ولا ينفذ إليها خير، فأصبحوا لا يفهمون ما فيه رشدهم وصلاحهم، ولا يدركون أدلة صدق رسول الله ﷺ في رسالته.
ثم وبّخهم الله لأنهم كانوا رجالا فصحاء ووجهاء، فكان منظرهم يخدع، فإذا نظرت إليهم أعجبتك هيئاتهم، وإن تكلموا سمع كلامهم، وظنّ السامع أنه حق وصدق، لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، كأنهم في الواقع أخشاب جوفاء منخورة مستندة إلى الحيطان، ومجرد كتل بشرية لا تفهم ولا تعلم.
وهم مع جمال هيئاتهم، ومناظرهم في غاية الجبن والضعف، يظنون كل صوت عال أنه واقع بهم، لفراغهم النفسي وترددهم وقلقهم وخوفهم المسيطر عليهم، وانهزامهم الداخلي، فهم الأعداء الألدّاء، فاحذر مؤامراتهم، ولا تطلعهم أيها النّبي على شيء من الأسرار، لأنهم جواسيس للمشركين والكفار، لعنهم الله وطردهم من رحمته، وأهلكهم، كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل والضلال. وكلمة (قاتلهم) :
كلمة ذم وتوبيخ للتعجب، أو إن القتل مستعمل في اللعن والطرد، على سبيل الاستعارة التبعية لعلاقة المشابهة، في أن كلّا منهما نهاية الشدائد والعذاب.
وإذا طلب منهم بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي أن يأتوا لرسول الله ليطلب لهم المغفرة من الله، أعرضوا واستكبروا واستهزءوا، ورأيتهم يعرضون إعراضا شديدا، مع إمالة رؤوسهم، ويمنعون عن سبيل الله غيرهم، فلا يتركونهم يؤمنون، وذلك في حال من الاستكبار والأنفة.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قيل لعبد الله بن أبي: لو أتيت النّبي ﷺ ، فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ.. الآية.
وهذا دليل على إعراضهم عن الاعتذار.
والاستغفار في الواقع لا ينفعهم، فسواء استغفرت لهم أيها الرسول أم لم تستغفر
стр. 2662
لهم، لن يغفر الله لهم لإصرارهم على الكفر والنفاق، ولا يجديهم الاستغفار شيئا، ما داموا على النفاق، إن الله لا يوفق الخارجين عن الطاعة، المنهمكين في المعاصي، المظهرين خلاف ما يبطنون، والله لا يغفر لهم دون حدّ في الاستغفار، وذلك ناسخ في رأي بعضهم لآية الاستغفار سبعين مرة «١» بدليل
حديث: «لو علمت أني لو زدت غفر لهم» «٢» .
أخرج ابن جرير عن عروة قال: لما نزلت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: ٩/ ٨٠] . قال النّبي ﷺ : «لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ «٣» لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية.
وقد حاول عبد الله بن أبي أثناء خروجه لغزوة بني المصطلق إيقاع الفتنة بين المهاجرين لسبقهم إلى ماء بلغوا إليه، وبين الأنصار،
فخرج رسول الله ﷺ ، فقال:
«ما بال دعوى الجاهلية؟» فلما أخبر بالقصة قال: «دعوها فإنها منتنة» .
من أسباب النّفاق
النّفاق مرض عضال خطير بالنسبة للأمة، لأنه يزعزع أوضاع الجبهة الداخلية أو ما يسمى حديثا بالوحدة الوطنية، أما بالنسبة للمنافقين فهو داء نابع من الجبن والسخف، وضعف الإدراك والملكات العقلية، لأن النفاق لا بد من أن يظهر أثره، ويفتضح شأن صاحبه. ولكن منافقي المدينة في الماضي انضمّ إلى نفاقهم استكبار أو استعلاء، وظنوا أن لهم قوة يتمكنون من تهديد بقية الأمّة، فأعرضوا عن الاعتذار ولم يوافقوا على طلب الاستغفار، وحجبوا المعاونة عن المهاجرين حتى يموتوا جوعا،
стр. 2663
وصمموا بعد وقعة بني المصطلق (قبيلة من اليهود) على طرد المؤمنين من المدينة، وأحجموا عن الإنفاق في سبيل المصلحة العامة أو الخير، كما يتبين من منطوق الآيات الآتية:
[سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ٧ الى ١١]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» [المنافقون: ٦٣/ ٧- ١١] .
أخرج البخاري وأحمد والترمذي وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: سمعت عبد الله ابن أبي يقول لأصحابه: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا، فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ» ، فذكرت ذلك لعمّي، فذكر ذلك عمي للنّبي ﷺ ، فدعاني النّبي ﷺ ، فحدّثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذّبني، وصدّقه، فأصابني شيء لم يصبني مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إلى رسول الله ﷺ ، فقرأها، ثم قال: «إن الله قد صدّقك» .
هؤلاء المنافقون يقولون للأنصار: لا تطعموا أصحاب محمد المهاجرين، حتى يجوعوا ويتفرّقوا عنه. فردّ الله عليهم بأن الله هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، وبيده
стр. 2664
مفاتيح أرزاق العباد، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولكن المنافقين يجهلون أن خزائن الأرزاق بيد الله، فظنّوا أن الله لا يوسّع أو يعوّض على المؤمنين ما فقدوه أو تركوه من أموالهم في مكة.
والأظهر أن الخزائن أشياء مخلوقة موجودة، يصرّفها الله تعالى حيث يشاء.
هؤلاء المنافقون: هم الذين يقولون- والقائل زعيمهم عبد الله بن أبي-: لئن عدنا من هذه الغزوة- غزوة بني المصطلق- إلى المدينة، ليخرجن الأعزّ (أي نفسه) منها الأذلّ (أي الرسول والمؤمنين) ، ولم يلبث بعد أن رجع زعيم النفاق ابن أبيّ إلى المدينة أياما يسيرة، حتى مات، وردّ الله على المنافقين: بأن لله وحده القوة والغلبة، ولمن منحها من رسله وصالح المؤمنين، لا لغيرهم، ولكن المنافقين لا يعلمون أو لا يدرون ذلك. وفي ذلك وعيد لهم.
ثم حذّر الله المؤمنين من التشبه بالمنافقين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ «١» .. أي يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، لا تشغلكم الأموال وتدبيرها، عن القيام بذكر الله تعالى من التوحيد والصلاة والدعاء وغير ذلك من تسبيح وتحميد وتهليل، وأداء الفرائض الأخرى غير الصلاة. ومن يتلهى بالدنيا ومتاعها وزخارفها، وينصرف عن الدين وطاعة ربّه، فإنه من الخاسرين، الكاملي الخسران، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لأنه باع خالدا بفان زائل، وهذا تحذير وتوعّد وتخويف. والأظهر أن (ذكر الله) ، هنا عام في التوحيد والصلاة والدعاء وغير ذلك من فرض ومندوب.
ثم حثّ الله المؤمنين على الإنفاق في طاعته ونشر دينه وجهاد عدوه، فقال:
стр. 2665
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.. أي وبادروا إلى الإنفاق من بعض ما رزقناكم، في سبيل الخير العام، شكرا على النعمة، ورحمة بالفقراء، ورعاية للمصلحة العامة العليا، من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني يا ربّ، وأخّرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدّق بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين. وهذا دليل على أن كل مفرّط أو مقصّر في عمل الخير يندم عند الاحتضار.
وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.. الأظهر أنه عام في كل مفروض ومندوب.
وكذا قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهره العموم. وقوله تعالى: يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي علاماته وأوائل أمره. وقوله لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ مطالبة بالعودة إلى الدنيا والإمهال.
ولن يؤخر الله تعالى أي نفس عن الموت أو قبض الروح إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالخير خيرا، وبالشّرّ شرّا. وهذا حضّ على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح.
إن النّدم من أي إنسان على التفريط وطلب العودة إلى الدنيا لتدارك التقصير عما فاته، لا يفيد الإنسان شيئا، فلات ساعة مندم، فقد تم القضاء، ونفذ الأمر، ولا أمل في النجاة إلا بالعمل الصالح.
стр. 2666
تفسير سورة التّغابن
إثبات القدرة الإلهية والرّد على منكري البعث
قدرة الله تعالى الخارقة واضحة ثابتة بأدنى تأمّل، في هذا الكون الذي أوجده الله من العدم، حيث لا يوجد شيء عقلا ولا طبعا بدون موجد، وأوجد الإنسان وصوّره في أحسن تصوير، وأحاط علم الله بكل شيء في السموات والأرض. فلا يؤبه بإنكار المشركين وحدانية الله، والنّبوات، وبعث الناس من القبور، ومع ذلك أقسم الله تعالى على وجود البعث، وإخبار الناس جميعا بما عملوا في الدنيا، وذلك أمر يسير على الله، كما في الآيات الآتية في مطلع سورة التّغابن «١» المدنيّة عند الأكثرين، وقيل: إنها مكّية:
[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [التّغابن: ٦٤/ ١- ٧] .
стр. 2667
ينزه الله تعالى عن كل نقص وعيب، ويمجّده جميع المخلوقات في السماوات والأرض، لأنه المالك المطلق وحده، والمحمود المشكور وحده، المستحق للحمد والشكر، من جميع مخلوقاته، على جميع ما يخلقه ويقدّره، وهو القادر على كل شيء، أي موجود، وفيه عموم التنبيه، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومن آثار قدرته: أنه تعالى هو الذي أوجدكم على هذه الصفة، وصار أمر كل واحد ما اختاره، فمنكم الكافر باختياره وكسبه على نقيض فطرته، ومنكم المؤمن باختياره على حسب فطرته السوية القائمة على التوحيد، والله العالم البصير قبل الخلق بما يؤول إليه أمر كل واحد منكم، الشهيد على أعمال عباده.
- ومن مظاهر قدرته: أنه أوجد السماوات والأرض بالعدل والحكمة البالغة المحققة لنفع العالم في الدين والدنيا، فلم يكن خلقها عبثا ولا لغير معنى. وأبدع خلقكم أو تصويركم، أي التشكيل والتخطيط في أحسن وجه وأجمل عضو، وإليه في الآخرة مرجعكم ومآلكم، فيجازي كل إنسان بما كسب.
- ومن آثار قدرته: أنه تعالى يعلم جميع ما في السماوات والأرض، فلا تخفى عليه خافية من ذلك، ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه، والله محيط علمه بما يضمره كل إنسان في نفسه من الأسرار والعقائد. وقوله: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ عطف خاص على عام، فإنه تعالى علم أعظم المخلوقات، ثم تدرج القول إلى أخفى من ذلك، وهو جميع ما يقوله الناس في السّرّ والعلن، ثم تدرج إلى شيء خفي: وهو ما يهجس بالخواطر. وبِذاتِ الصُّدُورِ: ما فيه من خطرات واعتقادات، والصّدر هنا: هو القلب.
ألم يبلغكم معشر مشركي مكة خبر الكفار من الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود، وما حلّ بهم من العذاب والنّكال، بسبب مخالفة الرّسل والتكذيب بالحق، فقد دعتهم الرّسل إلى توحيد الله وعبادته، وترك عبادة الأوثان، فعاندوا وأعرضوا،
стр. 2668
فأصابهم عاقبة كفرهم وتكذيبهم، ورديء أفعالهم، بعقاب الدنيا، والعذاب المؤلم في الآخرة، وهو عذاب النار.
وذلك العذاب في الدارين بسبب أنه كانت تجيئهم رسلهم بالمعجزات الظاهرة والأدلة الواضحة، فقالوا: كيف يتصور أن يهدينا البشر؟ فكفروا بالرسل وبرسالاتهم، وأعرضوا عنهم وعن الحق والعمل به، ولم يتدبروا فيما جاؤوا به، واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم الباطلين، حين أهلكهم، وعما ظهر من هلاكهم، وأنهم لن يضرّوا الله شيئا، فبان أنه كان غنيّا أولا، والله غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته، بلسان المقال أو الحال.
وكلمة أَبَشَرٌ اسم جنس، فوصف بالجمع، على أنه مبتدأ، ويهدوننا خبر. ثم أخبر الله عن عقيدة الكفار بإنكار البعث، فقد زعم «١» الذين كفروا، يعني قريشا، ثم يعمّ كل كافر بالبعث، أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، فردّ الله عليهم وأخبرهم بأنكم والله ستبعثون وتخرجون من قبوركم أحياء، ثم تخبرون بجميع أعمالكم جليلها وصغيرها، إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به، وذلك البعث والجزاء هيّن سهل على الله تعالى. وفيه تأكيد البعث على جهة الإخبار والتوبيخ.
وليس في القرآن قسم يقسم به الله بنفسه إلا في ثلاثة مواضع: هذا الموضع: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ وقوله في آية أخرى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
(٥٣) [يونس: ١٠/ ٥٣] ، وقوله في موضع ثالث: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣٤/ ٣] . والمواضع الثلاثة لإثبات البعث بالقسم الإلهي العظيم.
стр. 2669
فليس لمؤمن أو عاقل أن ينكر الآخرة وما فيها من حساب، وعقاب وثواب، لإقامة صرح العدالة بين الناس.
الدّعوة إلى الإيمان بالله ورسوله
والتحذير من مفاجات القيامة
بعد أن أقسم الله تعالى على إثبات وجود البعث، أمر بالإيمان الخالص بالله تعالى وبرسوله، وبالقرآن نور الله الهادي إلى صراط مستقيم، ثم هدّد وحذّر من الحساب العسير يوم القيامة وهو يوم الجمع، حيث يغبن كل إنسان عمله، لتركه الاستعداد ليوم الآخرة، وليس هناك أحد أخلص من الله وأحبّ لعباده، حيث أمر بما فيه المصلحة لهم، وحذّرهم من المخاطر، ونبّههم إلى التسابق في عمل الخير، ووصف لهم أنواع النعيم، وألوان العذاب في الجحيم، ورغّبهم بالإيمان والطاعة والتوكّل على الله سبحانه، كما في هذه الآيات:
[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٨ الى ١٣]
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [التّغابن: ٦٤/ ٨- ١٣] .
стр. 2670
هذا بعد إثبات البعث اليسير على الله: دعوة إلى الله تعالى وتبليغ وتحذير، فصدّقوا بالله ورسوله محمد ﷺ ، وبالقرآن الكتاب المنير الهادي إلى السعادة، والمنقذ من الضلالة، والله مطّلع على كل شيء، عالم بكل ما تعملون أو تقولون، ومجازيكم على ذلك خيرا أو شرّا بحسب عمل كل واحد.
الله خبير ينبئكم بما عملتم يوم يجمعكم أو يحشركم في صعيد واحد للجزاء، يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يظهر فيه الغبن أو النقص، غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، فتظهر فيه الخسارة الفادحة للفريقين. فإذا وقع الجزاء عيّر المؤمنون الكافرين، لأنهم يجزون الجنة، ويحصل الكفار في النار.
ومن يصدق بالله تصديقا صحيحا، ويعمل العمل الصالح بأداء الفرائض والطاعات، واجتناب المنهيات المنكرات، يمح الله سيئاته وذنوبه، ويدخله الجنات التي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، وذلك الشرف والإنعام والتكريم: هو الظفر أو الفوز الذي لا يعادله شيء قبله ولا بعده.
وإنما قال: خالِدِينَ بلفظ الجمع، بعد قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بلفظ الواحد، لأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى.
وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته القرآنية الدّالة على البعث والقدرة الإلهية، وأنكروا رسالة النّبي محمد ﷺ ، فأولئك هم أصحاب النار، خالدين (ماكثين فيها على الدوام) وبئس المرجع مرجعهم، وساءت النار مثواهم.
وهذه موازنة بين الفريقين، تدلّ على حال السعداء، وحال الأشقياء، لبيان حال التغابن في الآخرة، لا في الدنيا.
ثم أوضح الله تعالى أن كل ما يصيب الإنسان فهو بقضاء الله وقدرته، على وفق السّنة الكونية، القائمة على العلم الإلهي، والإرادة المدبّرة، أي إن كل ما يصيب
стр. 2671
الإنسان من مصائب ورزايا، ومن خير أو شرّ فهو بإذن الله تعالى، أي بعلمه وإرادته وتمكينه الوقوع، بحسب الحكمة الإلهية، وما على الإنسان إلا العمل بأمر الله، واجتناب ما نهى عنه، لأن الأمر الإلهي غير الإرادة.
ومن يصدق بالله، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة أو شرّ أو خير، يهد الله قلبه للرّضا والصبر والثبات على الإيمان، والله واسع العلم، لا تخفى عليه من ذلك خافية. وبعبارة أخرى: من آمن بالله تعالى، وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره وعلمه، هانت عليه مصيبته، وسلّم الأمر لله تعالى.
ثم أمر الله تعالى بالطاعة، أي أيها الناس اشتغلوا بطاعة الله فيما شرع، وبطاعة رسوله فيما بلّغ، وافعلوا ما به أمر، واتركوا كل ما نهى عنه وزجر، فإن أعرضتم عن الطاعة، وتنكبتم طريق العمل، فإثمكم على أنفسكم، وليس على رسول الله ﷺ إلا التبليغ الواضح. قال الزّهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. والآية وعيد وتبرئة لمحمد ﷺ إذا بلّغ.
والله هو الإله الواحد الذي لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وهو المستحقّ للعبودية والعبادة دون غيره، فوحدوا الله وأخلصوا العمل له، ولا تشركوا به شيئا، وتوكّلوا عليه، أي فوّضوا أموركم إليه، واعتمدوا عليه، لا على غيره. وهذا تحريض للمؤمنين على مكافحة الكفار ومجاهدتهم والصبر على دين الله تعالى، وإرشاد إلى وجوب الاعتماد في كل شيء على الله، وطلب العون الدائم منه، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
إن هذه الإرشادات الإلهية ترشد إلى الصواب في الأمور، وتدلّ على فلسفة الأحداث، وتعلّقها بالإرادة الإلهية، وبالعلم الرّباني، وبالحكمة السّرمدية، فكل ذلك مرتبط بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ويجب على العبد المؤمن الرّضا
стр. 2672
والتسليم، وحسن الظن والثقة بالله، ووجوب الاعتماد على الله بعد اتّخاذ الأسباب، والقيام بالأعمال المطلوبة شرعا.
فتنة الأزواج والأولاد والأموال
حذّر الله تعالى من فتنة الأزواج والأموال والأولاد الذين يكونون سببا في التقصير بالطاعة، والتورّط أحيانا في المعصية، وناسب ذلك أن يأمر الله بالتقوى والإنفاق في سبيل الله، لأن ذلك هو رأس مال الإنسان، وسبيل إسعاده في الدنيا والآخرة، فلكل مرض علاج، وعلاج الانحراف المبادرة إلى الاستقامة، والتزام جادة الامتثال والطاعة، كما توضح هذه الآيات الآتية:
[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١٤ الى ١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [التّغابن: ٦٤/ ١٤- ١٨] .
أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ في قوم من أهل مكة، أسلموا، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم (أن يهاجروا) ، فأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ، رأوا الناس قد فقهوا، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا
стр. 2673
الآية، أي إن سبب الآية أن قوما آمنوا بالله تعالى، وثبّطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة، فلم يهاجروا إلا بعد مدة، فوجدوا غيرهم قد تفقّه في الدين، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إن بعض أزواجكم وأولادكم عدو لكم عداوة أخروية، في غير صالحكم، يشغلونكم عن الخير والعمل الصالح المفيد لكم في الآخرة، فاحذروا أن تؤثروا حبّهم وشفقتكم عليهم على طاعة الله تعالى. ثم رغّب الله تعالى بالعفو عنهم، فإن تعفوا عن ذنوب أزواجكم وأولادكم، وتصفحوا بترك اللوم عليها، وتستروا الأخطاء تمهيدا لمعذرتهم فيها، فالله واسع المغفرة لذنوب عباده، شامل الرحمة بهم، يعامل الناس بأحسن مما عملوا.
ثم أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة أي موضع اختبار ومحنة، تشغل المرء عن مراشده، وتحمله على إيثار الدنيا على الآخرة، والوقوع فيما لا يحمد عليه، ومنه
قوله ﷺ فيما أخرجه أبو يعلى في مسنده-: «الولد مبخلة مجبنة» .
والله عنده الثواب الجليل لمن آثر طاعة الله تعالى، وترك التورّط في المعصية، بسبب محبة ولده وماله. وهذا تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة.
أخرج أحمد والترمذي والحاكم والطبراني عن كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لكل أمّة فتنة، وإن فتنة أمّتي المال» .
والتخلّص من الفتنة: بالتقوى والطاعة، فأمر الله بالتقوى: وهي التزام الأوامر واجتناب النواهي، بقدر الطاقة والجهد، وأمر بالاستماع للأوامر وإطاعتها، والإنفاق من الأموال التي رزق الله بها العباد في وجوه الخير. وقوله: خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ منصوب بقوله: أَنْفِقُوا. والخير هنا: المال، أو نعت لمصدر محذوف تقديره: إنفاقا خيرا. ففي الإنفاق خير للأنفس في الدنيا والآخرة.
стр. 2674
ومن وقاه الله وحفظه من داء الشح (البخل مع الحرص) فأنفق في سبيل الله ووجوه الخير، فأولئك هم الفائزون بما يطلبون.
أخرج البخاري في تاريخه وأبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن النّبي ﷺ قال: «شرّ ما في الرجل: شحّ هالع، وجبن خالع» .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «١» [آل عمران: ٣/ ١٠٢] اشتدّ على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرّحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» .
ثم أكّد الله تعالى الحث على النفقة، بقوله: فيما معناه: إن تتصدقوا صدقة حسنة بإخلاص وطيب نفس، يضاعف الله الثواب لكم أضعافا مضاعفة، ويغفر لكم أيضا ذنوبكم، والله يجزي الكثير على القليل، تام الشكر، أي يعطي على الطاعة الجزيل بالقليل، واسع الحلم، أي لا يعاجل بالعقوبة على المعصية. وقوله: شَكُورٌ إخبار بمجازاته تعالى على الشيء، وأنه يحط به عمن شاء عظائم الأمور.
ثم رغّب الله ترغيبا زائدا بالنفقة، وهو أن الله تعالى شامل العلم بما غاب عنكم وما حضر، غالب قاهر، ذو حكمة بالغة، يضع الأمور في مواضعها الصحيحة. إن التحذير من فتنة المال والتعلّق به، ثم توالي تأكيدات ثلاثة على الإنفاق بأساليب متنوعة، ترويض على اقتلاع داء البخل من النفس، وحمل للنفس على ادّخار ثواب النفقة في سبيل الخير والمعروف عند الله تعالى الذي لا تضيع عنده الودائع.
стр. 2675
تفسير سورة الطلاق
الطّلاق السني في العدة
كره الإسلام الطلاق، لأنه تبديد الشمل، وقطع الصّلة، وهدم الحياة الزوجية، وإذا كان لا بدّ منه، فينبغي اقترانه ببدء العدة، حتى لا تطول مدّتها على المرأة، وتتضرر فالإضرار بالطلاق حرام، وكيلا يقع الزوج في الندم إذا طلّق في وقت غير مناسب، فيحرم في وقت الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وهذا هو الطلاق البدعي، ويقابله الطلاق السني الذي أمر به في الآيات الآتية من مطلع سورة الطلاق، المدنية بالإجماع:
[سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الطّلاق: ٦٥/ ١- ٣] .
стр. 2676
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن أنس قال: طلّق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
الآية، فقيل له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.
خوطب النّبي في مطلع السورة للتنبيه على سماع القول وتلقّي الأمر، ثم خوطبت أمته، أي إذا طلقتم أنت وأمتك، فيا أيها الرسول والمؤمنون به، إذا أردتم تطليق النساء، وعزمتم عليه، فطلّقوهن (أي يجب عليكم) مستقبلات لعدتهن، حتى لا تطول العدة عليهن، ولئلا يلحقهن ضرر بتطويل العدة، واضبطوا أيها الأزواج مدة العدة واحفظوها، لتكون عدة كاملة، وهي ثلاثة أقراء (أطهار في رأي، وحيضات في رأي آخر) وضبط العدة واجب، لترتب أحكام فيها، من معرفة وقت الرجعة، والإشهاد عليها، وأداء نفقة المعتدة وسكناها، والتزام بيوتهن، واتّقوا الله الرّب تعالى، فلا تعصوه فيما أمركم، ولا تلحقوا ضررا بالمرأة، ولا تخرجوا المطلقات من بيوتهن (بيت الزوجية) في مدة العدة، فلكل معتدة الحق في السكنى على حساب الزوج، ما دامت في عدتها منه، وليس للزوج أن يخرجها، ولا يجوز لها الخروج من بيت الزوجية: بيت العدة لغير ضرورة ليلا أو نهارا، إلا إذا ارتكبت فاحشة ظاهرة ثابتة كالزّنا.
وهذه الأحكام المتعلقة بالعدة: هي حدود الله التي حدّها لهم، لا يحلّ لهم تجاوزها إلى غيرها، ومن يتجاوز هذه الحدود، فقد ظلم نفسه وأضرّ غيره، وأهلكها.
وعلّة تحريم تعدي حدود الله: أنك لا تدري أيها المطلق حين ألزمنا بإبقاء المطلقة في منزل الزوج مدة العدة، أن يتراجع الزوجان، ويندم كل منهما على ما حدث، وهذا هو الغالب الواقع، ويؤلف الله بين قلوبهما، ويراجع المطلق زوجته، وتعود الحياة الزوجية كما كانت، بل ربما أحسن مما مضى، لأن الطلاق أمر صعب شاق على كل من الرجل والمرأة.
стр. 2677
فإذا اقترب انتهاء العدة، وشارفت المعتدات على انقضاء العدة، أي اقترب وقت انتهاء العدة، فعليكم أيها الأزواج اختيار أحد أمرين: إما الإمساك بالمعروف: وهو الرجعة إلى عصمة الزوج واستمرار الزوجية، مع إحسان الصحبة والمعاشرة بالمعروف كما أمر الله تعالى، وإما المفارقة بالمعروف، أي تركهن إلى انقضاء عدتهن، مع إيفاء حقّهن واتّقاء الإضرار بهن، من غير توبيخ ولا مشاتمة، بل تنفصل المرأة على وجه حسن.
ويأمركم الله بالإشهاد على الرجعة أو الفراق من شاهدي عدل، حسما للخلاف، وإعلاما للناس حتى لا يطعن بالزوج إن راجع، أو بالمرأة إن تزوجت بزوج آخر، وأدّوا أيها الشهود الشهادة خالصة لوجه الله، دون تحيّز أو ميل لأحد الخصمين. وهذه الشهادة على الرجعة والفراق مندوبة باتّفاق المذاهب الأربعة، للإجماع على عدم وجوبها عند الطلاق، فكذلك عند الإمساك.
ذلكم المذكور الذي أمرناكم به من الإشهاد وإخلاص الشهادة لله تعالى، وإيقاع الطلاق على وجه السّنة، وإحصاء العدة، والكفّ عن الخروج والإخراج، إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويخاف عقاب الله في الآخرة.
ومن يتّق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه، ويقف عند حدوده، يجعل له مخرجا أو مخلصا مما وقع فيه، ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه، على وجه لا يخطر بباله، ولا يكون في حسابه.
ومن يفوّض أمره لله فيما نابه، فالله كافيه، إن الله يبلغ ما يريده، ويحقق مراده، قد جعل للأشياء قدرا محددا قبل وجودها، وقدّر لها أوقاتها. والآية كلها عظة لجميع الناس وحضّ على التوكّل.
نزلت آية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ كما
أخرج الحاكم عن جابر: في رجل من أشجع،
стр. 2678
كان فقيرا، خفيف ذات اليد، كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له:
اتّق الله، واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا، حتى جاء ابن له بغنم، وكان العدو أصابوه، فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرها، فقال: كلها، فنزلت.
وهو حديث منكر له شاهد، أي إن الولد كان أسيرا، فهرب وأخذ من العدو قطيع غنم.
أنواع العدد ومقاديرها وحقوق المعتدات
إذا وقع الطلاق في بدء العدة، ولم تقع الرجعة للحائض في العدة (ثلاثة قروء) وجب على المطلقة الاعتداد بثلاثة قروء (حيضات أو أطهار) ، إن كانت حائضا، وأما الآيسة من الحيض، والصغيرة التي لم تر الدم، فعدتهما ثلاثة أشهر، وعدة الحامل بوضع الحمل. وللمعتدة الحق في النفقة والسكنى في بيت الزوجية بحسب الوسع والطاقة، ولو في حجرة من بيت الزوج، ومعيار مقدار النفقة هو بحسب حال الزوج يسارا وإعسارا، وتوسّعا أو اعتدالا، فالتكليف على قدر الحال. وهذا ما نصّت عليه الآيات الآتية:
[سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٤ الى ٧]
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 2679
«١» [الطّلاق: ٦٥/ ٤- ٧] .
أخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض، وأولات الأحمال، فأنزلت: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الآية.
النساء اللاتي أصبحن آيسات من مجيء الحيض لكبرهن، ببلوغهن مثلا سنّ الخامسة والخمسين أو الستين، عدتهن وعدة الصغيرات اللاتي لم يبلغن سن الحيض:
ثلاثة أشهر.
وعدة أصحاب الحمل (الحبالى) : بوضع الحمل، ولو بعد الطلاق أو الموت بساعة، في قول الجمهور، لأن النّبي ﷺ أذن لسبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد وضعها حملها بليال، بعد وفاة زوجها: بأن تتزوج، فتزوجت، أي عقدت زواجها وكان زوجها سعد ابن خولة قد توفي في حجة الوداع، ووضعت حملها قبل أربعة أشهر.
وقد نزلت هذه الآية كما ذكر ابن مسعود بعد آية عدة الوفاة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: ٢/ ٢٣٤] .
ومن يخف الله تعالى ويرهب عقابه، فيأتمر بما أمر الله، وينته عما نهى عنه، يسهّل عليه أمره كله في الدنيا والآخرة، وهذا تنويه بفضيلة التقوى.
ذلك، أي جميع الأحكام المتقدمة في الطلاق والعدة: هو أمر الله الذي أمر به عباده، وأنزله إليهم في قرآنه، ومن يخف الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح
стр. 2680
عنه ذنوبه من صحائف أعماله، ولا يؤاخذه بها، ويجزل له الثواب على عمله، وكرر الأمر بالتقوى للتأكيد عليها.
وحقوق المعتدة: هي السكنى والنفقة، فأسكنوا المطلقات في مسكن مشابه لما تسكنون فيه بقدر أحوالكم وسعتكم، ولو في غرفة من غرف الدار التي تسكنون فيها، ولا تلحقوا بهنّ ضررا في النفقة والسكنى، فتضطروهن إلى الخروج من المسكن، أو التنازل عن النفقة.
وإن كانت النساء أصحاب حمل (حبليات) فيجب عليكم بلا خلاف الإنفاق عليهن والسكنى حتى يضعن حملهن. وأوجب الحنفية السكنى والنفقة لكل مطلقة، ولو مبتوتة، وإن لم تكن ذات حمل، لقوله تعالى: وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ. ولم يوجب المالكية والشافعية للمطلقة ثلاثا إلا السكنى فقط دون النفقة، ومذهب الإمام أحمد: ألا نفقة للمطلقة ثلاثا ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم وأحمد، حيث طلقها زوجها ثلاثا،
فقال لها رسول الله ﷺ : «لا نفقة لك ولا سكنى» .
وأُولاتِ أي ذوات، جمع ذات، وأكثر أهل العلم على أن هذه الآية تعمّ الحوامل المطلقات والمعتدات من الوفاة، لحديث سبيعة المتقدم.
ويجب على الزوج دفع الأجرة على الرضاع، فإن أرضعت الأمهات المطلقات أولادكم بعد الطلاق، فأعطوهن أجور إرضاعهن إذا رضين بأجر المثل، وتشاوروا أيها الأزواج والزوجات في إرضاع الطفل، بحسب المعروف، أي بالمسامحة، من غير إضرار ولا مضارّة، وليأمر كل واحد صاحبه بخير.
وإن تضايقتم واختلفتم وأصابكم إعسار في شأن الإرضاع، فأبى الزوج إعطاء الأم الأجر الذي تريده، وأبت الأم إرضاعه إلا بما تريد من الأجر، فيستأجر الأب مرضعة أخرى، ترضع ولده.
стр. 2681
ومقدار النفقة: أن ينفق الوالد بحسب طاقته أو سعته، والفقير بحسب ما أعطاه الله من الرزق بقدر سعته أيضا، ولا يكلف الله نفسا إلا ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بالإنفاق على الزوجة والقريب ذي الرحم ما ليس في وسعه، كنفقة الغني. والعجز عن النفقة الزوجية يجيز عند الجمهور التفريق بين الزوجين، وقال الحنفية: لا يفرق بينهما.
ثم وعد الله تعالى بالإغناء، فسيجعل الله تعالى بعد ضيق وشدة سعة وغنى، وهذا وعد من الله تعالى، ووعده حق لا خلف فيه، وهو بشرى بالفرج بعد الكرب، وباليسر بعد العسر، كما جاء في آية أخرى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الانشراح: ٩٤/ ٥- ٦] .
وعيد المخالفين ووعد المؤمنين الطائعين
اقتضى بيان أحكام الطلاق والعدد وما يجب للمعتدة من نفقة وسكنى والوصية بالتقوى: إنذار المخالفين أمر الله ورسوله، بعقاب مماثل لعقاب الأمم الماضية الذين كفروا وكذّبوا رسلهم، والتذكير بعظيم قدرة الله تعالى، وإحاطة علمه بكل شيء، تأكيدا للتحذير من مخالفة الأوامر بعد تبيان الأحكام الشرعية، وهذا موضح بالآيات الآتية:
[سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٨ الى ١٢]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 2682
«١» «٢» [الطّلاق: ٦٥/ ٨- ١٢] .
هذا وعيد لكل مخالف أمر الله تعالى، مكذب رسله، فكثير من أهل القرى عصوا أمر الله ورسله، ولم يقبلوا شرعه، وتكبروا وتمردوا، فحاسبها الله تعالى بأعمالها المعمولة في الدنيا ولم يغتفر لهم زلّة، بل أخذوا بالدقائق من الذنوب، وعذب أهلها عذابا مؤلما منكرا، في الآخرة، وأما في الدنيا فعذبهم بالجوع والقحط والخسف ونحو ذلك. وعبّر بالماضي في قوله: فَحاسَبْناها وَعَذَّبْناها عن المستقبل، للدلالة على التحقّق والوقوع، لوعيد الله.
وسبب العذاب: أن أولئك المعذبين لقوا عاقبة أمرهم وشؤم كفرهم، وكان مصيرهم الخسارة والهلاك والنكال في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
وأعدّ الله لهم في الآخرة عذابا شديدا مؤلما، لكفرهم وتمرّدهم، وهو عذاب النار. فكان قوله تعالى: فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً الظاهر أنه في الدنيا، بدليل قوله بعدئذ: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً الذي يبين خسران عاقبتهم، هو عذاب الآخرة.
ثم ندب الله تعالى أولي العقول إلى التقوى تحذيرا، وأمرهم بها صراحة، وذكّرهم بما يوجب التقوى أو العمل الصالح بنحو دائم، فاتقوا الله يا أولي الألباب (العقول) من هذه الأمة. الذين صدّقوا بالله ورسله، وأسلموا لله تعالى، وانقادوا لعظمته وحكمه، واتّبعوا رسولهم محمدا ﷺ ، فإن الله قد أنزل إليكم القرآن الكريم تذكرة دائمة، وأرسل لكم رسولا مذكّرا بهذا القرآن، فهو الترجمان الصادق، وهو الذي يبلّغكم وحي الله وشرعه، ويقرأ عليكم كلام الله وآياته في حال كونها بيّنة واضحة،
стр. 2683
يبيّن فيها للناس الشرائع والأحكام، لإخراج المؤمنين بالآيات والرسول من دائرة الظلمات إلى أنوار الهداية الربانية، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
وقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا مختلف فيه، فقال قوم من المتأولين:
المراد بالاسمين القرآن، ورَسُولًا بمعنى رسالة. وقال آخرون: رسولا نعت أو كالنعت لقوله سبحانه: ذِكْراً أي ذكرا ذا رسول. وقال آخرون: المراد بهما جميعا محمد ﷺ ، والمعنى: ذا ذكر رسولا، والذكر: اسم من أسماء الرسول ﵊، وهذا هو الظاهر، لكن قال ابن عطية ﵀: وأبين الأقوال عندي معنى: أن يكون (الذّكر) القرآن، و (الرّسول) محمدا ﷺ ، والمعنى: بعث رسولا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول، ونحا هذا المنحى السّدي.
ثمّ رغّب الله المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح ببيان الجزاء الحسن لهما، وهو أن من يصدّق بالله، ويعمل العمل الصالح، فيجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه، يدخله الله جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدا على الدوام، وقد وسّع الله له رزقه في الجنة. والرزق الحسن في الآية: رزق الجنة، لدوامه وتدفّقه.
ثم أورد الله ما يدلّ على عظيم قدرته وسعة علمه، وهو أن الله تعالى هو الذي أبدع السماوات السبع، والأرضين السبع، أي كونها سبعا مثل السماوات السبع، يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه بين السماوات والأرض، وقد فعل ذلك لتعلموا كمال قدرة الله، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه شيء منها كائنا ما كان، فاحذروا المخالفة، لأن الله مطّلع على كل شيء، واتّعظوا بمصائر الأمم السابقة، فإن الله تام العلم بأعمالكم كلها، وسيجازيكم عليها، والكل خاضع له سبحانه، وفي دائرة سلطانه، فيكون الله قادرا على إثابة الطائعين، وتعذيب العاصين والمخالفين لأمره.
стр. 2684
تفسير سورة التّحريم
تحريم بعض الأشياء وكفارة اليمين
النّبي ﷺ بشر، يغضب ويرضى، وغيرة النّساء من أهم أسباب إغضاب الزوج، وقد تامرت عائشة وحفصة عليه، فحرّم على نفسه العسل.
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يحبّ الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلا، فتواطأت أنا وحفصة أنّ أيّتنا دخل النّبي ﷺ عليها، فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير «١» ، أكلت مغافير، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدا»
فنزلت الآيات الآتية في مطلع سورة التحريم المدنيّة بالإجماع:
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»
стр. 2685
«١» «٢» [التّحريم: ٦٦/ ١- ٥] .
يا أيها الرسول النّبي، لماذا تمنع نفسك من بعض ما أباح الله لك، قاصدا إرضاء أزواجك، والله غفور لما فرط منك، من تحريم ما أحلّ الله لك، وما تقدّم من الزّلة، رحيم بك، فلا يعاقبك على ذنب تبت منه. وهذا عتاب بطريق التلطّف، وإشارة إلى أن ترك الأولى بالنسبة له مثل الذنب، وإن لم يكن ذنبا في الواقع.
وقد صحح ابن العربي أن التحريم كان في العسل، وأنه شربه عند زينب.
وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسرّ ذلك، ونزلت الآية في الجميع.
وقال ابن عطية: إن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية، ومتى حرّم الرجل مالا أو جارية دون أن يعتق أو يشترط عتقا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء. فقد
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أن النبي ﷺ حرّم على نفسه الاستمتاع بمارية القبطية الجارية التي أهداها المقوقس إليه، حين قضى معها وقت القيلولة، في حجرة حفصة أو في حجرة عائشة، فغضبت بعد أن جاءت، فقال لها الرسول ﷺ : أيرضيك أن أحرّمها؟ قالت: نعم، واستكتم صاحبة الغرفة، لئلا تعلم عائشة أو حفصة بالخبر، خوفا من غضبها.
والكفارة عن اليمين المحلوفة: أن الله تعالى شرع لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المقررة في اليمين المنعقدة في سورة المائدة [الآية: ٨٩] ، والله متولّي أموركم وناصركم
стр. 2686
على الأعداء، وهو العليم بما فيه صلاحكم وفلاحكم، الحكيم في أقواله وأفعاله وتدبير الأمور.
واذكر حين أسرّ النّبي ﷺ لزوجته حفصة أنه حرّم العسل على نفسه، أو حرّم مارية، فلما أخبرت به غيرها، وأطلع الله نبيه على ما حدث منها من إخبار غيرها، عرّف زوجته (حفصة أو عائشة) بعض ما أخبرت به، وأعرض عن تعريف البعض الآخر.
فحينما أخبرها بإفشائها هذا الحديث، قالت: من أخبرك به؟ قال: أخبرني به الله الذي لا تخفى عليه خافية، فهو واسع العلم بالأسرار، وتامّ الخبرة بكل شيء في السماء والأرض.
ثم أمر الله تعالى حفصة وعائشة بالتوبة مع العتاب، فإنكما إن تتوبا إلى الله، فتكتما السرّ، وتحبّا ما أحبّه رسول الله ﷺ ، وتكرها ما كرهه، قبلت توبتكما من الذنب، وكان خيرا لكما، فقد مالت قلوبكما عن الصواب والسداد والحق. وإن تتعاونا على ما يؤذي النبي، بسبب الغيرة والرغبة في إفشاء سرّه، فإن الله يتولّى نصره، وكذلك في الولاية (أو النصرة) جبريل وصالح المؤمنين كأبي بكر وعمر وعلي، والملائكة بعد نصر الله له، ومناصرة جبريل والمؤمنين أعوان له وحراس وحفظة.
ثم حذّرهما من العواقب، فلله القدرة التامّة، فإن ربّه عسى «١» إن طلّقكن أيتها النسوة قادر أن يبدله أزواجا خيرا وأفضل منكن، قائمات بفروض الإسلام، كاملات الإيمان والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله، مطيعات لله سبحانه ولرسوله، تائبات من الذنوب، مواظبات على العبادة متذلّلات لله، صائمات،
стр. 2687
بعضهن ثيبات (مدخول بهن) وبعضهن بكارى أو عذارى (غير مدخول بهن) . والآية تهديد ووعيد على محاولات إيذاء النبي ﷺ ، وفيها أيضا وعد من الله لنبيّه أن يزوجه بما يريد، في الدنيا والآخرة.
أخرج البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت: عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية.
وليس بعد هذه الموالاة أو المناصرة شيء مثيل لها، مبالغة في تعظيم النبي ﷺ ، وتخلّصا من المكيدة ومكر النساء وغيرهن، وإحباطا لكل كيد من المشركين والمنافقين.
اتّقاء النار والتوبة والجهاد
أمر الله المؤمنين بطائفة من المواعظ، هي وقاية النفس والأهل من النار، بترك المعاصي وفعل الطاعات، والمبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الخطايا والذنوب، والإقدام على الجهاد- جهاد الكفار والمنافقين، لإقرار عقيدة التوحيد، وتنظيف المجتمع من كل مظاهر الضعف والطعن والتفريق في الداخل، لتبقى الأمة واحدة نقية، كما يتضح في هذه الآيات:
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٦ الى ٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2688
«١» [التّحريم: ٦٦/ ٦- ٩] .
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، روّضوا أنفسكم وأهليكم، واتّخذوا لها وقاية من النار، أما بالنسبة للنفس فبحملها على طاعة الله تعالى، وأما بالنسبة للأهل فبالوصية لهم، والحمل على الطاعة أيضا، حتى لا تصيروا معهم إلى النار الرهيبة، التي تتوقد بالناس والحجارة، كما يتوقد غيرها بالحطب. وهذا دليل على أن المعلّم يجب أن يكون عالما بما يأمر به وينهى عنه.
وعلى النار خزنة من الملائكة غلاظ الخلق والطباع، أشداء القلوب والبطش والفظاظة، ذوو قوة هائلة، والشدة: القوة، وعدد زبانية جهنم تسعة عشر، كما جاء في آية أخرى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) [المدّثّر: ٧٤/ ٣٠] . يتميّزون بالطاعة التامّة لله، فلا يخالفونه في أوامره، ويؤدّون ما يؤمرون.
وفائدة الجملتين: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أن الأولى لبيان الطواعية في الماضي، والثانية للمستقبل وفورية التنفيذ والامتثال.
ثم أخبر الله تعالى عما يقال للكافرين، ليكون ذلك وعظا للمؤمنين، يقال لهم عند دخول النار يوم القيامة، تيئيسا لهم: لا تعتذروا عن شيء، فالمعذرة لا تنفعكم، وإنما تجزون بأعمالكم، فلا تلوموا إلا أنفسكم.
ثم أمر الله المؤمنين بالتوبة النّصوح الخالصة له وهي مبالغة من النّصح، فيا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، ارجعوا إلى الله وتوبوا إليه توبة خالصة صادقة، تمحو
стр. 2689
ما قبلها من السيئات: وهي الندم بالقلب على الذنب، والاستغفار باللسان، والإقلاع البدني عن المعصية، والعزم على ترك العودة إلى العصيان، عسى وهي هنا ترجية، أي لعل الله أن يمحو سيئات أعمالكم التي قارفتموها، ويدخلكم بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، حين لا يوقع نبيّه والمؤمنين أتباعه بالمكروه بترك أو نقص شيء أو سوء منزلة، بل يعزّهم ويكرمهم، وحين ترى نور المؤمنين يضيء لهم طريقهم، ويسبقهم أمامهم، ويجاورهم عن أيمانهم، حال مشيهم على الصراط، كما جاء في آية أخرى: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد: ٥٧/ ٢٨] .
ويبقى النّبي ﷺ مخصوصا مفضّلا بأنه لا يخزي.
ويدعو المؤمنون حين يطفئ الله نور المنافقين يوم القيامة، قائلين: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا أي أبقه لنا، وأدمه علينا، فلا ينطفئ حتى نتجاوز الصراط، واستر ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا، ولا تفضحنا بالعقاب، واغفر لنا ذنوبنا، وحقّق رجاءنا، إنك القادر التامّ القدرة على كل شيء.
ثم أكّد الله تعالى أمر الجهاد وفرضه المتقدّم، فيا أيها النّبي القائد، دم على جهاد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، واضربهم على جرائمهم، وعند قوة الظن بهم، ولكن دون تعيين الله لرسوله منافقا يقع القطع بنفاقه. وليكن جهادك للفريقين بعنف وقسوة قلب، وشدة وانتهار، وقلة رفق بهم، وشدّد عليهم في الدعوة إلى الإسلام في الدنيا، ومثواهم جهنم في الآخرة، وساء المرجع مرجعهم.
وعذابهم في الدنيا حين التأكّد من نفاق بعضهم: الطّرد من المسجد،
فقد أمر النّبي ﷺ بعضهم قائلا: اخرج يا فلان.
وسيكون مقر الفريقين من الكفار والمنافقين نار جهنم، فلا أمل لهم بعد هذا البيان بالنجاة أو التخلّص من العذاب.
стр. 2690
إن هذه التوجيهات والمواعظ في الدنيا لها أهميتها الكبرى لصلاح النفس والبيئة، ونقاء القلب وطهره وتجرّده من جميع شوائب المعصية، وإقرار مبدأ توحيد الله وإزالة كل عوائق الكفر في الوقوف أمام نشر دعوة الإسلام.
مثلان من سيرة النّساء
ضرب الله تعالى مثلين للكفار والمؤمنين، مؤدّاهما: أن من كفر لا يغني عنه من الله شيء، ولا ينفعه ملجأ أو معتصم، ولو كان متعلّقا أو متأمّلا بأقوى الأسباب.
وأن من آمن لا يدفعه دافع عن رضوان الله تعالى، ولو كان في أسوأ منشأ وأخس حال. فامرأة نوح وامرأة لوط كانتا في بيت النّبوة، ولكنهما خانتا زوجيهما في الكفر، فلم تفدهما رابطة الزواج شيئا من عذاب الله، ولكن ليست الخيانة أخلاقية، قال ابن عباس ﵄: وما بغت زوجة نبي قط ولا ابتلي الأنبياء في نسائهم بهذا. وآسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران كانتا في وسط صعب مناف للإيمان، فصبرتا على المكروه، فكانتا في منزلة عالية عند الله تعالى، وذلك المثلان في الآيات الآتية:
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١٠ الى ١٢]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [التّحريم: ٦٦/ ١٠- ١٢] .
стр. 2691
جعل الله مثلا لحال الكفار في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أنه لا يغني أحد عن أحد، فكل إنسان مسئول عن نفسه، ومجرد الخلطة أو النسب أو الزوجية لا فائدة فيها في مجال النجاة عند الله، ما دام الإنسان كافرا، أي مات على الكفر ولم يتب.
وهذا المثل: أن امرأة نوح وامرأة لوط ﵉، كانتا في عصمة نبيّين رسولين، وبينهما معاشرة واختلاط بسبب رابطة الزوجية، لكنهما خانتا الرسولين في الكفر وترك الإيمان برسالتهما، وعدم الإيمان بهما، فكانت امرأة نوح (واعلة) تقول عن زوجها لقومه: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط (والهة) تدلّ قومه على أضيافه، بإيقاد النار ليلا، وبالتدخين نهارا، فلم ينفعهما الزواج شيئا من النفع عند الله: نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما، ولا تمكنا من دفع العذاب الإلهي عنهما، أو رفع محذور عنهما، مع علوّ مكانة زوجيهما عند الله.
وهذا تعريض بزوجي النبي ﷺ : حفصة وعائشة، لما فرط منهما، وتحذير لهما ولغيرهما بأنه لا يفيدهن شيئا زواجهن بالنّبي ﵊ إن عصين الله تعالى.
ثم ضرب الله مثلا آخر للمؤمنين بامرأتين أخريين مؤمنتين، على ضدّ حال المرأتين الكافرتين في المثل السابق.
وهذا المثل الذي ضربه أو جعله الله للمؤمنين: هو حال امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، وعمة موسى ﵇، آمنت بموسى، حين سمعت قصة إلقائه عصاه، فعذّبها فرعون في الشمس بسبب إيمانها، وبعث إليها من يقتلها بالحجر الأعظم، فلم تتراجع عن إيمانها، ونجاها الله حين أحسّت الشرّ من محاولي قتلها، حين دعت بهذا الدعاء: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
стр. 2692
الظَّالِمِينَ
أي ابن لي بيتا قريبا من رحمتك في أعلى درجات المقرّبين منك، وخلّصني من بطش فرعون وشروره، وأنقذني من القوم الظالمين، وهم كفار القبط. فقبض الله تعالى روحها. وهذا دليل على صدق إيمانها بالله واليوم الآخر.
والمرأة الثانية في هذا المثل: هي حال مريم ابنة عمران أم عيسى ﵉، التي صانت فرجها عن الفاحشة، فكانت مثال العفة والطّهر، فأمر الله جبريل أن ينفخ الروح في فرجها، فحملت بعيسى، وصدّقت بشرائع الله التي شرعها لعباده وبصحفه المنزلة على إدريس وغيره، وبكتبه المنزلة على الأنبياء، وهي التوراة والإنجيل، وكانت من القوم المطيعين لربّهم، حيث كان أهلها أهل بيت صلاح وطاعة، ومن عداد الناسكين العابدين المخبتين لربّهم، أي كانت من القوم القانتين في عبادتها وحال دينها. وقوله تعالى: مِنْ رُوحِنا إضافة مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى مالك، كما تقول: بيت الله، وناقة الله، كذلك الروح والجنس كله هو روح الله.
أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: «خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» .
وجاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري عن النّبي ﷺ قال: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .
стр. 2693
تفسير سورة الملك
من أدلّة القدرة الإلهية
أقام الحق ﵎ في مناسبات عديدة أدلة قاطعة على علمه وقدرته، لإثبات عظمته ووحدانيته ومقدرته على البعث أو القيامة، ليؤمن الكافر، ويزداد المؤمن إيمانا، وتلك الأدلة تتركز حول خلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من كواكب، وخلق الموت والحياة، وتعاقب الليل والنهار وغير ذلك. وفي مطلع سورة الملك أو الواقية أو المنجية، التي هي مكّية بالإجماع، بعض هذه الأدلّة:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [الملك: ٦٧/ ١- ١١] .
стр. 2694
تعاظم الله تعالى وتقدّس وتمجّد عما سواه، ذاتا وصفة وفعلا، وتبارك أيضا:
تزايد في الخيرات، فهو المالك لكل شيء، وهو تام القدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، يتصرّف في ملكه كيف يريد، من إحياء وإماتة، ورفع وخفض، وإنعام وانتقام، وإعطاء وحرمان.
فهو الذات الأعظم، والمالك المطلق، والمتصرف كيف يشاء والقادر على كل شيء. ومن آثار قدرته:- أنه تعالى أوجد الموت والحياة، وقدرهما من الأزل، ليعاملكم معاملة المختبر لأعمالكم، فيجازيكم على ذلك، وهو القوي الغالب القاهر، الذي لا يغلبه ولا يعجزه أحد، الواسع المغفرة والسّتر لذنوب عباده. وهذا دليل على أن الموت أمر وجودي، لا عدمي، لأنه مخلوق. والقصد من الابتلاء:
إقامة الدليل الحسّي على أفعال العباد، وإظهار كمال المحسنين وإساءة المسيئين.
والموت والحياة: معنيان يتعاقبان جسم الحيوان (الكائن الحي) يرتفع أحدهما بحلول الآخر. وقدّم الموت على الحياة في الآية، لأنه أدعى إلى العمل. وقوله: لِيَبْلُوَكُمْ أي ليختبركم في حال الحياة، ويجازيكم بعد الموت.
- ومن مظاهر قدرته: أنه تعالى أوجد أو أبدع السماوات السبع، المتطابقة بعضها فوق بعض، كل سماء منفصلة عن الأخرى، لا تشاهد أيها الناظر المتأمّل في مخلوقات الرحمن تناقضا وتباينا أو قلّة تناسب وخروج عن الانسجام، وإن كنت في شك من ذلك، فكرر البصر، هل تشاهد فيها من صدوع وشقوق؟ وهذا دليل على تعظيم خلقها وسلامتها من العيوب. ثم ردد البصر ودقّق مرة بعد مرة، يرتد إليك البصر صاغرا ذليلا عن رؤية شيء من الخلل أو العيب في خلق السماء، وهو كليل عيي من كثرة التأمل وإعادة النظر.
- ومن مظاهر القدرة الإلهية أيضا أننا- الله- زيّنا أقرب السماوات إلى الناس
стр. 2695
بمصابيح، أي بكواكب أو نجوم ثوابت وسيارات، تضيء كإضاءة السّراج، وجعلنا بعض تلك الكواكب راجمات لرجم الشياطين، وهيّأنا أو أعددنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب المنقصة عذاب النار الملتهبة، بسبب فسادهم وإفسادهم.
وهيأنا للذين كفروا بربّهم، وكذبوا رسله، عذاب نار جهنم، وبئس المرجع وما يصيرون إليه، وهو جهنم. ثم ذكر الله تعالى للنار أربع صفات وهي:
- إذا طرح الكفار في نار جهنم، كما يطرح الحطب في النار العظيمة، سمعوا لها صوتا منكرا كصوت الحمير أول نهيقها، وهي أيضا تغلي بهم غليان المرجل.
- تكاد تلك النار، أي تقترب أن تتقطع من شدة غيظها على الكفار. لكن أولاد الأنبياء والمؤمنين قبل البلوغ: هم في الجنة، وكذلك أولاد المشركين بدليل هذه الآية المتضمنة مساءلة الخزنة.
- وكلما طرح فيها فوج، أي جماعة من الكفار، سألهم أعوانها وزبانيتها سؤال تقريع وتوبيخ: أما جاءكم في الدنيا رسول منذر، ينذركم هذا اليوم، ويخوّفكم منه؟
والآية تقتضي أنه لا يلقى فيها أحد إلا سئل على جهة التوبيخ عن النّذر.
فأجابهم الكفار: مقرين بأنهم جاءوهم وكذّبوهم، قائلين: بلى جاءنا رسول من عند الله ربّنا، فأنذرنا وخوّفنا، لكنا كذبنا ذلك النذير، وقلنا له: ما نزّل الله من شيء على لسانك، ولم يوح إليك بشيء من أمور الغيب، وأخبار الآخرة والشرائع المنزلة، وما أنتم أيها الرّسل، إلا في متاهة وانحراف عن الحق، وبعد عن الصواب.
وقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفار، ويحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر.
وأجابوا أيضا بأننا نلوم أنفسنا، فلو كنا نسمع ما أنزل الله من الحق سماع
стр. 2696
الواعين والمهديين، أو نعقل عقل من يميز وينظر وينتفع، لم نكن من أهل النار، ولم نكن من الكافرين بالله. فأقرّوا معترفين بما صدر عنهم من ذنوب: وهو الكفر وتكذيب الأنبياء، فبعدا لهم من الله ومن رحمته، فهم أصحاب النار الملتهبة. إنهم اعترفوا بذنبهم في وقت لا ينفع فيه الاعتراف.
وعد المؤمنين ووعيد الكافرين
لا تظهر ثمرة الإيمان إلا بخشية الله تعالى، ولا تتحقق الخشية إلا برقابة الله في السرّ والعلن، ولا ينفصل الدين عن العمل للدنيا، والعمل للدنيا أمر مطلوب للتعرّض لرزق الله تعالى، فإن الرزق مرتبط بالسّعي. وكيف يأمن الكافرون عذاب الله تعالى في الدنيا كالخسف والزلزال، أو إرسال الحاصب وهي الريح الشديدة التي فيها حصباء لرجم العصاة؟ ألم يعتبر هؤلاء بمن كذب من الأمم الماضية فعوقبوا عقابا منكرا عظيما؟ ولم لم يتأمّلوا بمخلوقات الله العجيبة ومنها الطيور سابحات في الفضاء، بإمساك الله وتدبيره؟ كما هو واضح مما يأتي من الآيات:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٩]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2697
«١» [الملك: ٦٧/ ١٢- ١٩] .
يصف الله المؤمنين، وهم: إن الذين يخافون ربّهم بالغيب، أي في خلواتهم، غائبين عن أعين الناس، حيث لا يراهم أحد إلا الله تعالى، أو بالغيب الذي أخبروا به من الحشر والنّشر، والصّراط والميزان، والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخشوا ربّهم فيه، لهم مغفرة واسعة لذنوبهم، ولهم ثواب جزيل، وهو الجنة.
والله مطّلع على كل شيء، فسواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به، فالله عليم به، يعلم كل ما في الصدور، أي خواطر النفوس والضمائر. والآية خطاب عامّ لجميع الخلق في جميع الأعمال.
قال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فخبّره جبريل ﵇ بما قالوا فيه، ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم، لئلا يسمع إله محمد، فنزلت هذه الآية.
وأدلة سعة علم الله تعالى كثيرة، ألا يعلم الخالق خلقه فهو الذي خلق الإنسان، وأوجد السرّ ومضمرات القلوب؟ فالله أعلم بمن خلقه، لأن الصانع أعلم من غيره بالمصنوع، وهو سبحانه العليم بدقائق الأمور وما في القلوب، والخبير بما تسرّه أو تضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية.
وقوله: مَنْ خَلَقَ من: فاعل لفعل (يعلم) كأنه تعالى قال: ألا يعلم الخالق خلقه؟ فالمفعول على هذا محذوف. أو منصوب بفعل (يعلم) كأنه تعالى قال: ألا يعلم الله من خلق؟
وأدلة قدرة الله تعالى كثيرة، منها أنه هو الذي سخّر لكم الأرض، وذلّلها لكم،
стр. 2698
أي جعلها مذلولة سهلة، لينة، قابلة للاستقرار والحياة عليها، فسيروا في نواحيها وجوانبها، وكلوا مما رزقكم الله وخلقه لكم في الأرض، ومكّنكم من الانتفاع بها، وإليه النشور، أي البعث من قبوركم إلى الله، لا إلى غيره. والآية دليل على قدرة الله ومزيد إنعامه على خلقه، وعلى أن السّعي واتّخاذ الأسباب لا ينافي التوكّل على الله، وعلى أن الاتّجار والتّكسب مندوب إليه. أخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بقوم، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكّلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكّل رجل ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكّل على الله .
أتأمنون أن يخسف، أي يغوّر ويقلع الله بكم الأرض؟ كما خسف بقارون، بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون أو تسعون في جوانبها وطرقها، فإذا هي تضطرب وتتحرك بشدة. والمراد بهذا الاستفهام الوعيد والإخبار بقدرة الله على تعذيب من كفر بالله أو أشرك مع الله إلها آخر.
بل هل أمنتم ربّكم الله الذي هو في السماء كما تزعمون، وهل أمنتم قدرة الله على أن يرسل عليكم ريحا شديدة مصحوبة بالحصى أو الحجارة الصغيرة؟ وحينئذ إذا عاينتم العذاب تعلمون كيف كان إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به.
ولقد كذب الكفار الذين كانوا قبلهم، كذبوا الرّسل، فكيف كان إنكاري عليهم بما سلّطت عليهم من العذاب الشديد؟! أو لم ينظروا إلى الطير فوقهم في الأجواء العليا، وهنّ باسطات أجنحتها تارة، وقابضات لها تارة أخرى؟ ما يمسكهنّ في الهواء إلا الله الرّحمن القادر على كل شيء، إنه تعالى عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها.
стр. 2699
تحدّي عبدة الأصنام وإظهار كمال القدرة الإلهية
تحدّى الله المشركين عبدة الأصنام وأبطل اعتقاداتهم في أصنامهم من قوة وجلب خير فيها، ثم أقام تعالى أدلّة أربعة على كمال قدرته وهي تحليق الطيور في الهواء، كما في آية سابقة، وتزويد الإنسان بمفاتيح المعرفة، من السمع والبصر والفؤاد أو العقل، وشعوره بذاته في الوجود، وضمان تكاثر النوع الإنساني، ورفده بالمدد الإلهي والرزق الدائم، ثم أظهر الله حفظه لنبيّه حين دعوا عليه بالهلاك، وإعذاره حين طالبوا بتعيين وقت العذاب الذي خوّفهم به، كما في هذه الآيات وما بعدها:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الملك: ٦٧/ ٢٠- ٢٤] .
قل يا محمد لهؤلاء المشركين عبدة الأصنام، على جهة الإنكار والتيئيس من تحصيل مبتغاهم من الأوثان: بل من هؤلاء الجند من غير الإله الرحمن، أي أعوان المذهب الذين يعينونكم على ما تطلبون، ويمنعونكم من عذاب الله، إن أراد بكم سوءا؟! ما الكافرون في الواقع إلا في تغرير خادع من الشيطان بأن العذاب غير نازل بهم. والآية ردّ على الكافرين الممتنعين من الإيمان، والمعتمدين خطأ على وجود قوة من جهة الإخوان والأعوان.
- وقل لهم أيضا: من هؤلاء الذين يرزقونكم إن منع الله رزقه عنكم؟ لا أحد
стр. 2700
يعطي ويمنع غير الله، ولا أحد يرزق أو ينصر إلا الله . بل إنهم في الواقع تمادوا في غيّهم وعنادهم واستكبارهم، ونفروا أو ابتعدوا عن الحق، وساروا في طغيانهم الفكري وممارساتهم الضّالّة، ولم يتّعظوا ولم يتفكّروا في الحقيقة. والآية واضحة الدلالة على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رزاق يرزق غير الله، إن حجب رزقه عن مخلوقاته.
والفرق واضح بين المؤمن والكافر: أرأيتم معشر الناس حال المؤمن والكافر؟! الكافر يمشي متعثّرا في كل وقت، ساقطا على وجهه من حين لآخر، لا يدري مسلكه وكيفية ذهابه، بل هو تائه حائر ضالّ. أهذا أهدى إلى الطريق القويم، أم ذلك المؤمن الذي هو كمن يسير معتمدا على ذاته، معتدلا في مشيته، ناظرا أمامه، على طريق مستو، لا عوج فيه ولا انحراف؟ فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس وابن الكلبي وغيرهما: نزلت هذه الآية مثلا لمحمد ﷺ ، ولأبي جهل بن هشام. وهي إما إخبار بأحوال الفريقين في الدنيا أو في الآخرة.
وهذا برهان آخر: برهان الرزق بعد تمكين الطير من التحليق، على قدرة الله، وبرهان ثالث: قل: أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربّكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ، وحاسة البصر للنظر في بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قليلا ما تستعملون هذه الطاقات التي أنعم الله بها عليكم، وقليلا ما تشكرونه بصرف تلك النّعم إلى ما أوجدت لأجله في الخير، والبعد عن التّورّط في الشرّ، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقا. وإنما خصّت بالذكر مواهب السمع والبصر والفؤاد،