وإن كان للمتوفى أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التّركة (ما ترك) مع عدم الولد، والرجل يرث أخته بالتّعصيب إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، وهو يستغرق جميع التّركة إن كان أخا شقيقا أو لأب، فإن كان أخا لأم، فلا يستغرق الميراث، وإنما فرضه السّدس.
فإن كان للمتوفى أختان فأكثر شقيقتان أو لأب، فلهما الثّلثان مما ترك أخوهما، أما الأختان لأم فأكثر فلهما الثّلث فقط، والباقي لمن يوجد من العصبة.
وإن كان الإخوة الوارثون ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظّ الأنثيين، أما الإخوة لأم فهم شركاء في الثّلث.
ثم أبان الله تعالى سبب هذا التوزيع وقيامه على الحق والعدل، فذكر أنه سبحانه يبين لكم أيها المؤمنون أمور دينكم وجميع الأحكام الشرعية من حلال وحرام، لتعرفوها وتعملوا بها، لئلا تضلّوا عن الحق بعد البيان في قسمة التّركات وغيرها، وإن ما شرعه الله لكم من الأحكام فيه الخير والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقّا، وتعريفه صدقا، فعليكم الالتزام بهذه الأحكام لأنها قائمة على الحق والخير والبركة لكم، وتقدير مسئولية الرجال في الإنفاق على النّساء والأسرة، دون أن تطالب المرأة بشيء من النّفقات.
ألا إن الهدى والخير فيما شرعه الله، والضلال والشّرّ في الإعراض عن شرع الله، والله على كل شيء رقيب.
стр. 422
تفسير سورة المائدة
الوفاء بالعقود
من أهم وأخطر ما تميزت به شريعة القرآن: هو الوفاء بالعقود والعهود مع الناس ومع الله، وتعظيم شعائر الله وأحكامه وحرماته، فذلك دليل الأصالة والقوة والشجاعة والثقة بالنفس، ولم يسوغ الشّرع نقض عقد أو عهد حتى مع الأعداء، احتراما للالتزام والمعاهدة، وليكون المؤمنون قدوة حسنة للبشرية في صيانة المعاهدات واحترام العقود. قال الله تعالى في مطلع سورة المائدة المدنية النزول، أي النازلة بعد الهجرة في حجة الوداع، أو في عام فتح مكة:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [المائدة: ٥/ ١- ٢] .
стр. 423
نادى الله المؤمنين بصفة الإيمان ليحثّهم على امتثال ما يكلفهم به، قائلا: يا من اتّصفتم بالإيمان وتركتم دعاوى الشيطان أوفوا بالعقود، سواء عقود الشّرع من حلال وحرام وفرائض، وعقود الناس بعضهم مع بعض من عقود البيع والمعاملات وعقود الزواج وغير ذلك،
لقول النّبي ﷺ فيما رواه الحاكم عن أنس وعائشة: «المسلمون عند شروطهم»
فيجب الوفاء بالعهود والعقود على حسب الشروط المتفق عليها ما لم تصادم أوامر الشرع، وتشمل العقود كل الارتباطات بقول موافق للحق والشرع.
ومن هذه العهود المأخوذة علينا من الله، وهي نعم من الله: إحلال جميع بهائم الأنعام من إبل وبقر وغنم إلا ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية، وغير سباع البهائم وكل ما له ناب يعتدي به على غيره، وكل ما له مخلب من الطيور، حال كونكم غير محلّي الصّيد البري في أثناء الإحرام بحج أو عمرة، فيحرم الصيد في الإحرام، ويحرم في الحرمين: المكّي والمدني، ولو في غير حالة الإحرام، إن الله يحكم ما يريد من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة.
وقد نزلت آية لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ حينما عزم نفر من المهاجرين والأنصار على الاعتداء على الحطم بن هند البكري الذي قدم المدينة، فبايع النّبي ﷺ وأسلم، ثم ارتدّ عن الإسلام لما قدم اليمامة.
ونزلت آية وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.. عام فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة حينما كان النّبي ﷺ بالحديبية في السنة السادسة مع أصحابه، فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال الصحابة: نصدّ هؤلاء، كما صدّوا أصحابنا.. فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان: لا يحملنّكم البغض من أجل أن صدّوكم على أن تعتدوا عليهم.
стр. 424
ومعنى الآية: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله لا تحلّوا معالم الله، ولا تتعدّوا حدود الله وطاعاته في أمر من الأمور، وبخاصة مناسك الحج ومشاعره، فلا تتهاونوا بحرمتها، ولا تخلّوا بأحكامها، ومكّنوا جميع المسلمين من أداء مناسك الحج. فالمراد بشعائر الله: مناسك الحج، وجميع ما أمر الله به أو نهى عنه، وما حدّ تحريمه في الإحرام.
ولا تنتهكوا بالقتال والعدوان حرمة الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب، فلا تقاتلوا المشركين فيها، ولا تبدّلوها بغيرها، كما كان العرب يفعلون في الجاهلية من عملية النّسيء، أي تأخير حرمة شهر حرام إلى غيره، ولا تحدثوا في أشهر الحج ما تصدّون به الناس عن الحج. ولا تعترضوا الهدي (الشاة ونحوها) المهدي للحرم أو المسوق له، بالغصب أو الأخذ، أو المنع من بلوغ محلّه، حتى لا يصل إلى الكعبة. وسمي شهرا حراما لتحريم القتال فيه في الماضي.
ولا تنتهكوا حرمة ذوات القلائد: وهي ما قلّد به الهدي مما يعلق في عنق البعير ونحوه من قلادة ليعلم أنه هدي، فلا يتعرّض له، وذلك يشمل الهدي المقلّد والذي لم يقلّد. ولا تحلّوا حرمة قوم قاصدين المسجد الحرام فتغيروا عليهم، حالة كونهم يطلبون من الله الفضل، أي الرزق والثواب، والرضوان، أي رضا الله عنهم. وإذا فرغتم من إحرامكم وحللتم منه، وأنتم في غير أرض الحرم، جاز لكم ما كان محرّما عليكم في حال الإحرام وهو الصيد، فاصطادوا حينئذ كما تشاؤون. ولا يحملنكم بغض قوم وكراهيتهم، كانوا قد صدّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تتعدوا حكم الله، فتعتدوا عليهم. وتعاونوا على البر: وهو كل ما أمر به الشّرع أو نهى عنه، ولا تتعاونوا على الإثم، أي الذنب والمعصية: وهي كل ما منعه الشرع، واتّقوا الله بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، إن الله شديد
стр. 425
العقاب لمن عصى وخالف. والبر والتّقوى كما قال قوم: هما لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل برّ تقوى، وكل تقوى برّ.
المحرّمات العشر من المطعومات
لم يشرع الله شيئا في القرآن الكريم إلا لمصلحة الناس، فلم يبح الشرع أو يوجب إلا النافع المفيد، ولم يحرم إلا الضّار الخبيث ضررا مادّيا محسوسا أو معنويا يمسّ العقيدة. وقد أحلّ الله لنا من المطعومات أكل بهيمة الأنعام (المواشي) وسائر الطيبات من الحيوان الذي يعيش في البر والبحر والجو، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
[المائدة: ٥/ ٨٧] وقال سبحانه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ٥/ ١] .
وحرّم الله علينا أربعة أنواع بالإجمال في قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النّحل: ١٦/ ١١٥] وفي سورة المائدة ذكر الله بالتفصيل عشرة أنواع من المحرمات، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [المائدة: ٥/ ٣] .
стр. 426
روى ابن منده في كتاب الصحابة عن حبّان قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل تحريم الميتة، فأكفأت القدر.
والمحرمات العشر المذكورة تفصيلا وتفسيرا لقوله تعالى: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ هي ما يأتي:
١- الميتة: وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذبح ولا اصطياد، وقد حرّم الشّرع أكلها، لما فيها من ضرر أو مرض، أو احتباس الدم فيها، وتعافها النفس وتنفر منها وتأنف من أكلها، فهي ضارّة للبدن والدين، ما عدا ميتة السمك والجراد لعدم وجود الدم فيهما.
٢- الدّم: وهو الدّم المسفوح السائل، لا الجامد كالكبد والطحال، وتحريم الدّم لأنه مباءة تفريخ وتكاثر الجراثيم الفتاكة والسموم الضّارة، كما أنه مستقذر طبعا، وعسر الهضم، ومن فضلات الجسم الضّارة كالبراز، ولاختلاف فصائل أو زمر الدّم، ولا تناسب فصيلة غيرها، فهو قذر يضرّ الأجسام.
٣- لحم الخنزير وشحمه وجلده وعظمه، وتحريمه لأنه حيوان قذر لا يأكل إلا القاذورات والفضلات العفنة، ولأنه يحتوي غالبا على الديدان كالدودة الوحيدة والشعرة الحلزونية والدودة الشريطية، ولأنه عسير الهضم لكثرة شحم أليافه العضلية ومواده الدهنية، كما أنه ينقل طباعا سيئة مثل فقدان الغيرة على أنثاه. والكلب مثل الخنزير حرام أكله عند أكثر العلماء لما فيهما من الضّرر والخطر.
٤- ما أهلّ لغير الله به، أي ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله، والإهلال: رفع الصوت، وكان العرب في الجاهلية يرفعون صوتهم عند الذبح باسم اللات والعزى وهبل وغيرها من الأصنام، وقد حرّم الشرع أكله لمساسه بالعقيدة، وتعظيم غير الله، ومشاركة المشركين والكفار في عبادة غير الله، والتقرب لآلهتهم بالذبائح.
стр. 427
٥- المنخنقة: وهي التي تموت خنقا: وهو حبس النّفس في الحلقوم، فهي نوع من الميتة، وضررها ضرر الميتة لأنها لا تذبح، والتذكية الشرعية شرط لحلّ المذبوح.
٦- الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالعصا أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية، فهي ميتة وضررها كالميتة. والوقذ حرام لأنه تعذيب للحيوان. أما المقتول بالسلاح أو الرصاص فيجوز أكله شرعا على الصحيح.
٧- المتردّية: هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو سطح، أو الهاوية، في بئر، فتموت بذلك، فلا تحل كالميتة إلا أن تذكى أي تذبح، فإن عقرت في البئر في أي مكان من جسمها، حلّ أكلها للضرورة.
٨- النّطيحة: وهي التي نطحتها بهيمة أخرى، فماتت، وهي حرام كالميتة.
٩- ما أكل السّبع: وهي التي افترسها حيوان كالذئب والنّمر والسّبع، فتموت، فلا تؤكل لأنها ميتة، وتأنفها الطّباع. لكن ما أدركتموه حيّا بطرف عين أو رفس رجل أو يد مما سبق من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنّطيحة وأكيلة السّبع، فذبحتموه، جاز أكله شرعا.
١٠- ما ذبح على النّصب، أي الحجارة التي كانت حول الكعبة، وكان عددها ٣٦٠ حجرا أي صنما، لا يؤكل، لأنه مما ذكر اسم غير الله عليه.
وحرم الله الاستقسام بالأزلام أي العيدان أو قداح الميسر على هيئة السهم الذي لا نصل فيه، وهو الذي يجرح الصيد، وهو محاولة معرفة الحظ أو القمار على بعير ونحوه، وهو حرام لأنه كسب يعتمد على المغامرة والمقامرة، لذا وصفه الشّرع بأنه فسق، كما أن كل هذه المحرّمات فسق أيضا، أي خروج عن منهج الدين. وعلى المؤمنين التّقيّد بحرمات الدين وخشية الله وترك خشية الكفار، فإنهم يئسوا من أن ترجعوا إلى دينهم.
стр. 428
والله سبحانه أكمل لنا الدين، وهو الإسلام، بإحلال الحلال وتحريم الحرام وبيان الشرائع والأحكام، ورضي الله بالإسلام دينا للبشرية، وأتم علينا النّعمة بالنّصر على المشركين، وقد نزلت هذه البشارات الثلاث يوم عرفة.
ومن اضطرّ إلى تناول شيء من المحرّمات المذكورة، فله أن يأكل منها إذا لم يوجد غيرها، وتعرّض لخطر الموت أو الهلاك جوعا بسبب المخمصة أي المجاعة، ولم يتجاوز قدر الضرورة، والله غفور له، رحيم بخلقه.
المطعومات الحلال وإباحة الزواج بالكتابيات
جعل الله الإسلام دينا سمحا سهلا غير معقّد ولا صعب، فأحلّ لنا كثيرا من الأشياء، ولم يحرّم علينا إلا القليل، فالأصل في الأشياء الإباحة، أحلّ الله الطّيبات النافعة غير المحرّمات العشر المتقدمة وغير المستخبثات، وأباح لنا ما تقتضيه الضرورة أو الحاجة في الاصطياد بالكلاب المعلّمة والطيور الجارحة المروّضة، وأقام جسورا من التلاقي وهمزة الوصل بين المسلمين وأهل الكتاب (اليهود والنّصارى) فأجاز لكل فريق تناول طعام الفريق الآخر، وأباح الزواج بالنّساء المؤمنات، والكتابيات الحرائر العفيفات بشرط دفع المهر.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٤ الى ٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
«١» «٢» «٣»
стр. 429
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [المائدة: ٥/ ٤- ٥] .
نزلت الآية الأولى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ حينما سأل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحلّ لنا من هذه الكلاب؟ بعد أن أمر النّبي ﷺ بقتل الكلاب، وكان أبو رافع هو المتولّي لقتلها.
وسأل عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيان رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، قد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا؟ فنزلت الآية. وسأل رجل عن صيد الكلاب، فنزلت هذه الآية: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.
والمعنى: يسألك المؤمنون أيها الرسول عما أحلّ لهم من المطاعم واللحوم، قل لهم: أحلّ لكم ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة، وهي غير الخبائث، قال الإمام الشافعي: الطيّبات: الحلال المستلذّ، وكل مستقذر كالوزغ والخنافس وغيرها فهي من الخبائث حرام.
وأحلّ لكم صيد الجوارح المعلّمة، كالكلاب والفهود، والبزاة والصقور والعقبان والنّسور ونحوها من الطيور، فكل ما صاد بعد تعليم فهو جارح، أي كاسب.
تعلّمونهن من الحيلة في الاصطياد والتّأني لتحصيل الحيوان، وهذا جزء مما علّمه الله الإنسان. ويجوز الأكل من الصيد الذي أمسكه الكلب ونحوه،
قال عدي بن حاتم: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال في الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين: «إذا أمسك عليك فكل» .
وذلك بشرط أن تكون الكلاب الجوارح
стр. 430
والطيور معلّمة، ومرسلة من الصائد لا من نفسها، حتى يكون قتل الجارح للصيد ذكاة شرعية، بأن ترسل الكلب أو الطير فيرسل، وتزجره فينزجر، وأن يذكر الصياد اسم الله فيقول: (باسم الله، الله أكبر) وذلك شرط عند الجمهور غير الشافعية، وبشرط ألا يأكل الكلب المعلم شيئا من الصيد في رأي الجمهور غير المالكية.
ثم أمر الله تعالى بالتقوى في الجملة وهي التزام الأوامر، وذكّر سبحانه بسرعة الحساب لأنه تعالى قد أحاط بكل شيء علما، فلا يحتاج إلى محاولة عدّ، ويحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة.
أحلّ الله من لحظة نزول هذه الآية الطيبات المستطابات، وأحلّ للمسلمين أكل ذبائح أهل الكتاب، وللكتابيين ذبائح المسلمين، ولا تحل ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان، ولا ذبائح المجوس ونحوهم ممن لا يدين بدين سماوي، ولا التزوج بنسائهم.
وأباح الله لكم أيها المؤمنون التزوج بالحرائر المؤمنات، والكتابيات العفيفات من اليهود والنصارى، إذا آتيتموهن أجورهن، أي مهورهن، ويطلق لفظ الأجر في اللغة والشرع على المهر، فيشترط إيتاء مهورهن، وأن يقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزنى العلني، ولا عن طريق الزنى السّري وهو اتّخاذ الأخدان. وقوله: مُحْصِنِينَ أي متزوّجين على السّنة بعقد زواج صحيح.
ثم حذّر الله من المخالفات، ورغّب فيما تقدم من أحكام الحلال، فذكر أن من يكفر وينكر شرائع الإسلام وتكاليفه، ويجحد أصول الإيمان وفروعه، فقد أبطل ثواب عمله، وخاب في الدنيا، وخسر في الآخرة، أما في الدنيا فتضيع أعماله ولا يستفيد منها، وأما في الآخرة فخسارته بالهلاك في نار جهنم. وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ معناه من يكفر بالأمور التي حقّها أن يقع الإيمان بها.
стр. 431
فرائض الوضوء ومشروعية التّيمم
حرص الإسلام على نظافة الإنسان وطهارته، فجعل فريضة الوضوء أمرا متجدّدا في اليوم أكثر من مرة لغسل الأعضاء التي تتعرض للأوساخ والغبار، كلما أدى فرائض الصلوات الخمس، كما فرض القرآن الكريم الغسل من الجنابة باحتلام أو وقاع لتنظيف جميع البدن في مناسبات تتكرر في الأسبوع، وإذا لم يوجد الماء بسبب السفر، أو أضرّ الماء بالجسم بسبب المرض، جاز للمؤمن التيمم بالغبار عن الوضوء أو عن الغسل، أو عن الحدث الأصغر والأكبر، والتّيمم رخصة اضطرارية بضربتين على التراب: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، والمهم في ذلك: قصد الطهارة، لا أن ينقل التراب للأعضاء. قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦ الى ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٦- ٧] .
نزلت هذه الآية في التّيمم، وكان الوضوء مفروضا في مكة قبل الهجرة، فكأن الآية لم تزد المؤمنين فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التّيمم. نزلت في غزوة المريسيع،
روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت في هذه
стр. 432
الغزوة: «.. ثم إن النّبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء، فلم يوجد» فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.. الآية.
وروى أحمد والبيهقي عن جابر- وهو حديث حسن- أن النّبي ﷺ قال: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطّهور» .
وكان كثير من الصحابة، منهم ابن عمر وغيره يتوضئون لكل صلاة، انتدابا إلى فضيلة. وكذلك كان يفعل رسول الله ﷺ ، ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحد، وفي فتح مكة جمع بين الصلوات الخمس بوضوء واحد.
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه أن النّبي ﷺ قال: «من توضّأ على طهر، كتب له عشر حسنات» .
ومعنى الآيتين: يا أيها المؤمنون، إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون، فعليكم بالوضوء، فإنه فرض أو شرط، إذ لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
وإذا كان المرء متوضئا كان الوضوء مندوبا، لما
روى رزين من حديث: «الوضوء على الوضوء نور» .
وفرائض الوضوء في الآية أربعة: هي غسل الوجه من أعلى منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وما بين الأذنين عرضا، وغسل اليدين من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، والمرفق أعلى الذراع وأسفل العضد، ويجب غسل المرفق. ومسح بعض الرأس كالربع، أو كل الرأس، وهو المطلوب عند المالكية والحنابلة، وغسل الرجلين مع الكعبين: وهما العظمان الناتئان عند مفصل السّاق والقدم من الجانبين.
وتطلب النّية والترتيب والموالاة والدّلك والمضمضة والاستنشاق على خلاف في فرضيتها عند أئمة المذاهب.
وينتقض الوضوء بالغائط والبول والريح والنوم، ولمس المرأة بشهوة، ومسّ الفرج بباطن الكف عند الجمهور غير الحنفية.
стр. 433
فإن كنتم مرضى أو مسافرين أو أحدثتم أو واقعتم النساء، ولم تجدوا ماء، أو تضررتم باستعمال الماء، فعليكم بالتيمم بأن ينوي الشخص فرض التّيمم ويمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين، والتّيمم مشروع لكل من الحدث الأصغر والأكبر.
ويجب الغسل: وهو تعميم البدن والرأس بالماء الطاهر، في حال الجنابة باحتلام أو جماع أو ولادة أو حيض أو نفاس، وتجب النّية في الغسل، لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
والمراد من تشريع الوضوء والتّيمم والغسل هو التيسير على الناس، وإتمام النعمة ببيان طريق العبادة الصحيح المفضل، وتطهير الأعضاء المعرضة عادة للتلوث بالوضوء، وغسل جميع الجسم حال الجنابة ونحوها وهو ما يسمى بالحدث الأكبر لأنه يعتري الجسم بعد هذا الحدث استرخاء وفتور يزولان، بالغسل، والنظافة من الإيمان، فبالغسل تنظّف، وتجديد الحيوية والنشاط.
وهذه الأحكام المشروعة نعمة عظمي من الله تعالى لصالح المؤمن، تستوجب الشكر والتقدير لأن فيها طهارة الأبدان وطهارة الأرواح معا، ونعم الله كثيرة علينا أن نذكرها، ومن أهمها التوفيق للإسلام وهداية القرآن وجمع الكلمة، وعزّة الحياة، كما علينا أن نذكر العهد المؤكد الذي أقررنا به أمام الله، حينما كنا في عالم الذّر، ومضمونه: الإيمان بالله والرسول، والسمع والطاعة، وتقوى الله بالتزام الأوامر واجتناب النواهي، والله عليم بخفيات الأمور من الأسرار والنوايا التي في الصدور. وفي ذلك توجيه للإخلاص والبعد عن الرّياء في جميع الأعمال الدينية.
стр. 434
أداء الشهادات والحقوق بالعدل
الإسلام دين الحق والعدل في كل شيء، مع النفس والأهل والقرابة، وجميع الناس حتى الأعداء، والعدل قائم على الخشية من الله، وتقوى الله في السّر والعلن، والإيمان منبع كل فضيلة، وللمؤمنين الصلحاء جنان الخلد، وللكافرين المكذبين بآيات الله نيران الجحيم، والتقوى والتّوكل على الله حصن ودرع متين من كل شرّ أو سوء، وشكر النعمة الإلهية على العافية والأمن أمر واجب شرعا وعقلا وأدبا، وكتمان الشهادة وشهادة الزور من أكبر الكبائر.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
«١» «٢» «٣» [المائدة: ٥/ ٨- ١١] .
نزلت الآية الأخيرة في رأي الجمهور حينما
ذهب النّبي ﷺ إلى يهود بني النّضير يستعينهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضّمري ورجل آخر معه حينما أخبراهما أنهما من الأعداء رهط عامر بن الطفيل الذي جنى على المسلمين وقتلهم في بئر معونة، فنزل الرسول في ظل جدار، فتآمر بنو النضير بينهم على قتله بإلقاء الجدار عليه، فجاء جبريل ﵇ وأخبره بخطتهم، فقام من المكان وتوجّه إلى المدينة، ونزلت الآية في ذلك.
ومعنى الآيات: يا أيها المؤمنون، أتقنوا الأعمال وأخلصوا فيها لله ورسوله،
стр. 435
وكونوا قائمين بالحق لله تعالى، لا لأجل الناس والرياء، وأدّوا الشهادة بالعدل التّام الذي لا محاباة فيه لقريب أو صديق، ولا جور لأن العدل ميزان الحقوق، وبه سعادة الأمم، وطمأنينة الناس، وبالظلم والجور تنتشر المفاسد ويختل النظام والأمن.
ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ترك العدل فيهم، بل التزموا العدل مع كل الناس، الصديق أو العدو.
والعدل أقرب لاتّقاء الله والبعد عن المهالك والمعاصي، واحذروا عقاب الله إن وقع منكم الجور والمحاباة، فإن الله بصير بأعمالكم، ومجازيكم عليها خيرا أو شرّا.
ثم بيّن الله جزاء المستقيمين، وجزاء العصاة، أما جزاء الأولين، فإن الله وعد الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا صالح الأعمال التي أمروا بها مغفرة لذنوبهم، أي سترا لها، وأجرا عظيما وهو الجنة ذات الخلود الدائم في نعيمها. وأما العصاة الذين كفروا بالله وتوحيده، وكذّبوا بالآيات الكونية والآيات التنزيلية على الرّسل وأهمها آيات القرآن، فهم أصحاب النار الملازمون لها على الدوام.
والجمع بين هذا الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين هو من أسلوب القرآن الرائع، ليظل الإنسان على وعي وتذكر تامّ لمصير الفريقين، فيرغب في الإيمان والعمل الصالح، ويرهب الوقوع في الكفر وتكذيب آيات الله.
ثم ذكّر الله المؤمنين والنبي ﷺ بنعمة مخصوصة تستوجب التّذكر الدائم على ممرّ الزمان وهي نعمة إنقاذ النّبي القائد ونجاته من مكر الأعداء وتآمرهم والتخطيط للفتك به، سواء من يهود بني النضير، أو من بني ثعلبة وبني محارب في بطن نخل، في الغزوة السابعة: غزوة ذات الرقاع، أو من غورث بن الحارث الذي شهر سيف النّبي الذي أخذه منه، وهمّ بقتله، وهو لا يخاف منه قائلا له: يمنعني الله منك وهو حديث صحيح.
стр. 436
فيا أيها المؤمنون، اذكروا نعم الله الكثيرة عليكم، بعد التزام التقوى، ومن أعظم تلك النعم أن الله تعالى حمى نبيّكم من فتك الأعداء، وصانكم من القتل حيث كنتم قلة، وأعداؤكم كثرة وقوة، فمدّوا إليكم وإلى نبيّكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ولكن الله أيّد رسوله ونصر دينه وأتم نوره، وكفاكم الشّر والعدوان في أمر بني النضير وفي هزيمة الأحزاب في غزوة الخندق وغيرها، فاتخذوا من تقوى الله وحده عدة وحصنا، تنفعكم وتحميكم من الفتن والشرور وعذاب الله، وتوكلوا على الله وحده حق التوكل، بعد اتّخاذ الأسباب الدنيوية الواقية من السوء، فمن اتّقى الله وتوكّل عليه، حماه من شر الناس وعصمه، وكفاه الله ما أهمه، ولا تخشوا الأعداء ولا يغرنكم كيدهم وتفننهم في أساليب الخراب والدمار، فالله معكم وناصركم إن كنتم مؤمنين.
نقض أهل الكتاب المواثيق والعهود الدينية
إن الوفاء بالعهود الدينية وتنفيذ الواجبات الإلهية سبب لتكفير السيئات ودخول الجنات، والظفر برضوان الله تعالى لأنه دليل الإيمان الصحيح وصدق التّدين وقوة الوازع الديني، والإخلال بهذه العهود مؤد للعنة الإلهية والطرد من رحمة الله، وقسوة القلوب وجمود النفوس، ونشوب الخصومات والعداوات وإيقاع البغضاء بين خائني العهد في الدنيا، والجزاء الأليم في نار جهنم في عالم الآخرة.
قال الله تعالى مبيّنا هذه الظواهر بين أهل الكتاب ليتّعظ بها المسلمون وغيرهم:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
«١» «٢»
стр. 437
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المائدة: ٥/ ١٢- ١٤] .
يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن نقض الإسرائيليين مواثيق الله تعالى، فلقد أخذ الله العهود والمواثيق على بني إسرائيل بواسطة نبيّهم موسى ﵇، ليعملن بالتوراة، وأمرناه أن يختار اثني عشر نقيبا منهم، يتولون شؤون الأسباط (ذرية يعقوب) ويرعونهم، ويتحسسون أخبار أعدائهم ليقاتلوهم، فخان عشرة منهم العهد، وبقي اثنان، وأخبر الله على لسان موسى: أني مؤيّدكم وناصركم على عدوكم، ومطّلع عليكم ومجازيكم على أعمالكم.
ومضمون الميثاق أو العهد الإلهي الشامل: لئن أقمتم الصلاة بشروطها وأدّيتموها أداء كاملا تامّا، وآتيتم الزكاة للمستحقّين وهو شيء من المال كان مفروضا عليهم، وآمنتم إيمانا صادقا برسلي وناصرتموهم، وأقرضتم القرض الحسن من غير ربا ولا فائدة، لأكفرن عنكم سيئاتكم، ولأدخلنكم جنات تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار، فمن جحد منكم شيئا من هذه الأوامر، وخالف مقتضى الميثاق بعد عقده
стр. 438
وتوكيده، فقد أخطأ الطريق الواضح المستقيم الذي هو الدين المشروع من الله، وعدل عن الهدى إلى الضلال.
وبسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ورحمة الله، وغضبنا عليهم، وجعلنا قلوبهم غليظة قاسية شديدة، لا تقبل الحق ولا تتعظ بموعظة، وفسدت أفهامهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأوّلوا كلام الله على غير وجهه الصحيح وحرّفوه وبدّلوه بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص، ونسوا نصيبا مهمّا مما أمروا به في كتابهم، وهو الإيمان بمحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وتركوا العمل به، رغبة عنه، مما يدلّ على سوء فعلهم بأنفسهم، ولا تزال أيها النّبي في مستقبل الزمان تطّلع على خيانات متكررة منهم، إلا قليلا منهم ممن آمن، وحسن إيمانه كعبد الله بن سلام وأصحابه.
فاعف واصفح عما صدر منهم من إساءات، وعاملهم بالإحسان، إن الله يحب المحسنين ويثيبهم على إحسانهم، والعفو دليل النصر والظفر.
وأخذ الله أيضا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقهم على مؤازرة النّبي محمد ﷺ ومناصرته والإيمان برسالته، ففعلوا كما فعل اليهود قبلهم، وتركوا العمل بأصول دينهم، ونسوا نصيبا مهمّا من تعاليمهم، فكان جزاؤهم إيقاع العداوة والبغضاء بين صفوفهم، فصاروا فرقا متعادين وفئات مختلفين، وستظل العداوة بينهم مستمرة لازمة إلى يوم القيامة، وسوف يخبرهم الله بما صنعوا، ويجازيهم على ما اقترفوا بقدر ما يستحقون في عالم الآخرة.
وهذا وعيد واضح توعّدهم الله بعقاب الآخرة، وتوبيخ متقدم للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار.
стр. 439
والعبرة من هذه الأخبار: تحذير المؤمنين من التّشبه بهم وترك تعاليم دينهم، فإن الله بالمرصاد لكل من خالف أوامر الله وعصى أحكام ربّه.
مقاصد القرآن والرّسالة النّبوية
لكل كتاب إلهي أهداف عامّة ومقاصد تشريعية، ولكل رسول مهام وخصائص معينة، وقد أبان القرآن الكريم مقاصده وخصائص الرسول المصطفى ﷺ بإيجاز، وحصر وصف الرسول بأمرين اثنين: هما البيان الإلهي، والعفو عن كثير مما يكتمه أهل الكتاب، ووصف القرآن بأنه نور وبأنه الهادي إلى الصّراط المستقيم، وبأنه يخرج الناس من الظّلمات إلى النّور.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)
[المائدة: ٥/ ١٥- ١٦] .
أخرج ابن جرير الطبري في بيان سبب النزول عن عكرمة قال: إن نبي الله ﷺ أتاه اليهود يسألونه عن الرّجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، والمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذته رعدة من الخوف، فقال: لما كثر فينا جلدنا مائة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرّجم، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا..
الآية.
والمعنى يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالهدى
стр. 440
ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل.
ووصف الرسول هنا بصفتين:
الأولى- أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون من أحكام الكتاب الإلهي وهو التوراة، قال ابن عباس: «أخفوا صفة محمد ﷺ ، وأخفوا أمر الرّجم، وعفا عن كثير مما أخفوه، فلم يفضحهم ببيانه» . والإخفاء أدب جمّ من القرآن، لأن المهم أن يؤمنوا بالقرآن، ولا داعي للإثارة المبعدة عن الإيمان وإعلان الحق.
الصفة الثانية- ويعفو عن كثير، أي يترك كثيرا ولا يظهر ما تكتمونه أنتم، إبقاء عليكم، وإنما لم يظهره لعدم الحاجة إليه في الدين. وهذا يدعوهم إلى أن يكونوا صرحاء جريئين في بيان أحكام الشرع الإلهي دون كتمان شيء، ولا تهرّب من إظهار الحقائق. وإذا كان العفو من النّبي ﵊ فبأمر ربّه. وإذا كان من الله ﵎ فعلى لسان نبيّه ﷺ . والمعنيان متقاربان.
وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمدا ﷺ ، وفي الآية الدلالة على صحة نبوّة محمد، لأن إعلامه أهل الكتاب بخفي ما في كتبهم، وهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب دليل على أن ذلك إنما هو وحي يأتيه من عند الله تعالى.
ثم وصف الله تعالى ما جاء به من عنده بأن محمدا الرسول أو القرآن نور يضيء درب الحق، وأن القرآن كتاب واضح يهدي به الله من أقبل عليه، واتّبع الدين الذي يرضى به الله تعالى، يهدي إلى طريق النّجاة والسّلامة ومناهج الاستقامة، وينجّي الناس من المهالك، ويخرجهم من ظلمات الكفر والضّلال إلى نور الحق والإيمان، ويرشدهم إلى الطريق القويم وهو الدين الحق الذي يوصل الناس إلى خيري الدنيا والآخرة. وذلك لأن طريق الحق واحد لذاته، وطريقه مستقيم واحد، لا اعوجاج فيه ولا غموض، أما الباطل فله شعاب كثيرة، وكلها معوجّة.
стр. 441
يظهر مما تقدم أن مقاصد القرآن الكريم ثلاثة:
١- إن المتّبع لما يرضي الله والمقبل على مراده يهديه القرآن إلى طريق النّجاة والسّلامة من الشّقاء والعذاب في الدنيا والآخرة، باتّباع الإسلام، والإسلام دين الحق والعدل والإخلاص والإنقاذ.
٢- إن القرآن المجيد يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والشّرك والوثنية، والوهم والخرافة، وانحراف التفكير، إلى نور التوحيد الخالص.
٣- إن القرآن العظيم يهدي الناس ويرشدهم إلى الطريق الصحيح الموصل إلى الهدف السديد من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة.
وكل هذه المقاصد القرآنية الموجهة إلى العالم بأجمعه إكمال لرسالات الأنبياء المتقدمين، وبناء وتقدّم وحضارة ومسيرة في الطريق الصحيح، وخير للبشرية جمعاء، قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) [الإسراء: ١٧/ ٩- ١٠] .
ادّعاء النّجاة في الآخرة
هذا العالم الكبير من ملكوت السماوات والأرض والوجود يشتمل على خالق قديم أزلي لم يتقدمه شيء، ومخلوق حادث أوجده الخالق، ومن المستحيل عقلا أن تكون صفات الخالق مثل صفات المخلوقات، وإلا كان مثلها واحتاج إلى من يوجده، فنقع في سلسلة من الافتراضات لا حصر لها، وهذا ممنوع في المنطق السليم. وحينئذ لا يتصور أن يكون أحد من المخلوقات له صفات الخالق المبدع أو حظّ من الألوهية،
стр. 442
ولا يقبل من بشر أن يدّعي أنه أقرب إلى الله إلا بعبادته وطاعته، فالقرب من الله قربا معنويا لا ماديا محسوسا يكون بمقدار الطاعة والتزام شرائع الله المشرّع.
ومن هنا وجدنا في القرآن إنكارا شديدا للشّرك أو وصف أحد من المخلوقات بالألوهية، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٧ الى ١٩]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)
«١» [المائدة:
٥/ ١٧- ١٩] .
روى ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحبّاؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ الآية.
وروى ابن جرير أيضا وغيره عن ابن عباس قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، فرغّبهم فيه وحذّرهم، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وآخرون: يا معشر اليهود، اتّقوا الله، فو الله لتعلمن أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل
стр. 443
مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهودا: إنا ما قلنا لكم هذا، وما أنزل من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل الله بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا.. الآية.
لقد دعا جميع الرّسل والأنبياء ومنهم المسيح إلى توحيد الله وتمجيده، فلا يصح أن يوصف أحد من الرّسل بأنه هو الله، والله قادر على أن يهلك أي بشر، فلا مالك ولا رادّ لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره، ومن تنفذ فيه الإرادة الإلهية تقضي العقول بأنه ليس بإله، والله هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، والمتصرّف في كل شيء، وجميع الموجودات ملكه وخلقه، والله صاحب القدرة التامة المطلقة على كل شيء، فكيف يكون المملوك المخلوق إلها خالقا؟ إن هذا لكفر صريح.
وإذا ادّعى أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، سئلوا: فلم يعذّبكم الله بذنوبكم في الدنيا والآخرة؟! وأنتم قد أقررتم أنه يعذّبكم. والتعذيب على الذنوب ينافي أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، فأنتم بشر كسائر الناس، وأكرم الناس عند الله أتقاهم.
والله هو المالك المطلق والمتصرّف في السماوات والأرض وما بينهما، وصاحب الملك يفعل في ملكه ما يشاء، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، وإليه مصير العالم بالحشر والمعاد يوم القيامة، وجميع العباد عبيد له، قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) [مريم: ١٩/ ٩٣] .
وسيعذّب الله الكافر والعاصي بحق، ويثيب الطائع المؤمن والصالح بفضل منه ورحمة. وتكرار جملة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ للتأكيد وتقرير المعنى في الأذهان وهو أن المالك قادر على إهلاك المملوك.
стр. 444
يا أهل الكتاب لا حجة لكم فيما تقولون وتدّعون من النجاة في الآخرة، فلقد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بعد فترة من انقطاع الرّسل والوحي، يبيّن لكم ما اندثر وضاع من الأحكام الشرعية، وقد بشّرت به كتبكم، وهو مصدّق لما معكم من التوراة والإنجيل، ومكمل للشرائع، وخاتم للرّسل، أرسله ربّه بالهدى، ودين الحق، لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير يبشّر بالجنة من أطاع، ولا نذير يحذّر ويخوّف من عصى بالنار، فقد جاءكم البشير والنذير، وقامت الحجة عليكم، والله على كل شيء تام القدرة، نافذ الإرادة والسلطان، فهو المنعم والمعذّب، والمحاسب والراحم، والمنتقم والغفار، لا ربّ غيره، ولا إله سواه، الكل في الدنيا والآخرة وجميع السماوات والأرض في قبضته وإرادته وتصرّفه، فليعقل الناس ما هم عليه من الحقائق البشرية، ولا يدّعي أحد أنه فوق منازل البشر، أو أنه إله، فالإله خالق، ولا خالق غيره.
ألوان من النّقاش بين موسى وقومه
أقام الله تعالى في قرآنه أدلة قاطعة من التاريخ على تحقق نبوّة محمد ﷺ ، وأمره بالإخبار بها، حيث لا يوجد مصدر علمي آخر موثوق به يدلّ عليها، ومن تلك الأدلة: إيراد تفصيلات دقيقة من النقاش والجدل بين موسى ﵇ وبين قومه، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٠ الى ٢٦]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)
стр. 445
«١» «٢» [المائدة: ٥/ ٢٠- ٢٦] .
والمعنى: اذكر لهم يا محمد أخبار موسى مع قومه، ليصدّقوا بدعوتك ويتحققوا نبوّتك، إذ لا يوجد مصدر آخر لهذه الأخبار من غير طريق الوحي إليك. ومشتملات هذه الأخبار: تعداد أهم النّعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل في زمان موسى، وهي نعم ثلاث:
قال موسى لقومه: تذكروا نعمة الله عليكم بتتابع الأنبياء فيكم، من عهد إبراهيم إلى عيسى ﵈، وتذكروا أن الله جعلكم ملوكا أحرارا بعد أن كنتم مملوكين في أيدي القبط المصريين، والملوك شرف الدنيا، فعندكم ما يكفيكم من الأزواج والخدم والدور والأراضي المشجرة وغير المشجرة، وأمدكم الله في زمان أسلافكم الذي كانوا فيه بالخيرات وآيات موسى مثل المنّ والسلوى، والتّظليل بالغمام، وفلق البحر أو فرقه، وإنجاؤكم وغرق عدوكم فرعون وجنوده في البحر.
ويا قوم ادخلوا الأرض المطهرة من عبادة الأوثان، المباركة لأنها أرض الأنبياء الخالية من القحط والجوع ونحوه، لتجاهدوا أعداءكم في الطّور وما حوله كما قال مجاهد، وهي التي قسمها لكم وسماها، ولا تتراجعوا وتنهزموا من خوف أهلها الجبارين، ولا تتخلفوا عن الجهاد، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.
стр. 446
قالوا: يا موسى، إن في تلك الأرض قوما جبارين، أي طوالا عتاة، يجبرون الناس على ما أرادوا، وكانوا من الكنعانيين، وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها، فإن خرجوا منها، فإنا داخلون فيها. قالوا هذا على سبيل الاستبعاد والتّعنت والتخلف عن الجهاد، وهذه طبيعتهم الحالية لجبنهم وتقاعسهم.
لذا استنكر بعضهم هذا الموقف المتخاذل، فقال رجلان من الذين يخافون الله تعالى، وأنعم الله عليهما بالإيمان الصحيح وقوة البأس والعزيمة والثبوت في الحق، وهما من قوم موسى النّقباء الأشراف: ادخلوا عليهم باب المدينة، ففي ذلك إرهاب لهم وتخويف وذعر، فإذا دخلتم الباب، فإنكم غالبون منصورون، وعلى الله توكّلوا إن كنتم مصدّقين به بوعده بالنصر.
فأجابوا وقالوا مصرّين على الرّفض والعناد والتّمرد، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئا: يا موسى، إنا لن ندخلها أبدا ما دام فيها هؤلاء الجبابرة، فاذهب أنت وربّك الذي أمرك بالجهاد، فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون عن الجهاد، منتظرون ما يحدث. وفي هذا غاية الجبن والتقاعس وقلة الأدب مع الله، والتّنكر لموسى ﵇.
فقال موسى غاضبا حزينا: ربّي إني لا أملك إلا نفسي وأخي هارون فلا يطيعني أحد منهم، لامتثال أمر الجهاد، فافصل واقض بيني وبين هؤلاء القوم الفاسقين الخارجين عن طاعتك.
قال الله تعالى: فإن تلك الأرض المقدسة محرّم عليهم دخولها مدة أربعين سنة، واتركهم خلالها يتيهون في الأرض، فلا تحزن يا موسى على القوم المتمرّدين فيما حكمت به عليهم، جزاء ما يستحقون، فتلك أفعالهم الخبيثة سجية موروثة عندهم.
стр. 447
أول جريمة قتل في الدنيا
الحق في الحياة حق مقدس، فلا يجوز سفك دم حرام، أو الاعتداء على إنسان بغير مسوغ ولا سبب مشروع لأن الإنسان صنيعة الله في هذا العالم، وكل اعتداء عليه اعتداء على فعل الله وتجاوز لحكمته وتحدّ لإرادته.
لذا استنكر القرآن العظيم أول جريمة قتل حدثت في الدنيا، وهي قتل قابيل لأخيه هابيل، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٢]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٢٧- ٣٢] .
والمعنى: اقرأ واسرد على مسامع القوم خبر ابني آدم: قابيل وهابيل، ببيان صحيح واقعي لا زيادة فيه ولا نقص، حين قرّبا قربانا إلى الله تطوّعا وتعبّدا، وكان قابيل صاحب زرع، فعمد إلى أردأ ما عنده فقرّبه، وكان هابيل صاحب غنم، فقصد إلى
стр. 448
أفضل كباشه فقرّبه، وكانت العادة أن يقرّب المقرّب قربانه، ويقوم يصلي ويسجد، فإذا نزلت نار وأكلت القربان، فذلك دليل القبول. فنزلت النار، فالتهمت كبش هابيل ورفعته وسترته عن العيون، وتركت زرع قابيل، فحقد قابيل على أخيه هابيل، وهدّده بالقتل، فقال هابيل: وما ذنبي في أن الله لم يتقبّل منك، فأصلح نفسك، فإنما يتقبّل الله من المتّقين أعمالهم.
يا أخي، لئن مددت إلي يدك بسوء لتقتلني ظلما وعدوانا، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك أبدا لأني أخاف الله ربّ العالمين، الذي ربّانا وتعهّدنا بالعناية والرّعاية، فمن يقتل الآخر أو يعتدي عليه، استحقّ العذاب الشديد.
يا أخي، لا أريد مقابلة الجريمة بمثلها، فإنك إن قتلتني وابتعدت عن معاملتك بالمثل، أريد أن تتحمل إثمي بقتلي، وإثمك قبل الاعتداء علي، فتكون من أهل النار، وذلك جزاء الظالمين أنفسهم المعتدين على غيرهم، أي أنه حذّره من القتل بثلاث مواعظ: الخوف من الله، وتحمل الإثمين: إثم القتل وإثم نفسه، وكونه من الظالمين أصحاب النار.
فحسّنت وسوّلت له نفسه قتل أخيه، فقتله، فأصبح من الخاسرين أنفسهم في الدنيا والآخرة بسبب جريمة القتل هذه.
ثم حار القاتل قابيل وضاقت به الدنيا، ولم يدر كيف يفعل بجثة أخيه، فبعث الله غرابا حيّا إلى غراب ميت، فجعل يبحث ويحفر في الأرض حفرة، ويلقي التراب على الغراب الميت، ليعلّمه كيف يواري عورة أخيه أي جثّته، فقال: يا فضيحتي- وهذا اعتراف منه باستحقاق العذاب- أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟! فأواري جثّة أخي، فأصبح نادما على ما فعل، لكنه لم تقبل توبته لأنه لم يندم ولم يتب من المعصية، وإنما كان ندمه على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه
стр. 449
وأختاه، فكان من الذين سنّوا سنّة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة.
وكان قابيل من العصاة لا من الكفار، روى البخاري ومسلم حديثا عن ابن مسعود: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل- أي نصيب- من دمها لأنه أول من سنّ القتل» .
وبسبب هذه الجريمة النكراء كتب الله على بني إسرائيل في التوراة ومن بعدهم في ديانة عيسى وشريعة محمد عليهما الصلاة والسلام: أنه من قتل نفسا بغير نفس أي بغير سبب موجب للقصاص، أو قتل بغير سبب فساد في الأرض بالإخلال بالأمن والطمأنينة كقطّاع الطرق أو المحاربين، فاستحلّ القتل بلا سبب، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحيا نفسا، أي امتنع من قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعا بتوفير الأمن والطمأنينة لهم إذ كل نفس عضو في المجتمع الإنساني، وحق الحياة مقدس ومصون لجميع البشر. ولقد جاءت رسل الله الكرام بني إسرائيل بالبينات الواضحات كالشمس على الحلال والحرام، ولكن كثيرا من الناس بعد ذلك لمتجاوزون الحدود، يسرفون في القتل والمعاصي.
عقوبة المحاربين (قطّاع الطرق)
العقوبة في الإسلام والقوانين كلها حق وعدل، لإصلاح الجناة وزجر المجرمين وردعهم، والعقوبة تتفاوت بتفاوت الجريمة ومقدار خطرها، وإخلالها بأمن المجتمع وراحتهم، فإذا كانت عقوبة اللصوص السارقين قطع اليد لأن جريمتهم شخصية خاصة، فإن عقوبة المحاربين قطّاع الطرق أشدّ وأنكى، فهي إما النّفي من الأرض أو
стр. 450
قطع اليد والرجل من خلاف، أو القتل والصّلب، أو القتل فقط لأن جريمتهم تهدّد أمن المجتمع برمّته، وتنشر الذعر والإرهاب في جميع الأماكن.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
«١» «٢» [المائدة: ٥/ ٣٣- ٣٤] .
سبب نزول آية المحاربة: ما
روى البخاري ومسلم عن أنس: أن ناسا من عكل وعرينة «٣» قدموا على النّبي ﷺ ، وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة «٤» ، فأمر لهم النّبي ﷺ بزود من الإبل «٥» وراع، وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة «٦» ، كفروا بعد إسلام، وقتلوا الراعي، ومثّلوا به، واستاقوا الزّود من الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في طلبهم، فأتوا فأمر بهم، فسملوا أعينهم»
، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركوا حتى ماتوا، فنزلت الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
هذه الآية في المحاربين من أهل الإسلام: وهم الذين خرجوا على الناس بقصد أخذ أموالهم أو قتلهم أو لإرهابهم، فيختلّ الأمن والسّلم، وتنتشر الرهبة والذّعر في كل مكان، أو يعتدون على الحقوق الشرعية كمنع الزكاة مثلا، كما حدث في عهد أبي بكر الصّدّيق ﵁، حيث حارب المرتدّين المانعين للزّكاة بقوة وبأس.
أ- فإن أخافوا الطريق فقط، ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا، كانت عقوبتهم
стр. 451
النّفي من الأرض، أي الحبس في مكان عند الحنفية، أو الإبعاد إلى بلد آخر ليسجن فيه عند الجمهور.
ب- وإن أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي تقطع اليد اليمنى من الرّسغ والرّجل اليسرى من المفصل.
ج- وإن قتلوا المارّة قتّلوا، أي إن عقوبة القتل أمر محتوم لا يسقط، ولو عفا أولياء الدّم، أي أقارب المقتول، فهذه عقوبة لا تقبل العفو أو الإسقاط. وعلى المسلمين التعاون مع الدولة لقتال هؤلاء المحاربين وكفّهم عن أذى الناس.
د- وإن قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا بعد موتهم، نكالا لغيرهم، في قول الإمام الشافعي، ويكون صلبهم أحياء لمدة ثلاثة أيام ثم يقتلون بالطعن على الخشبة في رأي جمهور العلماء، وهذا هو الأنكى في النّكال والتّعذيب.
ذلك العقاب خذلان وذلّ وفضيحة، وخزي وعار في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم مع العقوبة لمن شاء الله تعذيبه، وهذا يختلف عن بقية الحدود على المعاصي المرتكبة
في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه من قول النّبي ﷺ : «فمن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به، فهو كفّارة له» .
ثم استثنى الله من العقوبة التائبين الذين أقلعوا عن الجريمة وندموا على ما فعلوا، فإن تاب المحارب قبل القدرة عليه، أي قبل إلقاء القبض عليه من السلطة (الدولة) فقد سقط عنه حكم الحرابة، ولا عقاب عليه، لكن يطالب بحقوق الآدميين، أي بالحقوق الشخصية الخاصة، فيقتصّ منهم بسبب الاعتداء على النفس والجراح، وكان عليهم ضمان ما أتلفوه أو استهلكوه من مال، أو أراقوا من دم. ويجوز لولي الدّم حينئذ العفو عنه كسائر الجناة غير المحاربين، وهذا ما عبّرت عنه الآية في قوله
стр. 452
تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن توبتهم قبل القدرة عليهم دليل على أنها توبة خالصة لله تعالى.
أما إن تابوا بعد القدرة عليهم، فيقام عليهم حدّ الحرابة، ويكون تطبيق الحدّ عليهم أمرا حتميا واجبا بسبب العصيان والفساد، وعلى المسلمين وغيرهم إعانة الحكام في مطاردتهم وكفّهم عن عدوانهم لأنهم متّهمون بالكذب في توبتهم والتّصنع فيها إذا نالتهم يد الحاكم وألقي القبض عليهم أثناء عدوانهم، ولا يظلم ربّك أحدا.
أساس النّجاة في الآخرة
انزجار الناس وارتداعهم عن المعاصي والجرائم يكون بأحد أمور ثلاثة: إما بتطبيق العقوبة على الجاني، فينزجر ويرتدع، أو برؤية الجناة متلبسين بالمكاره وألوان التعذيب، فيرق الرائي والسامع ويخشع قلبه، أو بالوعظ والإرشاد والترهيب من أصناف العذاب في الدار الآخرة في نار جهنم.
والحال الثانية وهي رؤية التعذيب أبلغ من الوعظ لورودها على النفوس وهي خائفة وجلة، وقد اعتمد القرآن عليها إذ أورد آيات التخويف بين حدّين من الحدود المقررة شرعا وهما حدّ الحرابة وحدّ السّرقة، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٥ الى ٣٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
«١» [المائدة: ٥/ ٣٥- ٣٧] .
стр. 453
تأمر الآية الأولى المؤمنين بأوامر ثلاثة: وهي تقوى الله، وهي إذا قرنت بالطاعة تعني الكفّ عن المحارم وترك المنهيات، والأمر الثاني: طلب القربة إلى الله وهي ابتغاء الوسيلة، والوسيلة: القربة أي ما يتوصل به إلى تحصيل المقصود والنجاح، والأمر الثالث: الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ودينه، وخصّ هنا الأمر بالجهاد لأمرين: أولهما- رفعة شأنه بين أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، والثاني- أنه الطريق إلى الجنة والعبادة التي هي بديل عن المحاربة أو قطع الطريق.
وأما الوسيلة المطلوبة للنّبي محمد ﷺ في دعائنا بعد الأذان بإيتاء الوسيلة والفضيلة، فمعناها درجة في الجنة، وأعلى منزلة في الجنة. والفضيلة: هي الشفاعة العظمى له في المقام المحمود بجميع الخلائق ليقدّم الناس إلى الحساب، تخلّصا من أهوال يوم القيامة.
ومعنى الآية: يا من آمنتم بالله ورسوله، اتّخذوا الوقاية لأنفسكم من عذاب الله، بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقرّبوا إلى الله بالطاعة والعمل بما يرضيه، وجاهدوا أعداء الإسلام حتى يكون الدين كله لله، ومن أجل نصرة الحق والخير والحرية للبشرية.
ثم أخبر الله عما أعدّ لأعدائه الكفار من العذاب الشديد يوم القيامة، وأوضح أن الذين كفروا أو جحدوا بالله ربّا واحدا لا شريك له، وأنكروا آياته الدّالة على وجوده ووحدانيته وقدرته الشاملة، وكذبوا رسله، لو جاؤوا بملء الأرض ذهبا، ومثله أو ضعفه معه، ليفتدوا بهذا الفداء من عذاب الله، على كفرهم وعنادهم، ما تقبّل منهم ذلك، ولهم عذاب ثابت دائم مستمر لا خروج لهم منه، كما قال الله تعالى في آية أخرى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحج: ٢٢/ ٢٢] .
نعود إلى قوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ لنحقق معنى التّوسل، فقد استدلّ
стр. 454
بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة والتّوسل بالصالحين، وجعلهم وسطاء ووسائل بينهم وبين الله تعالى. ولكن الله لا يحتاج إلى هذه الوسائل والوسائط لقوله سبحانه: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. [غافر: ٤٠/ ٦٠] وقوله : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة: ٢/ ١٨٦] وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق: ٥٠/ ١٦] .
وتحقيق القول في التّوسل ما ذكره الألوسي في تفسيره حيث قال: جاء لفظ التوسل بثلاثة معان:
أولا- التوسل بمعنى التّقرب إلى الله بطاعته وفعل ما يرضيه، وهو المراد بالآية وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. وقد توسّل أهل الصخرة الثلاثة إلى الله بصالح الأعمال، أي طلبوا الفرج بصلاح أعمالهم، لا بالولي الفلاني أو الشيخ الفلاني.
ثانيا- التّوسّل بالمخلوق والاستغاثة، بمعنى طلب الدعاء منه، لا شك في جوازه، إن كان المطلوب منه حيّا، كالتّوسل بالنّبي ﷺ حال حياته، أو بعمّه العباس في صلاة الاستسقاء. أما إذا كان المطلوب منه الدعاء ميتا أو غائبا فغير جائز.
ثالثا- القسم على الله تعالى بأحد من خلقه، مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك، أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي. أجازه العزّ بن عبد السّلام في النّبي ﷺ ، لأنه سيّد ولد آدم، دون غيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف وابن تيمية التّوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه.
стр. 455
جزاء السّارق
السّرقة من الأموال الخاصة أو من الأموال العامة كأموال الدولة أو القطاع العام أو الخاص من أعظم الجرائم في الإسلام، فهي حرام حرمة شديدة، ومنكر عظيم، وأكل لأموال الناس بالباطل، لا يحل في شرع ولا دين ولا قانون في الدنيا لأن إباحة السرقة تخل بأمن الناس في أموالهم وتهز مبدأ الثقة والطمأنينة، وتزعزع استقرار الاقتصاد والتجارة وغيرها من موارد الرزق. والغصب والخيانة والنهب ونحو ذلك كالسرقة أخذ ملك الآخرين بغير حق.
لذا كانت جريمة السرقة مستوجبة الحدّ وهو قطع اليد في شريعة القرآن، وهذه العقوبة، وإن كانت قاسية، فهي العقوبة الوحيدة الزاجرة للاعتداء على الأموال وأخذها بغير حق. قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)
[المائدة: ٥/ ٣٨- ٤٠] .
نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له، يدعى قتادة بن النعمان في جراب دقيق به خرق، وخبّأها عند زيد بن السمين اليهودي، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد هذا، فلما تنبّه قتادة للسرقة، التمسها- أي الدرع- عند طعمة، فلم يجدها، وحلف ما أخذها، وماله بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر، فتبعوه حتى وصلوا إلى بيت زيد، فأخذوا الدرع منه، فقال: دفعها إلي طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهمّ رسول الله ﷺ أن يجادل عن طعمة لأن الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
[النّساء: ٤/ ١٠٧] ثم نزلت آية السّرقة لبيان حكمها.
стр. 456
وروى أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في سورة المائدة: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
والمعنى: فيما فرض عليكم أو يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، فمن سرق من ذكر أو أنثى، فاقطعوا يا ولاة الأمور أيديهما أي من الرّسغ كما أوضحت السّنة النّبوية، جزاء لهما على سرقتهما وما كسبت أيديهما، ولانتهاك حرمة مال الآخرين، لأن السرقة قد تجرّ إلى الدفاع عن المال وإلى القتل، وتنكيلا وإهانة وتحقيرا لهما من الله لأن فعلهما خسيس ودنيء يستوجب الإذلال، والزجر عن العودة للسرقة، وإيقاع عبرة لغيرهما، والله قوي غالب في تنفيذ أوامره، حكيم في تدبيره وصنعه وتشريعه، لا يشرع إلا ما فيه الحكمة والمصلحة، واختيار الأنسب للجريمة.
أما من تاب من بعد ظلمه بالسرقة، وأناب إلى الله، ورجع عن السرقة، وردّ أموال الناس إليهم، وأصلح نفسه وزكّاها بعمل البر والتقوى، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذّبه في الآخرة، وإن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم إذا صلحوا.
ألم تعلم أيها الرسول وكل مؤمن أن الله هو المالك لجميع السماوات والأرض ومن فيهما، يتصرف في ذلك بالعدل والحكمة والعلم الواسع والفضل العظيم، ومن فضله ورحمته أنه يقبل التوبة عن عباده، ويرحم التائبين، ومن حكمته وعدله أنه وضع حدّا للسرقة لزجر اللصوص وردعهم، توفيرا للأمن والاستقرار، وتحقيقا لمصالح العباد، والله هو القادر على كل شيء من التعذيب والرحمة.
ومن خلال التجربة والتطبيق تبين أن الحدود الشرعية هي المحققة لمصلحة الناس العامة والخاصة، فلا مانع من الجريمة أحكم وأعدل وأصلح من حدود الله المقررة في القرآن المجيد.
стр. 457
لكن ينبغي أن نعلم أن حدّ السرقة لا يقام على السراق إلا بشروط كثيرة، فيشترط أن يكون السارق بالغا عاقلا، لا صبيّا ولا مجنونا، وألا يكون مأذونا له في الدخول إلى مكان الأموال، لا ضيفا أو خادما، ولا قريبا ذا رحم محرم من المسروق منه، ولا مالكا للمسروق، وأن يكون المسروق مقدّرا بنصاب شرعي وهو دينار ذهبي فأكثر في رأي الحنفية، أو ربع دينار في مذهب الجمهور، وأن يكون المسروق مالا متقوما، أي يباح الانتفاع به شرعا، لا كنحو خمر أو خنزير أو كلب أو ميتة أو دم مثلا.
وهناك شرط عام في الحدود كلها وهو ألا توجد شبهة فالحدود تدرأ بالشبهات، وباب الشبهة واسع يجعل إمكان تطبيق الحدّ نادرا، وينتقل حينئذ إلى عقوبة تعزيرية أخرى غير الحدّ، كالحبس والضرب والتوبيخ. ومن تاب من فعله وأصلح نفسه، سقطت عقوبته، والله يحبّ التائبين.
المسارعة في الكفر
أنزل الله تعالى الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن متضمنة الشرائع الإلهية لتنظيم الحياة البشرية لأن الحياة التي لا يضبطها تشريع أو قانون هي حياة فوضوية تشبه حياة الغابة، لا سعادة ولا أمن ولا قرار فيها، القوي يأكل الضعيف، والكبير يستبدّ بالصغير، والمتنفّذ يظلم غيره ويجور في حكمه وتعامله معه بحسب أهوائه ونزواته ومطامعه وشهواته. لذا استنكر القرآن الكريم معاداة الشرائع والكتب الإلهية، ووصف المتجاوزين لأحكامها بأنهم يسارعون في الكفر ويبادرون إلى الضلال ويعملون بالأخلاق المرذولة، فقال الله تعالى مسرّيا ومقوّيا نفس نبيّه محمد ﷺ بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل:
стр. 458
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المائدة: ٥/ ٤١- ٤٣] .
نزلت آية المسارعة في الكفر- كما
روى أبو داود- في رجل وامرأة من اليهود زنيا، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النّبي فإنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك قال. فأتوا النّبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلما سئل رسول الله ﷺ عن ذلك، نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدارس «٨» ، فجمع الأحبار هنالك، وسألهم عما في التوراة من حكم الزّناة المحصنين أي المتزوجين، فقالوا: يحمم وجه الزّاني، أي يطلى وجهه بالسّواد من فحم أو قار (زفت) ويجبّه الزانيان «٩» ، وقالوا أيضا: إنا لا نجد الرّجم في التوراة، فقال رسول الله ﷺ : إن فيها الرّجم، فانشروها، فنشرت، ووضع أحدهم يده على آية
стр. 459
الرّجم، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرّجم، فحكم رسول الله ﷺ فيها بالرجم وأنفذه.
والآية تحذير عام وتذكير، وتثبيت وتقوية لنفس النّبي ﷺ ، ومعناها: قد وعدناك أيها النّبي النصر والغلبة على هؤلاء المنافقين واليهود، فلا يحزنك ما يقع منهم خلال بقائهم، ولا يهمنك أمر الذين يسرعون بالوقوع في الكفر، فإنهم أحد فريقين: إما أنهم منافقون يظهرون الإيمان بألسنتهم، دون أن تؤمن قلوبهم، وإما أنهم يهود يبالغون في سماع الكذب من أحبارهم، الذين يلقون إليهم الأخبار الكاذبة في حقّ النّبي ﷺ ، وفيما يتعلّق بأحكام دينهم، ويبالغون في سماع أقوام آخرين من اليهود هم يهود فدك لم يأتوا مجلسك يا محمد لشدة كراهيتك والحسد عليك، أو هم بمعنى كونهم جواسيس يتنصتون للكلام لينقلوه لقوم آخرين.
وهم أيضا يحرّفون كلام التوراة من بعد أن وضع الله مواضعه ببيان فروضه وإحلال حلاله وتحريم حرامه، يقولون لمن أرسلوهم للنّبي ﷺ لسؤاله عن حكم الزانيين: إن أفتاكم بالتسخيم أو التحميم (تسويد الوجه) والجلد، فاقبلوا منه وارضوا به، وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا قبوله، ولا ترضوا به، ثم يقطع الله لنبيّه الرجاء منهم، قائلا له: لا تتبع نفسك أمرهم، فهم في مرصد الاختبار، والامتحان بالكفر والتعذيب في الآخرة، وقد اختاروا الضّلال، وسبق في علم الله ألا يطهّر قلوبهم من السّوء، وأن يكونوا مدنّسين بالكفر، فقرّر الله لهم الخزي في الدنيا، أي الذّل والمسكنة، وقرّر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم.
ثم أكّد الله تعالى اتّصافهم بصفة دائمة أنهم سماعون للكذب، أكّالون للسّحت أي المال الحرام من أخذ الرّشوة وغيرها، فإن جاؤوك أيها النّبي وكل حاكم بعدك للاحتكام أو التّقاضي، فأنت مخيّر بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم، وإن
стр. 460
أعرضت عنهم فلن يلحقك شيء من ضررهم وعداوتهم لأن الله حافظك وعاصمك من الناس، وإن حكمت بينهم في قضية، فاحكم بينهم بالعدل الذي أمرك الله به، وهو شريعة القرآن، إن الله يحبّ العادلين ويرضى عنهم. وتخيير الحكام باق، وهو الأظهر إن شاء الله كما قال ابن عطية.
وكيف يحكّمونك أيها النّبي في قضية مثل الزّانيين؟ وعندهم التوراة فيها شريعتهم وحكم الله، ثم يتولون ويعرضون عن حكمك بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين أبدا.
أجل! إن التّلاعب بأحكام الله وشرائعه ومحاولة التهرّب منها لا تفيد شيئا، فإن الحقائق ناصعة، ومن تنكّر للحقيقة تعرّض للخزي والهوان في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، وقانا الله تعالى من الانحراف وألهمنا الاستقامة على شرعه ودينه.
تشريع القصاص
تميّز القرآن الكريم بالحيدة والموضوعية وإظهار الحقائق في بيان الأحكام التشريعية فلا تعصّب فيه لشريعة أو اتّباعها على حساب شريعة أخرى لأن مصدر التشريع الإلهي واحد وهو الله ، فكما أن القرآن المجيد نور وهداية دائمة، كذلك التوراة والإنجيل هدى ونور، وكما أن القصاص أو عقوبة الإعدام أمر مقرر في الشريعة الإسلامية، فهو كذلك مقرر واجب في الشريعة الموسوية، وإنكار ذلك كفر وظلم وفسق.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)
«١» «٢» «٣»