← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وروى أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في سورة المائدة: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. والمعنى: فيما فرض عليكم أو يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، فمن سرق من ذكر أو أنثى، فاقطعوا يا ولاة الأمور أيديهما أي من الرّسغ كما أوضحت السّنة النّبوية، جزاء لهما على سرقتهما وما كسبت أيديهما، ولانتهاك حرمة مال الآخرين، لأن السرقة قد تجرّ إلى الدفاع عن المال وإلى القتل، وتنكيلا وإهانة وتحقيرا لهما من الله لأن فعلهما خسيس ودنيء يستوجب الإذلال، والزجر عن العودة للسرقة، وإيقاع عبرة لغيرهما، والله قوي غالب في تنفيذ أوامره، حكيم في تدبيره وصنعه وتشريعه، لا يشرع إلا ما فيه الحكمة والمصلحة، واختيار الأنسب للجريمة. أما من تاب من بعد ظلمه بالسرقة، وأناب إلى الله، ورجع عن السرقة، وردّ أموال الناس إليهم، وأصلح نفسه وزكّاها بعمل البر والتقوى، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذّبه في الآخرة، وإن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم إذا صلحوا. ألم تعلم أيها الرسول وكل مؤمن أن الله هو المالك لجميع السماوات والأرض ومن فيهما، يتصرف في ذلك بالعدل والحكمة والعلم الواسع والفضل العظيم، ومن فضله ورحمته أنه يقبل التوبة عن عباده، ويرحم التائبين، ومن حكمته وعدله أنه وضع حدّا للسرقة لزجر اللصوص وردعهم، توفيرا للأمن والاستقرار، وتحقيقا لمصالح العباد، والله هو القادر على كل شيء من التعذيب والرحمة. ومن خلال التجربة والتطبيق تبين أن الحدود الشرعية هي المحققة لمصلحة الناس العامة والخاصة، فلا مانع من الجريمة أحكم وأعدل وأصلح من حدود الله المقررة في القرآن المجيد.

стр. 457

لكن ينبغي أن نعلم أن حدّ السرقة لا يقام على السراق إلا بشروط كثيرة، فيشترط أن يكون السارق بالغا عاقلا، لا صبيّا ولا مجنونا، وألا يكون مأذونا له في الدخول إلى مكان الأموال، لا ضيفا أو خادما، ولا قريبا ذا رحم محرم من المسروق منه، ولا مالكا للمسروق، وأن يكون المسروق مقدّرا بنصاب شرعي وهو دينار ذهبي فأكثر في رأي الحنفية، أو ربع دينار في مذهب الجمهور، وأن يكون المسروق مالا متقوما، أي يباح الانتفاع به شرعا، لا كنحو خمر أو خنزير أو كلب أو ميتة أو دم مثلا. وهناك شرط عام في الحدود كلها وهو ألا توجد شبهة فالحدود تدرأ بالشبهات، وباب الشبهة واسع يجعل إمكان تطبيق الحدّ نادرا، وينتقل حينئذ إلى عقوبة تعزيرية أخرى غير الحدّ، كالحبس والضرب والتوبيخ. ومن تاب من فعله وأصلح نفسه، سقطت عقوبته، والله يحبّ التائبين. المسارعة في الكفر أنزل الله تعالى الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن متضمنة الشرائع الإلهية لتنظيم الحياة البشرية لأن الحياة التي لا يضبطها تشريع أو قانون هي حياة فوضوية تشبه حياة الغابة، لا سعادة ولا أمن ولا قرار فيها، القوي يأكل الضعيف، والكبير يستبدّ بالصغير، والمتنفّذ يظلم غيره ويجور في حكمه وتعامله معه بحسب أهوائه ونزواته ومطامعه وشهواته. لذا استنكر القرآن الكريم معاداة الشرائع والكتب الإلهية، ووصف المتجاوزين لأحكامها بأنهم يسارعون في الكفر ويبادرون إلى الضلال ويعملون بالأخلاق المرذولة، فقال الله تعالى مسرّيا ومقوّيا نفس نبيّه محمد ﷺ بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل:

стр. 458

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٤١ الى ٤٣] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المائدة: ٥/ ٤١- ٤٣] . نزلت آية المسارعة في الكفر- كما روى أبو داود- في رجل وامرأة من اليهود زنيا، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النّبي فإنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك قال. فأتوا النّبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلما سئل رسول الله ﷺ عن ذلك، نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدارس «٨» ، فجمع الأحبار هنالك، وسألهم عما في التوراة من حكم الزّناة المحصنين أي المتزوجين، فقالوا: يحمم وجه الزّاني، أي يطلى وجهه بالسّواد من فحم أو قار (زفت) ويجبّه الزانيان «٩» ، وقالوا أيضا: إنا لا نجد الرّجم في التوراة، فقال رسول الله ﷺ : إن فيها الرّجم، فانشروها، فنشرت، ووضع أحدهم يده على آية

стр. 459

الرّجم، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرّجم، فحكم رسول الله ﷺ فيها بالرجم وأنفذه. والآية تحذير عام وتذكير، وتثبيت وتقوية لنفس النّبي ﷺ ، ومعناها: قد وعدناك أيها النّبي النصر والغلبة على هؤلاء المنافقين واليهود، فلا يحزنك ما يقع منهم خلال بقائهم، ولا يهمنك أمر الذين يسرعون بالوقوع في الكفر، فإنهم أحد فريقين: إما أنهم منافقون يظهرون الإيمان بألسنتهم، دون أن تؤمن قلوبهم، وإما أنهم يهود يبالغون في سماع الكذب من أحبارهم، الذين يلقون إليهم الأخبار الكاذبة في حقّ النّبي ﷺ ، وفيما يتعلّق بأحكام دينهم، ويبالغون في سماع أقوام آخرين من اليهود هم يهود فدك لم يأتوا مجلسك يا محمد لشدة كراهيتك والحسد عليك، أو هم بمعنى كونهم جواسيس يتنصتون للكلام لينقلوه لقوم آخرين. وهم أيضا يحرّفون كلام التوراة من بعد أن وضع الله مواضعه ببيان فروضه وإحلال حلاله وتحريم حرامه، يقولون لمن أرسلوهم للنّبي ﷺ لسؤاله عن حكم الزانيين: إن أفتاكم بالتسخيم أو التحميم (تسويد الوجه) والجلد، فاقبلوا منه وارضوا به، وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا قبوله، ولا ترضوا به، ثم يقطع الله لنبيّه الرجاء منهم، قائلا له: لا تتبع نفسك أمرهم، فهم في مرصد الاختبار، والامتحان بالكفر والتعذيب في الآخرة، وقد اختاروا الضّلال، وسبق في علم الله ألا يطهّر قلوبهم من السّوء، وأن يكونوا مدنّسين بالكفر، فقرّر الله لهم الخزي في الدنيا، أي الذّل والمسكنة، وقرّر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم. ثم أكّد الله تعالى اتّصافهم بصفة دائمة أنهم سماعون للكذب، أكّالون للسّحت أي المال الحرام من أخذ الرّشوة وغيرها، فإن جاؤوك أيها النّبي وكل حاكم بعدك للاحتكام أو التّقاضي، فأنت مخيّر بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم، وإن

стр. 460

أعرضت عنهم فلن يلحقك شيء من ضررهم وعداوتهم لأن الله حافظك وعاصمك من الناس، وإن حكمت بينهم في قضية، فاحكم بينهم بالعدل الذي أمرك الله به، وهو شريعة القرآن، إن الله يحبّ العادلين ويرضى عنهم. وتخيير الحكام باق، وهو الأظهر إن شاء الله كما قال ابن عطية. وكيف يحكّمونك أيها النّبي في قضية مثل الزّانيين؟ وعندهم التوراة فيها شريعتهم وحكم الله، ثم يتولون ويعرضون عن حكمك بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين أبدا. أجل! إن التّلاعب بأحكام الله وشرائعه ومحاولة التهرّب منها لا تفيد شيئا، فإن الحقائق ناصعة، ومن تنكّر للحقيقة تعرّض للخزي والهوان في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، وقانا الله تعالى من الانحراف وألهمنا الاستقامة على شرعه ودينه. تشريع القصاص تميّز القرآن الكريم بالحيدة والموضوعية وإظهار الحقائق في بيان الأحكام التشريعية فلا تعصّب فيه لشريعة أو اتّباعها على حساب شريعة أخرى لأن مصدر التشريع الإلهي واحد وهو الله ، فكما أن القرآن المجيد نور وهداية دائمة، كذلك التوراة والإنجيل هدى ونور، وكما أن القصاص أو عقوبة الإعدام أمر مقرر في الشريعة الإسلامية، فهو كذلك مقرر واجب في الشريعة الموسوية، وإنكار ذلك كفر وظلم وفسق. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٤٤ الى ٤٧] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) «١» «٢» «٣»

стр. 461

«١» «٢» [المائدة: ٥/ ٤٤- ٤٧] . نزلت هذه الآيات في اليهود الذين بدّلوا حكم التوراة في الرجم، فجعلوا مكانه الجلد والتسخيم، أي تسويد الوجه وطلاءه. والمعنى العام: إنا أنزلنا التوراة على موسى ﵇، مشتملة على الهدى والنور، والهدى: الإرشاد في المعتقدات والشرائع، والنور: ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها. وهي قانون يحكم بها الأنبياء المخلصون لله من عهد موسى بن عمران ﵇ إلى مدة مجيء محمد ﷺ ، يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم، ويحكم بها أيضا الرّبانيّون، وهم العلماء الحكماء الذين يسوسون الناس بالعلم، ويحكم بها الأحبار: وهم العلماء رجال الدين، بسبب ما استحفظوا على كتاب الله شهداء ورقباء وحفاظا يحمونه من التغيير والتحريف. وإذا كان الحال كما ذكر فلا تخافوا الناس أيها الأحبار، ولا تكتموا الحق، من صفة النّبي والبشارة به، طمعا في نفع دنيوي عاجل، وخافوا الله وحده، فلا تحرّفوا كتابه، خوفا من أحد أو مجاملة لأحد، فتسقطوا الحدود الواجبة عليهم، ولا تستبدلوا بآياتي وأحكامي منفعة قليلة عاجلة تأخذونها من الناس، من رشوة أو طمع

стр. 462

في مال أو جاه أو رضا الآخرين، فمتاع الدنيا قليل، والرشوة سحت حرام لا بقاء لها ولا بركة فيها، واعلموا أيها العلماء أن من لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق. واعلموا أيها الأحبار العلماء أننا أنزلنا التوراة، وفرضنا فيها على بني إسرائيل عقوبة القصاص من القتلة، على أساس المساواة والمماثلة، فتقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويجدع الأنف بالأنف، وتقطع الأذن بالأذن، ويقلع السّن بالسّن، ويجري القصاص أي التماثل في الجروح والاعتداءات على الأعضاء. لكن من عفا عن الجاني وتصدق بحقه في القصاص، فالتّصدق كفارة له، يستر الله بها ذنوبه ويعفو عنه، والعفو أفضل، قال الله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة: ٢/ ٢٣٧] . ومن أعرض عن تشريع القصاص القائم على العدل والمساواة بين الناس، ولم يحكم به في القضاء، فأولئك هم الظالمون أنفسهم وغيرهم، الذين يتعدون حدود الله، ويضعون الشيء في غير موضعه. ثم ذكر الله تعالى في قرآنه أن التوراة شريعة أنبياء بني إسرائيل، فقال: وأتبعنا مجيء النّبيين وذهابهم والسّير على آثارهم بعيسى ابن مريم ﵇، فهو آخر نبي لبني إسرائيل، مصدّقا للتّوراة التي تقدمته قولا وعملا، أي مقرّا بأنه كتاب من عند الله وأنه حق واجب العمل به، يعمل بها فيما لم يغاير الإنجيل، وأخبر الله تعالى أنه أعطى عيسى الإنجيل فيه الهدى، أي الإرشاد والدعوة إلى توحيد الله وإحياء أحكامه وشرائعه، وفيه النّور: وهو أن ما فيه مما يستضاء به، وأن الإنجيل مصدق ومؤيد لما جاء في التوراة، وهو أيضا سبب للاهتداء به وإرشاد الناس في المستقبل لما يأتي بعد الإنجيل وهو القرآن، ونبي الإسلام، والإنجيل كذلك موعظة حسنة للمتقين لاشتماله على النصائح والإرشادات البليغة، وخصّ المتقون بالذكر لأنهم المقصودون به في

стр. 463

علم الله، ولأنهم الذين ينتفعون بتلك المواعظ. ثم أمر الله تعالى بأن يعمل أهل الإنجيل بالأحكام التي أنزلها الله فيه، ومن لم يحكم بما جاء في الإنجيل فأولئك هم الفاسقون، أي المتمرّدون الخارجون عن حكم الله وشرعه. شريعة القرآن الشرائع الإلهية حلقة متصلة الروابط، متكاملة متساندة فيما بينها، يؤكد بعضها بعضا، ويكمل آخرها أولها، لتتآزر فيما بينها وبين أتباعها على تحقيق مراد الله تعالى فيما يحقق المصالح ويدفع المضارّ والمفاسد، وينقل الناس إلى ما هو الأفضل والأمثل بحسب مقتضيات الحاجة ومراعاة قانون التطور ومنجزات الحضارة والتقدم، لذا جاء القرآن الكريم مؤيدا ما سبقه من التوراة والإنجيل، فقال الله تعالى مخاطبا نبيّه محمدا ﷺ : [سورة المائدة (٥) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) «١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٤٨- ٥٠] . نزلت آية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.. في جماعة من اليهود، قال ابن

стр. 464

عباس: قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فجاءوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتّبعناك اتّبعتنا يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك، فأبى ذلك، وأنزل الله فيهم: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ.. إلى آخر الآية وما بعدها وهي قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. ومعنى الآيات الكريمات: وأنزلنا إليك أيها النّبي القرآن الكريم الذي أكملنا به الدين، مشتملا أو متضمّنا الحقائق من الأمور، وهي تمثل الحق في نفسه، وصلاح العباد جميعا، والقرآن مصدق ومؤيد ما تقدمه من الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، وهو أيضا مهيمن عليها، أي حاكم عليها، وشاهد لها وعليها ومبيّنا حقيقة ما جاء فيها وما طرأ عليها، فهو أمين مؤتمن عليها. وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته، فاحكم يا محمد ومن جاء بعدك بما أنزل الله إليك فيه من الأحكام، دون ما أنزله إليهم، ولا تتبع أهواءهم، أي آراءهم التي اصطلحوا عليها، ولا تعدل عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء وشهوات أولئك الذين يريدون الميل عما أنزل إليك، والعدول عن حكم الرجم والقصاص في القتلى. فلكل أمة من الأمم جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها، ومنهاجا وطريقا واضحا فرضنا عليهم سلوكه، بحسب مراعاة الأحوال والأوضاع والتطورات، وهذا كله في الأحكام الفرعية، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم، توحيد وإيمان بالبعث (اليوم الآخر) وتصديق للرّسل، والله قادر على جعل الناس على ملّة واحدة أو دين واحد، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة بحسب عصره وزمانه، وأراد الله اختبار العالم فيما شرع لهم من الشرائع.

стр. 465

وإذا كان الأمر كذلك، فسارعوا أيها الناس إلى الخيرات، أي الطاعات وجدّوا في التسابق في الأعمال الصالحات، لخيركم وصلاحكم وإنقاذكم، ولإحراز الفضل والرضا الإلهي، والبدار البدار فإنه إلى الله معادكم ومصيركم، يوم القيامة، فيخبركم إخبار إيقاع بما كنتم تختلفون فيه من الحق، وسيجازيكم عليه كله، وحينئذ يظهر الله الثواب والعقاب. وقوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ آية بارعة الفصاحة، جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، كسائر كتاب الله تعالى. ثم أكّد الله تعالى لنبيّه الأمر بالحكم بما أنزل الله، فقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.. أي اقض بما أمر الله به، ولا تتبع أهواء المعاندين أو المعارضين فيما يخبرونك من أمور، ويقترحون من حلول، واحذر أيها النّبي أن يفتنك أعداؤك عن بعض ما أنزل الله إليك، أي يميلوا بك من الحق إلى الباطل، فإن تولوا وأعرضوا عما تحكم به من الحق، وخالفوا شرع الله، فلا تبال بهم، واعلم أن الله يريد أن يعذّبهم في الدنيا قبل الآخرة على ذنوبهم ومعاصيهم وتركهم أحكام الشريعة، ولا غرابة في ذلك فكثير من الناس لفاسقون، أي خارجون عن حدود الحق والدين والعقل الرشيد. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين يريدون إحياء فوضى الجاهلية والأخذ بالثأر وترك الدين الحق والحكم العادل في القصاص وعقاب الزّناة والتمييز الطبقي وإضاعة الحقوق وإشاعة الجور والظلم وحماية المجرمين، ولا حكم أعدل من حكم الله لقوم يدركون الحق، ويوقنون أنه لا أعدل من الله، ولا أحسن حكما من شرعه القويم.

стр. 466

موالاة غير المؤمنين أوجب القرآن الكريم التعاون بين أبناء أمة الإيمان وحدهم، والاعتماد على أنفسهم، وإشاعة الثقة والمناصرة فيما بينهم، وتكوين أمة واحدة قوية متعاضدة متآزرة في السّراء والضّراء، لها شخصيتها المستقلة، وكيانها الذاتي المتين لأن تكامل الأمة يقتضي الاحتفاظ بأسرارها، ومنع تسرّبها إلى أعدائها، وبناء وجودها بناء حصينا يمنع اختراقه وتمكين الآخرين من إضعافه، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥١ الى ٥٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المائدة: ٥/ ٥١- ٥٣] . نزلت هذه الآيات في شأن رجلين أحدهما- عبادة بن الصامت الذي تبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وتولى الله ورسوله، والثاني- عبد الله بن أبي زعيم المنافقين الذي أصرّ على موالاة يهود قائلا: إني رجل أخاف الدوائر. نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآيات الشريفات عن اتّخاذ اليهود والنّصارى أولياء في النّصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. فإياكم أيها المؤمنون أن تتحالفوا معهم، أو تسرّوا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنّوا إلى صداقتهم ومحبّتهم أو موادتهم، إذ لن يخلصوا أو ينفّذوا العهد لكم، فبعضهم أولياء أو أنصار بعض، ومن يناصرهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة من جملتهم وكأنه مثلهم، وليس من صف

стр. 467

المؤمنين الصادقين، وإن الله لا يوفق إلى الحق والخير القوم الظالمين أنفسهم بموالاة أعدائهم والاعتماد عليهم أيّا كان السبب. وهذا النهي متعلق في شأن تعميق الصّلات والرّوابط والأحلاف مع غير المؤمنين، أما مجرد المعاملة والمتاجرة من غير مخالطة عميقة الجذور، فلا تدخل في النّهي، فقد عامل رسول الله ﷺ يهوديا، ورهنه درعا. ثم ميّز الله تعالى بين الموالي لأمّته وبين المعادي لها، المنضمّ إلى صفّ الأعداء، فأخبر الله نبيّه بقوله: ترى يا محمد أولئك المنافقين الذين في قلوبهم شك ونفاق، وإيمانهم ضعيف غير صحيح، ترى هؤلاء يبادرون في موالاة الأعداء، ويرغبون فيها رغبة أكيدة خالصة للشيطان، ويتصادقون معهم صداقة حميمة، ويقولون معتذرين بسبب انهزام نفوسهم وضعفها: نخاف أن نتعرض لدائرة تدور علينا، من دوائر الدهر، وأن تكون لهم الغلبة والتّفوق، وأن تكون لنا الهزيمة والضعف، والدائرة معناها: النازلة من الزمان، والحادثة من الحوادث التي تحوجنا إلى موالينا وأنصارنا من اليهود الأعداء. ولكن هؤلاء المنافقين الانهزاميين نسوا جانب الله وتركوا مقتضى الإيمان، فالله يعد المؤمنين وعدا جازما بالنصر والغلبة، والفصل بين أهل الإيمان وجند الشيطان، فيصبح المتواطئون مع الأعداء نادمين على ما أسرّوا في أنفسهم من مناصرة أهل الباطل وجند الشيطان وأعداء أهل الإيمان. وقوله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ وعد قاطع من الله لأن عسى من الله واجبة التحقيق. وظاهرة الفتح في هذه الآية: علو كلمة الإسلام، وتغلّب رسول الله ﷺ على أعدائه الذين يخططون للقضاء على دعوته وإضعاف أنصاره. لذا يقول الذين آمنوا متعجّبين من فعل المنافقين ومخاطبين الأعداء: أهؤلاء الذين

стр. 468

أقسموا بالله وحلفوا الأيمان المغلّظة المؤكّدة: إنهم معكم، وإنهم مناصروكم على أعدائكم، ثم انكشفوا على حقيقتهم، وتبينت عداوتهم كما قال الله تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) [التّوبة: ٩/ ٥٦] . أي إنهم جماعة خائفون يظهرون الإسلام تقية أو مناورة أو سياسة، لا حقيقة. ثم يضيف المؤمنون قائلين: هؤلاء المنافقون بطلت أعمالهم، التي يؤدّونها نفاقا من صلاة وصيام وحج وجهاد، فخسروا بذلك الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة. وهكذا الزمن كفيل بإظهار الأمور على حقيقتها، فلا بد من أن ينهزم أهل الشّر والباطل، وينتصر أهل الحق وجند الإيمان بعد الاستعداد الصحيح والتفافهم مع بعضهم، وإعزاز إيمانهم ودينهم كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) [الصّافّات: ٣٧/ ١٧١- ١٧٣] . تهديد المرتدّين إن الثّبات على الحق والإيمان بالله تعالى مهما حدث من الحوادث والكوارث هو شأن المؤمن العاقل، الصحيح العقيدة، فلا يتزحزح عن إيمانه مهما اختلفت المصالح، أو تعرّض للإغراءات والمصائب، ويظل ثابتا على العهد والدين كأنه الجبل الأشمّ والصخرة العاتية. أما ضعاف الإيمان، والانهزاميون والمتذبذبون الجبناء، فهم الذين لا يصمدون للمحنة أو الأزمة، وتراهم سريعي التّبدل والتّحول من ساحة الإيمان إلى بؤرة الكفرة ومستنقع الشيطان وأعوانه. لذا هدّد المرتدّين بأنهم لن يضرّوا إلا أنفسهم، فقال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥٤ الى ٥٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)

стр. 469

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المائدة: ٥/ ٥٤- ٥٦] . من المعلوم أنه ارتدّ عن الدّين إحدى عشرة فئة، ثلاث قبائل أيام النّبي ﷺ : وهم بنو مدلج بزعامة الأسود العنسي، وبنو حنيفة بزعامة مسيلمة الكذاب، وبنو أسد بزعامة طليحة بن خويلد، وسبع قبائل في عهد أبي بكر الصّديق، وهم غطفان وفزارة وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض بني تميم بزعامة سجاح الكاهنة، وكندة، وبنو بكر. وارتدّ جبلة بن الأيهم من الغساسنة وتنصّر ولحق بالشام والروم. فنزلت هذه الآيات السابقة خطابا للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة، وأشارت إلى القوم الذين قاتلوا أهل الرّدة والذين يأتي الله بهم وهم: أبو بكر الصّديق وأصحابه رضوان الله عليهم. ومعنى الآيات الكريمات: أن الله وعد هذه الأمة أن من ارتدّ منها، فإنه تعالى يجيء بقوم ينصرون الدين، ويستغنى بهم عن المرتدّين، فكان أبو بكر وأصحابه ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر السابق في صدر الإسلام. فمن يرتد عن دينه في المستقبل، فسوف يأتي الله بقوم بديل عنهم، وصفهم القرآن الكريم بستّ صفات: ١- إنهم أناس يحبّهم الله تعالى، أي يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويرضى عنهم.

стр. 470

٢- ويحبّون الله تعالى باتّباع أوامره واجتناب نواهيه. ٣- وهم أذلّة على المؤمنين، متواضعون لهم، متفاهمون معهم، متعاونون. ٤- وهم أعزّة على الكافرين، أي أشدّاء متعالون عليهم، معادون لهم كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين في آية أخرى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٤٨/ ٢٩] . ٥- وشأنهم أنهم يجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله ودينه، ومن أجل مناصرة الحق والخير والفضيلة وتوحيد الإله، ويدافعون عن الأوطان والأهل والديار والبلاد. ٦- وهم لا يخافون في الله لومة لائم، أي لا يخشون لوم أحد واعتراضه ونقده، لصلابتهم في دينهم، ولأنهم يعملون لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، على نقيض المنافقين الذين يخافون لوم حلفائهم وأنصارهم من الأعداء. هذه الصفات السّت التي اتّصف بها هؤلاء المؤمنون المخلصون هي من فضل الله العظيم، والله سبحانه يؤتي فضله من يشاء، ويوفق إليه من يريد، والله واسع عليم، أي ذو سعة فيما يملك ويعطي، كثير الأفضال، عليم بمن هو أهلها، يمنح فضله وإحسانه ونعمه على من يجد فيهم الاستعداد الطيب لها. وبعد أن نهى الله تعالى عن موالاة الأعداء، أمر بموالاة ومناصرة الله ورسوله والمؤمنين، فأنتم أيها المؤمنون إنما وليّكم وناصركم بحق هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي يؤدّونها كاملة تامّة الأركان والشروط، ويؤتون الزّكاة، أي يعطونها بإخلاص وطيب نفس لمن يستحقّها، وهم خاضعون لأوامر الله، بلا ضجر ولا رياء. وإيتاء الزّكاة هنا لفظ عامّ يشمل الزّكاة المفروضة والتّطوع

стр. 471

بالصّدقات والقيام بكل أفعال البر إذ هي تنمية للحسنات، مطهرة للمرء من دنس الذنوب. وهذه الآية في جميع المؤمنين. ثم أوضح القرآن المجيد مبدأ عامّا، مفاده: أن من يناصر دين الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويؤازر رسول الله والمؤمنين دون أعدائهم، فإنه هو الفائز النّاجي، وهو الذي يحقق النّصر والغلبة على المناوئين، وحزب الله بحق، دائما هو غالب، كما قال الله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٥٨/ ٢١] إلى قوله: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٥٨/ ٢٢] . العلاقة مع غير المؤمنين من الطبيعي أن تحتفظ كل أمة أو جماعة بأسرارها فيما بينها، ولا تبيح بشيء منها لأعدائها، وإلا كانت جماعة حمقاء طائشة، سرعان ما يهدّد وجودها الضّياع والذّوبان وتسلّط الأعداء عليها، لهذا حذّر القرآن الكريم هذه الأمة من اتّخاذ الأنصار والأعوان من غيرها، منعا من التّشتّت والهزيمة، وحفاظا على العزّة والقوة والمجد، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥٧ الى ٦٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) «١» «٢» » «٤» «٥»

стр. 472

«١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٥٧- ٦٣] . قال ابن عباس مبيّنا سبب نزول هذه الآيات: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادّهما، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ إلى قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْتُمُونَ. نهى الله تعالى المؤمنين عن اتّخاذ أعدائهم أولياء، أي حلفاء وأنصارا، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنّبهم، وذلك اتّخاذهم دين المؤمنين ومشاعرهم هزوا ولعبا، أي سخرية وازدراء، ومظهرا من مظاهر اللعب والعبث، حتى وإن تظاهروا بالمودة والمحبة والعطف، كما قال الله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) [البقرة: ٢/ ١٤] . وشدّد الله على قطع الموالاة، فأمر الناس المؤمنين بتقوى الله وخشية عذابه ووعيده على الموالاة مع الأعداء، إن كنتم صادقي الإيمان تحترمون أحكامه وتلتزمون حدوده، وكل من الأمر بالتقوى والتذكير بالإيمان للتّنفير والتّحذير من أفاعيل الأعداء وشرورهم ومكرهم، وتنبيه النفوس إلى أن الإيمان الحق يقتضي البعد من العدو. ومن أفاعيل الأعداء وسوء فعلهم ومظاهر شرّهم: أنكم أيها المؤمنون إذا ناديتم

стр. 473

إلى الصلاة بالأذان، اتّخذوا النّداء والصلاة هزوا ولعبا، فقالوا: قد قاموا لا قاموا، إلى غير هذا من الألفاظ التي يستخفّون بها في وقت الأذان وغيره. وفعلهم هذا لأنهم لا يعقلون معاني عبادة الله وشرائعه، وهم أشبه بالشيطان الذي يفرّ ويدبر إذا سمع الأذان. ولكنهم مع الأسف لا يقدّرون تأثير الأذان في القلوب، وتطهير النفوس وتزكيتها وربطها بعظمة الله وكبريائه، وتذكيرها بضرورة الخوف من الله في السّر والعلن. ثم أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول لأهل الكتاب: هل تعدّون ذنبا أو نقيصة إيماننا الثابت الراسخ بالله ورسله، وإيماننا بما أنزل إلينا وبما أنزل من الكتب السابقة على الرّسل الكرام، والحق أنهم بهذا الهزء واللعب أكثرهم فاسقون، أي خارجون عن حدود الدين الصحيح والرأي السليم والعقل الرشيد. وليس لهم من الدّين إلا التّعصب والحقد، والمظاهر والتقاليد الجوفاء. ثم أجابهم الله تعالى عن استهزائهم، فقل لهم يا محمد: هل أخبركم أيها المستهزئون بديننا، الواصفون ديننا بأنه شرّ، إنه لا شرّ ولا ضلال أشدّ من دين الملعونين الذين لعنهم الله وغضب عليهم بسبب سوء أفعالهم، وطردهم من رحمته، وغضب عليهم غضبا أبديا، وجعل منهم القردة والخنازير، وأطاع الشيطان، وعبد الأصنام والعجل، أولئك المتّصفون بتلك الصفات من الأجداد والأحفاد شرّ مكانا مما تظنون بنا لأن مكانهم النار، وهم أضلّ الناس عن طريق الاستقامة والاعتدال والحق الواضح. وبلغ من سوء الأعداء وخاصة المنافقين منهم أن الكفر ملازم لهم، فإذا جاؤوا إلى الرسول والمؤمنين، قالوا: آمنّا بالرّسول وبما أنزل عليه، والحال أنهم دخلوا وهم كفار، وخرجوا كذلك، لم تنفعهم الموعظة، ولم يؤثر فيهم التذكير، والله أعلم بما

стр. 474

يكتمون حين الدخول من النفاق، وعند الخروج من العزم على الكيد والمكر، فهم جميعا أغبياء وشذاذ. وترى أيها النّبي كثيرا من هؤلاء المستهزئين بدينك، يبادرون إلى ارتكاب الإثم والظلم والمعاصي، ويأكلون السّحت (المال الحرام) فبئس الاعتداء اعتداؤهم، وقبح الفعل سوء فعلهم. ثم عاتب الله علماءهم على تقصيرهم، ووبّخهم على سكوتهم على الباطل، فهلا نهوا أتباعهم عن قولهم الإثم والكذب، وأكلهم الأموال بالباطل، تالله لبئس ما كان يصنع أولئك الأحبار (العلماء) من ترك النّصح والرّضا بالمنكر. بعض أوصاف اليهود من المعلوم أن البشر جميعا هم عباد الله الذين خلقهم وأراد لهم الخير، ولا فرق بين إنسان وآخر، ولا فضل لأحد على آخر إلا بما يقتضي التفاضل ويستدعي التفريق. واليهود كسائر الناس ميزانهم بحسب أعمالهم وأفعالهم وما يظهرونه من طبائع قبيحة وخصال سيئة، والحكم عليهم بمقدار إساءتهم للخالق المعبود والمخلوقات البشرية. قال الله تعالى مبيّنا بعض أوصاف اليهود الذميمة مع ربّهم ومع عباد الله: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٤ الى ٦٦] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦) «١»

стр. 475

«١» [المائدة: ٥/ ٦٤- ٦٦] . سبب نزول الآيات ما قال ابن عباس- فيما أخرجه الطبراني وابن إسحاق- قال رجل من اليهود يقال له: النباش بن قيس للنّبي: إن ربّك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وفي رواية أخرى سمي الرجل بأنه فنحاص رأس يهود بني قينقاع. هذه الآيات تعداد لألوان من الكبائر، ووصف لأقوال وأفعال في غاية القبح والإساءة، والخزي والجرأة على الله تعالى، وأشد هذه الأوصاف شناعة وسوءا وصفهم الله تعالى بما لا يتفق مع ميزان العقل، ويأباه الواقع المشاهد، إنهم وصفوا الله تعالى بأنه فقير وهم أغنياء، وأنه بخيل في تعبيرهم المجازي: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وهو مجاز عن البخل والإمساك، فردّ الله عليهم بالدّعاء عليهم بقوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا إنه دعاء عليهم بالبخل والنّكد والإمساك عن الخير، فكانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، والرّد الواقعي: أن يدي الله مبسوطتان، أي هو الجواد الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء لأي مخلوق إلا عنده خزائنه ومنه الرزق وحده، فهو المنعم المتفضّل. وتالله أيها النّبي ليزيدن ما أنزل إليك من آيات القرآن الواضحات طغيانا، أي تجاوزا للحدّ في الأشياء، وكفرا، أي تكذيبا، أي أن نعمة القرآن تكون نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم لأنها تكشف زيفهم وتفضح أوضاعهم، وكان من جزاء الله لهم على نكدهم وتمرّدهم إلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، وإن تظاهروا بوحدة الصّف وتماسك الكلمة، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى، فلا يهمنّك

стр. 476

أمرهم وتآمرهم، ولا تغتر بما هم عليه الآن في فلسطين المحتلة، وكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله في الخارج والداخل بإثارة الفتنة ومحاولة التفرقة وإثارة العداوة، وهم في مساعيهم يسعون في الأرض فسادا، فمن سجيّتهم وطبعهم دائما الإفساد لا الإصلاح، والتّهديم لا البناء، والله لا يحبّ المفسدين، وإنما يبغضهم ويعاقبهم ويسخط عليهم. ثم فتح الله تعالى باب الأمل والتوبة والإصلاح أمامهم، فهم لو آمنوا بالله ورسوله، واتّقوا ما يتعاطونه من المآثم والمعاصي، لكفّر الله عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، وأدخلهم جنات النعيم التي ينعمون بها. وهذا دليل واضح للبشرية جمعاء على أن العمل الصالح مع الإيمان الكامل سبب لرضوان الله وتوسيع الرزق، وزيادة النعم وإفاضة الخيرات، والتوفيق لسعادة الدنيا والآخرة. ولو أنّهم نفّذوا تعاليم التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم، لكفّر الله عنهم سيّئاتهم، وغاصوا في نعم الله من فوقهم وجوانبهم وتحتهم. لكن من اليهود أو غيرهم جماعة معتدلة، تؤمن بما أنزل الله، ويحبون الخير، ولكن الكثيرين منهم فاسقون خارجون عن الطاعة، فبئس ما عملوا وكذبوا وحرّفوا، وأكلوا الحرام، وظلموا العباد. تبليغ رسالة الوحي الإلهي الكتب الإلهية والوحي الرّبّاني نداء دائم من الله تعالى لعباده في أن يصلحوا أمرهم، ويوحّدوا ربّهم، ويقبلوا على الله بطاعته وعبادته، دون إهمال ولا تقصير، والرّسل الكرام الذين بعثهم الله تعالى مهمتهم تبليغ الرسالة الإلهية، وإقناع الناس بجدواها وضرورتها في حياتهم، وترغيب الناس بالعمل بها، وتحذيرهم من تعطيلها أو إهمالها. والرسول محمد ﷺ خاتم الرّسل والأنبياء جميعا، أمره ربّه بمهمة التّبليغ والبيان والجهاد في سبيل دعوته، فقال الله تعالى له:

стр. 477

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٧ الى ٦٩] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) «١» «٢» [المائدة: ٥/ ٦٧- ٦٩] . نزلت آية الأمر بالتبليغ كما ذكر الحسن البصري ﵀ حين قال رسول الله ﷺ : إن الله بعثني برسالة، فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذّبي، فوعدني لأبلّغن أو ليعذّبني، فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ : أي آية من السماء أنزلت أشدّ عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس (أي لا يعلم ممن هم) فنزل علي جبريل فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. الآية، فقمت عند العقبة، فقلت: أيها الناس، من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي، ولكم الجنة؟ أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا، ولكم الجنة، قال ﷺ : فما بقي رجل ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي بالتّراب والحجارة، ويقول: كذاب صابئ، فعرض علي عارض، فقال: اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه، فأنقذه منهم، وطردهم عنه. يأمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بالتّبليغ على وجه الاستيفاء والكمال، والاستمرار والدوام في ذلك لأنه كان قد بلّغ وبدأ بإبلاغ الرسالة الإلهية إلى قومه،

стр. 478

فقام بواجبه أتم القيام، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير الجزاء. والمعنى: أيها الرسول، بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربّك، لا تخش أحدا، ولا تخف من شيء، فإنك إن لم تبلّغ كل المنزل إليك، فما بلّغت رسالة الله، فالتّبليغ حتم لازم، وفوري لا يتأخر، ولا يجوز تأجيل شيء عن وقته. ولا داعي لأحد يحرسك، فالله يحميك ويحفظك من شرّ الناس، والله لا يوفق الكافرين للإساءة إليك، ولا يمكّنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. قالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي، فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ الآية. وقال عبد الله بن شقيق: كان رسول الله ﷺ يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ خرج فقال: «يا أيها الناس، ألحقوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني» . ثم أمر الله تعالى محمدا ﵊ أن يقول لأهل الكتاب المعاصرين له: لستم على شيء مستقيم حتى تقيموا وتطبّقوا التوراة والإنجيل في الأمر بتوحيد الله الخالص والعمل الصالح، والإيمان بمحمد ﷺ ، والعمل بالقرآن، المنزل إليكم من ربّكم، ونحن المسلمون من باب أولى: لسنا على شيء أبدا حتى نعمل بأحكام القرآن. ثم أقسم الله قسما مفاده أنه ليزيدن القرآن المنزل إليك من ربّك طغيانا أو تجاوزا للحدّ في الظلم على طغيان، وكفرا على كفر، بسبب الحسد الكامن، فلا تحزن يا محمد ولا تتأسّف عليهم، لزيادة طغيانهم وجحودهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي نصرة المؤمنين بك غنى عنهم. والقليل منهم يزيدهم القرآن هدى ورشادا وتوفيقا للسعادة. والقانون العام الإلهي: هو أن الله تعالى يغفر لكل مؤمن، فالذين صدقوا بالله

стр. 479

ورسوله وهم المسلمون، واليهود والصّابئون (فرقة من النصارى المحايدين) والنّصارى أتباع عيسى ﵇، من آمن منهم بالله ربّا وإلها واحدا، وآمن برسله، وباليوم الآخر يوم القيامة، وعمل صالحا فأقام الطاعات، فلا خوف عليهم أبدا من عذاب القيامة، ولا هم يحزنون أبدا على شيء من لذّات الدنيا ونعيمها، بل هم في جنّات النعيم، جعلنا الله منهم وألهمنا رشدنا وصوابنا. علاقة أهل الكتاب برسلهم الأنبياء والرّسل ﵈ مندوبون موفدون مكلفون من الله تعالى بتبليغ رسالات ربّهم وكتبه ووصاياه، فما على البشر إلا الأخذ بتعاليمهم وتصديقهم في دعوتهم، واحترامهم وتأييدهم جميعا، دون تفرقة ولا تمييز، ولا اختيار لأحدهم أو بعضهم وترك البعض الآخر. غير أن أهل الكتاب لم يلتزموا هذا الموقف المحايد، وإنما صدّقوا بعض الرّسل، وكذّبوا بعضهم الآخر، بل قتلوا فريقا منهم، أو وصفوه بصفة مخالفة للحقيقة، ومغايرة للواقع. قال الله تعالى مبيّنا هذا الموقف: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٠ الى ٧٥] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) «١»

стр. 480

«١» «٢» «٣» [المائدة: ٥/ ٧٠- ٧٥] . تضمّنت هذه الآيات الكريمات أخبارا مثيرة ووقائع حدثت من أوائل الكتابيين، الخبر الأول- يقسم الله تعالى بذاته على أنه أخذ العهد المؤكد الموثق على بني إسرائيل في التوراة على السمع والطاعة لله ورسله: موسى وعيسى ومحمد عليهم الصّلاة والسّلام، فيؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ويتّبعوا أحكام الله وشرائعه، ولكنهم نقضوا العهد والميثاق وعاملوا الرّسل بحسب أهوائهم، فكذّبوا بعضهم وأعرضوا عن رسالته، وقتلوا بعضهم ظلما وعدوانا. والخبر الثاني- أنهم ظنّوا وتيقّنوا ألا يترتب على ما صنعوا شرّ وضرر، وألا تقع بهم فتنة، أي اختبار وابتلاء لهم بما فعلوا من الفساد، لزعمهم أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، ولّجوا في شهواتهم، واختبروا بالشدائد، ولكنهم لم يتّعظوا ولم يعتبروا، وعموا عن الحق، ولم يتبصّروا طريق الهدى، فشبّهوا بالعمي، وصمّوا آذانهم عن استماع الحق وعن تدبر آيات الله، فشبّهوا بالصّمّ، فلم يهتدوا إلى الخير، وتسلط عليهم البابليّون ونهبوا أموالهم، وسبوا أولادهم ونساءهم، ثم تاب الله عليهم مما كانوا فيه، أي رجع بهم إلى الطاعة والحق، حين أنابوا لربّهم وتركوا الفساد والشّرّ وعبادة العجل، ثم أعادوا الكرة للانغماس في الشهوات، فعموا عن المواعظ، وصموا آذانهم عن آيات الله ولم يعتبروا بالإنذارات ولم يتّعظوا بالشدائد والحجج

стр. 481

والآيات البيّنات، وكان أكثرهم عصاة، عصوا أوامر الله والرّسل، فسلّط الله عليهم الفرس، ثم الرّومان، فدمّروا ملكهم وسلبوا استقلالهم. والله مطّلع على أحوالهم، عليم بمكائدهم ومكرهم برسلهم وبالرسول محمد ﷺ ، وكان أقلّهم مؤمنين صالحين. والخبر الثالث- يقسم الله تعالى أيضا أنه كفر الذين ألّهوا المسيح، وضلّوا ضلالا شديدا خارجا عن حدود العقل والدين، مع أن المسيح حذّرهم عاقبة الشّرك والوثنية، وأعلمهم بأن من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار، وليس للظالمين أنفسهم من نصير ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم وينقذهم. والخبر الرابع- قسم آخر مؤكد من الله تعالى كالذي قبله بأنه كفر الذين قالوا بالتّثليث، وأنه لا يوجد في هذا الكون والعالم إلا إله واحد، فرد صمد، وهو خبر صادق بالحق، وذلك الإله هو الله تعالى، وإن لم ينتهوا عما يزعمون، ليتعرضنّ لعذاب شديد مؤلم في الآخرة. وفي أعقاب هذه الأخبار اقتضت رحمة الله وألطافه بعباده أن يحضّهم على الإيمان الصحيح، ويدعوهم إلى التّوبة والاستغفار مما وقعوا فيه من الكفر والعصيان، فالله غفور للتّائبين، رحيم بهم، ستّار للذنوب. والخبر الخامس- عن حقيقة المسيح وأنه رسول بشر كالرّسل المتقدّمة قبله، وأن أمّه مريم صدّيقة، أي مؤمنة بحقيقة عيسى، ومصدّقة له، ومعترفة برسالته على الوجه الصحيح، ولها مرتبة تلي مرتبة الأنبياء والمرسلين. وهي وابنها مجرد بشرين كانا يشربان ويأكلان الطعام، للحفاظ على معيشتهما وحياتهما. ثم أمر الله تعالى نبيّه محمدا ﷺ وأمته من بعده بالنظر في ضلال هؤلاء القوم، وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات والدلائل الواضحة تبيّن لهم، وتوضّح في غاية

стр. 482

الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون عن الحق، أي تصرفهم دواعيهم وأهواؤهم وحرصهم على تكسّبهم عن الحق الأبلج والطريق الإيماني الأقوم والأسلم. أسباب الفساد والانحراف في غير المؤمنين كان من رحمة الله بعباده وفضله عليهم أن حذّرهم وأنذرهم وأبان أسباب انحرافهم وضلالهم، قبل أن يفاجئهم بالحساب العسير والعقاب الأليم على زيغهم، وكان هذا التحذير والإنذار شاملا جميع غير المؤمنين إيمانا صحيحا، وهم كل من عبد غير الله من الأصنام والأوثان، وخرج عن مقتضيات أوامر الله وتعاليمه في الكتب الإلهية السابقة، ولم يلتزم بمبدإ وحدة الأديان القائمة على توحيد الله ، والاستقامة على أوامره وطاعته، والعمل على وحدة الانتماء إلى أمة التوحيد، وترك موالاة غير المؤمنين ومناصرتهم. وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في وصف أخطاء غير المؤمنين بقوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٦ الى ٨١] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) «١» «٢» [المائدة: ٥/ ٧٦- ٨١] .

стр. 483

أوضحت هذه الآيات الكريمة أسباب انحراف غير المؤمنين عن الإيمان الحق وحصرتها في خمسة أسباب: وهي عبادة غير الله تعالى، والغلو في الدين بغير حق، وعصيان الأوامر الإلهية، والسكوت عن المنكر أو الضلال والرّضا به، وموالاة غير المؤمنين بالله ورسوله محمد ﷺ . أما سبب الانحراف الأول وهو الأهم: فهو عبادة غير الله الذي لا يقدر على دفع ضرّ، ولا جلب نفع لأوليائه العابدين له، ولغير العابدين على السواء، فلم تستطع الأصنام والأوثان نفع المشركين ولا إضرارهم، ولم يستطع عيسى ﵇ إصابة أعدائه اليهود بضرّ، مع أنهم حاولوا قتله وصلبه، ولم يتمكّن عيسى أيضا من تقديم نفع لأتباعه وأنصاره، سواء في الدنيا أو في الآخرة، بالرغم مما تعرّضوا له من تعذيب وطرد. والله وحده هو السميع لكل صوت أو همسة، العليم بكل شيء، فهو الذي يستحق العبادة وحده دون سواه. والسبب الثاني للانحراف والفساد هو المغالاة في الدين وتجاوز الحدود في وصف عيسى، واتّباع أهواء قوم وآرائهم الواهية من غير حجة ولا برهان، أولئك القوم المتّبعون الذين ضلّوا من قبل، وأضلّوا كثيرا من الناس، وضلّوا عن السّبيل الوسط، والرأي المعتدل. وسبب الانحراف الثالث: هو عصيان أوامر الله واعتداؤهم على خلقه، وتماديهم في العصيان والمخالفة، فاستحقّوا اللعن، أي الطرد من رحمة الله، وما على من جاء بعدهم من الأجيال إلا الحذر من المعاصي والمنكرات، والحرص على الاستقامة على أوامر الله وترك منهياته ومخالفاته. وسبب الانحراف الرابع: هو الرّضا بالجريمة والسكوت عن المنكر لأن الساكت راض عن الفعل، وهو شيطان أخرس، ولذا كان من أهم حصون الدين الحفاظ على

стр. 484

دائرة الحق والعدل فيه، وترك المنكر حتى لا يفشو كالنار في الهشيم أو الزرع اليابس، ومن الواجب تكتل الأفراد والجماعات والسّعي لاستئصال شأفة الفساد الديني، والخلقي والاجتماعي في مظلّة السلطة المؤمنة. وسبب الانحراف الخامس: هو ترك موالاة ومناصرة الذين كفروا، فإن كثيرا من أهل الكتاب كانوا في صدر الإسلام يتولون مشركي مكّة، ويتآزرون معهم، ويتركون موالاة المؤمنين. ولكنهم بهذه الموالاة لغير جند الإيمان أساؤوا لأنفسهم، وتعرّضوا لسخط الله وغضبه عليهم، وكانوا خالدين في النار وعذابها الشديد. ولو عقلوا وفكّروا جيدا، وآمنوا بالله تعالى الإله الواحد، وبالنّبي محمد ﷺ خاتم النّبيين، وآمنوا بالقرآن الكريم المنزل إليه من ربّه، ما اتّخذوا المشركين والكفّار أولياء وأنصارا، وأصدقاء وأعوانا، ولكن كثيرا منهم في الواقع فاسقون، أي خارجون عن دائرة الدين الحق، وعن طاعة الله ورسوله، وأصول دينه، لأنهم أرادوا تحقيق زعامة كاذبة، والحصول على عرض دنيوي زائل، فأضاعوا الدنيا والآخرة. علاقة أهل الكتاب بالمؤمنين من الطبيعي أن يلتقي أهل الأديان وأن تتّحد كلمتهم لأنهم يؤمنون إيمانا متماثلا بوجود الخالق ووحدانيته، وبوجود البعث والجنة والنار، وأن تكون أخلاقهم ومعايير سلوكهم واحدة مقتبسة من تعاليم الله وإرشاداته، وليس من المنتظر الالتقاء مع المشركين والوثنيين أو الماديين الملحدين لأن هؤلاء لا يؤمنون بالدين الإلهي، وإنما يؤمنون بمبادئ وهمية، أوجدها الزعماء والقادة، وقلّدهم الأتباع والأدنياء من غير تأمل ولا تعقل.

стр. 485

لذا خاطب الله تعالى في القرآن الكريم اليهود والنصارى بصفة أهل الكتاب، وخاطب غير المؤمنين بالدين الإلهي أصلا بلفظ المشركين. وكانت علاقة المؤمنين ببعض أهل الكتاب علاقة ودّ وصداقة، وعلاقة المسلمين بالمشركين تتّسم بالعداوة والجفاء والبغضاء. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٢ الى ٨٦] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) «١» [المائدة: ٥/ ٨٢- ٨٦] . نزلت هذه الآيات في قوم من النصارى من الحبشة أو من نجران أو من غيرهم وصفهم القرآن بأنهم أهل ودّ لأهل الإيمان بالله ورسوله، وهم بالنسبة للمؤمنين أقرب من اليهود والمشركين المتباعدين عن ساحة الإيمان، وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله، وهكذا هو الأمر حتى الآن لأن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم، ولازمهم العتو والمعاصي، وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب، وعبدة النّيران من المجوس عادوا الدين مطلقا عداء شديدا، وأنكروه وحاربوا أهله. والمعنى: تالله إن أقرب الناس محبة ومودة للمؤمنين هم النصارى أتباع عيسى ابن مريم رسول الله، لما في نفوسهم من الرّقة والرّأفة والرحمة، والبعد عن التّعصب الديني إذا قورنوا باليهود والمشركين الذين دأبوا على الحسد وهضم الحقوق، وسبب

стр. 486

مودة النصارى للمؤمنين: وجود قسّيسين (علماء) ورهبان (عبّاد) يدعون للإيمان والفضيلة والتّواضع والزهد والتّقشف، ولا يستكبرون عن سماع الحق والإنصاف والانقياد له. وإذا سمع هؤلاء النصارى شيئا من القرآن، بكوا بكاء حارّا تعاطفا مع كلام الله وتأثّرا به وبما عرفوا وعلموا من الحق، والبشارة ببعثة محمد ﷺ ، وتراهم يبادرون بصحة دعوة محمد ﷺ وبوحدانية الله. ثم أكّدوا قولهم فقالوا: ولا مانع يمنعنا من الإيمان بالله واتّباع الحق الذي نجده في القرآن، ونطمع أن يدخلنا ربّنا الجنّة، بصحبة الصالحين أتباع خاتم النّبيين الذين ثبت صلاحهم وصحة إيمانهم. وكانت هذه المبادرة الطيبة منهم في الماضي والمتكررة أحيانا في كل عصر سببا لإثابة الله لهم ومجازاتهم بدخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلّها، وذلك جزاء المحسنين أعمالهم في أتّباعهم الحق وانقيادهم له، مهما كان مصدره. ونعيم الآخرة نعيم لا نتمكّن في دنيانا من معرفة حقيقته وأوصافه، لقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السّجدة: ٣٢/ ١٧] . أما الذين كفروا بوجود الله ووحدانيته وكذّبوا بآيات الله وخالفوها، وعادوا رسالة القرآن والتوحيد، فأولئك هم أهل النار الداخلون فيها، والمقيمون فيها إقامة دائمة. يلاحظ كل إنسان بعيد النظر راجح العقل والفكر الفرق الواضح بين ثواب المؤمنين الصالحين وهو جنان الخلد، وجزاء الكافرين العصاة وهو الخلود في نار جهنم، وذلك الفرق وحده كفيل بالرّدع والرّهبة والخوف الذي يملأ النفوس خشية من سوء المصير الذي ينتظر كل من لم يؤمن بالقرآن العظيم وبرسالة الإسلام المجيدة.

стр. 487

إباحة الطيّبات الإسلام دين الوسطية والاعتدال، فلا تهاون فيه في الأعمال الخيرية أو النافعة للإنسان والجماعة، ولا تشدّد ولا إرهاق في جميع الأعمال التكليفية التي أمر الله تعالى بها، وإنما الإسلام دين سمح سهل، قليل التكاليف والمطالب، يبيح الحلال الطيب، ويمنع الحرام الخبيث، ولا إفراط فيه ولا تفريط، ولا تجاوز للحدود المعقولة والضوابط والقيود الشرعية المشروعة لمراعاة مصالح الناس وتحقيق منافعهم، ودفع المفاسد والمضارّ والمؤذيات عنهم. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) [المائدة: ٥/ ٨٧- ٨٨] . نزلت الآيتان في حق جماعة أرادوا التشدّد في الدين والقيام بأعمال كثيرة بقصد مرضاة الله ودخول جناته، أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة، منهم عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النّبي ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النّبي ﷺ : «لكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنّتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنّتي فليس مني» . والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تحرّموا على أنفسكم ولا تمنعوها من الطيبات وهي المستلذات المستطابات للنفس، لما فيها من المنافع، بأن تتركوا التمتع بها تقرّبا إلى الله تعالى، ولا تقولوا: حرمنا على أنفسنا كذا وكذا، مما هو حلال لكم ومباح. لا تفعلوا هذا تنسّكا وزهدا وتقرّبا إلى الله، فإن الله لا يرضى عن ذلك، بل ينهى عنه،

стр. 488

كما قال تعالى في آية أخرى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) [البقرة: ٢/ ١٧٢] . والرّزق: ما صح الانتفاع به. ولا تتجاوزوا حدود ما أحلّ الله لكم إلى ما حرّم عليكم من الخبائث، ومن الإسراف والتقتير، وكلا الأمرين اعتداء، وهما تجاوز الحلال الطيب إلى الحرام الخبيث، والإسراف في تناول المباح، كما قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٧/ ٣١] . والتزام الوسط في الإنفاق دون إسراف ولا تقتير، ولا نهم مادي ولا ترفّع عن المادّيات والانشغال بالرّوحانيات هو الذي يحقق مبدأ وسطية الإسلام واعتداله. وسبب النّهي عن تجاوز الحدود الشرعية: أن الله يبغض كل أولئك الذين يتعدون حدود الله، وأن من تجاوز الحدّ الشرعي، هان عليه اقتراف جميع المنكرات والوقوع في المعاصي والسّيئات، فمن سرق مثلا تجرّأ على القتل والفتك والإرهاب ونشر الرعب في كل مكان، وسهل عليه ارتكاب جميع المحرّمات. ولذا حصّن الشّرع سلوك المسلم وصانه من الانحراف بقوله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطّلاق: ٦٥/ ١] . وقوله سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) [النّساء: ٤/ ١٤] . ثم وضع لنا القرآن الكريم قانون الانتفاع بالأشياء والأمور المعاشية المعتادة فقال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي تناولوا الحلال الذي لا إثم فيه كالرّبا والرّشوة وأكل مال الآخرين بالباطل، فإنه إثم وفسوق، وكلوا الطيب غير المستقذر في نفسه كالميتة والدم، أو الطارئ كالفاسد المتغير بطول المدة، أو المذبوح لغير الله من الأصنام والأوثان. واتّقوا الله بالتزام أوامره واجتناب نواهيه في الأكل واللباس والنساء وغيرها، فلا تحرّموا ما أحلّ الله

стр. 489

ولا تحلّوا ما حرّم الله، ظنّا منكم أن هذا خير، فإن كل ما لم يشرعه الله هو شرّ لا خير فيه، وهو إما تشدّد في الدين من غير مسوّغ، أو تهاون وتقصير وتجاوز لشريعة الله. والأمر بالتقوى بعد بيان الحلال الطيب من المطاعم للإرشاد إلى أنه لا منافاة ولا تغاير بين الاستمتاع بطيبات الرزق وبين التقوى أو الوصول إلى أرقى درجات القرب المعنوي من الله تعالى والظفر برضوانه. كفارة اليمين على المؤمن أن يحترم عهد الله وميثاقه، ويعظّم ذات الله وجلاله، فيبتعد عن كل مظاهر الإخلال بهيبة الله وقدسيّته، وإذا حلف بالله تعالى وجب عليه صون يمينه إذا كان الأمر المحلوف عليه قربة أو طاعة، وجاز له مخالفة مقتضى اليمين بل يجب إذا كان المحلوف عليه معصية، ولا مؤاخذة في الأيمان التي تجري عفوا على اللسان دون قصد اليمين، مثل: لا والله وبلى والله لتأكل أو تشرب أو تجلس أو تزورنا، وإنما المؤاخذة الشرعية على الأيمان المتعمدة التي يقصدها الحالف مريدا التزامها، فإذا ندم عليها، فإن الشّرع يسّر عليه الأمر، ورخّص له عند الحنث بيمينه إخراج ما يسمى بكفارة اليمين. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٨٩] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) «١» «٢» [المائدة: ٥/ ٨٩] .

стр. 490

روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٥/ ٨٧] في القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، فأنزل الله تعالى ذكره: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ.. الآية. علّق الطبري على ذلك بقوله: فهذا يدلّ على ما قلنا من أن القوم كانوا حرّموا ما حرّموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها، فنزلت هذه الآية بسببهم. والمعنى: لا مؤخذة بالأيمان التي تحلف بلا قصد، ولا يتعلّق بها حكم، وهي اليمين اللغو: وهي التي تسبق على لسان الحالف من غير قصد، قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله» . ولكن المؤاخذة باليمين المنعقدة: وهي التي يحدث الحلف فيها على أمر في المستقبل بتصميم وقصد أن يفعله أو لا يفعله. وتكون بالحلف فيها بالله أو بصفة من صفاته، لقوله ﷺ فيما رواه الجماعة عن ابن عمر: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . ولا تنعقد اليمين بغير الله من المخلوقات كنبي أو ولي، بل إنه حرام. ونوع المؤاخذة في اليمين المنعقدة: هو إيجاب الكفارة عند الحنث باليمين أي عدم البر ومخالفة مقتضى اليمين، وعلى الحانث الكفارة سواء كان عامدا أو ساهيا أو ناسيا أو مخطئا، أو نائما ومغمى عليه ومجنونا أو مكرها. والكفارة على الموسر مخيّر فيها بين ثلاث خصال: إطعام عشرة مساكين مدّ طعام (قمح) أي ٦٧٥ غم من النوع المتوسط الغالب أكله على أهل البلد، ليس بالأجود الأعلى ولا بالأردإ الأدنى، وهو أكلة واحدة: خبز ولحم، وتقدير المدّ بالقيمة حوالي ٢٥ أو ٣٠ ل. س في عصرنا. هذه خصلة.

стр. 491

والخصلة الثانية: كسوة المساكين بحسب اختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، يعطى لكل فقير رداء متوسط كالجلابية والسروال ونحوهما. والخصلة الثالثة: عتق رقبة حين كان الرّق موجودا، بشرط أن تكون الرقبة مؤمنة عند جمهور العلماء، مثل كفارة القتل الخطأ أو الظهار، ولم يشترط فقهاء الحنفية كون الرقبة مؤمنة، فيجزئ إعتاق الكافرة، عملا بإطلاق النّص القرآني أي رَقَبَةٍ. هذه كفارة الموسر الذي يملك ما يزيد على إطعام أهله يوما وليلة. أما كفارة المعسر الذي لم يستطع إطعاما أو كسوة أو عتق رقبة، فعليه صيام ثلاثة أيام متتابعة في رأي الحنفية والحنابلة، ولا يشترط التتابع عند غيرهم. ولا وقت للكفارة، وإنما يستحب تعجيلها، فإن مرض صام عند القدرة، وإن استمرّ العجز يرجى له عفو الله ورحمته، وللوارث أن يتبرع بالكفارة. هذه كفارة الأيمان إذا حلفتم بالله أو بأحد أسمائه الحسنى أو صفاته العليا، وحنثتم، ويطلب منكم حفظ أيمانكم: وهو البر بها وترك الحنث، أي المخالفة، ومثل ذلك اليمين يبين الله لكم أحكام شريعته ودينه، لتقوموا بشكر النعمة فيما يعلّمكم القرآن، ويسهل عليكم المخرج من إثم الحنث في اليمين. ويحرم الحنث في اليمين إذا كانت على فعل واجب وترك حرام، ويندب الوفاء ويكره الحنث إذا تم الحلف على فعل مندوب أو مباح، ويجب الحنث في اليمين والكفارة إذا كانت اليمين على معصية أو حرام. أما اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة قصدا، التي تكون لتضييع حق مسلم أو غش أو خيانة، فلا كفارة لها في رأي جمهور العلماء، وإنما فيها الإثم وتغمس صاحبها في النار، وأجاز الإمام الشافعي ﵀ تفكير هذه اليمين، وتيسيرا على الناس، وإنقاذا لهم من الوقوع في نار جهنم، والله المستعان.

стр. 492

تحريم الخمر والميسر ونحوهما إن دائرة الحرام في الإسلام ضيقة، ودائرة الحلال أوسع منها بكثير، والمحرّمات في الإسلام هي التي تؤدي إلى الضرر بالنفس أو المال أو الناحية الأدبية، أو تكون مستقذرة في نفسها، ومن هذه المحرمات المنكرات بالنص القطعي اليقيني في القرآن الكريم: الخمر والميسر (القمار) ، والأنصاب، أي الحجارة التي كانت حول الكعبة المشرفة التي يذبحون عندها قرابينهم، والأزلام: وهي قطع رقيقة من الخشب كالسهم كانوا يستقسمون بها في الجاهلية، تفاؤلا أو تشاؤما، وكانت إما عند الكهان وإما عند الأصنام، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) «١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٩٠- ٩٣] . نزلت هذه الآيات فيما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ.. الآية، فقال الناس: ما حرّم علينا إنما قال: إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم من الأيام، أمّ رجل من المهاجرين أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أشدّ منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النّساء: ٤/ ٤٣] .

стр. 493

ثم نزلت آية أشدّ في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.. إلى آخر الآية. وقال أبو ميسرة: نزلت هذه الآيات بسبب عمر بن الخطاب ﵁، فإنه ذكر للنّبي ﷺ عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا إلى الله في تحريمها، وقال: اللهم بيّن لنا فيها- أي في الخمر- بيانا شافيا، فنزلت هذه الآيات فقال عمر: انتهينا انتهينا. وقد مرّ تحريم الخمر للتّرويض وبالتدريج في مراحل أربع، وهذه الآيات في سورة المائدة تحرّم تحريما قاطعا الخمر وهو المتّخذ من ماء العنب النّيء، وتشمل كل شراب مسكر خامر العقل وغطّاه، وتحرّم أيضا الميسر (القمار) والأنصاب وهي كما تقدم حجارة حول الكعبة كان العرب في الجاهلية يعظّمونها، ويذبحون القرابين عندها. وتحرّم أيضا الأزلام وهي كما تقدّم أعواد ثلاثة كالسهام، كتب على أحدها: لا، وعلى الآخر: نعم، والثالث: غفل لا شيء مكتوبا عليه، وقد دلّت الآيات على تحريم هذه الأشياء الأربعة من نواح أربع: وهي أولا وصفت بكونها رجسا أي قذرا، حسّا ومعنى، عقلا وشرعا، ووصفت ثانيا بأنها من عمل الشيطان وذلك غاية القبح، وأمر الله ثالثا باجتنابها، والأمر بالاجتناب أشدّ تنفيرا من مجرد النّهي عنها أو القول بأنها حرام، فهو يفيد الحرمة وزيادة وهو التنفير ورابعا جعل الله اجتنابها سببا للفرح والفوز والنجاة في الآخرة. ثم بيّن الله تعالى مضارّ الخمر والقمار المعنوية: الشخصية والاجتماعية، فهما سبب إيقاع الناس في العداوة والبغضاء، وسبب الصّدّ والإعراض عن ذكر الله وعن

стр. 494

أداء الصلاة، ثم حرّض الله تعالى على الانتهاء عن الخمر والميسر بقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ هذا فضلا عن أن الخمر والميسر يؤدّيان إلى إتلاف الأموال وتبديدها في الوجوه الضارّة غير النافعة، ولهما مخاطر مؤكدة على أعصاب الإنسان وإيقاعه في القلق والاضطراب. ثم أمر الله سبحانه بطاعته وبطاعة رسوله، وحذّر من مخالفتهما، فإن أعرضتم أيها الناس، فإن رسولنا عليه مجرد الإبلاغ الواضح، ومن أنذر فقد أعذر. ثم أوضح الله تعالى حكم الذين شربوا الخمر وماتوا قبل تحريمها، وهو أنه لا حرج ولا إثم عليهم ما داموا قد آمنوا واتّقوا عذاب النار وعملوا صالح الأعمال التي أمر الله بها، ثم داوموا على التزام جانب التقوى والإيمان، ثم لازموا التقوى وأحسنوا أعمالهم، والله يثيب المحسنين المتقنين أعمالهم، ويرضى عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم السابقة فضلا منه ورحمة، والله مع المحسنين المتّقين بالعون والرضوان. وتكرار كلمة اتَّقَوْا في الآية يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها، وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم. حكم الصّيد في حال الإحرام الإنسان العربي ميّال بطبعه إلى الصيد، ومحتاج إليه بحكم قلة موارد الحياة في الماضي، وهو لا يكاد يستغني عن الاصطياد في كل زمان ومكان لأن الصيد طعام لذيذ، إلا أن الشّرع تجاوب مع هذا الميل الطبيعي للصيد، فأباح منه صيد البحر في حال الإحرام بحج أو عمرة، وحرّم منه صيد البر في تلك الحالة أو الآونة. وأوجب الشّرع على الحاج أو المعتمر المخالف هذا التحريم فدية مماثلة للحيوان المصيد، أو إطعام مساكين، أو صياما معادلا أو مساويا للمصيد حجما أو قيمة.

стр. 495

قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [المائدة: ٥/ ٩٤- ٩٦] . أخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل: أنها نزلت في عمرة الحديبية، حيث ابتلاهم الله بالصيد، وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها، أخذا بأيديهم، وطعنا برماحهم، وذلك قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ فهمّوا بأخذها، فنزلت هذه الآية. والمعنى: يا من اتّصفتم بالإيمان، وصدّقتم بالله ورسوله، وآمنتم بالقرآن، ليختبرنكم الله بإرسال كثير من الصيد، تأخذونه بالأيدي أو تصطادونه بالرماح، وسبب الاختبار لإظهار ما علمه الله أزلا من أهل طاعته ومعصيته أنه حاصل منهم في حال الحياة، فيعلم الله علم ظهور وانكشاف من يخافه بالغيب حيث لا يراه الناس، ومن يخافه أمام الناس فقط، فمن اعتدى، أي تجاوز حدود الله بعد هذا البيان الشافي في الصيد، فله عذاب شديد الألم في الآخرة لأنه لم يبال باختبار الله له في الدنيا. ثم حرّم الله تعالى صيد البر حال الإحرام بحج أو عمرة، سواء في داخل الحرم المكي وخارجه، ليتفرّغ النّسّاك والعبّاد للعبادة، فإن قتل المحرم عمدا أو خطأ شيئا
следующие страницы →