قال جمهور المفسرين: نودي بالمدثّر، لما
ورد في البخاري من أنه ﷺ لما فرغ من رؤية جبريل ﵇ على كرسي بين السماء والأرض، فرعب منه، ورجع إلى خديجة.
وهذه توجيهات أولية ضرورية ونافعة للنبي ﷺ بعد بدء الوحي، تشتمل على البدء بالإنذار، وتكبير الله، وتطهير نفسه وقلبه، والتّرفع عن محقّرات الأخلاق كإعطاء القليل لأخذ الكثير، والصبر في دعوته لربّه، وتذكّر هول يوم القيامة الشديد على الكافرين.
- وأول هذه التوجيهات: بدء التبليغ تبشيرا وإنذارا، فيا أيها النّبي الذي قد تدثّر بثيابه، أي تغطى بها رعبا من رؤية الملك عند نزول الوحي أول مرة: انهض بواجب الرسالة، وخوّف أهل مكة وجميع الخلق من عذاب الله ووقائعه بالأمم، إن لم يسلموا، وهو أمر بترك العزلة، والاستعداد للاختلاط ونشر الدعوة.
- وعظّم الله وصفه بالكبرياء، في عبادتك وكلامك وجميع أحوالك، فإنه أكبر من أن يكون له شريك، فالشّرك كفر وضلال، وسبب لغضب الرحمن، وتوحيد الله تعالى أساس دعوتك.
- وطهّر قلبك ونفسك من أدران المعصية، وثيابك واحفظها من النجاسات، لأن الإسلام دين الطّهر والنظافة، والصحة والنقاء، وهو دين الطهارتين: المعنوية الروحانية، والحسّية الجسدية. والآية دليل على تعظيم الله تعالى، وتنزيهه عما يقول عبدة الأوثان، وعلى نظافة الجسد والثياب، وتحسين الأخلاق، واجتناب المعاصي.
- واترك تركا أبديا الرّجز، أي الأصنام والأوثان، فلا تعبدها، فإنها سبب العذاب، واهجر جميع الأسباب والمعاصي المؤدية إلى العذاب الدنيوي والأخروي.
والآية دليل على وجوب الاحتراز من كبائر المعاصي كالشّرك أو الوثنية، بل وعن جميع المعاصي.
стр. 2767
والنّهي عن جميع ذلك، لأنه القدوة الحسنة العليا، ولا يعني أنه يرتكب شيئا منها، وإنما يراد به تدوين مبدأ إسلامي عام هو هجر الوثنية، والدوام على الهجران.
ولا تمنن على أصحابك وغيرهم بتبليغ الوحي، مستكثرا ذلك عليهم، وإذا أعطيت أحدا شيئا من الأعطيات، فأعطها لوجه الله تعالى، ولا تمنّ بعطيتك على الناس، ولا تعط عطاء لتعطى أكثر منه. وقال مجاهد: المعنى لا تضعف من الاستكثار من الخير، أو مما حمّلناك من أعباء الرسالة.
- واجعل صبرك على أذاهم لوجه ربّك وطلب رضاه، فإنك حملت أمرا عظيما، ستحاربك العرب والعجم عليه، فاصبر على هذا الأمر لوجه الله، واصبر أيضا على طاعة الله وعبادته.
- اصبر على أذى قومك وغيرهم من الكفار، وعلى العبادة، وعن الشهوات، وعلى تكاليف النّبوة، فعاقبة الصبر منك النصر والفرج، وأمام الكفار يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية للبعث من القبور، فوقت النقر يومئذ يوم شديد جدّا على الكفار، غير سهل عليهم. والناقور: الذي ينفخ فيه، وهو الصّور. ويوم عسير: فيه عسر في الأمور الجارية على الكفار، فوصف الله تعالى اليوم بالعسر، لكونه ظرف زمان له، وكذلك تجيء صفته باليسر.
أخرج ابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة وأحمد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم، وصاحب القرن، قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر، فينفخ؟ فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا» .
لقد جمعت هذه الآيات على وجازتها أمهات الفضائل، حيث جمعت بين أوامر العقيدة وتعظيم الله، وأوامر الدعوة وتبليغها، وأوامر العبادة والطاعة لله تعالى
стр. 2768
ومتطلباتها من طهارة القلب والنفس والثياب، ومثلها البدن والمكان من باب أولى، واجتناب الأوثان، وتحرير العقل من الشّرك، والتّخلق بالأخلاق الاجتماعية والعادات الإنسانية كترك إعطاء القليل وابتغاء الكثير، وتقويم النفس بكريم الخلق، وإصلاح البدن بهجر المآثم والمحارم. وهذه الأوامر لا تعني أن النّبي يفعل شيئا منها، وإنما هو من قبيل الاستمرار والمداومة على ما هو عليه من عبادة الله الواحد الأحد، والتّحلي بالأخلاق الكريمة، وهجر كل ما يغضب الله تعالى.
وعيد زعماء الشّرك
في بدء الدعوة هدّد الله تعالى الوليد بن المغيرة وأمثاله من زعماء الشّرك، وآنس نبيّه بقوله في سورة المدّثّر: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وقوله في سورة المزمّل:
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) ، ثم عدّد نعمه الوفيرة على الوليد من المال والولد والجاه والرياسة، وكفره بها، ووعيده بنار جهنم لوصفه القرآن الكريم بأنه سحر، بل ومحاولة تحدّيه بمقاومة الملائكة، زبانية جهنم التسعة عشر. ويتبين ذلك في الآيات الآتية:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١١ الى ٣١]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2769
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [المدّثّر: ٧٤/ ١١- ٣١] .
أخرج الحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.. أن الوليد ابن المغيرة جاء إلى النّبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك ما لا ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا، لتتعرض لما قبله، قال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، فقال: وماذا أقول؟ فو الله، ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني أفكر فيه، فقال: «هذا سحر يؤثر» يأثره عن غيره، فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١)
والمعنى: دعني أنا، والذي خلقته حال كونه وحيدا في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، أو دعني وحدي معه لا يشركني فيه أحد، فإني أكفيك في الانتقام منه. عرفنا أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، الذي كان يلقب بالوحيد، لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته. فذكر الوحيد في الآية في جملة النّعم التي أعطيها،
стр. 2770
ولكن لم يثبت هذا. ومعنى قوله: خَلَقْتُ وَحِيداً معناه: منفردا ذليلا، فجعلت له المال والبنين.
وجعلت له مالا واسعا كثيرا، وبنين حضورا معه بمكة، لا يفارقونها ولا يسافرون بالتجارات في البلاد لطلب الرزق، لكثرة مال أبيهم، وبسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش، ومع كل هذا يطمع في زيادة المال والولد وغير ذلك، مما يدعو إلى التعجب. وهذا إنكار عليه، لشدة حرصه على الدنيا. فرد الله عليه: كلا: كلمة ردع وزجر، لا أزيده، إنه كان لآيات القرآن معاندا لها، كافرا بها، بعد العلم بصدقها. سأكلفه وأحمله مشقة من العذاب.
وسَأُرْهِقُهُ: أكلفه بمشقة وعسر، وصَعُوداً عقبة في نار جهنم.
إنه فكّر في شأن النّبي ﷺ وفي القرآن العظيم، وهيّأ من الكلام في نفسه ما يقول، وتروى فيما يصف به القرآن حين سئل عنه، فلعن وعذّب، على أي حال قدر ما قدر من الكلام. وهذا كله تعجب واستعظام من موقفه، واستحقاقه مضاعفة العذاب، ثم أعاد النظر والتّروي والتأمّل في الطعن بالقرآن، ثم قطّب وجهه، لما لم يجد مطعنا يطعن به القرآن، وتغيّر وجهه، ثم أعرض عن الإيمان، وتكبّر عن الانقياد للقرآن، فقال: ما هذا إلا سحر ينقل ويحكى، هو قول (كلام) البشر، أي ليس منزلا من عند الله تعالى. وقوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) دعاء عليه على معنى تقبيح حاله. و (قتل) بمعنى لعنه أو عاداه، أو هو بمعنى التعجب من الشيء.
سأدخله النار، وسأغمره فيها من جميع جهاته، وسقر: من أسماء النار، ثم أي شيء أعلمك ما سقر؟ لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئا، فإذا أعيد أهلها خلقا جديدا، فلا تتركهم، بل تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبدا. وهي أي جهنم تلوح للناس حتى يرونها عيانا، وعليها زبانية أشداء، من الملائكة عددهم
стр. 2771
تسعة عشر شخصا،
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وابن مردويه عن البراء: أن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب النّبي ﷺ عن خزنة جهنم، فجاء، فأخبر النّبي ﷺ ، فنزل عليه ساعتئذ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) .
ولم نجعل خزنة النار وزبانيتها القائمين بالتعذيب إلا ملائكة غلاظا شدادا، ولم نجعلهم رجالا تمكن مغالبتهم، ولم نجعل عددهم تسعة عشر إلا اختبارا منّا للناس، وسبب محنة وإضلال للكافرين، حتى قالوا ما قالوا، ليتضاعف عذابهم، وقوله:
فِتْنَةً أي سبب فتنة للكفار، وفتنتهم: كونهم أظهروا مقاومتهم، والطمع في مغالبتهم، وذلك على سبيل الاستهزاء، فإنهم مكذّبون بالبعث وبالنار وبخزنتها.
وجعل الله هذا العدد ليتيقن أهل الكتاب (وهم اليهود والنصارى) أن الرسول حق، فإنه جاء ناطقا بما يطابق كتبهم السماوية السابقة، فإن فيها أن عدّة خزنة جهنم تسعة عشر، ولكي يزداد إيمان المؤمنين، ولا يشك أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمؤمنون بالله تعالى ورسوله، في صحة وحقيقة هذا العدد وفي دين الله، وليقول المنافقون الذين في قلوبهم شكّ وريب، في صدق النّبي ﷺ ، ومعهم الكافرون من أهل مكة وغيرهم: أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، وما الحكمة في ذكر هذا العدد هنا؟ مثل ذلك المذكور من الإضلال والهداية، يضلّ الله من يريد، بخذلانه عن إصابة الحق، لسوء استعداده، ويهدي إلى الحق والإيمان من يريد، بتوفيقه إلى الصواب، وليس في ذلك إجبار على الضلالة والهدى، لمنافاته للعدل الإلهي. وما يعلم أنصار الله وأعوانه إلا الله وحده، وما سقر وصفتها إلا تذكرة وعظة للناس، ليعلموا كمال قدرة الله.
روي أن الحارث بن كلدة الجمحي قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فنزل قوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي لم نجعلهم رجالا تستطيعون مغالبتهم.
стр. 2772
التّحذير من إنكار جهنم ووصف أهلها
ردّ الله تعالى على الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث، وعلى أنواع الطاعنين على الحقّ وأحوال أهل النار، فإن الجنة حق والنار حق، وكل إنسان مسئول عن نفسه لا عن غيره، ويتساءل أصحاب اليمين في الجنة عن سبب دخول المجرمين النار، فيذكر لهم السبب من الآن في الدنيا: وهو إعراضهم عن الإيمان وعن أداء الفرائض وعن إطعام المساكين، وإعراضهم ناشئ من التكبّر والأنفة، وتظل جهنم إنذارا كافيا لمن أراد التقدم إلى الخير والطاعة، وهذا ما أوضحته الآيات الآتية:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٣٢ الى ٥٦]
كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦)
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [المدّثّر: ٧٤/ ٣٢- ٥٦] .
قوله: كَلَّا ردّ على الكافرين والطاعنين على الدين الحق، ومفاد الرّد: أني أوجه تحذيرا رادعا لكم أيها الناس، فلا سبيل لإنكار وجود النار في الآخرة، وأقسم بالقمر، وبالليل إذا مضى وولّى ذاهبا، وبالصّبح إذا ظهر وأضاء قبل طلوع الشمس
стр. 2773
بكثير، إن سقر (وهي جهنم) لإحدى الدّواهي العظام، لإنذار البشر وتخويفهم من عقاب الله تعالى على العصيان.
- وإن جهنم إنذار واضح لمن أراد أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو إلى الجنة بالإيمان، أو يتأخّر عن ذلك إلى الشّرّ والمعصية أو إلى النار، لإنذار البشر من عقاب الله على العصيان. قال ابن عباس: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد ﷺ ، جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأخّر عن الطاعة وكذّب محمدا ﷺ ، عوقب عقابا لا ينقطع. وقال الحسن البصري: لا نذير أدهى من النار.
ليس لكل امرئ إلا جزاء عمله، فكل نفس مأخوذة بعملها، مرتهنة به، فإن كان العمل خيرا خلّصها وأعتقها من العذاب، وإن كان شرّا أوبقها في النار، أي إن المقصّر مرتهن بسوء عمله.
لكن أصحاب اليمين (والاستثناء هنا منفصل أو منقطع) لأنهم لم يكتسبوا ما هم به مرتهنون. وهم في جنات يتنعمون، يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين في النار، ما الذي أدخلكم في جهنم؟ والمقصود من السؤال: زيادة التوبيخ والتخجيل.
فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة: لم نكن في الدنيا نؤدي الصلاة المفروضة، ولم نحسن إلى أحد، فلم نطعم الفقير المحتاج ما يجب إعطاؤه، وكنا نخالط أهل الباطل في باطلهم، أي كلما غوى غاو غووا معه، وكنا نكذب بيوم الجزاء أي القيامة، حتى أتانا الموت. والتكذيب بيوم القيامة كفر صراح بالله تعالى. فهذه أسباب أربعة لازمتنا طوال حياتنا الدنيوية: ترك الصلاة، والزكاة، والخوض في باطل الكلام أو الغواية، وإنكار البعث والحساب والجزاء. وكون الأمرين الأولين سبب النار دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فمن كان متّصفا بمثل هذه الصفات، فلا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، من ملائكة وأنبياء وصالحين، لأن مصيرهم إلى النار حتما.
стр. 2774
ما الذي حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن الذي هو التذكرة والموعظة؟
كأنهم في نفورهم عن الحق وإعراضهم عنه، من حمر الوحش إذا فرّت من رماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها. وجمهور اللغويين على أن القسورة: الأسد.
وقيل: الرجال الأشداء.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد حديث الشفاعة، وهو طويل، وفيه: «تشفع الملائكة، ثم النّبيون، ثم العلماء، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فيشفّعون، ثم يقول الله تعالى: شفع عبادي، وبقيت شفاعة أرحم الرّاحمين، فلا يبقى في النار من له إيمان» .
ومن صور عناد الكافرين: ما وصف الله تعالى: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب، كما أنزل على النّبي ﷺ ، فهم قد بلغوا من العناد حدّا تجاوزوا به أقدارهم. كلا (كلمة زجر وردع لهم) على اقتراحهم إنزال تلك الصحف المفتوحة المبسوطة، فلا يؤتونها، وهم في الحقيقة منكرون للبعث والحساب، لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات.
وكفاهم القرآن كتابا، حقّا إن القرآن تذكرة كافية لهم، فإنه خير تذكرة وموعظة، فمن أراد أن يذكره ويتّعظ به، اتّعظ واعتبر.
ولا يقع شيء في هذا الكون قهرا عن الله، لأنه المالك وصاحب السلطان، فما يذكرون القرآن ويتّعظون به إلا بمشيئة الله تعالى، الجدير بالتقوى، أي بأن يتّقيه ويخاف منه المتّقون، بترك معاصيه، والعمل بطاعاته. وهو أيضا الجدير بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، وبأن يقبل توبة التائبين من العصاة.
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والنّسائي عن أنس بن مالك ﵁: أن النّبي ﷺ فسّر هذه الآية، فقال: «يقول لكم ربّكم جلّت قدرته وعظمته: أنا أهل أن أتّقى، فلا يجعل معي إله غيري، ومن اتّقى أن يجعل معي إلها غيري، فأنا أغفر له» .
стр. 2775
تفسير سورة القيامة
إثبات القيامة وما يحدث فيها
أنكر المشركون ثلاثة أمور: وحدانية الله، والنّبوة، والقيامة، فكان القرآن الكريم معنيّا في مناقشاته وردوده بهذه الأمور، لإثباتها، وبما أن القيامة أمر غيبي، لا مجال لإثباته إلا بالخبر الصادق، ومن أصدق من الله حديثا؟ فإنه سبحانه أخبر عن وجوب الإيمان بالغيب، ومنه يوم القيامة، وأقسم قسما شديد التأكيد على أنه يوم واقع، وفي مطلع سورة القيامة المكّية بالإجماع قسم من الله على وقوع القيامة وما فيها من أهوال:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [القيامة: ٧٥/ ١- ١٥] .
أقسم أنا الله بيوم القيامة، و (لا) إما استفتاح كلام، أو صلة زائدة، وأقسم
стр. 2776
بالنفس اللوامة صاحبها أو غيرها على تقصيره في ترك الطاعة ونحوه، أنكم سوف تبعثون وتحاسبون يوم القيامة.
وجواب القسم محذوف، لدلالة ما بعده عليه. والقسم بالشيء إشارة لتعظيمه وتفخيمه. والنفس في الآية: اسم جنس لنفوس البشر.
وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء، فإنها لوّامة، مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت.
أيظن الإنسان (الكافر) ألا بعث وألا نجمع عظامه؟! وهذا تقرير وتوبيخ. وهذه الظنون أو الأقوال كانت لكفار قريش. بلى: (وهي إيجاب ما نفي) أي بلى نجمعها قادرين على جمعه وإعادة تركيب عظامه وأعضائه، وتسوية بنانه، أي أطراف أصابعه.
أي إن العظام والأعضاء تجمع ويسوّى أكثرها تفرقا، وأدقها أجزاء، وهي عظام الأنامل والمفاصل، وهذا كله عند البعث والنشور من القبور.
ويسأل الإنسان الكافر وغيره سؤال استبعاد وإنكار واستهزاء وتعنّت متى يوم القيامة؟ ومن لم يؤمن بالبعث ارتكب أعظم الآثام، وبادر إلى انتهاب اللذات غير عابئ بما يفعل. والإنسان: اسم جنس، وهو ابن آدم. بل (وهو إضراب عما سبق لتقرير أمر آخر) يريد الإنسان في الواقع تغليب شهواته، ومداومة فجوره أي فسقه أو كفره، بتكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي القيامة.
وعلامات القيامة ثلاث هي: إذا دهش البصر وتحيّر من شدة أهوال القيامة، وذهب ضوء القمر كله دون أن يعود، كما يعود بعد الخسوف في الدنيا، وتبدد أو زال ضوء الشمس والقمر جميعا، فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار، أي إن معالم الكون تتغير كلها.
стр. 2777
كلا (كلمة ردع وزجر) لا ملجأ ولا معتصم من الله يعصمكم يومئذ، وإنما إلى الله ربكم المرجع والمصير، في الجنة أو في النار.
وفي ذلك اليوم يوم القيامة، يخبر الإنسان أثناء العرض والحساب بجميع أعماله التي قدمها من خير أو شرّ، قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها.
والإنسان عالم بنفسه، لذا قال الله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ..
أي بل (وهو يفيد الإضراب بمعنى الترك، لا بمعنى إبطال القول الأول) إن الإنسان بعقله وفطرته حجة، وشاهد مبصر على نفسه، عالم بما فعله، فهو حجة كافية بينة على أعماله، ولو اعتذر وأنكر، وحاول تقديم المعاذير أي الأعذار، أي ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. قال مجاهد: معاذيره: حجته، وقال ابن كثير: والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) [الأنعام: ٦/ ٢٣] . وكقوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) [المجادلة: ٥٨/ ١٨] .
إن هذه الآيات التي يراد بها إثبات يوم القيامة تدلّ على عظمة الله وقدرته الخارقة، فهو سبحانه قادر على جمع عظام الإنسان المفتتة في أي مكان، وأعضائه المشتتة في أي موضع، وهذا في حدود العقل البشري مستبعد، لكن في مجال علم الله تعالى وقدرته أمر سهل يسير، غير مستبعد، بل هو واقع حتما.
والمفاجأة بالحقائق أمر صعب على النفوس، فيفاجأ المرء بتاريخه الطويل الذي سجّله في الدنيا، وتكون الكارثة أو النجاة، فإما إلى نار دائمة الاشتعال والتعذيب للكافرين، وإما إلى جنة دائمة النعيم والفضل الإلهي.
ولا مجال للمكابرة أو الاعتذار عن شيء فعله الإنسان، فلا يقبل العذر مهما
стр. 2778
كان، ويصطدم الشخص بواقعه الذي هو أعلم به، وهو خير شاهد وحجة على نفسه، حتى ولو أنكر أو اعتذر.
وأي سبيل للإنكار؟ وأعمال الإنسان مدوّنة عليه بوساطة ملك اليمين وملك الشمال، لأن الكتابة لا سبيل لمحوها أو إنكارها، والله أعلم بكل شيء صغير أو كبير، من كل مكتوب أو مقروء أو مقالة.
حفظ القرآن وحال الناس في الدنيا والآخرة
إنزال القرآن الكريم بالوحي على قلب النّبي ﷺ شيء عظيم لا يعادله شيء في الدنيا، لذا حرص النّبي على تلقّي الوحي وعلى حفظه ومتابعته، وكان يردّده في مبدأ الأمر أثناء التّلقي، فأرشده الله تعالى إلى ضرورة الإصغاء له أولا، ثم يكون التثبيت والحفظ في القلب من فعل الله تعالى. أما منكر القيامة والبعث فهو معرض عن آيات الله تعالى ومعجزاته، وسبب إنكاره البعث: هو حبّ الدنيا، وترك العمل للآخرة.
والناس في الآخرة فريقان: فريق المؤمنين وفريق المشركين الذين يترقبون نزول دواهي العذاب بهم، وهذا ما عبّرت عنه الآيات الآتية:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١٦ الى ٢٥]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠)
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [القيامة:
٧٥/ ١٦- ٢٥] .
أخرج البخاري ومسلم وأحمد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 2779
أنزل الوحي، يحرّك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) الآية.
كان رسول الله ﷺ ، حرصا منه على القرآن الموحى به إليه، يبادر إلى حفظه وترداده، ويسابق الملك في قراءته، ويحرّك شفتيه ولسانه بالقرآن، إذا أنزل عليه، قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، فنزلت هذه الآية.
ومعناها: لا تحرّك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي، لتأخذه على عجل، مخافة أن يتفلت منك، كما جاء في آية أخرى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ٢٠/ ١١٤] .
إن علينا جمعه في صدرك، حتى لا يذهب عليك منه شيء، وعلينا إثبات قراءته في لسانك على الوجه القويم. فإذا أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل ﵇، فاستمع له وأنصت، ثم اقرأه كما أقرأك، وكرره حتى يرسخ في ذهنك. والقرآن: مصدر كالقراءة.
ثم إننا بعد حفظه وتلاوته، نفسّر لك ما فيه من الحلال والحرام، ونبيّن أو نوضّح لك ما أشكل منه، ونلهمك معناه كما أردناه وشرعنا، أي علينا تبيينه وتحفيظه لك.
إن هذه الآيات الأربع اشتملت على أحوال ثلاث: هي جمعه في صدره وحفظه، في الآيتين الأولى والثانية، وتلاوته وتيسير أدائه كما أنزل، في الآية الثالثة، وتفسيره وبيانه في الآية الرابعة. ثم أوضح القرآن الكريم حال منكر البعث، فوبّخه وقرّعه على إنكار البعث، وبيّن له سبب الإنكار، وهو:
كلا (كلمة ردع وزجر) أي أردعكم عما تقولون أيها المشركون من إنكار البعث، فإن الذي يحملكم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله تعالى على رسوله، من الوحي الحق والقرآن العظيم، وسبب إنكاركم، هو محبّتكم دار الدنيا العاجلة، وتشاغلكم عن الآخرة، وترك العمل لها. وهذه الآية كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
стр. 2780
رجوع إلى مخاطبة قريش، في ردّهم الشريعة، أي ليس ذلك كما تقولون، وإنما أنتم قوم غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبّونها حبّا تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها.
ولما ذكر الله تعالى الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها.
وجوه المؤمنين في الجنة حسنة بهية، مشرقة مسرورة، ترى ربّها عيانا، ووجود الفجّار الكفّار في النار عابسة كالحة كئيبة، توقن أن سينزل بها داهية عظيمة، تكسر فقار الظهر. وجمهور العلماء على جواز رؤية الله تعالى في الآخرة، من غير تحديد بمكان معين.
جاء في الصحيحين عن جرير، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم ترون ربّكم، كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، ولا قبل غروبها، فافعلوا» .
وللآية نظائر منها: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) [عبس: ٨٠/ ٣٨- ٤٢] .
لقد تكفّل الله لنبيّه ثلاثة أمور لحفظ القرآن: وهي جمعه في صدره ﵊، وتلاوته، وتفسيره لبيان ما فيه من الحدود والحلال والحرام، والوعد والوعيد، والمشكلات.
وسبب إنكار المشركين البعث والجزاء: هو إيثار الدنيا والتّمتع بنعيمها، وترك العمل والاستعداد للآخرة، وهذا سوء اختيار، لأن نعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة باق دائم.
ورؤية أهل الإيمان ربّهم في جنان الخلد، وحرمان الفجّار (الكفّار والعصاة) منها أمر ثابت مقرر لا شك فيه بدلالات الكتاب والسّنة، جاء في حديث مسلم عن صهيب: أن رؤية الله هي الزيادة في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] .
стр. 2781
وتكون وجوه الكفّار الفجّار في الآخرة كالحة كاسفة عابسة، مستيقنة أنه سيحلّ بها عذاب شديد، وداهية عظيمة.
التّفريط وعاقبته
الناس فريقان: إما عصاة أشرار، وإما طائعون أبرار، وقد أنذر الله تعالى جميع الناس قبل أن يفجأهم الموت، وتطوى صحائف الأعمال، فيبادروا إلى الإيمان بالله والعمل الصالح، وبعد الموت الذي يستوي فيه الكل، يأتي البعث حتما في وقت لا بد منه، من أجل أمرين: ألا وهما إقامة العدل المطلق بين الخلائق، بالجزاء على الأعمال، حتى لا يتساوى المطيع والعاصي، وبيان إنجاز وعد الله تعالى وممارسة قدرته، فكما أن الله تعالى قادر على بدء الخلق، فهو قادر على الإعادة والبعث، بل إن الإعادة أهون في منطق البشر. قال الله تعالى زاجرا ومنذرا من ملاقاة أهوال القيامة:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٦ الى ٤٠]
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [القيامة: ٧٥/ ٢٦- ٤٠] .
стр. 2782
زجر الله تعالى قريشا وأمثالها بأنهم متعرّضون لموطن من مواطن الهول، وأمر من الله تعالى لا محيد لبشر عنه، وهو حالة الموت والمنازعة التي كتبها على كل حيوان.
ومضمون الزجر: لا تستطيع أيها الإنسان التكذيب بما أخبرت به، حين تجد الحقيقة عيانا أمامك، وهي مفارقة الحياة وتجرّع كأس الموت. فإذا بلغت روحك تراقيك الموازية للحلاقيم، وهي جمع ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النّحر والعاتق، ولكل أحد ترقوتان، والأفراد في الكثيرين جمع، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ونزاع الروح. يسّره الله تعالى علينا.
وقيل حينئذ: من الطّبيب المعالج الذي يرقي المحتضر ويشفيه، وأيقن هذا الشخص الذي بلغت روحه التراقي أنها ساعة الفراق من الدنيا والأهل، لنذكر جميعا هذه الحالة. والمعنى العام: ارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة، وتنبّهوا إذا بلغت الحلقوم أو أعالي الصدر، كناية عن الاحتضار وأهواله، والموت وشدائده.
وفي حالة الاحتضار التفّت ساق الإنسان على ساقه عند نزول الموت به، فلا يقدر على تحريكها، أي ماتت رجلاه، ويبست ساقاه ولم تحملاه، واجتمع عليه أمران:
الناس يجهّزون جسده، والملائكة يجهّزون روحه.
وتساق الأرواح بعد قبضها من الأجساد إلى خالقها، ويكون المرجع والمآب إلى حكم ربّك، فإما إلى جنّة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نار حامية دائمة الإحراق.
وعمل هذا المحتضر المعذب بموته: هو أنه في الدنيا لم يصدق بالرسالة النّبوية ولا بالقرآن، ولا صلّى لربّه الصلاة المطلوبة منه فرضا، بل كذّب بالرسول وبما جاء به، وتولّى عن الطاعة والإيمان، وزاد على ذلك أنه ذهب إلى أهله بطرا أشرا، يتبختر ويختال في مشيته، افتخارا بتقصيره. لقد جمع بين إهمال العقيدة الصائبة، وبين إهمال
стр. 2783
الفرائض، وبين سوء الخلق بالتكبّر والتجبّر والتطاول. وهذا دليل واضح على أن الكافر يستحقّ العقاب بترك الصلاة والزكاة، كما يستحقه بترك الإيمان الذي هو أساس صحة الصلاة.
وهذا العقاب جدير به هذا الجاحد، كما قال تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) أي ويل لك ثم ويل، أولى لك الهلاك، وهو وعيد ثان، ثم كرر ذلك تأكيدا، والمراد:
أولى لك الازدجار والانتهاء، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرا. ومنه قوله تعالى:
فَأَوْلى لَهُمْ، طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٤٧/ ٢٠- ٢١] .
أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) وعيد على وعيد، زعم أن هذا أنزل في عدو الله أبي جهل، ذكر لنا
أن نبي الله ﷺ أخذ بمجامع ثيابه، فقال: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) فقال عدو الله أبو جهل: أيوعدني محمد؟ والله ما تستطيع لي أنت ولا ربّك شيئا، والله لأنا أعزّ من مشى بين جبليها.
وأخرجه النّسائي عن ابن عباس عن قوله: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) أشيء قاله رسول الله ﷺ من قبل نفسه أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله.
ثم استدلّ الله تعالى على البعث بدليلين:
الأول- أيظنّ الإنسان أن يترك في الدنيا مهملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يكلف، ولا يحاسب ولا يعاقب بعمله في الآخرة؟ وهذا خلاف مقتضى العدل والحكمة.
الثاني- أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من مني يراق في الرّحم، ثم صار بعد ذلك علقة، أي قطعة دم عالقة، ثم مضغة، أي قطعة لحم، ثم شكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقا سويّا سليم الأعضاء، ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره؟ أليس الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بقادر على أن يعيد خلق الأجسام من جديد بالبعث،
стр. 2784
كما كانت عليه في الدنيا، بلى، فإن الإعادة أهون من الابتداء. وقوله: أَلَيْسَ ذلِكَ توبيخ وإقامة حجة.
وقوله تعالى: فَخَلَقَ فَسَوَّى خلق: قدّر بقدر محكم بأن جعلها مضغة مخلّقة.
وفَسَوَّى عدل أركانه وأحكم أمره، وأكمل نشأته، وجعل من المني بعد تخليقه صنفي الإنسان: الرجل والمرأة. وهذا استدلال بالخلق الأول على الإعادة، فإن الخالق الأول هو الخالق الآخر، والأمران سواء عليه.
стр. 2785
تفسير سورة الدّهر
خلق الإنسان ومصيره
من أعاجيب الخلق الإلهي: خلق الكون من السماء والأرض، وخلق الإنسان بعد العدم، ثم تكاثر النوع الإنساني، وتكليف الإنسان بالتكاليف الرّبانيّة المسماة بالأمانة، ثم يمرّ في أطوار الحياة بعد الولادة، وتبدأ مرحلة البلوغ والخطاب الإلهي له، ليكون موضع اختبار في مدى الحياة أو العمر، ويكون في أعقاب الامتحان إما كافرا جاحدا، وإما مؤمنا شاكرا. ولكلّ جزاؤه، فللكافرين السعير والسلاسل والأغلال، وللمؤمنين الأبرار جنان الخلد والنعيم بسبب ما قدموا من صالح الأعمال، وهذا صريح الآيات الآتية في مطلع سورة الدّهر أو الإنسان المكّية في رأي بعضهم، والأصح أنها مدنيّة:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩)
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣»
стр. 2786
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الإنسان: ٧٦/ ١- ١٢] .
هل: في كلام العرب قد تجيء بمعنى قد، مع التقرير، وقال أكثر المتأوّلين: (هل) تقرير. أي لقد أتى على جنس الإنسان فترة من الزمان، كان فيه منسيا غير موجود ولا مخلوق، ولا مذكور لأحد من الخليقة المتقدمين عليه: وهم الملائكة والجنّ. وهذا إخبار عن فترة ما قبل خلق الإنسان، حيث كان معدوما لا يذكر. أي إذا تأمل كل إنسان نفسه، علم بأنه قد مرّ حين من الدّهر عظيم، لم يكن هو فيه شيئا مذكورا، أي لم يكن موجودا.
ثم أخبر الله تعالى عن بدء تكاثر الخلق، إننا نحن الخالق أوجدنا ابن آدم من ماء قليل من المني، مختلط بين ماءي الرجل والمرأة، من أجل اختباره، بالخير والشّر، وبالتكاليف الشرعية، بعد البلوغ، وزودناه بطاقات الفهم والوعي والإدراك وهي السمع والبصر، ليتمكن من حمل رسالة التكليف واجتياز مرحلة الاختبار.
ودللنا الإنسان وأرشدناه، وبيّنا له طريقي الخير والشّر، والهدى والضّلال، ويكون حاله إما مؤمنا شاكرا لأنعم الله، مهتديا بهديه، وإما كافرا جاحدا للنعمة معرضا عن الطاعة، متنكّرا للهدي الإلهي. وهذا مثل قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) [البلد: ٩٠/ ١٠] . أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشّر، فهو باختياره بعدئذ إما شقي أو سعيد.
стр. 2787
وجزاء الفريقين بداهة مختلف في قانون العدل الدنيوي والإلهي. لقد هيّأنا وأعددنا لكل كافر بالله وبنعمه، سلاسل في أرجلهم يقادون بها إلى النار، وقيودا تشدّ بها أيديهم إلى أعناقهم، ونارا تستعر وتتوقد، لنعذبهم ونحرقهم بها.
وأما المؤمنون الأبرار الذين جمعوا بين الصدق والطاعة (التقوى) والإخلاص فهم يشربون شرابا ذا رائحة أو كأسا من خمر الجنة، الممزوجة بالكافور (وهو طيب معروف له رائحة جميلة) وهذا الشراب نابع من عين جارية عذبة يشرب منها عباد الله الصالحون، تنبع بأمرهم، ويجرونها إلى حيث أرادوا من منازلهم وقصورهم. وقوله تعالى: عَيْناً بدل من قوله تعالى: كافُوراً أو مفعول به لفعل (يشربون) أي يشربون ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور.
وأسباب ثواب الأبرار ثلاثة أشياء أو خصال ثلاث: هي الوفاء بالواجب، وخوفهم الحساب، وتخلّقهم بالخلق الفاضل كإطعام الطعام للمحتاجين.
١- ٢- أنهم يوفون بالنّذور التي التزموها وأوجبوها على أنفسهم، تقرّبا إلى الله تعالى. ويتركون المحرّمات التي نهى الله عنها، خوفا من عذاب يوم القيامة، الذي تكون شدائده وأهواله منتشرة في كل جهة، وعامة على الناس، إلا من رحم الله.
فقوله: يَوْماً كانَ شَرُّهُ أي يوم القيامة الذي كان ضرره متّصلا شائعا كاستطارة الفجر.
٣- ويطعمون الطّعام في حال محبّتهم إياه لمحتاج فقير عاجز عن الكسب، وليتيم حزين فقد أباه، ولأسير مأسور عند الأعداء. وخصّ الطعام بالذكر لكونه إنقاذا للحياة، وإصلاحا للإنسان. قال القرطبي: والصحيح أن الآية نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلا حسنا، فهي عامة.
وهم في حال إطعام الطعام لهؤلاء يقولون وينوون: إنما نطعمكم هذا الطعام
стр. 2788
لابتغاء رضوان الله وحده، ورجاء ثوابه، دون منّ عليكم، ولا ثناء من الناس، ولا طلب جزاء أو مقابل منكم أو من أحد، بل هو خالص لوجه الله تعالى.
إننا مع طلب رضوان الله سبحانه نخاف من أهوال يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدّته، صعب شديد الهول والخطر، وشديد الظلمة.
فجازاهم الله تعالى على إخلاصهم أنه دفع عنهم شرّ ذلك اليوم العبوس، وآمنهم من مخاوفه، وأعطاهم نضرة في الوجوه، وسرورا في القلوب، لطلبهم رضوان الله تعالى.
وكافأهم بسبب صبرهم على التكاليف الشرعية جنة يدخلونها، وحريرا يلبسونه، أي أعطاهم أو منحهم منزلا رحبا، وعيشا رغيدا، ولباسا جميلا حسنا. وذلك كله بتكريم الله وفضله وإحسانه، جعلنا الله من أهل هذا الجزاء الحسن، ومتّعنا بهذه النعم الجليلة.
نعم أهل الجنّة
إن أغلب الناس تأثّرا بطبائعهم وشهواتهم المادّية يتأثّرون بالإغراءات المادّية، والمطامع المعيشية من كساء وغذاء وشراب وخدمات الخدم وحلي الدنيا، فكانت إغراءات النعيم في الجنان من هذا الطراز، ليطمعوا في الحصول عليها، ويعملوا العمل الصالح الموصل لها، وهو الجزاء المادّي، وهناك جزاء معنوي أسمى وأرفع منه وهو الشعور بالرضوان الإلهي، والتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم الذي لا يعادله شيء من هذه النّعم، ولكن المسألة في الجنة درجات ومراتب بحسب تفاوت أعمال الناس. وهذه الآيات الآتية تقرر نعيم الأشخاص العاديين:
стр. 2789
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٣ الى ٢٢]
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [الدّهر: ٧٦/ ١٣- ٢٢] .
هذه مظاهر النعيم المادي في الجنة، لقد جزى الله الأبرار جنة الخلود، حيث يتكئون فيها على الأسرّة والفرش والوسائد، ولا يرون فيها الحرّ الشديد والبرد القارس، لاعتدال هوائها، وذهاب ضرورتي الحرّ والبرد عنها. ومسّ الشمس: أشدّ الحر، والزمهرير: أشد البرد.
وظلال الأشجار قريبة منهم، مظلّلة عليهم حيث لا شمس هناك، وأدنيت ثمارها لمتناوليها تسخيرا.
ويطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وبأكواب الشراب: وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم، وهي من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة، وصفاء القوارير، وهي الزجاج، حتى يرى داخلها من خارجها. وشكلها وحجمها حسب إرادة أهل الجنة، بحسب تقديرهم ورغبتهم.
стр. 2790
ويسقى الأبرار أيضا في هذه الأكواب في الجنة شرابا ممزوجة بالزنجبيل الحارّ أو بالكافور البارد، ليعتدل الشراب، وأما المقرّبون فيشربون من كلّ منهما صرفا.
ويسقون شرابهم هذا من عين في الجنة تسمى السلسبيل، سميت بذلك لسلاسة مائها، وسهولة جريها وانحدارها وإساغتها في الحلوق.
وصفة الخدم: أنه يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان، لهم صفة الخلود، لا يتغيرون عن تلك الحال، من الشباب والطراوة والنضارة، ولا يهرمون ولا يمرضون ولا يموتون، إذا رأيتهم في قضاء الحوائج رأيتهم في صباحة الوجوه، وحسن الألوان وجمال الثياب والحلي كأنهم اللؤلؤ المنثور، قال ابن كثير: ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. شبّههم بالمنثور، لأنهم سراع في الخدمة، أما الحور العين فشبّهن باللؤلؤ المكنون، لأنهن لا يمتهن بالخدمة.
وفي الجملة، يكون نعيمهم أنك إذا نظرت نظرا بعيدا في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها، وما فيها من الجمال والسرور، رأيت نعيما لا يوصف وسلطانا عظيما لا يقدر قدره.
أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: دخل عمر بن الخطاب على النّبي ﷺ ، وهو راقد على حصير من جريد، وقد أثّر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟ قال:
ذكرت كسرى وملكه، وهرمز، وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله ﷺ على حصير من جريد، فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة، فأنزل الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠)
وملابسهم وحليّهم: هي أن الذي يعلوهم من اللباس: هو الحرير الرفيع الرقيق الأخضر، والديباج السميك، وحلّوا (ألبسوا الحلية) بأساور من الفضة، وسقاهم
стр. 2791
ربّهم بشراب غير ما سبق، يطهّر بواطنهم من الحسد والحقد والبغضاء والأذى، وسائر الأخلاق الرديئة، كما روي عن علي ﵁.
وعلّة هذا الفضل والنعيم: أنه يقال لهؤلاء الأبرار الممتّعين بالجنان، تكريما لهم وإحسانا إليهم: إن هذا المذكور من أنواع النعيم، كان لكم جزاء لأعمالكم، أي ثوابا لها، وجزاكم الله تعالى على القليل بالكثير، ويقبل طاعتكم، فشكر الله تعالى لعمل عبده: هو قبول لطاعته. وهذا مثل قوله تعالى في آية أخرى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الحاقّة: ٦٩/ ٢٤] . وقوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٧/ ٤٣] .
إنها نعم الله تعالى السابغة العظيمة، الدائمة، فليست نعم الله مقصورة على الدنيا، وإنما برحمة الله تشمل الآخرة، ونعم الآخرة أعظم وأكثر وأشمل من نعم الدنيا.
تثبيت النّبي ﷺ في مواجهة أفعال قريش
كان كل رسول يواجه معارضة شديدة لدعوته من قومه أو المرسل إليهم، وكان هذا هو الظاهرة القائمة من أفعال قريش وأحوالهم، حيث نسبوا الرسول محمدا إلى الكهانة والسّحر، فثبّت الله تعالى رسوله محمدا ﷺ ، وبيّن للقوم أن القرآن كلام الله ووحيه، وأمره بالصبر على أذى قومه، وبالسّجود والصلاة، وبذكر ربّه بكرة وأصيلا، فهم قوم يؤثرون الدنيا على الآخرة، وشريعة الله ووحيه تذكرة وعظة لمن أراد النجاة بين يدي الله ، بمشيئة الله، وكل شيء من أفعال البشر لا يقع إلا بمشيئة إلهية، كما يتضح من الآيات الآتية:
стр. 2792
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الدّهر: ٧٦/ ٢٣- ٣١] .
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة: أنه بلغه أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدا يصلّي، لأطأن عنقه، فأنزل الله: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً.
يقول الله فيما معناه: لقد أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن تنزيلا متدرّجا مفرّقا، في مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم ننزله جملة واحدة، ليسهل حفظه ووعيه والعمل به، ولتثبيت المؤمنين في مواجهة الحوادث.
فاصبر أيها النّبي على قضاء الله وقدره في تأخير نصرك على المشركين، إلى أجل اقتضته حكمته، وفي تبليغ رسالتك من ربّك، وتحمّل المشقة، والصبر على الأذى، ليعذر الله تعالى إليهم، ولا تطع أحدا من المشركين أو العصاة، المبالغين في الوقوع في الإثم والعصيان، والجحود والكفر. والآثم: مرتكب المعاصي، والكفور: جاحد النعمة، وبما أن الآية في المشركين، فكل واحد منهم آثم وهو كفور. ومن الآثمين:
عتبة بن ربيعة، ومن الكفورين: الوليد بن المغيرة. والآية تقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة، أو كفور من المشركين.
стр. 2793
ثم أمر الله تعالى نبيّه بالمداومة على ذكر ربّه في أول النهار وآخره، وفي جميع الأوقات، بالقلب واللسان، وبالسجود في الليل والتسبيح الذي هو الصلاة.
وصلاة الصبح: هي في أول النهار أو البكرة، وآخره أو الأصيل: صلاة العصر ومعها صلاة الظهر، وصلاة الليل تشمل صلاتي المغرب والعشاء، والتّهجد في آخر الليل، فتكون الآية جامعة فرائض الصلوات الخمس، والتهجد. وهذه أحوال الطائعين. ثم ذكر الله تعالى أحوال الكفار والمتمرّدين:
إن هؤلاء مشركي مكة وأمثالهم يحبّون الدار العاجلة، وهي الدنيا، ويقبلون على لذّاتها وشهواتها، ويتركون أمامهم يوم القيامة الشديد الأهوال، فلا يستعدّون له، ولا يعبؤون به، وسمي يوما ثقيلا، لما فيه من الشدائد والأهوال. والآية فيها توبيخ المترّدين واحتقارهم. وحبّهم للدنيا: أنهم لا يعتقدون غيرها.
وكيف يتغافل هؤلاء الكفار عن ربّهم وآخرتهم، ونحن الله الذي خلقناهم وأحكمنا خلقهم بتسوية أعضائهم ومفاصلهم، وربطها بالعروق والأعصاب، ولو شئنا لأهلكناهم، وجئنا بأطوع لله منهم. والأسر: الخلقة واتّساق الأعضاء والمفاصل. وهذا تعداد النعمة من الله على عباده، في إيجادهم وخلقهم، وفي إتقان بنيتهم وشدّ خلقتهم. وفي آخر الآية توعّد بالتبديل، فجمعت الآية بين تعديد النعمة، والوعيد، والتبديل، احتجاجا على منكري البعث، فمن هو قادر على هذه الأمور، فكيف تتعذر عليه الإعادة؟
ثم أرشد الله تعالى إلى فائدة القرآن والشريعة، فهذه السورة أو الشريعة، وما فيها من مواعظ، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، عظة وعبرة للمتأمّلين، وتبصرة للمتبصرين، وتذكير للعقلاء، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة، اتخذ طريقا للتّقرب إلى ربّه بالإيمان والطاعة، واجتناب المعصية، ومن شاء اهتدى بالقرآن. وهذا
стр. 2794
دليل على أن الإيمان والكفر داخلان في اختيار الإنسان وحريته، ولكن ضمن مشيئة الله، حيث لا يقع شيء في ملكوت الله إلا بمشيئته، وإلا كان الملك المطلق الملك مقهورا في سلطانه، وهذا لا يقع بالنسبة لله تعالى.
إن مشيئة العبد داخلة في إطار مشيئة الله، فما تشاؤون أن تتخذوا إلى الله سبيلا إلى النجاة إلا بمشيئة الله، ولا يقدر أحد أن يهدي نفسه، أو يؤمن أو يجلب نفعا لنفسه إلا بتوفيق الله، فالأمر إلى الله سبحانه، إن الله تعالى عليم بمن يستحق الهداية، فييسرها له، وعليم بمن يستحق الغواية، فيبقى في دائرة الضلال، وله الحكمة البالغة.
والله يدخل في جنته من يشاء من عباده إدخالهم فيها، فضلا من الله وإحسانا، ويعذب الظالمين الكافرين الذين ظلموا أنفسهم، عذابا مؤلما وهو عذاب جهنم.
стр. 2795
تفسير سورة المرسلات
القيامة وقدرة الله عليها وتهديد منكريها
تكرّر في القرآن الكريم إيراد الأدلّة والبراهين القاطعة على وقوع القيامة حتما، ومنها قسم الله بذاته كما في سورة التّغابن: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [الآية: ٧] ، ومنها قسم الله بالقيامة نفسها كما في مطلع سورة القيامة: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) [القيامة: ٧٥/ ١] .
ومنها القسم الإلهي بالرّياح الهادرة المتتابعة، أو بالرّسل إلى الناس من الأنبياء ﵈، أو بالملائكة المرسلة، كما في مطلع سورة المرسلات المكّية، في قول جمهور المفسّرين:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ٢٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١»
стр. 2796
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المرسلات: ٧٧/ ١- ٢٨] .
يقول الله تعالى: أقسم بالرّسل المرسلين إلى الأنبياء والرّسل جماعات، إفضالا على العباد بالبعثة، أو بالرّياح المتتابعة التي هي نعم، بها الأرزاق والنجاة في البحر، وبالرياح التي ترسل عاصفة لما أمرت به من نعمة أو نقمة، وبالرياح التي تنشر السحاب وتفرّقه في آفاق السماء، كما يشاء الله تعالى.
وأقسم بالملائكة الذين ينزلون بأمر الله على الرّسل بما يفرّق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحلال والحرام، والذين يلقون الوحي إلى الأنبياء والرّسل، إعذارا من الله تعالى إلى خلقه، وإنذارا من عذابه إن خالفوا أمره.
إن ما وعدتم به من مجيء الساعة ونفخ الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، وجزاء كل إنسان بما عمل خيرا أو شرّا، إن هذا كله لواقع حتما.
وعلامات وقوعه: إذا ذهب ضوء النجوم، وتشققت السماء وتصدعت، وقلعت الجبال من أماكنها، وصارت في الأجواء هباء منبثا.
وإذا الرّسل جمعت وجعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، ويقال لتعجيب العباد من الهول: لأي يوم عظيم أخّرت الأمور المتعلّقة بهؤلاء الرّسل؟
وهي تعذيب من كذّبهم، وتعظيم من صدّقهم. والجواب من الله تعالى: بأنهم أجّلوا
стр. 2797
ليوم الفصل بين الخلائق، يفصل فيه بين الناس بأعمالهم، ويوزّعون إما إلى الجنة وإما إلى النار. ثم أعظم الله تعالى شأن ذلك اليوم مرة ثانية، بقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) أي وما أعلمك بيوم الفصل، وأي شيء شدته ومهابته!! وتهويل ثالث: ويل لهم من عذاب الله غدا، أولئك الذين كذبوا بالله ورسله وكتبه، والويل تهديد بالهلاك، وقد ذكر هذا التهويل في سورة المرسلات تسع مرات، لمزيد التأكيد والتقرير.
وتهديد آخر من سيرة الماضين: ألم نهلك الكفار المكذّبين للرّسل المخالفين لما جاؤوا به من الأمم الماضية، من لدن آدم ﵇، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، إلى زمن محمد ﷺ ، بتعذيبهم في الدنيا، ثم نتبعهم بأمثالهم ونظرائهم، وهم كفار مكة حين كذبوا محمدا ﷺ ، أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المعارك. وهذا وعيد شديد لكل من كفر بالله تعالى.
وتلك سنّة الله لا تبديل لها، فإن سنّتنا في جميع الكفار واحدة، فمثل ذلك الإهلاك للمكذّبين بكتب الله ورسله، الذين أجرموا في حقّ أنفسهم، نفعل بكل من أجرم وأشرك مع الله إلها آخر. والهلاك الشديد يومئذ للمكذّبين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. وقوله: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) أي في المستقبل، قريش وسائر الكفار.
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر القدرة الإلهية على الناس، ومنها: ألا ترون وتدركون أننا نحن خلقناكم من ماء ضعيف حقير، وهو المني، وجعلناه مجموعا في مستقر مكين، أي حرز حصين، وهو الرّحم، ثم أبقيناه في الرّحم مدة معينة هي مدة الحمل من ستة إلى تسعة أشهر.
نحن الذين مارسنا قدرتنا على الخلق وتقديرنا في تكوين الأعضاء والصفات،
стр. 2798
وجعلنا كل حال على الصفة التي أردنا، فنعم المقدّر وهو الله، أو نعم المقدّرون له نحن. والهلاك والعذاب في يوم القيامة لم كذّب بقدرتنا على ذلك، وبهذه النّعم. وهذا تخويف وتوبيخ من وجهين: هما أن النّعمة كلما كانت أعظم كان كفرها أفحش، والقادر على الخلق الأول قادر على الإعادة.
ثم عدّد الله تعالى نعمه الثلاث في الآفاق بعد نعمة تكوين الأنفس وهي: ألم نجعل الأرض ضامّة للأحياء على ظهرها في منازلهم، والأموات في بطنها تضمّهم وتجمعهم؟ وجعلنا في الأرض جبالا ثوابت عاليات، لئلا تميد وتضطرب بكم، وأسقيناكم من ينابيعها، أو من السّحاب ماء عذبا صافيا. وهذا كله أعجب من البعث.
ويل، أي عذاب وهلاك شديد في الآخرة، لمن كذب أو كفر بهذه النّعم، وويل لمن تأمل في هذه المخلوقات الدالّة على عظمة الله تعالى خالقها، وعلى قدرته الفائقة، ثم استمرّ على تكذيبه وكفره.
ألوان التهديد والعذاب، وأصناف النعيم
وصف الله تعالى ألوان عذاب الكفار وصفا تقشعر منه الأبدان، وتشيب منه الغلمان، فهو يشتمل على عشرة أنواع من التهديد والتخويف، أربعة منها في آيات سابقة من سورة المرسلات، وهي: القسم الإلهي على العذاب، والتهديد بعذاب مماثل للأمم الغابرة، واللوم على كفران النعم في الأنفس، وكفران النعم في الآفاق، وستة منها في الآيات الآتية: وهي أولا قول الملائكة للكفار: انطلقوا لعذاب الآخرة، وله أوصاف أربعة: ألسنة النار وأدخنتها ذات شعب ثلاث، ولا ظل من الحر، ولا يفيد شيئا في رد الحر، وشرر النار كالقصر، وثانيا بطلان الحجة
стр. 2799
وفقد العذر، وثالثا التعذيب بالتقريع والتخجيل والباقي مضاعفة الحسرة، ووصفهم بالإجرام، وتوبيخهم، قال الله تعالى:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٩ الى ٥٠]
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
«١» «٢» «٣» [المرسلات: ٧٧/ ٢٩- ٥٠] .
هذه تهديدات متوالية للكفار، يقال لهم من خزنة جهنم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الآخرة. ذلك العذاب سيروا فيه إلى ظل من دخان جهنم، متشعب ثلاث شعب، فإن لهب النار إذا ارتفع وتصاعد دخانه، تشعب إلى ثلاث شعب من شدته وقوته، وليس للنار ظل يمنع الحر ولا البرد، ولا يرد الحر ولا يفيد شيئا في تخفيف العذاب. واللهب: ما يعلو على النار بعد اشتعالها. وشرر هذه النار متفرق، كل شرارة ترمي بها هي كالقصر (البناء العظيم) في العظم والارتفاع، وكالإبل الصفر في اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة. وهلاك وعذاب وخزي يومئذ في القيامة للمكذبين رسل الله وآياته. ولا عذر ولا حجة لأولئك المعذّبين فيما ارتكبوا من قبائح ومنكرات، فهم لا يتكلمون في ذلك اليوم، لهول ما يرون، وللحيرة والدهشة التي تعتريهم، ولا يأذن الله لهم بالكلام، فيكون لهم اعتذار، لقيام
стр. 2800
الحجة عليهم، وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار، لأن الله تعالى قدم لهم الإنذار في الدنيا.
وعذاب القيامة للمكذبين بسب ما أنذرتهم الرسل من العذاب في الدنيا، إن استمروا على الكفر، ومعاداة الرسل. وهذا لون من التعذيب الأدبي.
ويقال لهم من الله أو من ملائكته: هذا يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، جمعناكم بقدرتنا معشر كفار قريش وأمثالكم على ممر الدهر. و (الأولون) المشار إليهم: قوم نوح وغيرهم، ممن جاء في صدر الدنيا، وعلى وجه الدهر. فإن قدرتم أيها الكفار على مكر أو حيلة أو مكيدة لتتخلصوا من العذاب وتنجيكم، فافعلوها، فإنكم لا تقدرون على ذلك. وهذا نهاية التقريع والتوبيخ، وهو تعذيب روحي. وعذاب يوم القيامة متحقق لكل مكذب بالبعث، لظهور العجز وفقد الأمل بالنجاة.
وأما المتقون في الآخرة: فهم في جنات وظلال وارفة تحت الأشجار والقصور، وتحيط بهم الأنهار والينابيع من كل مكان، ولديهم أنواع من الفاكهة والثمار، بحسب ما تطلبه نفوسهم، وتستدعيه شهواتهم.
ويقال لهم في الآخرة على سبيل الإحسان إليهم والتكريم: كلوا أيها المتقون من طيبات الجنة وفاكهتها، واشربوا شربا هنيئا، بسبب ما عملتم في الدنيا، من العمل الصالح. وهذا أمر تكريم، لا أمر تكليف.
هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل، ومثل ذلك الجزاء العظيم لهؤلاء المتقين، نجزي المحسنين في أعمالهم، فلا نضيع لهم أجرا، وعذاب وخزي يوم القيامة للمكذبين بالله ورسله، وبما أخبر الله من تكريم هؤلاء المتقين في الآخرة، حيث صاروا في شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم.
стр. 2801
ثم خاطب الله تعالى المكذبين بيوم الجزاء (يوم القيامة) على سبيل التهديد والوعيد والتوبيخ: فيقال لهم: كلوا من مآكل الحياة ولذائذها، وتمتعوا بخيراتها زمانا قليلا لمدة العمر الباقي، ثم تساقون إلى نار جهنم، لشرككم بالله تعالى، ولأنكم مجرمون. إنه عذاب لأولئك المشركين المكذبين بأوامر الله تعالى ونواهيه، وبما أخبرهم به ربهم أنه فاعل بهم.
وإذا أمروا بالصلاة لا يصلون، فهم يستكبرون عن طاعة الله تعالى، وهذا ذم على ترك الخشوع والتواضع لله، بقبول وحيه وأمره وتكليفه. وهلاك يوم القيامة ثابت للمكذبين بأوامر الله تعالى ونواهيه.
ومما يدعو للتعجب من صنيع الكفار: أنه إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، وما اشتمل عليه من أدلة وجود الله وتوحيده وصدق نبيه ﷺ ، فبأي كلام بعده يصدقون؟ ففي القرآن كل ما يرشد إلى الخير وسعادة الدارين، وهو الكتاب الكامل الذي جميع فأوعى.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، كان إذا قرأ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فقرأ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟ قال: فليقل: آمنت بالله وبما أنزل.
ألا إن الضالين الكافرين لا ينتفعون بمواعظ القرآن وحكمه البالغة، ولا يهتدون بنوره، وأما المتقون فهم المتدبرون لكلام القرآن، الملتزمون بهديه ونوره.
стр. 2802
تفسير سورة النبأ
إثبات البعث وتعداد النعم الإلهية
لا تكاد تجد سورة مكية (أي نزلت في مكة قبل الهجرة) إلا وفيها حديث عن البعث، إما بالإثبات وغرس اليقين حوله، بالقسم أو بإيراد أدلة عقلية وحسية على إمكانه، وإما بوصف أهواله ومخاوفه وآثاره الخطيرة التي تنحصر في شيئين: دخول الجنان أو الزج بالنيران، لأن التشريع المكي عني غالبا بالعقائد، وأهمها توحيد الله ونبذ الشرك، وإثبات النبوة أو الرسالة والوحي، ووقوع القيامة، ووصف القيامة رهيب كما في مطلع سورة النبأ المكية اتفاقا:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» [النبأ: ٧٨/ ١- ١٦] .
стр. 2803
ينكر الله تعالى على المشركين المكيين وجميع العالم تساؤلهم عن القيامة، فعن أي شيء يسأل بعضهم بعضا؟ عن الخبر المهم العظيم الشأن، الذي اختلفوا في أمره، بين مكذب ومصدق، وكافر ومؤمن به، ومنكر ومقر، وشاكّ ومثبت: وهو يوم البعث من القبور بعد الموت. والمراد من الاستفهام: تفخيم الأمر وتعظيمه. وقوله تعالى: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) متعلق ب يَتَساءَلُونَ، كأنه تعالى قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ؟
كلا: كلمة ردع لهم وزجر، لا ينبغي لهم أن يختلفوا في شأن البعث، فهو حق لا ريب فيه، وليرتدعوا عن التساؤل، فإن جميع العالم سيعلمون عاقبة تكذيبهم أو إنكارهم. وكلمة (كلا) الثانية تأكيد للجملة الأولى. وهذا تهديد ووعيد. والبعث قائم حتما بقدرة الله، ومن مظاهر قدرته تعالى:
- كيف تنكرون البعث؟ وقد شاهدتم أدلة قدرة الله التامة، من جعل الأرض ممهدة مذللة للخلائق، كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له من الفراش، للنوم والراحة، وجعل الجبال الراسيات كالأوتاد للأرض، لتسكن ولا تتحرك، وتهدأ ولا تضطرب بأهلها.
- وأوجدناكم في هذا العالم أصنافا: ذكورا وإناثا، لتحقيق التكاثر وإبقاء النوع الإنساني، وليتم التعاون والأنس بين الصنفين.
- وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، وقطعا لأعمالكم المتعبة في النهار، فبالنوم تتجدد القوى، وينشط العقل والجسد. والسبات: الانقطاع عن الحركة. وجعلنا الليل المظلم الهادئ سكنا تسكنون فيه، وكاللباس الذي يغطي بظلامه الأشياء والأجسام، فكما أن اللباس يغطي الجسد ويقيه من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك الليل يستتر فيه من أراد الاختفاء لقضاء مصالح لا تتوافر في النهار.
стр. 2804
- وجعلنا وقت النهار مشرقا مضيئا، ليتمكن الناس من تحصيل أسباب المعيشة، والتكسب، والاتجار، والزراعة والصناعة، وممارسة الخدمات الفنية والعملية وغيرها.
- وبنينا فوقكم سبع سموات قوية الخلق، محكمة البناء، متقنة الصنع، مزينة بالكواكب الثوابت والسيارات المتنقلة، وجعلنا الشمس سراجا مضيئا على جميع العالم، ينشر الضوء والحرارة، ويستفيد منه كل الكائنات الحية.
- وأنزلنا من السحب القاطرة، والغيوم المتكاثفة التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد، مطرا منصبا بكثرة وغزارة، كثير السيلان، لنخرج بذلك الماء الكثير الطيب النافع، حبا يقتات به الناس، مثل القمح والشعير والذرة، والأرز، ونباتا تأكله الدواب، من التبن والحشيش وسائر النباتات، وبساتين وحدائق ذات بهجة وأشجار وأغصان ملتفة على بعضها، وثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة أرضية واحدة، يسقى من ماء واحد، وتتفاضل ثمارها في المأكل والتفكه، كما جاء في آية أخرى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ١٣/ ٤] .
والثجّاج: السريع الاندفاع، كما يندفع الدم من عروق الذبيحة، ومنه قول النبي ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر-: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» . أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء البدن وإراقتها، والمراد: التضرع بالدعاء الجهير، وذبح الهدي. والحب: جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان. والنبات: الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، لذا ذكر الله تعالى موضع المنفعتين.
стр. 2805
صفات يوم القيامة
يوم القيامة يوم عصيب رهيب حاسم، سمي يوم الفصل، وتحدد وقته بأجل معلوم بعلم الله تعالى وحده دون سواه، ولا يتقدم وقته ولا يتأخر، وعلامات ذلك اليوم كثيرة، منها نفخ الصور، وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء منبثا كالهواء. وليس بعد الموت والقيامة إلا أحد شيئين: إما الجنة للمتقين وإما النار للظالمين، كما تقرر الآيات الآتية:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ٣٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١)
لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦)
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [النبأ: ٧٨/ ١٧- ٣٠] إن يوم القيامة الذي يسمى بيوم الفصل، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل، كان مؤقتا بوقت محدد، وميعاد معين، للأولين والآخرين، للحساب والجزاء. والميقات: مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
وعلاماته ثلاث:
- إنه اليوم الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون معشر الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمرا زمرا، وجماعات جماعات متميزة، تأتي فيه كل أمة