وأوصاف ذلك اليوم يوم القيامة: أن السماء تصير كمائع الزيت أو المعادن المذابة، وتكون الجبال كالصوف المنفوش أو المندوف إذا طيّرته الريح، ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله في ذلك اليوم، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره.
ويبصّر أو يرى كل صديق صديقه، ويعرّف به، لا يخفى منهم أحد عن أحد، دون أن يكلم بعضهم بعضا، ويتمنّى الكافر وكل مذنب ذنبا يستحقّ به النار: أن يفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة الذي نزل به، بأعزّ ما لديه، من المال والبنين، والزوجة، والإخوة والأخوات، والعشيرة أو الرّهط والقرابة الأدنين، كبني هاشم مع النّبي ﷺ ، وكل من في الأرض جميعهم من الثّقلين: الإنس والجنّ وغيرهما من الخلائق، ثم ينجيه من هذا الفداء، الذي تضمنه قوله: لَوْ يَفْتَدِي فهو كالمتقدم الذّكر. فالفاعل لقوله: يُنْجِيهِ هو الفداء، أي لا نجاة.
ثم أكّد الله تعالى رفض قبول الفداء بقوله: كَلَّا للردع والزجر، فهي ردّ لقولهم وما ودّوه، أي ليس الأمر كذلك. فلا يقبل الفداء من المجرم، إنها جهنم الشديدة الحرّ مأواه، التي تنزع اللحم عن العظم، والأعضاء عن مفاصلها، وجلدة الرأس عنه، ثم يعود كما كان. وتنادي جهنم الكفار وهم كل من أدبر عن الحق والإيمان في الدنيا، وتولى عنه، وجمع المال فجعله في وعاء، فلم ينفق منه شيئا في سبيل الخير، ومنع حق الله فيه، من الواجب عليه من النفقات وإخراج الزكاة.
وقوله: فَأَوْعى أي جعله في الأوعية. وهذا إشارة إلى كفار أغبياء جعلوا جمع المال جلّ همهم ومقصد حياتهم، فجمعوه من غير حلّ، ومنعوه من حقوق الله تعالى.
ودعاء جهنم لأهلها إما حقيقة، تدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، كما قال ابن
стр. 2732
عباس وغيره. وقال الخليل بن أحمد: هي عبارة عن حرصها عليهم، واستدنائها لهم، وما توقعه من عذابها.
والواقع أن غضب الله وسخطه يحيط بجهنم وأهلها، وكل ما فيها وما حولها عذاب في عذاب، وشقاء في شقاء، أعاذنا الله تعالى منها ومن الاقتراب من حرّها.
طبع الإنسان وعلاجه
على الرغم من أهوال القيامة الموحية بأشد ألوان العذاب، يجمح بالإنسان طبعه وميله إلى الشرّ، بسبب أوصاف الهلع والجزع والمنع التي تؤدي به إلى السوء، لكن تعديل الغرائز وترقية الطباع أمر متحمل. ويمكن ترويض هذه الأخلاق وعلاجها بالحكمة والمجاهدة، وفي ضوء تقدير المخاطر، ومن أجل النجاة من المخاوف التي تحيط بالإنسان في آخرته. والقرآن الكريم نبّه إلى طرق العلاج لطبيعة الإنسان بأسلوب معقول وواضح، كما يتبين من هذه الآيات:
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المعارج: ٧٠/ ١٩- ٣٥] .
стр. 2733
إن الإنسان (اسم جنس يفيد العموم) مجبول على الضجر والهلع: وهو شدة الحرص، وقلة الصبر، فإذا أصابه شرّ من فقر أو مرض مثلا، فهو كثير الجزع، أو الحزن، والشكوى، وإذا أصابه خير من غنى أو منصب وجاه، أو قوة وصحة ونحو ذلك، فهو كثير المنع والبخل. والهلع بعبارة أخرى: فزع واضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شرّ ما في الرجل: شحّ هالع، وجبن خالع» .
ثم استثنى الله تعالى من اتصف بصفات عشر وهي:
- هؤلاء الناس يتّصفون بصفات الذّم، إلا المصلّين الذين يؤدّون صلاتهم، ويحافظون على أوقاتها وواجباتها، ويداومون عليها، وهاتان الصفتان: أداء الصلاة والمواظبة عليها، تساعدان على التخلّص من صفات الهلع والجزع والمنع، أي إن هذا المعنى يقل فيهم، لأنهم يجاهدون أنفسهم بالتقوى، ويؤثرون الآخرة على الدنيا.
- والذين يكون في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات والبائسين، سواء سألوا الناس أو تعفّفوا، والسائل: الفقير الذي يتكفّف فيعطى، والمحروم: الذين يتعفّف فيحرم. والحق المعلوم: هو الزكاة المفروضة في رأي. وفي رأي آخر أصح هي في الحقوق التي سوى الزكاة، وهي ما ندبت الشريعة إليه من المواساة. وقد قال ابن عمر والثعلبي ومجاهد وكثير من أهل العلم: إن في المال حقّا سوى الزكاة.
- والذين يوقنون بوجود يوم القيامة يوم الحساب والجزاء، لا يشكون فيه ولا يجحدونه، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب، ويخشى العقاب. وسمي يوم القيامة بيوم الدين، لأنه يوم المجازاة، والدين: الجزاء.
- والذين هم خائفون من عذاب الله، إذا تركوا الواجبات، واقترفوا المنكرات، فيكون العذاب واقعا بهم إلا بعفو من الله تعالى.
стр. 2734
- والذين يكفّون فروجهم عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه، وهو الزوجة وملك اليمين الذي هو الإماء، حين كان الرّق قائما، فلا لوم في الاستمتاع المشروع بهما، فمن قصد المتعة بغير هذين السبيلين: الزواج والتمتع بملك اليمين، فهم المتجاوزون الحدود، المعتدون الضارّون.
وقوله: غَيْرُ مَلُومِينَ معناه أنهم غير ملومين على أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
وابْتَغى معناه: طلب، وقوله: وَراءَ ذلِكَ معناه سوى ما ذكر.
- والذين يؤدّون الأمانات التي يؤتمنون عليها إلى أهلها، ويوفون بالمعاهدات والاتفاقات والعقود المبرمة، ولا ينقضون البيع ولا شيئا من الشروط المتفق عليها.
فإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وإذا حدّثوا لم يكذبوا. وهذه صفات المؤمنين، وأضدادها صفات المنافقين. والأمانات: هي في الأموال والأسرار، وفيما بين العبد وربّه تعالى، فيما أمره به ونهاه عنه. قال الحسن: الدّين كله أمانة. والعهد:
كل ما تقلّده الإنسان من قول أو فعل أو مودّة. أخرج البخاري في كتاب الأدب:
«حسن العهد من الإيمان» . وراعُونَ جمع راع، أي حافظ.
- والذين يؤدّون الشهادة على الحقوق والمنازعات في محاكم القضاء بحق، ويحافظون عليها دون زيادة ولا نقصان، ودون مجاملة لقريب أو بعيد، أو رفيع أو ذي منصب وجاه، ولا يكتمونها ولا يغيرونها. ولا يكون أداء الشهادة في حقوق العباد إلا بعد طلب لأداء الشهادة، أما في حقوق الله تعالى كمنع منكر وقمع مخالفة فتؤدي حسبة من دون طلب.
- والذين يحافظون على مواقيت الصلاة وأدائها بأركانها وواجباتها ومندوباتها، لا يخلّون بشيء منها، ولا يتشاغلون بشاغل عنها، ولا يفعلون بعدها ما يتناقض معها، فيبطل ثوابها، وتضيع ثمرتها. وذلك بالدخول فيها في حماس ورغبة بها،
стр. 2735
ويفرغون قلوبهم من شواغل الدنيا، ويفكرون فيما يتلون فيها من آيات القرآن، أو يرددون من أذكار التكبير والتسبيح والتحميد، وتكون قلوبهم حاضرة مع الله تعالى، ويتأملون في معاني آيات الله تعالى.
أولئك الموصوفون بالصفات السابقة ينعّمون بجنات الخلود، ويكرمون بأنواع التكريم وألوان الملاذّ والمسارّ.
والجزاء بهذه الخاتمة الرائعة يحمل المتّصفين بهذه الصفات على التخلّص من أوصاف الهلع والجزع والمنع.
تهديد المكذّبين بالرّسالة النّبوية
أسرع الكفار المكذّبون بدعوة النّبي ﷺ إلى الاعتصام بالكفر، وإلى معبوداتهم الباطلة من الأصنام والأوثان، فتوعّدهم الله بالإبادة والهلاك، وأمر رسوله ﷺ بالإعراض عنهم حتى يوم القيامة، حيث تكون أبصارهم ذليلة، وتغشاهم المذلّة والهوان بسبب تكذيبهم أيضا بيوم القيامة.
قال المفسّرون: كان المشركون يجتمعون حول النّبي ﷺ يستمعون كلامه، ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة، لندخلنها قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) . والآيات التي قبلها وبعدها هي:
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٤]
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
»
«٢» «٣»
стр. 2736
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المعارج: ٧٠/ ٣٦- ٤٤] .
ما بال هؤلاء الكفار تجدهم مسرعين إلى الكفر والتكذيب والاستهزاء بك، وتراهم عن يمينك أيها النّبي وعن شمالك جماعات متفرّقة، وموزّعين مشتّتين، وقوله:
قِبَلَكَ معناه فيما يليك، والمهطع: الذي يمشي مسرعا إلى شيء قد أقبل عليه ببصره.
وعزين: جماعات يسيرة، ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة.
نزلت هذه الآية لأن رسول الله ﷺ كان يصلي عند الكعبة أحيانا ويقرأ القرآن، فكان كثير من الكفار يقومون من مجالسهم مسرعين إليه يتسمعون قراءته، ويقول بعضهم لبعض: شاعر، وكاهن، ومفتر، وغير ذلك.
ثم أيأس الله أولئك الكفار من دخول الجنان بقوله فيما معناه: أيطمع هؤلاء المشركون المكذبون برسالة الرسول ﷺ أن يدخلوا جنات النعيم؟! كلا، بل مأواهم جهنم، إنا خلقناكم من الماء المهين الضعيف، أي من خلق من ذلك، فليس بذات خلقه يعطى الجنة، بل بالأعمال الصالحة إن كانت. وهذا تقرير لوقوع المعاد والعذاب الذي هدّدوا به، وأنكروا حدوثه، أو استبعدوا وجوده.
نزلت هذه الآية كما تقدم: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) لأن الكفار قالت: إن كانت ثمّ آخرة وجنّة، فنحن أهلها وفيها، لأن الله تعالى لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا لرضاه عنا.
стр. 2737
ثم أنذرهم الله سبحانه بالهلاك إن داموا على الكفر، وهدّدهم بإيجاد آخرين مكانهم ليؤمنوا، فقال: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) أي فإني أقسم بمشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها كل يوم من أيام السنة، على أننا قادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله تعالى ممن عصوه، ونهلك هؤلاء، ولن يعجزنا شيء، ولسنا بمغلوبين إن أردنا ذلك، بل نفعل ما أردنا، لكن اقتضت مشيئتنا وحكمتنا تأخير ذلك. وهذا دليل على كمال قدرة الله تعالى على الإيجاد والإعدام، مؤكدا بالقسم. وهو تهكّم بهم وتنبيه على تناقض كلامهم، حيث إنهم ينكرون البعث، ثم يطمعون في دخول الجنة، ويقرّون بأن الله هو خالق السماوات والأرض وخالقهم مما يعلمون، ثم لا يؤمنون بأنه قادر على خلقهم مرة ثانية.
والمشارق والمغارب: هي مطالع الشمس والقمر وسائر الكواكب، وحيث تغرب، لأنها مختلفة عند التفصيل، فلذلك جمع.
ثم أمر الله تعالى رسول الله ﵊ بالإعراض عنهم حتى يوم البعث، زيادة في التهديد، وهو معنى قوله: اتركهم يا نبي الله يتحدّثون في باطلهم، ويلهون في دنياهم، ويعاندون في تكذيبهم وإنكارهم البعث، حتى يلقوا يوم القيامة وما فيه من أهوال، ويجازوا بأعمالهم. والآية وعيد، وما فيه من معنى المهادنة منسوخ بآية السيف.
اذكر أيها النّبي يوم يقومون من القبور بدعوة الله تعالى لموقف الحساب، مسرعين متسابقين، كأنهم في إسراعهم إلى الموقف، كما كانوا في الدنيا يهرولون أو يسرعون إلى شيء منصوب، من علم أو راية. والأجداث: القبور، والنصب: ما نصب للإنسان، فهو يقصد مسرعا إليه، من علم أو بناء أو صنم لأهل الأصنام. وقد كثر استعمال هذا الاسم في الأصنام حتى قيل لها: الأنصاب.
стр. 2738
إنهم في خروجهم من الأجداث (القبور) تكون أبصارهم ذليلة كسيرة، وتغشاهم المذلّة الشديدة، لهول العذاب الذي يواجههم، وفي مقابلة استكبارهم عن الطاعة في الدنيا، ذلك اليوم المشتمل على الأهوال العظام: هو اليوم الذي أوعدهم الله تعالى به، وأنذرهم بملاقاته، وكانوا يكذّبون به، وليتهم آمنوا به، فنجوا من العذاب.
وعبر عن مجيء وقت العذاب بلفظ الماضي: كانُوا يُوعَدُونَ لأن ما وعد الله به يكون آتيا لا محالة.
стр. 2739
تفسير سورة نوح
دعوة نوح ﵇
لقد لقي نوح ﵇ من قومه على مدى قرابة ألف سنة ما لم يلقه أحد من الأنبياء، حيث إنهم كذّبوه وآذوه، وأعرضوا إلا قليلا جدّا عن دعوته إلى توحيد الله، وهجر عبادة الأصنام البدائية، واشتطوا في فرارهم منه، على الرغم من وعدهم بالرّخاء وتوالي النّعم المادية المتنوعة في الأموال والأولاد، ناسين مراحل خلقهم، وتدرج الخلق، حتى صاروا قوما أشداء، كما توضح الآيات الآتية في مطلع سورة نوح المكّية بالإجماع:
[سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [نوح: ٧١/ ١- ١٤] .
стр. 2740
إنا بعثنا بعثة دعوة نوحا بن لامك ﵇ أول رسول أرسله الله إلى قومه، وقلنا له: أنذر قومك بأس الله وعذابه، قبل أن يجيئهم عذاب شديد الألم، وهو عذاب النار، أو الإغراق بالطوفان، فإن تابوا ورجعوا، رفع عنهم.
قال نوح: يا قومي، إني لكم منذر من عذاب الله ومخوف إياكم، واضح الإنذار والاعلام. ومضمون دعوتي: أني آمركم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن تؤدّوا حقوقه، وتمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه التي توقعكم في العذاب، وتطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه. والتقوى: امتثال الأوامر، واجتناب المحرّمات.
وثمره التكاليف أمران: أنه تعالى يستر لكم بعض ذنوبكم، ويمدّ في أعماركم، ويؤخر موتكم إلى أمد محدد قدره الله لكم، إن آمنتم وأطعتم. وقوله: مِنْ ذُنُوبِكُمْ من للتبعيض، وهذا وعد كريم على الطاعة والعبادة بشيئين: دفع مضارّ الآخرة وهو غفران الذنوب، وتحقيق منافع الدنيا، وهو تأخير الأجل إلى وقت آخر. ولا يعني هذا خلافا للمعتزلة من وجود أجلين للإنسان، وإنما المراد أنه قد سبق في الأزل، أنهم إما ممن قضي له بالإيمان والتأخير، وإما ممن قضي له بالكفر والمعاجلة، بدليل قوله: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ أي ما قدره لكم إذا جاء، وأنتم كافرون، لا يؤخر بل يقع حتما.
قال نوح بعد أن طال عمره، وتحقّق اليأس من قومه: يا ربّ إني دعوت قومي إلى ما أمرتني به، بأن أدعوهم إلى الإيمان بوجودك ووحدانيتك، دعاء متواصلا دائما في الليل والنهار، من غير تقصير، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك، فلم يزدهم دعائي إلى الله الذات الأقدس إلا فرارا مما دعوتهم إليه، وبعدا عنه. وقوله: لَيْلًا وَنَهاراً:
عبارة عن استمرار دعائه، وأنه لم يتوان فيه قط.
وكلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بالله والطاعة له، سدّوا آذانهم
стр. 2741
برؤوس أصابعهم، لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، وغطّوا بثيابهم وجوههم لئلا يروني، ولئلا يسمعوا كلامي، واستمروا على الكفر والشّرك ولازموه، وتكبّروا عن قول الحق تكبّرا شديدا، أي استنكفوا عن اتّباع الحق والانقياد له.
ثم إنني نوّعت لهم أساليب الدعوة، فدعوتهم إلى الإيمان والطاعة جهرة بين الناس، أي مجاهرا لهم بها، ثم جمعت في الدعوة بين الإعلان بها والإسرار، أي إن نوحا ﵇ سلك في دعوته مراتب ثلاثا: بدأ بالمناصحة في السرّ ليلا ونهارا، ففرّوا منه، ثم جهر بالدعوة، لأن النصح العلني تقريع، ثم جمع بين الأمرين:
الإسرار والإعلان. وتكرار صفة الدعوة بيان وتأكيد، يدلّ على غاية الجدّ.
وقلت لهؤلاء القوم: اطلبوا المغفرة من ربّكم لذنوبكم السابقة، بإخلاص النّية، وتوبوا إلى الله من الكفر والمعاصي، إن ربّكم الذي خلقكم وربّاكم كثير المغفرة للمذنبين.
ثم وعدهم على التوبة من الكفر والعصيان بخمسة أشياء: إرسال المطر المتتابع، الكثير الغزارة ليكثر الخير والخصب، والإمداد بالأموال الكثيرة، وإكثار الذرّية والأولاد بسبب الأمن والرفاه، ومنحهم بساتين نضرة عامرة بالأشجار والثمار، وجعل الأنهار جارية بالماء العذب، ليكثر الزرع والثمر والغلة. والوقار: العظمة والسلطان. فكأن الكلام وعيد وتخويف.
ما لكم لا تخافون من عظمة الله وجلاله، فتوحّدوه وتطيعوه، في حين أنه هو الذي خلقكم على أطوار أو مراحل مختلفة، وهو كما قال ابن عباس إشارة إلى التدرّج الذي للإنسان في بطن أمّه من النطفة والعلقة والمضغة، ثم العظام فاللحم، ثم تمام الخلق، وإنشاؤكم خلقا آخر، تمرّون في دور الطفولة، ثم التمييز، ثم البلوغ والمراهقة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، فكيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟
стр. 2742
تذكير نوح بأدلة وحدانية الله وموقف القوم منه
لم يدع نوح ﵇ دليلا إلا استدلّ به لقومه على وجود الله ووحدانيته وقدرته، من خلق السماوات والأرض، وخلق الناس، وإنبات النبات، ولكنهم قوم أغبياء وحمقى، فأصرّوا على ملازمة عبادة الأصنام والضلال والإضلال، فهدّدهم الله تعالى، وألهم نوحا الدعاء عليهم وعلى ذرّيتهم، وطلب المغفرة له ولوالديه ولأهل الإيمان وإهلاك الظالمين المشركين، وذلك في الآيات الآتية:
[سورة نوح (٧١) : الآيات ١٥ الى ٢٨]
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [نوح: ٧١/ ١٥- ٢٨] .
الآيات الأولى تبيّن أنواع الدلائل على وحدانية الله وقدرته: ألم تنظروا فوقكم كيف خلق الله السماوات المتطابقة بعضها فوق بعض، وجعل القمر في السماوات منوّرا لوجه الأرض، من غير حرارة، وجعل الشمس مصدر الضوء كالسّراج: وهو المصباح المضيء الذي يزيل ظلمة الليل، وينشر الحرارة والدّفء.
стр. 2743
- والله تعالى أوجد أباكم آدم من التراب، وجعله ينمو ويكبر كالنبات، وجعل نموكم معتمدا على الغذاء من نتاج الأرض، وتحولها إلى نبات أو حيوان.
وهذه استعارة من حيث أخذ آدم ﵇ من الأرض، ثم صار الجميع نابتا منه. وقوله: نَباتاً مصدر جار على غير المصدر، والتقدير: فنبتّم نباتا.
ثم يعيدكم في الأرض بالدّفن فيها الذي هو عرف البشر، بعد موتكم، حتى تعودوا ترابا مندمجا في الأرض، ثم يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة، إخراجا دفعة واحدة، لموقف العرض والجزاء، لا إنباتا بالتدرّج كالمرة الأولى.
- ومن نعمه تعالى على الإنسان أنه جعل لكم الأرض ممهدة منبسطة كالبساط، للتمكين من العيش عليها والاستقرار فيها، وثبّتها بالجبال، وجعلكم تبحثون فيها عن الرزق، وأوجد لكم طرقا واسعة بين الجبال والوديان والسهول.
- قال نوح داعيا ربّه: يا ربّ، إن قومي عصوني، ولم يجيبوا دعوتي، واتّبع كبراؤهم وأثرياؤهم الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة.
ومكروا بالتدبير الخبيث مكرا عظيما، وهو صدّ الناس عن دعوة نوح إلى الدين الحق وتوحيد الإله، وإغراء السّفلة على إيذاء نوح ﵇ وقتله.
- وقال الرؤساء للأتباع لمخالفة نوح وعصيان قوله: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وتعبدوا ربّ نوح، ولا تتركوا عبادة هذه الأصنام التي انتقلت عبادتها إلى العرب، وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر. فكان ودّ لكلب، وسواع لهذيل، ويغوث لغطفان، ويعوق لهمدان، ونسر لحمير آل ذي الكلاع، وهي في الأصل أسماء رجال صالحين، من قوم نوح ﵇.
стр. 2744
وقد أضلّ كبراؤهم كثيرا من الناس، فدعا نوح عليهم قائلا: ولا تزد الكافرين إلا حيرة وبعدا عن الصواب، فلا يهتدوا إلى الحقّ والرشاد.
وسبب الجزاء: هو من أجل كثرة سيئاتهم وآثامهم وإصرارهم على الكفر، ثم أدخلوا نار الآخرة، فلم يجدوا لهم من غير الله أنصارا يمنعون عنهم العذاب، ويدفعونه عنهم.
وقال نوح لما أيس من إيمانهم: يا ربّ لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا، يسكن الديار. إنك إن أبقيت منهم أحدا، أضلّوا عبادك الذين تخلقهم بعدهم عن طريق الحق، ولا يلدوا إلا كل كافر فاجر في الأعمال، بترك طاعتك، كثير الكفران في القلب لنعمتك، لخبرته بهم.
ثم دعا نوح ﵇ لنفسه ولوالديه ولأهل الإيمان قائلا: ربّ استر علي ذنوبي، واستر على والدي المؤمنين برسالتي، واغفر لكل من دخل منزلي وهو مؤمن، ولكل المصدّقين الواثقين بوجودك ووحدانيتك، وكل المصدّقات بذلك من الأمم والأجيال القادمة، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، إلا هلاكا وخسرانا ودمارا.
стр. 2745
تفسير سورة الجنّ
[الأخبار العجيبة هذه السورة]
اشتملت سورة الجنّ المكّية بالإجماع على أشياء وأخبار عجيبة عن الجنّ يمكن تصنيفها بخمسة أنواع:
النوع الأول - الإخبار عن ستة أشياء عن الجنّ منها إيمانهم بالقرآن العظيم وبمنزله وهو الله تعالى.
والنوع الثاني- حكاية سبعة أشياء عن الجنّ تتعلّق بأسرار السماء وأحوالهم من الإيمان.
والنوع الثالث- عن مكانة المساجد.
والنوع الرابع- عن أصول دعوة النّبي ﷺ .
والنوع الخامس- عن موعد الساعة أو القيامة.
النوع الأول
ستّة أخبار عن الجنّ
نزلت سورة الجنّ حينما كان رسول الله ﷺ ببطن نخلة وهو يريد سوق عكاظ، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا،
стр. 2746
إنا سمعنا قرآنا عجبا، فأنزل الله على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وإنما أوحي إليه قول الجنّ. وهذه ستة أخبار عن الجن في مطلع سورة الجن:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الجنّ: ٧٢/ ١- ٧] .
هذه حكاية أخبار ستة عن الجن:
- أولها إيمان فريق منهم بالقرآن وبمنزله، مضمون هذا الخبر: قل أيها النّبي مخبرا أمتك: بأن الجنّ استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدّقوا به وانقادوا له، فقالوا لقومهم حين سماع سورة الجنّ: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً لما رجعوا إليهم: سمعنا كلاما مقروءا مثيرا للعجب في فصاحته وبلاغته، ومواعظه وبركاته. والجنّ: عالم مستتر عنا، لا نعرف عنه إلا ما أخبر به الوحي، وهم مخلوقون من النار.
وهذا القرآن يهدي أو يرشد إلى الحق والصواب ومعرفة الله تعالى، فصدّقنا به أنه من عند الله، ولن نشرك مع الله إلها آخر من خلقه، ولا نتخذ إلها آخر. وهذا يدلّ على أن أعظم ما في دعوة النّبي ﷺ : هو توحيد الله تعالى ومحاربة الشّرك وأهله.
- وأنه تعاظم جلال ربّنا وعظمته، ولم يتخذ صاحبة وولدا، لاستغنائه عن ذلك، والمعنى: أنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله، نزّهوا الرّب تعالى- حين أسلموا
стр. 2747
وآمنوا بالقرآن- عن اتّخاذ الصاحبة والولد، فأثبتوا وحدانية الله، وامتناع وجود شريك له، ثم أثبتوا له القوة والعظمة، ونزّهوه عن الحاجة والضعف، باتّخاذ الصاحبة والولد.
- وأن بعض سفهاء الجنّ (الجهلة الطائشين) كانوا قبل إسلامهم يقولون قولا متجاوزا الحدّ، بعيدا عن الرشد والصواب، وعن الحق والعدل.
- وأننا حسبنا أن الإنس والجنّ كانوا لا يكذبون على الله، حينما قالوا: بأن له شريكا وصاحبة وولدا، فصدّقناهم في ذلك، ثم لما سمعنا القرآن تبيّنّا كذبهم وبطلان قولهم.
- وكنا نرى أن بعض الإنس كانوا يستعيذون في القفار ببعض الجنّ، أو يطلبون النجاة والعون، فزادوا رجال الجنّ طغيانا وغيّا، وكبرا وعتوّا. روى جمهور المفسّرين أن الرجل كان إذا أراد المبيت والحلول في واد، صاح بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك. فيعتقد بذلك أن الجنّي الذي بالوادي يمنعه ويحميه. وكانت الجن تقول عند ذلك: ما نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئا. قال مقاتل: أول من تعوّذ بالجنّ قوم من أهل اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب. وأضاف قتادة قائلا: كانت الجنّ لذلك تحتقر بني آدم وتزدريهم، لما يرون من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة، ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقتهم، ويغوونهم في إرادتهم، لمّا رأوا رقّة أحلامهم، فهذا هو الرّهق الذي زادته الجنّ بني آدم.
- وأن الإنس بني آدم الكفار ظنّوا كما ظننتم أيها الجن أنه لا بعث ولا جزاء، أو أنه لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا يدعو إلى التوحيد والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. (وأن) في قوله تعالى: أَنْ لَنْ يَبْعَثَ مخففة من الثقيلة، وهي تسدّ مسدّ المفعولين لفعل (ظنّ) .
стр. 2748
إن هذه الطائفة من الأخبار السّتة عن الجنّ تضمنت أصل العقيدة: وأولها الإيمان بالقرآن الكريم وبمواعظه الهادية إلى أرشد الأمور، والإيمان بوحدانية الله وتنزيهه عن الشّرك، وعن اتّخاذ الصاحبة والولد. ثم تضمّنت معلومات عن إبليس والجنّ قبل إسلامهم من الكذب وتجاوز الحدّ في الظلم، ومعلومات أخرى عن الإنس والجنّ، حيث كان يستعيذ بعض الإنس السّذج ببعض الجنّ في القفار والوديان ليحموهم من شرّ أشرار الجنّ، وحيث يصدر الكذب عن بعض الإنس والجنّ في اتّخاذ الله صاحبة وولدا، ويظن بعض الفريقين أن لا بعث ولا آخرة، ولا جزاء ولا حساب، وهذا ضلال وخطأ بيّن. فما على كفار قريش إلا الاتّعاظ بصنيع الجنّ، وأن يبادروا إلى الإيمان الحق كما آمن الجنّ بالقرآن والله والرسول.
النوع الثاني من أخبار الجنّ
هذه هي الطائفة الثانية من أخبار الجنّ، وهي سبعة أخبار، ذكرها القرآن الكريم، تحكي أحوال الجنّ في محاولاتهم استراق السمع لأخبار السماء، قبل البعثة النبوية، ثم منعوا منها بعدها، دون أن يدروا سبب المنع وإقامة الحراسة على السماء، ومن أخبارهم: أن الجن فريقان كالإنس، فمنهم المؤمن والصالح ومنهم الكافر والفاسق، وأنهم علموا بقدرة الله الحاكمة عليهم، دون التمكن من الإفلات منها، وأنهم أدركوا عظمة القرآن وهدايته، فآمنوا به، وكل ذلك يدل على أن طبيعة الجن كطبيعة الإنس، وأنهم مكلفون بدعوة الحق والنبي، كما يتضح من هذه الآيات:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٨ الى ١٧]
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢)
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧)
«١» «٢»
стр. 2749
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الجنّ: ٧٢/ ٨- ١٧] .
هذه أخبار الجن الثابتة بحكاية القرآن الكريم لها وهي هنا سبعة كما يلي:
- لما بعث النّبي ﷺ وأنزل عليه القرآن، طلبنا خبر السماء، كما جرت به عادتنا، فوجدناها ملئت حراسا أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، ووجدنا أيضا نيرانا منقضة من الكواكب تحرق وتمنع من أراد استراق السمع كما كنا نفعل.
- وأننا كنا نقعد في السماء مقاعد لاستراق السمع، وسماع أخبار السماء من الملائكة لإلقائها إلى الكهنة (مدعي الغيب ومعرفة الأسرار في المستقبل) فحرسها الله تعالى عند بعثة رسول الله ﷺ بالشهب المحرقة، فمن حاول الإصغاء لأخبار السماء أو استراق السمع، يجد له الآن شهابا (شعلة نار) مرصدا له، يحرقه ويهلكه.
- ولا نعلم بسبب هذه الحراسة للسماء، أشرّ أو عذاب أراد الله أن ينزله على أهل الأرض، أم أراد بهم ربّهم خيرا وصلاحا، بإرسال نبي مصلح.
- وأخبر الله تعالى عما قال الجن عن أنفسهم، لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان
стр. 2750
برسالة النّبي ﷺ : كنا قبل استماع القرآن، منا المؤمنون الأبرار الصالحون، ومنا دون ذلك، أي غير صالحين أو كافرين، كنا جماعات متفرقة، وذوي سير أو مذاهب مختلفة، أي إنهم أقسام، فمنهم المؤمن، ومنهم الفاسق، ومنهم الكافر، كحال الإنس تماما.
و (الطرائق) ، السّير المختلفة، و (القدد) كذلك هي الأشياء المختلفة، كأنه قد قدّ بعضها من بعض، وفصل. وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة: طَرائِقَ قِدَداً أهواء مختلفة.
وأننا علمنا أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نفلت من قدرة الله ولا نفوته إن طلبنا وأراد بنا أمرا، سواء كنا كائنين في الأرض أو هاربين منه إلى السماء، فإنه علينا قادر، لا يعجزه أحد منا. والظن في الآية: بمعنى العلم.
- وأننا لما سمعنا الهدى وهو القرآن، صدّقنا أنه من عند الله، ولم نكذب به، كما كذبت به كفرة الإنس، فمن يصدق بربّه وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصانا من حسناته، ولا عدوانا وظلما وطغيانا بالزيادة في سيئاته. والبخس: النقص نقص الحسنات. والرّهق: الزيادة في السيئات.
وأن بعضنا مؤمنون مطيعون لربّهم، يعملون الصالحات، وبعضنا جائرون ظالمون حادوا عن طريق الحق والخير ومنهج الإيمان الواجب. فمن آمن بالله، وأسلم وجهه لله بطاعة شريعته، فأولئك طلبوا باجتهادهم طريق الرشاد والسعادة، وطلبوا لأنفسهم النجاة من العذاب، وهذا ثواب المؤمنين. وأما الجائرون الحائدون عن منهج الإسلام، فكانوا وقودا للنار، توقد أو تسعّر، كما توقد بكفرة الإنس.
ويلاحظ الفرق بين الكلمتين، فالقاسط: الجائر عن الحق، الظالم، أما المقسط: فهو القائم بالعدل، من أقسط، أي عدل.
ثم أوحى الله لنبيّه أنه لو استقام الجنّ والإنس على طريقة الإسلام، لأسقيناهم ماء كثيرا، ولآتيناهم خيرا كثيرا واسعا، لنعاملهم معاملة المختبر، فنعلم كيف شكرهم
стр. 2751
على تلك النّعم، فإن هم أطاعوا ربّهم أثبناهم، وإن عصوه عاقبناهم في الآخرة، وسلبناهم النعمة، والاستقامة على الطريقة: على طريقة الإسلام والحق. وقوله:
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنختبرهم.
ومن يعرض عن القرآن أو عن الموعظة الحسنة، فلا يأتمر بالأوامر، ولا ينتهي عن النواهي، يدخله ربّه عذابا شاقّا، صعبا لا راحة فيه.
وكلمة عَذاباً صَعَداً معناه شاقّا، تقول: فلان في صعد من أمره، أي في مشقّة.
هذه أحوال الجن مع رسالة النّبي ﷺ ، تتضمن كونهم أقساما وفرقا مختلفة وجماعات متفاوتة، كأحوال الإنس.
النوع الثالث والرابع والخامس من أخبار الجنّ
أخبر الله تعالى في سورة الجنّ عن النوع الثالث والرابع والخامس من أخبار الجنّ، الموحى به، وتتضمن الاعلام بأهمية المساجد لأداء الصلاة، وبأن دعوة النّبي ﷺ دعوة خالصة إلى الله ، وترك الإشراك به، وأنه لا يملك لأحد ضرّا ولا نفعا، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن مهمته مقصورة على تبليغ الوحي المنزل عليه، وأنه لا يعلم وقت تعذيب المشركين، وإنما ذلك مختص بالله تعالى، فهذا غيب، والله تعالى هو عالم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضى من رسول، وأن مدّعي الغيب من الجنّ والكهان وغيرهم هم كذبة، لا يعرفون حقيقة أنفسهم، وهذا يتضح في صريح الآيات الآتية:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٨ الى ٢٨]
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
«١»
стр. 2752
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الجنّ: ٧٢/ ١٨- ٢٨] .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت الجنّ: يا رسول الله، ائذن لنا، فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) .
وقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ معطوف على قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وهو النوع الثالث من الموحى به، على معنى: إن عبادتكم أيها الجنّ حيث كنتم مقبولة.
المعنى: لقد أوحي إلي أن المساجد مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غير الله أحدا، ولا تشركوا به فيها شيئا. والمساجد كما قال الحسن البصري أراد بها: كل مكان أو موضع سجد فيه، سواء كان مخصوصا لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة.
قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم والنّسائي- عن جابر: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»
كأنه تعالى قال: الأرض كلها مخلوقة لله تعالى، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها.
والنوع الرابع من جملة الموحى به: أنه لما قام عبد الله النّبي ﷺ يدعو الله ويعبده،
стр. 2753
كاد الجنّ يكونون عليه جماعات متراكمين عليه من الازدحام، لسماع القرآن منه، وتعجبا مما رأوا من عبادته، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله.
قل أيها النّبي لمن تجمعوا حولك لإبطال دينك: إنما أدعو ربّي، وأعبده وحده لا شريك له، وأستجير به، وأتوكل عليه، ولا أشرك في العبادة معه أحدا.
وسبب نزول هذه الآية، كما ذكر الشوكاني-: أن كفار قريش، قالوا للنّبي ﷺ : إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا، فنحن نجيرك.
قل أيها النبي أيضا لهؤلاء القوم: لا يدفع عني أحد من عذاب الله إن أنزله بي، ولا نصير ولا ملجأ لي من غير الله أحد، ولا يجيرني من الله ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، فأبلّغ عن الله، وأعمل برسالاته، أمرا ونهيا، فإن فعلت ذلك نجوت، وإلا هلكت.
أخرج ابن جرير عن حضرمي أنه ذكر أن جنيّا من الجنّ، من أشرافهم، ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن يجيره الله، وأنا أجيره، فأنزل الله: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ الآية.
وقوله تعالى: إِلَّا بَلاغاً قال الحسن البصري ما معناه: إنه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من الله أحد إلا بلاغا، فإني إن بلّغت رحمني بذلك، والإجارة للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته. وقال بعض النّحاة: على هذا المعنى هو استثناء متصل، والمعنى: لن أجد ملتحدا إلا بلاغا، أي شيئا أميل إليه وأعتصم به، إلا أن أبلّغ وأطيع فيجيرني الله. والتقدير كما قال قتادة: لا أملك إلا بلاغا، فأما الإيمان والكفر فلا أملكه.
وجزاء العصاة الذين لا يمتثلون موجب التبليغ عن الله تعالى: هو أنني أبلغكم
стр. 2754
رسالة الله، فمن يعص بعد ذلك، فله جزاء خطير، وهو نار جهنم، ماكثين فيها أبدا على الدوام، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وقوله: أَبَداً دليل أن المراد بالعصيان هنا: هو الشّرك.
ثم هدّد الله تعالى بالهزيمة والذّل المشركين الذين كانوا أقصر نظرا من الجنّ في عدم الإيمان، فإنهم إذا ظلّوا على كفرهم ورأوا ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا، أي جندا ينتصر به، وأقل عددا، أهم أم المؤمنون الموحّدون لله تعالى؟ أي بل المشركون لا ناصر لهم إطلاقا، وهم أقلّ عددا من جنود الله تعالى. ثم ذكر الله تعالى النوع الخامس من الموحى به، وهو علم الغيب لإبطال ادّعاء الجنّ والإنس العلم به: والمعنى: وقل أيها النّبي: لست أدري أقرب العذاب الذي يعدكم الله به، فما أدري أقريب وقت العذاب أم بعيد، وهل جعل الله له غاية ومدة؟ فلا يعلم موعد يوم القيامة إلا الله وحده.
قال مقاتل: لما سمع المشركون قوله تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا اليوم الذي توعدنا به؟ فأنزل الله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ الآيات.
والله وحده هو العالم بالغيبيات، فلا يطلع على ما غاب عن العباد أحدا إلا من ارتضى من الرسل، فإنه تعالى يطلعهم على بعض المغيبات، ليكون معجزة لهم، ودلالة على صدق نبوّتهم. فمن ارتضى من رسول، فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي، ثم يجعل بين يديه (أمامه) ومن خلفه حرسا من الملائكة وهم الرّصد، أي يبث الله تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة، رصدا لإبليس وحزبه من الجنّ والإنس. والرسول: هو الملك أو صاحب الشريعة السماوية، أي يشمل الرسول الملكي والبشري. والرّصد: الحفظة يحفظون كل رسول من تعرّض الجنّ والشياطين.
стр. 2755
وذلك ليعلم الله علم ظهور وانكشاف واقعي أن هؤلاء الرّسل قد بلّغوا الرسالات الإلهية، كما هي، دون زيادة أو نقص، وأحاط الله تعالى علما بما عند الرصد، من الملائكة، أو بما عند الرّسل المبلّغين لرسالاته، وبما لديهم من الأحوال، فهو سبحانه عالم بكل شيء كان أو سيكون، وعالم بكل الأحكام والشرائع، وضبط كل شيء معدودا محصورا، دون مشاركة أحد من الملائكة وسائط العلم.
стр. 2756
تفسير سورة المزملّ
في بدء نزول الوحي بعد نزول سورة العلق «اقرأ» نزلت سورة المزمّل التي تعالج آثار الوحي الثقيل على قلب النّبي ﷺ ، وتحمله على ملازمة عبادة الله تعالى في الليل والنهار، لتقوى روحانيته وصلته بربّه وتكتمل حالة الخشوع والإخلاص لله، وتطالبه بترتيل القرآن ليتمكن سامعوه من تدبّره وإدراك معانيه، كما تطالبه بكثرة الذكر لله لتستمر الصلة بالله تعالى الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وبالصبر في الدعوة، وتفريغ النهار للدعوة والتبليغ وجهاد المعارضين ومشاغل الحياة واكتساب الرزق،
قال ابن عباس: كان نزول المزمّل في ابتداء الوحي إلى النّبي ﷺ ، فإنه لما سمع قول الملك، ونظر إليه، أخذته الرّعدة، فأتى أهله، فقال: «زملوني زملوني» أي غطّوني.
وهذا مطلع سورة المزمّل المكّية:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١ الى ١٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [المزمّل: ٧٣/ ١- ١٠] .
стр. 2757
كان وقع الوحي ونظرة النّبي إلى الملك شديدين على قلب النّبي ﷺ فأخذه الخوف، وطلب التزمّل بثيابه أول ما جاءه جبريل ﵇ بالوحي خوفا منه، ثم زال ما به، وخوطب بالنّبوة والرسالة وأنس بجبريل ﵇.
فيا أيها النّبي المتزمّل المتلفّف بثيابك، صلّ صلاة الليل أو صلاة التهجد بمقدار نصف الليل، بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك، وهذا تخيير بين الثلث والنصف والثلثين. والليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. والأمر بقيام الليل في رأي جمهور أهل العلم: هو أمر على جهة النّدب، قد كان، ولم يفرض قط.
وقال بعضهم: كان فرضا في وقت نزول هذه الآية، إما على الجميع، وإما على النّبي ﷺ وحده حتى توفّي، وهذا هو الراجح.
ثم اقرأ القرآن على تمهّل، مع تبيين الحروف، ليكون عونا على فهم القرآن وتدبّره، وقوله: تَرْتِيلًا تأكيد في الإيجاب، وأنه لا بد للقارئ منه، ليستحضر المعاني.
والترتيل: أن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع، كما كان يفعل النّبي ﷺ . أخرج الحاكم وغيره عن البراء: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» .
إننا سنوحي إليك القرآن، وسننزله عليك، وفيه التكاليف الشاقة على البشر، والأوامر والنواهي الصعبة على النفس، من الفرائض والحدود، والحلال والحرام، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه.
إن ناشئة الليل، أي قيام الليل، وهو الذي ينشأ بعد نوم، أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص وتوافق القلب واللسان، فذلك يتجلى في هدوء الليل أكثر من أي وقت آخر، وهو أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهّمها، وأشد ثبوتا ورسوخا، وأقوم قولا وأثبت قراءة، لأنه بخلو البال من أشغال النهار يوافق قلب المرء لسانه، وفكره عبارته، فهذه مواطأة صحيحة.
стр. 2758
هذا في الليل وقت العبادة، وأما في النهار: فلك في وقته تقلّب وتصرّف في حوائجك ومصالح الحياة، فلا تتفرغ فيه للعبادة، فصلّ بالليل.
ولا تنقطع عن ذكر الله في أي وقت ليلا أو نهارا، وأكثر من ذكر الله، وداوم عليه إن استطعت ليلا ونهارا، وأخلص العبادة لربّك، وانقطع إلى الله انقطاعا بالاشتغال بعبادته، والتماس ما عنده إذا فرغت من أشغالك وحوائجك الدنيوية.
وَتَبَتَّلْ معناه: انقطع من كل شيء إلا منه، وافرغ إليه.
وسبب الأمر بالعبادة وضرورة التّبتّل: أن ربّك ربّ المشرق والمغرب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة، فأفرده بالتوكّل، واجعله وكيلا لك في جميع الأمور.
والوكيل: القائم بالأمور الذي توكل إليه الأشياء.
والقيام بتبليغ الرسالة يتطلب جهدا متواصلا، وصبرا دائما، فاصبر أيها الرسول على أذى قومك، وما ينالك من السّب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك، ولا تتعرض لهم، ولا تعاتبهم ودارهم. وعلاج الأذى: هو الصبر. والهجر الجميل:
وهو أن تجانبهم وتداريهم، ولا تعاتبهم وفوّض أمرهم إلى الله تعالى. فالهجر الجميل: هو الذي لا عتاب معه.
أرشدت الآيات إلى فرضية التّهجد على النّبي ﷺ ، خاصة به، وإلى وجوب ترتيل القرآن: وهو قراءته على مهل، وتبيين حروفه، وتحسين مخارجه، وإظهار مقاطعه، مع تدبّر المعاني. وناشئة الليل، أي العبادة في الليل أشدّ انسجاما وتوافقا بين الفكر والقلب، والعقل والنفس، وأسدّ مقالا وأثبت قراءة. والنهار لكسب العيش والحاجات الأصلية. ولا يترك ذكر الله باللسان والقلب في جميع الأوقات، والتّبتّل:
الانقطاع إلى الله بالكلية، بإخلاص العبادة، لا تعطيل أعمال الدنيا، ويطالب المؤمن بإفراد الله بالعبادة، وبالتوكل عليه دون سواه، ولا بدّ من الصبر على الأذى في سبيل نشر الدعوة إلى الله وتوحيده.
стр. 2759
وعيد المكذّبين بالرسالة
هدّد الله تعالى وأوعد المشركين على الإعراض عن قبول دعوة النّبي ﷺ ، وخوّفهم عذاب يوم القيامة وكيفيته وأهواله، وعذاب الدنيا ومخاطره، وأنذرهم بإرسال رسول شاهد على أعمالهم كإرسال موسى ﵇ إلى فرعون، ثم وصف الله تعالى عذاب الآخرة، وأنه لشدته يشيب منه الولدان، وتتشقق السماوات منه، وأن هذه تذكرة مؤثرة وعظة بليغة، لمن شاء اتخاذ السبيل القويم إلى ربّه تعالى. وهذا ما أوضحته الآيات الآتية:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١١ الى ١٩]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [المزمّل: ٧٣/ ١١- ١٩] .
قوله تعالى: وَذَرْنِي روي أنها نزلت في صناديد قريش، ورؤساء مكة من المستهزئين: وهذا وعيد لهم. ومعناه: دعني وأولئك المكذبين المترفين أصحاب الأموال فلا يتمكن أحد من منع العذاب عنهم، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم، فلا تأبه بكونهم أرباب الغنى والسعة والتّرفّه في الدنيا، وتمهّل عليهم رويدا وزمنا طويلا. والمراد: لا تشغل أيها النّبي بالك بهم وكلهم إلي.
стр. 2760
وأنواع عذابهم أربعة: هي أن عندنا القيود والأغلال لهؤلاء المكذبين بآياتنا وبرسولنا، ونارا مؤججة مضطرمة، وطعاما لا يستساغ، ويصعب بلعه، ينشب في الحلق، فلا يخرج ولا يدخل كالزّقوم والضّريع، ونوعا آخر من العذاب المؤلم الشديد، لا يعلم به غير الله تعالى.
والأنكال: جمع نكل: وهو القيد من الحديد، ويروى أنها قيود سود من نار.
وروي أن النّبي ﷺ قرأ هذه الآية فصعق.
وزمان ذلك العذاب الذي يعذب به الكافرون: هو في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وتتزلزل بمن عليها. والرجفة: الزلزلة الشديدة. وتصير الجبال كالكثيب المهيل، أي الرمل المتجمع السائل، الذي يسيح فيه الإنسان والحيوان، بعد ما كانت حجارة صماء، وصخورا صلبة، ثم تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب.
والمهيل: هو الذي إذا وطئته القدم زلّ ما تحتها.
ثم هدّد الله تعالى مشركي مكة بأهوال الدنيا التي تعرضت لها الأمم المكذبة المتقدمة، وهو: إننا أرسلنا إليكم أيها المشركون في مكة وغيرها، رسولا هو محمد بن عبد الله ﷺ يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم، وبما يصدر عنكم من إجابة وامتناع، وطاعة وعصيان، كما أرسلنا موسى ﵇ إلى الطاغية فرعون، يدعوه إلى دين الحق والإيمان بالله تعالى إلها واحدا لا شريك له، فعصى فرعون الرسول المرسل إليه، وكذّبه ولم يؤمن برسالته، فأخذناه أخذا شديدا ثقيلا غليظا، وعاقبناه عقابا مؤلما، وأهلكناه ومن معه بالغرق في البحر، فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأنتم أولى بالهلاك والدمار، إن كذبتم رسولكم الذي هو أشرف وأعظم من موسى بن عمران ﵇. وإنما عرّف كلمة (الرسول) في المرة الثانية، لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر.
стр. 2761
ثم أكّد الله تعالى تخويف المشركين بعذاب الآخرة من وجهين:
كيف تقون أنفسكم، وتنعمون بالأمان والاستقرار إن بقيتم على الكفر، من عذاب يوم يجعل الأطفال شيبا بيض الشعور، لشدة هوله، وهذا كناية عن شدة الخوف وتصير السماء متشققة به متصدعة، لشدته وعظيم هوله، وكان وعد الله بمجيء ذلك اليوم كائنا واقعا، لا محالة، ولا محيد عنه. وقوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ معناه: كيف تجعلون واقيا لأنفسكم، وكلمة (يوما) مفعول به لكلمة (تتقون) ويجوز أن يكون ظرفا، والمعنى: تتقون عقاب الله يوما. ويَجْعَلُ الْوِلْدانَ إما مسند إلى اسم الله تعالى، أو مسند إلى اليوم. و (الولدان) صغار الأطفال. والسَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي ذات انفطار وتشقق، كامرأة حائض وطالق. والانفطار: التصدع والانشقاق، على غير نظام يقصد. وضمير (به) إما عائد على اليوم، وإما عائد على الله تعالى.
وهذه الآية لها نظائر، منها: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: ٢٥/ ٢٥] . أي بالغمام الذي هو ظلل، يأتي الله تعالى فيها، والمعنى: يأتي أمره وقدرته. وكذلك مُنْفَطِرٌ بِهِ أي بأمره وسلطانه. وضمير كانَ وَعْدُهُ ظاهر أنه لله تعالى. ويحتمل أن يكون لليوم، لأنه يضاف إليه من حيث هو فيه.
إن توالي التهديدات لمشركي قريش، مع وصف ألوان العذاب، يدلّ على شدة غضب الله تعالى وسخطه على كل من كفر بالله وأشرك، وأن كل أعمال المشركين مرصودة مدونة عليهم مشهود بها من رسولهم عليها، حتى لا تكون مجالا للإنكار والجحود. وما تقدم في سورة المزمل من الآيات المخوفة موعظة بليغة، فمن أراد اتّعظ بها واتّخذ الطاعة طريقا توصله إلى رضوان الله في الجنة.
стр. 2762
تخفيف الله على عباده في قيام الليل
الإسلام كله دين يسر، وسهولة، وتخفيف، قد يفرض أو يطلب فيه شيء لظرف من الظروف في فاتحة الوحي الإلهي، ثم يرفع الفرض أو الندب مثل قيام الليل، وذلك فضل من الله ورحمة، وإحسان ونعمة، ليكون المطلوب على جهة الدوام والاستمرار موصوفا بصفة اليسر ودفع الحرج والمشقة. وآيات التخفيف متنوعة، منها ما ورد في قيام الليل الذي كان مطلوبا إما على جهة الوجوب أو على الندب، بحسب الخلاف المذكور بين العلماء:
[سورة المزمل (٧٣) : آية ٢٠]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المزمّل: ٧٣/ ٢٠] .
إن ظروف طروء المرض، والتجارة، والجهاد في سبيل الله اقتضت التخفيف عن النبي وأمته في شأن عبادة الليل، والله محيط علمه بكل شيء.
فإن الله تعالى يعلم أيها الرسول أنك تقوم ممتثلا أمر ربك، تاركا النوم والراحة لمدة هي أقل من ثلثي الليل أحيانا، وأحيانا تقوم نصفه أو ثلثه أو أدنى من الثلث، بحسب قدراتهم مع عذر النوم. إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الندب، بحسب الخلاف المتقدم بين العلماء، في أوائل سورة المزمّل. وتقوم معك ذلك القدر في قيام الليل طائفة من أصحابك، والله يجازيكم على ذلك أحسن الجزاء.
стр. 2763
ويعلم الله تعالى مقادير الليل والنهار حقيقة، ويعلم القدر الذي تقومونه من الليل، مرة يكثر، ومرة يقلّ، وأما البشر فلا يحصون ذلك، ويعلم الله أنكم لن تطيقوا معرفة حقائق الزمان والقيام بالليل، ولن تتمكنوا من ضبط مقادير الليل والنهار، ولا إحصاء الساعات، فتاب الله عليكم، أي رجع بهم من الثّقل إلى الخفّة، ومن العسر إلى اليسر، وأصل التوبة: الرجوع.
قال مقاتل: لما نزلت قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال الله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ. والمراد بقوله: لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تطيقوه، لصعوبة الأمر، لا أنهم لا يقدرون عليه.
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ هذا في صلاة قيام الليل، أي صلّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، فالمراد بالقراءة: الصلاة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. وهذه الآية نسخت المطالبة بقيام الليل.
وأسباب التخفيف: هي أن الله تعالى علم بطروء أعذار ثلاثة على بني آدم تحول بينهم وبين قيام الليل: هي المرض، والسفر، والجهاد، فقد يكون منكم مرضى لا يطيقون قيام الليل، وآخرون يسافرون في الأرض للتجارة وكسب العيش والأرباح، يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم، فلا يطيقون قيام الليل. وقوم آخرون: هم المجاهدون في سبيل الله، لا يطيقون قيام الليل، فوجود هذه الأعذار المقتضية للترخيص سبب لرفع فرضية التهجد عن جميع الأمة، وكذا عن النّبي ﷺ .
وقوله: عَلِمَ أَنْ أن مخففة من الثقيلة، أي أنه يكون. والضرب في الأرض: هو السفر للتجارة.
стр. 2764
وفي هذه الآية فضيلة الضرب في الأرض للتجارة، وجعل السفر لها كالسفر للجهاد.
فصلّوا ما تيسّر، واقرؤوا في صلاتكم الليلة قبيل الفجر ما تيسّر من القرآن، والمراد بالأمر هنا الإباحة، وقد أعيد الأمر هنا لتأكيد الرخصة وتقريرها، وأدّوا الصلاة المفروضة قائمة بفروضها وأركانها وشرائطها، وملازمة الخشوع فيها، دون غفلة عنها، وأدّوا الزكاة الواجبة في الأموال، وأنفقوا في سبيل الله إنفاقا حسنا على الأهل وفي الجهاد، وعلى المحتاجين. وإقراض الله تعالى: هو استلاف العمل الصالح عنده مجازا عن القبول.
ثم أكد الله تعالى طلب الصدقة ورغّب فيها، فجميع ما تقدّمونه من الخير المذكور وغير المذكور، ثوابه حاصل لكم، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا، ومما تؤخّرونه إلى وقت الموت، أو توصون به، لإخراجه من التركة بعد موتكم.
ثم أمر الله تعالى بالاستغفار، وأوجب لنفسه صفة الغفران، لا إله غيره، فأكثروا من الاستغفار لذنوبكم وفي أموركم كلها، فإنكم قد تقترفون بعض الذنوب، والله كثير المغفرة لمن استغفره، كثير الرحمن لمن استرحمه. قال بعض العلماء: فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية، ومن قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) [الذّاريات: ٥١/ ١٧- ١٨] .
стр. 2765
تفسير سورة المدّثر
إرشاد النّبي ﷺ في بدء الدعوة
كان تأهيل النّبي ﵊ لتبليغ الدعوة أمرا مرتبطا بالوحي الإلهي، وكان يتأثر في مبدأ الوحي إليه بثقل الوحي، ويبادر إلى التّزمل (التغطي أو التلفف بثيابه) والتدثّر (بالثياب أو بقطيفة) حتى يزول عنه آثار التعرّق، مما أدى إلى أنه انقطع عنه الوحي فترة، ثم عاد إليه على شوق وحرص ومحبة إليه، وذلك من أجل سكن نفسه، وهدأة روعه.
أخرج الشيخان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : جاورت بحرّاء شهرا، فلما قضيت جواري، نزلت، فاستنبطت الوادي، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحرّاء، فرجعت، فقلت: دثّروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .
وهذه أوائل سورة المدثّر المكّية بإجماع أهل التأويل، وهي التي نزلت بعد سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) بنص حديث البخاري المذكور، وهو الأصح:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١ الى ١٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المدّثّر: ٧٤/ ١- ١٠] .
стр. 2766
قال جمهور المفسرين: نودي بالمدثّر، لما
ورد في البخاري من أنه ﷺ لما فرغ من رؤية جبريل ﵇ على كرسي بين السماء والأرض، فرعب منه، ورجع إلى خديجة.
وهذه توجيهات أولية ضرورية ونافعة للنبي ﷺ بعد بدء الوحي، تشتمل على البدء بالإنذار، وتكبير الله، وتطهير نفسه وقلبه، والتّرفع عن محقّرات الأخلاق كإعطاء القليل لأخذ الكثير، والصبر في دعوته لربّه، وتذكّر هول يوم القيامة الشديد على الكافرين.
- وأول هذه التوجيهات: بدء التبليغ تبشيرا وإنذارا، فيا أيها النّبي الذي قد تدثّر بثيابه، أي تغطى بها رعبا من رؤية الملك عند نزول الوحي أول مرة: انهض بواجب الرسالة، وخوّف أهل مكة وجميع الخلق من عذاب الله ووقائعه بالأمم، إن لم يسلموا، وهو أمر بترك العزلة، والاستعداد للاختلاط ونشر الدعوة.
- وعظّم الله وصفه بالكبرياء، في عبادتك وكلامك وجميع أحوالك، فإنه أكبر من أن يكون له شريك، فالشّرك كفر وضلال، وسبب لغضب الرحمن، وتوحيد الله تعالى أساس دعوتك.
- وطهّر قلبك ونفسك من أدران المعصية، وثيابك واحفظها من النجاسات، لأن الإسلام دين الطّهر والنظافة، والصحة والنقاء، وهو دين الطهارتين: المعنوية الروحانية، والحسّية الجسدية. والآية دليل على تعظيم الله تعالى، وتنزيهه عما يقول عبدة الأوثان، وعلى نظافة الجسد والثياب، وتحسين الأخلاق، واجتناب المعاصي.
- واترك تركا أبديا الرّجز، أي الأصنام والأوثان، فلا تعبدها، فإنها سبب العذاب، واهجر جميع الأسباب والمعاصي المؤدية إلى العذاب الدنيوي والأخروي.
والآية دليل على وجوب الاحتراز من كبائر المعاصي كالشّرك أو الوثنية، بل وعن جميع المعاصي.
стр. 2767
والنّهي عن جميع ذلك، لأنه القدوة الحسنة العليا، ولا يعني أنه يرتكب شيئا منها، وإنما يراد به تدوين مبدأ إسلامي عام هو هجر الوثنية، والدوام على الهجران.
ولا تمنن على أصحابك وغيرهم بتبليغ الوحي، مستكثرا ذلك عليهم، وإذا أعطيت أحدا شيئا من الأعطيات، فأعطها لوجه الله تعالى، ولا تمنّ بعطيتك على الناس، ولا تعط عطاء لتعطى أكثر منه. وقال مجاهد: المعنى لا تضعف من الاستكثار من الخير، أو مما حمّلناك من أعباء الرسالة.
- واجعل صبرك على أذاهم لوجه ربّك وطلب رضاه، فإنك حملت أمرا عظيما، ستحاربك العرب والعجم عليه، فاصبر على هذا الأمر لوجه الله، واصبر أيضا على طاعة الله وعبادته.
- اصبر على أذى قومك وغيرهم من الكفار، وعلى العبادة، وعن الشهوات، وعلى تكاليف النّبوة، فعاقبة الصبر منك النصر والفرج، وأمام الكفار يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية للبعث من القبور، فوقت النقر يومئذ يوم شديد جدّا على الكفار، غير سهل عليهم. والناقور: الذي ينفخ فيه، وهو الصّور. ويوم عسير: فيه عسر في الأمور الجارية على الكفار، فوصف الله تعالى اليوم بالعسر، لكونه ظرف زمان له، وكذلك تجيء صفته باليسر.
أخرج ابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة وأحمد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم، وصاحب القرن، قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر، فينفخ؟ فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا» .
لقد جمعت هذه الآيات على وجازتها أمهات الفضائل، حيث جمعت بين أوامر العقيدة وتعظيم الله، وأوامر الدعوة وتبليغها، وأوامر العبادة والطاعة لله تعالى
стр. 2768
ومتطلباتها من طهارة القلب والنفس والثياب، ومثلها البدن والمكان من باب أولى، واجتناب الأوثان، وتحرير العقل من الشّرك، والتّخلق بالأخلاق الاجتماعية والعادات الإنسانية كترك إعطاء القليل وابتغاء الكثير، وتقويم النفس بكريم الخلق، وإصلاح البدن بهجر المآثم والمحارم. وهذه الأوامر لا تعني أن النّبي يفعل شيئا منها، وإنما هو من قبيل الاستمرار والمداومة على ما هو عليه من عبادة الله الواحد الأحد، والتّحلي بالأخلاق الكريمة، وهجر كل ما يغضب الله تعالى.
وعيد زعماء الشّرك
في بدء الدعوة هدّد الله تعالى الوليد بن المغيرة وأمثاله من زعماء الشّرك، وآنس نبيّه بقوله في سورة المدّثّر: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وقوله في سورة المزمّل:
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) ، ثم عدّد نعمه الوفيرة على الوليد من المال والولد والجاه والرياسة، وكفره بها، ووعيده بنار جهنم لوصفه القرآن الكريم بأنه سحر، بل ومحاولة تحدّيه بمقاومة الملائكة، زبانية جهنم التسعة عشر. ويتبين ذلك في الآيات الآتية:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١١ الى ٣١]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2769
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [المدّثّر: ٧٤/ ١١- ٣١] .
أخرج الحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.. أن الوليد ابن المغيرة جاء إلى النّبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك ما لا ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا، لتتعرض لما قبله، قال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، فقال: وماذا أقول؟ فو الله، ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني أفكر فيه، فقال: «هذا سحر يؤثر» يأثره عن غيره، فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١)
والمعنى: دعني أنا، والذي خلقته حال كونه وحيدا في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، أو دعني وحدي معه لا يشركني فيه أحد، فإني أكفيك في الانتقام منه. عرفنا أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، الذي كان يلقب بالوحيد، لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته. فذكر الوحيد في الآية في جملة النّعم التي أعطيها،
стр. 2770
ولكن لم يثبت هذا. ومعنى قوله: خَلَقْتُ وَحِيداً معناه: منفردا ذليلا، فجعلت له المال والبنين.
وجعلت له مالا واسعا كثيرا، وبنين حضورا معه بمكة، لا يفارقونها ولا يسافرون بالتجارات في البلاد لطلب الرزق، لكثرة مال أبيهم، وبسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش، ومع كل هذا يطمع في زيادة المال والولد وغير ذلك، مما يدعو إلى التعجب. وهذا إنكار عليه، لشدة حرصه على الدنيا. فرد الله عليه: كلا: كلمة ردع وزجر، لا أزيده، إنه كان لآيات القرآن معاندا لها، كافرا بها، بعد العلم بصدقها. سأكلفه وأحمله مشقة من العذاب.
وسَأُرْهِقُهُ: أكلفه بمشقة وعسر، وصَعُوداً عقبة في نار جهنم.
إنه فكّر في شأن النّبي ﷺ وفي القرآن العظيم، وهيّأ من الكلام في نفسه ما يقول، وتروى فيما يصف به القرآن حين سئل عنه، فلعن وعذّب، على أي حال قدر ما قدر من الكلام. وهذا كله تعجب واستعظام من موقفه، واستحقاقه مضاعفة العذاب، ثم أعاد النظر والتّروي والتأمّل في الطعن بالقرآن، ثم قطّب وجهه، لما لم يجد مطعنا يطعن به القرآن، وتغيّر وجهه، ثم أعرض عن الإيمان، وتكبّر عن الانقياد للقرآن، فقال: ما هذا إلا سحر ينقل ويحكى، هو قول (كلام) البشر، أي ليس منزلا من عند الله تعالى. وقوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) دعاء عليه على معنى تقبيح حاله. و (قتل) بمعنى لعنه أو عاداه، أو هو بمعنى التعجب من الشيء.
سأدخله النار، وسأغمره فيها من جميع جهاته، وسقر: من أسماء النار، ثم أي شيء أعلمك ما سقر؟ لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئا، فإذا أعيد أهلها خلقا جديدا، فلا تتركهم، بل تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبدا. وهي أي جهنم تلوح للناس حتى يرونها عيانا، وعليها زبانية أشداء، من الملائكة عددهم