وآيات البخل والرياء نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كانوا يبخلون بما عندهم من العلم، وينصحون الأنصار ألا ينفقوا أموالهم، خوفا من الوقوع في الفقر.
أرشد الله تعالى الناس جميعا في المجتمع إلى بعض خصال الخير والإحسان، وأولها: عبادة الله وحده دون إشراك أحد معه، والعبادة: هي الخضوع التام لله، مع إشعار القلب بتعظيم الله وإجلاله في السر والعلن، والخشية منه وحده، وتكون عبادة الله بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، سواء في الشؤون القلبية كالحسد والحقد، أو في ممارسة الأعضاء بعض الأفعال، والأمر أولا بعبادة الله لأنها مصدر الإلهام بكل خير وترك كل شر، والإقدام على الفضائل.
والواجب الثاني: الإحسان إلى الوالدين وبرهما أي طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، وتحقيق مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما لأنهما سبب وجود الولد، وتربيته برحمة وإخلاص، وحب دائم، وتضحية من الأهل.
والواجب الثالث: الإحسان إلى القرابة وهو صلة الأرحام كالأخ والأخت والعلم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم المادية والمعنوية.
والواجب الرابع: الإحسان إلى اليتامى، ومنهم الذين فقدوا آباءهم واستشهدوا في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله أو الدفاع عن الأوطان، لأن هؤلاء الأيتام والمستضعفين، ومثلهم المعاقون فقدوا الناصر والمعين وهو الأب، والمعاق: فقد القدرة الجسدية على ممارسة حياة كريمة صحيحة.
والواجب الخامس: الإحسان إلى المساكين والفقراء: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما يكفيهم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم، أو بردّهم ردا جميلا، لقوله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ٩٣/ ١٠] وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام.
стр. 317
والواجب السادس- الإحسان إلى الجيران، وهم كما ذكرت الآية ثلاثة أنواع:
الجار القريب في المكان أو النسب أو الدين، والجار البعيد غير القريب المجاور في السكن، والصاحب بالجنب: وهو الرفيق في السفر، والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة ويكون الإحسان للجيران بكف الأذى، وحسن العشرة، وتبادل الهدايا والزيارة، والوليمة والعيادة حال المرض ونحو ذلك.
والواجب السابع: الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف بإكرامه ومساعدته للوصول إلى بلده. ومثله الإحسان للأرقاء في الماضي والخدم والأعوان في الحاضر.
ثم حذرت الآيات القرآنية من أمرين قبيحين هما البخل والرياء في الإنفاق من المال، أما البخل فهو داء وخصلة رذيلة،
قال النبي ﷺ : «إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» .
وقد توعد الله البخلاء بالعقاب في قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
وأما الرياء فهو أمر ذميم محبط ومبطل للأجر والثواب، لأن المرائي لا يقصد بعمله وجه الله، وإنما يقصد بإعطائه المال السمعة والشهرة والتظاهر، لا شكرا لله على نعمة، ولا اعترافا لعباد الله بحق، والرياء كالبخل يعاقب الله عليه، وهو شرك خفي يقصد به التقرب لغير الله، أما المؤمن حقا بالله واليوم الآخر فهو سخي غير بخيل، ينفق ماله بنية حسنة، وبقصد التقرب إلى الله وحده، والله عليم بالنيات.
стр. 318
الترغيب في الامتثال والتحذير من العصيان
التربية الدينية القرآنية قائمة على الترغيب من الله تعالى بامتثال أوامره والتحذير من المخالفة والمعاصي والتورط في المنهيات، وذلك كله من أجل خير الإنسان والأخذ بيده نحو الأهداف المثلى والمصالح والمنافع الأبدية له في الدنيا والآخرة.
لذا بشر الله عباده بأنه لا يظلم مثقال ذرة، ويضاعف الحسنات ويمنح الثواب العظيم على العمل القليل، ويوبخ الله تعالى المقصرين المعرضين عن الطاعة والإيمان، ويذكر أن مواقفهم مدعاة للعجب يوم القيامة، وعندها يندمون ويودون أنهم لم يبعثوا أحياء، وأن يبقوا في قبورهم أمواتا. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٤٠- ٤٢] .
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم في الحساب أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال ذرة، ولا حبة خردل، بل يوفيها له، ويضاعفها له، إن كانت حسنة، كما قال سبحانه:
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء: ٢١/ ٤٧] . ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله، ولو مثقال (وزن) ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، بل إنه سبحانه أيضا يعطي عباده أجرا عظيما من غير مقابل له من الأعمال، فهو سبحانه واسع الفضل والجود، كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة والرضوان الإلهي. والآية تعم المؤمنين وغير المؤمنين، فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر فما زاد، وأما غير
стр. 319
المؤمنين فيما يفعلون من خير فتقع المكافأة عليه بنعم الدنيا، ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم.
ثم يذكر الله الخالق موقفا لغير المؤمنين يستدعي العجب، وهو تمنيهم الدفن في التراب، وذلك حينما يكون الناس في موقف الحساب، ويستحضر الله الشهود على الأمم وهم الأنبياء بما يكون منهم من تصديق وتكذيب، ويجاء بالنبي محمد ﷺ شاهدا على هؤلاء المكذبين، من قريش وغيرهم.
روي أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فاضت عيناه وذرفت الدموع
لأن شهادة أمة محمد ﷺ على الأمم تعد من حالات الإعزاز والتكريم، ولأن شهادة النبي على أمته والأمم السابقة شهادة قاطعة لا تقبل النقض والرفض.
في هذا الموقف الاتهامي والوضع الرهيب لأهل المحشر يود الذين كفروا وعصوا الرسول ويتمنون لو يدفنون في التراب، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وهم لا يستطيعون كتمان حديث أو كلام عن الله لأن جوارحهم (أعضاءهم) تشهد عليهم، بعد أن يختم الله على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر يتمنون الدفن تحت التراب، وشهادة الأعضاء بإنطاقها من الله سبحانه، كما قال ﷻ في كتابه المجيد: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ «١» إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ «٢» (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ «٣» أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [فصلت: ٤١/ ١٩- ٢٣] .
стр. 320
هذه إنذارات شديدة الوقع على النفوس تقابل تلك البشائر التي زفّها الله تعالى للمؤمنين الطائعين.
تحريم الصلاة حال السكر ورخصة التيمم
الصلاة المفروضة في الإسلام هي معراج النفس المؤمنة إلى الله تعالى، وهي محراب التقوى وصفاء النفس وراحة القلب وقرة العين، لذا كان المطلوب فيها استحضار الخشوع والطمأنينة وسكون الأعضاء، وتوافر العقل والإدراك ووعي الأقوال والأفعال المتكررة في الصلاة، وطهارة البدن فلا تصح صلاة السكران والجنب والمحدث وهي باطلة. ولقد يسر القرآن الكريم أداء الصلاة ما دام العقل والوعي متوافرا، وراعى حال الضعف والمرض وفقد الماء من أجل السفر، فأجاز التشريع ما يسمى بالتيمم وهو ضربتان على التراب أو الغبار المتناثر على جدار أو متاع، ومسح الوجه والأيدي إلى المرافق بهما. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٤٣] .
وسبب نزول لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ما
قال علي ﵁: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا، فدعانا وسقانا من الخمر حين كانت الخمر مباحة لم تكن حرّمت بعد، فأكلنا وشربنا، وأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني للصلاة، فقرأت: (قل: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون،
стр. 321
ونحن نعبد ما تعبدون) فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.
وذكر ابن جرير الطبري أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن بن عوف، وأن الصلاة صلاة المغرب، وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر.
وهذا دليل واضح على أن السكر يغطي العقل، ويؤدي إلى الهذيان وتخليط الكلام، والإخلال بالعقيدة والعبادة، فتكون الصلاة باطلة حال السكر، كما أن الصلاة باطلة حال الجنابة، بل يحرم على الجنب دخول المساجد، إلا عبورا من غير مكث ولا توقف أو استقرار في جميع أجزاء المسجد. وقد منع النبي ﷺ توجيه البيوت نحو المسجد،
وقال في حديث صحيح رواه أبو داود عن عائشة: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» .
وذكرت الآية: لا تقربوا الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل، أي مجتازي الطريق.
وسبب نزول آية: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً هو ما
قال علي ﵁: نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: وَلا جُنُباً في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي، وكان نزول آية التيمم في غزوة المريسيع، فكان صدر الآية في حادثة الخمر، وعجزها في حادثة السفر.
وتشريع التيمم رخصة ميسّرة للناس لأن الصلاة تتكرر خمس مرات في اليوم، ولا يجوز تركها بحال، إلا أن الطهارة بالوضوء بالماء قد تتعذر على المسلم المصلي لمرض أو عذر، فرخص الشرع الحكيم الرحيم بالناس في التيمم بالتراب بنحو رمزي، حتى لا تترك الصلاة من أي إنسان، وليس الهدف نقل التراب إلى الوجه واليدين، وإنما أن يقصد الإنسان أرضا طاهرة لا نجاسة فيه، فيها غبار، أو حتى على حجر صلب، أو متاع كمخدة يتناثر منها الغبار، وكيفية التيمم: نية فرض التيمم وضربتان على تراب ونحوه مما ذكر، الضربة الأولى للوجه، والثانية لليدين.
стр. 322
يتيمم مريد الصلاة إذا كان مريضا مرضا يتعذر معه استعمال الماء، أو يضر الجرح أو يؤدي إلى بطء الشفاء، أو كان مسافرا في صحراء أو غيرها على الطرقات العامة، وتعذر استعمال الماء لفقده أو لمشقة السفر، سواء أكان المريض أم المسافر محدثا حدثا أصغر، أم حدثا أكبر، فيكون التيمم جائزا بدلا عن الوضوء أو الغسل لأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وفقد الماء.
وهذا مظهر من مظاهر التسامح والتيسير في أداء الصلاة، ودليل على أن الإسلام يدفع الحرج والمشقة عن الناس، لذا ختم الله تعالى الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعفو حيث سهّل الصلاة للمعذور من دون وضوء ولا غسل، والله يقبل العفو أي السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته، فلا يعاقب المصلحين التائبين، ومن كان عفوا غفورا آثر التسهيل، ولم يشدد لأن الله رؤف رحيم بعباده.
تحريف الكتب الإلهية وإهمال الهداية
من المعلوم أن الأديان السماوية كلها متفقة في أصولها العامة ومبادئها الأساسية، كتوحيد الله ونفي الشرك، والدعوة إلى كريم الأخلاق، وسمو الفضائل، وإصلاح المجتمع الإنساني، وإسعاد الفرد والجماعة، والقرآن الكريم مصدق لموسى وعيسى ﵉ فيما أنزل الله عليهما من الوحي الإلهي في التوراة والإنجيل، وإذا كان الإنسان المتزن متسامحا في نظرته، مبتعدا عن التعصب والانغلاق، فعليه أن يؤمن ويصدق بجميع ما جاء من عند الله، وكيف لا يؤمن أهل الكتاب وغيرهم بالقرآن الكريم، مع أنه جاء مصدقا لما معهم، وموافقا لملة إبراهيم الخليل ﵇ ملة التوحيد، فمن أخلص للحقيقة، فعليه أن يقتنع بها، ويلتزم بمضمونها،
стр. 323
ويدافع عنها، ويستجيب لنداء الله في الوحي الإلهي الثابت، وهو القرآن الكريم الذي لم يبق غيره معبرا عن إرادة الله وتشريعاته وأحكامه.
أما المعادي للقيم الدينية الإنسانية، فيتهرب من مواجهة الحقيقة إما بالتحريف والتأويل، وإما بالإنكار والجحود، وإما بالاستهزاء والطعن، وصرف الكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر، لذا وبّخ الله سبحانه في القرآن المجيد أولئك الذين يبدلون كلام الله، بدافع التطور والمعاصرة، أو بدافع نفعي مادي وحفاظا على المصالح الذاتية والمراكز والمناصب باسم الدين، وبباعث التعصب. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [النساء: ٤/ ٤٤- ٤٧] .
نزلت هذه الآيات في يهود المدينة،
قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ.. الآيات.
والمعنى: ألم تنظر إلى الذين أوتوا جزءا من الكتاب، يستبدلون الضلالة بالهدى،
стр. 324
ويأخذون الكفر بدل الإيمان، ويريدون منكم أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، فامتثلوا أمره، واحذروا الأعداء، وكفى بالله ناصرا يتولى أموركم، ويصلح حالكم، وكفى به نصيرا ينصركم إن نصرتموه، كما قال الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم: ٣٠/ ٤٧] .
وبعض الكتابيين يبدلون كتبهم، ويؤولونها تأويلا غير صحيح، وهم يقولون:
سمعنا وعصينا، بدل قولهم: سمعنا وأطعنا، وكانوا يقولون حسدا وحقدا للنبي ﷺ :
اسمع لا سمعت، أي لا أسمعك الله ولا أجاب قولك، وقالوا للنبي أيضا: راعنا من الرعونة والحمق، وهي كلمة سب، تحريفا بألسنتهم وطعنا في الدين وفتلا بالألسنة عن الحق والصواب والأدب. وهذا منتهى الجرأة في الباطل والعدوان على الحق، ولو قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل: سمعنا وعصينا، لكان خيرا لهم وأهدى سبيلا، ولكنهم لم يقولوا ذلك، فخذلهم الله ولعنهم وطردهم من رحمته، فهم لا يوفّقون أبدا للخير، ولا يؤمنون إيمانا صحيحا إلا إيمانا قليلا لا إخلاص فيه، ثم دعاهم الله للإيمان بالقرآن قبل تدميرهم وتشويههم، ولعنهم كلعنة أصحاب السبت المتحايلين على صيد السمك الممنوع عليهم بأخذ الأسماك من الأحواض التي بنوها، وذلك في يوم الأحد، وكان أمر الله التكويني بإيقاع شيء ما نافذ المفعول لا محالة، متى أراده أوجده، فليحذر الناس وعيد الله وعقابه.
ما يغفره الله تعالى
إن الإنسان بحكم ضعفه وميله للشهوات دون وعي وتقدير للعواقب، تراه يقع في أخطاء ومعاص أو ذنوب تغضب الله تعالى، لأن الخطأ أو العصيان ليس في الواقع في صالح الإنسان نفسه، وإنما هو ضرر في ذاته ولمصالحه، يجرّ عليه أسوأ النتائج
стр. 325
وأخطر الأمور، في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ضرر في الصحة والسمعة والاعتبار الأدبي، وفي الآخرة ضرر دائم محقّق بالعذاب في نيران جهنم.
ومن أجل خير الإنسان ونفعه والحفاظ على مصلحته وكرامته حرّم الشرع المعاصي والمنكرات، وأوعد مرتكبيها بالجزاء الشديد والعقاب الأليم، غير أن الله الرحيم بعباده فتح لهم باب الأمل وأزال من النفوس رواسب اليأس والإحباط، ورغب في العودة إلى الجادة المستقيمة، والالتزام بمرضاة الله تعالى، فوعد سبحانه التائبين المحسنين أعمالهم بالمغفرة، أي ستر الذنب وإسقاطه وجعل للمغفور له أن يدخله الجنة بلا عذاب ولا عقاب، لكن من شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه، ثم يدخله الجنة.
قال الله تعالى مبينا دستوره في الوعد والوعيد:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٨]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)
[النساء: ٤/ ٤٨] .
هذه الآية مسوقة للرد على أولئك الذي يحلمون بمغفرة الله من دون الإيمان، قائلين: (سيغفر لنا) بالرغم مما يفعلون ويرتكبون.
وسبب نزولها كما
جاء عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) [الزمر: ٣٩/ ٥٣] .
أي إن كل الذنوب والمعاصي قابلة للغفران ما عدا جريمة الشرك، أي نسبة الولد والشريك والصاحبة لله ، فالشرك أعظم الجرائم عند الله تعالى لأنه يمنع
стр. 326
نور الإيمان من الوصول إلى القلب، وهو منتهى ما تهبط إليه عقول البشر، ومنه تتولد سائر الرذائل التي تهدم كيان الأفراد والجماعات، ولا غرابة في ذلك فالمشرك يظن أن في الصنم أو البشر مثله تأثيرا في الكون والحياة. أما التوحيد والإيمان الخالص لله من كل شوائب الشرك، فيسمو بالنفس إلى عبادة الرب، والاعتماد عليه وحده، والتوكل عليه والإخلاص له، وفي هذا نور القلب، وصفاء الروح، ونور البصيرة، والعزة الكاملة، لذا كانت المعاصي كلها بعد الإيمان قابلة للمغفرة وقبول التوبة، لأن نور الإيمان يسترها، غير أن المغفرة مرتبطة بمشيئة الله، وهي للعباد التائبين الذين يعملون الصالحات التي أمر الله بها، وانتهوا عما نهى الله عنه، لقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١/ ١١٤] .
والناس أمام السيئات أربعة أصناف:
١- كافر مات على كفره، فهذا مخلد في النار بالإجماع.
٢- ومؤمن محسن لم يذنب قط، ومات على ذلك، فهذا في الجنة بالإجماع.
٣- وتائب مات على توبته: وهذا لا حق بالمؤمن المحسن، ولكن بمشيئة الله.
٤- ومذنب مات قبل توبته، ومرد هذا ومصيره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء سامحه، للآية السابقة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. أي إن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، فمن شاء الله المغفرة له غفر له، ومن شاء أن يعذبه عذبه، وكل ذلك بحكمة إلهية عالية، نترك الأمر في معرفتها لله رب العالمين.
стр. 327
بعض الممارسات السيئة
الأخلاق الشخصية والاجتماعية عنوان التدين الصحيح، ورمز تقدم الأمم والجماعات، وإذا ساءت الأخلاق لا سيما في الأمور التي تمس قدسية الدين، كان التدين خطأ، والاستنكار والشناعة أظهر ما يلاحظ من الآخرين، ومن هذه الأخلاق المنكرة: تزكية الإنسان نفسه والافتراء على الله كذبا، والإيمان بالأصنام والطواغيت: وهي كل ما عبد من دون الله والشياطين، والبخل والشح، والحسد للآخرين، وتفضيل الكفار الجاهلين على المؤمنين المخلصين، وادعاء أن أولئك الكفار أهدى سبيلا وأقوم طريقا ومنهجا من الذين آمنوا.
قال الله تعالى موبخا كل من يتصف بهذه الأخلاق المرذولة والممارسات المغلوطة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٩ الى ٥٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٤٩- ٥٥] .
قال ابن عباس مبينا سبب نزول هذه الآيات: كان اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ.
стр. 328
وقال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين في مكة يؤلبهم على النبي ﷺ ويأمرهم أن يغزوه قائلا: إنا معكم نقاتله، فقالوا: إنكم أهل كتاب مثله، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردت أن تخرج معنا، فاسجد لهذين الصنمين، فسجد، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد ﷺ فنحن ننحر الكوماء (الناقة الضخمة) ونسقي الحاج، ونقري الضيف، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده، فقال كعب:
بل أنتم خير وأهدى سبيلا، فنزلت الآيات.
والمعنى: ألم تعلم وتنظر إلى حال الذين يمدحون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار، ولا تمسنا النار إلا أياما معدودات، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وآباؤنا يشفعون لنا، لكرامتهم على الله، فرد الله دعواهم بأنه لا قيمة لتزكية أنفسهم، فإن التزكية تكون بالعمل الصالح، لا بالادّعاء، والله هو الذي يزكي من يشاء من عباده، بتوفيقه للعمل الصالح، وهدايته للإيمان والآداب الفاضلة.
إنهم بهذه الادعاءات يفترون على الله الكذب، وكفى بالكذب إثما واضحا ومعصية كبيرة، إنهم يعبدون غير الله من الشياطين والأصنام، ويصفون الكفار بأنهم أرشد من المؤمنين. وهم الذين لعنهم الله وطردهم من رحمته، والمطرود من رحمة الله لا نصير ولا معين له، بل ليس لهم نصيب من الملك والسلطان، ولو كان لهم نصيب من الملك، فلا يأتون الناس إلا أحقر شيء وأبسطه وأقله، لأنهم مطبوعون على الأنانية حب الذات وحب المادة، والغرور الكاذب، بأنه لن يعطى أحد مثلما يعطون، ولا يستحق أحد أي شيء.
بل إنهم يحسدون الناس كمحمد النبي ﷺ على ما آتاه الله من فضله كالنبوة والقرآن والحكمة، وهذا لا غرابة فيه ولا حق لهم بالحسد فيه، فقد آتى الله آل
стр. 329
إبراهيم الكتاب والحكمة والنبوة، وآتاهم الله ملكا عظيما، ومن أسلافهم من آمن بما أعطي إبراهيم، ومنهم من كفر به وصدّ الناس عن رسالته، وكفى بجهنم التي تتوقد نيرانها، وتستعر وتلتهب بهم، وهذا وعيد شديد لكل من لا يؤمن بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن المجيد كتابا إلهيا، وبمشتملات القرآن من العقائد الصحيحة والآداب الفاضلة.
عقاب الكفار وثواب المؤمنين
لقد كان القرآن الكريم واضحا كل الوضوح في بيان المصير المرتقب لأهل الكفر والإيمان في عالم الآخرة، وهذا الإيضاح والتصريح القرآني دليل على أن الله تعالى يحب عباده، ويحب الخير لهم، حين رغّبهم في العمل الصالح الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة، وحذّرهم ونفّرهم من كل عقيدة باطلة أو عمل فاسد يؤديان إلى الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة، وقد تكررت الآيات القرآنية المصرحة بأن جزاء الكفر والكفار هو نار جهنم، وأن جزاء الإيمان والمؤمنين الظفر بجنان الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، ورضوان لهم من الله أكبر.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٥٦- ٥٧] .
هذه الآيات تشتمل على وعد ووعيد، بلفظ جلي لكل الناس، المؤمنين منهم
стр. 330
والكفار، في كل زمان ومكان. أما الوعيد فهو للكفار، فالذين كفروا بآيات الله المنزلة على أنبيائه، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية وأكملها وأبينها، سوف يحرقون بنار جهنم، وهذا العذاب أو العقاب والنكال دائم لا ينقطع ولا يفتر، وكلما نضجت جلودهم بالحرق، أي احترقت وتلاشت، ولم تعد صالحة للإحساس بالألم، بدلهم الله بجلود أخرى حية تشعر بالألم، وتحس بالعذاب،
جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرات» .
ثم أكد الله تعالى علة العقاب، وبيّن مدى القدرة التامة عليه، فذكر سبحانه أنه عزيز، أي قادر قوي قاهر لا يغلب، ولا يمتنع عليه شيء، مما يريده بالمجرمين، حكيم لا يعذب إلا بحق وعدل، ولا يعاقب إلا على وفق الحكمة السديدة، ومن مقتضيات العدل: أن الكفر والمعاصي سبب للعذاب والعقاب، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة، فلكل عمل ما يناسبه، لذا قرن الله في هذه الآيات وغيرها بين ثواب المؤمن وجزاء الكافر، لإظهار الفرق بينهما، والجمع بين الترغيب والترهيب كالشأن العام في الآيات القرآنية. وهذه سنة حميدة، للمقارنة أو الموازنة، وفي هاتين الآيتين، لما ذكر الله وعيد الكفار، عقّب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة. فالذين آمنوا بالله ورسله وقرآنه، وعملوا صالح الأعمال التي أمر الله بها، سيدخلهم ربهم سريعا جنات تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار العذبة، يتمتعون فيها بالنعيم الدائم، وهم خالدون فيها أبدا لا يحوّلون ولا يزولون، ولا يرغبون بديلا عنها، فلا ملل ولا سأم ولا ضجر، جزاء مطابقا لعملهم الصالح، إذ لا يكفي الإيمان وحده بغير العمل الصالح.
ولهؤلاء المؤمنين الصادقين في إيمانهم زوجات بريئات من العيوب الجسدية، والخلقية أو الطباع الردية، فليس فيهن ما يعكر المزاج، أو يكدر الصفو، وهم يعيشون على الدوام في مكان ممتع ظليل، لا حرّ فيه ولا برد، وتلك نعمة كاملة،
стр. 331
ورفاهية تامة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. وقد أخبر النبي ﷺ عن صفة ظل الجنة وامتداده،
فقال فيما أخرجه ابن جرير الطبري عن أبي هريرة: «إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها»
قال ابن كثير في معنى الظل الظليل: أي ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا.
وهذا الجزاء الطيب لأهل الإيمان من فضل الله ورحمته وإحسانه وجوده، إذ لا يدخل أحد الجنة بمجرد عمله، لأن عمله قليل بجانب فضل الله ونعمه، وإنما يدخل برحمة الله وإكرامه.
المنهاج العام للمسلمين
نظم الإسلام الحقوق الخاصة والحقوق العامة والدستورية، وقيد الأمة بقيود من أجل ضبط النظام وصون الحريات، وحفظ الأموال، وإعلاء كرامة الإنسان، ومن أهم هذه القيود النظامية: أداء الأمانات والحقوق المالية إلى أصحابها، وإصدار الحكم بالعدل والحق، وإطاعة الله والرسول فيما شرع وأمر، وإطاعة ولاة الأمور من العلماء والحكام في قضايا الدين وسياسة الدنيا.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٥٨- ٥٩] .
نزلت الآية الأولى في أداء الأمانات في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، الذي كان
стр. 332
سادن الكعبة، فحينما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب الكعبة، وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعك، فأخذه علي بن أبي طالب بالقوة، وفتح الباب، ودخل رسول الله، وصلى ركعتين في الكعبة، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، أي خدمة الكعبة، فنزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.. فأمر النبي عليا أن يرد مفتاح الكعبة إلى عثمان، ويعتذر إليه.
ورد الأمانات لا يقتصر على هذه الحالة، لأن الأمر بذلك عام لكل مسلم في كل أمانة في ذمته، سواء أكانت عامة للأمة، أم خاصة لشخص معين، والأمانة ورعايتها مطلوبة في كل شيء، في النفس، ومال الآخرين، ورد الودائع، وترك الغش في المعاملات، والجهاد والنصيحة، وعدم إفشاء أسرار الناس وعيوبهم، والأمانة في الدين بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه. والأمانة في النفس: بألا يفعل الإنسان إلا ما ينفعه في الدين والدنيا والآخرة، وألا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقى أسباب المرض، ويعمل بالقواعد الصحية، ولا يعرض نفسه للهلاك، لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ٢/ ١٩٥]
وقوله ﷺ فيما رواه البخاري: «إن لنفسك عليك حقا» .
وكما أن أداء الأمانات واجب، العدل في القضاء والحكم بين الناس واجب أيضا، حتى يتحقق التناصف، ويأخذ الضعيف أو المظلوم حقه، ولا يبغي القوي على الضعيف، ويسود الأمن والاستقرار والنظام، ونعم الشيء الذي يعظ الله به من أداء الأمانات والحكم بالعدل، والله سميع لكل شيء، بصير بالمرئيات، ويحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم، والتعقيب على أداء الأمانات والعدل بالسمع والبصر أمر حسن، يدفع الإنسان المأمور لفعل ما أمر به.
стр. 333
ونزلت آية الأمر بإطاعة الله والرسول في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر اللذين تسابا وتشاتما أمام الرسول، فقال الرسول ﷺ : «يا خالد، لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبّه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله»
فغضب عمار وذهب، فتبعه خالد واعتذر إليه، وتراضيا، فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
فطاعة الله والرسول واجبة، بتنفيذ أحكام الله، واتباع سنة رسول الله، وكذلك تجب طاعة ولاة الأمر من أهل الحل والعقد في الأمة، أي السلطة التنفيذية في الأمة، وأولي الاجتهاد في التشريع من العلماء والحكام والولاة العدول، فإن حدث تنازع واختلاف في وجهات النظر، فالواجب رد الأمر إلى نظيره ومثيله في القرآن والسنة، ولا يفهم ذلك إلا العلماء الأعلام المخلصون لله ورسوله، وعليكم أيها المختلفون العمل بهذه الوصايا وامتثال أوامر الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فذلك خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن تأويلا، أي مآلا وعاقبة.
أبرز مواقف المنافقين من القرآن الكريم
ابتليت هذه الأمة بفئة جبانة ضعيفة، تدس في الخفاء، وتطعن في الخلف، وهم المعروفون بالمنافقين، الذين أظهروا الإسلام خداعا، وأبطنوا الكفر والعداوة والتحيز لفئة المشركين وصف غير المؤمنين من الكتابيين. وكان أبرز موقف للمنافقين تجاه القرآن الكريم: هو تجاوز القرآن والتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، وذلك مع الإصرار والعناد والمجاهرة بالفسق والضلال.
قال الله تعالى واصفا أحوال هؤلاء المنافقين:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
стр. 334
«١» [النساء: ٤/ ٦٠- ٦٣] .
نزلت في رجل من المنافقين اسمه: بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد ليفصل بيننا في هذه القضية، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله تعالى الطَّاغُوتِ فأبى اليهودي إلا الاحتكام إلى محمد بن عبد الله ﷺ ، فقضى رسول الله لليهودي، فلم يرض المنافق بهذا الحكم، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فجاء إليه، فلما علم بأن المنافق لم يرض بحكم رسول الله، أحضر سيفه، وضرب به المنافق حتى مات، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية، وقال جبريل ﵇: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق.
لقد كشف الله في هذه الآيات موقف المنافقين الذين لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل يريدون حكم غيره كالكاهن أبي برزة الأسلمي، أو الطاغية كعب بن الأشرف.
والمراد بالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد هم المنافقون، والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبله هم اليهود، وقد أمر الفريقان بالكفر بالطاغوت وهو الكاهن أبو برزة الأسلمي، أو كعب بن الأشرف، وهو الذي تراضى به
стр. 335
الخصمان في الاحتكام إليه، وسمي ابن الأشرف طاغوتا لإفراطه في الطغيان، وعداوة الرسول ﷺ والبعد عن الحق.
والآية تأنيب للصنفين المذكورين اللذين أمرا في القرآن الكريم والكتب السابقة أن يكفرا بالطاغوت ويجتنباه، لقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ١٦/ ٣٦] وقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة: ٢/ ٢٥٦] .
إن الإيمان بالله ورسله يتنافى مع الاحتكام لغير كلام الله، أو الإيمان بالطاغوت، وإيثار حكمه على حكم الشرع الشريف، ولكن الشيطان بوسوسته وشروره يريد أن يضل المنافقين وأمثالهم ضلالا بعيدا عن الحق والصواب.
وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول للاحتكام والقضاء، فهو الصراط المستقيم، رأيت المنافقين يصدّون عن محمد وعن دعوته صدودا مؤكدا، ويعرضون عن قبول حكمه إعراضا شديدا، بكل ما أوتوا من قوة وحجة، والدافع لهم إلى ذلك: هو اتباع شهواتهم ومآربهم الخاصة.
ثم أنذر القرآن هؤلاء المنافقين وحذرهم في حال تعرضهم لمصيبة من المصائب، وافتضاح أمرهم، وظهور حالهم، وانكشاف سترهم بما قدمته أيديهم، كيف يكون حالهم؟! هذا إنذار بالخطر الواقع بهم حتما، وحينئذ يأتون إلى النبي ﷺ يحلفون بالله وهم الكاذبون، قائلين: ما أردنا بأعمالنا هذه إلا إحسانا في المعاملة، وتوفيقا بين الخصوم بالصلح، ولكن حيلتهم مكشوفة، فهم الذين لعنهم الله، وعلم ما في قلوبهم من الكيد والحقد والحسد، وانتظار الشر بالمؤمنين، ويكون جزاؤهم الإعراض عنهم ومجافاتهم وترك الترحاب بهم، وتعنيفهم بالقول المؤثر البليغ في أنفسهم، لعلهم يتدبرون ويتفكرون في إصلاح شؤونهم، وتغيير مواقفهم.
стр. 336
وجوب طاعة الرسول ﷺ
أرسل الله الرسل والأنبياء لإسعاد البشرية، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وتصحيح العقيدة، والإرشاد إلى الفضائل الكريمة والأخلاق القويمة، ولتحقيق الاستقرار والأمن وإشاعة المحبة والمودة بين الناس، وانتزاع الأحقاد، والقضاء على المنازعات والخصومات، ولئلا يحتج أحد يوم القيامة بأنه لم يكن يعلم الحق من الباطل، والخير من الشر، والعبادة الصحيحة المرضية لله تعالى من العبادة الباطلة أو الفاسدة، قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) [النساء: ٤/ ١٦٥] .
وإرسال الرسل من أجل هذه الغايات والمصالح الكبرى يتطلب وجوب طاعتهم فيما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، علما بأنهم لا يأمرون إلا بخير، ولا يمنعون إلا من شر، وإذا حدث خصام أو نزاع في حال حياة رسول، وجب الاحتكام إليه، وتنفيذ حكمه لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل، وبعد وفاة أي رسول يجب الاحتكام إلى الشرع الذي تركه والكتاب الذي علّمه للناس. لذا قال الله تعالى مبينا وجوب طاعة النبي المصطفى ﷺ ووجوب الاحتكام إليه وإلى قرآنه وسنته من بعد وفاته:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٦٤- ٦٥] .
نزلت هذه الآيات فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت: كعب بن الأشرف، ونزلت أيضا في رجل خاصم الزبير بن العوام في السقي بماء الحرّة (ماء السيل)
فقال لهما
стр. 337
رسول الله ﷺ فيما ثبت في؟ الصحيحين: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب ذلك الرجل وقال: أن كان ابن عمتك؟! فغضب رسول الله ﷺ ، واستوعب للزبير حقه فقال: احبس يا زبير حت يبلغ الجدر «١» ، ثم أرسل الماء، فنزلت هذه الآية: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ..
وكان هذا الرجل في الصحيح رجلا من الأنصار من أهل بدر، وقيل: هو حاطب بن أبي بلتعة.
توجب الآية إطاعة الرسول في كل أمر ونهي، فالله يخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا وطاعته واجبة، بإذن الله وأمره، فالطاعة في الأصل لله، ثم لمن يأمر الله بطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله.
وفي آية تالية ذكر الله تعالى ثواب الطائعين لله والرسول، وحرض على الطاعة، فقال تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
[النساء: ٤/ ٦٩- ٧٠] فكل من يطع الله فيما أمر ونهى، وأطاع النبي فيما بشّر وأنذر، وبلّغ عن ربه، فأولئك يحشرون يوم القيامة مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسنت رفقة هؤلاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
روى الطبراني وغيره: قالت السيدة عائشة ﵂: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة، حسبت ألا أراك، فلم يرد عليه المصطفى ﷺ حتى نزلت جبريل بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..
وقال النبي له فيما رواه الطبراني والضياء: من أحب قوما حشر معهم.
стр. 338
ثم أرشد الله العصاة والمذنبين إذا أذنبوا بأن يبادروا في المجيء إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده، ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة، حتى يستغفر لهم الرسول، فإن فعلوا ذلك تاب الله عليهم، إنه قابل التوبة واسع الرحمة، ونفى الله الإيمان الكامل عن أناس حتى يحكّموا الله ورسوله في كل أمورهم، وقضاياهم ومنازعاتهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم أي ضيق أو تضجر من حكم الله في القرآن والسنة، ويعلنوا الاستسلام والانقياد التام لأمر الله ورسوله، وحصر الاحتكام إلى القرآن والسنة يؤدي إلى وحدة الأقضية والأحكام في الأمة، وإلى إشاعة العدل، والتزام الحق والخير في كل مشكلة.
حب الوطن وامتثال أوامر الدين
قد يتعرض الإنسان في كل زمان إلى أزمنة أو مشكلة داخلية، يضطر فيها إلى إجراء موازنة أو مقارنة أو مفاضلة بين أمرين خطيرين: هما حب الأوطان، وامتثال أوامر الدين الذي يدين به الإنسان ويعتقد بصحته، وهنا يحار ويضطرب، وقد فصل القرآن الكريم في هذه المسألة، وأخبر عن الحل الأمثل، ألا وهو طاعة الله والرسول، وإن كان أكثر الناس يؤثرون حب الوطن والبقاء في مواقعهم، على حساب أداء شعائر الدين، وتلك هي أ؟ سارة والتفريط بما هو الأهم والأقدس.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
[النساء: ٤/ ٦٦- ٦٨] .
سبب نزول هذه الآيات: أن اليهود قالوا: لما لم يرض منافق بحكم النبي ﷺ ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون
стр. 339
بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا، ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا، فقال ثابت ابن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة، لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت ابن قيس وغيره،
وقال النبي ﷺ : «ثابت بن قيس، وعمار، وابن مسعود من القليل» .
والواقع أنه لو فرض على أمتنا قتل النفس من أجل التوبة لفعلوه، قال رجل مؤمن وهو أبو بكر الصديق حين نزول هذه الآية: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن من أمتي رجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»
وقال عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس: لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا،
فقال النبي ﷺ فيما رواه السيوطي في الدر المنثور والزبيدي في اتحافه: «الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي» .
إن هذه الآيات تتطلب إطاعة الأوامر الإلهية إيمانا راسخا كالجبال الراسيات الثوابت، والطاعة: حمل النفس على فعل ما تكره، لا على ما تجب، وصحيح أن التزام الأوامر الإلهية وطاعة الرب إطاعة تامة لا يفعلها إلا فئة قليلة من الناس، ولكن لو فعل هؤلاء المأمور به، وتركوا ما ينهون عنه، لكان لهم خيرا في الدنيا والآخرة، ودليلا على الثبات على الحق، وسببا لاستحقاق الثواب العظيم في الآخرة لأن الجنة حفّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وفي قوله تعالى: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ إشارة صريحة إلى تعلق النفوس البشرية ببلادها، وإلى أن حب الوطن متمكن في النفوس ومتعلقة به، لأن الله سبحانه جعل الخروج من الديار والأوطان معادلا ومقارنا قتل النفس، فكلا الأمرين عزيز، ولا يفرط أغلب الناس بذرة من تراب الوطن مهما تعرضوا للمشاق والمتاعب والمضايقات.
стр. 340
لكن هناك شيئا أسمى وأخلد وأعظم من حب الأوطان وقتل الأنفس ألا وهو المحافظة على العقيدة والإيمان، وامتثال أوامر الرحمن، فإذا حدث تصادم أو تعارض بين ما يقتضي البقاء في الوطن، وبين التخلي عن أوامر الله، والعجز عن إقامة وتطبيق شعائر الله، كان تقديم ما يؤدي للحفاظ على الشعائر وأمور الدين أولى وأوجب، قال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) [النساء: ٤/ ٩٧- ٩٩] . وإذا كان الواجب هو الهجرة من الوطن إلا لعذر أمرا مقررا في شرع الله، فمن باب أولى يجب على المقيمين في بلاد أجنبية أن يعودوا إلى أوطانهم بمجرد الانتهاء من أعمالهم، أو تحقيق أهم مصالحهم وغاياتهم، وبخاصة إذا كانت هناك مضايقة في تطبيق أحد أحكام شرعهم ودينهم.
قواعد القتال في الإسلام
القرآن الكريم كتاب إلهي خالد شامل لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم الدينية والاجتماعية والعلاقات الدولية، فإذا آثر الآخرون السلم والصلح والمهادنة فنحن مع السلم والعهد، وإذا اضطر المسلمون إلى الدفاع عن وجودهم وكرامتهم وبلادهم وجب عليهم أن يكونوا قدوة عالية في الانضباط وحب النظام وطاعة القائد، والتضحية والتفاني في سبيل الله والقيم العليا، ليعيشوا أعزة كراما وأحرارا مستقلين.
وقد علمنا القرآن الكريم أهم قواعد الحرب والقتال مثل أخذ الحذر والاحتراس من الأعداء، والاستعداد الدائم لملاقاتهم، وتعليم الجيل فنون الحرب والتدرب على
стр. 341
حمل السلاح، وبناء الجبهة الداخلية بناء قويا، بحيث تتنظف من الجبناء والضعفاء والمنافقين الذين يمالئون العدو، ولا بد من التضحية بالنفس والنفيس والغالي والرخيص من أجل إحراز الغلبة والنصر، أو الظفر بالشهادة الخالدة الأثر في سبيل الله والوطن.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ٧١- ٧٦] .
حددت هذه الآيات قواعد القتال، وأوجبت أن تكون الحرب لغرض شريف، وأول هذه القواعد: التزام الحذر، ومراقبة تحركات العدو، والإعداد اللازم لملاقاته في أي وقت، فقد يباغتنا العدو في أي لحظة، ويستغل بعض الظروف والأزمات، وعندها يكون الاستعداد السابق مفوتا لأغراضه الدنيئة، وملحقا به الهزيمة المنكرة.
والمؤمن الصادق الإيمان لا يخشى الموت واقتحام المعارك لأن أجل الإنسان لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، لكن ينبغي مع الإقدام أخذ الحذر، لأن الحذر داخل في القدر.
стр. 342
والنهوض للقتال وسياسة المعارك قد يكون جماعة إثر جماعة، فصائل وفرقا وسرايا، و١ قد يكون انقضاضا جماعيا تتآزر وتتلاحم فيه كل القوى البشرية والآلية العسكرية.
وقد لا تخلو الجبهة الداخلية من بعض الجبناء والجواسيس ودعاة الهزيمة، فلا يشتركون في القتال، ويفرون من الزحف، ويمالئون الأعداء، ويشيعون الإشاعات الكاذبة المغرضة، ويثبّطون الهمم والعزائم، وهؤلاء ينبغي الحذر منهم كالأعداء تماما، وكشفهم، وتراهم إذا تعرض المجاهدون المخلصون لمصيبة في الحرب كالهزيمة أو القتل مثلا أو تهديم بعض المنشآت والديار، قالوا: أنعم الله علينا حيث لم نكن مع المجاهدين محاربين، وإذا ظفر المجاهدون بنصر وتوفيق في التغلب على العدو، تطلعوا إلى الغنائم، مع أنهم كانوا متجهمين في وجه غيرهم، قاطعين الصلة الطيبة من ود وتعاون مع غيرهم، وكان الواجب عليهم المشاركة في السراء والضراء.
إن أولئك المقاتلين الصامدين أو المرابطين المستعدين للقتال في خطوط الجبهة ينتظرون إحدى الحسنيين: إما النصر والغلبة على الأعداء، وإما الشهادة في سبيل الله، وفي كلا الحالين سوف يؤتيهم الله أجرا حسنا، وثوابا عظيما.
وللمجاهدين الشرف الأعظم إن دافعوا عن حرمات بلادهم، أو قاتلوا من أجل المضطهدين والمستضعفين الذين يتمنون الخروج من البلدة الظالم أهلها، ويستعينون بالله أن يكون لهم وليا ناصرا، يتولى أمورهم ويحمي وجودهم وينصرهم على أعدائهم.
والقتال المشروع في الإسلام ليس قتال الاستعباد والاستعمار والتعدي والظلم والتوسع في الملكية وبسط النفوذ والسيطرة على أسواق العالم، وإنما هو قتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الحق وإنصاف الشعوب والأمم، فالذين آمنوا يقاتلون في سبيل
стр. 343
الله، وأما الذين كفروا فيقاتلون في سبيل الطاغوت الذي هو الظلم والجبروت والاستكبار والطغيان والتعدي على حقوق الأمم والجماعات، وهو قتال لإرضاء الشيطان، وكيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا واهيا، وحزب الله هم الغالبون.
تفاوت الناس في تنفيذ الواجبات
يتفاوت الناس في القيام بالواجب بحسب استعداداتهم وطبائعهم، وبمقدار درجة تأثير الإيمان ومحبة الديار والأوطان في نفوسهم، كما أنهم يتفاوتون بسبب وجود ظاهرة الخوف وغريزة حب البقاء والحياة. ولكن المؤمن الواعي لمستقبله وبناء مجد أمته وتحقيق الدرجة العالية له عند ربه هو الذي يبادر إلى أداء الواجب، وصون الكرامة، والحفاظ على العزة ورفع منار البلاد. وقد أخبر القرآن الكريم عن أحوال المتقاعسين الخائفين، والمتخلفين عن واجب الجهاد ورد العدوان من المعتدين. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٧ الى ٧٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٧٧- ٧٩] .
نزلت في فئة من المؤمنين أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما
стр. 344
حوّله الله إلى المدينة، أي بعد الهجرة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ.. الآيات.
ومعنى الآيات: ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام:
التزموا السلم والسلام، وامنعوا أنفسكم عن حروب الجاهلية، وأتموا الصلاة كاملة الأركان، بخشوع واطمئنان، وأدوا الزكاة التي توجد التراحم بين الخلق، وتقوي الأمة والجماعة، ولكن حينما فرض عليهم القتال ضد المشركين بعد الهجرة، إذا فريق منهم، وهم المنافقون والضعفاء، يخافون لقاء المشركين كخوفهم من الله أو أشد خوفا، ويفرون من الحرب. ويقولون معترضين: ربنا لم فرضت علينا القتال؟
وهلا أخرت فرضية القتال إلى مدة أخرى، فإن في القتال سفك الدماء، وتيتيم الأولاد، وتأيم أو ترمل النساء.
أجابهم الله بقوله: قل لهم يا محمد: إن التمتع بالحياة الدنيا الذي حرصتم عليه قليل فان زائل، والآخرة نعيم باق دائم، فهي خير وأبقى لمن أطاع الله وامتثل أوامره، واتقاه بترك ما يغضبه، فأنتم محاسبون على أعمالكم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا تظلمون أي شيء ولو كان قليلا تافها. واعلموا أيها الناس جميعا أن الموت أمر محتم لا مفر منه، وهو مقيد بأجل معلوم لا يزيد ولا ينقص، وأينما تكونوا في المنزل أو في السوق أو في ساحة القتال أو في قصور عالية مشيدة، يدرككم الموت، فملك الموت لا تحجزه الحواجز، ولا يقبض الروح إلا بأجل معلوم، وكم من محارب نجا، وقاعد عن الحرب متخلف مات سريعا.
ومن أعجب العجب قول جماعة المنافقين للنبي ﷺ : إذا أصابتك حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد قالوا: هذه الحسنة من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا بجهد أحد، وإن أصابتك سيئة من هزيمة أو قحط وجدب، ونقص في
стр. 345
الثمار والزروع وموت الأولاد قالوا: هذا بسبب شؤمك يا محمد، وبسب اتباعنا لك، فرد الله عليهم بأن كلا من الحسنة والسيئة من عند الله، فالله هو الخالق والموجد لكل شيء، فما لعقول هؤلاء القوم لا يكادون يفهمون حديثا أو خطابا، والأمور مرتبطة بأسبابها، فما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن فضل الله ونعمته وتوفيقه لك للخير والنجاة، وما أصابك من سيئة فمن نفسك وتقصيرك وإهمالك، حيث لم تسلك سبيل العقل والحكمة.
وأما أنت يا محمد فمجرد رسول أرسلناك للناس، تبلغهم شرائع الله وأحكامه، وليس عليك إلا البلاغ، وإن كان إيجاد الشر والخير وخلقه من عند الله، وكفى بالله شاهدا على صدق رسالتك وأداء مهامك وواجباتك.
مرد طاعة الرسول وتدبر القرآن
الوحي الإلهي هو مصدر الشريعة الإسلامية جميعها، سواء كان الحكم أو التكليف الشرعي واردا من الله تعالى مباشرة بنص صريح، أم من الرسول ﷺ ، فحكم الله وحكم رسوله واحد، وطاعة الرسول طاعة لله تعالى، ووحدة المصدر أمر ضروري لوحدة العقيدة والتشريع والأحكام، وقد أرشد القرآن الكريم لهذا المبدأ العام، وأبان أن القرآن لمن تدبره وتأمل في جميع آياته يجده واحدا منسجما في جميع أحكامه لا ينقض حكم حكما، ولا يتناقض حكم مع حكم، فكل أحكام القرآن الكريم منسجمة مع بعضها، بالرغم من أن نزوله كان على مدى ثلاث وعشرين سنة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٠ الى ٨٢]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
стр. 346
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٨٠- ٨٢] .
سبب نزول هذه الآيات ما
روى مقاتل: أن النبي ﷺ كان يقول: «من أحبّني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وقد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ...
أخبر القرآن المجيد أن إطاعة الرسول ﷺ إطاعة لله تعالى، لأن الآمر والناهي في الواقع هو الله، والرسول مبلغ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلّغ عنه، وهو الله .
وأكدت آيات أخرى هذا المعنى، مثل قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) [النجم: ٥٣/ ٣- ٥] . وكان الصحابة يسألون النبي عن الأمر، أوحي هو يا رسول الله، أم رأي؟ فإن كان وحيا أطاعوا بلا تردد، وإن كان رأيا بشريا، أشاروا بخلافه بمقتضى الحكمة والمصلحة، وقد يرجع الرسول ﷺ إلى رأي الصحابة، كما حدث في غزوة بدر وأحد.
ومن تولى أو أعرض عن طاعة الرسول، فقد خاب وخسر، فلا تحزن عليهم أيها النبي، إن عليك إلا البلاغ، ولست عليهم بمسيطر، وما أرسلناك عليهم رقيبا موكلا بتطويعهم.
стр. 347
لكن هؤلاء المنافقون يقولون في الظاهر أمام الرسول: أمرك طاعة، أي مطاع، فإذا خرجوا من مكانك وتواروا عنك، دبروا ليلا رأيا آخر فيما بينهم، غير ما أظهروا لك، والله يكتب ويسجل عليهم ما يبيتونه ليلا، ويضمرونه سرا، فإنا مجازوهم، ولا تأبه بهم، واصفح عنهم وأعرض عن عتابهم، وتوكل على الله وفوض أمرك إليه، فإن الله كافيك شرهم، وكفى بالله ناصرا ومعينا وموكلا في الأمور، لمن توكل عليه وأناب إليه.
هؤلاء المنافقون الضالّون حمقى وقصيرو النظر وعمي عن حقيقة النبوة والرسالة، فهلا تفكروا وتأملوا في معاني القرآن وألفاظه البديعة، فهو الكفيل بتصحيح خطئهم ومنهجهم، والقرآن يخبرهم أنه لا اختلاف فيه، ولا اضطراب ولا تعارض، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، قال سبحانه:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٢]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
[النساء: ٤/ ٨٢] .
ولو كان القرآن مختلقا من عند غير الله، كما يزعم المشركون والمنافقون في سرهم، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، فهو سالم من الاختلاف، لكونه من عند الله تعالى.
وسلامة القرآن من الاختلاف تشمل لفظه ومعانيه، فألفاظه في مستوى بلاغي واحد، ومعانيه في العقيدة والشريعة والأخلاق والأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تخدم وتقرر هدفا واحدا، وتبني أمة واحدة، وترمي إلى تحقيق مقصد واحد. قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ١٧/ ٩] . وقال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر: ٣٩/ ٢٣] .
стр. 348
إشاعة الأخبار الكاذبة
إن الأمة المتماسكة في جبهتها الداخلية أمة قوية واعية منصورة، وأما الأمة المفككة التي لا رابطة تربط بين أفرادها أمة ضعيفة مهزومة. وقد حذر القرآن الكريم من تمزق الأمة وإشاعة الأخبار الكاذبة والدعايات المغرضة التي تفرق ولا تجمع، وتسيء ولا تحسن، وتخدم العدو وتحقق أهدافه الخبيثة، ولا بد حينئذ من وعي شامل، وقيادة حازمة، وتجاوز لمرحلة الضعف والانهزام الداخلي، وذلك بالإقدام على الجهاد، وتحريض المؤمنين على القتال، لاستئصال أنشطة المتخاذلين الجبناء الذين ينافقون ويكيدون لأمتهم في السر والخفاء.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٨٣- ٨٤] .
إن الآية الأولى في المنافقين، ونازلة في سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه إلى الأعداء، فقد كان جماعة من المنافقين أو ضعفاء المؤمنين يشيعون الأخبار الكاذبة حول بعوث النبي، فإذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة للرأي العام. وهذا النوع من النشاط فيما يتعلق بالحروب تخريب وتهديم داخلي، سواء بقصد سيء كما يفعل المنافقون، أو بقصد حسن كما يفعل عامة الناس، لذا أرشدنا القرآن الكريم إلى أن الأمور التي تتعلق بالأمن أو الخوف يجب أن يترك الحديث فيها إلى قائد الأمة أو رئيس
стр. 349
الدولة، أو لأهل الحل والعقد والخبرة والرأي في الأمة، فهم أدرى الناس بها وبالكلام فيها.
ذلك أن الأخبار الشائعة إما أن تكون صحيحة أو كاذبة، وترويج الكذب حرام مثل اختلاق الكذب تماما،
روى مسلم في صحيحة أن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع»
وفي الصحيح: «من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين» .
ونهى الرسول ﷺ أيضا في حديث متفق عليه عن قيل وقال، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين أو تحقق.
وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا» .
إن التحدث بكل ما يسمع الإنسان، ونقل الأخبار من غير تثبت أمر ضار بالدولة والأمة، لذا أوجب القرآن ترك التحدث عن أحوال السلم والحرب إلى المسؤولين والمستشارين والخبراء، وعقبت الآية على ذلك بأنه لولا فضل الله عليكم ورحمته بكم أيها المؤمنون إذ هداكم لطاعة الله والرسول، ووفقكم للرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح، لولا ذلك لاتبعتم ووساوس الشيطان، وتورطتم في إشاعة ما يضر بالمصلحة العامة.
ثم حسم الله تعالى في الآية الثانية: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمر الله باتخاذ القرار في الجهاد، وأمر نبيه بأن يقاتل في سبيل الله وامتثال أوامره، ولو بنفسه أو وحده إذا أراد الظفر بالأعداء، فلا تكلف أيها الرسول إلا بفعل نفسك فقط، وتطالب بتحريض المؤمنين على القتال، دون تعنيفهم ولا توبيخهم، وليس المقصود من الآية أن يفرض القتال على النبي ﷺ وحده دون الأمة، وإنما المراد أن يستشعر كل مجاهد أنه يجاهد ولو وحده كما
قال النبي ﷺ : «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» .
وقال أبو بكر الصديق ﵁ وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» .
стр. 350
وهذا التصميم من قائد الأمة ينعكس أثره الحماسي الطيب على الجيش، فيقدم ولا يحجم، ويتفانى ويضحي ويسجل أرفع البطولات، ولا ينهزم أو يتردد. وحينئذ يكون النصر الإلهي، كما جاء في الآية: عسى الله أن يرد عنك أيها النبي بأس (أي شدة وقوة) الذين كفروا وهم قريش، والله أشد بأسا أي قوة، وأشد تنكيلا أي تعذيبا ومعاقبة، وهو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، لكفرهم وجرأتهم على الحق، وقد تحقق ذلك فعلا فقد كان النصر لنبي الله وصحبه حينما خرج في بدر الصغرى في السنة الثالثة بعد غزوة أحد، ومعه سبعون فقط، فلما سمع أبو سفيان قائد قريش بخروج النبي، رجع من الطريق، وعاد إلى مكة، وتحقق النصر للمؤمنين، وصرفه الله عن النبي ﷺ .
الشفاعة والتحية
يتكل الناس عادة بعضهم على بعض في كثير من الأمور، لا سيما في طلب الحوائج والوظائف أو في القيام بعمل من الأعمال أو التفكير في تحقيق مشروع من المشروعات، ويهملون في أغلب الأحوال طلب النصرة والعون من الله تعالى، والله سبحانه هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في كل شيء، وتفويض جميع الأمور إليه بعد اتخاذ الأسباب العادية من جدّ واجتهاد، وأداء عمل، وقيام بفعل، أما إنجاز النتائج وتحقيق الغايات فمتروك للفاعل المؤثر في الحياة وهو الله .
وفي الاتكال على البشر ونسيان جانب الله: صنوف من المذلة والهوان أحيانا، والتماس الحلول بالوساطة أو الشفاعة غير المشروعة أحيانا أخرى، ذلك أن الشفاعة أو التوسط في أمر ما نوعان: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، والشفاعة الحسنة: ما كانت فيما استحسنه الشرع ورضيه، ولا ضرر فيه لآخرين، والشفاعة السيئة: ما كرهه الشرع أو حرمه ونهى عنه، وكان فيه ضرر للناس.
стр. 351
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٥- ٨٧] .
الآية الأولى: مَنْ يَشْفَعْ هي في شفاعات الناس- أي وسائطهم- بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب وثواب لشفاعته الحسنة، ومن يشفع ليضر، فله كفل، أي نصيب. فهي تتضمن التحريض على الشفاعة في أمور الخير، كبناء مسجد أو مشفى أو مدرسة أو جهاد في سبيل الله أو إحسان إلى المحتاجين أو إنقاذ الضعفاء والمساكين أو تحقيق مصلحة عامة للمجتمع في القرية أو المدينة أو الدولة.
والشفاعات في هذا الاتجاه مطلوبة، لأنها تعاون على البر والتقوى، وإبعاد للناس عن الشر والضرر، وتحقيق البناء الاجتماعي المتين،
قال النبي ﷺ عن الشفاعة في الخير فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» .
أما الشفاعة السيئة في الأمور الضارة، فقد نهى القرآن الكريم عنها، لضررها وإفسادها الضمائر والنفوس، والإساءة فيها للمصلحة العامة، ومن أمثلة الشفاعة السيئة: التوسط لإيذاء شخص، أو الاعتداء على عرضه أو ماله، أو السعي بالإفساد بين الناس، أو دفع الرشاوى لتضييع الحقوق أو الاستيلاء على مال الآخرين، أو محاولة تعطيل حد من حدود الله، أو تبرئة ظالم أو جان أو متهم باختلاس أو تزوير أو محاولة إهدار أو إنقاص حق من الحقوق المالية أو الأدبية، كتجاوزات الجيران بعضهم على بعض في الأرض أو السكن أو العمل، فكل هذه
стр. 352
الأمثلة من أنواع الشفاعة السيئة، ومن شفع شفاعة سيئة فقد وقع في الإثم الكبير وعرّض نفسه لسخط الله تعالى.
ومن الطريف أن آية الشفاعة جاء بعدها آية التحية، والتحية نوع من الشفاعة الحسنة لأنها تقرب الناس بعضهم من بعض، وتنشر المحبة وتقوي أواصر المودة، وتقتلع الأحقاد وسوء التفاهم، وتمنع التحية شرا كبيرا أو تآمرا عظيما إذا توافرت النيات الحسنة، واستنارت القلوب بنور الإيمان الحق بالله ورسله وكتبه.
وآداب وواجبات التحية كثيرة منها أن الواجب ردها بأحسن منها أو بمثلها، فإذا حيّا الإنسان أخاه بقوله: مرحبا أو السلام عليكم أجابه بقوله: مرحبا وأهلا وسهلا، أو بقوله: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) وإحسان الرد يكون أيضا بزيادة معنوية طيبة كريمة كالبشاشة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة والسؤال عن الحال والأهل والعمل، والله سبحانه يحاسب على كل شيء ويمنح الفضل والرحمة والثواب على كل خير من التحية أو ردها، والضيافة والبشاشة وترك التجهم والعبوس في وجوه الآخرين،
قال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم وغيره: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» .
وجاء في نهاية آية التحية بيان جزائها فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
ثم كانت الآية الثالثة متوّجة أعمال الناس بضرورة اللجوء إلى الله وحده، ومحددة لهم المقاصد الحسنة في الدنيا، ومحذرة لهم من حساب الآخرة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات توحيد الله، فهو الذي يقصد بحق في كل عمل، وإثبات البعث والجزاء في الآخرة لحمل الناس على الاستعداد للقاء الله بالأعمال الصالحة، لأن الله يجازي كل عامل بعمله.
стр. 353
أوصاف المنافقين
النفاق مظهر من مظاهر الضعف والجبن والغدر وفقد الثقة بالذات، وهو دليل على اضطراب صاحبه وقلقه وحيرته، فلا يستقر على حال بسبب ضعف في إيمانه أو تفكيره، أو بسبب الحرص على مصالحه التي يريد تحقيق أكبر قدر نفعي منها على حساب الجماعات القوية في المجتمع.
والنفاق نوعان: نفاق شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، أو هو نفاق في الإسلام وادعائه. وأصحاب هذا النوع هم الذين كانوا مع النبي ﷺ في المدينة، ونزل في شأنهم آيات النفاق الكثيرة في سورة البقرة وسورة (المنافقون) بدليل أن النبي ﷺ لم يقتلهم أينما وجدوا، وكان زعيمهم عبد الله بن أبيّ يتردد بين المسلمين وبين اليهود والمشركين، وهؤلاء لا يجوز بحال اتخاذهم أولياء وأنصارا حتى يهاجروا ويأتوا إلى المدينة مع المجتمع المسلم بعد أن خرجوا منها. إن هؤلاء المنافقين نافقوا في الولاء للإسلام، وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهم شر خلق الله، ولا يجوز الاختلاف في الحكم عليهم، فهم كفار مردة. لذا عاتب الله المؤمنين وأنكر عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر، والحال أنهم كافرون، وقعوا في الضلال بسبب عصيانهم أوامر الرسول ومخالفتهم إياه، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٨- ٨٩] .
стр. 354
قال السدّي: نزلت هاتان الآيتان في قوم منافقين كانوا بالمدينة، فطلبوا الخروج عنها نفاقا وكفرا، وقالوا: اجتويناها أي أصابتنا حمى المدينة ووخمها، وكرهنا المقام فيها، وإن كانوا في نعمة.
والمعنى: لا داعي للاختلاف في شأن هؤلاء المنافقين على فرقتين للحكم عليهم، فهم في الواقع قوم ضالون، اختاروا الضلال، فأبعدهم الله عن الحق والهدى، فلا يجوز اتخاذهم أنصارا للمسلمين، ولا يعتمد عليهم حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله، فإن أعرضوا وتولوا عن الهجرة، ولزموا مواضعهم، فيقتلون حيث وجدوا في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم. وهم يتمنون الضلالة لسائر المسلمين، ليتساووا معهم ويقضوا على الإسلام كله، وماذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم للمسلمين، وتماديهم في الضلال والكفر، هذا هو النوع الأول من النفاق وهو الأشهر والأخطر.
والنوع الثاني من النفاق: هو النفاق العرفي أو النفاق العملي: وهو أن يكون سر الإنسان خلاف علانيته. وهذا قد يصدر من بعض المسلمين، وهو الذي
أخبر عنه الرسول ﷺ بقوله فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
والمراد: أن صاحب كل خصلة من هذه الخصال منافق، وليس المراد أنه لا بد من اجتماع الخصال الثلاث في شخص واحد، فمن تخلّق بواحدة من هذه الخصال فهو شبيه بالمنافق، متخلق بأخلاقه، في حق من حدثه، أو وعده، أو ائتمنه. ولا يكون منافقا من وقع مرة في الكذب، أو خلف الوعد، أو خيانة الأمانة، وإنما المنافق هو الذي يكون ديدنه وشأنه وخلقه الكذب أو نقض العهد والوعد، أو خيانة الأمانة، فهذا الشخص إذا حدث في كل شيء كذب فيه، وإن عاهد أو وعد، أخلف الوعد
стр. 355
ونقض العهد دائما، وإن ائتمن على أمانات الناس، خان الأمانة، وتكرر منه ذلك.
وجاء في بعض الروايات: «آية المنافق أربع» بزيادة «وإذا عاهد غدر» .
والواقع أن الأربع ترجع إلى ثلاث لأن نقض العهد صورة أخرى من صور إخلاف الوعد، أو صورة من خيانة الأمانة.
والوقوع في النفاق يحدث كما
جاء في رواية مسلم بزيادة: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»
أي إن مدمن الكذب ومن تكرر منه خلف الوعد ونقض العهد، أو خيانة الأمانة يعد منافقا، وإن عمل أعمال المسلمين من صوم وصلاة وغيرهما من العبادات.
وجزاء النفاق بنوعيه هو نار جهنم، قال الله تعالى:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) [النساء: ٤/ ١٤٥- ١٤٦] .
احترام المعاهدات وحالة الحياد
لم نجد كالإسلام دينا عظّم العهود، وأوجب الوفاء بالمعاهدات والاتفاقات الخاصة والعامة، أو الدولية الخارجية، لأن احترام الكلمة دليل الرجولة والبأس والجزم، ولأن الوفاء بالعهد من الإيمان. فالمؤمن لا يخلف وعدا ولا ينقض عهدا، ولا يخل بشرط من شروط المعاهدات، أو يحاول التخلص من بنود المعاهدة بالتأويلات الباطلة، والتفسيرات المغلوطة، واتخاذ لون من ألوان المخادعة والمخاتلة.
ووقوف بعض الناس أو الدول موقف الحياد لون من ألوان العهود لأن الحياد يتطلب الاعتراف به من بقية الدول الأخرى، فمن أقر أو اعترف بحياد جماعة أو