«١» [النساء: ٤/ ١٢٨- ١٣٠] .
وسبب نزول آية وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً: ما
روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سودة بنت زمعة- زوجة النبي ﷺ ، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً
فما اصطلحا عليه فهو جائز.
هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون متقدمة في السن أو دميمة أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فإذا أرادت المرأة الصبر والبقاء في عصمة الزوج، ولا تتضر بذلك، فلها أن تتصالح مع الرجل على أمر ما، لإبقاء رابطة الزواج المقدسة، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، وقد يكون الصلح بتنازل المرأة عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمة زوجها، أو تمنحه شيئا من مالها ليطلقها من طريق ما يسمى بالخلع أو عوض الخلع: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ والصلح خير من الفراق والطلاق، أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة، بل هو خير من الخصومة في كل شيء حفاظا على الرابطة الزوجية، ومنعا من هدم كيان الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد.
وإن تحسنوا أيها الأزواج البقاء مع نسائكم وإن كرهتموهن، وتصبروا على ما تكرهون، مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم، وتتقوا النشوز والإعراض، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه.
стр. 387
ثم أبان الله تعالى أن الإنسان عاجز عن تحقيق العدل التام على الإطلاق، المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة وغير ذلك، فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، ففي الأمور المادية كالمبيت والنفقة والكسوة والكلمة الطيبة يتمكن الرجل من تحقيق العدل فيها، أما الأمور غير المادية كالحب والميل لامرأة دون أخرى وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي وميل القلب، فلا يستطيع الرجل تحقيق العدل فيها، فكلف الله الرجال بما يستطيعونه وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج والمشقة فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء والأمور النفسية، فإن الحب والبغض غير مقدور للإنسان، فلا يكون مكلفا به،
قال النبي ﷺ فيما رواه أصحاب السنن الأربعة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» .
ولكن لا تميلوا كل الميل أيها الرجال، بحيث تترك المرأة الثانية كالمعلّقة لا هي مطلقة، ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها ومحاربة الميول الجارفة لضرّتها، حتى لا تتألم.
وإن لم ينفع الصلح وعلاج سوء التفاهم واستعصت الحلول، فلا مانع من الفراق، والله يتكفل كلا من الزوجين بالتعويض عما لحق به من أذى، فيغني الرجل عن المرأة، ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المن والإكرام والإحسان، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
كمال القدرة الإلهية
لا يمكن للعقل الإنساني أن يحيط بتمام وكمال القدرة الإلهية لأن عقل الإنسان محدود، والقدرة الإلهية غير محدودة، والعقل قاصر، وقدرة الله تامة شاملة، وإنما
стр. 388
قرّب القرآن الكريم كيفية تصور القدرة الإلهية بما يحيط بنا من العالم المشاهد المحسوس الذي ندركه، ونتعامل معه ونحس به، ويكفينا تقريب المفاهيم لنعلم أن الله ﷻ هو خالق الكون، المتصف بالتوحيد، القوي القادر القاهر الذي لا يغلب، المحيط علمه بجميع المخلوقات صغيرها وكبيرها.
قال الله تعالى مدللا على عظمته وقدرته التامة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
[النساء: ٤/ ١٣١- ١٣٤] .
يخبر الله تعالى: أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم المتصرف فيهما، وأن جميع ما فيهما له سبحانه ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا وعبيدا، له الحكم المطلق ولله الأمر جميعا، والخلق في نهاية العالم راجعون إليه للحساب والجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ولقد أمر الله أهل الكتاب أصحاب التوراة والإنجيل والزبور، وأمر جميع المسلمين والمؤمنين في هذا العالم بتقوى الله ، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وهذا الأمر لعباد الله أو الوصية الإلهية بالتقوى لم يزل ولم تزل موجودين، فالوصية بذلك قائمة منذ أوجد الله الخلق، وهذا دليل واضح على أن الأديان كلها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله، ومختلفة في الجزئيات والفروع تبعا للزمان والمكان.
ثم هدد الله جميع العباد بأنهم إن كفروا بالله، فليعلموا أن لله جميع ما في
стр. 389
السماوات والأرض، وهو سبحانه الغني عن خلقه وعن كل شيء، وعن عبادتهم جميعا، وهو المستحق لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه، وإن لم يحمد أحد منهم: قال الله تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) [الذاريات: ٥١/ ٥٧- ٥٨] .
ثم أكد الله تعالى القول والتنبيه للعباد بأنه المالك المتفرد لجميع السماوات والأرض خلقا وملكا يتصرف فيهما كيف شاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، وكفى بالله وكيلا، أي قائما بالأمور كلها، المنفذ فيها ما رآه في سائر شؤون العباد.
والمراد بقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أن من كان بسعيه وعمله وجهاده يريد ثواب الدنيا، أي نعيمها بالمال والجاه والمتع الدنيوية، ولا يعتقد أن هناك نعيما سواه، فليس الأمر كما يظن، بل عند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة، فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة ويحقق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس له في عالم القيامة إلا النار، وكان الله سميعا لكل قول، بصيرا بكل قصد وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله ، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده معا ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة ونعيمها الخالد في الجنة.
وهذه الآية مثل قوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «١» (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)
стр. 390
[البقرة: ٢/ ٢٠٠- ٢٠٢] . وقال سبحانه أيضا: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) [الشورى: ٤٢/ ٢٠] .
والدعوة للعمل لخيري الدنيا والآخرة دليل على أن الإسلام كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام الحياة الإسلامية- القرآنية التي تعتمد الدنيا وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصدا وغاية، والله يحب المحسنين أعمالهم في دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم.
واجب الشهود في شهاداتهم
لم نجد كالإسلام دينا يركز على مبدأ الحق والعدل في كل شيء، في المعاملة والتعاقد، والقضاء والشهادة، والحكم بين الناس لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل، وسعادة الأفراد والجماعات لا تتوفر إلا بالعدل، ولن يحفظ النظام وتنضبط شؤون الملك والدنيا وأحوال أهلها إلا بالعدل، فالعدل أساس الملك الدائم، وقاعدة الاطمئنان والاستقرار.
والعدل في القرآن الكريم قائم على قاعدة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذ لا ثواب عند الله تعالى ولا احترام لمبدأ الحق والعدل إلا إذا كان العمل كله مبنيّا على أصول الإيمان التي ذكرناها.
قال الله تعالى آمرا القضاة والشهود بالعدل، ومذكّرا بالإيمان وقواعده:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
«١»
стр. 391
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٣٥- ١٣٦] .
قال السّدّي: لما نزلت آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ في النّبي ﷺ اختصم إليه رجلان: غني وفقير، وكان ﷺ مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير.
الأمر بالعدل إذن عام شامل الناس جميعا، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عالم وجاهل، ولا بين مسلم وغير مسلم، ولا بين كبير وصغير، يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يلتزموا العدل في كل شيء، في أقوالهم وأفعالهم، وأن يتعاونوا ويتعاضدوا في إقامة العدل، دون أن تأخذهم في الله لومة لائم.
ومن أخصّ ما يطلب فيه العدل: الحكم بين الناس، والقضاء في الخصومات، وأداء الشهادات أمام القاضي وغيره، فعلى القائمين بهذه الوظائف أن يعملوا بالحق، ويشهدوا بالحق، ويتحرّوا الحق الذي يرضي الله تعالى، ويؤدّوا العمل أو الشهادة ابتغاء وجه الله، لتكون الشهادة صحيحة عادلة حقّا، من غير مراعاة أحد ولا محاباة.
إن نبراس العمل وأساس الشهادة بالحق المجرد، ولو كانت الشهادة على النفس والأقربين، ويكون ذلك بالإقرار بالحق وعدم كتمانه، فمن أقرّ على نفسه بحق، فقد شهد عليها لأن الشهادة إظهار الحق.
стр. 392
والشهادة بالحق على النفس والوالدين والأقارب أمر واجب، ولو عاد ضررها على هؤلاء لأن الإحسان إلى النفس والقرابة وبرّ الوالدين، لا يكون بالظلم والانحراف عن الحق، بل الإحسان والخير والبر وصلة القرابة في الحق والمعروف.
وليس للشاهد أن يراعي غنيّا لغناه أو يرحم فقيرا لفقره، بل يترك الأمر كله لله، فالله يتولى أمر الغني والفقير.
وليس للشهود اتّباع الهوى والمحاباة، لئلا يعدلوا عن الحق إلى الباطل، إذ في الهوى والمحاباة الزّلل والضّرر، فلا يجوز أن تؤدي العصبية وهوى النفس وبغض الناس إلى الظلم وترك العدل في الأمور والشؤون كلها، وإنما الواجب التزام العدل على أي حال، كما قال تعالى مبيّنا وجوب العدل حتى مع الأعداء: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ «١» عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. [المائدة: ٥/ ٨] .
وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرّفوها أو تعرضوا عن إقامة الشهادة وتكتموها، فاعلموا أن الله خبير بأعمالكم ومجازيكم عليها.
ثم أمر الله المؤمنين بالثبات والدوام على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، دون تفرقة بين الكتب السابقة والقرآن العظيم لأن جميع الكتب الإلهية منزّلة من عند الله تعالى، ومن يجحد وينكر وجود الله ووحدانيته، ولا يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد ضلّ ضلالا بعيدا، وانحرف عن جادة الحق، ونور الهدى، وخرج عن المطلوب خروجا شديدا وبعيدا كل البعد عن الصواب والسّداد.
стр. 393
صفات المنافقين
قصّ الله تعالى علينا في قرآنه المجيد أخبار المنافقين وذكر صفاتهم، حتى نحذرها ولا نتشبّه بهم ولا نتورّط بمثل أعمالهم الشنيعة، فمن صفات المنافقين التي هي أشدّ ضررا على المؤمنين: موالاتهم ومناصرتهم الكفار، وتركهم ومعاداتهم المؤمنين، نبّه سبحانه على فساد ذلك ليدعه من يقع في نوع منه غفلة أو جهالة أو مسامحة. وأرشد الله تعالى إلى سبب توبيخهم ونقطة ضعفهم: وهو طلب العزة والاستكثار والتقوّي بغير المؤمنين، والأمر ليس كذلك، بل العزّة كلها لله تعالى، يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين.
قال الله تعالى مبيّنا صفات المنافقين القبيحة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ١٣٧- ١٤١] .
عجيب وغريب أمر هؤلاء المنافقين، لا يحترمون أنفسهم، وكأنهم وحدهم يعيشون في هذا العالم، في سطحية وسذاجة، فهم أغرار وجهلاء بالحقيقة، يتذبذبون ويتردّدون بين أهل الإيمان وأهل الكفر، لا مرة واحدة، بل مرات متعددة، فتراهم
стр. 394
يؤمنون أحيانا بالله ورسوله، ثم يكفرون، ثم يؤمنون ثم يكفرون، ثم يزدادون كفرا ويتغالون ويتمادون في الكفر، ثم يموتون على الكفر، فهؤلاء طبعا وعقلا وشرعا لا يغفر الله لهم، ولا يرشدهم ولا يهديهم إلى الخير.
وأنذر يا محمد هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابا مؤلما في الدّرك الأسفل من النار، وإنما قال الله: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ والمراد أنذر، وذلك على سبيل التّهكم بهم.
ومن صفات المنافقين أيضا: أنهم كانوا يتخذون الكافرين أولياء وأنصارا وأعوانا، ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها، ظنّا منهم أن الغلبة ستكون للكفار، ولم يدروا أن العاقبة للمتقين لأن الله معهم، أيطلبون الاعتزاز والاستكثار بالكفار؟ ليس الأمر كذلك، لقد كذبوا وافتروا، بل العزة كلها لله، أي القوة والمنعة والمجد لله في الدنيا والآخرة، وهو يؤتيها من يشاء، والمراد أن العزة في النهاية تكون لأولياء الله الذين كتب لهم العز والغلبة والنصرة على الأعداء.
ثم حذّر الله جميع الناس من تجاوز آيات الله وأحكامه، فقد أنزل الله على جميع من أظهر الإيمان من محقق صادق ومنافق كاذب أنه ينبغي عليهم عند سماع الاستهزاء بآيات الله والكفر بها أن لا يجلسوا في مجالس الكافرين، ولا يتكلموا معهم حتى يتحدثوا في حديث آخر، فإنهم إن جلسوا في هذه المجالس، كانوا شركاء في الكفر، لرضاهم بكلامهم، وسكوتهم عن إنكار منكرهم، كما قال الله تعالى في آية أخرى:
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦/ ٦٨] .
إن هذا التحذير من مجالسة المستهزئين بآيات الله تنبيه مخلص لأهل الإيمان الحق، لأن الله جامع الكافرين والمنافقين في جهنم جميعا.
ومن صفات المنافقين: أنهم ينتظرون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شرّ، فإن تحقق نصر للمؤمنين وفتح وغنيمة قالوا زاعمين: إنا كنا معكم مؤيّدين ومظاهرين،
стр. 395
فأعطونا من الغنائم، وإن كان للكافرين نصيب من الظفر، كما حصل يوم أحد، قالوا لهم: ألم نغلبكم على أمركم ونتمكّن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم، وحميناكم ومنعناكم من المؤمنين بتخذيلهم وإذاعة الأخبار التي تثبط قلوبهم وتلقي الرّعب فيهم، لكن ذلك لا يخفى على الله، فالله يحكم بينكم يوم القيامة، فيجازي كلّا على عمله، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم بشّرنا الله بأنه لن يمكّن الكافرين من استئصال المؤمنين، والتّغلب على أمرهم. وهذا يعني أنه إن تحقق الإيمان الحق، تحقق وعد الله بالنصر والغلبة على الأعداء، والله مع الصابرين.
أسباب ذمّ المنافقين
الإيمان بالله والإسلام قوة ورجولة، والكفر والنفاق ضعف وانهزام، وليس أسوأ على الرجل من فقد الرجولة وضعف الشخصية، وانعدام الأصالة والجرأة، لذا وجّه الله تعالى أقبح وأشدّ اللوم للمنافقين، وكانت أهم المطاعن فيهم افتقاد الهوية الشخصية والرجولة والكرامة والإباء، بالإضافة إلى معايب أخرى تتمثل في أنهم يخادعون الله والناس، وهم لا يدركون أن خداعهم مكشوف مفضوح، وأنهم سطحيون بلهاء، وكسالى لا يغطّون انهزامهم الداخلي بشيء من إثبات الذات وسلامة الأفعال، وقوة المواقف، قال الله تعالى مبيّنا سطحية المنافقين وسذاجتهم، وكسلهم وخمولهم، وتذبذب مواقفهم، وضعف شخصيتهم ومراءاتهم في أعمالهم:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
«١» [النساء: ٤/ ١٤٢- ١٤٣] .
стр. 396
إن هؤلاء المنافقين لجهلهم وقلّة علمهم وسوء تقديرهم يفعلون ما يفعل المخادع، حيث يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، كما قال تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢/ ٩] ولم يدروا أن الله تعالى مطّلع على أعمالهم وسرائرهم ونيّاتهم الخبيثة، فيعاقبهم عقابا أليما شديدا لأن الله لا يخادع لأنه سبحانه العالم بالسّر وأخفى، والمراد بقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي مجازيهم على خداعهم لأن الجزاء من جنس العمل، والله يستدرجهم في ضلالهم وطغيانهم، ويخذلهم ويبعدهم عن الحق والهداية والنور لأنهم آثروا الانحراف والابتعاد عن جادة الاستقامة، فاستحقوا العقاب والتعذيب، والطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
ومن عيوب المنافقين: سيطرة الكسل والخمول على نفوسهم، فتراهم متباطئين متثاقلين في القيام بأشرف الأعمال وأفضلها: وهي الصلاة التي تقرّبهم إلى الله، وتهذّب نفوسهم، وتبعدهم عن الفواحش والمخازي والمنكرات.
وإذا كانت ظواهرهم فاسدة، فكذلك بواطنهم وقلوبهم ونواياهم فاسدة أيضا، فهم لا يخلصون في أعمالهم، ويراءون الناس في أفعالهم، ويستخفون من الناس، والله معهم، لذا فإنهم يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما
قال رسول الله ﷺ فيما يرويه أحمد: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» .
وإذا قاموا إلى الصلاة خشية من الناس، لا يذكرون الله إلا قليلا، فلا خشية في صلاتهم، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون عابثون، قلوبهم مقفرة من الإيمان، وألسنتهم لا تتحرك بذكر الله إلا قليلا، فإذا لم يرهم أحد لم يصلّوا. وهم ضعاف الشخصية، مذبذبون، مضطربون دائما، مترددون بين الإيمان والكفر، فليسوا مع المؤمنين حقيقة، ولا مع الكافرين حقيقة، بل ظواهرهم مع
стр. 397
المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ويميلون مع الطرف الأقوى، فإن رأوا الكفار أقوياء مالوا إليهم وتعاطفوا معهم، وتواطؤوا معهم ضدّ المؤمنين، وإن رأوا المؤمنين أقوياء، تظاهروا بالانضمام إليهم، للمنفعة المادية، والمساهمة في الغنائم الحربية، والاستفادة من مظاهر الدنيا وزخارفها.
ومثل هؤلاء، هل ينتظرون هداية وتوفيقا من الله تعالى؟ إنهم بانحراف سلوكهم، وانغماسهم في مستنقع الضلالة، لن يتعرضوا لفضل الله ورحمته، وكانوا أجدر بالضلال، والخذلان والبعد عن توفيق الله، ومن يصرفه الله عن الهداية، بسبب أعماله وشذوذه وانحرافه، فلن تجد له طريقا إلى الخير والسّداد والرشاد.
إن هذه الآيات تحذير للمؤمنين من الاتّصاف بأخلاق المنافقين، وجاءت الوصايا النّبوية تؤيّد هذا التحذير،
قال ابن مسعود- فيما رواه الطبراني في الكبير-: «لا يكونن أحدكم إمّعة، تقول: إنما أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلّوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه، ألا إن كفر الناس أن لا يكفر» .
التّحذير من موالاة المنافقين
الإيمان عصمة ومنعة وقوة، والمؤمنون أجدر الناس بأن يتحصنوا بحصن الاعتزاز بإيمانهم، والاعتماد على ربّهم، والبعد عن ذوبان الشخصية، والاختلاط بالمنافقين والانهزاميين لأن في ذلك تضييعا لوجودهم واهتزازا لكيانهم، وصهرا لقيمهم وعقائدهم وأخلاقهم.
وجاءت التحذيرات القرآنية الكثيرة من موالاة المنافقين والكافرين ومناصرتهم من أجل الحفاظ على كرامة المؤمنين وتوفير العزّة والقوة لهم، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
стр. 398
«١» «٢» «٣» .
[النساء: ٤/ ١٤٤- ١٤٧] .
لقد حذّر الله المؤمنين في هذه الآيات من أن يفعلوا فعل المنافقين، وأن يوالوا الكافرين والمعادين، أي لا تتخذوهم نصراء وأعوانا تصادقونهم وتصاحبونهم، وتصافونهم، وتسرّون إليهم بالمودة، وتفشون إليهم بأسراركم وأموركم الذاتية، تبغون من ذلك الاعتزاز بهم، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين، وهذا ليس من أخلاق المؤمنين، وإنما هو من أخلاق المنافقين.
أتريدون بهذه المصانعة والمداراة والمجاملة أن تجعلوا لله على أعمالكم حجة بيّنة في استحقاق العذاب، إذا اتخذتم المنافقين أولياء وأعوانا؟! إن هذا التّملق لا يصدر إلا من منافق، والمنافقون لسوء أعمالهم، وفساد عقائدهم وأرواحهم ونيّاتهم، يكونون يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار، والنار سبع دركات سفلية، والجنة درجات علوية بعضها أعلى من بعض، والمنافقون في الطبقة السفلى من النار. ولن تجد لهم ناصرا أبدا ينصرهم وينقذهم من العذاب أو يخففه عنهم، فهو عذاب أبدي دائم.
والمؤمنون العارفون المخلصون بعيدون عن موالاة الكافرين، وأما المنافقون فلم يهملهم القرآن، وإنما فتح أمامهم باب الأمل وطريق الإصلاح، وذلك بالتوبة من النّفاق بشروط أربعة ذكرتها الآية في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي لا بدّ من الندم على الفعل السابق، والاجتهاد في
стр. 399
صالح الأعمال التي تغسل أدران النفاق، والاعتصام بالله، أي الثقة به والتمسك بكتابه والاهتداء بهدي نبيّه المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، والشرط الرابع هو إخلاص الدين والعمل لله، بأن يدعوه الإنسان وحده، ويتجه إليه اتّجاها خالصا، لا يستمدّ العون من غيره، ولا يلجأ لأحد سواه في كشف الضّر، وجلب النفع، كما قال الله تعالى محددا شعار الإخلاص: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
هذه شروط قبول توبة المنافق، أما الكافر فشرط توبته فقط هو الانتهاء عن الكفر، كما قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٨/ ٣٨] . والمنافق: هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، والكافر: من أعلن الكفر صراحة.
هؤلاء التائبون هم مع المؤمنين، أي أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدنيا والآخرة، وفي زمرتهم ولهم ثوابهم يوم القيامة.
وسوف يعطي الله المؤمنين أجرا عظيما لا يعرف قدره، فيشاركونهم فيه، كما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السّجدة: ٣٢/ ١٧] .
ثم أبان الله تعالى سبب تعذيب المنافقين والكفار: وهو كفرهم بأنعم الله، فقال سبحانه مستفهما استفهاما إنكاريّا: ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس؟ إنه يعذبكم لا من أجل الانتقام والثأر، ولا من أجل دفع ضرّ وجلب خير له لأن الله غني عن كل الناس، وهو الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، لتنزهه عن كل صفات النقص، وهو الذي لا يثأر ولا يريد الشّر لعباده، ولكنه أيضا عادل حكيم، لا يسوي بين الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، فمن شكر نعم الله تعالى، وأدّى حقوق الله
стр. 400
وواجباته، وآمن بالله ربّا واحدا لا شريك له، شكر الله له صنعه وأثابه ثوابا عظيما، والله شاكر، يجازي من شكر، عليم بخلقه، لا يخفى عليه شيء، قال الله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) [إبراهيم: ١٤/ ٧] .
الجهر بالسوء
إن عفّة اللسان وطيب القول والكلام هو من شأن الإنسان القوي المؤمن، فلا يكون المؤمن طعّانا ولا لعّانا سبّابا، ولا يؤذي غيره بفحش القول، وخبث الكلام، وكلما ضبط الإنسان لسانه وأمسك عن النطق، كما كان حكيما عاقلا، فلا يندم يوما على فلتات لسانه، ولا يحتاج إلى الاعتذار من غيره، ويظل كريما على الناس، مهيبا ذا وقار واحترام، ومحبة وتقدير من الآخرين. وكم من عثرة لسان وتكلم بكلمة قبيحة فاحشة أعقبت ندما طويلا، وولّدت أحقادا وبغضاء وخصومات ومنازعات.
وكان من أهم مقاصد الدين وشريعة الله حمل الناس على التكلم بالكلمة الطيبة، وتجنّب التّفوه بالكلمة الخبيثة. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
[النساء: ٤/ ١٤٨- ١٤٩] .
سبب نزول هاتين الآيتين: ما قاله مجاهد- فيما أخرجه هنّاد بن السّري-:
أنزلت آية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ في رجل أضاف رجلا بالمدينة، فأساء قراه، فتحوّل عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخّص له أن يثني عليه بما أولاه، أي نزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو.
стр. 401
والمعنى: يعاقب الله تعالى المجاهر بسوء القول، أي بذكر عيوب الناس وتعداد سيئاتهم لأنه يؤدي إلى إثارة العداوة، والكراهة والبغضاء، ويزرع الأحقاد، ويسيء أيضا إلى السامعين، فيجرّئهم على اقتراف المنكر، وتقليد المسيء، ويوقعهم في الإثم لأن سماع السّوء كعمل السّوء.
وكذلك الإسرار بسوء القول محرّم ومعاقب عليه أيضا كالجهر بالقبيح، إلا أن الآية نصّت على حالة الجهر لأن ضرره أشد، وفحشه أكبر، وفساده أعم وأخطر، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) [النّور: ٢٤/ ١٩] .
ثم استثنى الله تعالى حالة يجوز فيها إعلان السوء من القول: وهي حالة الشكوى المحقة من ظلم الظالم أمام حاكم أو قاض أو غيرهما ممن يرجى منه رفع الظلامة وإغاثة المظلوم، ومساعدته في إزالة الظلم، والشكوى على الظالم أمر جائز شرعا، إذ لا يحبّ الله لعباده أن يسكتوا على الظلم، أو أن يخضعوا لصنوف الأذى والضيم، أو أن يقبلوا المهانة، ويسكتوا على مضض على الذّل والتّحقير. روى الإمام أحمد حديثا: «إن لصاحب الحق مقالا» . والشكوى حينئذ تكون من قبيل ارتكاب أخفّ الضّررين، ودفع أعظم الشّرّين.
وكل من حالتي جواز الجهر بالسوء من القول، وعدم الجواز، في ظل رقابة دقيقة من الله تعالى، فهو سبحانه سميع لكل ما يقال، مطّلع على البواعث والنّيات المؤدية للأقوال، عليم بكل ما يصدر عن المخلوقات من أفعال وتصرّفات، فيثيب الله المحق، ويعاقب المبطل، ويعين على دفع الظلم، ويجازي كل ظالم على ظلمه.
ولا مانع أيضا من العفو عن المسيء، والتّرفع عن المؤذي، بل إن العفو أفضل عند الله من الجزاء، ومرغب فيه شرعا، ليظهر ميدان الإحسان ويتعلم الناس أن من
стр. 402
أحسن إلى غيره ولم يقابله بإساءته، فهو أرفع درجة عند الله وعند خلقه، لذا ذكرت الآية الثانية: أن إبداء الخير من قول أو فعل، أو إخفاءه، أو العفو عمن أساء، يجازي الله تعالى عليه خيرا، بل يرغّب فيه، فالله تعالى يحبّ فعل الخير، ويعفو عن السّيئات، وهذا وعد كريم من الله بإثابة العافين عن الناس، والمحسنين إليهم لأن الله سبحانه قادر تمام القدرة على معاقبة المسيء في الدنيا والآخرة، لكن يظل للعفو مكانته، وما أجمل الجمع في نهاية الآية بين العفو والمقدرة في قوله سبحانه: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وهو إرشاد إلى أن القدرة على العقاب لا تمنع العفو والمغفرة، ويكون التّخلق بأخلاق الله تعالى أمرا حسنا مرغّبا فيه، ففي العفو خير وبركة وإحسان.
ضابط الكفر والإيمان
الكفر والإيمان أمران متعارضان لا يجتمعان عند إنسان، فإما أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن لأن الإيمان لا يتجزأ، وليس هناك أنصاف حلول في قضايا الإيمان وترك الإيمان، فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، فهو مؤمن، وكل من كفر وجحد بأحد هذه الأركان أو العناصر السّتة، فهو كافر غير مؤمن ولا يقبل من أحد بعد هذا: الادّعاء بأنه مؤمن إذا افتقد ركنا من هذه الأركان، وعليه أن يسلم قلبه لله تعالى، فيقرّ بوجوده ووحدانيته، ويصدق بجميع الملائكة والكتب الإلهية المنزلة والرّسل والأنبياء الكرام جميعهم، ومن آمن ببعض هؤلاء وكفر بالبعض الآخر، فهو غير مؤمن في ميزان الدين الإلهي والعدل الرّباني.
قال الله تعالى مبيّنا ضابط الإيمان والكفر صراحة:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٠ الى ١٥٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
стр. 403
[النساء: ٤/ ١٥٠- ١٥١] .
نزلت هذه الآيات في شأن من آمن ببعض الرّسل، وكفر بمحمد ﷺ ، فمن كفر بخاتم الأنبياء، فكأنه كفر بجميع الرّسل، والكفر بالرّسل كفر بالله، وتفريق بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله، ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء.
يتوعّد الله تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله، حيث فرّقوا في الإيمان بين الله ورسله، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، تعصّبا وتمسّكا بالموروث، واعتصاما بالأهواء والشهوات، وحفاظا على المراكز والمصالح.
ومن أنكر وجود الله، أو أقرّ بوجوده ولكنه كفر بالرّسل وكتبهم، ولم يعترف بوجود ظاهرة الوحي من الله لبعض عباده الذين اصطفاهم، فهؤلاء أيضا من فئة الكفار.
وإن من آمنوا بنبي أو رسول، وجحدوا نبوّة أو رسالة رسول آخر، فهم كفار، فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، واتّخذوا سبيلا وسطا بين الإيمان والكفر، واخترعوا دينا مبتدعا بين الأديان، إنهم هم الكافرون الكاملون في الكفر، الراسخون في الضلال، فالدين دين الله، وما يقرّه الله فهو الحق، وما يبطله فهو الباطل، ولو كان هؤلاء مؤمنين حقّا بما أمر الله به، لما أوجدوا هذه التفرقة ولا تلك الضلالة، وأعتد الله وهيّأ للكافرين جميعا من هؤلاء وأمثالهم عذابا فيه ذلّ وإهانة لهم في الدنيا والآخرة، جزاء كفرهم.
يتبين من هذا أن الكفر بالرسل نوعان: كفر بجميع الرّسل، وأصحابه لا يؤمنون بأحد من الأنبياء، لإنكارهم النّبوات، وكفر ببعض الرّسل دون بعض، وكلا
стр. 404
الفريقين سواء في استحقاق العذاب، فمن آمن برسول وجب عليه الإيمان ببقية الرّسل لأن الإيمان ليس بحسب الهوى والمزاج، وإنما بحسب ما يرتضيه الله، ومن كان محبّا للناس، رحيما بهم، حرص على سعادتهم وإيمانهم، لإنقاذهم من العذاب.
ولا يتصور إيمان بالله، وكفر بالرّسل كلهم أو بعضهم.
وأما أهل الإيمان: فهم الذين صدقوا وآمنوا بالله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد من رسله إيمانا خالصا لله سبحانه، كما قال جلّ وعلا: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢/ ٢٨٥] .
هؤلاء المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين آمنوا بالله ورسله جميعا، ومنهم محمد ﷺ ، وعدهم الله تعالى وعدا قاطعا بجنان الخلد والرّضوان الإلهي، وسوف يؤتيهم ربّهم أجورهم كاملة يوم القيامة، وكان الله وما يزال غفورا لمن يأتي بهفوة مع الإيمان الصحيح، رحيما بعباده التائبين، حيث أرسل الله لهم الرّسل لهدايتهم، وقبلوا عن الله ما أراده وما وضعه لهم من مناهج الإيمان لتحقيق سعادتهم الأبدية.
تعنّت اليهود
التّعنّت والعناد شأن الذين يعرفون الحق والصواب، ثم يحيدون عنه، وهذا الوصف واضح في الكفار لا في المنافقين الجبناء الذين شأنهم التذبذب بين الكفر والإيمان دون استقرار على حال واحدة، فلا تعنّت عندهم، وإنما يوصفون بالاضطراب والقلق.
وقد حكى القرآن الكريم بعض أخبار أهل التّعنت والعناد، فقال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
стр. 405
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ١٥٣- ١٥٩] .
نزلت هذه الآيات في ناس من أهل الكتاب طلبوا من النّبي محمد ﷺ بعض المطالب التعجيزية، طلبوا منه أن يأتي بالألواح من عند الله كما أتى بها موسى، وأن يأتي بكتاب من السماء جملة، إن كان نبيّا صادقا وأن يصعد في السماء، وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدّعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة، تعنّتا له ﷺ .
طالبوا النّبي أن ينزل عليهم كتابا مكتوبا بخط سماوي يشهد أن محمدا رسول الله، وكانوا قد سألوا موسى أعظم من هذا، فقالوا: أرنا الله جهرة عيانا، بلا حواجز ولا حجب، ظانّين أن الله جسم محدود تدركه الأبصار.
وكان عقابهم على هذا الطلب المصحوب بالتعجيز والمراوغة: نزول الصاعقة التي أماتتهم، ثم أحياهم الله للعبرة والاتّعاظ. وبعد هذا الإحياء اتّخذوا العجل إلها من
стр. 406
بعد ما رأوا الآيات الباهرة ومعجزات موسى الظاهرة من عبور الإسرائيليين البحر، وإغراق عدوّهم فرعون وجنوده، وانقلاب العصا حية، واليد البيضاء، وذلك سلطان مبين لموسى ﵇ أي حجة ظاهرة، ثم عفا الله عنهم بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم وقتل بعضهم بعضا، حتى قيل لهم: كفّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول، أي استشهادا، وتوبة للحي.
وكان من عجائب أحوالهم وأساليب تأديبهم: أن الله تعالى رفع فوقهم جبل طور سيناء، كأنه ظلّة، وهم في واد، بسبب ميثاقهم أن يعملوا بالتوراة، فامتنعوا من التزام أحكام الشريعة، وأبو إطاعة موسى ﵇، فأجبروا على الطاعة قهرا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط الجبل عليهم. وأمروا أن يدخلوا باب بلدة سجّدا طائعين خاضعين، شكرا لله تعالى على نعمه وأفضاله، وهو نوع من سجدة الشكر التي فعلها كثير من العلماء، ورويت مشروعيتها عن نبيّنا محمد ﷺ .
وأوصاهم الله بالتزام حرمة يوم السبت، فلا يعملوا فيه عملا دنيويا، ولا يتجاوزوا حرمته، فخالفوا واحتالوا بحيلتهم المعروفة في صيد الأسماك، من طريق بناء الأحواض على شاطئ البحر ليبقى السمك محجوزا فيها أثناء المدّ والجزر البحري.
وأخذ الله عليهم ميثاقا غليظا: وهو ما جاء على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء بأنهم يأخذون التوراة بقوة ويعملون بجميع ما فيها، فخالفوا وعصوا وتحايلوا على ارتكاب ما حرم الله عليهم.
وقد عذّبهم الله ولعنهم وأذلّهم بمجموع عدة أمور: هي نقض ميثاق العمل بالتوراة، وكفرهم بآيات الله الدّالة على صدق أنبيائه، وقتلهم الأنبياء بغير ذنب كزكريا ويحيى ﵉، وقولهم: قلوبنا مغلفة بغلاف، فلا يصل إليها شيء من دعوة الأنبياء، ولكن الله ختم عليها فلا يصلها خير، ولا ينفذ إليها الإيمان،
стр. 407
وكفروا بعيسى ﵇ وبالإنجيل، واتّهموا أمه مريم البتول العذراء الطاهرة بالفاحشة، وزعموا أنهم صلبوا المسيح، وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبّه لهم، وإنما أنجاه الله من أيديهم، وتوفّاه ورفعه إليه، والله قوي قاهر لا يغلب، حكيم في صنعه وتدبيره وتقديره، وظل الخلاف قائما بين المحاولين لأخذه أهو عيسى أم غيره؟ وما من أحد من أهل الكتاب قبل موته إلا ليؤمنن بعيسى إيمانا صحيحا لا انحراف فيه، ويعلم أنه نبي بشر، لكنه إيمان لا ينفع حينئذ، ويوم القيامة يشهد عيسى ﵇ على من كذبه أو وصفه بغير حقيقته.
تحريم الرّبا وبعض الطّيبات على اليهود
إن مصدر التشريع في الأديان ومنبع بيان الحلال والحرام هو واحد غير متعدد، وهو الله ﷻ الذي يشرع لكل قوم ولكل زمان ومكان ما يناسب ويحقق مصالح العباد، وقد تتفق الشرائع الإلهية في بعض الأحكام وهي الأحكام الأساسية المتعلقة بأصول العقيدة والفضائل والأخلاق، كالإيمان بالله وحده لا شريك له، والصدق والوفاء بالعهد، وتحريم الظلم والرّبا والكذب والغدر والخيانة، وقد تختلف الشرائع الإلهية في بعض الأحكام الجزئية، كتحريم بعض المطعومات على من قبلنا، وإباحتها في شرعنا، والمؤمن حقا يؤمن بكل ما شرع الله وأنزل في كتبه على أنبيائه ورسله.
وهذا أنموذج من أحوال الوفاق والاختلاف بين الشرائع، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
«١»
стр. 408
[النساء: ٤/ ١٦٠- ١٦٢] .
يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم الذين هادوا بما اقترفوا من آثام عظيمة، ومنكرات قبيحة، وبسبب صدّهم الناس وأنفسهم عن اتّباع الحق، حرّم الله عليهم طيّبات كانت حلالا لهم، لعلهم يرجعون إلى جادة الاستقامة وطريق الهداية القويمة. لقد حرّم الله عليهم كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والأوز والبط، وحرّم عليهم شحوم الأبقار والأغنام، قال الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا «١» أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) [الأنعام: ٦/ ١٤٦] أي إنما حرّمنا عليهم ذلك، لأنهم يستحقون التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه.
ومن ألوان ظلمهم: صدّهم أنفسهم وغيرهم من الناس عن الإيمان بالله، وعنادهم وعصيانهم موسى ﵇، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة بالنّبي محمد ﷺ ، وجحدهم أمره وإنكارهم رسالته.
ومن مظالمهم: أخذهم الرّبا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، والرّبا: هو بيع الدرهم بدرهمين إلى أجل في المستقبل، ونحو ذلك مما هو مفسدة ومضرّة واستغلال، نهوا عن ذلك، فاحتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل كالرّشاوى والخيانات وأنواع الغشّ والنّصب وغير ذلك مما لا مقابل له، كما قال الله تعالى يصفهم: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٥/ ٤٢] والسّحت: المال أو الكسب الحرام.
стр. 409
وكان جزاؤهم على تلك المظالم وظلمهم أنفسهم وغيرهم: أن الله هيّأ لهم ولأمثالهم من الكافرين عذابا مؤلما ذا إهانة وذلّ في نار جهنم.
ثم استثنى الله تعالى من استحقاق العذاب فئة متنورة مؤمنة هم الراسخون في علم التوراة الذين اطّلعوا على حقائق الدين، وتحققوا من أمر محمد ﵊ وعلاماته، وآمنوا إيمانا صادقا بالله، وبما أنزل إلى محمد وبقية الرّسل الكرام قبله كموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهي القرآن والتوراة والإنجيل، وصدقوا بالبعث بعد الموت وبالجزاء العادل على الأعمال، وأدّوا زكاة أموالهم للمستحقين، وأطاعوا أوامر ربّهم، وأقاموا الصلاة على وجهها الصحيح المشروع، تامة الأركان، مستوفية الشروط القلبية بالخشوع والاطمئنان، والشروط العضوية بممارسة الأركان القولية والفعلية، هؤلاء الموصوفون بما تقدم من الصفات وهي صفات المؤمنين إيمانا حقيقيّا في هذا العالم، سيؤتيهم ربّهم أجرا عظيما هو الجنة، لا يدرك حقيقته ووصفه إلا الله تعالى.
روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ.. أنزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، حين فارقوا اليهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام، وآمنوا بالقرآن وبما أرسل الله به محمدا ﷺ . ومنهم مخيريق أيضا، كان هؤلاء من علماء اليهود وأحبارهم، وكان مخيريق غنيّا كثير الأموال، أسلم وأوصى بأمواله للنّبي ﷺ ، مات في غزوة أحد. فرضي الله عن مواكب الإيمان، وفتيان الإسلام، وجند الحق والفضيلة والاستقامة إلى يوم الدين.
стр. 410
أسباب إرسال الرّسل ووحدة رسالاتهم
إن أعظم هدية من الله تعالى على بني الإنسانية نعمتان جليلتان: وهما إنزال الكتب الإلهية، وإرسال الرّسل، لإنقاذ الناس من ضلالاتهم، والأخذ بأيديهم وتوجيههم نحو طريق السعادة والنجاة والطمأنينة في عالم الدنيا والآخرة.
ومن البديهي أن تتّحد الكتب ورسالات الرّسل والأنبياء لأن مصدرها واحد، ومهمتها واحدة، ومقاصدها واحدة، وهي إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته، والإرشاد لعبادته الصحيحة المخلصة لله سبحانه، والدعوة إلى أصول الأخلاق الكريمة والفضائل القويمة، وتصحيح المعاملات، وتنمية العلاقات الاجتماعية وجعلها سامية كريمة.
وهذا ما نبّه إليه القرآن المجيد في قول الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٦٣- ١٦٦] .
روي عن عبد الله بن عباس: أن سبب هذه الآية (الأولى) أن سكينا الحبر وعديّ بن زيد قالا: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئا بعد موسى، ولا أوحى إليه، فنزلت هذه الآية تكذيبا لقولهما.
стр. 411
وحقيقة الوحي الإلهي: عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. وقد أبانت الآيات أن الإيحاء لنبيّنا محمد ﷺ مثل الإيحاء للأنبياء السابقين، كالمشهورين مثل نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب المسمى إسرائيل، والأسباط (وهم أولاد يعقوب وذريته) وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وداود الذي أنزل الله عليه كتاب الزّبور: وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها أحكام، وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على الله تعالى.
ومن هؤلاء الرسل المكرمين عند الله تعالى: موسى الذي خصّه الله بتكليمه وشرفه بكلامه مباشرة من غير واسطة، وذلك بكيفية وخواص، الله أعلم بها، فهو كلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ولا حروف ولا أصوات. وكلام الله هو المعنى القائم في النفس، ويخلق الله لموسى أو جبريل إدراكا من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام المعهود المألوف بين البشر.
والرّسل منهم من أخبر الله نبيّه محمدا ﷺ بأسمائهم ومعجزاتهم ومنهم من لم يخبره بشيء عن سيرتهم وزمانهم ومكانهم.
ومهمة الرّسل والأنبياء واحدة هي تبشير من آمن بالله وأطاع بالجنة، وإنذار من كفر وعصى بالنار. والحكمة من إرسالهم إرشاد الناس إلى طريق الحق والإيمان والاستقامة، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول: لو بعث إلي لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء، ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة بالغة، يضع الشيء في موضعه المناسب، فلذلك تحقق بهذا الإرسال للرّسل قطع الحجة، وكان إرسال الرّسل حكمة من الله تعالى.
وقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ.. سببه قول اليهود: (ما أنزل
стр. 412
الله على بشر من شيء) وقال بعضهم لمحمد ﵊: ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئا، فردّ الله عليهم بقوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. كفى بشهادة الله وشهادة ملائكته على صدق إنزال القرآن على النّبي محمد ﷺ ، أنزله الله بعلمه الخاص الذي لا يعلمه سواه، كما قال سبحانه في مطلع سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ٢/ ٢] . وهو الذي تحدى الله به البشرية أن يأتوا بمثله فعجزوا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ١٧/ ٨٨] . وقوله سبحانه: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ دليل قاطع واضح على إثبات علم الله تعالى، فهو يعلم إنزال القرآن ونزوله، وعجيب قول المعتزلة: عالم بلا علم، ومعنى الآية عندهم:
أنزله مقترنا بعلمه، أي فيه علمه من غيبيات وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عندهم:
عبارة عن المعلومات التي في القرآن.
ضلال الكافرين وجزاؤهم
ليس في هذا العالم بالنسبة للهدي الإلهي إلا طريقان: طريق الضلال والكفر، وطريق الهداية والإيمان، فمن سلك طريق الضلالة فقد رشده ودمر نفسه، ومن أخذ بطريق الهداية وآمن بما أنزل الله على رسله الكرام، سار في منهج صحيح، وأعمل عقله وفكره السوي، وأنقذ نفسه من أخطر العواقب الوخيمة.
وحرصا من الله تعالى على مصلحة عباده، وحبّا لهم وإرادة لجلب الخير لأنفسهم، أنذر الضّالين المنحرفين بالعذاب الشديد، ودعا إلى الإيمان الصحيح برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين.
стр. 413
قال الله تعالى منذرا ومبيّنا:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
[النساء: ٤/ ١٦٧- ١٧٠] .
أخبر الله تعالى عن الكافرين الذين يصدّون عن سبيل الله: أنهم قد بعدوا عن الحق، وضلّوا ضلالا بعيدا عن الصواب، لا أمل في رجوعهم عنه، ولا تخلصهم منه، إنهم بكفرهم وجحودهم بالله ورسوله، وصدهم أنفسهم وغيرهم عن ساحة الإيمان، ومقاومتهم لسبيل الدعوة الصحيحة إلى الله، إنهم بهذا أخطئوا الطريق.
وهم أيضا ظلموا أنفسهم باتباعهم الشيطان ووضعهم الشيء في غير موضعه، وهو الكفر بالله وجحود نعمته عليهم، سواء النعمة الظاهرة أو الباطنة.
لقد صاروا بكفرهم وصدّهم عن سبيل الله وظلمهم أنفسهم في وضع سيء، وفي شأن وحال لم يكن الله تعالى ليغفر لهم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. واستحقوا بإصرارهم على كفرهم ألا يهديهم الله ولا يوفقهم إلى خير أبدا لأنهم ملؤوا أنفسهم وقلوبهم بظلام الكفر والضلال، حتى لم يعد يتسع للنور والهداية الإلهية.
ولا يوفقهم ويدلّهم إلا على طريق جهنم الذي سلكوه، فكانوا في النار خالدين فيها أبدا على الدوام، جزاء ما قدموا من أعمال قبيحة، وما اختاروا في حياتهم من سلوك دروب الغواية والانحراف، وكان إدخالهم جهنم أمرا هينا وسهلا ويسيرا كل اليسر على الله تعالى، فلا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء، ولا يبالي الله بهم، كما ورد في الحديث عند البخاري: «يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى
стр. 414
حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة» والحفالة: النفاية والرديء من كل شيء، والبالة: المبالاة.
وبعد هذا الإنذار الشديد لأهل الضلالة وبيان جزائهم، دعا القرآن إلى الإيمان الحق، تذكيرا للناس، وهذا من أسلوب القرآن الذي يقرن بين الأشياء المتعارضة، وبضدّها تتميز الأشياء. والدعوة إلى الإيمان عامة شاملة للناس جميعا دون تمييز ولا تعصب ولا انغلاق، وإنما بانفتاح ومحبة الخير للجميع. ومضمون هذه الدعوة:
يا أيها الناس جميعا، قد جاءكم الرسول محمد بالقرآن والحق والخير والهدى والفلاح، فآمنوا برسالته، يكن الإيمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس والأرجاس، ويرشدكم لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والحق الذي أتى به محمد من ربّه: هو القرآن المعجز، والدعوة إلى عبادة الله وحده، والإعراض عن غيره.
وإن تكفروا أيها الناس، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم، وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن لله جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا، وشأن العبيد الخضوع لحكم الله، وأمره، كما قال الله تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) [إبراهيم: ١٤/ ٨] .
والله تعالى معذبكم ومجازيكم على كفركم في الآخرة. فليس وراء الموت إلا الجنة أو النار، والله سبحانه عليم بشؤون خلقه، حكيم في صنعه، لا يحكم إلا بالحق والعدل، ولا يجازي إلا من ظلم وكفر، وعصى وجحد.
стр. 415
أوصاف المسيح في القرآن
ينبغي أن تسود في الوسط العلمي الحقائق العلمية المجردة، دون تميز ولا تعصب ولا تأثر بميراث معين، ولقد أبرز القرآن المجيد الحقائق في كل شيء، سواء ما يتعلق منها بأصول العقيدة، وإنزال القرآن، أم ما يتصل بالأحكام الشرعية، والوقائع التاريخية، إظهارا للحق، وبيانا للصدق والواقع.
وهذا هو شأن القرآن العظيم في تبيان أوصاف المسيح عيسى ابن مريم ﵇، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٧١- ١٧٣] .
يطالب القرآن الكريم أهل الكتاب بترك المغالاة في الدين وتجاوز الحدود فيه، وألا يقولوا على الله إلا القول الحق الثابت الموافق للواقع، فما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول مرسل من عند الله إلى بني إسرائيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأمرهم بعبادة الله وحده، ووجود المسيح إنما كان بكلمة من الله التكوينية وهي (كن) لا بمادة أخرى كبقية الناس، ألقاها الله سبحانه إلى مريم الطاهرة البتول القديسة، وهو البشارة التي بعث الملك بها إليها، ونفخ الله فيه الروح من عنده، فهو
стр. 416
من جملة مخلوقات الله، ونفخة من الله، بواسطة جبريل ﵇، لا جزءا ولا بعضا من الله تعالى، ووصف بهاتين الصّفتين (كلمة الله وروح منه) على وجه التشريف والتكريم، وهو مجرد رسول كبقية الرّسل الكرام، علما بأن جميع البشر من روح الله.
فآمنوا أيها الناس بالله تعالى وحده، وبرسله جميعا دون تفرقة، فهم جميعا عبيد لله، لهم مهام وخصائص، فوضهم الله بها لتبليغها إلى الناس من أجل إسعادهم وتوضيح طريق الحق والهداية لهم.
ولا تقولوا: الله ثالث ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة أو أكثر، إنما الله خالق الكون والمخلوقات إله واحد، تنزه وتعاظم وتقدّس أن يكون له ولد، فهو الواحد الفرد الصّمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وهو مالك السماوات، والأرض وما فيهما، الكل ملكه وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء وقدير، وبيده سلطان كل شيء، لا فرق في ذلك بين الملائكة والنّبيين أجمعين، وكفى بالله سبحانه متصرفا في هذا العالم ومهيمنا عليه.
لن يتكبر أو يأنف المسيح أن يكون عبدا من عباد الله، ولا عن العبودية لله، ولا عن عبادة الله وحده، لعلمه بعظمة الله، وما يستحقه من العبودية والشكر، وكذلك الملائكة المقرّبون لن يترفّعوا عن أن يكون أحدهم عبدا لله تعالى. ومن يتكبر عن عبادة الله، ويمتنع من طاعة الله، فسيجمعهم الله جميعا في المحشر يوم القيامة، ويعذبهم عذابا مؤلما شديدا في النار حسبما يستحقون، ولا يجدون لهم من غير الله تعالى ناصرا ينصرهم أو يمنعهم من بأس الله وعذابه.
وأما المؤمنون بالله ورسله، الذين يعملون الأعمال الصالحة وهي التي أمر الله بها، فيعطيهم أجورهم وثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، على قدر أعمالهم،
стр. 417
ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه، ورحمته وامتنانه، فهو سبحانه واسع الفضل والرحمة، كثير الخير والمنّة والنعمة، وهو ولي التوفيق.
التّمسك بالنّور المبين
تعددت ألوان الهداية للبشرية في القرآن الكريم، فهناك في آية سابقة هداية التوفيق.
والإرشاد إلى الإيمان الصحيح المأمور به في قول الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٤/ ١٧٣] .
وفي هذه الآية التالية هداية طريق الجنان، بالتّمسك بالنّور المبين: وهو القرآن المجيد. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
[النساء: ٤/ ١٧٤- ١٧٥] .
أوضح الله تعالى للناس قاطبة في هاتين الآيتين طريق الإنقاذ والنجاة، وأخبرهم أنه قد جاءهم برهان واضح وحجة نيّرة تعطي اليقين التام، وتبين حقيقة الإيمان بالله، وهو النّبي محمد ﷺ النّبي العربي الأمّي، الذي لم يتعلّم في مدرسة ولا جامعة، ولكن الله سبحانه أعدّه إعدادا خاصّا لتبليغ أعظم رسالة في الوجود إلى كل إنسان.
ومعنى الآية: لقد جاءكم أيها الناس محمد مقترنا ببرهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه، وفساد ما أنتم عليه من النّحل الدينية والملل الوثنية. وذلكم البرهان الإلهي على صدق دعوته هو القرآن الكريم، أو هو النّبي محمد نفسه، والقرآن هو النّور المبين، أي الضياء الواضح على الحق، فيه بيان كل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر.
جاء هذا القرآن لتصحيح العقيدة والنظام، فقرّر مبدأ التوحيد الخالص لله،
стр. 418
وحارب الوثنية والشّرك، وأبان زيف الديانات الشائعة، وأوضح طريق العبادة الصحيحة لله تعالى، ووضع أسس الأخلاق وأنظمة الحياة الرشيدة في السياسة والاقتصاد، والحرب والسّلم، والاجتماع والحضارة والعمران وعلوم الكون، فكان القرآن المحكم التّنزيل بهذه الشرائع برهانا واضحا للنّبي ﷺ على كون رسالته رسالة الحق، ودينه دين الحق الذي لا معدل عنه ولا مثيل له.
وكانت هذه المقومات لكتاب الله الخالد سببا في إيجاد أنموذج واضح لأمة الإيمان ومواكب المؤمنين في العالم. وإذا كان الله تعالى قد أوعد بالنار والعذاب الأليم في آية سابقة كل من كفر به وجحد بتعاليمه، فإنه في هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ.. وعد المؤمنين بالله، المعتصمين به، المتمسكين بالقرآن دستورا ومنهج حياة بإدخالهم جنان الخلد وإحاطتهم برحمة الله، وإسباغ الفضل العظيم عليهم، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم في الحياة، فمن يعمل بالقرآن وأحكامه وشرائعه، فاز بالسعادة الأبدية، وكانت له العزّة الكاملة في الدنيا، وتمتع في الآخرة بالجنة والرّضوان الإلهي، والسلامة من كل سوء أو مكروه.
والمراد بالبرهان العظيم من الله لعباده: هو محمد ﷺ ، وسمي برهانا لأن معه البرهان وهو المعجزة أو الحجة، فإن معجزاته كلها حجة نيّرة واضحة على صدق رسالته واليقين التام بصحة دعوته.
والنور المبين: أهم معجزات النّبي ﷺ وهو القرآن الكريم، وسمي نورا لأن به تتبين الأحكام التشريعية السديدة، ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بيّن مشرق كالشمس،
قال النّبي ﷺ مفسّرا ذلك فيما ورد في كنز العمال ورواه الترمذي عن علي ﵁: «القرآن حبل الله المتين، من تمسك به عصم» .
стр. 419
والاعتصام بالله: هو التمسك بما دلّ عليه، والاعتزاز به، وطلب النجاة والمنعة به، فهو سبحانه يعصم من الأخطاء والمعاصي كما تعصم المعاقل والحصون.
والمراد بالرحمة في قوله تعالى: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ: الجنة، وأما الفضل: فهو ما يتفضل به الله على المؤمنين في الجنة من النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
والهداية إلى الصراط المستقيم: هي هداية طريق الجنان، والهداية إلى هذا الفضل الإلهي العميم كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) . جعلنا الله تعالى ممن يظفرون برحمته وفضله وجنّته، ومن الموفقين إلى طريقه القويم.
ميراث الكلالة أو الإخوة
لقد أنزل الله تعالى في أوائل سورة النّساء وأواخرها نظاما مفصّلا للميراث، فيه الحق والخير والعدل، يعتمد على قوة القرابة من نسب وزواج، والنّسب يشمل الآباء والأجداد، والأبناء والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام وأولادهم والعمات، والأخوال والخالات. ورابطة الزوجية تقتصر على الزوجين: الرجل والمرأة. وفي آخر سورة الأنفال بيان ميراث ذوي الأرحام.
قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النّساء وفيها إجمال وهي قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء: ٤/ ١٢] ، ثم أنزلت الأخرى في الصيف، وفيها كمال البيان، وقيل: إنها من آخر الآيات نزولا، وهي قوله تعالى: «١»
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
стр. 420
[النساء: ٤/ ١٧٦] .
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السّنن عن جابر بن عبد الله قال: «دخل علي رسول الله ﷺ ، وأنا مريض لا أعقل، ثم صبّ علي فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة «١» ، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الميراث» يريد هذه الآية.
وفي رواية: اشتكيت، فدخل علي رسول الله ﷺ وعندي سبع أخوات.
وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطاب ﵁ مشكلا، فقال: «ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء مراجعتي إياه في الكلالة، ولوددت أن رسول الله ﷺ لم يمت حتى يبيّنها»
وقال على المنبر- فيما أخرجه ابن ماجه وعبد الرزاق والطيالسي والبيهقي والحاكم والسعدني والساجي وابن جرير-: «ثلاث لو بيّنها رسول الله ﷺ لكان أحب إلي من الدنيا: الجد والكلالة والخلافة، وأبواب من الرّبا» .
ومعنى هذه الآية، وهي آية الصيف،: يطلب الفتيا منك أيها الرسول أناس فيمن يورث كلالة، وهي ما عدا الوالد والولد، أي الإخوة الأشقاء أو لأب والأخوات الشقيقات أو لأب، كجابر بن عبد الله الذي لم يكن له عند وفاته والد ولا ولد، وإنما له إخوة أشقاء من أب وأم، وهم عصبات لم يفرض لهم شيء من فرائض الإرث، فإن كان للمتوفى أخ لأم فقط، فنصيبه السّدس، وإن زاد عن ذلك فكانوا إخوة لأم، فنصيبهم الثّلث فقط كنصيب الأم، سواء كانوا، اثنين فأكثر، وقد تقدّم بيان نصيبهم في الآية (١١) من أوائل سورة النّساء.
стр. 421
وإن كان للمتوفى أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التّركة (ما ترك) مع عدم الولد، والرجل يرث أخته بالتّعصيب إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، وهو يستغرق جميع التّركة إن كان أخا شقيقا أو لأب، فإن كان أخا لأم، فلا يستغرق الميراث، وإنما فرضه السّدس.
فإن كان للمتوفى أختان فأكثر شقيقتان أو لأب، فلهما الثّلثان مما ترك أخوهما، أما الأختان لأم فأكثر فلهما الثّلث فقط، والباقي لمن يوجد من العصبة.
وإن كان الإخوة الوارثون ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظّ الأنثيين، أما الإخوة لأم فهم شركاء في الثّلث.
ثم أبان الله تعالى سبب هذا التوزيع وقيامه على الحق والعدل، فذكر أنه سبحانه يبين لكم أيها المؤمنون أمور دينكم وجميع الأحكام الشرعية من حلال وحرام، لتعرفوها وتعملوا بها، لئلا تضلّوا عن الحق بعد البيان في قسمة التّركات وغيرها، وإن ما شرعه الله لكم من الأحكام فيه الخير والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقّا، وتعريفه صدقا، فعليكم الالتزام بهذه الأحكام لأنها قائمة على الحق والخير والبركة لكم، وتقدير مسئولية الرجال في الإنفاق على النّساء والأسرة، دون أن تطالب المرأة بشيء من النّفقات.
ألا إن الهدى والخير فيما شرعه الله، والضلال والشّرّ في الإعراض عن شرع الله، والله على كل شيء رقيب.
стр. 422
تفسير سورة المائدة
الوفاء بالعقود
من أهم وأخطر ما تميزت به شريعة القرآن: هو الوفاء بالعقود والعهود مع الناس ومع الله، وتعظيم شعائر الله وأحكامه وحرماته، فذلك دليل الأصالة والقوة والشجاعة والثقة بالنفس، ولم يسوغ الشّرع نقض عقد أو عهد حتى مع الأعداء، احتراما للالتزام والمعاهدة، وليكون المؤمنون قدوة حسنة للبشرية في صيانة المعاهدات واحترام العقود. قال الله تعالى في مطلع سورة المائدة المدنية النزول، أي النازلة بعد الهجرة في حجة الوداع، أو في عام فتح مكة:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [المائدة: ٥/ ١- ٢] .
стр. 423
نادى الله المؤمنين بصفة الإيمان ليحثّهم على امتثال ما يكلفهم به، قائلا: يا من اتّصفتم بالإيمان وتركتم دعاوى الشيطان أوفوا بالعقود، سواء عقود الشّرع من حلال وحرام وفرائض، وعقود الناس بعضهم مع بعض من عقود البيع والمعاملات وعقود الزواج وغير ذلك،
لقول النّبي ﷺ فيما رواه الحاكم عن أنس وعائشة: «المسلمون عند شروطهم»
فيجب الوفاء بالعهود والعقود على حسب الشروط المتفق عليها ما لم تصادم أوامر الشرع، وتشمل العقود كل الارتباطات بقول موافق للحق والشرع.
ومن هذه العهود المأخوذة علينا من الله، وهي نعم من الله: إحلال جميع بهائم الأنعام من إبل وبقر وغنم إلا ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية، وغير سباع البهائم وكل ما له ناب يعتدي به على غيره، وكل ما له مخلب من الطيور، حال كونكم غير محلّي الصّيد البري في أثناء الإحرام بحج أو عمرة، فيحرم الصيد في الإحرام، ويحرم في الحرمين: المكّي والمدني، ولو في غير حالة الإحرام، إن الله يحكم ما يريد من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة.
وقد نزلت آية لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ حينما عزم نفر من المهاجرين والأنصار على الاعتداء على الحطم بن هند البكري الذي قدم المدينة، فبايع النّبي ﷺ وأسلم، ثم ارتدّ عن الإسلام لما قدم اليمامة.
ونزلت آية وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.. عام فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة حينما كان النّبي ﷺ بالحديبية في السنة السادسة مع أصحابه، فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال الصحابة: نصدّ هؤلاء، كما صدّوا أصحابنا.. فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان: لا يحملنّكم البغض من أجل أن صدّوكم على أن تعتدوا عليهم.
стр. 424
ومعنى الآية: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله لا تحلّوا معالم الله، ولا تتعدّوا حدود الله وطاعاته في أمر من الأمور، وبخاصة مناسك الحج ومشاعره، فلا تتهاونوا بحرمتها، ولا تخلّوا بأحكامها، ومكّنوا جميع المسلمين من أداء مناسك الحج. فالمراد بشعائر الله: مناسك الحج، وجميع ما أمر الله به أو نهى عنه، وما حدّ تحريمه في الإحرام.
ولا تنتهكوا بالقتال والعدوان حرمة الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب، فلا تقاتلوا المشركين فيها، ولا تبدّلوها بغيرها، كما كان العرب يفعلون في الجاهلية من عملية النّسيء، أي تأخير حرمة شهر حرام إلى غيره، ولا تحدثوا في أشهر الحج ما تصدّون به الناس عن الحج. ولا تعترضوا الهدي (الشاة ونحوها) المهدي للحرم أو المسوق له، بالغصب أو الأخذ، أو المنع من بلوغ محلّه، حتى لا يصل إلى الكعبة. وسمي شهرا حراما لتحريم القتال فيه في الماضي.
ولا تنتهكوا حرمة ذوات القلائد: وهي ما قلّد به الهدي مما يعلق في عنق البعير ونحوه من قلادة ليعلم أنه هدي، فلا يتعرّض له، وذلك يشمل الهدي المقلّد والذي لم يقلّد. ولا تحلّوا حرمة قوم قاصدين المسجد الحرام فتغيروا عليهم، حالة كونهم يطلبون من الله الفضل، أي الرزق والثواب، والرضوان، أي رضا الله عنهم. وإذا فرغتم من إحرامكم وحللتم منه، وأنتم في غير أرض الحرم، جاز لكم ما كان محرّما عليكم في حال الإحرام وهو الصيد، فاصطادوا حينئذ كما تشاؤون. ولا يحملنكم بغض قوم وكراهيتهم، كانوا قد صدّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تتعدوا حكم الله، فتعتدوا عليهم. وتعاونوا على البر: وهو كل ما أمر به الشّرع أو نهى عنه، ولا تتعاونوا على الإثم، أي الذنب والمعصية: وهي كل ما منعه الشرع، واتّقوا الله بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، إن الله شديد
стр. 425
العقاب لمن عصى وخالف. والبر والتّقوى كما قال قوم: هما لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل برّ تقوى، وكل تقوى برّ.
المحرّمات العشر من المطعومات
لم يشرع الله شيئا في القرآن الكريم إلا لمصلحة الناس، فلم يبح الشرع أو يوجب إلا النافع المفيد، ولم يحرم إلا الضّار الخبيث ضررا مادّيا محسوسا أو معنويا يمسّ العقيدة. وقد أحلّ الله لنا من المطعومات أكل بهيمة الأنعام (المواشي) وسائر الطيبات من الحيوان الذي يعيش في البر والبحر والجو، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
[المائدة: ٥/ ٨٧] وقال سبحانه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ٥/ ١] .
وحرّم الله علينا أربعة أنواع بالإجمال في قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النّحل: ١٦/ ١١٥] وفي سورة المائدة ذكر الله بالتفصيل عشرة أنواع من المحرمات، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [المائدة: ٥/ ٣] .