← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

«١» «٢» [المطففين: ٨٣/ ١- ١٧] . أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) فأحسنوا الكيل بعد ذلك. المعنى: هلاك وعذاب وشقاء وحزن دائم للمطففين إيجابا وسلبا، الذين ينالون حقهم كاملا، ويعطون حق غيرهم ناقصا. إذا اكتالوا: أخذوا ما لهم من حق بالكيل، يأخذونه وافيا كاملا، وإذا كالوهم: أعطوهم شيئا بالكيل، ينقصون الكيل والميزان، وهذا مناف للحق والعدل، فإن الله تعالى يأمر بالوفاء في الكيل والميزان، لأن في ذلك إيفاء للحق واستيفاء له، من غير نقص ولا زيادة. والتصرف في مال الآخرين ظلما هو حرام بغير شك. ولا بد فيه من التوبة العاجلة. ثم توعد الله المطففين بأنه: ألا يعلم أولئك المطففون أنهم مبعوثون ليوم رهيب شديد الهول والفزع: وهو يوم القيامة، فيسألون عما كانوا يفعلون. يوم يقوم الناس من قبورهم أحياء واقفين بين يدي ربهم، للحساب والجزاء. ويختلف الناس فيه بحسب منازلهم، وقد رويت في تقدير مدته آثار، من أربعين سنة، إلى مائة سنة إلى ثلاث مائة سنة، إلى خمسين ألف سنة وغير ذلك، والمعنى: أن كل مدة لقوم ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم في ذلك. أما المؤمن فروي أن القيام فيه: هو على ما بين الظهر إلى العصر، أو على بعض الناس على قدر صلاة مكتوبة، والعرق أيضا مختلف في قدره بحسب أحوال الناس، فمنهم من يغمره كله أو إلى أنصاف ساقيه أو إلى فوق، أو إلى أسفل.

стр. 2837

كلا: كلمة ردع وزجر لهم عما يرتكبونه من التطفيف والتكذيب. فارتدعوا أيها الفجار الظلمة عما أنتم فيه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فإن الفجار ومنهم المطففون أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر، أو سجل أهل النار، وهو السجين. والسجين: فعّيل من السّجن، كسكّير وشرّيب، أي في موقع ساجن وساكر وشارب، فجاء (سجّين) بناء مبالغة. وما أعلمك أنت ولا قومك ما هو السجّين؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم، فهو كتاب مسطور بيّن الكتابة، جامع لأعمال الشر، الصادرة من الشياطين والكفرة والفسقة، وهذا السجل هو السجل الكبير أو العظيم، الذي فيه لكل فاجر صحيفة. وعذاب وهلاك شديد يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء، وبما جاء به الرسل، فهؤلاء المكذبون هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء، ولا يعتقدون بوجوده، ويستبعدون أمره. وصفات المكذبين يوم الجزء ثلاث وهي: لا يكذب بيوم الدين (الجزاء) إلا من كان متصفا بهذه الصفات الثلاث: وهي كونه معتديا، أي فاجرا متجاوزا منهج الحق، وأنه أثيم، كثير الإثم، وهو المنهمك في الإثم في أفعاله، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح، وأنه إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، أي أخبار المتقدمين وأباطيلهم وأكاذيبهم التي افتروها، تلقّاها محمد ﷺ من غيره ممن تقدموه. وسبب افترائهم على القرآن يستدعي الردع المفهوم من كلمة: كلا، أي ارتدعوا وانزجروا عن هذه الأقوال، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون، ولا كما قلتم، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله الكريم ﵇. وإنما السبب في

стр. 2838

افترائهم هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبهم عن الإيمان بالقرآن، والتي غطّاها الله، ومنع عنها نفاذ الحق والخير والنور إليها، فأعماها عن رؤية الحقيقة. ثم إنهم في الواقع محجوبون عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون. ويقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ من زبانية جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، فانظروه وذو قوه. ديوان الخير وأهله في سورة المطففين إخبار عن سجل أو سجّين أو ديوان الشر للكفار والفجار، وعن ديوان الخير للأبرار، وكل ديوان مليء بأعمال أهله، أما ديوان الشر فدليل على عذاب صاحبه وهو في سجل ضخم، فيه سوءات الفجار، وأما ديوان الخير فيدل على نجاة أهله، وهو في سجل ضخم، فيه عمل الأبرار والصالحين من الثقلين، وأصحابه في نعيم، مترع بألوان النعم المادية والمعنوية، ويقتص أهل البر المؤمنون في الآخرة باستهزائهم من الكفار الذين كانوا يستهزئون منهم في عالم الدنيا، وذلك صريح في الآيات الآتية: [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٣٦] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»

стр. 2839

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المطففين: ٨٣/ ١٨- ٣٦] . ارتدعوا أيها الكفار عن نظرتكم للأبرار، إن كتاب الأبرار وهم المؤمنون المخلصون العاملون المطيعون في ديوان ضخم مخصص لهم، وموجود في مكان عال، وما أعلمك يا محمد أي شيء هو علّيون؟ وهو تعظيم لشأنه، إنه كتاب مسطور، سطرت فيه أسماؤهم وأعمالهم، وهو السجل الكبير، الذي تحضره الملائكة وتحفظه، كما يحفظ اللوح المحفوظ. - إن أهل الطاعة والإيمان لفي نعيم عظيم يوم القيامة، وفي جنان الخلد على الأسرّة التي في الحجال (جمع حجلة وهي الكلّة) ينظرون إلى ما أعده الله لهم من أنواع النعيم في الجنة، وإلى ما لهم من الكرامات المادية والمعنوية. إذا رأيتهم عرفت فيهم آثار النعمة والترف، والسرور، في وجوههم، التي تتلألأ بالنور والحسن والبياض. يسقون من الخمر التي لا غش فيها، ولا يشوبها شيء من الفساد الذي يفسدها، وقد ختم إناؤها بالمسك، فلا يفكّه إلا الأبرار، وآخر طعمه ريح المسك، وفي ذلك فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله، باتباع أوامره، واجتناب نواهيه. ويخلط ذلك الشراب بماء عين تسمى التسنيم ذات مكان عال، وهي التي يشرب منها الأبرار المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجا،

стр. 2840

والمقربون في هذا الموضع: الملائكة المقرّبون عند الله تعالى، أهل كل سماء، كما قال ابن عباس. وكلمة (عينا) إما منصوب على المدح، أو حال من (تسنيم) أو (يسقون) . ثم وصف الله تعالى أهل الشرك بصفات أربع، وهم أكابر المشركين كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، كانوا يضحكون من عمار، وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم. هذه الصفات: هي أنهم أي كفار قريش وأمثالهم كانوا في الدنيا يستهزئون من المؤمنين، ويسخرون منهم. وإذا مرّ الكفار بالمؤمنين تغامزوا عليهم، محتقرين إياهم، يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به، ويتخذونهم هزوا. روي- كما تقدم- أن هذه القصة نزلت في صناديد قريش، وضعفة المؤمنين، أو في علي وجماعة معه من المؤمنين مرّوا بجمع من الكفار في مكة، فضحكوا منهم، واستخفّوا بهم عبثا ونقصان عقل، فنزلت الآية في ذلك. - ومن صفاتهم: أنه إذا رجع الكفار إلى أهلهم في منازلهم من مجالسهم في السوق رجعوا معجبين بما هم فيه، متلذذين به، يتفكهون بما فعلوا بالمؤمنين، وبما قاموا به من طعن فيهم، واستهزاء بهم. - وإذا رأى المشركون المؤمنين، وصفوهم بالضلال، لكونهم على غير دينهم وعقائدهم الموروثة، ولاتباعهم محمدا، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب، لا يدرى: لا يدرى: أله وجود أم لا؟ فرد الله تعالى على مواقفهم: بأنه لم يرسل هؤلاء المجرمون من قبل الله، رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، وإنما كلفوا بالنظر في شؤون أنفسهم. واقتصاصا منهم ومعاملة لهم بالمثل، في يوم القيامة يضحك أو يهزأ المؤمنون من

стр. 2841

الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، قد نزل بهم ما نزل من العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، معاملة بالمثل، وبيانا أن الكفار الجاحدين هم في الواقع سفهاء العقول والأحلام، خسروا الدنيا والآخرة. وينظر المؤمنون إلى أعداء الله، وهم يعذبون في النار، والمؤمنون يتنعمون على الأرائك، وهذا وضع دائم خالد، لا يعادله شيء من المؤقت الفاني. هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين، من الاستهزاء والطعن والتعيير والتنقيص أو لا؟ حقا، لقد جوزي الكفار أتم الجزاء بما كان يقع منهم في الدنيا من الهزء بالمؤمنين والاستخفاف بهم. وهذا تقرير وتوقيف لمحمد ﷺ وأمته.

стр. 2842

تفسير سورة الانشقاق أهوال القيامة وأحوال الناس فيها سورة الانشقاق المكية اتفاقا كسورتي التكوير والانفطار قبلها تصف أهوال القيامة وأحوال الناس فيها، وانقسامهم فريقين: أهل اليمين، وأهل الشمال. وتلك الأهوال الكبرى تثير الرعب والهلع، وتبين مدى ضعف الإنسان، وعجزه، وفقره، في مواجهة المشكلات، حيث لا ينفعه إلا الإيمان والعمل الصالح، فترى هؤلاء الأتقياء في أتم السرور، وترى الأشقياء في أشنع الأحوال وأتم الحزن والكآبة وانتظار الهلاك المتكرر. وذلك واضح في مطلع سورة الانشقاق: [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [الانشقاق: ٨٤/ ١- ١٥] .

стр. 2843

إذا تصدعت السماء وتشققت، مؤذنة بخراب العالم، وأطاعت ربها وامتثلت له فيما أمر ونهى، وحق لها أن تطيع أمره وتنقاد وتسمع. وإذا الأرض بسطت وسويت واتسعت بزوال الجبال والآكام، ولفظت وأخرجت ما فيها من الأموات والكنوز، وطرحتهم على سطحها، وتخلت على كل ما فيها، ولم يبق في باطنها شيء. واستمعت وأطاعت أوامر بها ونواهيه، وحق لها أن تستمع لما يريد الله منها، لأنها في قبضة القدرة الإلهية، وكررت الجملة للتأكيد. وجواب (إذا) محذوف، لإرادة التهويل على الناس، تقديره: إذا حدث ما حدث، رأيتم أعمالكم من خير أو شر. يا أيها الإنسان- والمراد به الجنس الذي يشمل المؤمن والكافر- إنك عامل في هذه الحياة، ومجاهد ومجدّ في عملك، جهادا وجدا قويا، لتلقى ربك، وتلقى ما عملت من خير أو شر. والكدح: جهد النفس في العمل حتى تأثرت. وقوله: فَمُلاقِيهِ عائد في رأي الجمهور على الرب ﵎، فالفاء على هذا عاطفة (ملاق) على (كادح) . ثم ذكر الله تعالى أحوال الناس وانقسامهم إلى فريقين يوم القيامة: الفريق الأول- المؤمنون الموصوفون بقوله: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهم المؤمنون، فإنه يحاسب حسابا سهلا، بأن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله، ويتجاوز عنها، من غير أن يناقشه الحساب، فذلك الحساب اليسير، أخذا بمفهوم الحديث الذي أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب، قالت، فقلت: أفليس الله تعالى قال:

стр. 2844

فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) ؟ قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» . وهذا الذي يحاسب حسابا يسيرا بالعرض، يرجع إلى أهله وعشيرته في الجنة مغتبطا، فرحا مسرورا، بما أعطاه الله ، وما أوتي من الخير والكرامة. الفريق الثاني- الكافرون الموصوفون بقوله: وأما من أعطي كتاب أو صحيفة أعماله بشماله، أي من وراء ظهره، حيث تثنى يديه من خلفه، ويعطى كتابه بها، وتكون يمينه مغلولة إلى عنقه، فإذا قرأ كتابه، نادى: يا ثبوراه، أي بالهلاك والخسار، ثم يدخل جهنم، ويصلى حر نارها وشدتها. يتبين من هذا أن الكافر يؤتى كتابه من ورائه، لأن يديه مغلولتان، وروي أن يده تدخل من صدره، حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ كتابه بها. ويقال: إن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وفي أخيه الأسود، وكان أبو سلمة من أفضل المسلمين، وأخوه من عتاة الكافرين. وقوله: يَدْعُوا ثُبُوراً معناه: يصيح منتحبا: وا ثبوراه وا حزناه، ونحو هذا مما معناه: هذا وقتك وأوانك، أي احضرني. والثبور: اسم جامع للمكاره، كالويل. ثم ذكر الله تعالى سببين لعذاب الكافر وهما: - إنه كان في الدنيا فرحا بطرا، لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، وإنما يتبع هواه، ويركب شهواته، تكبرا، لأنه لا يؤمن في الواقع بالآخرة، كما بان في السبب الثاني. - إن سبب ذلك السرور والبطر: ظنه بأنه لا يرجع إلى الله تعالى، ولا يبعث للحساب والعقاب، ولا يعاد بعد الموت.

стр. 2845

فرد الله تعالى عليه ظنه قائلا: بَلى أي بلى، إنه سيرجع إلى الله تعالى، وسيعيده إليه ربه كما بدأه، ويجازيه على أعماله، خيرها وشرها، فإن ربه كان به وبأعماله مطلعا خبيرا، لا يخفى عليه منها شيء. وفي هذا دلالة واضحة على أنه لا بد من دار للجزاء غير دار التكليف، لأن ذلك مقتضى العلم التام، والقدرة الشاملة، والحكمة البالغة. تأكيد وقوع القيامة أكد الله تعالى بمناسبات مختلفة غرس عقيدة الإيمان بالبعث على وقوع يوم القيامة، وما يتبعها من أهوال، بقسم صادر من الله تعالى، بآيات كونية، منها في سورة الانشقاق: الشفق الأحمر بعد الغروب، والليل، والقمر، على أن هذا اليوم كائن لا محالة، وأن الناس يتعرضون فيه لشدائد الأهوال. ومع الأسف لا يؤمن بعض الناس بالقرآن وبالقيامة، ولا يصغون لآي القرآن، عنادا منهم وتكبرا، فيجازون أشد العذاب، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فله الثواب الدائم غير المنقطع، وهذا ما نصت عليه الآيات الآتية: [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٦ الى ٢٥] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الانشقاق: ٨٤/ ١٦- ٢٥] .

стр. 2846

المعنى: أقسم، ولا: زائدة، أو لنفي كلام سابق قبل القسم، أقسم بالشفق: وهو الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء، وبالليل الأسود وما جمع وضم، وستر ما انتشر في النهار، وبالقمر إذا تم واكتمل بدرا، في منتصف كل شهر قمري. والقسم بهذه الأشياء تنويه بعظمتها وعظمة مبدعها. وجواب القسم هو: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً أي لتصادفن أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أشد من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها، ثم يكون المصير الأخير: وهو الخلود في الجنة أو في النار. ثم وبخ الله وأنكر على المشركين استبعادهم البعث، بقوله: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) أي فأي شيء يمنعهم عن الإيمان بصحة البعث أو القيامة، وبمحمد ﷺ ، وبما جاء به القرآن؟! مع وجود موجبات الإيمان بذلك، من الأدلة الكونية القاطعة الدالة على قدرة الله على كل شيء، والمعجزات الظاهرة الدالة على صدق النبي ﷺ ، وصدق الوحي القرآني المنزل عليه. وأي مانع يمنعهم من السجود والخضوع لله تعالى عند قراءة القرآن الذي دل إعجازه على كونه منزلا من عند الله تعالى؟! ويكون سجودهم تعظيما للقرآن ومنزله، بعد أن علموا كونه معجزا، وهم يتذوقون العربية ويدركون فصاحتها وبلاغتها. والواقع أن الكفار يكذبون بالكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب، إما حسدا، وإما خوفا من ضياع المصالح والمراكز. والله أعلم من جميع المخلوقات بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب، وأعلم بأسباب الإصرار على الشرك أو الكفر، وبجميع الأعمال الصالحة والمنكرة، من أمراض القلوب من حسد وحقد وتكبر وكراهية، وقوله تعالى: يُوعُونَ معناه يجمعون من الأعمال والتكذيب والكفر، كأنهم يحملونها في أوعية.

стр. 2847

فأخبرهم أيها النبي بما أعد الله لهم من عذاب مؤلم، واستعمل تعبير البشارة بدلا عن الخبر بالعذاب تهكما بهم واستهزاء منهم. ثم استثنى الله تعالى من كفار قريش القوم الذين كانوا سبق لهم الإيمان في قضائه، والمعنى: لكن الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر، وخضعوا للقرآن الكريم، وعملوا بما جاء به، والتزموا صالح الأعمال، لهم في الدار الآخرة أجر أو ثواب غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمن به عليهم. كما جاء في آية أخرى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١١/ ١٠٨] . والاستثناء منقطع في رأي الزمخشري، وقال أكثر المتأولين: معناه إلا من تاب منهم وعمل صالحا، فله الثواب العظيم. وفي هذا ترغيب بالإيمان والطاعة وزجر عن الكفر والمعصية. دلت الآيات على أن القادر على تغيير أفلاك السماء من حال إلى حال قادر على البعث وإحياء الإنسان بعد موته، والشواهد والأدلة الكونية ناطقة كلها على قدرة الله على ذلك. إلا أن الكافرين يكذبون بلا حجة ولا برهان، فيكونون جديرين باستحقاق العذاب الأليم، والعذاب حق وعدل، إذ لا يعقل التسوية بين المؤمن الطائع، والكافر العاصي. وما أجمل الأنس بوعد الله تعالى والتذكير برحمته، حين يجد الإنسان بعد إشاعة جو العذاب والتهديد والوعيد غرس الأمل بالرحمة، لذا كان الأسلوب القرآني في غاية الروعة والبيان، حين يقرن الكلام عن العذاب، بالكلام عن النعيم والرحمة والإحسان، إما قبل أخبار العذاب، أو بعد الإخبار به، فترتاح النفوس وتطمئن القلوب، وتتفتح أبواب الأمل في فكر الإنسان وتذكيره بضرورة العودة إلى جادة الاستقامة والإيمان والتزام العمل الصالح.

стр. 2848

تفسير سورة البروج قصة أصحاب الأخدود إن الصراع بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر قديم وعويص وخطير، حتى إنك تجد أهل الباطل يرتكبون أكبر الجرائم وأخطرها في سبيل نصرة باطلهم، ولكنهم في النهاية تكون الخيبة والخسارة والدمار عليهم، وينتصر الحق وأهله، ويندحر الباطل وجنده، هذه حقيقة، والحقيقة الثانية: هي أن الناس لا يعتبرون من هذه الأمثلة البارزة والشواهد التاريخية الساطعة، وهذا مثل غريب وهو قصة أهل الأخدود كما تصورها الآيات الكريمة في مطلع سورة البروج المكية بالإجماع: [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [البروج: ٨٥/ ١- ١١] .

стр. 2849

يقول الله تعالى: أقسم بالسماء وبروجها: وهي منازل الكواكب أو نجومها العظام، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا، وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوما، وهذا القسم بها تنويه بها وتعظيم وتشريف لها. وأقسم بيوم القيامة الموعود به، وبمن يشهد في ذلك اليوم، وبالمشهود به على المشهود عليه من الوقائع أو الجرائم التي فعلها، كالشهادة على أصحاب الأخدود. والشاهد: الملائكة الحفظة وغيرهم، والمشهود عليهم: الناس، كما ذكر الترمذي. لعن أصحاب الأخدود المشتمل على النار ذات الحطب الذي توقد به، وهم قوم من الكفار في نجران اليمن، طلبوا من المؤمنين بالله أن يرجعوا عن دينهم وهو توحيد الله، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا (شقا مستطيلا) وأوقدوا فيه نارا، وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها، وقوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) هو جواب القسم، أي لعنوا وطردوا من رحمة الله. وقوله: النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) النار: بدل اشتمال، من كلمة (الأخدود) . كان من قصة هؤلاء: أن الكفار قعدوا على جانب الأخدود، وجمع المؤمنون، فعرض عليهم الدخول في الكفر، فمن أبى رمي في أخدود النار فاحترق، روي أنه احترق في النار عشرون ألفا. لقد لعن هؤلاء الكفار الذين عذّبوا المؤمنين في النيران، حين أحرقوا بالنار، قاعدين على الكراسي عند الأخدود، وهم الملك وأصحابه، يشاهدون ما يفعل بالمؤمنين الذين هم قعود على النار، يحاولون إرجاعهم إلى دين الوثنية ويشهدون بما فعلوا يوم القيامة، حيث تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وهذا يدل على أن قلوب الكفرة الذين أقدموا على إحراق أهل الإيمان قاسية، بل

стр. 2850

أشد من الحجارة قسوة، تجردوا من الإنسانية والرحمة، وتمكن الكفر والباطل والضلال منهم. وسبب هذا التعذيب والإحراق بالنار: أن جبابرة أهل الكفر هؤلاء في نجران اليمن، لم ينكروا ولم يعيبوا شيئا على المؤمنين إلا إيمانهم، وتصديقهم بالله تعالى الذي لا يغلب، المحمود على كل حال، مالك السماوات والأرض، وإليه الأمر كله، فهو الحقيق بالإيمان به وبتوحيده، والله شاهد عالم بما فعلوا بالمؤمنين، لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم بالجزاء الأوفى على أفعالهم، وهذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود وأمثالهم، ووعد طيب بالخير لمن عذّب من المؤمنين على دينه، فصبر ولم يتراجع في موقف الشدة. والجزاء يجمع الفريقين، فإن الذين أحرقوا بالنار المؤمنين والمؤمنات بالله ورسله، ولم يتركوهم أحرارا في دينهم، وأجبروهم إما على الإحراق، وإما على الرجوع عن دينهم، ثم لم يتوبوا من قبيح صنيعهم وفحش كفرهم، فلهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم، ولهم عذاب الاحتراق بالنار، لأن الجزاء من جنس العمل، وعذاب الحريق تأكيد لعذاب جهنم، أو أن جهنم والحريق: طبقتان من النار. وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا دليل على إصرارهم على الكفر، وأنهم لو تابوا عن سوء فعلهم، وندموا، لغفر الله لهم، ولكنهم لم يفعلوا. وأما الذين آمنوا وصدقوا بالله ربا واحدا لا شريك له، وبالرسل وباليوم الآخر والملائكة والكتب الإلهية، وعملوا صالح الأعمال باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ومنهم الذين صبروا على نار الأخدود، وثبتوا على دينهم، ولم يرتدوا، لهم بهاتين الصفتين: الإيمان والعمل الصالح، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها

стр. 2851

الأنهار، وذلك الثواب والنعيم المذكور هو الفوز أو الظفر الكبير الذي لا مثيل له، جزاء إيمانهم وطاعة ربهم. ليدرك الإنسان الفرق الواضح بين مصير المصرين على الكفر، والصادقين في الإيمان. القدرة الإلهية من كمال فضل الله تعالى وتمام رحمته: أن يذكّرنا دائما في المناسبات المختلفة بقدرته التي لا حدود ولا نهاية لها، فهي قدرة تامة، قدرة الخلق والإبداع، والمتابعة، والشمول، والدقة، التي لا يقف أمامها شيء، والتذكير بهذه القدرة فيه ترهيب الكافر، وترغيب المؤمن وتثبيته على الإيمان والشدائد، والصبر على المحن والأزمات، والأمثلة على التنكيل بالكافرين كثيرة في تاريخ الأمم السابقة، كفرعون وجنده وعاد وثمود وقوم تبّع وأصحاب الأيكة ونحوهم، وذلك يتضح في الآيات الآتية: [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٢ الى ٢٢] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) «١» «٢» «٣» «٤» [البروج: ٨٥/ ١٢- ٢٢] . هذا تأكيد للوعد والوعيد في الآيات السابقة بما يفيد معرفة تمام قدرة الله تعالى على إنقاذ وعيده، وتنفيذ وعده، فإن بطش ربك، أي أخذه بقوة وسرعة، لشديد على المعذبين، عظيم قوي التأثير والنفاذ، مضاعف لمن أراد الله مضاعفة العذاب عليه،

стр. 2852

فإنه سبحانه ذو القدرة الفائقة، الذي ما شاء كان، ويكون لمح البصر أو هو أقرب، وهذا ينشر جو الرهبة أمام كفار قريش وأمثالهم. ويؤكد تمام القدرة: أن الله تعالى هو الذي بدأ الخلق أول مرة في الدنيا، وهو القادر على أن يعيدهم أحياء بعد الموت، يبدأ الخلق بالإنشاء ويعيد الخلق إليه بالحشر. قال ابن عباس فيما معناه: إن ذلك عام في جميع الأشياء، فهي عبارة عن أنه تعالى يفعل كل شيء، أي يبدئ كل ما يبدأ، ويعيد كل ما يعاد، وهذان قسمان يستوفيان جميع الأشياء. ثم أكد الله تعالى الوعد الكريم بإيراد خمس صفات له سبحانه وهي: أنه بالغ المغفرة وواسع الفضل، يغفر، أي يستر ذنوب عباده المؤمنين، إذا تابوا وأنابوا إليه، وأنه بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه وأصفيائه. والمراد به: إيصال الثواب لأهل طاعته على الوجه الأتم. قوله: الْغَفُورُ الْوَدُودُ صفتا فعل، الأولى ستر على عباده، والثاني لطف بهم وإحسان إليهم. وأنه تعالى صاحب العرش العظيم، العالي على جميع الخلائق، وصاحب الملك والسلطان، والعظيم الجليل المتعالي، صاحب النهاية في الكرم والفضل، بالغ السمو والعلو. وخصص الله العرش بإضافة نفسه إليه تشريفا للعرش، وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات. والمجيد بالكسر في قراءة جماعة صفة للعرش، وذلك يدل على أن المجد والتمجّد قد يوصف به كثير من الموجودات. وبالرفع في قراءة الجمهور: صفة لله تعالى. ثم أخبر الله تعالى نبيه بقصة فرعون وثمود للإيناس والتثبيت، فهل أتاك أيها النبي

стр. 2853

خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، والتي جندت جنودها لقتالهم؟ أو هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، لغلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال؟ ومنهم: فرعون وجنوده، وقبيلة ثمود من العرب البائدة، قوم صالح ﵇، والمراد بحديثهم: ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما حلّ بهم من العذاب. ومعنى الآية: فاجعل هؤلاء الكفرة الذين يخالفونك وراء ظهرك ولا تهتم بهم، فقد انتقم الله تعالى من أولئك الأقوياء الأشداء، فكيف بهؤلاء؟! والجنود: الجموع المعدّة للقتال، والتوجه نحو غرض واحد. وذكر فرعون وحده هنا لأنه هو رأس قومه وآله. ثم ترك القول بحال فرعون وثمود، وأضرب عنه إلى الإخبار بأن هؤلاء الكفار بمحمد ﵌ لا حجة لهم عليه ولا برهان، بل هو تكذيب مجرد سببه الحسد، أي إن الواقع القائم أن هؤلاء المشركين العرب في تكذيب شديد لك أيها النبي، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. ثم توعدهم الله تعالى بقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) أي إن الله تعالى قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك، قاهر الجبارين لا يفوتونه ولا يعجزونه، فهو مقتدر عليهم، وهم في قبضته لا يجدون عنها مهربا. ثم رد الله تعالى على تكذيب قريش بالقرآن، فقال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) أي إن هذا القرآن الذي كذّبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه، حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يزعمون بأنه شعر وكهانة وسحر، وإنما هو كلام الله تعالى المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب. إن هذا الكلام إضراب عن تكذيب القرشيين وإبطال له ورد عليه، بالإخبار بأن

стр. 2854

هذا الكتاب قرآن مجيد، أي لا مذمة فيه، وهو كلام الله المنزل من اللوح المحفوظ الذي فيه جميع الأشياء. واللوح المحفوظ: شيء أخبرنا الله به، فيجب علينا الإيمان به، كما أخبر الله تعالى، وإن لم نعرف حقيقته، والغيبيات المجهولة عنا كثيرة، الجهل بها ينشر الهيبة، ويشيع الخوف من مفاجآتها.

стр. 2855

تفسير سورة الطارق إثبات البعث وصدق القرآن في سورة الطارق المكية بالإجماع كسورتي الانشقاق والانفطار: قسم من الله تعالى على إمكان حدوث البعث، وإثباته ثبوتا قطعيا، وردّ على المشركين المكذبين به، وإخبار بأن الله تعالى هو خالق الإنسان من العدم، والقادر على البدء والإنشاء، قادر على الإعادة بعد الموت، ويوم القيامة يوم مكشوف تنكشف فيه جميع الأشياء من غير أستار ولا غيبيات، ويكون الإنسان محل الحساب والجزاء، دون أن يكون له نصير أو شفيع، أو قدرة على الهرب، والقرآن الذي أخبر بقيام البعث في وقت معين عند الله تعالى هو كلام الله المحكم، الذي فصل بين الحق والباطل، كما تقرر الآيات في مطلع سورة الطارق: [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الطارق: ٨٦/ ١- ١٧] .

стр. 2856

المعنى: أقسم بالسماء البديعة، والكوكب المنير البادي ليلا، وما أعلمك ما حقيقته أيها النبي؟ إنه النجم المضيء ليلا لتبديد شدة الظلمة، كأنه يخرق أو يثقب حجب الظلام، والقسم بالكواكب للدلالة على أن لها خالقا مدبرا منظما لها. والطارق: اسم جنس لكل ما يظهر أو يأتي ليلا، فسره ما بعده بأنه النجم الثاقب. وجواب القسم: ما كل نفس إلا عليها من الله حافظ، يحرسها من الآفات، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، وما تكسبه من خير أو شر. وكلمة (لما) بمعنى إلا، و (إن) على ذلك: نافية، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ. ثم نبّه الله تعالى الإنسان إلى مبدأ خلقه ليتعظ، ويستدل به على إمكان المعاد، في قوله: فَلْيَنْظُرِ أي فعلى الإنسان أن يتفكر في كيفية بدء خلقه، ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث، إنه خلق من ماء مدفوق مصبوب في الرحم، وهو ماء الرجل وماء المرأة، وقد جعلا ماء واحدا لامتزاجهما. يخرج من ظهر الرجل في النخاع الشوكي الآتي من الدماغ، ومن بين ترائب المرأة، أي عظام صدرها، أو موضع القلادة من الصدر. والولد يتكون من اجتماع الماءين، ثم يستقر الماء المختلط في الرحم، فيتكون الجنين بإرادة الله تعالى. إن الله تعالى قادر على إرجاع الإنسان إليه، أي إعادته بالبعث بعد الموت، لأن من قدر على البداءة والإنشاء، قادر على الإعادة والإحياء مرة أخرى. وإرجاعه يوم القيامة يوم تختبر وتعرف السرائر، أي مكنونات النفوس والقلوب من العقائد والنيات والأسرار وغيرها. وليس للإنسان حين بعثه من قوة في نفسه أو من غيره، يمتنع بها من عذاب الله،

стр. 2857

ولا يجد ناصرا ينصره، فينقذه مما نزل به، أي فليس له قوة ذاتية ولا قوة خارجية من غيره، لإنجاء نفسه من عذاب الله تعالى. أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) قال: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، كان يقوم على الأديم (الجلد) فيقول: «يا معشر قريش، من أزالني عنه، فله كذا» ويقول: إن محمدا يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة، واكفوني أنتم تسعة» فنزلت هذه الآية: فَلْيَنْظُرِ ... ثم قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) أي إنني أقسم قسما آخر بالسماء ذات المطر الذي يعود إلى الأرض من السماء، أي السحاب، فيحيي الأرض بعد موتها، وينبت النبات، والأرض ذات الصدع: وهو الشق الذي يحدث من تصدع الأرض وتشققها، فيخرج من الأرض النبات والثمار والشجر والمعدن والكنز والثروة النفطية والمائية، وجواب القسم: ان آي القرآن لقول فصل، يفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل باللعب واللهو، فهو جد لا هزل فيه، وكلام من الله تعالى ليس هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، تنزيل من حكيم حميد. ثم أوعد الله تعالى المكذبين بالقرآن بقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ. أي إن صناديد قريش في مكة وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي ﷺ لإبطال ما جاء به من الدين الحق، وللصد عن سبيل الله وعن القرآن، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين، وبأن محمدا ساحر أو مجنون أو شاعر، ويتآمرون على قتله. ولكن الله تعالى يدبر لهم تدبيرا آخر، يستدرجهم في عصيانهم، ثم يجازيهم جزاء كيدهم. ثم وعد الله رسوله بالنصر، بقوله فيما معناه: أخر أيها النبي الكافرين وأنظرهم، ولا تدع عليهم بهلاكهم، ولا تستعجل به، وارض بما يدبره الله لك في أمورهم، وأمهلهم إمهالا يسيرا قليلا أو قريبا، فسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك، وهذا تكرار للمعنى بطريق المبالغة.

стр. 2858

تفسير سورة الأعلى التسبيح والتذكير وإيثار الدنيا كل سورة من سور القرآن الكريم مهما صغرت أو قل عدد آياتها، فيها العقيدة، وأصول العبادة، والأخلاق بتزكية النفس، والتحذير من الاغترار بالدنيا، والتوجيه نحو العمل الصالح للآخرة الباقية. وهذا الاتجاه هو منهج القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة وصحف إبراهيم وشيث وموسى. وهذا أنموذج للحياة الإسلامية في سورة الأعلى المكية في قول الجمهور: [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» «١٥» [الأعلى: ٨٧/ ١- ١٩] .

стр. 2859

نزه الله وقدسه ومجده عن النقائص والأغيار المغايرة له جميعا وعما يقول المشركون، والمراد باسم ربك: المسمى وهو الرب، ويقصد بهذا الأمر: تنزيه الله تعالى مطلقا، والأعلى الأجل والأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، فهو العالي والأعلى كالكبير والأكبر. وصفات الرب الأعلى: أنه الذي خلق الكائنات جميعها، ومنها الإنسان، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، فعدل قامته، وناسب بين أجزائه، وجعلها متناسقة محكمة، غير متفاوتة ولا مضطربة، فقوله: فَسَوَّى عدّل وأتقن. والذي قدر لكل مخلوق ما يصلح له، من المقادير المخصوصة، فأرشده وعرفه وجوه الانتفاع بالأشياء. فقوله: قَدَّرَ معناه: التقدير والموازنة بين الأشياء. والذي أنبت العشب الذي ترعاه الدواب، والنبات والزرع الذي يأكله الإنسان، ثم جعل ذلك المرعى بعد اخضراره باليا هشيما جافا أسود يابسا. ثم وعد الله نبيه تثبيت القرآن في قلبه، فإنا سنجعلك أيها النبي قارئا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه. قال مجاهد والكلبي: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي ﷺ بأولها، مخافة أن ينساها، فنزلت: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) بعد ذلك شيئا، فقد كفيتكه. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات. إنك ستحفظ القرآن المنزل إليك، ولا تنساه، إلا ما شاء الله أن تنساه، فإن أراد أن ينسيك شيئا، فعل. قال الحسن البصري وقتادة ومالك بن أنس: هذه الآية في معنى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [القيامة: ٧٥/ ١٦- ١٨] . وعده الله تعالى أن يقرئه، وأخبره أنه لا ينسى نسيانا لا يكون بعده تذكّر فيذهب الآية، وذلك أن النبي ﷺ كان يحرك شفتيه،

стр. 2860

مبادرة، خوفا منه أن ينسى. وفي هذا التأويل آية للنبي ﷺ في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمّنه من نسيانه. ثم أكد الله تعالى الوعد بالإقراء وعدم النسيان، بأن الله يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم بشر الله نبيه ببشارة أخرى وهو توفيقه للأيسر في أحكام الشريعة، إنا نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا، ونوفقك للطريقة اليسرى. والمعنى بإيجاز: نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك، من النصر والظفر وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة. ثم أمره الله تعالى بالتذكير، فعظ أيها النبي الناس بالقرآن، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين، وذلك إن نفع التذكير، وهذا اعتراض على جهة التوبيخ لقريش، أي ان نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، سيتذكر ويتعظ من يخشى الله تعالى والدار الآخرة، وهم العلماء والمؤمنون، كل بقدر ما وفّق، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة فكفر، ووجب له صلي النار الكبرى، والخلود في عذابها. إن المخلّد الذي يدخل النار يبقى فيها على الدوام، فلا يموت فيها، فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة طيبة هانئة ينتفع بها أو يسعد بها. لقد فاز ونجا من العذاب من تطهر من الشرك والمعصية، فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه وتعهد نفسه بالتزكية والتهذيب والتطهر من الرذائل والمفاسد. ثم أخبر الله تعالى الناس: أنهم يؤثرون الحياة الدنيا، فالكافر يؤثرها فلا يؤمن بالآخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله تعالى، ولكن

стр. 2861

الآخرة ونعيمها أفضل وأدوم من الدنيا، وثواب الله في الآخرة خير من الدنيا وأبقى، لأن الدنيا فانية، والآخرة باقية. ثم أعلم الله تعالى أن الشرائع واحدة في أصولها وآدابها العامة، فإن كل ما ذكر من فلاح من تزكى، وتذكّر الله تعالى، وإيثار الناس الدنيا، ثابت في صحف إبراهيم العشر، وصحف موسى العشر غير التوراة، فقد تتابعت كتب الله تعالى أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا.

стр. 2862

تفسير سورة الغاشية القيامة وأحوال الناس فيها لن يجد الإنسان مهما تعرض له من محن وأزمات وكوارث وفتن أشد على نفسه من القيامة التي سميت بالغاشية، أي الداهية في سورة الغاشية المكية بالإجماع، فهي تذهل بها النفوس، وترتعد القلوب، وتنهار العزائم، وترى الناس فيها أحد فريقين لا ثالث لهما: فريق الجنة، وفريق السعير، والفرق بينهما كبير جدا، والإخبار القرآني عن القيامة وأهوالها إنذار وتحذير سابق قبل المفاجأة المذهلة، كما يبدو في هذه الآيات في مطلع سورة الغاشية: [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [الغاشية: ٨٨/ ١- ١٦] .

стр. 2863

هَلْ أَتاكَ؟ إخبار، يفيد في تحريك نفس السامع إلى تلقّي الخبر، فهل أتاك أيها النبي حديث القيامة وعلمت خبره؟ وسميت القيامة غاشية، لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتغييرها لبنية العالم. وأحوال الناس في القيامة فريقان: أشقياء النار، وسعداء الجنة، ففي القيامة أصحاب وجوه خاشعة ذليلة متغيرة بالعذاب هي وجوه الكفار، عاملة في الدنيا، متعبة فيها، لكن لا ثمرة لعاملها إلا النصب، أي التعب، فتكون خاتمتها النار، لأنها على غير هدى، أي إنهم كانوا يعملون في الدنيا عملا كثيرا، ويتعبون أنفسهم في العبادة، ولا أجر لهم عليها، لما هم عليه من الكفر والضلال، ولأن الإيمان بالله تعالى ورسوله شرط قبول الأعمال. وجزاء هؤلاء يوم القيامة في قوله تعالى: تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) أي تدخل تلك الوجوه نارا شديدة الحرارة، وتقاسي حرها، وتعذب فيها، لخسارة أعمالها، وتسقى إذا عطشوا من ماء عين، أي ينبوع، آنية، أي متناهية الحرارة، فهي لا تطفئ لهم عطشا. فالحامية: المسعّرة التوقد المتوهجة. والآنية: التي قد انتهى حرها. وليس لهم طعام يتغذون به إلا الضريع: وهو شوك يابس شديد المرارة والضر، يقال له في لغة أهل الحجاز الشّبرق إذا كان رطبا. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة: الضريع شبرق النار. وهذا الطعام الذين يتغذون به لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور، فلا يسمن آكله، ولا يدفع عنه الجوع. وهناك طعام آخر لأهل النار: وهو الغسلين والزقّوم، قال الله تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) [الحاقة: ٦٩/ ٣٦] . وقال سبحانه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) [الدخان: ٤٤/ ٤٣- ٤٤] .

стр. 2864

ولما ذكر الله تعالى وجوه أهل النار، عقّب ذلك بذكر وجوه أهل الجنة، ليبين الفرق، فقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) . أي ووجوه يوم القيامة ذات نعمة وبهجة، ونضرة وحسن، يعرف النعيم فيها، أو متنعمة، كما قال الله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) [المطففين: ٨٣/ ٢٤] . وهي وجوه السعداء، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وقبول عملهم، فهي لعملها الذي عملته في الدنيا ولطاعتها راضية، أي رضيت عملها، لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها. ثم وصف الله تعالى دار الثواب وهي الجنة بسبعة أوصاف وهي: - إن أصحاب الوجوه الناعمة (المتنعمة) وهم المؤمنون السعداء في جنة رفيعة المكان، بهية الوصف، آمنة الغرفات، أي إن علو الجنة: من جهة المسافة والمكان، ومن جهة المكانة والمنزلة أيضا، لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض. - ولا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة لغو وهذيان، لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم الله من النعيم الدائم، وحقّ لهم الحمد والشكر الذي لا يوصف، وجعلنا الله منهم. وفي الجنة ينبوع أو عين ماء تجري مياهها وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة الصافية، والمراد بها جنس، أي عيون جاريات. وفيها أسرّة عالية مفروشة بما هو ناعم الملمس، كثيرة الفرش، مرتفعة السّمك، إذا جلس عليها المؤمن، استمتع بها، ورأى رياض الجنة ونعيمها، كما في آية أخرى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) [الواقعة: ٥٦/ ٣٤] . - وفي الجنة: أكواب، أي أواني الشرب وأقداح الخمر غير المسكرة، معدّة مرصودة بين أيديها، يشربون منها متى أرادوا، وفيها وسائد مصفوفة، بعضها إلى

стр. 2865

بعض، للجلوس عليها أو الاستناد إليها، وفيها بسط مبسوطة في المجالس، وطنافس (سجاد) لها خمل رقيق ناعم، مفرّقة في المجالس، كثيرة، تغري بالجلوس عليها، ويستمتع الناظر إليها، وفيها الأبهة والمتعة والجمال والفخامة. والأكواب: أوان كالأباريق لا عرى لها ولا آذان ولا خراطيم، وموضوعة: معناه بأشربتها معدة، والنّمرقة: الوسادة، والزرابي، واحدتها: زربيّة، وهي كالطنافس لها خمل، وهي ملونات، ومبثوثة: كثيرة متفرقة. مظاهر القدرة الإلهية أقام الله تعالى الحجة في آيات كثيرة على منكري قدرته على بعث الأجساد، بأن حدد لهم مواضع العبرة في مخلوقاته، ولفت أنظارهم إلى التأمل في المشاهد الحسية المحيطة بهم، من عظمة السماء وعلوها، وما فيها من كواكب عظيمة، والأرض وما تشتمل عليه من سهول وبقاع مسطحة، يسهل الانتفاع بها والعيش عليها، والجبال الثوابت الراسخات فوقها لتثبيتها، والحيوانات ذات الأحجام المتفاوتة من الإبل الكبيرة إلى الزلاحف الصغيرة، فمن خلق هذه الأشياء وغيرها، فهو القادر على خلق الناس مرة أخرى وإعادتهم أحياء للحساب والجزاء، كما يتضح في هذه الآيات: [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٧ الى ٢٦] أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) «١» «٢» [الغاشية: ٨٨/ ١٧- ٢٦] .

стр. 2866

أخرج ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) هذه طائفة من الأدلة على وجود الله ووحدانيته وقدرته، على الناس أن ينظروا فيها، ويتأملوا بعجيب خلقها، ليهتدوا إلى الإيمان باليوم الآخر. كيف يصح للمشركين إنكار البعث واستبعاد وقوعه؟ وهم يشاهدون الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكبر مخلوقاتهم في بيئتهم، كيف خلقها الله على هذا النحو البديع، من عظم الجثة، وقوة الجسد، وجمال الوصف، فهي خلق عجيب، وتركيب غريب. ومع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للولد الصغير، وتؤكل بعد الذبح، وينتفع بأوبارها، وألبانها، وجلودها، وتصبر على الجوع والعطش. ودليل آخر هو: ألا يشاهدون السماء كيف رفعت فوق الأرض بلا عمد؟! وينظرون إلى الجبال الضخمة العالية المنصوبة على الأرض، فإنها ثابتة لئلا تميد الأرض بأهلها أثناء دورانها. وينظرون إلى الأرض كيف بسطت ومدت ومهّدت، ليستقر عليها سكناها، وينتفعوا بما فيها من خيرات ومعادن دفينة، وما تخرجه من نباتات وزروع وأشجار متنوعة، بها قوام الحياة والمعيشة. وتسطيح الأرض إنما هو بالنسبة للناظر إليها من كثب (أي قرب) ، والمقيم عليها في بعض نواحيها، ولا يعني ذلك أنها ليست بكروية، لأن الكرة- كما ذكر الفخر الرازي- إذا كانت في غاية العظمة، يكون كل قطعة منها كالسطح. وإنما ذكرت هذه المخلوقات دون غيرها، لأنها أقرب الأشياء إلى الإنسان الناظر فيها.

стр. 2867

ثم أمر الله نبيه بالتذكير بهذه الأدلة والبراهين الحسية، فقال فَذَكِّرْ أي فذكر أيها النبي الناس بما أرسلت به إليهم، وعظهم وخوفهم، ووجّههم للتأمل بهذه الشواهد الدالة على قدرة الله على كل شيء، ومنها البعث والمعاد، وليس عليك إلا التذكير فقط، فإنما بعثت لهذا الغرض، ولا سلطان ولا سيطرة لك عليهم، لحملهم على الإيمان بالله تعالى ربا واحدا لا شريك له، وتصديقهم بجميع رسالتك، رسالة الخير والإنقاذ والسعادة والنظام، فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن أعرضوا فقد ضلوا وكفروا وشقوا. لكن من تولى عن الوعظ والإرشاد والتذكير، وكفر بقلبه ولسانه، فيعذبه الله في الآخرة بعذاب جهنم الدائم، عدا عذاب الدنيا من قتل وأسر واغتنام مال، لأنه إذا كان لا سلطان لك عليهم، فإن الله تعالى هو المسيطر عليهم، لا يخرجون عن قبضته وقوته وسلطانه. والعذاب الأكبر: عذاب الآخرة، لأنهم قد عذّبوا في الدنيا بالجوع والقتل وغيرهما. فقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى الصحيح أن الاستثناء منفصل أو منقطع. ثم أكد الله تعالى وقوع البعث والحساب والعذاب، سواء اعتقد المشركون ذلك أم لم يعتقدوا، فقرار الله تعالى حاسم، وهو: إن إلينا مرجعهم ومصيرهم، ونحن نحاسبهم على أعمالهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلا مفر للمعرضين، ولا خلاص للمكذبين من العقاب. إن توكيد قرار وقوع البعث والقيامة دليل على أنه لا مفر لأحد من تطبيق قانون العدالة المطلق، حتى لا يغبن أحد في عمله، فليس من الحق والعدل والمعقول أن يتساوى المحسنون والأشرار، والمستقيمون والفجار، والمؤمنون والكفار، فمن آمن وأطاع، حق له الإنعام والتقدير والإحسان، ومن كفر وعصى كان بدهيا أن يلقى جزاءه العادل على عمله الذي اختاره في الدنيا.

стр. 2868

تفسير الفجر حتمية العذاب وطبع الإنسان من قواطع الأحكام الإلهية أن الثواب للمؤمنين حق وحتم، والعقاب للكافرين حق وحتم، إنصافا للخلائق، واحتراما للمبادئ، ومصداقية مع الشرائع، وكان من فضل الله ورحمته أن أخبرنا عن أمثلة لعذاب الكفار في الدنيا، ليرتدع الفاجر ويؤمن الكافر، ولكن الإنسان يهمل العبر والمواعظ، ويتعجل الأمور، فإذا أنعم الله عليه نعمة دائمة رضي واطمأن، وإذا حجب الله عنه نعمة أو نزلت به فاقة أو مصيبة، جزع ونقم، وهذا واضح من طبع الإنسان في الدنيا، كما تخبر به الآيات الآتية في مطلع سورة الفجر المكية عند جمهور المفسرين: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» «١٥»

стр. 2869

«١» [الفجر: ٨٩/ ١- ١٦] . المعنى: أقسم بوقت الفجر أو الصبح الذي يظهر فيه النور، لبدء النهار، وبالليالي العشر من بدء كل شهر قمري، ومنها العشر الأوائل من ذي الحجة، وبالزوج والفرد من تلك الليالي ومن كل الأشياء، وبالليل إذا جاء وأقبل، ثم ذهب وأدبر، وجواب القسم: محذوف تقديره: لتبعثن. أليس في هذا القسم بهذه الأشياء العظيمة قسم كاف يقنع كل ذي عقل أو لبّ؟ و (الحجر) : العقل، والمعنى: فيزدجر ذو العقل، وينظر في آيات الله تعالى. ثم ذكر الله تعالى مصارع الأمم الخالية الكافرة، وما فعل بها من التعذيب والإهلاك، لتوعد قريش، وبيان الأمثال لها. ألم تعلم يا إنسان، كيف أهلك الله قبيلة عاد الأولى، التي كانت تسكن في بلاد الأحقاف، في جنوب شبه الجزيرة العربية، والتي لها اسم آخر: هو إرم، وكانت ذات مباني عالية، وهذا كناية عن الغنى وبسط العيش، ولم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد المختلفة، أي في زمانهم. فكلمة (إرم) هي قبيلة عاد بعينها، كان نبيها هودا ﵇. ثم ألم تعلم أيضا ما فعل الله بقبيلة ثمود قوم صالح ﵇، الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا بالأحجار بيوتا يسكنون فيها، وقصورا عظيمة، في الحجر: ما بين الشام والحجاز، أو وادي القرى. وما فعل الله أيضا بالجبار فرعون حاكم مصر في عهد موسى ﵇، الذي كان صاحب المباني العظيمة، الثوابت كالأوتاد المغروزة في الأرض، ومنها الأهرامات التي بناها الفراعنة لتكون قبورا لهم. هؤلاء الذين ذكرناهم وهم عاد وثمود وفرعون هم الذين تجاوزوا في بلادهم الحد

стр. 2870

في الظلم والجور، وتمردوا وعتوا، واغتروا بقوتهم، وأكثروا الفساد فيها بالكفر والمعاصي والظلم. فأنزل الله تعالى على تلك الجماعات بنحو متتابع، نوعا من العذاب الشديد، يشبه السوط المؤلم الذي يستعمل في تطبيق العقاب. وقوله: فَصَبَّ الصب: مستعمل في السوط، لأنه يقتضي سرعة في النزول، وسبب العذاب: جرمهم، فإن الله يرصد ويراقب عمل كل إنسان، فلا يفوته شيء، حتى يجازيه عليه بالخير خيرا، وبالشر شرا، ولا يهمل منه شيئا مهما قل. والمرصاد والمرصد: موضع الرصد، أي أنه عند لسان كل قائل، ومرصد لكل فاعل. وتكرار قصص هذه الأمم المدمرة للتذكير بها، والاتعاظ والاعتبار بها. ثم ذكر الله تعالى ما كانت قريش تقوله، وتستدل به على إكرام الله تعالى، وإهانته لعبده، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة والأولاد فهو المكرم، وبضده المهان، وبما أن هذا هو الغالب على كثير من الكفار، جاء التوبيخ في هذه الآية: فَأَمَّا الْإِنْسانُ.. لاسم الجنس، إذ قد يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا الطبع. أي إن الإنسان مخطئ في تفكيره أو اعتقاده: أنه إذا امتحنه الله، واختبره بالنعم، فأكرمه بالمال، ووسّع عليه الرزق، فيقول: ربي أكرمني وفضلني، وآثرني واصطفاني. والمقصود من الآية: أن الله يلوم الإنسان فيما يظنه: أنه إن وسع الله عليه في الرزق ليختبره فيه، كان ذلك إكراما من الله له، وليس كذلك، بل هو امتحان واختبار، هذا بالنسبة للغني أو الثري. وأما بالنسبة لما يواجه ذلك وهو الفقر، فإن الفقر والتقتير ليس دليلا على سخط الله على العبد، فإذا ما اختبر الله العبد بالفقر، وضيق عليه الرزق، ولم يوسعه له،

стр. 2871

فيقول: ربي أهانني وأذلني. وهذا خطأ أيضا، فلا يصح للإنسان أن يعتقد أن حجب الرزق عنه إهانة له، وإذلال لنفسه. وقوله: ابْتَلاهُ معناه: اختبره. ووَ نَعَّمَهُ معناه: جعله ذا نعمة. والخلاصة: إن الإنعام على إنسان بشيء من المال والصحة والجاه والمركز مثلا ليس دليلا من الله على الرضا عنه. وليس حجب الرزق أو الفقر والتقتير دليلا على سخط الله وعقابه، وإنما ذلك ابتلاء، فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر. وأما إكرام الله تعالى فهو بالتقوى، وإهانته فبالمعصية. النفس اللوامة وتقصيرها والنفس المطمئنة ورضاها ردع الله تعالى الإنسان الذي يخطئ الاعتقاد أو الظن في حالتي النعمة والإكرام، والنقمة والإهانة، وأوضح حقيقة تطلعات الإنسان وتصرفاته، فتراه لا يكرم اليتيم أو المحتاج، ولا يحض على إطعام المساكين، ويبادر إلى أكل الميراث بشدة، ويحب جمع المال، ثم يندم على كل ذلك يوم القيامة، ويلوم نفسه على تقصيرها، ويصطدم بالحقيقة: وهي ألا سلطان في الحساب والجزاء إلا لله تعالى. وهذا هو الغالب. وأما التقي الصالح المطمئن إلى صحة عمله وطاعة ربه، فيعود إلى ربه هادئ النفس، مطمئن البال، راضيا بما عمل، ومرضيا بما يجازى به، فيدخل في جنان الخلد مع عباد الله الأبرار. وهذا ما قررته الآيات الآتية: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٧ الى ٣٠] كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) «١»

стр. 2872

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الفجر: ٨٩/ ١٧- ٣٠] . أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أعمال الناس، على جهة الردع والزجر، بقوله: كلا، أي زجرا وردعا عن مزاعم المشركين، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق الرزق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار على طاعة الله تعالى في الحالين، فإذا كان غنيا شكر، وإذا كان فقيرا صبر. وهم في الواقع مقصرون في سبل الخير، فلا يكرمون الأيتام ولا يبرونهم، ويدفعونهم عن حقوقهم الثابتة لهم في الميراث، ويأخذون أموالهم منهم، ويأكلون المواريث أكلا شديدا، وجمعا من غير تمييز بين الحلال والحرام، ويحبون المال حبا كثيرا فاحشا، أي إنكم أيها الناس تؤثرون الدنيا على الآخرة، والله يحب السعي للآخرة. كلا، أي زجرا وردعا لأقوالكم وأفعالكم هذه، ولا يصح أن يكون عملكم مجرد الحرص على الدنيا، وترك مواساة الآخرين منها، وجمع الأموال فيها بأية كيفية، من غير تحر للحلال وبعد عن الحرام. واستعدوا ليوم الحساب والفصل بين الخلائق، حيث تدك، أي تكسر الأرض وتتحرك تحركا شديدا، ويجيء الله تعالى للفصل بين عباده، وإصدار أوامره وأحكامه

стр. 2873

بالجزاء والحساب، وإظهار آيات قدرته وسلطانه وقهره، ويقف الملائكة مصطفين صفوفا للحراسة والحفظ. وتكشف للناظرين جهنم بعد غيبتها وحجبها عنهم، كما في آية أخرى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) [النازعات: ٧٩/ ٣٦] . في ذلك اليوم الرهيب يتذكر الإنسان أنه أخطأ وقصر، وكذب وعصى، وفرط وطغى، ويندم على ما قدم في الدنيا من الكفر والمعاصي، وعلى ما عمل من أعمال السوء، ولكن هل تنفعه الذكرى؟ أي: وأنى له نفع الذكرى؟ لا تنفعه، فقد فات الأوان، وإنما كانت تنفعه الذكرى لو تذكر الحق قبل حضور الموت، ويقول الإنسان الذي عصى في الدنيا: يا ليتني قدمت عملا ينفعني في تلك الحياة الأبدية، وكأنها هي الحياة فقط، يا ليتني قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي الأخروية الدائمة الباقية، فهي الحياة الأخيرة الخالدة لأهل النار ولأهل الجنة جميعا. وقوله تعالى: لِحَياتِي معناه عند جمهور المتأولين: لحياتي الباقية، أي الآخرة، وقال بعض المتأولين: المعنى: لوقت أو لمدة حياتي الماضية في الدنيا، واللام بمعنى الوقت. وجواب قوله: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ.. في قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ.. أي في يوم القيامة لا يتولى أحد تعذيب العصاة وحسابهم وجزاءهم إلا الله، ولا يتولى إحكام الوثاق أو الربط بالسلاسل والأغلال للكافر أحد إلا الله، ولا يعذّب أحد مثل عذاب الله. وفي هذا ترغيب بالعمل الصالح والإيمان، وترهيب من الكفر والعصيان. فالضمير في (عذابه) و (وثاقه) لله تعالى، والمصدر مضاف إلى الفاعل. وقد جمعت الآية معنيين: أحدهما- أن الله تعالى لا يكل عذاب الكفار يومئذ إلى أحد. والآخر- أن عذابه من الشدة في حيّز لم يعذّب قط أحد بمثله في الدنيا، وهذا شأن الإنسان المادي.

стр. 2874

وبعد بيان ما يتعرض له هؤلاء المعذبون، ذكر الله تعالى ما عليه نفوس المؤمنين وحالهم، وهم الذين صفت أرواحهم وسمت عن الماديات، فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) والمطمئنة: الموقنة غاية اليقين. والمعنى: يقول الله تعالى للمؤمن مباشرة أو بوساطة ملك: يا أيتها النفس الموقنة بالإيمان والحق وتوحيد الله، التي لا يخالجها شك في صدق عقيدتها، وقد رضيت بقضاء الله وقدره، ووقفت عند حدود الشرع، فتجيء يوم القيامة مطمئنة بذكر الله، ثابتة لا تتزعزع، آمنة مؤمنة غير خائفة، ارجعي إلى ثواب ربك الذي أعطاك، وإلى محل كرامته الذي منحك إياه، راضية بهذا الثواب عما عملت في الدنيا، وبما حكم الله، ومرضية عند الله، فادخلي في زمرة عبادي الصالحين، وادخلي معهم جنتي، فتلك هي الكرامة التي لا كرامة سواها، جعلنا الله من أهلها. نزلت هذه الآية، كما أخرج ابن أبي حاتم عن بريدة: في حمزة، وقال ابن عباس: نزلت في عثمان حينما اشترى بئر رومة، وجعلها سقاية للناس.

стр. 2875

تفسير سورة البلد متاعب الإنسان وتزويده بمفاتيح الرشاد الحياة مشحونة بالتعب، والإنسان خلق مغمورا بالتعب والهموم ومكابدة العيش، واغتر بالحياة ومباهجها، وظن أنه السيد على الأرض الذي لا يقدر عليه أحد. ولكن الله تعالى زود الإنسان بطاقات المعرفة، ومفاتيح البحث عن المعلومات، وطرق الوصول إلى الهداية والرشاد، والظفر بأسلوب النجاة، ولكنه قصر وأهمل في اقتحام العقبة، وهي تحرير الرقاب، وإطعام الطعام، وأدى ذلك إلى انقسام الناس فئتين: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، كما يتضح من سورة البلد المكية في قول جمهور المفسرين: [سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠»
следующие страницы →