ثم خاطب الله تعالى المكذبين بيوم الجزاء (يوم القيامة) على سبيل التهديد والوعيد والتوبيخ: فيقال لهم: كلوا من مآكل الحياة ولذائذها، وتمتعوا بخيراتها زمانا قليلا لمدة العمر الباقي، ثم تساقون إلى نار جهنم، لشرككم بالله تعالى، ولأنكم مجرمون. إنه عذاب لأولئك المشركين المكذبين بأوامر الله تعالى ونواهيه، وبما أخبرهم به ربهم أنه فاعل بهم.
وإذا أمروا بالصلاة لا يصلون، فهم يستكبرون عن طاعة الله تعالى، وهذا ذم على ترك الخشوع والتواضع لله، بقبول وحيه وأمره وتكليفه. وهلاك يوم القيامة ثابت للمكذبين بأوامر الله تعالى ونواهيه.
ومما يدعو للتعجب من صنيع الكفار: أنه إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، وما اشتمل عليه من أدلة وجود الله وتوحيده وصدق نبيه ﷺ ، فبأي كلام بعده يصدقون؟ ففي القرآن كل ما يرشد إلى الخير وسعادة الدارين، وهو الكتاب الكامل الذي جميع فأوعى.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، كان إذا قرأ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فقرأ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟ قال: فليقل: آمنت بالله وبما أنزل.
ألا إن الضالين الكافرين لا ينتفعون بمواعظ القرآن وحكمه البالغة، ولا يهتدون بنوره، وأما المتقون فهم المتدبرون لكلام القرآن، الملتزمون بهديه ونوره.
стр. 2802
تفسير سورة النبأ
إثبات البعث وتعداد النعم الإلهية
لا تكاد تجد سورة مكية (أي نزلت في مكة قبل الهجرة) إلا وفيها حديث عن البعث، إما بالإثبات وغرس اليقين حوله، بالقسم أو بإيراد أدلة عقلية وحسية على إمكانه، وإما بوصف أهواله ومخاوفه وآثاره الخطيرة التي تنحصر في شيئين: دخول الجنان أو الزج بالنيران، لأن التشريع المكي عني غالبا بالعقائد، وأهمها توحيد الله ونبذ الشرك، وإثبات النبوة أو الرسالة والوحي، ووقوع القيامة، ووصف القيامة رهيب كما في مطلع سورة النبأ المكية اتفاقا:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» [النبأ: ٧٨/ ١- ١٦] .
стр. 2803
ينكر الله تعالى على المشركين المكيين وجميع العالم تساؤلهم عن القيامة، فعن أي شيء يسأل بعضهم بعضا؟ عن الخبر المهم العظيم الشأن، الذي اختلفوا في أمره، بين مكذب ومصدق، وكافر ومؤمن به، ومنكر ومقر، وشاكّ ومثبت: وهو يوم البعث من القبور بعد الموت. والمراد من الاستفهام: تفخيم الأمر وتعظيمه. وقوله تعالى: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) متعلق ب يَتَساءَلُونَ، كأنه تعالى قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ؟
كلا: كلمة ردع لهم وزجر، لا ينبغي لهم أن يختلفوا في شأن البعث، فهو حق لا ريب فيه، وليرتدعوا عن التساؤل، فإن جميع العالم سيعلمون عاقبة تكذيبهم أو إنكارهم. وكلمة (كلا) الثانية تأكيد للجملة الأولى. وهذا تهديد ووعيد. والبعث قائم حتما بقدرة الله، ومن مظاهر قدرته تعالى:
- كيف تنكرون البعث؟ وقد شاهدتم أدلة قدرة الله التامة، من جعل الأرض ممهدة مذللة للخلائق، كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له من الفراش، للنوم والراحة، وجعل الجبال الراسيات كالأوتاد للأرض، لتسكن ولا تتحرك، وتهدأ ولا تضطرب بأهلها.
- وأوجدناكم في هذا العالم أصنافا: ذكورا وإناثا، لتحقيق التكاثر وإبقاء النوع الإنساني، وليتم التعاون والأنس بين الصنفين.
- وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، وقطعا لأعمالكم المتعبة في النهار، فبالنوم تتجدد القوى، وينشط العقل والجسد. والسبات: الانقطاع عن الحركة. وجعلنا الليل المظلم الهادئ سكنا تسكنون فيه، وكاللباس الذي يغطي بظلامه الأشياء والأجسام، فكما أن اللباس يغطي الجسد ويقيه من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك الليل يستتر فيه من أراد الاختفاء لقضاء مصالح لا تتوافر في النهار.
стр. 2804
- وجعلنا وقت النهار مشرقا مضيئا، ليتمكن الناس من تحصيل أسباب المعيشة، والتكسب، والاتجار، والزراعة والصناعة، وممارسة الخدمات الفنية والعملية وغيرها.
- وبنينا فوقكم سبع سموات قوية الخلق، محكمة البناء، متقنة الصنع، مزينة بالكواكب الثوابت والسيارات المتنقلة، وجعلنا الشمس سراجا مضيئا على جميع العالم، ينشر الضوء والحرارة، ويستفيد منه كل الكائنات الحية.
- وأنزلنا من السحب القاطرة، والغيوم المتكاثفة التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد، مطرا منصبا بكثرة وغزارة، كثير السيلان، لنخرج بذلك الماء الكثير الطيب النافع، حبا يقتات به الناس، مثل القمح والشعير والذرة، والأرز، ونباتا تأكله الدواب، من التبن والحشيش وسائر النباتات، وبساتين وحدائق ذات بهجة وأشجار وأغصان ملتفة على بعضها، وثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة أرضية واحدة، يسقى من ماء واحد، وتتفاضل ثمارها في المأكل والتفكه، كما جاء في آية أخرى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ١٣/ ٤] .
والثجّاج: السريع الاندفاع، كما يندفع الدم من عروق الذبيحة، ومنه قول النبي ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر-: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» . أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء البدن وإراقتها، والمراد: التضرع بالدعاء الجهير، وذبح الهدي. والحب: جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان. والنبات: الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، لذا ذكر الله تعالى موضع المنفعتين.
стр. 2805
صفات يوم القيامة
يوم القيامة يوم عصيب رهيب حاسم، سمي يوم الفصل، وتحدد وقته بأجل معلوم بعلم الله تعالى وحده دون سواه، ولا يتقدم وقته ولا يتأخر، وعلامات ذلك اليوم كثيرة، منها نفخ الصور، وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء منبثا كالهواء. وليس بعد الموت والقيامة إلا أحد شيئين: إما الجنة للمتقين وإما النار للظالمين، كما تقرر الآيات الآتية:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ٣٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١)
لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦)
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [النبأ: ٧٨/ ١٧- ٣٠] إن يوم القيامة الذي يسمى بيوم الفصل، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل، كان مؤقتا بوقت محدد، وميعاد معين، للأولين والآخرين، للحساب والجزاء. والميقات: مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
وعلاماته ثلاث:
- إنه اليوم الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون معشر الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمرا زمرا، وجماعات جماعات متميزة، تأتي فيه كل أمة
стр. 2806
مع رسولها، كما قال الله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ١٧/ ٧١] .
والصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل لبعث الناس.
- وفيه تتصدع السماء وتتشقق، فصارت ذات أبواب كثيرة، وطرقا ومسالك لنزول الملائكة. وقوله: فَكانَتْ أَبْواباً معناه تنفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدران.
- وفيه تزول الجبال عن مواضعها، وتتبدد في الهواء، فكانت هباء منبثا كالسراب: وهو ما يتخيله الناظر ماء، أي تدكّ أولا، ثم تصير كالصوف المندوف، ثم تتقطع وتتبدد وتصير كالهباء، ثم تنسف عن الأرض بالرياح.
والذي يلقاه الكافرون الضالون يومئذ هو النار، إن جهنم كانت في حكم الله وقضائه مرصدة معدة للطغاة الجبارين، ومرجعا ومأوى لهم، حال كونهم لابثين فيها (ماكثين) مددا طويلة من الزمان، تتعاقب الأحقاب (المدد) إثر بعضها، إلى الأبد. ومرصادا:
موضع الرصد، كما قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر: ٨٩/ ١٤] .
وهذا دليل على أن جهنم كالجنة معدة مخلوقة الآن، لأن (مرصادا) معناه: معدّة.
والأحقاب جمع حقب وحقب وحقب، وهو جمع حقبة: وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة.
- لا يذوق المعذبون في جهنم بردا يقيهم من الحر، أي لا يمسهم ما يستلذ ويكسر عذاب الحر، فالذوق مستعار، ولا يجدون شرابا يزيل العطش إلا الحميم: وهو الماء الحار الشديد الغليان، وإلا الغسّاق: وهو ما يسيل من أجساد أهل النار من قيح وصديد دائم السيلان.
وهذا الجزاء العدل موافق الذنب العظيم الذي ارتكبوه نوعا ومقدارا، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار، وقد كانت أعمالهم سيئة، فجوزوا
стр. 2807
بمثلها، كما قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٢/ ٤٠] . وقوله:
جَزاءً وِفاقاً (٢٦) معناه: لأعمالهم وكفرهم، أي هو جزاؤهم الجدير بهم، الموافق مع التحذير لأعمالهم، فهي كفر، والجزاء نار.
- إنهم اقترفوا الأعمال السيئة، والقبائح المنكرة، لأنهم لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من حساب، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) معناه لا يتوقعون ولا يخافون حسابا، أي إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فهم لذلك لا يرجونه ولا يخافونه، وهو علة التأبيد في العذاب.
وإن الله تعالى يعلم بجميع أعمال العباد، فكتبها أو دوّنها عليهم سلفا الحفظة من الملائكة كتابة تامة شاملة، ومحصاة إحصاء منضبطا، ويكون المكتوب المسجل سابقا، مطابقا لما تكتبه الملائكة من الأعمال، وسيجزيهم الله تعالى على ذلك جزاء مناسبا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله: كِتاباً مصدر وضع في موضع إحصاء.
وقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ يراد به: كل شيء شأنه أن يحصى، وفي هذا الخبر ربط لأجزاء القصة بأولها، أي هم مكذّبون كافرون، والله أحصى ذلك بالقول لهم في الآخرة، وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) قال أبو حيان في البحر المحيط: عام مخصوص، أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب، وهي جملة اعتراضية.
ويقال لهم أثناء التعذيب تقريعا وتوبيخا: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (٣٠) أي يقال لأهل النار، بسبب الكفر والتكذيب بالآيات، وقبح الأفعال: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه، قال عبد الله بن عمرو (وفي البحر المحيط: ابن عمر) : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (٣٠) أي فهم في مزيد من العذاب أبدا.
إن أوصاف يوم القيامة المرعبة، الفاصلة في مصائر الناس، وما يعقبها من
стр. 2808
حساب وجزاء، تنبئ نبأ يقينيا بما يقع في المستقبل في عالم الآخرة، وتكاد تنخلع القلوب من مواضعها من شدة الأهوال، وألوان العذاب في نيران جهنم، علما بأنه حق عدل مطابق للأفعال والأقوال التي صدرت من الكافرين، وأردت بهم إلى جهنم.
أحوال السعداء يوم القيامة
لما ذكر الله تعالى حال أهل النار، عقّب بذكر حال أهل الجنة، ليتبين الفرق. فهم فائزون ناجون، حيث تخلصوا من النار، وأدخلوا الجنة، فضلا من الله وإحسانا.
والمتأمل في حال الفريقين يجد الفرق واسعا، فيرغب المؤمنون العقلاء بالجنة، ويرهبون المخالفة والعصيان، والتورط في أعمال أهل النار. وبيان حال الفريقين يشتمل على وعيد الكفار، ووعد المؤمنين الأخيار، كما يتضح من هذه الآيات:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٤٠]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [النبأ: ٧٨/ ٣١- ٤٠] .
هذا مصير المؤمنين الطائعين، وهو أن للذين اتقوا ربهم بالعمل بأوامره،
стр. 2809
واجتناب نواهيه، مفازا أي موضع الفوز، لأنهم زحزحوا عن النار، وأدخلوا الجنة يتمتعون بالبساتين المسوّرة ذات الأشجار والثمار والأعناب اللذيذة الطعم، وبحوريات الجنة الكواعب النواهد، وذوات الأثداء التي لم تتكسر ولم تتدلّ، المتساويات في السن، ويتناولون الشراب اللذيذ بالكؤوس المترعة المملوءة بخمر الجنة غير المسكرة، وعطف الأعناب على الحدائق: عطف خاص على عام. لا يسمعون في الجنة الباطل من الكلام، ولا يكذّب بعضهم بعضا، مما يدل على نظافة البيئة وسموها الأدبي، لترتاح النفوس، ولا تخدش بالكلام الشاذ. جازاهم الله تعالى على إيمانهم وصالح أعمالهم، وأعطاهم ذلك عطاء، تفضلا منه وإحسانا، وهو كاف واف على قدر أعمالهم، إنجازا لوعد الله تعالى إياهم.
وهذا الرب المتفضل المجازي جزاء حسنا هو المتصف بالعظمة والجلال، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وهو الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، ولا يقدر أحد على ابتداء خطابه إلا بإذنه، لجلاله وهيبته.
لا يملك الناس خطاب الله تعالى يوم يقوم جبريل ﵇ وجميع الملائكة مصطفين «١» صفوفا منتظمة، مع رفعة أقدارهم ودرجاتهم، لا يتكلمون أيضا في يوم القيامة الرهيب إلا بشرطين:
الأول- الإذن من الله بالشفاعة، كما جاء في آية أخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢/ ٢٥٥] .
والثاني- أن يقول قولا صائبا: أي موافقا للحق والصدق إذا كان الإذن للشافع، وأن يكون ذلك المشفوع به ممن قال في الدنيا صوابا، أي شهد بالتوحيد بأن قال:
لا إله إلا الله، إذا كان الإذن للمشفوع له.
стр. 2810
والروح: هو جبريل ﵇ في رأي الأكثرين، لقول الله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ٢٦/ ١٩٣- ١٩٤] . والآية دليل على أن الملائكة وجبريل ﵈ أعظم المخلوقات قدرا ومكانة، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته. وعطف الملائكة على جبريل: عطف عام لا خاص.
وذلك اليوم يوم القيامة هو اليوم الحق، أي الثابت الوقوع، المتحقق الذي لا ريب فيه، فمن أراد النجاة، اتخذ إلى ثواب ربه مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ويقرّبه منه، ويدنيه من كرامته، ويباعده من عقابه، بالإيمان الحق والعمل الصالح.
ثم هدّد الله تعالى الكافرين، وحذّرهم وخوّفهم من ذلك اليوم يوم القيامة مرة أخرى. إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار، حذرناكم وخوفناكم عذابا قريب الوقوع، وهو في يوم القيامة، فإنه لتأكد وقوعه، صار قريبا، ولأن كل ما هو آت قريب، وفي هذا اليوم القريب الوقوع، ينظر كل امرئ ما قدم من خير أو شر في حياته الأولى في الدنيا، ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب، كأبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وأبي جهل، وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي: ليتني كنت ترابا كالحيوانات، لم أخلق، فهو يتمنى أن لم يكن إنسانا موجودا أولا، ولا مبعوثا ثانيا أو مرة أخرى. وإنما تصير الحيوانات ترابا بعد الاقتصاص من بعضها لبعض.
وهاتان الآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: فريق المؤمنين المقربين من ثواب الله وكرامته ورضاه، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة الله، الواقعين في صنوف العذاب.
فأي الفريقين أهدى سبيلا، وأرشد طريقا، وأسلم عاقبة، وأحسن قدوة؟! لو سئل صبي عاقل دون البلوغ عن الفرق لأجاب، ولما وسعه إلا اتباع أهل الإيمان والنجاة.
стр. 2811
تفسير سورة النازعات
إثبات القيامة وأهوالها وتهديد المكذبين بها
أقسم الله تعالى لإثبات البعث ببعض الظواهر الكونية، كالقسم بالرياح المتتابعة، والملائكة في مطلع سورة المرسلات، والحلف بالملائكة التي تنزع الأرواح أو تسبح من السماء، أو تنزل بتدبير بعض الأمور، كما في مطلع سورة النازعات، واشتمل القسم على إيراد بعض الأخبار عن أهوال القيامة، وأعقب ذلك تهديد المكذبين بهذا اليوم في الدنيا والآخرة، كما يبدو واضحا في مطلع سورة النازعات المكية بالاتفاق:
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ٢٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» «١٥»
стр. 2812
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النازعات: ٧٩/ ١- ٢٦] .
أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار بشدة وعنف، وأرواح المؤمنين بسرعة ولطف، وبالملائكة الذين ينزلون من السماء مسرعين، وتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتدبر الأمر بأن تنزل بالحلال والحرام وتفصيلهما، وقال الحسن البصري: المراد بالكلمات الخمس: النجوم والكواكب في جريها وتنقلها بين الأبراج وسيرها في أفلاكها هادئة، أو مسرعة، أو مدبّرة أمرا بأمر الله تعالى.
وقوله: أَمْراً يراد به الجنس، فيقوم مقام الجمع، وتدبير الأمر في الحقيقة لله تعالى، وإنما أضيف إلى الملائكة لإتيانها به، ولأنها من أسبابه، وجواب القسم محذوف، أي لتبعثن بعد الموت.
حين تتحرك الأرض وتضطرب الجبال، وتتلوها السماء، فتنشق بما فيها من الكواكب وتنتثر.
هناك قلوب تكون يوم القيامة خائفة مضطربة قلقة، لما عاينت من أهوال يوم القيامة، وهي قلوب الكفار، وأبصار أصحابها ذليلة حقيرة، مما عاينت من الأهوال، لموتهم كافرين وإنكارهم البعث، وأقوالهم هي:
يقول المشركون المكيون وأمثالهم: هل نرد إلى حياتنا الأولى، وابتداء أمرنا قبل الموت، فنصير أحياء بعد موتنا. والحافرة: لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع
стр. 2813
إليه من آخره. وهم يقولون ذلك على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب. والمعنى:
أإنا لمردودون إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت؟! وكيف يتصور ردنا إلى الحياة، بعد أن صرنا عظاما بالية متفتتة منخورة؟ إنا إذا رددنا بعد الموت، وصح أن بعثنا يوم القيامة لنخسرن خسارة محققة، لتكذيبنا بمحمد، وهذا قول على سبيل الاستهزاء والتهكم، هذا ما قالوه، فنزلت هذه الآية.
فرد الله عليهم: لا تستبعدوا ذلك، فإنما الأمر يسير، ولا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله، وما هي إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية للبعث من القبور، فإذا هم على وجه الأرض أحياء، والساهرة: أرض الآخرة، وهي أرض بيضاء مستوية، ووصفت بذلك لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. وقال جماعة: هي أرض أو جبل بالشام، قريبة من بيت المقدس.
ثم واسى الله نبيه وآنسه عن تكذيب قومه، بقصة موسى ﵇ مع فرعون الجبار: فقال له: ألم يبلغك قصة موسى ﵇ مع فرعون، حيث ابتعثه الله إليه، وأيده بالمعجزات، حين ناداه ربه ليلا، مكلما إياه، مكلفا له بالنبوة والرسالة في الوادي المبارك المطهر: وهو طوى: وهو الوادي في جبل سيناء. وقال الله تعالى له مبينا مهمّته: اذهب إلى فرعون طاغية مصر، فإنه جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله، حيث ادعى الربوبية، واستعبد قومه.
وأسلوب دعوتك، بأن تقول له: هل لك رغبة في التطهر من الشرك والعيوب؟
وأرشدك إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، وإنما أمره الله بلين القول، ليكون أنجع أو أنجح في دعوته، وهذا دليل على أن هدف البعثة: هداية الناس إلى معرفة الله.
ودليل صدق موسى أمام فرعون: معجزته، وهي أنه أظهر له العلامة الكبرى الدالة على صدق نبوته: وهي انقلاب العصا حية، وتحول اليد بيضاء، ومع ذلك كذّب وخالف، كما في قوله تعالى: فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١)
стр. 2814
أي فكذب فرعون بموسى، وبما جاء به وبالحق، وعصى الله فلم يطعه وتولى وأعرض عن الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض، لإبطال دعوة موسى.
وقوله: فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) دليل على أنه كذب بالقلب واللسان، وعصى بإظهار التمرد.
فجمع جنوده وأهل مملكته للتشاور، وجمع السحرة للمعارضة، ثم نادى في الجميع: أنا الرب الأعلى، وصاحب السلطان المطلق، فأغرقه الله مع جنوده.
وأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وانتقم منه انتقاما جعله عبرة ونكالا لأمثاله المتمردين في الدنيا، وجع له عقوبتي الدنيا والآخرة، بالإغراق والإذلال في الدنيا، وبالإحراق في الآخرة. وكلمة (نكال) منصوب على المصدر.
إن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويخاف منه، وينزجر، فينظر في أحداث الماضي، ويتعظ للحاضر والمستقبل.
وعيد الكفار المخاطبين برسالة محمد ﷺ
خاطب الله تعالى مباشرة منكري البعث، محتجا عليهم ببدء الخلق على إعادته، فإن الله تعالى خلق السماوات والأرض والجبال: فهو قادر على إعادة الخلق، بل إن ذلك واقع فعلا، وسيكون الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم أجاب الله تعالى عن سؤال المشركين: متى الساعة؟ بأن علمها مفوض إلى الله سبحانه، وأن النبي ﷺ مبعوث للإنذار فقط، وأن ما أنكروه سيرونه عيانا، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، وهذا موضح في الآيات الآتية:
стр. 2815
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٧ الى ٤٦]
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١)
وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)
فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [النازعات: ٧٩/ ٢٧- ٤٦] .
هل أنتم يا مشركي مكة وأمثالكم أصعب وأمتن خلقا، أو خلق السماء أشد متانة؟ لا شك بأن السماء أشد خلقا، فإن الله تعالى جعل مقدار سمكها (أي ارتفاعها) ما بين سطحها الأسفل الذي يلينا، وبين سطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على قدرة الله تعالى.
وجعل ليل السماء مظلما، وأبرز ضحى النهار بإضاءة الشمس، وبسط الأرض ومهدها وجعلها مفلطحة كالبيضة، بعد خلق السماء، فإنها كانت مخلوقة غير مدحوة قبل خلق السماء، ثم دحيت بعد خلق السماء. فدل هذا على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء، وهي دخان فخلقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك. ودحو الأرض: بسطها.
стр. 2816
وأعد الله تعالى أثناء دحو الأرض وسائل الحياة والعيش بأن فجّر من الأرض الماء بالأنهار والعيون والينابيع، وأنبت فيها المراعي والأعشاب والحشائش للدواب، وجعل فيها النبات لبني آدم كالحبوب والثمار، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض، لئلا تتحرك بأهلها، ومعنى (أرساها) : أثبتها. وجميع هذه النعم إذا تدبّرت فهي متاع للناس والأنعام، يتمتعون فيها وبها، وجعل الله كل ذلك منفعة وفائدة لكم أيها الناس ولأنعامكم التي تركبونها وتأكلون لحمها، وهي الإبل والبقر والغنم.
فإذا جاء وقت مجيء الداهية العظمى وهي القيامة، التي تطم على سائر الطامات، وهي يوم القيامة، أو النفخة الثانية للبعث من القبور، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في جنبها، ويتذكر أعماله التي سعى بها في الدنيا، وتبرز، أي تظهر واضحة للعيان الجحيم، لمن يشاهدها ويبصر ويحصّل.
ويأتي الحكم الفاصل في الخلائق بعدئذ، فأما من طغى (أي تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها، فكفر وعصى، وتمرد وتكبر) وقدم الحياة الدنيوية على الآخرة، ولم يستعد لها، ولا عمل عملها، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
وأما من خاف القيام بين يدي الله ، وخاف حكم الله فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة الله وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه، ومستقره ومقامه، لا غيرها.
ثم أورد الله تعالى تساؤل المشركين استهزاء عن ميعاد القيامة، يسألك أيها النبي المشركون المكذبون بالبعث عن وقت رسو أو استقرار القيامة، وميعاد وقوعها، متى يأتي بها الله؟ نزلت بسبب أن قريشا كانت تلح في البحث عن وقت الساعة التي كان
стр. 2817
رسول الله ﷺ يخبرهم بها، ويتوعدهم بأمرها، ويكثر من ذلك.
أخرج الحاكم وابن جرير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل عليه:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) .
أوقف الله تعالى نبيه ﵇ بقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) أي في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها؟ أي لست من ذلك في شيء، ولا مصلحة لك في بيانها وهذا تعجب من كثرة ذكره لها، ليس علمها إليك، ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها إلى الله تعالى، فهو وحده الذي يعلم وقتها على التعيين، إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، وما أنت إلا مخوّف لمن يخشى قيام الساعة، فمن خشي الله وخاف عقابه، اتبعك ونجا، ومن كذب بالساعة وخالفك، خسر وخاب، فدع علم ما لم تكلّف به، واعمل بما أمرت به من إنذار.
إن هذا اليوم الذي يسألون عنه واقع حتما، وكأنهم فيه، فإنهم إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر، ورأوا القيامة، استقصروا مدة الدنيا، ورأوا كأنها ساعة من نهار، أو عشية من ضحى يوم. قرّب الله تعالى بهذا أمر الساعة بإخباره أن الإنسان عند رؤيته إياها يظن أنه لم يلبث إلا عشية يوم أو بكرته، فأضاف (الضحى) إلى (العشية) من حيث هما طرفان للنهار. والمراد تقليل مدة الدنيا في نفوسهم إذا رأوا أهوال القيامة.
стр. 2818
تفسير سورة عبس
المساواة في الإسلام وعظة القرآن
نزلت سورة عبس المكية بسبب عبد الله بن أم مكتوم، أثناء تشاغل النبي ﷺ عنه مع جماعة من قريش، فيهم الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، والعباس، وأبو جهل، لأن الرسول ﷺ كان شديد الحرص على إسلام قريش وأشرافهم، وكان يتحفّى بدعائهم إلى الله تعالى.
أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نزلت عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله يعرض عنه، ويقبل على الآخر، فيقول له: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: لا، فنزلت عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢)
وهذا مطلعها:
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٢٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠»
стр. 2819
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [عبس: ٨٠/ ١- ٢٣] .
قطّب النبي ﷺ وجهه، وأعرض، لمجيء الأعمى عبد الله بن أم مكتوم إليه يسأله، بقوله: «علمني مما علّمك الله» فكره النبي أن يقطع عليه كلامه مع زعماء الشرك، رجاء إيمانهم، فأعرض عنه، فنزلت هذه الآية.
وما يعلمك يا محمد أنه لعل هذا الأعمى يتطهر من الذنوب والآثام، بالعمل الصالح، بسبب ما يتعلمه منك، أو يتذكر أو يتعظ بما تعلمه، فتنفعه الموعظة.
ثم عاتب الله تعالى نبيه بصراحة، فقال له: أما من استغنى بماله وجاهه عن القرآن ورسالتك، وعن الإيمان والهداية، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وتتعرض له بالموعظة، ولا شيء عليك في أن لا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ.
وأما من أتى إليك مسرعا بجد لطلب الهداية والإرشاد إلى الخير، والاتعاظ بآيات الله، وهو يخاف الله تعالى، فأنت عنه تتشاغل، وتعرض. وهذا دليل على وجوب المساواة في الإنذار بين الناس جميعا، لا فرق بين شريف وضعيف ورجل وامرأة.
كلا (كلمة ردع وزجر) زجرا للمخاطب عن الشيء المعاتب عليه، أو عن معاودة مثله، لا تفعل مثل ذلك الفعل مع ابن أم مكتوم، من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني مع كونه ليس ممن يتزكى، وهذه الآيات موعظة وعبرة، جدير بك
стр. 2820
العمل بموجبها. وهذا يدل على تعظيم شأن القرآن، سواء قبله الكفار أم لا. قال سفيان الثوري:
فكان أي النبي بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم قال: مرحبا بما عاتبني فيه ربي ، وبسط له رداءه، واستخلفه النبي على المدينة مرتين.
وتلك التذكرة ذات صفتين: إنها تذكرة بينة ظاهرة، مقدور على فهمها، فمن رغب فيها اتعظ بها، وحفظها، وعمل بمقتضاها.
وهي تذكرة مثبتة كائنة في صحف مشرفة عند الله تعالى، لما فيها من العلم والحكمة، وإثباتها في اللوح المحفوظ، وكونها رفيعة القدر عند الله، منزهة، لا يمسها إلا المطهرون، محمولة بأيدي ملائكة وسائط ينقلون الوحي للرسل، لتبليغها للناس، وهم كرام على ربهم، ومترفعون عن المعاصي، أتقياء مطيعون لله ، صادقون في إيمانهم.
ثم ذم الله تعالى منكر البعث بقوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) أي حقّ قتل الإنسان الكافر، أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، أيّ شيء أكفره؟ أي جعله كافرا.
والمراد: إرادة إيصال العقاب الشديد للكافر.
قيل: إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه، فأتى النبي ﷺ ، ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالا، وجهّزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي ﷺ وقال: إني كافر برب النجم إذا هوى. فدعا عليه النبي ﷺ ، فأخذه الأسد وأكله بطريق الشام، أخرجه ابن المنذر عن عكرمة.
من أي شيء مهين خلق الله هذا الكافر بربه؟! فلا ينبغي له التكبر عن الطاعة.
وهو استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق الله الإنسان منه. خلق الله هذا الكافر بربّه، وقدره أطوارا وأحوالا، وسواه وهيأه لمصالح نفسه. وأتم خلقه وأكمله بأعضائه الملائمة لحاجاته مدة حياته، وزوده بطاقات العقل والفهم وبالحواس المدركة، للاستفادة من نعم الله تعالى، فلا يستعملها في إغضابه.
стр. 2821
ثم يسر الله تعالى خروج هذا الإنسان من بطن أمه ورحمها، ومكنّه من تحصيل الخير أو الشر، قال مجاهد: أراد السبيل عامة، اسم الجنس في (هدى وضلال) أي يسر قوما لهذا، وقوما لهذا. وقال الحسن البصري ما معناه: إن السبيل هي سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسيره له: هو هبة العقل.
ثم بعد خلقه له، قبض روحه، وأمر بمواراته في قبر، أي أن يجعل له قبر. وفي ذلك تكريم، لئلا يطرح كسائر الحيوان، ثم إذا شاء الله أنشره، أي أحياه بعد موته، أو بعثه بعد موته. وقوله: ثُمَّ إِذا شاءَ يريد: إذا بلغ الوقت الذي قد شاءه، وهو يوم القيامة.
كلا، أي هذا ردع وزجر للإنسان عما هو عليه، فلم يخل إنسان من تقصير قط، إما بالكفر، وإما بالعصيان، وإما بارتكاب خلاف الأولى والأفضل لما يليق بمنزلته، ولم يفعل بما أمره الله إلا القليل، وهذا تعجيب من حال الإنسان.
نعم الإله على الإنسان وأهوال القيامة
ذكر الله تعالى من أجل بيان قدرته نعمه في الأنفس البشرية، ثم ذكر دلائل الآفاق، وعدّد النعم التي يحتاج إليها الإنسان، لقوام حياته، لعله يقابل النعمة بالوفاء والشكر والإيمان، ثم حذره مما يلقاه في الآخرة من أهوال القيامة، التي تملأ النفس خوفا ورهبة، ليكون ذلك مدعاة إلى التأمل في الدلائل، وفي المبادرة إلى الإيمان بالموجد الخالق، والإعراض عن الكفر، والتواضع لكل أحد، كما يبدو في هذه الآيات:
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٤ الى ٤٢]
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨)
وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)
ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
стр. 2822
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [عبس: ٨٠/ ٢٤- ٤٢] .
ليتأمل الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي يتعيش به، وكيف صنعه الله له؟
وهذا منّة بالنعمة المتكررة، واستدلال بإحياء النبات من التراب على إحياء الأجساد بعد البلى. وكيفية إيجاد الطعام: أننا نحن الله أنزلنا الماء من السماء أو السحاب، على الأرض بغزارة وكثرة، وصبّ الماء: هو المطر، ثم أسكناه في الأرض، ثم أروينا البذور في باطن الأرض بالماء، ثم شققناها بالنبات الخارج منها، فارتفع وظهر على وجهها، فوجدت النباتات المختلفة.
فأنبتنا في الأرض الحبوب المقتاتة التي يتغذى بها كالحنطة والشعير والأرز، والأعناب المتنوعة، وأنواع البرسيم لأكل الدواب وعلفها، قال أبو عبيدة:
القضب: الرّطبة، وأهل مكة يسمون القتّ القضب، لأنه يقضب كل يوم. وقال ابن عطية: إن القضب هنا: هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم، غضا من النبات، كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة.
وأوجدنا أيضا بساتين ذات أشجار ضخمة ومتكاثفة كثيرة، وفاكهة: وهي كل ما
стр. 2823
يتفكه به الإنسان من الثمار، من الفاكهة المعروفة، ومرعى من العشب أو الحشيش للدواب. أي إن (الأبّ) هو المرعى، وقيل: التبن.
وحكمة الإنبات: أننا جعلنا ذلك متعة أو عيشة لكم أيها البشر ولأنعامكم. فإذا جاءت القيامة. ولفظة (الصاخة) في حقيقتها إنما هي لنفخة الصور التي تصخّ الآذان، أي تصمّها، واستعملت في القيامة، والداهية والصيحة المفرطة من قبيل الاستعارة.
إذا جاءت الصاخة ترى المرء يفرّ من أقرب الناس له، من أخيه وأمه وأبيه وزوجته وولده، ويبتعد عنهم، لشدة الهول والخطب، ولكل امرئ منهم يومئذ حال أو شغل يشغله عن الأقرباء، ويصرفه منهم، ويفرّ عنهم، حذرا من مطالبتهم إياه بشيء يهمهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة. روي أن الرسل تقول يومئذ: نفسي نفسي، لا أسألك غيري. و (الشأن الذي يغنيه) هو فكره في سيئاته، وخوفه على نفسه من التخليد في النار. والمعنى: يغنيه عن اللقاء عن غيره.
قال النبي ﷺ فيما أخرجه ابن جرير عن أنس ﵁ لعائشة ﵂: «لا يضرّك في القيامة كان عليك ثياب أم لا» ،
وقرأ هذه الآية.
وأحوال الناس في القيامة فريقان: سعداء وأشقياء، عبر عنهم بما يأتي:
وجوه متهللة مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين أهل الجنة، لأنهم علموا إذ ذاك ما لهم من النعيم والكرامة.
ووجوه أخرى في القيامة، عليها غبار وكدورة، والقترة: غبار الأرض، لما تراه مما أعدّه الله لها من العذاب، يغشاها سواد، وذلة وشدة، وأصحاب تلك الوجوه المغبّرة: هم الذين كفروا بالله، فلم يؤمنوا به، ولا بما جاء به أنبياؤه ورسله، وهم الذين اقترفوا المعاصي والسيئات، فهم الفاسقون الكاذبون، الذين جمعوا بين الكفر والفجور، كما جاء في آية أخرى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٧١/ ٢٧] أي إن
стр. 2824
الكفار هم الفجار، وليسوا أصحاب المعاصي الكبائر. والكفرة وقت نزول الوحي القرآني: هم قريش وأمثالهم قديما وحديثا.
إن هذا الوصف المرعب ليوم القيامة يستدعي التأمل والنظر، قبل التورط في هذه المآسي التي لا علاج لها، ولا تبديل، والسبيل لتفادي تلك الأهوال: هو الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر، ويضم العمل الصالح لساحة الإيمان الأصيلة التي هي قاعدة قبول العمل عند الله تعالى، فمن توافر لديه هذان العنصران، نجا وهان عليه الأمر، وضمن السلامة لنفسه.
стр. 2825
تفسير سورة التكوير
تبدلات السماء والأرض يوم القيامة
وصف الله تعالى أحوال القيامة وأهوالها بما يثير الرعب والقلق والوحشة، حيث تبدل السماوات والأرض، ويفاجأ الإنسان بعالم جديد، تنقضّ فيه السماء والنجوم والكواكب، وتزول الجبال من مواضعها وتتبدد، وتحترق مياه البحار، وتعود الأرواح إلى الأموات، وتتطاير الصحف، وتوقد الجحيم وتلتهب، وتقترب الجنة وتتدنى، وتعلم كل نفس ما قدمت من خير أو شر، كما يبين في الآيات الآتية في مطلع سورة التكوير المكية بإجماع المتأولين:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» [التكوير: ٨١/ ١- ١٤] .
هذه كلها أوصاف يوم القيامة، إذا لفّت الشمس وطويت بأن تدار ويذهب بها إلى
стр. 2826
حيث شاء الله تعالى. وإذا تساقطت النجوم وتناثرت، وإذا أزيلت أو قلعت الجبال عن أماكنها الأرضية، وسيرت في الهواء كالصوف المندوف. وانكدار النجوم: هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها.
- وإذا النوق الحوامل، وهي أنفس أموال العرب، تركت مهملة بلا راع ولا حلب، لما دهاهم من الأمر. وإذا جمعت الوحوش ليقتص من بعضها لبعض، يقتص للجمّاء من القرناء، وإذا البحار أوقدت بالبراكين والزلازل، فصارت نارا تضطرم، بعد أن فاض بعضها إلى بعض، وصارت شيئا واحدا.
- وإذا قرنت الأرواح بأجسادها حين النشأة الأخرى، وإذا الفتاة المدفونة في حال الحياة، خوف العار أو الحاجة، سئلت عن أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم، فما ظن الظالم حينئذ؟ وهذا على وجه التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك، وسؤالها لمساءلة الفاعلين.
- وإذا صحف الأعمال عرضت ونشرت للحساب، في موقف الحساب، فكل إنسان يعطى صحيفته بيمينه، فيكون ناجيا، أو بشماله أو من وراء ظهره، فيكون هالكا. وإذا أزيلت السماء، كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ. وكشط السماء: هو طيّها كطي السّجل، فلم يبق لها وجود.
وإذا أوقدت النار لأعداء الله إيقادا شديدا وأضرمت نارها، وقربت الجنة وأدنيت لأهلها المتقين المؤمنين ليدخلوها.
وجواب (إذا) في جميع ما ذكر في قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) أي تحققت نفس ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم، أو من خير فدخلت به الجنة.
ونفس هنا: اسم جنس، أي علمت النفوس. ووقع الإفراد لكلمة (نفس) لينبّه
стр. 2827
الذّهن على حقارة المرء الواحد، وقلة دفاعه عن نفسه، والآيات من أول السورة إلى هنا شرط، وجوابه: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) .
هذه أوائل مفاجات البعث، ذكرت بعد مقدماته. وجاء هذا التفصيل، لتفصيل ما أجمل في سورة (ق) عند بيان ما يسبق الحساب، فقال الله تعالى في سورة (ق) :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) [ق: ٥٠/ ٢٠] . وجاء هنا في سورة التكوير: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) إلى قوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) .
وعلى العكس من ذلك أجمل في سورة التكوير ما يحصل في يوم الحساب، حيث اكتفي بسؤال الموءودة، وتسعير جهنم، وتقريب الجنة، وفي سورة (ق) فصّل الله كثيرا مما يحدث في الحساب، حيث قال الله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) [٥٠/ ٢١] . وما جاء بعدها من الآيات الكريمة الدقيقة الوصف، في تقديم القرين من الملائكة ما أوكل به، وما يحدث من جدل حاد بين المرء وقرينه، من الكفرة الجاحدين، ثم تضمهم جميعا جهنم، وتتطلب المزيد من هؤلاء.
وقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) إجمال يثير الرعب والقلق والخوف، حيث ينسى الإنسان عادة ما قدم في الدنيا، فيفاجأ بما يجده في صحيفته من تفاصيل الأعمال، ولا أمل في تجاوز المخاطر إلا بأن تطفو الحسنات على السيئات، وبأن تعم الرحمة والفضل الإلهي العباد المقصرين.
إن هذا المشهد من تقلبات الدنيا ومألوفاتها يوم القيامة، يعدّ وحده مثارا للمخاوف، وهو بإيجازه يحتاج إلى مئات الصفحات لرصد الدقائق وما يترتب على التبدلات من إنذارات بالعذاب.
стр. 2828
صدق الوحي والنبوة
تصدى القرآن الكريم للرد المفحم على قول قريش في تكذيبهم بنبوة محمد ﷺ وزعمهم: إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، وتكذيبه يؤدي لتكذيب الوحي الإلهي والقرآن المنزل، على الرغم من إعجاز القرآن وعجز العرب عن محاولة إبطاله أو تفنيده أو محاكاته، مما يدل على أنه كلام الله ، نزل به الروح الأمين جبريل ﵇، على قلب محمد ﷺ ، فصار هو قوله المنقول عن رب العزة، ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، وهنا إبطال من جانب آخر لكلام العرب ومزاعمهم في شأن القرآن من طريق قسم الله تعالى بالنجوم والكواكب السيارة، وبالليل، وبالصبح، على أن القرآن هو كلام الله الموحى به بوساطة جبريل ﵇، كما يتضح من الآيات الآتية:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٩]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [التكوير: ٨١/ ١٥- ٢٩] .
لا أقسم، أي أقسم، على عادة العرب في كلامهم أنهم إذا أقسموا على إثبات أمر
стр. 2829
واضح قالوا: لا أقسم، أي لا يحتاج إلى قسم، وقيل: إن الإتيان ب (لا) في القسم لتعظيم المقسم به.
والمعنى هنا أقسم بالكواكب جميعها التي تخنس، أي تختفي بالنهار تحت ضوء الشمس، وتكنس بالليل، أي تظهر بالليل في أماكنها، كما تظهر الظباء من كنسها، أي بيوتها، والمراد بها: الكواكب السيّارة السبعة: وهي الشمس، والقمر، وزحل وعطارد، والمرّيخ، والزّهرة، والمشتري. وهو رأي الجمهور.
وأقسم بالليل إذا أقبل بظلامه، لما فيه من الرهبة، والصبح إذا أقبل وامتد وظهر وأضاء بنوره الأفق. وجواب القسم هو:
إن هذا القرآن هو تبليغ ونقل رسول كريم عند الله، وهو جبريل ﵇، في قول جمهور الناس، ولجبريل صفات أربع: أنه شديد القوى في الحفظ التام والتبليغ الكامل، وذو رفعة عالية، ومكانة سامية عند الله سبحانه، ومطاع بين الملائكة، يرجعون إليه ويطيعونه، مؤتمن على الوحي والرسالة من ربه، وعلى غير ذلك.
وقوله: ثَمَّ أي عند الله تعالى. وقوله: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ متعلق بقوله: ذِي قُوَّةٍ أو متعلق بقوله مَكِينٍ ومعناه: له مكانة ورفعة. ومُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) معناه:
مقبول القول، مصدّق فيما يقوله، مؤتمن على ما يرسل به ويؤديه من وحي وامتثال أمر.
وليس محمد ﷺ صاحبكم يا أهل مكة بمجنون، كما تزعمون. وقوله تعالى: وَما صاحِبُكُمْ وصف بالصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.
وتالله، لقد رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ على صورته الأصلية، له ست مائة جناح، في مطلع أو أفق الشمس الأعلى من قبل المشرق، بحيث حصل له علم بدهي بأنه ملك مقرّب، يطمأن لنزوله بالوحي عليه، لا شيطان رجيم.
وليس محمد ﷺ على ما أنزله الله عليه، من الوحي وخبر السماء، ببخيل مقصر
стр. 2830
في التعليم والتبليغ، ثم نفى الله تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان، حيث ردّ الله على ما قالت قريش: إن محمدا كاهن. أي وليس القرآن بقول شيطان يسترق السمع، مبعد مرجوم بالكواكب واللعنة وغير ذلك، لأن القرآن ليس بشعر ولا كهانة، كما قالت قريش.
فأيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقا من عند الله تعالى؟ فهذا تقرير وتوقيف، على معنى: أين المذهب (مقر الذهاب) لأحد عن هذه الحقائق؟! ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم بما ينفعهم، وتحذير لهم مما يضرهم، لمن أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة، فمن أراد الهداية، فعليه بهذا القرآن، فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه. والذكر هنا: مصدر بمعنى التذكرة. وخصص الله تعالى من شاء الاستقامة بالذكر، تشريفا وتنبيها وبيانا لتكسبهم أفعال الاستقامة.
ثم بيّن الله تعالى أن تكسّب المرء على العموم، في استقامة وغيرها: إنما يكون مع خلق الله تعالى، واختراعه الإيمان في صدر المرء، فقال: وَما تَشاؤُنَ.. أي وما تريدون الاستقامة، ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، فليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء الله اهتدى، ومن شاء ضل، بل كل ذلك تابع لمشيئة الله تعالى رب الإنس والجن والعالم كله. آمنا بالله وبما يشاء.
روي أنه لما نزل قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) قال أبو جهل: هذا أمر قد وكل إلينا، فإن شئنا استقمنا، وإن لم نشأ لم نستقم، فنزلت: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» .
стр. 2831
تفسير سورة الانفطار
أمارات القيامة ومصير الناس فيها
سورة الانفطار المكية بالاتفاق كسورتي التكوير والانشقاق تتضمن الكلام على أمارات البعث والتذكير بيوم القيامة، وما فيه من أهوال وتبدلات، وبيان مصير الإنسان: إما إلى الجنة وإما إلى النار، لكن كل سورة تتميز بوصف مظاهر معينة للقيامة، وقد تلتقي السور الثلاث في بيان بعض مصير الظواهر الكونية. وكل سورة من هذه السور تلوم مخالفة الإنسان لربه، مع إنعامه عليه، وتحمله على الاستقامة، لأن كل شيء مدوّن عليه من الملكين الملازمين له، وذلك قبل أن يتقرر مصيره النهائي في القيامة بتسلم كتابه بيمينه أو شماله. وهذه آي الانفطار، أي انشقاق السماء على غير نظام مقصود:
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩»
стр. 2832
«١» «٢» «٣» [الانفطار: ٨٢/ ١- ١٩] .
هذه أوصاف يوم القيامة يذكرنا الله بها، وبما يقدمه الإنسان فيها من خير أو شر، ويجازى عليه. إذا انشقت السماء وتصدعت، وتساقطت الكواكب وتناثرت بعدها، وشققت جوانب البحار فصارت بحرا واحدا، ثم أضرمت النار فيها، وهذه أشراط (أمارات) الساعة، وجواب الشرط:
إذا حدثت هذه الأمور المتقدمة، علمت كل نفس عند انتشار صحائف الأعمال ما قدمت من خير أو شر، وما أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال.
يا أيها الإنسان المدرك نهاية العالم، ما الذي خدعك وجرّأك على عصيان ربك، الذي خلقك كامل الأعضاء، حسن الهيئة، وصيرك معتدلا متناسب الخلق، لا تفاوت في أعضائك، مزودا بالحواس من السمع والبصر، وفيك العقل والعلم والفهم.
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في هذه الآية: ما غَرَّكَ قال نزلت في أبي بن خلف. وقيل: في أبي الأشد بن كلدة الجمحي أو في الوليد بن المغيرة.
لقد ركّبك الله في أي صورة شاءها، من أبهى الصور وأجملها، وأنت لم تختر صورة نفسك.
ثم رد الله تعالى على سائر أقوالهم، وردع عنها بقوله سبحانه: كَلَّا ثم أثبت لهم تكذيبهم بيوم الجزاء، وهذا الخطاب عام، ومعناه الخصوص في الكفار.
стр. 2833
ارتدعوا أيها الكفار وانزجروا عن الاغترار بحلم الله وكرمه، والواقع أنكم تكذبون بيوم المعاد والحساب والجزاء، حيث لا يحملكم الخوف من هذا اليوم على التزام طاعة الله واجتناب معاصيه.
ثم زاد في التحذير من العناد والتفريط: أن جميع الأعمال مرصودة على الناس بالملائكة، إن عليكم لملائكة حفظة كراما، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، ويعلمون جميع أفعالكم. ولَحافِظِينَ هم الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم، ووصفهم الله تعالى بالكرم الذي هو نفي المذامّ، ويَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) لمشاهدتهم حال بني آدم.
والناس يوم القيامة فريقان نتيجة كتابة الحفظة أعمال العباد:
إن الأبرار وهم الذين أطاعوا الله ، ولم يقابلوه بالمعاصي يصيرون إلى دار النعيم وهي الجنة. وإن الفجار: وهم الذين كفروا بالله وبرسله، وقابلوا ربهم بالمعاصي، يصيرون إلى دار الجحيم، وهي النار المحرقة، يدخلونها ويقاسون حرّها، يوم الجزاء والحساب الذي كانوا يكذبون به.
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) أي لا يفارقون الجحيم ولا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف من عذابها، بل هم فيها إلى الأبد، ملازمون لها، كما في آية أخرى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ٢/ ١٦٧] . وهذا تأكيد في الإخبار عن أنهم يصلونها، وأنهم لا يمكنهم المغيب عنها يومئذ.
ثم وصف الله تعالى يوم القيامة بما فيه غاية التهويل، مؤكدا ذلك مرتين، في قوله: وَما أَدْراكَ.. أي وما أعلمك وما أعرفك ما يوم الجزاء والحساب وكرر الجملة تعظيما لشأن يوم القيامة، وتفخيما لأمره، مما يستدعي التدبر والتأمل.
ثم أعلن الله تعالى قراره الحاسم في شأن الإنسان يوم القيامة، فقال: يَوْمَ لا
стр. 2834
تَمْلِكُ نَفْسٌ..
أي إنه اليوم الذي لا يقدر فيه أحد كائنا من كان، على نفع أحد، ولا خلاصه مما هو فيه، إلا بأن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ولا يملك أحد صنع شيء إلا الله رب العالمين، فهو المتفرد بالسلطان والحكم، وبيده الأمر كله، وترجع الأمور كلها إليه. قال قتادة: والأمر، والله اليوم، لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد، ولا يمكّن أحدا من شيء كما مكّنه في الدنيا.
وهذا خبر من الله تعالى بضعف الناس يومئذ، وأنه لا يغني بعضهم عن بعض، وأن الأمر له ﵎.
وهو رد قاطع على من يزعم: أن أحد الرسل يتولى الحساب وفصل القضاء، فيدخل من يشاء الجنة، ومن يشاء النار، وهو زعم أقرب إلى السخف والسذاجة والبلاهة منه إلى الجد والحق والعقل.
стр. 2835
تفسير سورة المطففين
وعيد المطففين والمكذبين بيوم الحساب وديوان الشر
سورة المطففين المكية في قول الأكثرين تبين قواعد النظام الاقتصادي والاجتماعي في الإسلام، وتحدد مصير بعض الفاسقين الظالمين، بسبب التطفيف في الكيل والميزان، والتكذيب بيوم الجزاء والحساب، ووصف القرآن بأنه أساطير الأولين، وتهدد الفجار بسوء الحساب وإصلاء الجحيم، وتبرز منزلة الأبرار في جنان النعيم، وتبين ألوان النعم التي ينعمون بها، وتذكّر بمواقف الفجار من المؤمنين واستهزائهم منهم في الدنيا، وسيلقى كل فريق جزاءه العادل، كما تبين الآيات الآتية:
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١»
стр. 2836
«١» «٢» [المطففين: ٨٣/ ١- ١٧] .
أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)
فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
المعنى: هلاك وعذاب وشقاء وحزن دائم للمطففين إيجابا وسلبا، الذين ينالون حقهم كاملا، ويعطون حق غيرهم ناقصا. إذا اكتالوا: أخذوا ما لهم من حق بالكيل، يأخذونه وافيا كاملا، وإذا كالوهم: أعطوهم شيئا بالكيل، ينقصون الكيل والميزان، وهذا مناف للحق والعدل، فإن الله تعالى يأمر بالوفاء في الكيل والميزان، لأن في ذلك إيفاء للحق واستيفاء له، من غير نقص ولا زيادة. والتصرف في مال الآخرين ظلما هو حرام بغير شك. ولا بد فيه من التوبة العاجلة.
ثم توعد الله المطففين بأنه: ألا يعلم أولئك المطففون أنهم مبعوثون ليوم رهيب شديد الهول والفزع: وهو يوم القيامة، فيسألون عما كانوا يفعلون. يوم يقوم الناس من قبورهم أحياء واقفين بين يدي ربهم، للحساب والجزاء. ويختلف الناس فيه بحسب منازلهم، وقد رويت في تقدير مدته آثار، من أربعين سنة، إلى مائة سنة إلى ثلاث مائة سنة، إلى خمسين ألف سنة وغير ذلك، والمعنى: أن كل مدة لقوم ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم في ذلك. أما المؤمن فروي أن القيام فيه: هو على ما بين الظهر إلى العصر، أو على بعض الناس على قدر صلاة مكتوبة، والعرق أيضا مختلف في قدره بحسب أحوال الناس، فمنهم من يغمره كله أو إلى أنصاف ساقيه أو إلى فوق، أو إلى أسفل.
стр. 2837
كلا: كلمة ردع وزجر لهم عما يرتكبونه من التطفيف والتكذيب. فارتدعوا أيها الفجار الظلمة عما أنتم فيه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فإن الفجار ومنهم المطففون أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر، أو سجل أهل النار، وهو السجين.
والسجين: فعّيل من السّجن، كسكّير وشرّيب، أي في موقع ساجن وساكر وشارب، فجاء (سجّين) بناء مبالغة.
وما أعلمك أنت ولا قومك ما هو السجّين؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم، فهو كتاب مسطور بيّن الكتابة، جامع لأعمال الشر، الصادرة من الشياطين والكفرة والفسقة، وهذا السجل هو السجل الكبير أو العظيم، الذي فيه لكل فاجر صحيفة.
وعذاب وهلاك شديد يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء، وبما جاء به الرسل، فهؤلاء المكذبون هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء، ولا يعتقدون بوجوده، ويستبعدون أمره.
وصفات المكذبين يوم الجزء ثلاث وهي:
لا يكذب بيوم الدين (الجزاء) إلا من كان متصفا بهذه الصفات الثلاث: وهي كونه معتديا، أي فاجرا متجاوزا منهج الحق، وأنه أثيم، كثير الإثم، وهو المنهمك في الإثم في أفعاله، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح، وأنه إذا تلي عليه القرآن قال:
أساطير الأولين، أي أخبار المتقدمين وأباطيلهم وأكاذيبهم التي افتروها، تلقّاها محمد ﷺ من غيره ممن تقدموه.
وسبب افترائهم على القرآن يستدعي الردع المفهوم من كلمة: كلا، أي ارتدعوا وانزجروا عن هذه الأقوال، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون، ولا كما قلتم، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله الكريم ﵇. وإنما السبب في
стр. 2838
افترائهم هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبهم عن الإيمان بالقرآن، والتي غطّاها الله، ومنع عنها نفاذ الحق والخير والنور إليها، فأعماها عن رؤية الحقيقة. ثم إنهم في الواقع محجوبون عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون.
ويقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ من زبانية جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، فانظروه وذو قوه.
ديوان الخير وأهله
في سورة المطففين إخبار عن سجل أو سجّين أو ديوان الشر للكفار والفجار، وعن ديوان الخير للأبرار، وكل ديوان مليء بأعمال أهله، أما ديوان الشر فدليل على عذاب صاحبه وهو في سجل ضخم، فيه سوءات الفجار، وأما ديوان الخير فيدل على نجاة أهله، وهو في سجل ضخم، فيه عمل الأبرار والصالحين من الثقلين، وأصحابه في نعيم، مترع بألوان النعم المادية والمعنوية، ويقتص أهل البر المؤمنون في الآخرة باستهزائهم من الكفار الذين كانوا يستهزئون منهم في عالم الدنيا، وذلك صريح في الآيات الآتية:
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٣٦]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢)
وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»
стр. 2839
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المطففين: ٨٣/ ١٨- ٣٦] .
ارتدعوا أيها الكفار عن نظرتكم للأبرار، إن كتاب الأبرار وهم المؤمنون المخلصون العاملون المطيعون في ديوان ضخم مخصص لهم، وموجود في مكان عال، وما أعلمك يا محمد أي شيء هو علّيون؟ وهو تعظيم لشأنه، إنه كتاب مسطور، سطرت فيه أسماؤهم وأعمالهم، وهو السجل الكبير، الذي تحضره الملائكة وتحفظه، كما يحفظ اللوح المحفوظ.
- إن أهل الطاعة والإيمان لفي نعيم عظيم يوم القيامة، وفي جنان الخلد على الأسرّة التي في الحجال (جمع حجلة وهي الكلّة) ينظرون إلى ما أعده الله لهم من أنواع النعيم في الجنة، وإلى ما لهم من الكرامات المادية والمعنوية.
إذا رأيتهم عرفت فيهم آثار النعمة والترف، والسرور، في وجوههم، التي تتلألأ بالنور والحسن والبياض.
يسقون من الخمر التي لا غش فيها، ولا يشوبها شيء من الفساد الذي يفسدها، وقد ختم إناؤها بالمسك، فلا يفكّه إلا الأبرار، وآخر طعمه ريح المسك، وفي ذلك فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله، باتباع أوامره، واجتناب نواهيه. ويخلط ذلك الشراب بماء عين تسمى التسنيم ذات مكان عال، وهي التي يشرب منها الأبرار المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجا،
стр. 2840
والمقربون في هذا الموضع: الملائكة المقرّبون عند الله تعالى، أهل كل سماء، كما قال ابن عباس. وكلمة (عينا) إما منصوب على المدح، أو حال من (تسنيم) أو (يسقون) .
ثم وصف الله تعالى أهل الشرك بصفات أربع، وهم أكابر المشركين كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، كانوا يضحكون من عمار، وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم.
هذه الصفات: هي أنهم أي كفار قريش وأمثالهم كانوا في الدنيا يستهزئون من المؤمنين، ويسخرون منهم. وإذا مرّ الكفار بالمؤمنين تغامزوا عليهم، محتقرين إياهم، يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به، ويتخذونهم هزوا. روي- كما تقدم- أن هذه القصة نزلت في صناديد قريش، وضعفة المؤمنين، أو في علي وجماعة معه من المؤمنين مرّوا بجمع من الكفار في مكة، فضحكوا منهم، واستخفّوا بهم عبثا ونقصان عقل، فنزلت الآية في ذلك.
- ومن صفاتهم: أنه إذا رجع الكفار إلى أهلهم في منازلهم من مجالسهم في السوق رجعوا معجبين بما هم فيه، متلذذين به، يتفكهون بما فعلوا بالمؤمنين، وبما قاموا به من طعن فيهم، واستهزاء بهم.
- وإذا رأى المشركون المؤمنين، وصفوهم بالضلال، لكونهم على غير دينهم وعقائدهم الموروثة، ولاتباعهم محمدا، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب، لا يدرى: لا يدرى: أله وجود أم لا؟ فرد الله تعالى على مواقفهم: بأنه لم يرسل هؤلاء المجرمون من قبل الله، رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، وإنما كلفوا بالنظر في شؤون أنفسهم.
واقتصاصا منهم ومعاملة لهم بالمثل، في يوم القيامة يضحك أو يهزأ المؤمنون من