضجيج المزامير، احتفالا بزواج وغيره، خرجوا من المسجد، وانصرفوا إلى الملاهي ومتع الدنيا، وتركوك أيها النّبي قائما على المنبر تخطب فيهم، لوعظهم وإرشادهم، فقل لهم أيها الرسول: ما عند الله من الثواب العظيم في الدار الآخرة خير من اللهو ومن التجارة التي هي هنا سبب الخروج، والله مصدر الرزق وخير الرازقين، فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسّلوا بعمل الطاعة، فذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه، والله يرزق بسخاء من توكّل عليه، وطلب الرزق في وقته، وهو سبحانه كفيل برزق العباد، ولن يحرم أحد رزقه أو ينقص منه شيء بسبب الصلاة. وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ مناسب لكل من التجارة واللهو الذي هو كالتبع للتجارة.
نزلت هذه الآية بسبب أن رسول الله ﷺ كان قائما على المنبر، يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير (إبل محملة بالتجارة) من الشام، تحمل ميرة (طعاما للسفر ونحوه) وصاحبها دحية بن خليفة الكلبي. قال مجاهد: وكان من عرفهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والمعازف والصياح من ورائها، فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه، وتركوا رسول الله ﷺ قائما على المنبر، ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا، قال جابر بن عبد الله ﵁: أنا أحدهم.
стр. 2658
أخرج عبد بن حميد عن الحسن البصري أن النّبي ﷺ قال في شأن الباقين معه دون خروج من المسجد: «والذي نفس محمد بيده، لو تتابعتم، حتى لا يبقى منكم أحد، لسال عليكم الوادي نارا» .
وتدلّ هذه الآية على قيام الخطيب. وأول من استراح في الخطبة عثمان ﵁، وأول من خطب جالسا معاوية ﵁.
стр. 2659
تفسير سورة المنافقون
صفات المنافقين
خصّص الله تعالى- بعد تعداد خصال المنافقين في مناسبات قرآنية عديدة- سورة لبيان أوصاف المنافقين هي سورة (المنافقون) المدنية بالإجماع، التي نزلت في غزوة بني المصطلق، بسبب أن عبد الله بن أبيّ بن سلول كان منه في تلك الغزوة أقوال غريبة، وكان له أتباع يقولون قوله، ويتصفون بصفاته، فهم كذبة في حلفهم وشهادتهم في الظاهر، ونحو ذلك مما تقدم قبل الغزوة كالتحريض على ترك الإنفاق أو التصدق على بعض الأصحاب، وهم قوم مغرورون سواء في الغزوة أو بعدها، بدليل ما أظهروه من كراهية وعداء مثل تحدّي المؤمنين بأنهم أذلّة وهم أعزّة، والتهديد والتصميم على إخراج المسلمين من المدينة بعد عودتهم من تلك الغزوة، كما تصوّر هذه السورة ومطلعها:
[سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2660
«١» «٢» «٣» «٤» [المنافقون: ٦٣/ ١- ٦] .
فضح الله تعالى بهذه الآيات سرائر المنافقين، فإنهم إذا جاؤوا لرسول الله ﷺ كابن أبي وأتباعه كذبوا وقالوا: نحلف بأنك رسول الله إلى الناس كافة، وهم في إخبارهم هذا كاذبون، لإخبارهم بضد ما في قلوبهم، والله يعلم بصدق محمد ﷺ في رسالته، وهو ما تضمنه كلامهم، والله يقسم بأن المنافقين لكاذبون في أيمانهم.
وقوله: يَشْهَدُ ونحوها من أفعال اليقين والعلم بمنزلة القسم.
إنهم جعلوا أيمانهم الكاذبة وقاية وسترا لحماية أنفسهم من القتل والأسر، وأموالهم من الأخذ، كما يفعل بالأعداء المقاتلين، فاغتر بهم من يجهلهم، وظنوا أنهم مسلمون، وشككوا غيرهم بحقائق الإيمان والجهاد، ومنعوهم من الإسلام والطاعة، إنهم ساء ما عملوا ويعملون. فهم في هذا أجرموا بجرمين كبيرين: الحلف بالإيمان الكاذبة، والصّد عن الدخول في الإسلام، ومنع الاسهام في الجهاد في سبيل الله، فكانوا أقبح الناس. والمراد: صدّوا غيرهم ممن كانوا يريدون الإيمان بسبب تشكيكهم ودسائسهم المنكرة.
وأسباب هذا الموقف وافتضاح الله لهم وتوبيخهم: أنهم آمنوا نفاقا، ثم كفروا حقيقة، فختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم، فلا يدخلها إيمان، ولا تهتدي إلى حق،
стр. 2661
ولا ينفذ إليها خير، فأصبحوا لا يفهمون ما فيه رشدهم وصلاحهم، ولا يدركون أدلة صدق رسول الله ﷺ في رسالته.
ثم وبّخهم الله لأنهم كانوا رجالا فصحاء ووجهاء، فكان منظرهم يخدع، فإذا نظرت إليهم أعجبتك هيئاتهم، وإن تكلموا سمع كلامهم، وظنّ السامع أنه حق وصدق، لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، كأنهم في الواقع أخشاب جوفاء منخورة مستندة إلى الحيطان، ومجرد كتل بشرية لا تفهم ولا تعلم.
وهم مع جمال هيئاتهم، ومناظرهم في غاية الجبن والضعف، يظنون كل صوت عال أنه واقع بهم، لفراغهم النفسي وترددهم وقلقهم وخوفهم المسيطر عليهم، وانهزامهم الداخلي، فهم الأعداء الألدّاء، فاحذر مؤامراتهم، ولا تطلعهم أيها النّبي على شيء من الأسرار، لأنهم جواسيس للمشركين والكفار، لعنهم الله وطردهم من رحمته، وأهلكهم، كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل والضلال. وكلمة (قاتلهم) :
كلمة ذم وتوبيخ للتعجب، أو إن القتل مستعمل في اللعن والطرد، على سبيل الاستعارة التبعية لعلاقة المشابهة، في أن كلّا منهما نهاية الشدائد والعذاب.
وإذا طلب منهم بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي أن يأتوا لرسول الله ليطلب لهم المغفرة من الله، أعرضوا واستكبروا واستهزءوا، ورأيتهم يعرضون إعراضا شديدا، مع إمالة رؤوسهم، ويمنعون عن سبيل الله غيرهم، فلا يتركونهم يؤمنون، وذلك في حال من الاستكبار والأنفة.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قيل لعبد الله بن أبي: لو أتيت النّبي ﷺ ، فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ.. الآية.
وهذا دليل على إعراضهم عن الاعتذار.
والاستغفار في الواقع لا ينفعهم، فسواء استغفرت لهم أيها الرسول أم لم تستغفر
стр. 2662
لهم، لن يغفر الله لهم لإصرارهم على الكفر والنفاق، ولا يجديهم الاستغفار شيئا، ما داموا على النفاق، إن الله لا يوفق الخارجين عن الطاعة، المنهمكين في المعاصي، المظهرين خلاف ما يبطنون، والله لا يغفر لهم دون حدّ في الاستغفار، وذلك ناسخ في رأي بعضهم لآية الاستغفار سبعين مرة «١» بدليل
حديث: «لو علمت أني لو زدت غفر لهم» «٢» .
أخرج ابن جرير عن عروة قال: لما نزلت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: ٩/ ٨٠] . قال النّبي ﷺ : «لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ «٣» لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية.
وقد حاول عبد الله بن أبي أثناء خروجه لغزوة بني المصطلق إيقاع الفتنة بين المهاجرين لسبقهم إلى ماء بلغوا إليه، وبين الأنصار،
فخرج رسول الله ﷺ ، فقال:
«ما بال دعوى الجاهلية؟» فلما أخبر بالقصة قال: «دعوها فإنها منتنة» .
من أسباب النّفاق
النّفاق مرض عضال خطير بالنسبة للأمة، لأنه يزعزع أوضاع الجبهة الداخلية أو ما يسمى حديثا بالوحدة الوطنية، أما بالنسبة للمنافقين فهو داء نابع من الجبن والسخف، وضعف الإدراك والملكات العقلية، لأن النفاق لا بد من أن يظهر أثره، ويفتضح شأن صاحبه. ولكن منافقي المدينة في الماضي انضمّ إلى نفاقهم استكبار أو استعلاء، وظنوا أن لهم قوة يتمكنون من تهديد بقية الأمّة، فأعرضوا عن الاعتذار ولم يوافقوا على طلب الاستغفار، وحجبوا المعاونة عن المهاجرين حتى يموتوا جوعا،
стр. 2663
وصمموا بعد وقعة بني المصطلق (قبيلة من اليهود) على طرد المؤمنين من المدينة، وأحجموا عن الإنفاق في سبيل المصلحة العامة أو الخير، كما يتبين من منطوق الآيات الآتية:
[سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ٧ الى ١١]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» [المنافقون: ٦٣/ ٧- ١١] .
أخرج البخاري وأحمد والترمذي وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: سمعت عبد الله ابن أبي يقول لأصحابه: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا، فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ» ، فذكرت ذلك لعمّي، فذكر ذلك عمي للنّبي ﷺ ، فدعاني النّبي ﷺ ، فحدّثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذّبني، وصدّقه، فأصابني شيء لم يصبني مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إلى رسول الله ﷺ ، فقرأها، ثم قال: «إن الله قد صدّقك» .
هؤلاء المنافقون يقولون للأنصار: لا تطعموا أصحاب محمد المهاجرين، حتى يجوعوا ويتفرّقوا عنه. فردّ الله عليهم بأن الله هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، وبيده
стр. 2664
مفاتيح أرزاق العباد، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولكن المنافقين يجهلون أن خزائن الأرزاق بيد الله، فظنّوا أن الله لا يوسّع أو يعوّض على المؤمنين ما فقدوه أو تركوه من أموالهم في مكة.
والأظهر أن الخزائن أشياء مخلوقة موجودة، يصرّفها الله تعالى حيث يشاء.
هؤلاء المنافقون: هم الذين يقولون- والقائل زعيمهم عبد الله بن أبي-: لئن عدنا من هذه الغزوة- غزوة بني المصطلق- إلى المدينة، ليخرجن الأعزّ (أي نفسه) منها الأذلّ (أي الرسول والمؤمنين) ، ولم يلبث بعد أن رجع زعيم النفاق ابن أبيّ إلى المدينة أياما يسيرة، حتى مات، وردّ الله على المنافقين: بأن لله وحده القوة والغلبة، ولمن منحها من رسله وصالح المؤمنين، لا لغيرهم، ولكن المنافقين لا يعلمون أو لا يدرون ذلك. وفي ذلك وعيد لهم.
ثم حذّر الله المؤمنين من التشبه بالمنافقين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ «١» .. أي يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، لا تشغلكم الأموال وتدبيرها، عن القيام بذكر الله تعالى من التوحيد والصلاة والدعاء وغير ذلك من تسبيح وتحميد وتهليل، وأداء الفرائض الأخرى غير الصلاة. ومن يتلهى بالدنيا ومتاعها وزخارفها، وينصرف عن الدين وطاعة ربّه، فإنه من الخاسرين، الكاملي الخسران، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لأنه باع خالدا بفان زائل، وهذا تحذير وتوعّد وتخويف. والأظهر أن (ذكر الله) ، هنا عام في التوحيد والصلاة والدعاء وغير ذلك من فرض ومندوب.
ثم حثّ الله المؤمنين على الإنفاق في طاعته ونشر دينه وجهاد عدوه، فقال:
стр. 2665
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.. أي وبادروا إلى الإنفاق من بعض ما رزقناكم، في سبيل الخير العام، شكرا على النعمة، ورحمة بالفقراء، ورعاية للمصلحة العامة العليا، من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني يا ربّ، وأخّرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدّق بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين. وهذا دليل على أن كل مفرّط أو مقصّر في عمل الخير يندم عند الاحتضار.
وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.. الأظهر أنه عام في كل مفروض ومندوب.
وكذا قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهره العموم. وقوله تعالى: يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي علاماته وأوائل أمره. وقوله لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ مطالبة بالعودة إلى الدنيا والإمهال.
ولن يؤخر الله تعالى أي نفس عن الموت أو قبض الروح إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالخير خيرا، وبالشّرّ شرّا. وهذا حضّ على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح.
إن النّدم من أي إنسان على التفريط وطلب العودة إلى الدنيا لتدارك التقصير عما فاته، لا يفيد الإنسان شيئا، فلات ساعة مندم، فقد تم القضاء، ونفذ الأمر، ولا أمل في النجاة إلا بالعمل الصالح.