← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

فيقول: ربي أهانني وأذلني. وهذا خطأ أيضا، فلا يصح للإنسان أن يعتقد أن حجب الرزق عنه إهانة له، وإذلال لنفسه. وقوله: ابْتَلاهُ معناه: اختبره. ووَ نَعَّمَهُ معناه: جعله ذا نعمة. والخلاصة: إن الإنعام على إنسان بشيء من المال والصحة والجاه والمركز مثلا ليس دليلا من الله على الرضا عنه. وليس حجب الرزق أو الفقر والتقتير دليلا على سخط الله وعقابه، وإنما ذلك ابتلاء، فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر. وأما إكرام الله تعالى فهو بالتقوى، وإهانته فبالمعصية. النفس اللوامة وتقصيرها والنفس المطمئنة ورضاها ردع الله تعالى الإنسان الذي يخطئ الاعتقاد أو الظن في حالتي النعمة والإكرام، والنقمة والإهانة، وأوضح حقيقة تطلعات الإنسان وتصرفاته، فتراه لا يكرم اليتيم أو المحتاج، ولا يحض على إطعام المساكين، ويبادر إلى أكل الميراث بشدة، ويحب جمع المال، ثم يندم على كل ذلك يوم القيامة، ويلوم نفسه على تقصيرها، ويصطدم بالحقيقة: وهي ألا سلطان في الحساب والجزاء إلا لله تعالى. وهذا هو الغالب. وأما التقي الصالح المطمئن إلى صحة عمله وطاعة ربه، فيعود إلى ربه هادئ النفس، مطمئن البال، راضيا بما عمل، ومرضيا بما يجازى به، فيدخل في جنان الخلد مع عباد الله الأبرار. وهذا ما قررته الآيات الآتية: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٧ الى ٣٠] كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) «١»

стр. 2872

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الفجر: ٨٩/ ١٧- ٣٠] . أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أعمال الناس، على جهة الردع والزجر، بقوله: كلا، أي زجرا وردعا عن مزاعم المشركين، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق الرزق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار على طاعة الله تعالى في الحالين، فإذا كان غنيا شكر، وإذا كان فقيرا صبر. وهم في الواقع مقصرون في سبل الخير، فلا يكرمون الأيتام ولا يبرونهم، ويدفعونهم عن حقوقهم الثابتة لهم في الميراث، ويأخذون أموالهم منهم، ويأكلون المواريث أكلا شديدا، وجمعا من غير تمييز بين الحلال والحرام، ويحبون المال حبا كثيرا فاحشا، أي إنكم أيها الناس تؤثرون الدنيا على الآخرة، والله يحب السعي للآخرة. كلا، أي زجرا وردعا لأقوالكم وأفعالكم هذه، ولا يصح أن يكون عملكم مجرد الحرص على الدنيا، وترك مواساة الآخرين منها، وجمع الأموال فيها بأية كيفية، من غير تحر للحلال وبعد عن الحرام. واستعدوا ليوم الحساب والفصل بين الخلائق، حيث تدك، أي تكسر الأرض وتتحرك تحركا شديدا، ويجيء الله تعالى للفصل بين عباده، وإصدار أوامره وأحكامه

стр. 2873

بالجزاء والحساب، وإظهار آيات قدرته وسلطانه وقهره، ويقف الملائكة مصطفين صفوفا للحراسة والحفظ. وتكشف للناظرين جهنم بعد غيبتها وحجبها عنهم، كما في آية أخرى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) [النازعات: ٧٩/ ٣٦] . في ذلك اليوم الرهيب يتذكر الإنسان أنه أخطأ وقصر، وكذب وعصى، وفرط وطغى، ويندم على ما قدم في الدنيا من الكفر والمعاصي، وعلى ما عمل من أعمال السوء، ولكن هل تنفعه الذكرى؟ أي: وأنى له نفع الذكرى؟ لا تنفعه، فقد فات الأوان، وإنما كانت تنفعه الذكرى لو تذكر الحق قبل حضور الموت، ويقول الإنسان الذي عصى في الدنيا: يا ليتني قدمت عملا ينفعني في تلك الحياة الأبدية، وكأنها هي الحياة فقط، يا ليتني قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي الأخروية الدائمة الباقية، فهي الحياة الأخيرة الخالدة لأهل النار ولأهل الجنة جميعا. وقوله تعالى: لِحَياتِي معناه عند جمهور المتأولين: لحياتي الباقية، أي الآخرة، وقال بعض المتأولين: المعنى: لوقت أو لمدة حياتي الماضية في الدنيا، واللام بمعنى الوقت. وجواب قوله: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ.. في قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ.. أي في يوم القيامة لا يتولى أحد تعذيب العصاة وحسابهم وجزاءهم إلا الله، ولا يتولى إحكام الوثاق أو الربط بالسلاسل والأغلال للكافر أحد إلا الله، ولا يعذّب أحد مثل عذاب الله. وفي هذا ترغيب بالعمل الصالح والإيمان، وترهيب من الكفر والعصيان. فالضمير في (عذابه) و (وثاقه) لله تعالى، والمصدر مضاف إلى الفاعل. وقد جمعت الآية معنيين: أحدهما- أن الله تعالى لا يكل عذاب الكفار يومئذ إلى أحد. والآخر- أن عذابه من الشدة في حيّز لم يعذّب قط أحد بمثله في الدنيا، وهذا شأن الإنسان المادي.

стр. 2874

وبعد بيان ما يتعرض له هؤلاء المعذبون، ذكر الله تعالى ما عليه نفوس المؤمنين وحالهم، وهم الذين صفت أرواحهم وسمت عن الماديات، فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) والمطمئنة: الموقنة غاية اليقين. والمعنى: يقول الله تعالى للمؤمن مباشرة أو بوساطة ملك: يا أيتها النفس الموقنة بالإيمان والحق وتوحيد الله، التي لا يخالجها شك في صدق عقيدتها، وقد رضيت بقضاء الله وقدره، ووقفت عند حدود الشرع، فتجيء يوم القيامة مطمئنة بذكر الله، ثابتة لا تتزعزع، آمنة مؤمنة غير خائفة، ارجعي إلى ثواب ربك الذي أعطاك، وإلى محل كرامته الذي منحك إياه، راضية بهذا الثواب عما عملت في الدنيا، وبما حكم الله، ومرضية عند الله، فادخلي في زمرة عبادي الصالحين، وادخلي معهم جنتي، فتلك هي الكرامة التي لا كرامة سواها، جعلنا الله من أهلها. نزلت هذه الآية، كما أخرج ابن أبي حاتم عن بريدة: في حمزة، وقال ابن عباس: نزلت في عثمان حينما اشترى بئر رومة، وجعلها سقاية للناس.

стр. 2875

تفسير سورة البلد متاعب الإنسان وتزويده بمفاتيح الرشاد الحياة مشحونة بالتعب، والإنسان خلق مغمورا بالتعب والهموم ومكابدة العيش، واغتر بالحياة ومباهجها، وظن أنه السيد على الأرض الذي لا يقدر عليه أحد. ولكن الله تعالى زود الإنسان بطاقات المعرفة، ومفاتيح البحث عن المعلومات، وطرق الوصول إلى الهداية والرشاد، والظفر بأسلوب النجاة، ولكنه قصر وأهمل في اقتحام العقبة، وهي تحرير الرقاب، وإطعام الطعام، وأدى ذلك إلى انقسام الناس فئتين: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، كما يتضح من سورة البلد المكية في قول جمهور المفسرين: [سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠»

стр. 2876

«١» «٢» [البلد: ٩٠/ ١- ٢٠] . المعنى: أقسم بهذا البلد: مكة المكرمة، تنبيها على حرمتها، وأنت أيها النبي حلال بهذا البلد، يحل لك فيه قتل من شئت، وكان هذا يوم فتح مكة. فقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته. والمراد: أن مكة عظيمة القدر في كل حال، حتى في حال اعتقاد الكفار القرشيين أنك أيها النبي حلال، لا حرمة لك، وهذا تقريع وتوبيخ لهم. وهذا على رأي شرحبيل بن سعد فيما ذكره الثعلبي: أن معنى وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) أي قد جعلوك حلالا مستحل الأذى والإخراج، والقتل لك لو قدروا. والمقسم عليه هو: لقد خلقنا الإنسان في كبد أي لقد خلقنا الإنسان اسم الجنس كله مغمورا بالمشقة والمكابدة، أي يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة. ولكن الإنسان اغتر بقوته، فقيل له: أيظن ابن آدم أن لن يقدر عليه أحد، ولا ينتقم منه أحد، فالله قادر على كل شيء. نزلت هذه الآية في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، الذي كان مغترا بقوته، واسمه: أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحدا لا يقدر عليه. وقيل: نزلت في غيره، مثل عمر بن عبد ود الذي قتله علي ﵁ خلف الخندق، أو في الحارث بن عامر بن نوفل، فوبخهم القرآن على ذلك. ثم ذم الله الإنسان على الإنفاق بقصد المراءاة، فإنه يقول يوم القيامة: أنفقت مالا كثيرا، مجتمعا بعضه على بعض، وهو الذي يسميه أهل الجاهلية مكارم أو معالي ومفاخر.

стр. 2877

قال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب، فاستفتى النبي ﷺ ، فأمره أن يكفّر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه إما استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، وإما أسفا عليه، فيكون ندما منه. ثم عاب الله الإنسان على جهله، حيث قال الله عنه: أيظن الإنسان ومدعي النفقة في سبيل الله أن الله تعالى لم يطلع عليه، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟ ولكن الله تعالى لم يترك الإنسان سادرا في صنوف الجهالة، بل زوده بما يمكنه من التمييز بين الخير والشر، بخلق مفاتيح المعرفة لديه، من أعين ولسان وشفتين وعقل نيّر، حيث قال الله تعالى عنه: ألم أمنحك أيها الإنسان الجاهل، المغرور بقوتك عينين تبصر بهما، ولسانا تنطق به، وشفتين تغطي بهما ثغرك، وتستعين بهما على الكلام وأكل الطعام؟ ألم نبين لك وندلك على طريق الخير والشر، وجعلنا لك من العقل والفطرة ما تستطيع به إدراك محاسن الخير، ومفاسد الشر، وتختار لنفسك طريق النجاة؟! وسبيل النجاة: هو اختيار الأفضل، فهلا نشط الإنسان واخترق الموانع المانعة من طاعة الله تعالى، من وساوس الشيطان واتباع الأهواء؟ وهلا جاهد لاجتياز الطريق الصعب، وأي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ إنه يكون بإعتاق الرقبة وتحريرها، أو بإطعام في يوم مجاعة يتيما فقد أباه ذا قرابة، أو مسكينا محتاجا لا شيء له، ولا قدرة على كسب المال لضعفه وعجزه، كأنه ألصق يده بالتراب، لفقد المال. والمسغبة: الجوع العام، وذا متربة معناه: مدقعا قد لصق بالتراب، وبه يتبين أن المسكين أشد فاقة من الفقير.

стр. 2878

ثم كان من الذين آمنوا وصدقوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، لأن القربات لا تقبل من دون شرط الإيمان، فكان من جملة المؤمنين العاملين عملا صالحا، المتواصين بالصبر على الأذى وعلى طاعة الله تعالى وبلائه وقضائه، وعلى الشهوات والمعاصي. وعلى الرحمة فيما بينهم وعلى خلق الله. والمرحمة: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. أولئك المتصفون بهذه الصفات: هم من أصحاب اليمين، وهم أصحاب الجنة، وأما أضداد هؤلاء فهم الذين جحدوا بآياتنا التنزيلية والكونية الدالة على قدرتنا، فهم أصحاب الشمال، وعليهم نار مغلقة محيطة بهم. والميمنة: مفعلة، عن يمين العرش، وهو موضع الجنة، ومكان المرحومين من الناس، والمشأمة: الجانب الأشأم، وهو الأيسر، وفيه جهنم، وهو طريق المعذّبين، يؤخذ بهم ذات الشمال.

стр. 2879

تفسير سورة الشمس تزكية النفس وعذاب المكذبين النفس الغريزية تحتاج إلى تعديل الغرائز والتزكية، والتوجيه نحو الأفضل، وجهاد الشيطان والهوى. فإذا جاهد الإنسان هواه وكبح شهواته، كان مؤمنا حق الإيمان، وإذا أهمل نفسه، وتركها تسير على وفق المزاج والأهواء، خاب وخسر، وقد أقسم الله على ذلك. والخيبة والخسران تقتضي التعرض للعذاب، والعذاب واقع على المكذبين حتما، كما وقع على قبيلة ثمود بسبب طغيانها وكفرها، واعتدائها على رسل الله ومعجزاتهم. أخبر الله تعالى بذلك في سورة الشمس المكية بالاتفاق. [سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» «١٥» «١٦» [الشمس: ٩١/ ١- ١٥] .

стр. 2880

المعنى: أقسم بالشمس المضيئة نفسها، سواء غابت أم طلعت، وبضوئها وضحاها الذي يعم الأفق، لأنه مبعث حياة الأحياء، وأقسم بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها، أو أقسم برب الشمس والضحى والقمر، والضحى: ارتفاع الضوء وكماله، أو هو النهار كله، أو حر الشمس، والقمر يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغرب، تغرب هي ثم يغرب هو، ويتلوها في النصف الآخر بنحو آخر، وهو أن تغرب هي فيطلع هو. والواقع أن هذا اتباع لا يختص بنصف أول الشهر ولا بآخره. وأقسم بالنهار إذا جلّى الشمس وكشفها وأظهر تمامها، ففي اكتمال النهار اكتمال وضوح الشمس. وأقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها بظلمته، فيزيل الضوء وتغيب الشمس، وتظلم الدنيا في نصف الكرة الأرضية، ثم تطلع في النصف الآخر، وهذا رد على المشركين الذين يؤلهون الكواكب، والثنوية الذين يقولون بإلهين اثنين: النور والظلمة، لأن الإله لا يغيب ولا يتبدل حاله. ثم ذكر الله تعالى صفات الكون حيث قال: وأقسم بالسماء وبناء الله تعالى لها بالكواكب، وأقسم بالأرض والذي بسطها من كل جانب، وجعلها ممهدة موطأة للسكنى. وقوله: وَما بَناها ووَ ما طَحاها ما فيهما: بمعنى الذي، أي ومن بناها، لأن (ما) تقع عامة لمن يعقل ولمن لا يعقل، فيجيء القسم بنفسه تعالى، ويحتمل أن تكون (ما) في جميع ذلك مصدرية، كأنه تعالى قال: والسماء وبنيانها. وأقسم بالنفس الإنسانية، والذي خلقها سوية مستقيمة، على الفطرة القويمة، وتسويتها: إكمال عقلها ونظرها، وإعطاؤها ما تحتاجه لتدبير البدن، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، ثم ألهمها وأفهمها ما هو شر وفجور، وما هو خير وتقوى، وما

стр. 2881

فيهما من قبح وحسن، لتمييز الخير من الشر. وقوله: فَأَلْهَمَها أي عرفها طرق ذلك. وجواب القسم في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ أي لقد أفلح، أي قد فاز بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب، من زكى نفسه، فهذبها وطهرها ونماها بالخيرات، وعوّدها على التقوى والعمل الصالح، وخسر وخاب من أغوى نفسه وأهملها ولم يهذبها، وتركها تنغمس في المعاصي، ولم يتعهدها بالطاعة والعمل الصالح. أي إن العذاب واقع على المكذبين بالحساب والجزاء الأخرى، لا محالة، فقد كذبت قبيلة ثمود بالحجر بين الشام والحجاز نبيها صالحا ﵇ بسبب طغيانها وبغيها، فإنه الذي حملها على التكذيب. والطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي. وذلك حين قام أشقى ثمود: وهو قدار بن سالف، بعقر ناقة صالح ﵇، بتحريض قومه ورضاهم بما يفعل، فكان عقرها دليلا على تكذيبهم جميعا لنبيهم، وبرهانا على صدق رسالته، حين حل بهم العذاب الذي أوعدهم به. فقال لهم، أي لجماعة الأشقياء نبي الله صالح ﵇: ذروا ناقة الله، واحذروا التعرض لها، أو أن تمسوها بسوء، واتركوها وما تشربه من الماء المخصص لها، بحسب القسمة المتفق عليها، لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم. فكذبوه في تحذيره إياهم من العذاب، ولم يبالوا بما أنذرهم به من العقاب، فعقر الأشقى تلك الناقة، وقومه راضون بما فعل، فنسب العقر إليهم جميعا، فأطبق العذاب عليهم وأهلكهم الله بذنوبهم، وغضب عليهم، فدمرهم وعمهم بالعقاب، وسوى القبيلة في الهلاك، لم ينج منهم أحد، واستوت العقوبة على صغيرهم وكبيرهم، ولا يخاف هذا الأشقى من عاقبة فعله، فالفاعل يعود على أشقاها المنبعث، ويحتمل أن يكون الفاعل هو الله تعالى، أي فلا تبعة على الله تعالى في فعله

стр. 2882

بهم، لا يسأل عما يفعل، ويحتمل أن يكون الفاعل هو صالح ﵇، أي لا يخاف عقبى الله تعالى بهذه الفعلة بهم، إذ قد كان أنذرهم وحذّرهم. وقوله: فَدَمْدَمَ معناه: أنزل العذاب مقلقا لهم، مكرّرا ذلك، وهي الدّمدمة.

стр. 2883

تفسير سورة الليل تفاوت أعمال الناس وثوابهم الناس في مركب الحياة أو سفينة الحياة متفاوتون في هممهم وعزائمهم، وأعمالهم وتصرفاتهم، بسبب اختلاف عقولهم وأفكارهم وأهوائهم، وتفاوتهم في التزام الدين والأخلاق والآداب والأنظمة، أو تجاوز ذلك، وكل واحد في مسيرة الحياة يرصد لنفسه ما يلقاه في مستقبل عمره، وفي آخرته، فأما أهل الاستقامة: فهم موفقون للخصال الحسنة، ويكونون في جنان الخلد، وأما أهل الانحراف والضلال: فهم أيضا موفقون للخصال السيئة، ويكونون بسبب جناياتهم وسيئاتهم في نيران الجحيم، ولا يغنيهم عن سوء عملهم أهل ولا مال ولا صديق حميم، كما يتبين في سورة الليل المكية في قول الجمهور: [سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠»

стр. 2884

«١» «٢» [الليل: ٩٢/ ١- ٢١] . أقسم- أنا الله- بالليل حين يغطي بظلامه كل ما كان مضيئا، وبالنهار متى ظهر ووضح، لإزالة الظلمة الليلية، وبالذي خلق الذكر والأنثى من جميع الأجناس، من الناس وغيرهم. ولم يذكر مفعول (يغشى) للعلم به ضمنا، أو يغشى النهار. وقوله وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) ما: إما بمعنى الذي، أو مصدرية أي بخلق الجنسين. وجواب القسم: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) السعي: العمل، أي إن جميع أعمال العباد مختلفة متباعدة، ومفترقة جدا، فالفاعل: إما خير أو شر، والعمل: إما هدى أو ضلال، وإما مرضي لله يوجب الجنة أو سخط يوجب النار. والساعون قسمان: فأما من أعطى في وجوه الخير وفي سبيل الله، واتقى محارم الله المنهي عنها، وصدق بالجنة أو الأجر والثواب مجملا، فسنأخذ بيده ونسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك، والحسنى: الجنة، واليسرى: الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة. نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، أخرج ابن جرير والحاكم عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه (أبو قحافة) : أي بني! أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبت، إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات فيه: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) السورة.

стр. 2885

وأما من بخل بماله، ولم يبذل منه شيئا في سبيل الله وطريق الخير، واستغنى عن الله ورحمته بزعمه، واكتفى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وزهد في الأجر والثواب وفضل الله، وكذّب بالجزاء الأخروي، فسنأخذ بيده ونسهله للحال الصعبة التي لا تنتج إلا شرا، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، حتى يصل إلى النار، ولا يفيده شيئا ماله الذي بخل به، إذا وقع في جهنم، وإذا جمع في الكلام بين الخير والشر، جاء التيسير فيهما معا. والإعطاء والبخل المذكوران: إنما هما في المال. وقوله: إِذا تَرَدَّى معناه سقط في جهنم، أي من حافاتها. قال ابن عباس: آية وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) نزلت في أمية بن خلف. ثم أخبر الله تعالى عما قام به من الهداية والبيان، فقال: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٣) أي إن علينا أن نبين طريق الخير والشر، وسبيل الهداية والضلال، والحلال والحرام، بوساطة الأنبياء وإنزال الكتب المشتملة على تشريع الأحكام، وتبيان العقائد والعبادات، والأخلاق، وأنظمة العقود والمعاملات. وإن لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء، فمن أراد شيئا من الدارين، فليطلبه منا، نهب ونعطي ما نشاء لمن نشاء، ولا يضرنا ترك الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤهم، بل نفع ذلك وضرره عائدان عليكم أيها الناس. ثم حذر الله تعالى من سلوك طريق النار بقوله: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) أي لقد خوّفتكم نارا عظيمة، تتوهج وتلتهب وتوقد، لا يحترق بنارها إلا الشقي الكافر الذي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، ومنهم رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه الفرقان، والمراد بقوله: لا يَصْلاها.. أي لا يصلاها صلي خلود.

стр. 2886

وسيباعد عن النار كل تقي اتقى الكفر والعصيان اتقاء بالغا، وهو الذي ينفق ماله ويعطيه في وجوه الخير، طالبا أن يكون عند الله زكيا، متطهرا نقيا من الذنوب، من غير رياء ولا سمعة. ولا خلاف في أن المراد بالأتقى: أبو بكر الصديق ﵁. وقوله تعالى: يَتَزَكَّى معناه: يتطهر ويتنمّى. وظاهر هذا الإتيان: أنه في المندوبات. وتراه لا يتصدق بماله مقابل نعمة لأحد من الناس عليه، يكافئه عليها. أو ليس إعطاؤه ليجزي نعما قد أنزلت إليه، بل هو صادر عنه ابتداء، ابتغاء وجه الله تعالى، العلي الأعلى، وتحقيق رضوان الله ومثوبته، لا لمكافأة نعمة، وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم. وسبب نزول هذه الآية: أن قريشا قالوا- لما أعتق أبو بكر ﵁ بلالا- كانت لبلال يد (معروف) عنده. وقوله تعالى: إِلَّا ابْتِغاءَ.. مستثنى منقطع، والابتغاء: الطلب. وقوله: وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) وعد من الله تعالى لأبي بكر بالرضا عنه في الآخرة.

стр. 2887

تفسير سورة والضحى نعم الله على نبيه وإرشاده لبعض الخصال عدّد الله تعالى بعض النعم على النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، إظهارا لمكانته في أعين قريش، وردا عليهم فيما زعموا بأن الله تعالى بتأخيره إنزال الوحي على نبيه قد قلاه (أبغضه) ربه وأبعده. وتميزت هذه النعم بأنها في الغالب أخلاقية أدبية، لا مادية أو سلطوية اغترارية، ثم أمر الله نبيه بشكر هذه النعم، وبالإحسان إلى الأيتام والسائلين، ليكون مثلا أعلى للإنسانية، وتسلك أمته سلوكه، وتنتهج نهجه، وذلك في سورة الضحى المكية بالاتفاق: [سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الضحى: ٩٣/ ١- ١١] . أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. وأخرج الحاكم عن زيد

стр. 2888

ابن أرقم قال: مكث رسول الله ﷺ أياما لا ينزل عليه جبريل، فقالت أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودّعك وقلاك، فأنزل الله: وَالضُّحى.. الآيات. أقسم بالضحى: وقت ارتفاع الشمس أول النهار، والمراد به النهار، لمقابلته بالليل، وبالليل إذا سكن وغطى بظلمته النهار، ما قطعك ربك قطع المودّع، وما تركك، ولم يقطع عنك الوحي، وما أبغضك وما كرهك. ثم بشره الله بأن المستقبل أفضل من الماضي، فللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، إذا انقطع الوحي وحصل الموت، وكذلك أحوالك الآتية خير لك من الماضية، وأن كل يوم تزداد عزة ومهابة ورفعة وسموا، ونصرا. أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي، فسرّني» فأنزل الله: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وإسناده حسن. ثم بشره الله أيضا بعطاء جزيل، بقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ.. أي لسوف يمنحك ربك عطاء جزيلا، ونعمة كبيرة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو الفتح في الدين، وانتشار الإسلام، وأما في الآخرة فهو الثواب، والحوض، والشفاعة لأمتك، فترضى به. وهذا دليل على تحقيق السمو في الدارين. أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل والطبراني وغيرهم، عن ابن عباس قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته كفرا كفرا- أي قرية قرية- فسرّ به، فأنزل الله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) . ثم عدّد الله تعالى نعمه على رسوله قبل البعثة كالحال بعدها بقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ أي ألم يجدك ربك يتيما لا أب لك، فجعل لك مأوى تأوي إليه، وهو بيت كافلك

стр. 2889

جدك عبد المطلب، ثم عمك أبو طالب. حيث مكث بعد وفاة أمه آمنة سنتين عند عبد المطلب، وله من العمر ثمان سنين، ثم كفله عمه أبو طالب إلى أن أتم أربعين سنة حيث بعثه الله نبيا. ووجدك ربك غافلا (ضالا) عن أحكام الشرائع، حائرا في معرفة أصح العقائد، فهداك لذلك، ووجدك فقيرا ذا عيال لا مال لك، فأغناك بربح التجارة في مال خديجة، وبما منحك الله من البركة والقناعة. أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» . ثم أمره ربه ببعض الأخلاق الإنسانية المحضة، وطالبه بشكر الله على نعمه، حيث قال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ أي كما كنت يتيما فآواك الله، فلا تستذل اليتيم ولا تتسلط عليه بالظلم لضعفه، بل أدّه حقه، وأحسن إليه، وتلطف به، واذكر يتمك. فكان رسول الله ﷺ يحسن إلى اليتامى ويبرهم ويوصي بهم خيرا. ويتم النبي ﷺ لئلا يكون عليه حق لمخلوق، كما قال الإمام جعفر الصادق. وكما كنت مخطئا في العقيدة، فهداك الله، فلا تنهر السائل المسترشد في العلم والدين أو طلب المال، ولا تزجره، بل أجبه، أو ردّ عليه ردا جميلا، والضلال هنا: بمعنى الخطأ والمباينة عما آل إليه في حال النبوة والرسالة، وليس بمعنى الكفر والضلال البعيد، فإنه ﷺ لم يعبد صنما قط. وتحدث بنعمة ربك عليك، واشكر هذه النعمة العظمى: وهي النبوة والقرآن، ومضامين الآيات. والتحدث بنعمة الله شكر، فكما كنت عائلا فقيرا، فأغناك الله، فتحدث بنعمة الله عليك، والمعنى في النبي ﷺ : أنه أغنى الأغنياء بالصبر والقناعة، وقد حبّبا إليه.

стр. 2890

إن هذه الوصايا الثلاث تتناسب مع النعم الثلاث المذكورة، في كل نعمة وصية مناسبة لها، كما تبين، فيقابل صفة اليتم الوصية باليتيم، ويقابل صفة الخطأ ترك قهر السائل عن العلم والدين، لا سائل المال، ويقابل صفة الفقر شكر النعمة التي أسداها الله عليه.

стр. 2891

تفسير سورة الشرح أو الانشراح نعم أخرى على النبي ﷺ أنعم الله تعالى على نبيه قبل البعثة وبعدها بنعم كثيرة، منها اجتماعية إنسانية، كما في سورة الضحى، ومنها شخصية ودينية تتعلق برسالته، كما في سورة الشرح المكية بالإجماع، والسورتان ذات موضوع واحد، وترتبط كل منهما بالأخرى، حتى قال بعضهم: إنهما سورة واحدة. ومجملها شرح الصدر: وهو كناية عن السرور، ووضع الأوزار المتقدمة على النبوة، ورفع الذّكر والسمعة والصيت، وتحقيق اليسر في الدين والدنيا والآخرة، وكل ذلك يقتضي الشكر، والحث على العبادة، والطاعة، والعمل الصالح، كما يبدو في سورة الشرح الآتية: [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الشرح: ٩٤/ ١- ٨] . هذه طائفة من النعم التي أنعم الله بها على نبيه محمد ﷺ ، أولها: أن شرح الله صدره للنبوة وهيأه لها، وشرح الصدر في رأي الجمهور: تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه. وقال ابن عباس ﵁ وجماعة: هذه إشارة إلى شرح

стр. 2892

صدره ﵇، بشق جبريل ﵇ عنه، في وقت صغره، وفي وقت الإسراء، إذ التشريح: شق اللحم. وحديث شق الصدر أخرجه الإمام أحمد عن أبي بن كعب: ومضمون الحديث: أن جبريل ﵇ أتى محمدا ﷺ في صغره، وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله، وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علما وإيمانا وحكمة، ووضعه في صدره. وهذا من قبيل إرهاصات النبوة، أي مقدماتها وبشائرها. وحططنا عنك ما كنت تتصور من وجود ذنوب ومعاص أثقلت كاهلك، وأتعبت نفسك، سواء قبل النبوة أو بعدها، مما هو خلاف الأولى، وهو لا يتفق مع سمو قدرك، ورفعة منزلتك، وعلو شأنك، كالإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، وقبول الفداء من أسرى بدر، والعبوس في وجه الأعمى ابن أم مكتوم. وجعلنا لك ذكرا مرفوعا عاليا في الدنيا والآخرة، بالنبوة وختم الرسالات بك، وإنزال القرآن العظيم عليك، وتكليف المؤمنين بالشهادتين، سواء في الأذان والإقامة أو في التشهد، أو في الخطبة وغيرها. والهدف من تعداد هذه النعم: أنه قد جعلنا لك يا محمد جميع هذا، فلا تكترث بأذى قريش، فإن الذي فعل بك هذه النعم، سينصرك عليهم. ثم أخبر الله تعالى عن خصيصة مهمة جدا من خصائص رسالة النبي ﷺ ، وهي وجود يسيرين مع كل عسر، لتقوية رجائه وأمله في تغير أحواله وانتصاره، ردا على المشركين الذين عيّروا النبي بالفقر، والضعف. والمعنى: إن مع كل عسر يسرين بهذه الآية: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) لأن العسر معرّف للعهد، و (اليسر) منكر، فالأول وهو اليسر غير الثاني، وأما العسر فهو واحد. والعسر المعرّف واحد، لكن اليسر منكر، فهو اثنان، فيكون مع كل عسر يسران، لما أخرجه

стр. 2893

الحاكم، وعبد الرزاق، وابن جرير، والبيهقي، عن الحسن، قال: خرج النبي ﷺ يوما فرحا مسرورا، وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين، إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا» . أي مع ما تراه من الأذى فرج يأتيك. وهذه بشارة للرسول ﷺ بأن الله سيبدل حاله من فقر إلى غنى، ومن ضعف إلى عزة وقوة، ومن عداوة قومه إلى محبتهم. ثم أمر الله تعالى نبيه بمتابعة العبادة والعمل والطاعة، فإذا فرغ من شغل من أشغال النبوة والعبادة، فعليه أن ينصب (يتعب) في آخر، والنصب: التعب، فالمعنى: أن يدأب على ما أمر به ولا يفتر. إذا فرغت أيها النبي من تبليغ الدعوة، أو من الجهاد، أو من عبادة، أو من أحد مشاغل الدنيا وعلاقاتها، فأتعب نفسك في العبادة، واجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، وأخلص لربك النية والرغبة، وهذا دليل على طلب الاستمرار في العمل الصالح والخير والمثابرة على الطاعة، لأن استغلال الوقت مطلوب شرعا، والانتفاع بالزمن ضروري دائما. وإذا فرغت من أعمالك الدينية والدنيوية، فأقبل على الله تعالى، واجعل رغبتك إلى الله وحده، وتضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة، ولا تطلب ثواب عملك إلا من الله تعالى، فإنه الجدير بالتوجيه والتضرع إليه، والتوكل عليه، فهذا أمر بالتوكل على الله ، وصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه. إن هذه الأوامر بمتابعة العبادة والتضرع إلى الله، والتوكل على الله وحده، تصوغ فكر النبي ﷺ ، وتصبغ قلبه بالعبادة الخالصة لله سبحانه، وتجعله إنسان الدعوة الدائمة إلى الله، بلسانه وقلبه وفكره وسلوكه وعمله، فيتهيأ أن يكون الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة للأجيال، على سبيل الوفاء والكمال.

стр. 2894

تفسير سورة التين تقويم الإنسان ثم انحداره إلى النار الجمال في الخلق والتكوين الإنساني هو الظاهرة الإلهية الإبداعية التي تقتضي شكران المنعم، والوفاء لقدر النعمة بالطاعة والخضوع والامتثال لله، ولكن الناس لا يقومون بحق النعمة، وينحدرون في أخلاقهم وأعمالهم حتى يكونوا من أهل النار الذين هم أسفل السافلين بسبب كفرهم، باستثناء المؤمنين الذين يعملون الصالحات، فلهم الثواب الكبير، وليس لأحد بعد إقامة الدلائل على البعث إنكار القيامة، وإقامة صرح العدالة والقضاء الحق في ذلك اليوم، كما جاء في سورة التين المكية بلا خلاف بين المفسرين: [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [التين: ٩٥/ ١- ٨] . أقسم- أنا الحق- بالتين الطيب الذي يأكله الناس، وبالزيتون الذي يعتصر منه

стр. 2895

الزيت، وبموضعهما، وبجبل الطور الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، في بلاد الشام، وهو طور سيناء. وبهذا البلد الآمن الأمين وهو مكة المكرمة، لأنه آمن ومأمون فيه، كما قال الله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: ٣/ ٩٧] . أقسم الله سبحانه بهذه المواضع الثلاثة، لأنها مهابط الوحي الإلهي على الرسل الكرام أولي العزم. والقسم بها تنويه بشأنها. ذكر القرطبي في تفسيره عن أبي ذر: أنه أهدي للنبي ﷺ سل تين، فأكل منه، وقال: «لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة قلت: هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم (نوى) فكلوا، فإنه يقطع البواسير، وينفع من النقرس» . وجواب القسم: أننا خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأجمل شكل، وأبدع تكوين، والمراد: جمال الخلقة والتكوين والتركيب، والتميز بالعقل والفكر، والتدبير والحكمة، وانتصاب القامة، فجميع هذه الأشياء هو حسن التقويم، وليس المراد الجمال الظاهري. ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته أحسن من الشمس أو أجمل من القمر. ثم جعلناه بعد حسن التركيب إلى النار التي هي أسفل الدرجات إن لم يطع الله ويتبع الرسل، أو أننا رددناه أحيانا في آخر العمر إلى الهرم، وذهول العقل، وتغلب الكبر، حتى يصير لا يعلم شيئا. وعلى التفسير الأول: يكون قوله تعالى بعدئذ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.. استثناء متصلا، وعلى التفسير الثاني: يكون ذلك استثناء منقطعا. إن مصير أكثر الناس إلى النار، على التفسير الأول، إلا المؤمنين العاملين عملا صالحا، بأن جمعوا بين الإيمان والعمل في حال الاستطاعة، فلهم ثواب جزيل،

стр. 2896

ينجون به من النار أسفل السافلين، وهو الجنة دار المتقين. وعلى التفسير الثاني وهو قول حسن كما قال ابن عطية: إن في جنس الإنسان من يعتريه الخرف والهرم، لكن المؤمنين المتقين، يكافئهم الله بثواب دائم غير منقطع، بسبب صبرهم على ما ابتلوا به من الشيخوخة والهرم، والمواظبة على الطاعات بقدر استطاعتهم، أي إنهم قد يردّون إلى أرذل العمر كغيرهم، لكن لهم أجر كبير دائم على أفعالهم، وإن انقطعوا عن العبادة بسبب الضعف والهرم. ثم وبّخ الله تعالى الكافر على التكذيب بيوم الجزاء والحساب بعد البعث بقوله: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) قال جمهور من المتأولين: المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين، أي بالجزاء في عالم الآخرة، تجعل لله تعالى أندادا، وتزعم ألا بعث بعد هذه الدلائل؟ لقد عرفت أن الله تعالى خلقك في أحسن تقويم، وأنه بسبب الكفر يردك إلى النار مع أسفل السافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ لقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق أولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ وقال قتادة، والفراء والأخفش: المخاطب في قوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) ؟ هو محمد ﷺ ، قال الله تعالى له: فما الذي يكذّبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث، وهو الدّين، بعد هذه العبرة التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت؟ أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ثُمَّ رَدَدْناهُ.. قال: هم نفر، ردوا إلى أرذل العمر، على عهد رسول الله ﷺ ، فسئل عنهم حتى سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم، أن لهم أجرهم الذي عملوا، قبل أن تذهب عقولهم. ثم أكد الله تعالى إيقاع الجزاء والبعث بقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) أي أما هو أحكم الحاكمين قضاء وعدلا، الذي لا يجور ولا يظلم، ومن عدله أن يقيم

стр. 2897

القيامة، فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه، ويثيب المستقيم، ويعذب المنحرف والكافر؟ هذا إخبار من الله تعالى لجميع خلقه على أنه سبحانه أحكم الحاكمين، على جهة التقرير والتثبيت. أخرج الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا. «فإذا قرأ أحدكم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى على آخرها: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. وأخرج أيضا عبد بن حميد عن قتادة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه السورة قال: «بلى وأنا على ذلكم من الشاهدين» .

стр. 2898

تفسير سورة العلق أو القلم الأمر بالقراءة والكتابة وموقف الكافر المعاند سورة القلم أو العلق المكية بالإجماع: هي أول ما نزل من كتاب الله تعالى، نزل صدرها في غار حراء، حسبما ثبت في صحيح البخاري وغيره، تضمنت الأمر بالقراءة مفتاح العلم، وبيان خالق الإنسان وبعض مظاهر قدرة الله على الإنسان، وزجر الكافر الطاغية المعاند، الذي يكون غناه سببا في طغيانه، وينهى عن الخير والصلاة، مع أنه لو أمر بالتقوى والخير، لكان مستحقا المثوبة الكبرى في جنة المأوى، ليته يعلم بأن الله يرى كل شيء وكل تصرف منه، ويعلم الغيب والشهادة، وسيجازي كل إنسان على عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولئن لم ينته هو وأمثاله من الكفار عن ضلالهم ليعذبنه الله عذابا شديدا، كما تبين هذه الآيات في سورة القلم: [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2899

«١» «٢» «٣» [العلق: ٩٦/ ١- ١٩] . اقرأ مبتدئا باسم ربك، أو مستعينا باسم ربك، الذي خلق كل شيء، خلق كل إنسان في مجال التناسل والتكاثر من قطعة دم جامد، وهي العلقة، التي هي أحد أطوار خلق الإنسان، حيث يبدأ من نطفة، ثم يتحول إلى علقة، ثم يكون مضغة: قطعة لحم. وإنما قال: باسم ربك، ولم يقل: باسم الله، لما في لفظ الرب من معنى التربية وتعهد المصلحة، وذلك مناسب للأمر بالعبادة، وأضاف الله ذاته إلى رسوله، بقوله: بِاسْمِ رَبِّكَ للدلالة على أن فائدة العبادة تصل للرسول، وليس لله تعالى. افعل ما أمرت به من القراءة، وربك الذي أمرك بالقراءة: هو الأكرم من كل كريم، ومن كرمه: تمكينك من القراءة وأنت أمي. وكرر الله تعالى كلمة اقْرَأْ للتأكيد، ولأن القراءة لا تتحقق إلا بالتكرار والإعادة. وقوله: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ لإزالة المانع والعذر الذي اعتذر به النبي ﷺ لجبريل ﵇، حين طلب منه القراءة، بقوله اقْرَأْ فقال: ما أنا بقارئ، أي لست متعلما القراءة. ثم قرن الله الأمر بالكتابة مع الأمر بالقراءة بقوله تعالى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم، فهو نعمة عظيمة من الله تعالى، وواسطة للتفاهم بين الناس، كالتعبير باللسان، ولولا الكتابة لزالت العلوم، ولم يبق أثر للدين وأحكام الشرائع الإلهية وغيرها، ولم يصلح عيش، ولم يستقر نظام، ولا تمكنت الشعوب والأمم من الاستفادة من علوم ومعارف وثقافات الشعوب الأخرى، ولا عرف تاريخ الماضين، ولا تحدد مستقبل البشرية والثقافة في مختلف البلاد.

стр. 2900

ثم أوضح الله تعالى عموم فضله وكثرة نعمه بقوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ.. أي علّم الله تعالى الإنسان بالقلم كثيرا من الأمور والمعارف، ما لم يعلم بها سابقا. ثم ردع الله الإنسان على طغيانه في حال الغنى، فقال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ أي ردعا وزجرا لك أيها الإنسان عن كفرك بنعمة الله عليك، وتجاوزك الحد في العصيان، لأن رأيت نفسك مستغنيا بالمال والقوة والأعوان. أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته، ولأغفرن وجهه في التراب، فأنزل الله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) الآيات. وجاء بعد ذلك الإنذار بالعقاب الأخروي في قوله تعالى: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أي إن الرجوع والمصير إلى الله وحده، لا إلى غيره، أي الحشر والبعث يوم القيامة، فهو الذي يحاسب كل إنسان على ماله، من أين جمعه، وأين أنفقه، والرجعى: مصدر كالرجوع. وقد جاء هذا بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، تهديدا للإنسان، وتحذيرا له من عاقبة الطغيان. وأحوال الطغاة قبيحة جدا هي: النهي عن الصلاة وغير ذلك، ومعنى الآية: أخبرني عن حال هذا الطاغية المغرور وهو أبو جهل وأمثاله، كيف يجرأ على أن ينهى عبدا هو محمد ﷺ من أداء الصلاة وعبادة الله، وتحويله إلى عبادة الأوثان، وترك عبادة الخالق الرازق؟! أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه، فأنزل الله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) إلى قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)

стр. 2901

وأخبرني أيضا عن حال هذا الطاغية، إن كان سائرا على درب الهدى وعبادة الله تعالى، أو أمر غيره بتقوى الله بدلا من الأمر بعبادة الأوثان، كما يعتقد؟! والخطاب في هذين الأمرين للنبي ﷺ ، وكذلك في قوله: أخبرني يا محمد عن حال هذا الطاغية أبي جهل إن كذّب بدلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وأعرض عن الإيمان بدعوتك؟! ثم زجره الله وهدده وتوعده بأساليب مختلفة. أما علم هذا الطاغية أن الله يراه ويسمع كلامه ويعلم أحواله، لينزجر ويرتدع عن أفعاله، فو الله لئن لم ينته عن مضايقاته ولم ينزجر عن عناده، لنأخذن بناصيته، والناصية: مقدم شعر الرأس، ولنجرنه إلى النار. فليدع أهل ناديه، أي قومه وعشيرته، لمناصرته، وسندعو الزبانية: ملائكة النار الغلاظ الشداد، ليلقوه في جهنم. أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) . كلا، للزجر والردع، إياك أن تطيعه أيها النبي فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وتقرب إلى الله بالطاعة والعبادة، وتابع السجود والتعظيم له، فذلك قوة لك وعزة، وحصن ووقاية.

стр. 2902

تفسير سورة القدر بدء نزول القرآن وفضائل ليلة القدر لقد شرفت ليلة القدر، أي العظمة، بما اشتملت عليه من أعظم حدث إلهي بشري في التاريخ، ألا وهو بدء نزول القرآن الكريم فيها، فصارت ليلة مباركة، كما تضمنت تنزل الملائكة والروح جيريل فيها بكل أمر من أوامر الله تعالى، وأنها سلام من كل سوء، وأمان، واطمئنان، وعافية، ومستجاب الدعاء، من بدايتها حتى طلوعها فجر اليوم التالي. أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن الحسن بن علي: أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ولكنه حديث غريب ومنكر جدا. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) عملها ذلك الرجل. وهذه هي السورة المكية على الصحيح: [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) «١» «٢» «٣» [القدر: ٩٧/ ١- ٥] .

стр. 2903

إنا نحن الله الذي بدأنا إنزال القرآن الكريم إليك أيها النبي في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، في شهر رمضان، كما جاء في آية أخرى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) [الدخان: ٤٤/ ٣] . وآية: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ٢/ ١٨٥] . وسميت بليلة القدر أي ليلة التقدير، لشرفها ورفعتها وتقدير الأشياء فيها لسنة قابلة، لقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) [الدخان: ٤٤/ ٤] . ثم أتممنا تنزيله بعد ذلك منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الحاجة والمناسبات والوقائع، تمكينا من استيعابه، وتسهيلا لتطبيقه، وتثبيتا لقلب النبي ﷺ والمؤمنين به. وقد روي أن نزول الملك في حراء، كان في العشر الأواخر من رمضان، وليلة القدر: هي ليلة خصّها الله تعالى بفضل عظيم، وجعلها أفضل من ألف شهر، لا ليلة قدر فيها. وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة، لما رأى محمد ﷺ أعمار أمته، فتقاصرها، ليعوضوا بفضلها من الأعمال ما بلغ به غيرهم من الأمم في أعمارهم الطويلة، فالعمل فيها خير من العمل في ألف شهر. وفضائل هذه الليلة كثيرة وهي: - وما أعلمك ما ليلة القدر؟ وهذا لتفخيم شأنها وتعظيم قدرها، وبيان مدى شرفها، وهي خير وأفضل من ألف شهر، لأن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وألف شهر: هي ثمانون سنة، وثلاثة أعوام، وثلث عام. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» . - وفي ليلة القدر تهبط الملائكة وجبريل من السماوات إلى الأرض بكل أمر ومن أجل كل أمر قدّر في تلك الليلة إلى سنة قابلة. ذكر ابن عباس وقتادة وغيرهما: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدّر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العام كلها،

стр. 2904

ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله. وروي هذا في ليلة النصف من شعبان. ويدل لليلة القدر قوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) [الدخان: ٤٤/ ٤] . والروح: هو جبريل ﵇، خص بالذكر لزيادة شرفه، فيكون من باب عطف الخاص على العام. و (من) لابتداء الغاية، أي نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة وبسببها. وتكون هذه الليلة في أوتار العشر الأواخر من رمضان، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، أي في الأيام الفردية، وهي العشرون، والحادي والعشرون، والثالث والعشرون، والخامس والعشرون، والسابع والعشرون، والتاسع والعشرون. أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان..» . - وهذه الليلة المحاطة بالخير بنزول القرآن والملائكة: هي سلامة وأمن وخير وبركة كلها، لا شر فيها، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، يستمر فيها نزول الخير والبركة، ونزول الملائكة بالرحمة، فوجا بعد فوج، إلى طلوع الفجر. وسَلامٌ هِيَ أي من كل أمر مخوف، قال مجاهد: لا يصيب أحدا فيها داء. وقال الشعبي ومنصور: سَلامٌ بمعنى التحية، أي تسلّم الملائكة على المؤمنين، فيكون المراد بكلمة سَلامٌ إما السلامة فيها من كل أمر سوء، أو بمعنى التحية. والقائلون بانتهاء الكلام في قوله تعالى: سَلامٌ يرون أن قوله تعالى: هِيَ إنما هو إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين من الشهر، إذ هذه الكلمة: هي السابعة والعشرون من كلمات هذه السورة. أخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «خرج

стр. 2905

نبي الله ﷺ ، وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى (تنازع) رجلان من المسلمين، قال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين- فلان وفلان- فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» . والمراد: إذا مضت واحدة وعشرون: فالتي تليها التاسعة، وإذا مضى الثلاث والعشرون فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون، فالتي تليها الخامسة.

стр. 2906

تفسير سورة البينة أو سورة البرية، أو (لم يكن) أسباب إنزال القرآن سورة البينة فيها القرار الحاسم والقول الفصل في أمور أربعة: وهي علة إنزال القرآن وهو التكليف، وبيان أن ما جاء به النبي هو الحق الثابت، والفصل في شأن الكفار، من المشركين وأهل الكتاب، وجزاء أهل الإيمان بالنبي ﷺ ، وجزاء الباقين على الكفر وماتوا على ذلك. وليس هناك عذر لمن كفر بعد بيان القرآن وإقامة الحجة القاطعة فيه بالأدلة الكونية والتنزيلية، وهذا ما تضمنته هذه السورة المكية في قول جمهور المفسرين: [سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [البينة: ٩٨/ ١- ٨] .

стр. 2907

هذه صيحة الحق تقض مضاجع السادرين وهم المتحيرون الذين لا يبالون ولا يهتمون بما يصنعون، لتوقظ فيهم مشاعر الإحساس، وتنبه فيهم مفاتح الإدراك، فليس بعد نزول القرآن عذر لمن بقي على شرك أو كفر، ولا سبب لتقصير أو إهمال. وقد احترم القرآن ما كانوا عليه في الماضي، إذ لا بيان ولا حجة ظاهرة. لذا افتتحت سورة البينة بهذا الإنذار. لم يكن الذين جحدوا رسالة القرآن والنبي العربي الهاشمي، من اليهود والنصارى، وعبدة الأصنام والأوثان من مشركي العرب وغيرهم، منفكين عن الكفر والضلال، مفارقين كفرهم الموروث، منتهين عما هم عليه من الاعتقاد، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي القرآن الكريم، ورسالة الرسول ﷺ . ففي القرآن والرسالة النبوية: بيان الجهالة والضلالة، والدعوة إلى الإيمان. والمراد من تلك البينة أو الحجة: هو رسول الله ﷺ الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، يقرأ عليهم ما تتضمنه صحف القرآن، المطهرة من الخلط والكذب، والشبهات والضلال، والتحريف واللّبس. والتي فيها الحق الصريح، وفيها، أي سورة البينة أحكام كتب قيمة، أي قائمة معتدلة، آخذة للناس بالعدل، أي فيها الآيات والأحكام المكتوبة المستقيمة المستوية المحكمة، والصلاح والرشاد، والحكمة والهدى. والمراد من الآية: ما كان هؤلاء القوم ليتركوا سدى. والبينة: القصة البينة والجليلة. وفِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) فيه حذف مضاف، تقديره: فيها أحكام كتب قيمة، تقوم بالحق والعدل. ثم ذم الله تعالى المخالفين بقوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.. أي لا داعي للأسف، فإن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لم يتفرقوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من

стр. 2908

العرب حسدوه. أي إن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر عليهم، بل بعد وضوح الحق والصواب، ومجيء الدليل المرشد إلى الدين الصحيح، وهو محمد ﷺ الذي جاء بالقرآن، موافقا لما عندهم من الكتاب بنعته وصفته، فلما بعثه الله، تفرقوا في الدين، فآمن به بعضهم، وكفر به آخرون، وكان عليهم الاتفاق على طريقة واحدة، كما كانوا يعتقدون، من اتباع دين الله، ومتابعة رسول الله. ثم وبخهم الله على انحرافهم عن جوهر الدين: وهو إخلاص العبادة لله، فقال: وَما أُمِرُوا أي انهم تفرقوا واختلفوا، مع أنهم لم يؤمروا في جميع كتب الله إلا بعبادة الله وحده، عبادة خالصة، لا يشركون به شيئا، يخلصون العبادة لله تعالى، مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام، ويؤدون الصلاة على الوجه الأتم الذي أراده الله، ويؤتون الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس كل عام، وذلك هو دين الملة القويمة. ثم وجه الله تعالى الوعيد للكفار، وأصدر الوعد للمؤمنين. إن جزاء الذين كفروا بالله، وخالفوا كتب الله من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين الوثنيين هو نار جهنم المستعرة، يصيرون إليها، ماكثين فيها على الدوام، وهم شر الخليقة مصيرا، لتركهم الحق حسدا وبغيا. ولم يقل: (أبدا) لأن رحمة الله أزيد من غضبه، وقال: هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لإفادة النفي والإثبات، أي هم دون غيرهم. وإن الذين آمنوا بقلوبهم بربهم، وصدقوا بكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات، هم خير الخليقة، حالا ومآلا. وجزاؤهم يوم القيامة عند خالقهم على ما قدموا من حسن الاعتقاد وصلاح العمل: جنات إقامة دائمة (بساتين) تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، ﵃ لإطاعتهم أوامره وقبولهم شرائعه، ورضوا عنه، بما تفضل الله عليهم من حسن الثواب والجنان، وتحقيق المطالب والآمال والأحلام.

стр. 2909

وذلك الجزاء الحسن مخصص لكل من خاف الله واتقاه، ورهب عقابه، وأدى فرائضه. وهذا دليل على أن شرط أداء العبادة كالصوم والصلاة: هو خشية الله والخشوع له. وقوله تعالى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ فيه حذف مضاف تقديره: سكنى جنات أو دخول جنات.

стр. 2910

تفسير سورة الزلزلة علامات القيامة ونوع الجزاء سور القرآن الكريم وآياته إنذار بعد إنذار، للتذكير والتحذير، فهذه سورة الزلزال المكية في قول ابن عباس وغيره، والمدنية في قول مقاتل وقتادة، لأن آخرها نزل بسبب رجلين كانا بالمدينة، والظاهر أنها مدنية، وهي تبين علامة يوم القيامة، فقد كان الكفار المشركون يسألون كثيرا عن الساعة ويوم الحساب، فيقولون: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ [القيامة: ٧٥/ ٦] ونحو ذلك من الآيات، فأبان الله لهم في هذه السورة علامات القيامة فقط، ليعلموا أن علم ذلك عند الله، وليس لأحد معرفة ذلك اليوم، ولا تعيينه للجزاء والحساب. وآي السورة هي: [سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) «١» «٢» «٣» «٤» [الزلزلة: ٩٩/ ١- ٨] . - إذا حركت الأرض بعنف من أسفلها حركة شديدة، واضطربت اضطرابا هائلا، حتى يتكسر كل شيء عليها.
следующие страницы →