قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٥- ٨٧] .
الآية الأولى: مَنْ يَشْفَعْ هي في شفاعات الناس- أي وسائطهم- بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب وثواب لشفاعته الحسنة، ومن يشفع ليضر، فله كفل، أي نصيب. فهي تتضمن التحريض على الشفاعة في أمور الخير، كبناء مسجد أو مشفى أو مدرسة أو جهاد في سبيل الله أو إحسان إلى المحتاجين أو إنقاذ الضعفاء والمساكين أو تحقيق مصلحة عامة للمجتمع في القرية أو المدينة أو الدولة.
والشفاعات في هذا الاتجاه مطلوبة، لأنها تعاون على البر والتقوى، وإبعاد للناس عن الشر والضرر، وتحقيق البناء الاجتماعي المتين،
قال النبي ﷺ عن الشفاعة في الخير فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» .
أما الشفاعة السيئة في الأمور الضارة، فقد نهى القرآن الكريم عنها، لضررها وإفسادها الضمائر والنفوس، والإساءة فيها للمصلحة العامة، ومن أمثلة الشفاعة السيئة: التوسط لإيذاء شخص، أو الاعتداء على عرضه أو ماله، أو السعي بالإفساد بين الناس، أو دفع الرشاوى لتضييع الحقوق أو الاستيلاء على مال الآخرين، أو محاولة تعطيل حد من حدود الله، أو تبرئة ظالم أو جان أو متهم باختلاس أو تزوير أو محاولة إهدار أو إنقاص حق من الحقوق المالية أو الأدبية، كتجاوزات الجيران بعضهم على بعض في الأرض أو السكن أو العمل، فكل هذه
стр. 352
الأمثلة من أنواع الشفاعة السيئة، ومن شفع شفاعة سيئة فقد وقع في الإثم الكبير وعرّض نفسه لسخط الله تعالى.
ومن الطريف أن آية الشفاعة جاء بعدها آية التحية، والتحية نوع من الشفاعة الحسنة لأنها تقرب الناس بعضهم من بعض، وتنشر المحبة وتقوي أواصر المودة، وتقتلع الأحقاد وسوء التفاهم، وتمنع التحية شرا كبيرا أو تآمرا عظيما إذا توافرت النيات الحسنة، واستنارت القلوب بنور الإيمان الحق بالله ورسله وكتبه.
وآداب وواجبات التحية كثيرة منها أن الواجب ردها بأحسن منها أو بمثلها، فإذا حيّا الإنسان أخاه بقوله: مرحبا أو السلام عليكم أجابه بقوله: مرحبا وأهلا وسهلا، أو بقوله: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) وإحسان الرد يكون أيضا بزيادة معنوية طيبة كريمة كالبشاشة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة والسؤال عن الحال والأهل والعمل، والله سبحانه يحاسب على كل شيء ويمنح الفضل والرحمة والثواب على كل خير من التحية أو ردها، والضيافة والبشاشة وترك التجهم والعبوس في وجوه الآخرين،
قال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم وغيره: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» .
وجاء في نهاية آية التحية بيان جزائها فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
ثم كانت الآية الثالثة متوّجة أعمال الناس بضرورة اللجوء إلى الله وحده، ومحددة لهم المقاصد الحسنة في الدنيا، ومحذرة لهم من حساب الآخرة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات توحيد الله، فهو الذي يقصد بحق في كل عمل، وإثبات البعث والجزاء في الآخرة لحمل الناس على الاستعداد للقاء الله بالأعمال الصالحة، لأن الله يجازي كل عامل بعمله.
стр. 353
أوصاف المنافقين
النفاق مظهر من مظاهر الضعف والجبن والغدر وفقد الثقة بالذات، وهو دليل على اضطراب صاحبه وقلقه وحيرته، فلا يستقر على حال بسبب ضعف في إيمانه أو تفكيره، أو بسبب الحرص على مصالحه التي يريد تحقيق أكبر قدر نفعي منها على حساب الجماعات القوية في المجتمع.
والنفاق نوعان: نفاق شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، أو هو نفاق في الإسلام وادعائه. وأصحاب هذا النوع هم الذين كانوا مع النبي ﷺ في المدينة، ونزل في شأنهم آيات النفاق الكثيرة في سورة البقرة وسورة (المنافقون) بدليل أن النبي ﷺ لم يقتلهم أينما وجدوا، وكان زعيمهم عبد الله بن أبيّ يتردد بين المسلمين وبين اليهود والمشركين، وهؤلاء لا يجوز بحال اتخاذهم أولياء وأنصارا حتى يهاجروا ويأتوا إلى المدينة مع المجتمع المسلم بعد أن خرجوا منها. إن هؤلاء المنافقين نافقوا في الولاء للإسلام، وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهم شر خلق الله، ولا يجوز الاختلاف في الحكم عليهم، فهم كفار مردة. لذا عاتب الله المؤمنين وأنكر عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر، والحال أنهم كافرون، وقعوا في الضلال بسبب عصيانهم أوامر الرسول ومخالفتهم إياه، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٨- ٨٩] .
стр. 354
قال السدّي: نزلت هاتان الآيتان في قوم منافقين كانوا بالمدينة، فطلبوا الخروج عنها نفاقا وكفرا، وقالوا: اجتويناها أي أصابتنا حمى المدينة ووخمها، وكرهنا المقام فيها، وإن كانوا في نعمة.
والمعنى: لا داعي للاختلاف في شأن هؤلاء المنافقين على فرقتين للحكم عليهم، فهم في الواقع قوم ضالون، اختاروا الضلال، فأبعدهم الله عن الحق والهدى، فلا يجوز اتخاذهم أنصارا للمسلمين، ولا يعتمد عليهم حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله، فإن أعرضوا وتولوا عن الهجرة، ولزموا مواضعهم، فيقتلون حيث وجدوا في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم. وهم يتمنون الضلالة لسائر المسلمين، ليتساووا معهم ويقضوا على الإسلام كله، وماذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم للمسلمين، وتماديهم في الضلال والكفر، هذا هو النوع الأول من النفاق وهو الأشهر والأخطر.
والنوع الثاني من النفاق: هو النفاق العرفي أو النفاق العملي: وهو أن يكون سر الإنسان خلاف علانيته. وهذا قد يصدر من بعض المسلمين، وهو الذي
أخبر عنه الرسول ﷺ بقوله فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
والمراد: أن صاحب كل خصلة من هذه الخصال منافق، وليس المراد أنه لا بد من اجتماع الخصال الثلاث في شخص واحد، فمن تخلّق بواحدة من هذه الخصال فهو شبيه بالمنافق، متخلق بأخلاقه، في حق من حدثه، أو وعده، أو ائتمنه. ولا يكون منافقا من وقع مرة في الكذب، أو خلف الوعد، أو خيانة الأمانة، وإنما المنافق هو الذي يكون ديدنه وشأنه وخلقه الكذب أو نقض العهد والوعد، أو خيانة الأمانة، فهذا الشخص إذا حدث في كل شيء كذب فيه، وإن عاهد أو وعد، أخلف الوعد
стр. 355
ونقض العهد دائما، وإن ائتمن على أمانات الناس، خان الأمانة، وتكرر منه ذلك.
وجاء في بعض الروايات: «آية المنافق أربع» بزيادة «وإذا عاهد غدر» .
والواقع أن الأربع ترجع إلى ثلاث لأن نقض العهد صورة أخرى من صور إخلاف الوعد، أو صورة من خيانة الأمانة.
والوقوع في النفاق يحدث كما
جاء في رواية مسلم بزيادة: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»
أي إن مدمن الكذب ومن تكرر منه خلف الوعد ونقض العهد، أو خيانة الأمانة يعد منافقا، وإن عمل أعمال المسلمين من صوم وصلاة وغيرهما من العبادات.
وجزاء النفاق بنوعيه هو نار جهنم، قال الله تعالى:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) [النساء: ٤/ ١٤٥- ١٤٦] .
احترام المعاهدات وحالة الحياد
لم نجد كالإسلام دينا عظّم العهود، وأوجب الوفاء بالمعاهدات والاتفاقات الخاصة والعامة، أو الدولية الخارجية، لأن احترام الكلمة دليل الرجولة والبأس والجزم، ولأن الوفاء بالعهد من الإيمان. فالمؤمن لا يخلف وعدا ولا ينقض عهدا، ولا يخل بشرط من شروط المعاهدات، أو يحاول التخلص من بنود المعاهدة بالتأويلات الباطلة، والتفسيرات المغلوطة، واتخاذ لون من ألوان المخادعة والمخاتلة.
ووقوف بعض الناس أو الدول موقف الحياد لون من ألوان العهود لأن الحياد يتطلب الاعتراف به من بقية الدول الأخرى، فمن أقر أو اعترف بحياد جماعة أو
стр. 356
دولة، فمعنى ذلك أنه رضي بهذه الحالة، وأصبح الحياد حالة داخلة في المواثيق والعهود الدولية.
ولقد حذر القرآن الكريم من نقض المعاهدات، وجعل الله ورسوله خلف الوعد ونقض العهد من مظاهر النفاق، وهذا يستدعي احترام أوضاع المعاهدين والمحايدين كما جاء في قوله تعالى حين يستثني من موالاة ومناصرة المنافقين طائفتين أو صنفين، وهو قوله سبحانه:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٩- ٩٠] .
تضمنت هذه الآية استثناء فئتين من الناس، تحترم عهودهم وأحوالهم وهما:
أولا: الذين يتصلون- أي لهم صلة- بقوم معاهدين للمسلمين بينهم وبينهم ميثاق وعهد بعدم الاعتداء، من مهادنة أو صلح وغيره، فينضم هؤلاء إلى أولئك الأقوام المعاهدين، فيأخذون حكم المعاهدين، وإن لم يكونوا قد تعاهدوا صراحة مع المسلمين، قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيّزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكونوا في حيّزهم ومن أهل نصرتهم، وأما من كان من قوم آخرين، فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط، ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش.
стр. 357
والفئة الثانية: هم المحايدون الذين جاؤوكم أيها المسلمون، وقد ضاقت صدورهم بقتالكم، وأبغضوا أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم، وأعلنوا الحياد، فلا يجوز قتالهم، حفاظا على ما التزموه من الوقوف على الحياد والمسالمة أو الموادعة، دون عدوان ولا اعتداء، ودون انضمام إلى قوم معتدين.
وكل من هاتين الفئتين ينطبق عليه قول الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة: ٢/ ١٩٠] . وكان من رحمة الله وفضله أن سالم هؤلاء المسلمين، وكفوا عن إيذائهم ولو شاء الله لسلطهم علينا بأن يلهمهم القتال، فيقاتلوننا.
إن هؤلاء المجدّين في احترام السلم والموادعة أصحاب النية الحسنة، هم الذين نحترم مبدأ المسالمة معهم، أما غيرهم من أصحاب النوايا الخبيثة فينبغي الحذر منهم، لذا نبّه القرآن الكريم بعد الآية السابقة إلى الحذر من طائفة مخادعة، يريدون اللعب على الحبلين، وإظهار المودة للمسلمين وللمشركين معا، فقال تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٩١] أي حجة واضحة.
نزلت هذه الآية في قوم هم بنو أسد وغطفان كانوا يجيئون من مكة إلى النبي ﵊ رياء، يظهرون الإسلام، ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم مذبذبون معادون، يجوز قتلهم وقتالهم في كل مكان.
стр. 358
جزاء القتل الخطأ والعمد
تتكرر حوادث القتل الخطأ كثيرا في الحياة العملية، وأكثرها في عصرنا الحاضر حوادث السير والمرور والسيارات وما يترتب عليها من دهس وتصادم ولا تخلو جميع حوادث القتل الخطأ من تقصير أو إهمال أو ترك التثبت والاحتياط في الأفعال، لذا لم يعف الشرع القاتل خطأ من المسؤولية وأوجب عليه الدية والكفارة بإعتاق رقبة مؤمنة عند القدرة، أو صيام شهرين متتابعين عند العجز عن الرقبة، كما هو الحاصل في عصرنا حيث حرم الرق في العالم. وكذلك من باب أولى حرم الشرع القتل العمد وأوجب على القاتل عمدا القصاص في الدنيا إلا أن يعفو ولي الدم قريب المقتول، والخلود في نار جهنم في الآخرة إلى أن يتوب.
قال الله تعالى مبينا حكم القتل الخطأ والقتل العمد:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
[النساء: ٤/ ٩٢- ٩٣] .
نزلت آية القتل الخطأ في شأن الحارث بن يزيد الذي خرج مهاجرا إلى النبي ﷺ ، فلقيه عياش بن أبي ربيعة بالحرّة- أرض ذات حجارة سوداء- فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فنزلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.. الآية.
ونزلت آية القتل العمد في رجل من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه
стр. 359
النبي ﷺ الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، فقتله، فقال النبي ﷺ : لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح- فتح مكة،
وفيه نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ...
ومعنى الآيتين: أن من شأن إيمان المؤمن بالله ورسوله أن يمنعه من ارتكاب الفواحش والمنكرات، ومن أخطرها الاعتداء على النفوس البشرية بغير حق، والمؤمن يشعر بحقوق الله عليه وبحقوق إخوانه المؤمنين، ويدرك أن سفك الدم الحرام جريمة عظمي، واعتداء خطير، وكأنه قتل للناس جميعا. قال تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: ٥/ ٣٢] .
لكن إذا حدث القتل خطأ، فعلى القاتل عقاب، لأن الخطأ ينشأ من التهاون وعدم الاعتناء والاحتياط، وعقاب القتل الخطأ شيئان: كفارة للقتل وهي عتق رقبة مؤمنة، لأنه أعدم نفسا فيحيي نفسا أخرى بالتحرير، والعقاب الثاني: تسليم دية إلى ورثة القتيل عوضا عن دمه، وإطفاء لنار الغيظ والحقد، وإزالة للعداوة والبغضاء، والدية مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهبا، أو عشرة آلاف درهم فضة، وهذا رقم مالي كبير في عصرنا الحاضر. فإن لم يجد الشخص الرقبة أو ثمنها كما في وقتنا الحاضر حيث اتفق العالم بمعاهدات دولية على إنهاء الرق وتحريمه، فحينئذ يجب على القاتل خطأ كما في حوادث السيارات صيام شهرين متتابعين، رعاية لحق الله تعالى أو الحق العام، والدية واجبة لكل مسلم أو غير مسلم معاهد، أما القتيل المؤمن المقيم مع الأعداء، فلا يعطى لورثته مال حتى لا يحاربونا به، ويكتفى بالكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين، فإن كان القتيل مقيما في دولة معاهدة كحال العلاقات الدولية الآن، فالواجب دية مسلّمة إلى أهله، احتراما للعهود والدماء، وكفارة.
стр. 360
أما جزاء القاتل عمدا فهو القصاص أو عقوبة الإعدام إذا لم يصدر عفو من ورثة القتيل، وله في الآخرة جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته، وأعدّ له عذابا عظيما شديدا إلا أن يتوب، فالمقرر عند أكثر العلماء أن التوبة مقبولة من قاتل النفس، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) [النساء: ٤/ ١١٦] ، وثبت أن الله تعالى قبل توبة القاتل مائة نفس كما في الصحيحين.
التثبت في الأحكام ونقل الأخبار
المسلم في كل أحكامه وتقديراته، وظنونه وأحواله، وسماعه الأخبار كأنه قاض عدل مهيب، لا يتسرع في الاتهام ولا يصدق كل خبر، ويتأنى في فهم الأشياء بعقل واع وبصيرة نافذة، سواء في معاملته مع الأعداء في الحرب، أو في معاملة إخوانه في داخل البلد المسلم. وقد نبّه القرآن إلى ضرورة الحذر الشديد في هاتين الحالتين، ليكون المؤمن محل ثقة واحترام وتقدير وإعظام. قال الله تعالى مبينا ضرورة التثبت في الحكم على أشخاص العدو إيمانا وكفرا، سلما وحربا:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٩٤] .
قال ابن عباس مبينا سبب نزول هذه الآية- فيما رواه البخاري والترمذي والحاكم-: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنما له،
стр. 361
فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا- أي يحتمي ويتحصن- فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ ، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ..
وفي رواية أخرى عند الثعلبي: أن أسامة بن زيد أو المقداد بن الأسود قتل رجلا من الأعداء بعد أن أعلن إسلامه، فقال له النبي ﷺ : «كيف لك بلا إله إلا الله غدا» وأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله إذا انطلقتم في الأرض للجهاد، فتمهلوا في الحكم على الأشخاص، أهم مسالمون أم محاربون، مؤمنون أم كافرون، ولا تتعجلوا بقتل أحد، ولا تقولوا لمن استسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه مسلم: إنك لست مؤمنا، فأنتم مأمورون بالعمل بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
وكأنكم باستعجال القتل تريدون الحصول على عرض الدنيا الفاني من المال أو الغنيمة، فعند الله أرزاق كثيرة ونعم وفيرة لا تحصى، وعنده خزائن السماوات والأرض، فلا يليق بكم أن تفعلوا فعلا جنائيا أو عدوانيا، وتتسرعوا في الحكم على ما في قلوب الناس، وتتهموهم بالمصانعة والمداراة والخوف من السيف، واذكروا تاريخكم في الماضي، آمنتم سرا، ثم أظهرتم الإسلام علنا، فصرتم في عداد المؤمنين، ومنّ الله عليكم بالأمان والاطمئنان، إن الله بما تعملون خبير بصير، يجازيكم على أعمالكم وأحوالكم كلها.
وكذلك الأمر في العلاقات الاجتماعية الداخلية يجب على المسلم التثبت في الحكم على الأقوال والأخبار، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) [الحجرات: ٤٩/ ٦] .
سبب نزول هذه الآية
أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق
стр. 362
مصدّقا «١» ، فرجع من بعض الطريق ظانا أنهم خرجوا للاعتداء عليه، وقال للنبي ﷺ : إنهم قد منعوا الصدقة، وطردوني وارتدوا، فغضب النبي ﷺ ، وهمّ بغزوهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورد وفدهم للنبي منكرين لما حدث، وأظهروا حسن نواياهم واستعدادهم لإيتاء الزكاة.
ومعنى الآية: أيها المؤمنون بالله ورسوله إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب، بخبر من الأخبار فيه إضرار بأحد، فتثبتوا في تصديق الخبر، وتبصروا في الأمر الواقع والخبر الوارد، حتى تتضح حقيقته وتظهر، لئلا تمسوا قوما بضرر لا يستحقونه، فتصبحوا نادمين مغتمين على ما فعلتم بهم من إصابتهم بالخطإ، وتعجيل اتهامهم بالسوء.
أخرج ابن جرير الطبري وعبد بن حميد عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال حينما نزلت هذه الآية: «التثبت من الله، والعجلة من الشيطان» .
والآية تعد قانونا عاما لجميع الناس تطالبهم بضرورة التبين قبل قبول الكلام المنقول والخبر المروي، تحسينا للظن، أو بعدا عن إساءة الظن بأحد من الناس، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
درجات الناس في المشاركة بالجهاد
الإسلام دين الواقع العملي والظروف الإنسانية المواتية، فلا يكلف الناس بتكاليف لا يطيقونها أو لا يتحملونها، فهو أي الإسلام إن فرض الجهاد على الرجال القادرين على حمل السلاح، يستثني أصحاب الأعذار وأولي الضرر، ولا يعقل أن يكون هناك مساواة بين المجاهدين البواسل ذوي الجرأة والإقدام، وبين المتقاعسين
стр. 363
المتخلفين عن القيام بالواجب والمشاركة بالجهاد وخوض المعارك من غير عذر شرعي.
قال الله تعالى مقررا هذا المبدأ:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
«١» [النساء: ٤/ ٩٥- ٩٦] .
روى البخاري وغيره أن الآية لما نزلت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جاء عبد الله بن أم مكتوم- وكان أعمى- حين سمعها، فقال: يا رسول الله، هل من رخصة، فإني ضرير البصر؟ فنزلت عند ذلك غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فاستدعى النبي ﷺ أحد كتاب الوحي، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ.
والآية تقرر أنه لا مساواة في الشرع والطبع والعقل بين المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم وبين القاعدين بأنفسهم، المتكاسلين حرصا على الراحة والنعيم والبعد عن المخاطر والتضحيات. وقوله تعالى: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ هي الغاية في كمال الجهاد، لقد فضل الله المجاهدين على القاعدين بالأجر العظيم، ومنحهم الدرجات العالية في الجنان، والظفر بالمغفرة الكبيرة الواسعة من الله تعالى بسبب ما قدموا من جهود وتحملوا من أعباء ومتاعب، وتعرضوا للظمأ والعطش، والجوع في سبيل الله، وأغاظوا الأعداء، ودافعوا عن البلاد والحرمات، وقمعوا العدوان، وأحبطوا مكائد المعتدين، وردوا كيدهم في نحورهم، وحققوا لواء العزة والمجد للمؤمنين وديارهم فلا غرابة أن يستحقوا الرضوان الإلهي، وتعمهم نفحات الرحمة والفضل الواسع.
стр. 364
ومن فضل الله وكرمه أنه استثنى أصحاب الأعذار من تكليف الجهاد، وهم أولو الضرر، أي المرض ونحوه، كالعميان والعرجان والزمنى (المصابين بمرض مزمن) وغيرهم من ذوي العاهات والأعذار المبيحة لترك الجهاد، فهؤلاء لا لوم عليهم ولا عتاب لهم، لتوافر نياتهم الطيبة بالجهاد عند القدرة،
روى البخاري وأحمد وأبو داود أن رسول الله ﷺ قال عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: نعم وهم بالمدينة، حبسهم العذر»
فهذا تزكية من النبي ﷺ وقبول لعذر هؤلاء المعذورين.
وحينئذ يكون القعود عن الجهاد مذموما حيث لا عذر يمنع منه، ويكون للمجاهدين المخلصين في جهادهم منازل رفيعة في غرف الجنان العاليات، يصعب في تقدير الناس في الدنيا حصرها وعدها، كما قال الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) [الإسراء: ١٧/ ٢١] .
والتفاضل في الدرجات مبني على مدى قوة الإيمان، وإيثار رضا الله على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة،
جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من رمى بسهم فله أجره درجة، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» .
стр. 365
فضيلة الهجرة في سبيل الله
المسلم في هذا العالم مطالب بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإظهار شعائر الله والاعتزاز بمظاهر الإسلام، فإذا لم يتمكن المسلم من أداء شعائر الله في بلد من البلدان، كأن تمنع حرية التدين في بعض الأقطار، فيجب عليه الهجرة من ذلك البلد، وطلب الإقامة أو الاستيطان في بلد آخر يسمح له بذلك.
قال الله تعالى مبينا وجوب الهجرة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
«١» [النساء: ٤/ ٩٧- ١٠٠] .
روى البخاري عن ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثّرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ.
وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا، فقال لأهله: احملوني، فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ ، فنزل الوحي: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ...
من المعلوم أن الهجرة من مكة في مبدأ الإسلام قبل الفتح كانت واجبة، فهاجر
стр. 366
بعض المسلمين الهجرة الأولى إلى الحبشة، وهاجر آخرون مع النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، لكن بعض المسلمين قعد في مكة حبّا في وطنه، وإيثارا للدنيا وعرضها، ومنهم من كان ضعيفا لا يقدر على الهجرة لمرض أو كبر سن أو جهل بالطريق، ومنهم من هاجر ومات في الطريق، فنزلت هذه الآيات تبين حكم هؤلاء جميعا.
فالصنف الأول: الذين ماتوا في ديار الشرك في مكة، قبضت الملائكة أرواحهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم برضاهم الإقامة في دار الشرك، وإيثارهم الدنيا وعرضها الفاني على نصرة الحق وتأييد رسول الله، وقبولهم الظلم والتضييق عليهم وعدم السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخا وتأنيبا عند قبض أرواحهم: في أي شيء كنتم من أمور دينكم؟ ولماذا تركتم الهجرة لنصرة الإسلام وأنتم قادرون عليها؟ قالوا معتذرين بعذر غير حقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نتمكن من إقامة الدين وواجباته، فردت عليهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم إظهار الدين فيها واسعة فتهاجروا؟! نعم هي واسعة، ولكنكم رضيتم بالذل، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق، فأولئك مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
وهذا يدلنا على أن المسلم يجب عليه أن يفر بدينه إلى حيث يتمكن من إقامة حدود دينه وواجباته حسبما أمر الله، فمن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مأوى مناسبا، فيه الخير والسعة والرزق والعزة، وفي هذا ترغيب في الهجرة.
والصنف الثاني: وهم المستضعفون حقيقة وهم الذين لهم عذر حقيقي كالشيوخ الضعفاء والعجزة من النساء والولدان الصغار المراهقين، هؤلاء يغفر الله لهم، ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الشرك وترك الهجرة وهذا يدلنا على أن ترك الهجرة ذنب كبير.
стр. 367
والصنف الثالث: هم الذين عزموا على الهجرة إلى الله ورسوله، ولإعزاز دينه وأهله، لكنهم ماتوا في أثناء الطريق كضمرة بن جندب، قبل الوصول إلى المدينة، فقد ثبت أجرهم على الله، والله غفور للطائعين، رحيم بهم، والله هو الذي أوجب الهجرة، وهو الذي يغفر الذنوب ويرحم العباد تفضلا وإحسانا إذا كانوا ممن صدق النية، وشحذ العزيمة، وأخلص القصد لله ﷻ ،
قال النبي ﷺ فيما أخرجه الصحيحان: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
صلاة القصر في السفر وصلاة الخوف
لا يجوز بحال من الأحوال ترك الصلاة المفروضة، ما دام الإنسان المسلم واعيا عاقلا، ولا تسقط عنه الصلاة إطلاقا حتى في حال المرض إلا أن يفقد الشخص الوعي ويصبح مغمى عليه، أو مغشيا لا يدرك شيئا.
ولكن يسّر الإسلام في كيفية أداء الصلاة الفريضة في أثناء السفر أو الخوف، كالاشتراك في معركة حربية، ففي السفر يجوز بل يستحب أو يجب قصر الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء، فتصلي هذه الصلاة ركعتين فقط بدلا من أربع ركعات تخفيفا وتيسيرا على المسافر، ودفعا للحرج والمشقة التي يتعرض لها المسافر في غالب الأوقات، ولا يكون عنده متسع من الوقت، وكذلك المحارب في أثناء المعركة يؤدي الصلاة الرباعية مقصورة، بل وفي جماعة مع الإمام القائد، على أن يقسم الجنود فئتين، تصلي كل فئة ركعة واحدة مع الإمام، وتكمل وحدها الركعة الأخرى.
стр. 368
قال الله تعالى مبينا مشروعية قصر الصلاة الرباعية وكيفية صلاة الخوف:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ١٠١- ١٠٣] .
روى ابن جرير الطبري عن علي ﵁ قال: سأل قوم بني النجار رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله:
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول (عام) غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها- أي صلاة أخرى وهي العصر- فأنزل الله بين الصلاتين كيفية صلاة الخوف: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
فالآية الأولى تدل على مشروعية صلاة القصر، أي قصر الصلاة الرباعية لا
стр. 369
الثنائية ولا الثلاثية، وذلك في أثناء السفر إذا سافر الإنسان عن بلده إلى بلدة أخرى تبعد عنها حوالي (٨٦ كم) أو (٨١ كم) ، وحينئذ يجوز للمسافر بمجرد خروجه عن بلده، ومجاوزته آخر حدود العمران أن يصلي الصلاة الرباعية ركعتين فقط، ترخيصا من الله تعالى، وتيسيرا على المسافر، ودفعا للحرج والمشقة عنه، والسفر يبيح القصر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأما قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فهو كما يقول العلماء: قيد لبيان الواقع، أي إنه تصوير للحالة الواقعية التي كان عليها المسلمون في الماضي، في ظرف معركة من المعارك. وعلى المصلي أن يكون حذرا من مباغتة الأعداء أثناء الصلاة والسفر والإقامة.
وأما صلاة الخوف جماعة فتكون بأن يقسم الإمام القائد الجيش طائفتين، طائفة تصلي ركعة مع الإمام ثم تكمل الصلاة وحدها، مع حملها السلاح أثناء الصلاة للدفاع والرد على الأعداء إن استغلوا هذا الظرف، وباغتوا المصلين ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت حارسة فتصلي مع الإمام الذي ينتظرها في أول الركعة الثانية في القيام، فتصلي معه ركعة، وينتظرها الإمام في التشهد الأخير حتى تصلي الركعة الثانية لها، ثم يسلم الإمام مع هذه الطائفة التي يجب عليها أيضا التنبه والحذر وحمل السلاح إلا إذا كان هناك عذر كمطر أو مرض، فلا يحمل السلاح في أثناء الصلاة.
ثم نبه القرآن إلى ضرورة مداومة ذكر الله بالحمد والتكبير والدعاء بعد أداء صلاة الخوف، لتذكر نعمة الله وتقوية القلوب للصمود في وجه الأعداء، ولتحقيق الانتصار الحاسم، لأن الصلاة مفروضة على المسلمين في كل وقت وفي كل زمان ومكان بأوقات معلومة، فلا تترك حتى في حالة الحرب وساعة الخوف.
стр. 370
الغاية من القتال
ليس تحقيق العزة والمنعة والاستقلال أمرا يحدث بالصدفة أو المسالمة، وإنما لا بد من القيام بتضحيات نادرة، وبطولات خارقة، وحماية للحقوق وتوفير الهيبة بخوض معارك القتال، ورد عدوان المعتدين. وهذه حقيقة تاريخية ثابتة وهي أن نفوذ الكلمة للقوة والأقوياء، وأن الدمار والهلاك والهزيمة للضعفاء والجبناء.
لذا حرّض القرآن الكريم على قتال الأعداء عند وجود البغي والاعتداء، أو محاولة الانتقاص من كرامة الأمة، أو سلب بعض الحقوق، أو التغلب على بعض أجزاء البلاد، وتراب الوطن الغالي. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
«١» [النساء: ٤/ ١٠٤] .
نزلت هذه الآية في أعقاب معركة أحد، حيث
أمر النبي ﷺ بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، أي مشتركا في غزوة أحد.
يرشدنا الله تعالى إلى أنه لا يصح أن نضعف في قتال الأعداء ولا نتواكل، ونستعد للقتال دائما بعد الفراغ من الصلاة المفروضة، ولا نتردد في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء الذين ناصبونا العداء، وجاهروا بالبغضاء، وعلينا أن نطاردهم ونلاحقهم ونطلب البحث عن مخابئهم، وتدمير آلياتهم العسكرية وتخريب حصونهم ومعاقلهم.
ولا يصح بحال أن نتذرع أو نحتج بما يصيب بعضنا من حوادث القتل وآلام
стр. 371
الجراح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين متحاربين، لأنهم بشر مثلنا يتألمون كما نتألم، ويصبرون على الشدائد والقتال كما نصبر، فما لنا لا نصبر ونحن أولى وأحق بالصبر والثبات وترك الفرار؟! ولكن يظل الفرق واضحا بين المؤمنين وغير المؤمنين في تحديد الغاية من القتال، وهي أن الأعداء يقاتلون على الباطل، والباطل زائل، ونحن نقاتل على الحق، والحق دائم خالد، والله وعدنا بالنصر، ووعد الأعداء بالهزيمة والغلبة، ولا ثواب ولا أجر لقتالهم، وقتلاهم في النار، ولنا الثواب العظيم في الآخرة، وقتلانا في الجنة، وليس لهم ملجأ يستمدون منه العون والنصر إلا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، أو تحقيق الشعارات الباطلة التي ليس لها مستند شرعي صحيح، ونحن بعبادتنا الله وحده لا شريك له نلجأ إليه في طلب النصر والرحمة لأن الله هو القوي القاهر، ولأن النصر من عند الله وحده.
ونحن في قتالنا ننتظر إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وكان الله عليما بأحوالنا ونياتنا، حكيما فيما يأمرنا به، وينهانا عنه.
قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا «١» وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا «٢» إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ «٣» وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) [التوبة: ٩/ ٥١- ٥٢] .
وكل هذه المرغبات برهان بيّن، وحجة قاطعة على أنه يجب أن تتقوى نفوس المؤمنين، وتخوض ميادين المعارك الحربية والقتال بجرأة وشجاعة، وبإقدام لا يعرف التردد والإحجام.
стр. 372
وقد بشّر القرآن الكريم شهداء أمتنا بالجنة والرضوان في قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) [آل عمران: ٣/ ١٦٩- ١٧١] .
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحة عن معاذ ابن جبل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة «١» ، فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا «٢» ثم مات، أو قتل، فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر «٣» ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك» .
المساواة أمام القضاء
لا يعرف الإسلام في أحكامه وقضائه ومحاكمه التفرقة بين مسلم وغير مسلم، فالكل أمام الحق والعدل سواء، ولا محاباة لمسلم على حساب غير المسلم في أي مظهر أو وضع من مظاهر القضاء وأوضاعه.
والدليل القاطع على هذا: ما نزل في القرآن الكريم في شأن يهودي أراد المنافقون أن يلصقوا به تهمة سرقة ارتكبها بعضهم، وهي أن طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جار له في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها وحلف
стр. 373
بالله ما أخذها، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إلي طعمة،- وكان من المنافقين- وشهد له أي لليهودي ناس من اليهود بذلك، ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي، فهمّ النبي ﷺ أن يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت آيات تسع في هذه الحادثة، وأما طعمة فهرب إلى مكة وارتد، وقد سقط عليه حائط في سرقة، فمات.
هذه الآيات من سورة النساء هي قوله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٥ الى ١١٣]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١٠٥- ١١٣] .
تشتمل هذه الآيات على موضوعات أربعة: أولها تقرير مبدأ الحق والعدل
стр. 374
المطلق، لأن العدل لا يتجزأ، ولا ينحاز القاضي المؤمن الحر النزيه إلى أحد الخصمين، حتى ولو كان متفقا معه في الدين، أو قريبا أو أبا أو ابنا أو زوجا، وفي ثنايا تقرير مبدأ العدل هذا عتاب للنبي ﷺ على ما همّ عليه وتصحيح لموقفه، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة دون تثبت. وهذا يقتضي طلب الاستغفار منه على ما همّ عليه، وتحذيره من الجدال أو الدفاع عن القوم من بني أبيرق الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي. والله لا يخفى عليه شيء من نواياهم وتآمرهم وتبييتهم ما لا يرضى الله من القول الباطل، واتهام الأبرياء لرفع التهمة عنهم.
والموضوع الثاني: تنديد وتوبيخ للذين يدافعون عن غيرهم بالباطل وهم أقارب طعمة، فإذا جادلوا عن المتهم بغير حق في الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة، ومن يجرأ أن يكون يوم القيامة محاميا وكيلا أمام الله الذي يعلم الحقائق ولا تنطلي عليه الحيل والأكاذيب.
والموضوع الثالث: ترغيب وترهيب: ترغيب المسيء أو الظالم بالعدول عن إساءته وطلب المغفرة من الله على تورطه بالخطايا والذنوب، فإن وبال الذم أو الإثم على نفسه، وترهيب من محاولة إلصاق التهمة بالأبرياء، فذلك أعظم البهتان (أي الكذب) وأوضح الإثم والمعصية.
والموضوع الرابع: بيان واضح لعصمة النبي ﷺ من الوقوع في الخطأ القولي والعملي فضلا من الله ورحمة، ومنع أذى الأشرار الذين يحاولون إضلاله وتلبيس الحق بالباطل وإخفاءه عليه، فالله محبط تآمرهم وراد كيدهم وكاشف حيلهم، والواقع أنهم لا يضرون إلا أنفسهم، فإن نبي الله معصوم من كل مكروه، أنزل الله عليه القرآن والحكمة: وهي فقه مقاصد الدين وأسراره، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وفضل الله عليه عظيم جدا، لأنه رسول للناس كافة وخاتم الأنبياء والمرسلين،
стр. 375
وشاهد على أمته بالتبليغ، وجعل أمته وسطا خيارا عدولا لا يحكمون إلا بالحق والعدل.
أنواع الحديث السرّي
ينبغي أن يكون ظاهر المسلم وباطنه سواء، فلا يتكلم بشيء في الظاهر، ويضمر خلافه في القلب والباطن، وإلا كان منافقا مخادعا، ويلاحظ أن كثيرا من الناس يحلو لهم أن يكون أغلب كلامهم مع الآخرين سرا لا جهرا، وخفاء لا علنا، وهذا اللون من الحديث السري منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، والخير: هو كل ما يحقق النفع العام للناس، والشر: هو كل حديث فيه إضمار السوء والأذى والضرر بالنفس أو بالآخرين.
وقد صنف القرآن الكريم ألوان الأحاديث السرية، فقال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ١١٤- ١١٥] .
نزلت هذه الآيات في تناجي أهل طعمة بن أبيرق الذي سرق درعا، فقاموا يتناجون ليلا ويتسارّون الحديث بالفساد وتعاونهم على الشر وإلصاق تهمة السرقة بيهودي.
وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي ﷺ بقطع يده بسبب السرقة، هرب إلى مكة، وارتد عن الإسلام، ومات مشركا، فنزلت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ...
стр. 376
أبان الله تعالى أن كل حديث سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون على الخير والتصدق على المحتاجين، أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح بين الناس لأن حديث السر يغلب فيه ارتكاب الإثم وإضمار السوء. أما التناجي في الأمور العادية كالزراعة والصناعة والتجارة ونحوها من المنافع والمصالح فلا بأس به، ولا يوصف ذلك بالشر، ولا ينهى عنه الشرع.
والخيرية إنما تكون في هذه الأشياء الثلاثة، في السر دون الجهر، لأن تحقيق جدواها أو منفعتها إنما يكون في حال السر، وهذه الأشياء هي كما تقدم بذل الصدقات للفقراء والمحتاجين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس لإزالة الخصومة وتقريب وجهات النظر وإزالة سوء التفاهم. ومن يفعل أحد هذه الأشياء بقصد طلب الرضا من الله والإخلاص في العمل فسوف يؤتيه الله ثوابا عظيما، الله أعلم به.
وجاء في السنة النبوية الشريفة ما يؤيد هذه الآية القرآنية،
أخرج الترمذي وغيره عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ذكر الله ، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» .
ثم حذرت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ الناس من الشذوذ ومخالفة الجماعة، ومن معاداة الرسول ﷺ بالارتداد عن دينه، بعد ما ظهر للمؤمن الحق والهدى، وجعلت الآية اتباع غير سبيل المؤمنين، ومخالفة إجماعهم واتفاقهم مثل معاداة الرسول تماما، وجزاء المعادي أو مخالف الجماعة: أن يتركه الله تعالى يتخبط في دياجير الظلام والضلال، وأن يدخله نار جهنم، وبئس ذلك المصير أو المرجع مصير هؤلاء المرتدين أو الشاذين عن طريق الجماعة.
دلت هاتان الآيتان على وجوب أمرين خطيرين:
стр. 377
أولهما- تضامن الأمة كلها في سرها وعلنها في أعمال الخير والبناء والمعروف، والعمل على تقوية الأواصر الاجتماعية، وتحقيق تكافل الجماعة، وتمتين الروابط، وتوجيه الجهود والطاقات نحو تحقيق النفع العام، وإشاعة المحبة والمودة والإصلاح بين الناس، وإصلاح أهل الفساد، والأخذ بيد الضعفاء.
والأمر الثاني- وجوب التفاف الأمة حول الوحدة: وحدة العقيدة والفكر، واتباع النبي ﷺ ، واتباع ما تسير عليه الجماعة والأكثرية في دروب الخير والنفع، ومقاومة كل ألوان الشر والفساد، وإضعاف المسيرة الخيرة في الجهاد وتحرير البلاد، وتقدم المجتمع، وبناء صرح العزة والحضارة.
خطر الشرك والشيطان
لقد حذر القرآن الكريم من أخطر شيئين على الإنسان، لما فيهما من عاقبة سيئة وآثار وخيمة، ألا وهما الشرك والشيطان، أما الشرك بالله بنسبة الولد والصاحبة والصنم والملك له فهو أعظم الجرائم في الإسلام لأنه وكر الخرافات والأباطيل، وأما الشيطان هو مخلوق حي موجود فإنه أعدى أعداء الإنسان لأنه لا يوسوس له إلا بالشر، ولا يزين له إلا بالسوء، والوقوع في المهالك من طريق المال أو الجاه أو النساء أو فساد العقيدة والعمل.
قال الله تعالى مبينا هذين الخطرين:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
«١» «٢»
стр. 378
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١١٦- ١٢٢] .
الشرك: هو منتهى فساد الروح، وضلال العقول، والانحراف عن أخطر قضية في هذا العالم وهو الإيمان بالله الواحد الأحد، فهو ظلم وافتئات على الحقيقة، وإيغال في الكفر وجحود نعمة الله على المخلوقات جميعا. لذا أعلن القرآن الكريم أن الله لا يغفر جريمة الشرك بالله أصلا، ويغفر غيره من الذنوب والخطايا لمن يشاء، وهذا تحذير لأهل الضلال، وإطماع لأهل الإيمان بفضل الله وإحسانه، ومن أشرك بالله بالقول أو الفعل أو الاتجاه أو التقديس، فقد ضل ضلالا بعيدا عن الخير والرشد.
وأما الشيطان: فهو داعية الشر والفساد، ورأس الكفر والضلال، طرده الله من رحمته، وعباد الأوثان والأصنام لا يعبدون بدعائهم إياها إلا أسماء مؤنثة كاللات والعزى، ومناة، ونائلة، وهي مؤنثات ضعيفات لا تعقل، وجمادات وأخشاب لا تدرك، وما يعبدون بتعظيمها إلا شيطانا متمرنا على الإيذاء، متدربا على الخبائث، متمردا على القيم الخيرة، فهو الذي أمر الوثنيين بعبادة تلك الأصنام، فكانت طاعتهم للشيطان عبادة له.
стр. 379
ومهام الشيطان كثيرة كما ذكرت الآيات: أولها: محاولة اتخاذ جزء معلوم من الناس تلامذة له، وخلصاء وأعوانا بإغوائه وإضلاله، وهم الكفرة والعصاة.
ثانيا: إضلال الناس، أي صرفهم عن الحق وطريق الهدى وعن الاعتقاد الصحيح.
ثالثا: الوعد بالأماني الباطلة، والعيش في خيال الآمال الوهمية، والأمر بالتسويف والتأخير، وتزيين اللذات، وترك التوبة.
رابعا: الأمر بتقطيع وتشقيق آذان الأنعام (المواشي) للآلهة الأصنام كالبحيرة التي يتركون الحمل عليها بوسمها بعلامة معينة، والناقة السائبة التي يسيبونها للأصنام إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، والوصيلة التي ولدت جديا وعناقا، فلا يذبحون أخاها من أجلها وصلتها.
خامسا: أمر الناس بتغيير خلق الله وفطرته التي فطر الناس عليها: وهي الاهتداء إلى الحق والدين الصحيح، والتغيير يكون بإخصاء البهائم والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشوية الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه.
ثم أوضح الله تعالى أن وعود الشيطان وأمانيه المعسولة كلها خيالات وأوهام وأباطيل، فهو يعدهم بالمال والجاه وأن لا بعث ولا عقاب ونحو ذلك، لكل أحد ما يليق بحاله، وما تلك الأماني الواسعة الكاذبة إلا تغرير وباطل لا حقيقة له ولا استقرار ولا وجود.
وبعد أن حذر القرآن من ألوان وساوس الشيطان وتفنيد مهامه ومخططاته، رغّب المؤمنين بالإيمان الصادق الخالص، وحرّضهم على العمل الصالح: وهو فعل ما أمر الله به من الأعمال الطيبة والأمور الخيرية، وترك ما نهى عنه من المنكرات. ووعد هؤلاء المؤمنين العاملين بجنان الخلد إلى الأبد التي تجري الأنهار من تحت غرفها
стр. 380
وبساتينها، وذلك الوعد الإلهي وعد حق، وصدق قاطع، ومن أصدق من الله حديثا ووعدا؟ أي لا أحد أصدق منه خبرا لأنه القادر على كل شيء.
الأماني والعمل
ينخدع كثير من الناس في هذه الحياة، فيظنون أن تحقيق الآمال في الدنيا أو في الآخرة بمجرد التمنيات والأماني النفسية، ويتركون العمل الصالح الطيب ويركنون إلى الكسل والتقاعس، ويطمئنون إلى وعود الشيطان بالباطل التي يمنّي فيها بعض الناس بالأماني الكاذبة.
وقد نزل القرآن مفندا الاعتماد على مثل هذه التمنيات، وباعثا حب العمل، ومحركا النفوس البشرية للإقبال على العمل الصالح، ليظفروا بالسعادة والغايات السامية، وتحقيق المطالب المنشودة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١٢٣- ١٢٦] .
تعدّد سبب نزول هذه الآيات، فقال ابن عباس: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث يوم القيامة. فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.. أي فالخطاب لكفار قريش.
стр. 381
وقال مسروق وغيره: سبب الآية أن المؤمنين اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: ديننا أقدم من دينكم وأفضل، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل منكم، وقال المؤمنون: كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم النبيين، فنزلت الآية، أي فالخطاب لأمة محمد ﷺ .
والمعنى: ليس تحقيق المطالب ومنها الثواب يوم القيامة يحصل بالأماني منكم أيها المسلمون، ولا أنتم أهل الكتاب وكفار قريش، ولكن الجزاء منوط بالعمل، والثواب المعد في الآخرة مرتبط بالاعتقاد الصحيح، والعمل الصالح، والعبرة بطاعة الله واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام.
فمن يعمل سوءا يجز به لأن الجزاء أثر للعمل، كما قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة:
٩٩/ ٧- ٨] وفاعل السوء لا نجاة له يوم القيامة، ولا يجد له شفيعا ينقذه، ولا وليا يتولى أمره، ولا ناصرا ينصره ويدفع عنه شيئا من عذاب الله.
وهذا كله لمن كفر بالله وجحد بنعمه، فجزاء السوء أمر حتمي لكل كافر، كما قال الله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) [سبأ: ٣٤/ ١٧] .
أما المؤمنون الصالحون فإن الله وعد المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم إذا تابوا وأنابوا، وقد تكون بعض الحوادث مكفرة الخطايا لأهل الإيمان، مثل الأمراض والبلايا والمصائب في الدنيا، وهموم الحياة ومخاوفها.
وتكون العقيدة: أن الكافر مجازي على سيئات أعماله، والمؤمن يجازى في الدنيا غالبا على سوء عمله، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو متروك إلى مشيئة الله تعالى، يغفر الله لمن يشاء، ويجازي من يشاء. وقانون القرآن في قبول الله تعالى الأعمال
стр. 382
الصالحة والأفعال الخيرة مرتكز على قاعدة الإيمان الصحيح بالله تعالى، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعمل صالح الأعمال التي أمر الله بها، لا فرق بين ذكر وأنثى، فأولئك لا غيرهم يدخلون الجنة، دون أن ينقص من ثواب عملهم شيء مهما كان قليلا، والله أرحم الراحمين لا يظلم العباد، ولا يزيد في عقاب المقصرين.
وبعد أن بين الله سبحانه أن الجزاء منوط بالعمل والإيمان، لا بالأماني المعسولة والتمنيات الموهومة الكاذبة، أوضح لجميع الناس أنه لا أحسن دينا ممن أخلص مقصده وتوجهه لله، وأحسن في أعماله، واتبع ملة التوحيد الحنيفية التي هي ملة إبراهيم الخليل ﵇، وقد سمى الله إبراهيم خليلا لإخلاصه لربه في عبادته، واجتهاده في مرضاة خالقه، وتفانيه في حب الله والإيمان به.
ثم أعلمنا القرآن الكريم عن إحاطة علم الله بكل شيء في هذا العالم، يعلم بأعمال جميع العباد، وهو سبحانه واسع الملك، له جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا، فهو القادر على جزاء العاملين خيرا وشرا، إذ الكل ملكه، ولا يخرج أحد عن سلطانه وملكوته، وهو وحده المستحق للطاعة والعبادة لأنه المالك، وما عداه مملوك.
رعاية اليتامى والضعفاء
إن من أخص ما تميزت به شريعة الإسلام أنها شريعة المستضعفين من النساء والأولاد والكبار العاجزين والفتيان المعاقين والمشوهين وأصحاب العاهات والأمراض، لأنها شريعة الرحمة العامة بالعالمين من الجن والإنس، وشريعة الإنقاذ والأخذ بيد الضعيف، ليصبح في رتبة مساوية أو مقاربة لغيره، لا ينتقصه أحد شيئا من حقوقه، وإنما ينال حظه المقرر له في هذه الدنيا.
стр. 383
أما المستكبرون والمتجبرون أو العتاة والظلمة، فالقرآن يشفق عليهم، ويعالج أمراضهم إما بالتهديد والوعيد أحيانا، وإما بتذكيرهم بحقوق الآخرين عليهم، وإما بإثارة العواطف الإنسانية الخفية في مشاعرهم وإحساساتهم.
ومن مظاهر الظلم الدفين الذي يشيع أحيانا، ولا يحس الناس بخطره ولا نجد له علاجا اجتماعيا حاسما: إلحاق الظلم بحقوق النساء من الزوجات والبنات والأخوات في المواريث واقتسام التركات، فيكاد المستأثر بالحظ الأوفى هم الرجال، وحرمان النساء أو انتقاص حقوقهن، لذا قال الله تعالى مبينا علاج هذه الظاهرة:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٧]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
«١» [النساء: ٤/ ١٢٧] .
نزلت هذه الآية بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك.
روى البخاري عن عائشة في سبب نزول هذه الآية قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، قد شركته في مالها، حتى في العذق (النخلة بحملها) فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في مالها، فيعضلها (يمنعها عن الزواج) فنزلت.
وروى ابن أبي حاتم عن السدّي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت.
стр. 384
ومعنى الآية: يطلب الفتوى منك أيها النبي النساء، في حقوقهن الشاملة للميراث وحقوق الزوجية المالية وغيرها، كالعدل في المعاملة بين الزوجات، والعشرة الطيبة، وعلاج حالة النشوز، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه، ويوضح لكم أيضا أحكاما أخرى في المتلو عليكم في القرآن الكريم، مثلما تقدم في أوائل سورة النساء من وحدة الناس في الإنسانية، ما داموا قد خلقوا من نفس واحدة هي آدم ﵇، وأحكام معاملة النساء في المواريث، وتعدد الزوجات في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: ٤/ ٣] وأحكام إيتاء أموال اليتامى عند البلوغ من غير تردد ولا تباطؤ في قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) [النساء: ٤/ ٢] أي إثما عظيما.
ويبين الله لكم ما يتلى عليكم في شأن اليتيمات المستضعفات اللاتي لا تعطونهن ما فرض لهن من ميراث ومهر (صداق) . وهذا نهي صريح وتحريم لما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية من دون ما تستحقه من المهر، ومن منع (عضل) الدميمة الفقيرة أو الغنية من الزواج أبدا حتى تموت، فيرثها الولي العاضل (المانع لها من الزواج) بقصد تحقيق منفعة نفسه، لا نفع اليتيمة. والذي كتب (فرض) الله لهن:
هو توفية ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها.
ويبين الله لكم كذلك ما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد الذين لا تعطونهن حقهم في الميراث في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ٤/ ١١] .
والله يرشدكم إلى القيام بأداء حقوق هؤلاء اليتامى من هؤلاء النساء، والولدان الضعفاء بالحق والعدل، وأن تعتنوا بهم عناية خاصة، وما تفعلوا من خير قليل أو
стр. 385
كثير، فإن الله به عليم، فسيجازيكم عليه أحسن الجزاء، وما تفعلوا من شر قليل أو كثير، فإن الله به عليم أيضا، ومجازيكم عليه.
يذكّر الله تعالى بالآيات السابقة ليتدبر الناس معناها، ويوجب عليهم معاملة اليتامى والضعفاء بمبدإ العدل، والإسلام في كل ما شرع وحكم: دين العدل والإنصاف، وعلى المؤمنين التزام هذا المبدأ في القضاء والأحكام وفي المعاملات الخاصة بالإشراف على شؤون المستضعفين والصغار والنساء.
الإصلاح بين الزوجين والعدل بين النساء
كثيرا ما يقع النزاع وسوء التفاهم بين الزوجين، لا سيما في السنة الأولى وما بعدها عقب الزواج، وطريق إزالة الخلاف تقريب وجهات النظر والإصلاح بين الزوجين من قبل أنفسهما أو غيرهما بالحكمة والحق والعدل دون إلحاق جور بأحدهما أو ميل له، فإن العدل أساس سلامة الحل ودوام العشرة الزوجية دون نزاع أو خصام يذكر.
كذلك تعد المعاملة الطيبة الكريمة والكلمة الحسنة اللطيفة أمرا مطلوبا شرعا لا يستغنى عنه.
والله تعالى أنزل في القرآن الكريم ما يرشد إلى الصلح والعدل في معاملة النساء، فقال سبحانه:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٨ الى ١٣٠]
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 386
«١» [النساء: ٤/ ١٢٨- ١٣٠] .
وسبب نزول آية وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً: ما
روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سودة بنت زمعة- زوجة النبي ﷺ ، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً
فما اصطلحا عليه فهو جائز.
هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون متقدمة في السن أو دميمة أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فإذا أرادت المرأة الصبر والبقاء في عصمة الزوج، ولا تتضر بذلك، فلها أن تتصالح مع الرجل على أمر ما، لإبقاء رابطة الزواج المقدسة، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، وقد يكون الصلح بتنازل المرأة عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمة زوجها، أو تمنحه شيئا من مالها ليطلقها من طريق ما يسمى بالخلع أو عوض الخلع: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ والصلح خير من الفراق والطلاق، أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة، بل هو خير من الخصومة في كل شيء حفاظا على الرابطة الزوجية، ومنعا من هدم كيان الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد.
وإن تحسنوا أيها الأزواج البقاء مع نسائكم وإن كرهتموهن، وتصبروا على ما تكرهون، مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم، وتتقوا النشوز والإعراض، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه.
стр. 387
ثم أبان الله تعالى أن الإنسان عاجز عن تحقيق العدل التام على الإطلاق، المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة وغير ذلك، فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، ففي الأمور المادية كالمبيت والنفقة والكسوة والكلمة الطيبة يتمكن الرجل من تحقيق العدل فيها، أما الأمور غير المادية كالحب والميل لامرأة دون أخرى وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي وميل القلب، فلا يستطيع الرجل تحقيق العدل فيها، فكلف الله الرجال بما يستطيعونه وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج والمشقة فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء والأمور النفسية، فإن الحب والبغض غير مقدور للإنسان، فلا يكون مكلفا به،
قال النبي ﷺ فيما رواه أصحاب السنن الأربعة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» .
ولكن لا تميلوا كل الميل أيها الرجال، بحيث تترك المرأة الثانية كالمعلّقة لا هي مطلقة، ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها ومحاربة الميول الجارفة لضرّتها، حتى لا تتألم.
وإن لم ينفع الصلح وعلاج سوء التفاهم واستعصت الحلول، فلا مانع من الفراق، والله يتكفل كلا من الزوجين بالتعويض عما لحق به من أذى، فيغني الرجل عن المرأة، ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المن والإكرام والإحسان، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
كمال القدرة الإلهية
لا يمكن للعقل الإنساني أن يحيط بتمام وكمال القدرة الإلهية لأن عقل الإنسان محدود، والقدرة الإلهية غير محدودة، والعقل قاصر، وقدرة الله تامة شاملة، وإنما
стр. 388
قرّب القرآن الكريم كيفية تصور القدرة الإلهية بما يحيط بنا من العالم المشاهد المحسوس الذي ندركه، ونتعامل معه ونحس به، ويكفينا تقريب المفاهيم لنعلم أن الله ﷻ هو خالق الكون، المتصف بالتوحيد، القوي القادر القاهر الذي لا يغلب، المحيط علمه بجميع المخلوقات صغيرها وكبيرها.
قال الله تعالى مدللا على عظمته وقدرته التامة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
[النساء: ٤/ ١٣١- ١٣٤] .
يخبر الله تعالى: أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم المتصرف فيهما، وأن جميع ما فيهما له سبحانه ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا وعبيدا، له الحكم المطلق ولله الأمر جميعا، والخلق في نهاية العالم راجعون إليه للحساب والجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ولقد أمر الله أهل الكتاب أصحاب التوراة والإنجيل والزبور، وأمر جميع المسلمين والمؤمنين في هذا العالم بتقوى الله ، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وهذا الأمر لعباد الله أو الوصية الإلهية بالتقوى لم يزل ولم تزل موجودين، فالوصية بذلك قائمة منذ أوجد الله الخلق، وهذا دليل واضح على أن الأديان كلها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله، ومختلفة في الجزئيات والفروع تبعا للزمان والمكان.
ثم هدد الله جميع العباد بأنهم إن كفروا بالله، فليعلموا أن لله جميع ما في
стр. 389
السماوات والأرض، وهو سبحانه الغني عن خلقه وعن كل شيء، وعن عبادتهم جميعا، وهو المستحق لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه، وإن لم يحمد أحد منهم: قال الله تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) [الذاريات: ٥١/ ٥٧- ٥٨] .
ثم أكد الله تعالى القول والتنبيه للعباد بأنه المالك المتفرد لجميع السماوات والأرض خلقا وملكا يتصرف فيهما كيف شاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، وكفى بالله وكيلا، أي قائما بالأمور كلها، المنفذ فيها ما رآه في سائر شؤون العباد.
والمراد بقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أن من كان بسعيه وعمله وجهاده يريد ثواب الدنيا، أي نعيمها بالمال والجاه والمتع الدنيوية، ولا يعتقد أن هناك نعيما سواه، فليس الأمر كما يظن، بل عند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة، فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة ويحقق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس له في عالم القيامة إلا النار، وكان الله سميعا لكل قول، بصيرا بكل قصد وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله ، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده معا ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة ونعيمها الخالد في الجنة.
وهذه الآية مثل قوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «١» (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)
стр. 390
[البقرة: ٢/ ٢٠٠- ٢٠٢] . وقال سبحانه أيضا: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) [الشورى: ٤٢/ ٢٠] .
والدعوة للعمل لخيري الدنيا والآخرة دليل على أن الإسلام كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام الحياة الإسلامية- القرآنية التي تعتمد الدنيا وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصدا وغاية، والله يحب المحسنين أعمالهم في دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم.
واجب الشهود في شهاداتهم
لم نجد كالإسلام دينا يركز على مبدأ الحق والعدل في كل شيء، في المعاملة والتعاقد، والقضاء والشهادة، والحكم بين الناس لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل، وسعادة الأفراد والجماعات لا تتوفر إلا بالعدل، ولن يحفظ النظام وتنضبط شؤون الملك والدنيا وأحوال أهلها إلا بالعدل، فالعدل أساس الملك الدائم، وقاعدة الاطمئنان والاستقرار.
والعدل في القرآن الكريم قائم على قاعدة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذ لا ثواب عند الله تعالى ولا احترام لمبدأ الحق والعدل إلا إذا كان العمل كله مبنيّا على أصول الإيمان التي ذكرناها.
قال الله تعالى آمرا القضاة والشهود بالعدل، ومذكّرا بالإيمان وقواعده:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
«١»