الواعين والمهديين، أو نعقل عقل من يميز وينظر وينتفع، لم نكن من أهل النار، ولم نكن من الكافرين بالله. فأقرّوا معترفين بما صدر عنهم من ذنوب: وهو الكفر وتكذيب الأنبياء، فبعدا لهم من الله ومن رحمته، فهم أصحاب النار الملتهبة. إنهم اعترفوا بذنبهم في وقت لا ينفع فيه الاعتراف.
وعد المؤمنين ووعيد الكافرين
لا تظهر ثمرة الإيمان إلا بخشية الله تعالى، ولا تتحقق الخشية إلا برقابة الله في السرّ والعلن، ولا ينفصل الدين عن العمل للدنيا، والعمل للدنيا أمر مطلوب للتعرّض لرزق الله تعالى، فإن الرزق مرتبط بالسّعي. وكيف يأمن الكافرون عذاب الله تعالى في الدنيا كالخسف والزلزال، أو إرسال الحاصب وهي الريح الشديدة التي فيها حصباء لرجم العصاة؟ ألم يعتبر هؤلاء بمن كذب من الأمم الماضية فعوقبوا عقابا منكرا عظيما؟ ولم لم يتأمّلوا بمخلوقات الله العجيبة ومنها الطيور سابحات في الفضاء، بإمساك الله وتدبيره؟ كما هو واضح مما يأتي من الآيات:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٩]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2697
«١» [الملك: ٦٧/ ١٢- ١٩] .
يصف الله المؤمنين، وهم: إن الذين يخافون ربّهم بالغيب، أي في خلواتهم، غائبين عن أعين الناس، حيث لا يراهم أحد إلا الله تعالى، أو بالغيب الذي أخبروا به من الحشر والنّشر، والصّراط والميزان، والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخشوا ربّهم فيه، لهم مغفرة واسعة لذنوبهم، ولهم ثواب جزيل، وهو الجنة.
والله مطّلع على كل شيء، فسواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به، فالله عليم به، يعلم كل ما في الصدور، أي خواطر النفوس والضمائر. والآية خطاب عامّ لجميع الخلق في جميع الأعمال.
قال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فخبّره جبريل ﵇ بما قالوا فيه، ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم، لئلا يسمع إله محمد، فنزلت هذه الآية.
وأدلة سعة علم الله تعالى كثيرة، ألا يعلم الخالق خلقه فهو الذي خلق الإنسان، وأوجد السرّ ومضمرات القلوب؟ فالله أعلم بمن خلقه، لأن الصانع أعلم من غيره بالمصنوع، وهو سبحانه العليم بدقائق الأمور وما في القلوب، والخبير بما تسرّه أو تضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية.
وقوله: مَنْ خَلَقَ من: فاعل لفعل (يعلم) كأنه تعالى قال: ألا يعلم الخالق خلقه؟ فالمفعول على هذا محذوف. أو منصوب بفعل (يعلم) كأنه تعالى قال: ألا يعلم الله من خلق؟
وأدلة قدرة الله تعالى كثيرة، منها أنه هو الذي سخّر لكم الأرض، وذلّلها لكم،
стр. 2698
أي جعلها مذلولة سهلة، لينة، قابلة للاستقرار والحياة عليها، فسيروا في نواحيها وجوانبها، وكلوا مما رزقكم الله وخلقه لكم في الأرض، ومكّنكم من الانتفاع بها، وإليه النشور، أي البعث من قبوركم إلى الله، لا إلى غيره. والآية دليل على قدرة الله ومزيد إنعامه على خلقه، وعلى أن السّعي واتّخاذ الأسباب لا ينافي التوكّل على الله، وعلى أن الاتّجار والتّكسب مندوب إليه. أخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بقوم، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكّلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكّل رجل ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكّل على الله .
أتأمنون أن يخسف، أي يغوّر ويقلع الله بكم الأرض؟ كما خسف بقارون، بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون أو تسعون في جوانبها وطرقها، فإذا هي تضطرب وتتحرك بشدة. والمراد بهذا الاستفهام الوعيد والإخبار بقدرة الله على تعذيب من كفر بالله أو أشرك مع الله إلها آخر.
بل هل أمنتم ربّكم الله الذي هو في السماء كما تزعمون، وهل أمنتم قدرة الله على أن يرسل عليكم ريحا شديدة مصحوبة بالحصى أو الحجارة الصغيرة؟ وحينئذ إذا عاينتم العذاب تعلمون كيف كان إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به.
ولقد كذب الكفار الذين كانوا قبلهم، كذبوا الرّسل، فكيف كان إنكاري عليهم بما سلّطت عليهم من العذاب الشديد؟! أو لم ينظروا إلى الطير فوقهم في الأجواء العليا، وهنّ باسطات أجنحتها تارة، وقابضات لها تارة أخرى؟ ما يمسكهنّ في الهواء إلا الله الرّحمن القادر على كل شيء، إنه تعالى عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها.
стр. 2699
تحدّي عبدة الأصنام وإظهار كمال القدرة الإلهية
تحدّى الله المشركين عبدة الأصنام وأبطل اعتقاداتهم في أصنامهم من قوة وجلب خير فيها، ثم أقام تعالى أدلّة أربعة على كمال قدرته وهي تحليق الطيور في الهواء، كما في آية سابقة، وتزويد الإنسان بمفاتيح المعرفة، من السمع والبصر والفؤاد أو العقل، وشعوره بذاته في الوجود، وضمان تكاثر النوع الإنساني، ورفده بالمدد الإلهي والرزق الدائم، ثم أظهر الله حفظه لنبيّه حين دعوا عليه بالهلاك، وإعذاره حين طالبوا بتعيين وقت العذاب الذي خوّفهم به، كما في هذه الآيات وما بعدها:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الملك: ٦٧/ ٢٠- ٢٤] .
قل يا محمد لهؤلاء المشركين عبدة الأصنام، على جهة الإنكار والتيئيس من تحصيل مبتغاهم من الأوثان: بل من هؤلاء الجند من غير الإله الرحمن، أي أعوان المذهب الذين يعينونكم على ما تطلبون، ويمنعونكم من عذاب الله، إن أراد بكم سوءا؟! ما الكافرون في الواقع إلا في تغرير خادع من الشيطان بأن العذاب غير نازل بهم. والآية ردّ على الكافرين الممتنعين من الإيمان، والمعتمدين خطأ على وجود قوة من جهة الإخوان والأعوان.
- وقل لهم أيضا: من هؤلاء الذين يرزقونكم إن منع الله رزقه عنكم؟ لا أحد
стр. 2700
يعطي ويمنع غير الله، ولا أحد يرزق أو ينصر إلا الله . بل إنهم في الواقع تمادوا في غيّهم وعنادهم واستكبارهم، ونفروا أو ابتعدوا عن الحق، وساروا في طغيانهم الفكري وممارساتهم الضّالّة، ولم يتّعظوا ولم يتفكّروا في الحقيقة. والآية واضحة الدلالة على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رزاق يرزق غير الله، إن حجب رزقه عن مخلوقاته.
والفرق واضح بين المؤمن والكافر: أرأيتم معشر الناس حال المؤمن والكافر؟! الكافر يمشي متعثّرا في كل وقت، ساقطا على وجهه من حين لآخر، لا يدري مسلكه وكيفية ذهابه، بل هو تائه حائر ضالّ. أهذا أهدى إلى الطريق القويم، أم ذلك المؤمن الذي هو كمن يسير معتمدا على ذاته، معتدلا في مشيته، ناظرا أمامه، على طريق مستو، لا عوج فيه ولا انحراف؟ فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس وابن الكلبي وغيرهما: نزلت هذه الآية مثلا لمحمد ﷺ ، ولأبي جهل بن هشام. وهي إما إخبار بأحوال الفريقين في الدنيا أو في الآخرة.
وهذا برهان آخر: برهان الرزق بعد تمكين الطير من التحليق، على قدرة الله، وبرهان ثالث: قل: أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربّكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ، وحاسة البصر للنظر في بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قليلا ما تستعملون هذه الطاقات التي أنعم الله بها عليكم، وقليلا ما تشكرونه بصرف تلك النّعم إلى ما أوجدت لأجله في الخير، والبعد عن التّورّط في الشرّ، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقا. وإنما خصّت بالذكر مواهب السمع والبصر والفؤاد،
стр. 2701
لأنها أداة العلم والمعرفة. وقوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ إما تعبير عن قلّة الشكر، أو إرادة نفي الشكر جملة.
وبرهان رابع على كمال قدرة الله، قل أيها النّبي أيضا للمشركين: إن الله هو الذي خلقكم ووزعكم في الأرض على جهة التكاثر، مع اختلاف ألسنتكم ولغاتكم وألوانكم، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والتّشتت، فهو يجمعكم كما فرّقكم، ويعيدكم كما بدأكم، للحساب والجزاء. فالحشر المشار إليه في الآية: هو بعث القيامة.
إن أدلة إثبات القدرة الإلهية كثيرة، ذكر منها في هذه الآيات ثلاثة، وفي الآية السابقة عليها ذكر دليل آخر، فتكون الأدلة الأربعة: تمكين الطيور من التحليق في أجواء السماء، ومثلها وعلى نسقها اختراع الطائرات، وإمداد المخلوقات بالرزق من عند الله، دون غيره، وإيجاد المخلوقات، ومن أخصّها الإنسان، وتزويده بطاقات السمع والبصر والعقل، التي هي مفاتيح المعرفة والعلم والإبداع، وضمان تكاثر النوع الإنساني الموزع في أنحاء الأرض، مع اختلاف الألوان والأشكال، والألسنة واللغات، والعروق والأجناس، وكل قوم راضون بأوطانهم وديارهم، ومتمسكون بأراضيهم للحفاظ على وجودهم، ثم يجمعون يوم القيامة إلى الله في المحشر، لإقامة صرح العدالة، وإنصاف المظلومين من الظالمين، والمحسنين من المقصّرين أو المسيئين.
العالم بالقيامة وتهديد المنكرين لها
يوم القيامة أو البعث حق ثابت قطعا، لا شكّ فيه، ولكن العلم به وبوقته مختصّ بالله تعالى، ومهمة النّبي ﷺ مجرد الإخبار والإنذار، وفي ذلك اليوم الرهيب يصطدم الكافرون بأهواله. وتمنّي الكافرين هلاك النّبي ﷺ أمل خادع لا فائدة فيه، ولا يبدل
стр. 2702
من جزائهم شيئا، فالعذاب لاحق بهم، ولا ينجيهم إلا الإيمان بالله وحده لا شريك له، ومع هذا الموقف الرافض منهم للإيمان ينعم الله على المخلوقات بلا حساب، ومن نعمه العظمى: رفد الناس بالماء سبب الحياة، كما جاء في الآيات الآتية:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٥ الى ٣٠]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الملك: ٦٧/ ٢٥- ٣٠] .
هذا إخبار عن مقالة الكفار الذين يستعجلون أمر القيامة، ويطالبون بالخبر الصادق بها، إن المشركين يقولون تهكّما واستهزاء وتحديا: متى يقع يا محمد ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة، والخسف ومجيء الريح الشديدة ذات الحصباء، أي الحصى والحجارة في الدنيا، إن كنتم يا محمد ومن آمن معك صادقين فيما تدعونه؟ فأخبرونا به، وبيّنوه لنا. إنهم يطالبون بتعيين وقت الحشر والعذاب الأخروي، أو الدنيوي، ولكنهم في هذا مخطئون الطلب، لأن العلم بتوقيت العذاب محصور بالله تعالى. فأجبهم وقل لهم أيها النّبي: إنما علم الساعة ووقتها ووقت العذاب بالتحديد مقصور على الله ، وإنما أنا مجرد رسول منذر مخوف لكم تخويفا واضحا. فلما رأوا العذاب الموعود به قريبا في الدنيا، وقامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريبا، اسودّت وجوههم، وعلتها الكآبة والحزن، وغشيتها المذلّة والهوان، وقالت لهم ملائكة العذاب خزنة النار، على
стр. 2703
وجه التقريع والتوبيخ: هذا هو الذي كنتم في الدنيا تطلبونه، وتستعجلون به استهزاء، وهذا هو جوابكم لرسولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٤٦/ ٢٢] .
ثم إن أولئك المشركين تمنّوا موت الرسول ﷺ ،
روي أن كفار مكّة، كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فنزلت الآية الكريمة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ..
وهذا هو الأمر الثاني الذي حكاه الله عن الكفار المشركين بعد تخويفهم بعذاب الله، إنهم طالبوا أولا بتعيين تاريخ القيامة، ثم دعوا على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأجابهم الله تعالى من وجهين:
أولا: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله ربّهم، الجاحدين نعمه: أخبروني عن أي فائدة أو نفع لكم، أو راحة فيما إذا أهلكني الله بالإماتة، أو رحمني بتأخير الأجل، أنا ومن معي من المؤمنين، فلو فرض أنه وقع بنا ذلك، فلا ينجي الكافرين أحد من عذاب الله، سواء أمات الله رسوله ومن آمن معه، أو أمهلهم، وإنما الذي ينفعكم هو الإيمان فقط.
ثانيا: قل لهم: إن الذي نجانا نحن هو الإيمان بالله الرحمن، والتوكّل عليه فقط، والتوكّل: تفويض الأمر كله لله .
وأما أنتم إذا بقيتم على ما أنتم عليه من الكفر والضلال، فستعلمون غدا، وستدركون من الذي كان في خطأ كبير واضح، منا أو منكم، وستعرفون لمن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. وفي هذا تعريض بالكفار أنهم يتّكلون على الرجال والأموال.
والدليل الواضح على وجوب التوكّل على الله لا على غيره: أنه هو مصدر جميع
стр. 2704
النّعم، ومنها نعمة الإمداد بالماء، قل لهم يا محمد: أخبروني إن صار ماؤكم المتدفّق في الآبار والأنهار والعيون غائرا ذاهبا في أعماق الأرض، بحيث لا يناله أحد، فمن الذي يأتيكم بماء كثير جار غير منقطع؟! إنه لا يأتيكم به أحد، إلا الله تعالى، بإنزال المطر والثلج وإجراء الأنهار، والمقصود بالآية: أن يجعلهم القرآن مقرّين ببعض نعم الله، ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر والضلال. فإذا أقرّوا بذلك، والإقرار نابع من الواقع، ولا بدّ من أن يقولوا: هو الله، فيقال لهم حينئذ: فلم تجعلون من لا يقدر على شيء أصلا شريكا لله في العبودية والعبادة؟! والآية دليل على وجوب الاعتماد على الله تعالى في كل حاجة، وذلك من فضل الله ومن مظاهر قدرته ووحدانيته.
стр. 2705
تفسير سورة القلم (ن)
النّبي ﷺ المثل الأعلى في الأخلاق
يتميّز الأنبياء عادة بالاتّصاف بأكرم الصفات وأسمى الآداب والأخلاق، لينشروا دين الله ودعوة التوحيد في الأرض، ويتحمّلوا صنوف المواجهة والمعارضة، ويحلموا على الناس ويتوسّعوا فيهم، ونبيّنا ﷺ هو في قمة الخلق والأدب، وصفوة الناس في مكارم الأخلاق والآداب، لأنه خاتم النّبيين، والرسول إلى الناس كافة وإلى العرب خاصة، وسمة هؤلاء: القسوة والجفاء، والشدة والغلظة، والنجاح في الدعوة إلى الله يتطلب إلانة القلوب القاسية، وإزالة جفاء النفوس، لذا وصف الله تعالى نبيّه محمدا ﷺ بالخلق العظيم، كما يبدو في الآيات الآتية في مطلع سورة القلم أو ن المكّية على الصحيح:
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤)
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2706
«١» «٢» [القلم: ٦٨/ ١- ١٦] .
ن أو نون: حرف مقطّع في قول جمهور المفسّرين للتنبيه لخطورة وأهمية ما بعدها، وتنبيه المشركين وتحدّيهم بأن القرآن الذي أعجزكم مكوّن من حروف هجائية هي مادة تكوين لغتكم العربية، التي تنطقون بها، ثم مع هذا عجزتم عن الإتيان بمثله أو مثل سورة منه. ثم أقسم الله تعالى بالقلم وبما يكتب به، أي أقسم بالقلم أداة الكتابة وبالمكتوب به. لست يا محمد بسبب نعمة النّبوة بمجنون، كما يزعمون، وإنما أنت ذو مكانة عالية وعقل رشيد وفكر سديد.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنّبي ﷺ : إنه مجنون، ثم شيطان، فنزلت: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) .
وهو جواب القسم، أي إنك بسبب نعمة ربّك- وهي جملة اعتراضية- لست مجنونا. والجنون: ستر العقل، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى الله تعالى ذلك عنه.
ومطلع السورة حيث أقسم بالقلم، وأثره: إشادة بالكتابة التي هي قوام العلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخو اللسان، وطريق الفطنة، ونعمة عامّة من الله تعالى.
- وإن لك أيها النّبي لثوابا عظيما على ما تحمّلت من مهامّ النّبوة، وذلك الثواب غير مقطوع، وإنما هو مستمر.
وإنك لصاحب الخلق العظيم الذي أمرك الله به في القرآن، لما تحملت من قومك، ما لم يتحمله أمثالك. وجمّاع هذا الخلق يتمثل في قوله الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: ٧/ ١٩٩] .
стр. 2707
ثم هدّد الله المشركين وتوعّدهم بقوله: فَسَتُبْصِرُ.. أي ستعلم أيها النّبي، وسيعلم يوم القيامة المشركون الذين كذّبوك في الدنيا، من المفتون المجنون الضّال، أي في أي فريق منّا أو منكم النوع المفتون؟ ثم أكّد الله تعالى وعيده ووعده بقوله: إِنَّ رَبَّكَ.. أي إن الله يعلم من هو في الحقيقة الضّال، أنت أم من اتّهمك بالضلال، ومن هو المهتدي من الفريقين، منكم ومنّا؟! والمعنى: بل هم الضّالون، لمعارضتهم ما فيه نفعهم العاجل والآجل.
ثم أوضح الله تعالى ما عليه الكفار من الأخلاق الذميمة، مما يقتضي التشدّد معهم، فداوم أيها النّبي على مخالفة الكفار المكذّبين لرسالتك، وتشدد في ذلك.
لقد تمنّوا لو تلين لهم، فيلينون لك، بأن تركن إلى آلهتهم، ولا تهاجمها، فيقرّون بعبادة إلهك. ثم خصص الله تعالى الوليد بن المغيرة أو غيره بالتحذير من طاعته، لاتّصافه بالصفات المذمومة، والمشهور أنه الوليد، وقيل: إنه الأخنس بن شريق أو أبو جهل أو الأسود بن عبد يغوث. وظاهر اللفظة: عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمان، لا سيما لولاة الأمور. وهذه الصفات:
- إياك أيها النبي إطاعة كل شخص كثير الحلف بالباطل، حقير الرأي والفكر.
وهو أيضا عيّاب طعّان، يذكر الناس بالشرّ في وجوههم، ويمشي بالنميمة والسّعاية بالفساد بين الناس. روى الجماعة إلا ابن ماجه عن حذيفة: «لا يدخل الجنّة قتّات» أي نمام.
- وهو منّاع للخير، أي بخيل، يمنع الخير عن الناس من الإيمان والعمل الصالح.
ظالم متجاوز الحق وحدود الله من أمر ونهي، كثير الآثام والذنوب. كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين، وكان يقول لهم ولأمثالهم: لئن تبع دين محمد منكم أحد، لا أنفعه بشيء أبدا، فمنعهم الإسلام وهو الخير الذي منعهم إياه.
стр. 2708
- وهو عدا ما ذكر غليظ جاف الطبع، شديد الخلق، دعيّ في قريش، ملصق بالقوم، وليس هو منهم. قال قرة الهمداني: إنما ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، وبواعث كفره وكبره:
- أيكفر بالله تعالى ورسوله ﷺ ، لأن الله أنعم عليه بالأموال والبنين؟ حيث جعل جزاء النعم الكفر والجحود؟ فذلك لا ينفعه عند ربّه. وهذا تقريع وتوبيخ على مقابلة النعمة بالكفر بآيات الله والإعراض عنها.
- وإذا تليت عليه آيات القرآن، زعم أنها كذب من أكاذيب وقصص الماضين، وليس هو من عند الله تعالى. لكن عقابه في الدنيا أو الآخرة أننا سنجعل له على أنفه وسما بالسواد، وبالفعل فإنه قاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال.
وقوله: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) العامل في (أن) فعل مضمر، تقديره: كفر أو جحد.
قصة أصحاب الجنّة
ينعم الله تعالى على بعض العباد بالثروة أو المال الوفير، ليعرف هل المنعم عليه شاكر لربّه في طاعة الله وشكر نعمة الله، فيزيده من النعمة، أو يكفر بها فيقطعها عنه. وهذا مثل عظيم لأهل مكة وعتاة الكفار وأصحاب الثراء، وهو مثل أصحاب الجنة ذات الثمار والحبوب، طلب منهم أن يشكروا نعمة الله، ويؤدّوا الفقراء حقوقهم، فجحدوا النعمة وحرموا المساكين حظّهم، فحرمهم الله الثمار كلها. روي أنّ واحدا من ثقيف، وكان مسلما، كان يملك ضيعة، فيها نخل وزرع بقرب صنعاء، وكان يجعل من ناتجها عند الحصاد نصيبا وافرا للفقراء، فلما مات، ورثها منه بنوه،
стр. 2709
ثم قالوا: عيالنا كثير، والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطي المساكين، مثلما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم، كما يبدو في هذه الآيات:
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٧ الى ٣٣]
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» «١٥» [القلم: ٦٨/ ١٧- ٣٣] .
إنا اختبرنا أهل مكة بالجوع والقحط، كما اختبرنا أصحاب البستان المعروف.
وخبرهم عند قريش، حين حلفوا أنهم سيقطعون ثمر البستان عند الصباح، حتى لا يعلم بهم الفقراء، فيأخذون ما كانوا يأخذونه، طمعا في اقتناء كامل الغلّة والزرع.
والقصد من الاختبار: معرفة حالهم، أيشكرون نعم الله عليهم، فيؤمنوا برسول الله المرسل إليهم بشيرا ونذيرا، أم يكذّبونه ويجحدون برسالته، وينكرون حقّ الله عليهم؟ ولا يقولون: إن شاء الله، أو لا يستثنون نصيب المساكين.
فطاف على تلك الجنة (البستان) من عند الله نار أحرقتها، أي أصابتها آفة
стр. 2710
سماوية، حتى صارت سوداء كالليل المظلم. والطائف: الأمر الذي يأتي بالليل.
والصّريم: الرّماد الأسود، بلغة جذيمة.
ولكنهم لم يقدّروا العواقب، وصمموا على ما أرادوا، فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح، ليذهبوا إلى الجذاذ، أي القطع: أن اخرجوا مبكّرين في الصباح إلى الثمار والزروع، إن كنتم قاصدين للصّرام أي القطع.
- فبادروا مسرعين إلى حقلهم، وهم يتناجون سرّا ويقول بعضهم لبعض: لا تمكّنوا اليوم فقيرا واحدا يدخل عليكم. و (يتخافتون) يتكلمون كلاما خفيّا.
- وذهبوا في الغداة مبكّرين، زاعمين أنهم قادرون على الصّرام (القطع) ومنع المساكين وحرمانهم. وقوله: عَلى حَرْدٍ أي ظنّوا أنهم قادرون على منع المساكين.
- فلما وصلوا إلى جنّتهم وشاهدوها وهي على هذه الحالة المؤلمة من الاحتراق والسواد، قال بعضهم لبعض: قد أخطأنا الطريق- طريق بستاننا، وليس هذا.
- ثم لما تأمّلوا وعلموا أنها جنّتهم (بستانهم) وأن الله تعالى عاقبهم بإبادة ما فيها، قالوا: بل نحن في الحقيقة محرومون من ثمر جنّتنا، لعزمنا على منع المساكين حقوقهم.
- قال أعقلهم وأحسنهم رأيا: هل تنزهون الله عن كل عيب أو نقص، وتذكرونه وتشكرونه على ما أنعم به عليكم، وتستغفرون الله من فعلكم، وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها؟
فاعترفوا بذنبهم، وقالوا: تنزيها لله عن أن يكون ظالما فيما صنع ببستاننا، فإنا كنا ظالمين أنفسنا في حرماننا المساكين حقوقهم. ولكنهم أتوا بالطاعة حيث لا تنفع.
ثم لام بعضهم بعضا على ما كانوا أصرّوا عليه من منع المساكين من حقّ الجذاذ، أي القطاف، ولم يجدوا أمامهم إلا الاعتراف بالخطإ والذنب. قالوا: يا هلاكنا أقبل، فإنا كنّا معتدين متجاوزين الحدّ، حتى أصابنا ما أصابنا.
стр. 2711
ثم دعوا ربّهم أن يعوّضهم خيرا عما حلّ بهم قائلين: لعل الله ربّنا أن يعطينا بدلا خيرا من جنّتنا، فإنّا متضرّعون متّجهون إليه، راجون العفو والخير منه.
ثم هناك ابتداء مخاطبة للنّبي ﷺ في أمر قريش في قوله تعالى: كَذلِكَ الْعَذابُ أي مثل ذلك العذاب الذي نزل بالجنّة: العذاب الذي ينزل بقريش بغتة، وهو عذاب كل من خالف أمر الله، وعذاب الآخرة أشد وأعظم من عذاب الدنيا، فلو كان المشركون يعلمون ذلك، لعادوا إلى رشدهم، وبادروا إلى الإيمان برسالة النّبي محمد ﷺ . وهذا دليل على غفلتهم وجهلهم. قال كثير من المفسّرين: العذاب النازل بقريش المماثل لأمر الجنة: هو الجدب الذي أصابهم سبع سنين، حتى رأوا الدخان، وأكلوا الجراد.
انتفاء المساواة بين الطائعين والعصاة
حذر القرآن الكريم الكافرين من عذاب الدنيا والآخرة، ووعد الله المتقين بجنات النعيم، والجزاء حق وعدل للفريقين، ولا يعقل بل ولا تقرّ العدالة التساوي بين طائع وعاص، ومؤمن ومجرم، وكيف يحكم عاقل بالمساواة بينهما، من غير منطق، ولا كتاب إلهي، ولا وعد من الله تعالى، ولا من الشركاء المزعومين الذين لا وجود لهم، وهذا ما قررته الآيات الآتية:
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٤ الى ٤٣]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 2712
«١» «٢» [القلم: ٦٨/ ٣٤- ٤٣] .
أخبر الله تعالى أن المتقين لهم عند ربّهم جنات النعيم، فروي أنه لما نزلت هذه الآية، قالت قريش: إن كان ثمّ جنات نعيم، فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت آية:
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) . وهذا على جهة الاطلاع والتوبيخ.
والمعنى: إن لكل من اتّقى الله وأطاعه، في الآخرة، جنات فيها النعيم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي. وحينما زعم المشركون المكّيون أن لهم الأفضلية في الآخرة، لأفضليتهم في الثروة والنفوذ، أو على الأقل المساواة مع المسلمين، أجابهم الله تعالى بقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ ...
أي كيف يعقل أن نسوّي بين الفريقين في الجزاء، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم لا يبالي بمعصيته؟ كلا، فلا مساواة بين المطيع والعاصي.
ثم نفى الله تعالى وجود أي دليل عقلي أو نقلي على هذا الزعم فيما يلي:
- كيف تظنون ذلك، وكيف تحكمون هذا الحكم الأعوج، كأن قانون الجزاء مفوض إليكم؟ إن أبسط مبادئ العقل وصحة الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم، وهذا نفي للدليل العقلي على المساواة.
أم (بل وألف الاستفهام) أي بل ألكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، يتضمن حكما مؤكدا كما تدّعون؟ ومفاد الحكم التسوية بين المطيع والعاصي، وهل في ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟ وهذا نفي الدليل النقلي.
стр. 2713
- بل ألكم من الله عهد موثق، وأيمان مغلظة مؤكدة، قائمة إلى يوم القيامة، في أن الله تعالى يدخلكم الجنة، ويحقّق لكم رغائبكم كما تريدون وتشتهون؟ وأن لكم إنفاذ الحكم الذي تصدرونه؟ كأنه تعالى يقول: هل أقسمنا لكم قسما فهو عهد لكم بأن ننعّمكم يوم القيامة وما بعده؟
اطلب منهم يا محمد موبّخا ومقرّعا وقل لهم: من المتضمن المتكفل بهذا، أو أيهم كفيل لهم بذلك، بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟! - بل ألهم شركاء لله بزعمهم كالأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ فإن كان لهم شركاء، فليأتوا بهم لمناصرتهم، إن كانوا صادقين في دعواهم. وهذا نفي التقليد وإبطال اعتقاد المشركين.
ثم تحدّاهم الله بالإتيان بالشركاء يوم القيامة حيث يشتدّ الأمر، وذلك وقت أن يكشف عن الساق، أي يوم اشتداد الأمر، وعظم الخطب في القيامة، وحين يدعى هؤلاء المشركون وأنصارهم من الكفار والمنافقين، إلى السجود، توبيخا لهم على تركه في الدنيا، فلا يتمكنون من السجود، لأن ظهورهم تيبس، وتصبح شيئا واحدا، فلا تلين للسجود. قال مجاهد في قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ هي أول ساعة من القيامة، وهي أفظعها.
وتكون أبصارهم خاشعة ذليلة منكسرة، تعمّهم الذّلة الشديدة، والحسرة والندامة، وقد كانوا في الدنيا مدعوين إلى الصلاة والسجود لله تعالى، فامتنعوا وتمرّدوا، وكانوا سالمين أصحاء، متمكنين من الفعل، ولا يوجد مانع يمنعهم من السجود. قال النخعي والشعبي: المراد بالسجود: الصلوات المفروضة. والواقع أنهم لا يدعون إلى السجود تعبّدا، وإنما توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا. وبما أنهم تكبروا عن السجود في الدنيا، مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بنقيض ما كانوا
стр. 2714
عليه، بعد قدرتهم عليه، ولا يستطيع أحد أن يسجد، لصيرورة ظهره كتلة واحدة أو طبقة واحدة. وقوله تعالى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ يريد في دار الدنيا، وهم سالمون مما نال عظام صدورهم من الاتصال والعتوّ.
التخويف من قدرة الله تعالى
تخويف للكافرين في القرآن بعد تخويف، لقد خوّفهم الله تعالى بأهوال القيامة وشدائدها، ثم خوّفهم وهدّدهم أيضا بما في قدرته من القهر، ففيه الكفاية بالجزاء لمن يكذب بالقرآن الكريم. ثم أمر الله تعالى نبيّه بالصبر، وترك الضجر في أمر التبليغ خلافا لما فعل يونس ﵇. وليس للنّبي أن يأبه بجسد قومه له، بعد أن صبّره وقوى معنوياته، وأن الشرف العظيم له، حين جعل القرآن المنزل عليه عظة للجن والإنس جميعا. وهذا مفاد الآيات الآتية:
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٤ الى ٥٢]
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)
لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» [القلم: ٦٨/ ٤٤- ٥٢] .
هذا وعيد وتهديد من الله تعالى، مفاده: دعني وإياهم، واترك أمر أولئك
стр. 2715
المكذبين بالقرآن الكريم، فإني أنا أكفيك أمرهم، وأعلم كيف أجازيهم، فإنا سنأخذهم بالعذاب على غفلة، بعد سوقهم إليه درجة فدرجة، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج، لأنهم يظنونه إنعاما، وهم لا يشعرون أن الإنعام استدراج.
والاستدراج: يستعمل في الشرّ، ويراد به: النزول بالشخص درجة درجة إلى حيث تريد، لتوريطه فيه، والمراد: إدناؤهم من العذاب تدريجا بالإمهال وإدامة الصحة، وزيادة النعمة.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»
ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:
١١/ ١٠٢] .
وأمهلهم وأؤخرهم ليزدادوا إثما، ويتورّطوا، فإن تدبيري وكيدي لأهل الكفر قوي شديد، فلا يفوتني شيء لكل من خالف أمري، وكذّب رسلي. وسمي الجزاء كيدا، لكونه في صورة الجرم. فالمراد بالكيد هنا العقوبة: التي تحلّ بالكفار من حيث هي على كيد منهم، فسمّى العقوبة باسم الذنب. و (المتين) القوي الذي له متانة.
ثم أخبر الله تعالى عن إزالة أي مانع يمنع المشركين من قبول الإسلام، فقال: أَمْ تَسْئَلُهُمْ و (أم) هي التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول، لا على جهة الرفض له، لكن على جهة الترك، والإقبال على ما سواه.
والمراد: بل أتطلب يا محمد منهم أجرة على الإرشاد والهداية وتبليغ الرسالة إليهم، فهم من الغرامة المالية مثقلون بأدائها، لشحّهم ببذل المال. الحقيقة أنك أيها النبي تدعو إلى توحيد الله تعالى بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله
стр. 2716
تعالى، وهم مع ذلك يكذبونك في دعوتك. وهذا توبيخ للكفار، لأنه لو سألهم أجرا، فأثقلهم عدم ذلك، لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وفرارهم.
بل أعندهم علم الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك؟! وبعد هذا التفنيد لمواقف الكفار وشبهاتهم، أمر الله رسوله بالصبر على أذاهم وعلى تبليغ رسالته، فاصبر يا محمد على قضاء ربّك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين، وعلى أذى قومك وتكذيبهم إياك، ولا تكن ضجرا متعجلا مغاضبا مثل يونس ﵇، حين ترك قومه، وركب البحر، والتقمه الحوت، ثم ندم على ما فعل، فألقاه الحوت على الشاطئ. أي لا تتصف بصفات يونس من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه.
ولولا أن تداركه من ربّه رحمة ونعمة، بتوفيقه للتوبة وقبولها منه، فتاب الله عليه، لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات، وهو ملوم بالذنب الذي أذنبه، مطرود من الرحمة والكرامة. فاصطفاه ربّه واختاره للنبوة، وأتم عليه رسالته، حين أعاده لقومه البالغين مائة ألف أو أكثر، فآمنوا جميعا.
ثم حذّر الله تعالى نبيّه من عداوة المشركين، وترك المبالاة بحسدهم، فإنهم، أي الكفار يكادون يجعلونك بأبصارهم تزلق، وتهلك، لما سمعوا القرآن، وقولهم عنك:
إنك مجنون، تنفيرا عنك، وتحييرا في شأنك، والمعنى: أنهم وصفوه بالجنون لأجل القرآن. وما القرآن في الواقع إلا خير وبركة، وموعظة وتذكير للجن والإنس، فلا يتحمله إلا من كان أهلا له من العقلاء. قال الحسن البصري: دواء الإصابة بالعين:
أن يقرأ هذه الآية وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا.. الآية.
стр. 2717
تفسير سورة الحاقّة
التخويف بيوم القيامة وجزاء المكذبين بها
القيامة أو الحاقّة أعظم وأخطر بكثير مما نتصور، وحينما كذبت أقوام بها كثمود وعاد وفرعون وقومه وقرى قوم لوط، دمّرهم الله تدميرا شديدا، جعل عبرة بالغة للأجيال الآتية من بعدهم. وهذا ما تحكيه لنا سورة الحاقّة المكّية بالإجماع، التي سمعها عمر ﵁ من النّبي ﷺ ، فقال في أوائلها في نفسه: إنه لشاعر، كما تقول قريش، حتى بلغ إلى قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) ثم مرّ حتى انتهى إلى آخر السورة فأدخل الله تعالى في قلبي الإسلام. وهذا مطلع هذه السورة:
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2718
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحاقّة: ٦٩/ ١- ١٢] .
البعث والقيامة، وما أدراك ما القيامة، وهي التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، وسميت بالحاقّة لأن أمور الحساب مثبتة فيها، وحقّقت لكل عامل عمله، ومتحققة الوقوع من غير شك ولا ريب. وكلمة (الحاقّة) اسم فاعل من (حق الشيء يحق) إذا كان صحيح الوجود. وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) مبالغة في أهوالها وصفاتها.
ونوع العقاب ببعض الأمم السابقة التي كذبت بيوم القيامة، تخويفا لأهل مكة وغيرهم: هو:
كذبت قبيلة ثمود قوم صالح وقبيلة عاد قوم هود بالقيامة التي هي القارعة التي تقرع الناس بأهوالها. فأما جماعة ثمود فأهلكوا هلاكا تامّا بالطاغية: وهي الصيحة أو الصاعقة أو الرجفة التي جاوزت الحدّ في الشدة. قال قتادة: الطاغية: معناه الصيحة التي خرجت عن حدّ كل صيحة. وهذا أولى الأقوال وأصوبها.
وأما قبيلة عاد قوم هود، فأهلكوا هلاكا ساحقا بريح شديدة الصوت والبرد، قاسية شديدة الهبوب، جاوزت الحدّ، لشدة هولها، وطول زمنها وشدة بردها، سلّطها الله عليهم طوال مدة سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحجارة، تحسمهم حسوما، أي تفنيهم وتذهبهم. فتشاهد إن حضرت أولئك القوم في ديارهم موتى مصروعين على الأرض، كأنهم أصول نخل ساقطة أو بالية، لم يبق الله منهم أحدا، فهل تحس منهم من أحد من بقاياهم؟ بل
стр. 2719
بادوا عن آخرهم، ولا خلف لهم.
ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وقوله: مِنْ باقِيَةٍ إما مبالغة كعلّامة ونسّابة، والمعنى: من باق، أو من فئة باقية، وإما مصدر، أي من بقاء.
وأتى بالفعلة الخاطئة الطاغية فرعون ومن تقدّمه من الأمم الكافرة، وأهل المنقلبات (المؤتفكات) قرى قوم لوط، وخطؤهم: الشّرك والمعاصي الكبائر.
فعصت كل أمة من هؤلاء رسولها المرسل إليها، فأهلكهم الله ودمّرهم، وأخذهم أخذة أليمة شديدة، زائدة على عقوبات سائر الأمم الأخرى. و (الرّابية) النامية التي قد عظمت جدا.
ثم عدد الله تعالى نعمته على الناس في قصة الطوفان.
إننا لما تجاوز الماء حدّه وارتفع بإذن الله، وجاء الطوفان في زمن نوح ﵇، حملنا آباءكم المؤمنين وأنتم في أصلابهم، في السفينة التي تجري في الماء، لتتحقق لهم النجاة من الغرق، ولنجعل نجاة المؤمنين، وإغراق الكافرين عبرة وعظة، تستدلون بها على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، وشدة انتقامه، ولتحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت ووعت. فقوله تعالى: لِنَجْعَلَها
ووَ تَعِيَها
عائد إلى الواقعة المعلومة، وهي نجاة المؤمنين، وإغراق الكافرين، أي: من تذكرها ازدجر.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مكحول مرسلا قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
قال رسول الله ﷺ : «سألت ربّي أن يجعلها أذن عليّ» ، قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط، فنسيته.
هذا أنموذج من أوصاف العقاب الأليم الذي أوقعه الله ببعض الأقوام الغابرة، اتصفت بأقسى ألوان الشدة في الدنيا، لتكون درسا بليغا، وعظة بالغة للأقوام
стр. 2720
والأفراد والجماعات إذا فعلوا مثل فعلهم، سواء من أهل مكة المشركين في الماضي، أو من أهل الأقطار والبلاد الأخرى. وهذا اللون من العقاب أخفّ بكثير إذا قورن بألوان العذاب الأخروي. والفرق بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فرق واضح، الأول مؤقت، ومقصور على فئات خاصة، والثاني دائم خالد لا يزول، شامل كل من جحد بالله ومات على كفره.
هول القيامة وحال الأبرار فيها
للقيامة أهوال وأحزان، ومفاجات وكوارث، تبدأ من نفخة الفزع التي ينفخها إسرافيل في الصور (وهو القرن الذي ينفخ فيه) ومعها يكون الصعق، ثم يعقبها نفخة البعث، وبعد النفخة الأولى تدكّ الأرض والجبال، وتنشق السماء وتنتثر الكواكب والنجوم، ثم يكون الحساب للأبرار والفجّار، أما الأبرار: فهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ويهنأون في العيش الرغيد الخالد، في جنات النعيم، وأما الفجار: فهم الأشقياء الذين يعطون كتبهم بشمائلهم أو من وراء ظهورهم، ويعذّبون في الجحيم بسبب كفرهم وإحجامهم عن الخير، كما يتضح في الآيات الآتية:
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ٢٤]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)
قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»
стр. 2721
«١» «٢» «٣» [الحاقّة: ٦٩/ ١٣- ٢٤] .
ذكّر الله تعالى بأمر القيامة في هذه الآيات، ومبدؤها حين ينفخ إسرافيل النفخة الأولى التي يكون عندها خراب العالم، وحدوث الفزع والصعق. ثم تكون نفخة البعث. وقيل: هي نفخات ثلاث: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ثم نفخة البعث.
وبعد النفخة الأولى ترفع الجبال من أماكنها بقدرة الله، ويضرب بعضها ببعض ضربة واحدة، وتصير مع الأرض كتلة واحدة، وترجع كثيبا مهيلا، وتتبدد وتتغير.
فحينئذ قامت القيامة، ووقعت النازلة. فقوله: وَقَعَتِ الْواقِعَةُ معناه: قامت القيامة والطّامّة الكبرى.
وتصدّعت السماء، فتصير يومئذ ضعيفة مسترخية، غير متماسكة الأجزاء، وتتبدل هي والأرض تبدّلا محسوسا واضحا، ويبرز الناس للحساب بين يدي الله تعالى.
وتكون الملائكة على جوانب السماء وحافاتها على أتم الاستعداد لتنفيذ ما يأمرهم الله به. ويحمل عرش ربّك فوق رؤوس الملائكة الذين هم على الأرجاء (الجوانب) ثمانية أملاك. وقوله: الْمَلَكُ اسم جنس، يريد به الملائكة. وضمير أَرْجائِها عائد على السماء، أي الملائكة على نواحيها وجوانبها. والعرش في اللغة: سرير الملك، وهو أعظم مخلوقات الله تعالى، نؤمن به، ونفوض الأمر في وصفه لله .
في ذلك اليوم، يعرض العباد على الله تعالى لحسابهم، فلا يخفى على الله من
стр. 2722
ذواتكم وأقوالكم وأفعالكم وأموركم خافية، كائنة ما كانت، فهو تعالى يعلم السرّ وأخفى. وهذا تهديد ووعيد.
والناس بعد الحساب فريقان: سعداء أبرار، وأشقياء فجّار.
أما الأبرار: فهم الذين يؤتون كتبهم التي كتبتها الحفظة عليهم من أعمالهم، فيقول السعيد صاحب اليمين لكل من لقيه: خذوا هذا الكتاب فاقرؤوا ما فيه، لعلمه أنه صار من الناجين، بعد أن كان خائفا مضطربا كشأن أهل المحشر كلهم، كما قال تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) أي تيقّنت وعلمت أني ألقى حسابي في هذا اليوم، فيؤاخذني الله بسيئاتي، ولكنه تعالى تفضّل علي بالعفو، ولم يؤاخذني بها. والآية عبارة عن إيمان هذا السعيد بالبعث وغيره. فهو يقول: لقد علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. قال قتادة: ظنّ هذا ظنّا يقينيا فنفعه، وقوم ظنوا ظن شك فشقوا به.
ومصير هذا السعيد: أنه بعد تلقي كتابه بيمينه هو في عيشة مرضية أو ذات رضا، خالية من المكدّرات، غير مكروهة، في جنة مرتفعة المكان، رفيعة القدر، عالية المنازل، مكانا وقدرا، دائمة السرور، ثمارها قريبة التناول لكل أحد بحسب راحته، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع. والقطوف: جمع قطف: وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف. ودنوها: هو أنها تأتي طوع التّمني، فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع، بفيه، من شجرتها.
ويقال لهؤلاء السعداء من الملائكة الأبرار: كلوا أيها المتّقون الأبرار في الجنّة من طيباتها وثمارها، واشربوا من أشربتها الهانئة، أكلا وشربا هنيئا، أي لا تكدير فيه ولا تنغيص، جزاء لما عملتم، وبسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. والْأَيَّامِ الْخالِيَةِ هي أيام الدنيا، لأنها في الآخرة قد خلت وذهبت. وأَسْلَفْتُمْ قدمتم.
стр. 2723
وهذا تفضّل من الله تعالى عليهم، وامتنان وإنعام وإحسان، لما
ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسدّدوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنّة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
إن دخول الجنان بفضل من الله ورحمة وإحسان، أما تفاوت الناس الصالحين في درجات الجنّة، فإنما هو بحسب تفاضلهم في أعمالهم، وهو ما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى: يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النّحل: ١٦/ ٣٢] .
وهذا جمع موفّق بين الآيات والأحاديث النّبوية.
حال الفجّار في القيامة
يتميز أسلوب القرآن الكريم بالموازنة أو المقارنة بين الأضداد والمتغايرات، ليختار الإنسان العاقل الواعي بحرّيته طريق الخير أو طريق الشرّ، ويكون عمله هو سبب جزائه الحسن أو السوء، وقد ذكر الله تعالى في آيات سابقة حال الأبرار الأتقياء من نعيم الجنان، ليستعد الإنسان للعمل بعملهم، ثم أعقبه ببيان حال الأشقياء التعساء في نيران الجحيم، ليتجنّب المرء مسيرتهم وسلوكهم، لأن الجزاء الواضح في الآخرة مرتبط بنوع العمل، فأهل الإيمان والعمل الصالح هم السعداء، وأهل الكفر والجحود والمعاصي هم الهالكون الخاسرون، بسبب الإعراض عن الإيمان الصحيح بالله ورسالاته وعن أعمال البر والخير، كما يبدو في هذه الآيات:
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٢٥ الى ٣٧]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
стр. 2724
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الحاقّة: ٦٩/ ٢٥- ٣٧] .
المعنى: أما الشّقي الذي أعطي كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيقول حزنا وكربا لما رأى من سوء عمله وعقيدته: يا ليتني لم أعط كتابي. ولم أعلم شيئا عن حسابي، لأن كله وبال علي، ليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت القاطعة نهاية الحياة، ولم أبعث بعدها، أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ولا حياة، فهو يتمنى دوام الموت وعدم البعث، لما شاهد من سوء عمله، وما يجابهه في الآخرة من العذاب.
جمعت الآيات بين مقابلة العذاب النفسي بتمنّي عدم تلقّي الكتاب، وبين الشعور بالعذاب الجسدي، حين تمنّي الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه، كما قال قتادة.
ويضيف الكافر قائلا: ما أفادني مالي شيئا، ولم يدفع عني شيئا من عذاب الله تعالى، وذهب منصبي وجاهي وملكي وحجتي، والسلطان: هو الحجة، على الراجح، فلم يدفع عني العذاب. قال ابن عطية: والظاهر عندي أن سلطان كل أحد: هو حاله في الدنيا من عدد وعدد، ومنه
الحديث: «لا يؤمنّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» «٨» .
هؤلاء الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم: هم المخلّدون في النار، أهل الكفر، فيتمنون
стр. 2725
أن لو كانوا معدومين لا يجري عليهم شيء، حين لا يجدون شيئا ينفعهم في الآخرة من مال أو ولد أو حجة مقبولة.
فيأمر الله زبانية جهنم قائلا لهم: خذوه، أي خذوا هذا الكافر الشّقي، مكبّلا بالقيود والسلاسل والأغلال، بجمع يده إلى عنقه في الغلّ، ثم أدخلوه الجحيم ليصلى حرّها، ثم أدخلوه في سلسلة (حلق منتظمة) طولها سبعون ذراعا تلفّ على جسمه، لئلا يتحرّك. وقد جعل الله تعالى في قرآنه السبع مائة، والسبعين، والسبعة، مواقف ونهايات لأشياء عظام، فلذلك مشى العرب وغيرهم على أن يجعلوها نهايات، وهذه السلسلة من الأشياء التي جعل الله تعالى فيها السبعين: نهاية.
وسبب وعيد هذا الشّقي وعذابه: أنه كان لا يؤمن بالله العظيم، أي كافرا جاحدا، لا يصدق بالله صاحب العظمة والسلطان، ولا يحب الخير ولا يفعله، ولا يحث على إطعام الفقير والمسكين البائس، فضلا عن أنه لا يبذل المال لمحتاج. أي لا يؤدي حقوق الله من توحيده وعبادته، وترك الشّرك به، ولا يوفي بحقوق العباد من الإحسان والمعاونة على البر والتقوى. وفي ذكر الحضّ دون الفعل تشنيع على صاحبه، يفيد أن تارك الحض كتارك الفعل. وهذا دليل على أن غير المؤمنين إطلاقا مطالبون بفروع أحكام الشريعة الإسلامية، من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها من شرائع المعاملات والأحوال الشخصية.
والعذاب متعين لازم لهذا الشقي، فليس له يوم القيامة قريب ينفعه، أو صديق يشفع له، أو منقذ ينقذه من العذاب. والحميم: هو الصديق اللطيف المودة.
وأما وسائل بقاء الحياة في النار لأهلها، فتتجدد حياتهم كلما عذّبوا، وليس لهم طعام يأكلونه إلا أقبح الأشياء، وهو ما يسيل من أجساد أهل النار من صديد ودم وقيح، إنها سموم قاتلة في الباطن، مع العذاب في الظاهر، وهذا الطعام لا يتناوله إلا
стр. 2726
الآثمون أصحاب الخطايا والذنوب. والخاطئ: الذي يتعمد الإثم والخطأ وترك الصواب. والمخطئ: الذي يفعله من غير تعمّد.
نفى الله تعالى في هاتين الآيتين أن يكون للكافر في الآخرة من يواليه، ونفى أن يكون له طعام إلا من غسلين: ما يسيل من أجساد أهل النار، وذلك غاية القبح.
القرآن تنزيل من الله وتذكرة
ختم الله تعالى سورة الحاقّة بما يدلّ على تعظيم القرآن الكريم، وكونه تنزيل ربّ العالمين، على قلب رسوله الأمين، وأنه تذكرة للمتقين، ولا قيمة لتكذيب المكذبين، وسيبقى حق اليقين الذي لا شك فيه، ومصدر غصة وعذاب وحسرة على الكافرين، وهو الكتاب المعجز الدالّ على إخراس ألسنة المتقولين فيه، قال مقاتل: سبب نزول الآيات أي التي يقسم الله فيها على أن القرآن قول الله الذي يبلّغه رسول كريم: أن الوليد ابن المغيرة قال: إن محمدا ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة: كاهن، فقال الله : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) الآيات، أي أقسم. وهذه هي الآيات:
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٣٨ الى ٥٢]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الحاقّة: ٦٩/ ٣٨- ٥٢] .
стр. 2727
فلا أقسم: لا إما زائدة أي فأقسم، أو ردّ لما تقدم من أقوال الكفار. والمعنى:
أقسم أي أقسم لخلقي بما تشاهدون من المخلوقات الدالة على كمالي في أسمائي وصفاتي، وما لا تشاهدون مما غاب عنكم من المغيبات، إن هذا القرآن هو كلام الله ووحيه وتنزيله على عبده محمد ﷺ ، وهو تلاوة وتبليغ رسول كريم: هو جبريل ﵇، أو محمد ﵊، وعليه الأكثرون، وأضيف القول إليه، لأنه هو الذي تلاه وبلّغه.
وليس القرآن بقول شاعر كما تزعمون، لأن محمدا ﷺ ليس بشاعر، وليست آيات القرآن من أصناف الشعر، وأنتم تؤمنون أو تصدّقون تصديقا يسيرا، حين تقولون عن الخالق: إنه الله.
وليس هو بقول كاهن: وهو من يدّعي الغيب ومعرفة أسرار المستقبل، كما تزعمون، فإن القرآن سبّ الشياطين، فلا يعقل أن يكون بإلهامهم، ولكنكم تتذكرون تذكّروا قليلا، فيلتبس الأمر عليكم.
بل هو تنزيل من الله ربّ الإنس والجنّ، نزل به جبريل الرّوح الأمين على قلب الرسول محمد ﷺ . ثم أكّد الله تعالى أن هذا النّبي ﷺ لا يستطيع أن يختلق القرآن، فإنه لو افترى القرآن، وجاء به من عند نفسه، ونسبه إلى الله تعالى، على سبيل الفرض، لأخذناه وأهلكناه بالقوة، ولنلنا عقابه بقوة منا، واليمين: القوة كما قال ابن عباس ﵄. ثم لبترنا منه الوتين من قلبه، وهو العرق أو الوريد المتصل من القلب بالرأس، إذا قطع مات صاحبه. وهذا تصوير لإهلاكه بأشنع وأشد ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه.
فليس منكم أحد يحجزنا ويمنعنا منه، أو ينقذنا منه، فكيف يجرأ على تكلف الكذب على الله لأجلكم؟! وقوله: حاجِزِينَ جمع روعي فيه المعنى، لأن قوله:
стр. 2728
مِنْ أَحَدٍ في معنى الجماعة، يقع في النفي العام على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، والمراد: لا يمنعنا أحد عن الرسول أو عن القتل.
وأوصاف القرآن الكريم: هي أنه عظة وتذكرة لأهل التقوى الذين يخشون عذاب الله بإطاعة أوامره، واجتناب نواهيه.
وإنا لنوقن ونجزم أن بعضكم مكذبون بالقرآن، كفرا وعنادا، ونحن نجازيهم على ذلك، وبعضكم مصدّقون به، لاهتدائه إلى الحق. وفي هذا وعيد شديد للمكذبين.
وإن هذا القرآن سيكون حسرة وألما وندامة على الكافرين، يوم القيامة، من حيث إنهم كفروا به، ويرون من آمن به ينعّم، وهم يعذّبون.
وإن القرآن هو الخبر الصدق، واليقين الحق الذي لا شك فيه، لكونه من عند الله، وليس من قول أحد من البشر. وقوله: لَحَقُّ الْيَقِينِ في رأي الكوفيين: من إضافة الشيء إلى نفسه، كدار الآخرة، ومسجد الجامع. وفي رأي البصريين والحذّاق: أن الحقّ مضاف إلى الأبلغ من وجوهه، قال المبرد: إنما هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين.
ثم أمر الله تعالى نبيّه بتسبيح الله باسمه العظيم، أي نزّه الله تعالى الذي أنزل هذا القرآن العظيم، عما لا يليق به، بقولك: سبحان ربي العظيم. وفي ضمن ذلك:
الاستمرار على تبليغ رسالته.
روي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: «اجعلوها في ركوعكم» .
واسم الرّب: كل لفظ يدل على الذات الأقدس أو على صفة من صفاته، كالله والرّحمن والرّحيم. وتنزيه الاسم الخاص: تنزيه للذات، فتكون الباء في قوله: بِاسْمِ زائدة.
стр. 2729
تفسير سورة المعارج
التهديد بالعذاب الأخروي
المشركون قوم حمقى، فإنهم طالبوا بإنزال العذاب في الدنيا، واستعجال العذاب الأخروي تحدّيا واستهزاء وعنادا، على الرغم من إخبار القرآن بتعذيب من قبلهم ممن هو أشد منهم قوة وجحودا وثراء وزعامة، فجاءهم إنذار آخر من السماء يهددهم بعذاب واقع، مع وصف مرعب ليوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال وتغيرات غريبة تباين المألوف، مما يزيد في الخوف أو الذّعر، وذلك في مطلع سورة المعارج المكّية بالإجماع في هذه الآيات:
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)
كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [المعارج: ٧٠/ ١- ١٨] .
стр. 2730
أخرج النّسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ قال:
هو النّضر بن الحارث، قال: «اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء» .
دعا داع وطلب طالب بإنزال عذاب واقعي، كائن للكافرين، نازل بهم، لا يمنع ذلك العذاب الواقع أحد إذا أراده الله تعالى. وقوله: لِلْكافِرينَ بمعنى: على الكافرين، فاللام بمعنى على هنا، أو كأن قائلا قال: لمن هذا العذاب؟ فقيل:
للكافرين. وسؤال العذاب من طالبه للاستهزاء والتعنّت. والسائل كما تقدّم: هو النضر بن الحارث أو غيره.
والعذاب واقع من جهة الله تعالى، ذي المصاعد الذي تصعد إليه الكلمة الطيبة والعمل الصالح، أو تصعد فيها الملائكة، وقال ابن عباس: المعارج: السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. تصعد في تلك المعارج الملائكة وجبريل ﵇، خصصه بالذّكر تشريفا، في مدة يوم يقدّر بخمسين ألف سنة من سنوات الدنيا، لو أراد البشر الصعود إليها. وهذا بحسب مواقف القيامة ومواطنها، فيها هذه المواطن، وفيها خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة، كما في آية أخرى: هي فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السّجدة: ٣٢/ ٥] . وهذا في حقّ الكافر، أما في حقّ المؤمن فلا يجدون هذه المسافة لقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) [الفرقان: ٢٥/ ٢٤] . والمستقر والمقيل: هو الجنة.
ثم أمر الله نبيّه بالصبر على مثل هذا السؤال، فاصبر يا محمد صبرا جميلا، ولا تأبه بسؤالهم العذاب استهزاء وتعنّتا وتكذيبا بالوحي، واحلم على تكذيبهم لك.
إن المشركين يرون يوم القيامة ووقوع العذاب فيه بعيدا أو مستحيل الوقوع، والله يراه قريبا، ويعلمه كائنا ممكنا غير متعذر، لأن كل ما هو آت قريب.
стр. 2731
وأوصاف ذلك اليوم يوم القيامة: أن السماء تصير كمائع الزيت أو المعادن المذابة، وتكون الجبال كالصوف المنفوش أو المندوف إذا طيّرته الريح، ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله في ذلك اليوم، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره.
ويبصّر أو يرى كل صديق صديقه، ويعرّف به، لا يخفى منهم أحد عن أحد، دون أن يكلم بعضهم بعضا، ويتمنّى الكافر وكل مذنب ذنبا يستحقّ به النار: أن يفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة الذي نزل به، بأعزّ ما لديه، من المال والبنين، والزوجة، والإخوة والأخوات، والعشيرة أو الرّهط والقرابة الأدنين، كبني هاشم مع النّبي ﷺ ، وكل من في الأرض جميعهم من الثّقلين: الإنس والجنّ وغيرهما من الخلائق، ثم ينجيه من هذا الفداء، الذي تضمنه قوله: لَوْ يَفْتَدِي فهو كالمتقدم الذّكر. فالفاعل لقوله: يُنْجِيهِ هو الفداء، أي لا نجاة.
ثم أكّد الله تعالى رفض قبول الفداء بقوله: كَلَّا للردع والزجر، فهي ردّ لقولهم وما ودّوه، أي ليس الأمر كذلك. فلا يقبل الفداء من المجرم، إنها جهنم الشديدة الحرّ مأواه، التي تنزع اللحم عن العظم، والأعضاء عن مفاصلها، وجلدة الرأس عنه، ثم يعود كما كان. وتنادي جهنم الكفار وهم كل من أدبر عن الحق والإيمان في الدنيا، وتولى عنه، وجمع المال فجعله في وعاء، فلم ينفق منه شيئا في سبيل الخير، ومنع حق الله فيه، من الواجب عليه من النفقات وإخراج الزكاة.
وقوله: فَأَوْعى أي جعله في الأوعية. وهذا إشارة إلى كفار أغبياء جعلوا جمع المال جلّ همهم ومقصد حياتهم، فجمعوه من غير حلّ، ومنعوه من حقوق الله تعالى.
ودعاء جهنم لأهلها إما حقيقة، تدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، كما قال ابن
стр. 2732
عباس وغيره. وقال الخليل بن أحمد: هي عبارة عن حرصها عليهم، واستدنائها لهم، وما توقعه من عذابها.
والواقع أن غضب الله وسخطه يحيط بجهنم وأهلها، وكل ما فيها وما حولها عذاب في عذاب، وشقاء في شقاء، أعاذنا الله تعالى منها ومن الاقتراب من حرّها.
طبع الإنسان وعلاجه
على الرغم من أهوال القيامة الموحية بأشد ألوان العذاب، يجمح بالإنسان طبعه وميله إلى الشرّ، بسبب أوصاف الهلع والجزع والمنع التي تؤدي به إلى السوء، لكن تعديل الغرائز وترقية الطباع أمر متحمل. ويمكن ترويض هذه الأخلاق وعلاجها بالحكمة والمجاهدة، وفي ضوء تقدير المخاطر، ومن أجل النجاة من المخاوف التي تحيط بالإنسان في آخرته. والقرآن الكريم نبّه إلى طرق العلاج لطبيعة الإنسان بأسلوب معقول وواضح، كما يتبين من هذه الآيات:
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المعارج: ٧٠/ ١٩- ٣٥] .
стр. 2733
إن الإنسان (اسم جنس يفيد العموم) مجبول على الضجر والهلع: وهو شدة الحرص، وقلة الصبر، فإذا أصابه شرّ من فقر أو مرض مثلا، فهو كثير الجزع، أو الحزن، والشكوى، وإذا أصابه خير من غنى أو منصب وجاه، أو قوة وصحة ونحو ذلك، فهو كثير المنع والبخل. والهلع بعبارة أخرى: فزع واضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شرّ ما في الرجل: شحّ هالع، وجبن خالع» .
ثم استثنى الله تعالى من اتصف بصفات عشر وهي:
- هؤلاء الناس يتّصفون بصفات الذّم، إلا المصلّين الذين يؤدّون صلاتهم، ويحافظون على أوقاتها وواجباتها، ويداومون عليها، وهاتان الصفتان: أداء الصلاة والمواظبة عليها، تساعدان على التخلّص من صفات الهلع والجزع والمنع، أي إن هذا المعنى يقل فيهم، لأنهم يجاهدون أنفسهم بالتقوى، ويؤثرون الآخرة على الدنيا.
- والذين يكون في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات والبائسين، سواء سألوا الناس أو تعفّفوا، والسائل: الفقير الذي يتكفّف فيعطى، والمحروم: الذين يتعفّف فيحرم. والحق المعلوم: هو الزكاة المفروضة في رأي. وفي رأي آخر أصح هي في الحقوق التي سوى الزكاة، وهي ما ندبت الشريعة إليه من المواساة. وقد قال ابن عمر والثعلبي ومجاهد وكثير من أهل العلم: إن في المال حقّا سوى الزكاة.
- والذين يوقنون بوجود يوم القيامة يوم الحساب والجزاء، لا يشكون فيه ولا يجحدونه، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب، ويخشى العقاب. وسمي يوم القيامة بيوم الدين، لأنه يوم المجازاة، والدين: الجزاء.
- والذين هم خائفون من عذاب الله، إذا تركوا الواجبات، واقترفوا المنكرات، فيكون العذاب واقعا بهم إلا بعفو من الله تعالى.
стр. 2734
- والذين يكفّون فروجهم عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه، وهو الزوجة وملك اليمين الذي هو الإماء، حين كان الرّق قائما، فلا لوم في الاستمتاع المشروع بهما، فمن قصد المتعة بغير هذين السبيلين: الزواج والتمتع بملك اليمين، فهم المتجاوزون الحدود، المعتدون الضارّون.
وقوله: غَيْرُ مَلُومِينَ معناه أنهم غير ملومين على أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
وابْتَغى معناه: طلب، وقوله: وَراءَ ذلِكَ معناه سوى ما ذكر.
- والذين يؤدّون الأمانات التي يؤتمنون عليها إلى أهلها، ويوفون بالمعاهدات والاتفاقات والعقود المبرمة، ولا ينقضون البيع ولا شيئا من الشروط المتفق عليها.
فإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وإذا حدّثوا لم يكذبوا. وهذه صفات المؤمنين، وأضدادها صفات المنافقين. والأمانات: هي في الأموال والأسرار، وفيما بين العبد وربّه تعالى، فيما أمره به ونهاه عنه. قال الحسن: الدّين كله أمانة. والعهد:
كل ما تقلّده الإنسان من قول أو فعل أو مودّة. أخرج البخاري في كتاب الأدب:
«حسن العهد من الإيمان» . وراعُونَ جمع راع، أي حافظ.
- والذين يؤدّون الشهادة على الحقوق والمنازعات في محاكم القضاء بحق، ويحافظون عليها دون زيادة ولا نقصان، ودون مجاملة لقريب أو بعيد، أو رفيع أو ذي منصب وجاه، ولا يكتمونها ولا يغيرونها. ولا يكون أداء الشهادة في حقوق العباد إلا بعد طلب لأداء الشهادة، أما في حقوق الله تعالى كمنع منكر وقمع مخالفة فتؤدي حسبة من دون طلب.
- والذين يحافظون على مواقيت الصلاة وأدائها بأركانها وواجباتها ومندوباتها، لا يخلّون بشيء منها، ولا يتشاغلون بشاغل عنها، ولا يفعلون بعدها ما يتناقض معها، فيبطل ثوابها، وتضيع ثمرتها. وذلك بالدخول فيها في حماس ورغبة بها،
стр. 2735
ويفرغون قلوبهم من شواغل الدنيا، ويفكرون فيما يتلون فيها من آيات القرآن، أو يرددون من أذكار التكبير والتسبيح والتحميد، وتكون قلوبهم حاضرة مع الله تعالى، ويتأملون في معاني آيات الله تعالى.
أولئك الموصوفون بالصفات السابقة ينعّمون بجنات الخلود، ويكرمون بأنواع التكريم وألوان الملاذّ والمسارّ.
والجزاء بهذه الخاتمة الرائعة يحمل المتّصفين بهذه الصفات على التخلّص من أوصاف الهلع والجزع والمنع.
تهديد المكذّبين بالرّسالة النّبوية
أسرع الكفار المكذّبون بدعوة النّبي ﷺ إلى الاعتصام بالكفر، وإلى معبوداتهم الباطلة من الأصنام والأوثان، فتوعّدهم الله بالإبادة والهلاك، وأمر رسوله ﷺ بالإعراض عنهم حتى يوم القيامة، حيث تكون أبصارهم ذليلة، وتغشاهم المذلّة والهوان بسبب تكذيبهم أيضا بيوم القيامة.
قال المفسّرون: كان المشركون يجتمعون حول النّبي ﷺ يستمعون كلامه، ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة، لندخلنها قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) . والآيات التي قبلها وبعدها هي:
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٤]
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
»
«٢» «٣»