← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والخصلة الثانية: كسوة المساكين بحسب اختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، يعطى لكل فقير رداء متوسط كالجلابية والسروال ونحوهما. والخصلة الثالثة: عتق رقبة حين كان الرّق موجودا، بشرط أن تكون الرقبة مؤمنة عند جمهور العلماء، مثل كفارة القتل الخطأ أو الظهار، ولم يشترط فقهاء الحنفية كون الرقبة مؤمنة، فيجزئ إعتاق الكافرة، عملا بإطلاق النّص القرآني أي رَقَبَةٍ. هذه كفارة الموسر الذي يملك ما يزيد على إطعام أهله يوما وليلة. أما كفارة المعسر الذي لم يستطع إطعاما أو كسوة أو عتق رقبة، فعليه صيام ثلاثة أيام متتابعة في رأي الحنفية والحنابلة، ولا يشترط التتابع عند غيرهم. ولا وقت للكفارة، وإنما يستحب تعجيلها، فإن مرض صام عند القدرة، وإن استمرّ العجز يرجى له عفو الله ورحمته، وللوارث أن يتبرع بالكفارة. هذه كفارة الأيمان إذا حلفتم بالله أو بأحد أسمائه الحسنى أو صفاته العليا، وحنثتم، ويطلب منكم حفظ أيمانكم: وهو البر بها وترك الحنث، أي المخالفة، ومثل ذلك اليمين يبين الله لكم أحكام شريعته ودينه، لتقوموا بشكر النعمة فيما يعلّمكم القرآن، ويسهل عليكم المخرج من إثم الحنث في اليمين. ويحرم الحنث في اليمين إذا كانت على فعل واجب وترك حرام، ويندب الوفاء ويكره الحنث إذا تم الحلف على فعل مندوب أو مباح، ويجب الحنث في اليمين والكفارة إذا كانت اليمين على معصية أو حرام. أما اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة قصدا، التي تكون لتضييع حق مسلم أو غش أو خيانة، فلا كفارة لها في رأي جمهور العلماء، وإنما فيها الإثم وتغمس صاحبها في النار، وأجاز الإمام الشافعي ﵀ تفكير هذه اليمين، وتيسيرا على الناس، وإنقاذا لهم من الوقوع في نار جهنم، والله المستعان.

стр. 492

تحريم الخمر والميسر ونحوهما إن دائرة الحرام في الإسلام ضيقة، ودائرة الحلال أوسع منها بكثير، والمحرّمات في الإسلام هي التي تؤدي إلى الضرر بالنفس أو المال أو الناحية الأدبية، أو تكون مستقذرة في نفسها، ومن هذه المحرمات المنكرات بالنص القطعي اليقيني في القرآن الكريم: الخمر والميسر (القمار) ، والأنصاب، أي الحجارة التي كانت حول الكعبة المشرفة التي يذبحون عندها قرابينهم، والأزلام: وهي قطع رقيقة من الخشب كالسهم كانوا يستقسمون بها في الجاهلية، تفاؤلا أو تشاؤما، وكانت إما عند الكهان وإما عند الأصنام، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) «١» «٢» «٣» «٤» [المائدة: ٥/ ٩٠- ٩٣] . نزلت هذه الآيات فيما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ.. الآية، فقال الناس: ما حرّم علينا إنما قال: إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم من الأيام، أمّ رجل من المهاجرين أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أشدّ منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النّساء: ٤/ ٤٣] .

стр. 493

ثم نزلت آية أشدّ في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.. إلى آخر الآية. وقال أبو ميسرة: نزلت هذه الآيات بسبب عمر بن الخطاب ﵁، فإنه ذكر للنّبي ﷺ عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا إلى الله في تحريمها، وقال: اللهم بيّن لنا فيها- أي في الخمر- بيانا شافيا، فنزلت هذه الآيات فقال عمر: انتهينا انتهينا. وقد مرّ تحريم الخمر للتّرويض وبالتدريج في مراحل أربع، وهذه الآيات في سورة المائدة تحرّم تحريما قاطعا الخمر وهو المتّخذ من ماء العنب النّيء، وتشمل كل شراب مسكر خامر العقل وغطّاه، وتحرّم أيضا الميسر (القمار) والأنصاب وهي كما تقدم حجارة حول الكعبة كان العرب في الجاهلية يعظّمونها، ويذبحون القرابين عندها. وتحرّم أيضا الأزلام وهي كما تقدّم أعواد ثلاثة كالسهام، كتب على أحدها: لا، وعلى الآخر: نعم، والثالث: غفل لا شيء مكتوبا عليه، وقد دلّت الآيات على تحريم هذه الأشياء الأربعة من نواح أربع: وهي أولا وصفت بكونها رجسا أي قذرا، حسّا ومعنى، عقلا وشرعا، ووصفت ثانيا بأنها من عمل الشيطان وذلك غاية القبح، وأمر الله ثالثا باجتنابها، والأمر بالاجتناب أشدّ تنفيرا من مجرد النّهي عنها أو القول بأنها حرام، فهو يفيد الحرمة وزيادة وهو التنفير ورابعا جعل الله اجتنابها سببا للفرح والفوز والنجاة في الآخرة. ثم بيّن الله تعالى مضارّ الخمر والقمار المعنوية: الشخصية والاجتماعية، فهما سبب إيقاع الناس في العداوة والبغضاء، وسبب الصّدّ والإعراض عن ذكر الله وعن

стр. 494

أداء الصلاة، ثم حرّض الله تعالى على الانتهاء عن الخمر والميسر بقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ هذا فضلا عن أن الخمر والميسر يؤدّيان إلى إتلاف الأموال وتبديدها في الوجوه الضارّة غير النافعة، ولهما مخاطر مؤكدة على أعصاب الإنسان وإيقاعه في القلق والاضطراب. ثم أمر الله سبحانه بطاعته وبطاعة رسوله، وحذّر من مخالفتهما، فإن أعرضتم أيها الناس، فإن رسولنا عليه مجرد الإبلاغ الواضح، ومن أنذر فقد أعذر. ثم أوضح الله تعالى حكم الذين شربوا الخمر وماتوا قبل تحريمها، وهو أنه لا حرج ولا إثم عليهم ما داموا قد آمنوا واتّقوا عذاب النار وعملوا صالح الأعمال التي أمر الله بها، ثم داوموا على التزام جانب التقوى والإيمان، ثم لازموا التقوى وأحسنوا أعمالهم، والله يثيب المحسنين المتقنين أعمالهم، ويرضى عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم السابقة فضلا منه ورحمة، والله مع المحسنين المتّقين بالعون والرضوان. وتكرار كلمة اتَّقَوْا في الآية يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها، وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم. حكم الصّيد في حال الإحرام الإنسان العربي ميّال بطبعه إلى الصيد، ومحتاج إليه بحكم قلة موارد الحياة في الماضي، وهو لا يكاد يستغني عن الاصطياد في كل زمان ومكان لأن الصيد طعام لذيذ، إلا أن الشّرع تجاوب مع هذا الميل الطبيعي للصيد، فأباح منه صيد البحر في حال الإحرام بحج أو عمرة، وحرّم منه صيد البر في تلك الحالة أو الآونة. وأوجب الشّرع على الحاج أو المعتمر المخالف هذا التحريم فدية مماثلة للحيوان المصيد، أو إطعام مساكين، أو صياما معادلا أو مساويا للمصيد حجما أو قيمة.

стр. 495

قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [المائدة: ٥/ ٩٤- ٩٦] . أخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل: أنها نزلت في عمرة الحديبية، حيث ابتلاهم الله بالصيد، وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها، أخذا بأيديهم، وطعنا برماحهم، وذلك قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ فهمّوا بأخذها، فنزلت هذه الآية. والمعنى: يا من اتّصفتم بالإيمان، وصدّقتم بالله ورسوله، وآمنتم بالقرآن، ليختبرنكم الله بإرسال كثير من الصيد، تأخذونه بالأيدي أو تصطادونه بالرماح، وسبب الاختبار لإظهار ما علمه الله أزلا من أهل طاعته ومعصيته أنه حاصل منهم في حال الحياة، فيعلم الله علم ظهور وانكشاف من يخافه بالغيب حيث لا يراه الناس، ومن يخافه أمام الناس فقط، فمن اعتدى، أي تجاوز حدود الله بعد هذا البيان الشافي في الصيد، فله عذاب شديد الألم في الآخرة لأنه لم يبال باختبار الله له في الدنيا. ثم حرّم الله تعالى صيد البر حال الإحرام بحج أو عمرة، سواء في داخل الحرم المكي وخارجه، ليتفرّغ النّسّاك والعبّاد للعبادة، فإن قتل المحرم عمدا أو خطأ شيئا

стр. 496

من الصيد البري، فعليه جزاء من الأنعام، يماثل ما قتله في الهيئة والصورة إن وجد، وإن لم يوجد المثيل، فتجب القيمة. فمن قتل نعامة مثلا فعليه بدنة (جمل أو ناقة) ، ومن قتل حمارا وحشيّا فعليه بقرة، ومن قتل ظبيا فعليه شاة، ومن قتل طائرا، فعليه قيمته إلا حمام مكة ففيه شاة. ويتم تقدير الجزاء من قبل شخصين مؤمنين عدلين. ويذبح الشيء المماثل في حرم مكة دون سواه، ويوزع لحمه على مساكين الحرم، لقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ. ويخير قاتل الأنعام (الإبل والبقر والغنم ونحوها) بين تقديم مماثل من النّعم، وبين إخراج كفارة: هي طعام مساكين لكل مسكين مدّ (٦٧٥ غم) بقدر قيمة الصيد، بأن يقوّم الصيد الذي أصابه، وينظر كم ثمنه من الطعام (الحنطة) فيطعم لكل مسكين مدّا، أو يصوم مكان كل مدّ يوما. والسبب في تشريع الجزاء على قتل الصيد: أن يذوق القاتل وبال أمره، أي ثقل فعله، وسوء عاقبة أمره، وهتكه لحرمة الإحرام. وأما الماضي قبل هذا التحريم فهو معفو عنه، لقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أي لا إثم فيما وقع منكم في زمن الجاهلية، أو قبل هذا التحريم من قتل الصيد في حال الإحرام، ولم يؤاخذكم عليه. ومن عاد إلى قتل الصيد البري وهو محرم بعد هذا النهي والتحريم، فإن الله ينتقم منه في الآخرة لإصراره على المخالفة والذنب، والله عزيز، أي قوي غالب على أمره فلا يغلبه العاصي، والله جبّار منتقم بحق وعدل، يعاقب من اقترف الذنب بعد النهي عنه. والآية دليل واضح على أن الجزاء الدنيوي يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب، فإن تكرر استحق المذنب جزاء الدنيا (الكفارة) وجزاء الآخرة وهو نار جهنم.

стр. 497

وأباح الله للمحرم بحج أو عمرة اصطياد البحر، وطعامه الذي يلقيه البحر، فيجوز للمحرم تناول ما صيد من البحر، سواء كان حيّا أو ميتا، قذفه البحر أو طفا على وجه الماء، أو انحسر عنه الماء، وحكمة إباحة صيد البحر: هي أن ينتفع به المؤمنون المقيمون والمسافرون على السواء، لقوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ. وأما صيد البحر من الوحش والطير: وهو ما يكون توالده ومثواه في البر، فيحرم تناوله من المحرم بحج أو عمرة إذا صاده بنفسه، ولا مانع ما صاده غير المحرم، أو اصطاده الشخص في غير الإحرام، واتّقوا الله أيها الناس فيما نهاكم عنه من الصيد أو الخمر والميسر ونحوهما، فإنكم ستعرضون عليه يوم الحشر، ومصيركم ومرجعكم إليه، فيحاسبكم حسابا عسيرا على القليل والكثير، يعاقب العاصي، ويثيب الطائع. مكانة البيت الحرام والشهر الحرام للبيت الحرام، أي الكعبة المشرفة مكانة عظيمة عند الله تعالى في شريعة إبراهيم الخليل ﵇، وفي شريعة الإسلام، لاعتبارات معنوية سامية، ولكونها مقرّا لتوحيد الله تعالى من قبل جميع الناس، وكذلك عظّم الله الشهر الحرام كالمحرّم ورجب، وكل ما يهدى لأهل الكعبة من أنعام أو مواش، وعظّم الله ذوات القلائد من الهدي، وهي الأنعام التي كانوا يضعون القلادة على أعناقها إذا ساقوها هديا مقدّما لذبحه وتوزيعه على فقراء الحرم. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٧] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) «١» «٢» » «٤» [المائدة: ٥/ ٩٧] .

стр. 498

الكعبة: بيت مكة، وهو أول بيت وضع للعبادة في الأرض، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة: كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، وقال قوم: سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض. وقد بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉ بمكّة المكرمة. والله سبحانه عظّم الكعبة وجعلها مقرّا موحّدا للعبادة، وصيّرها محطة يقوم بها أمر الناس وإصلاح شأنهم في أمر دينهم بالحج إليها، وفي أمر دنياهم بتوفير الأمن فيه لداخله، وتحقيق المنافع وجباية الثمرات المختلفة من كل شيء إليها، وهي تشبه الملك الذي هو قوام الرّعية وقيامهم، ورمز تفوقهم وعزّتهم، وأساس قوتهم ومنعتهم. وجعل الله الكعبة مثابة للناس وأمنا، فيه يأمن الخائف، وينجو اللاجئ كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٧] . وصيّر الله الكعبة مهوى الأفئدة والقلوب، فهي في كل مكان وزمان تهوي القلوب إليها. وهي أيضا سبب لزيادة الرزق والثمرات، فيقوم أمر العباد ويصلح شأنهم في الدنيا والآخرة، وهكذا يجد كل من حج حاجته أو مطلبه، إجابة لدعاء إبراهيم ﵇: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) [إبراهيم: ١٤/ ٣٧] . والله سبحانه جعل الكعبة أيضا مقرّا لالتفاف المسلمين حولها، والقيام بأداء المناسك والتّعبدات، وتهذيب الأخلاق وضبط النفوس وتزكيتها، وتوحيد وجهات نظر المسلمين في شؤونهم العامة والخاصة، وتأكيد رابطة الأخوة الإيمانية، وبعث القوة في النفوس، وإحياء روح الجهاد، وتذكير الوحي الإلهي، وتجديد الإسلام في الأعماق.

стр. 499

وجعل الله الأشهر الحرم فترة سلام وأمان، وتلك الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي هو شهر مضر، وهو رجب الأصم لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح، فيأمن الناس على أنفسهم وأموالهم ومعايشهم وتجاراتهم، وتهدأ النفوس، وتخمد نار الحروب، وينصرفون إلى العبادة والحج وصلة القرابة، وتحصيل الأقوات كفاية العام. وكذلك الهدي (وهو كل ما يقدم من الأنعام حين زيارة البيت الحرام) والقلائد أي الإبل المقلّدة المعلمة بلحاء الشجر، جعلها الله قياما للناس أي أمانا، فالهدي أمان لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة، لم يأت لحرب، وكذلك القلائد من الإبل التي تقلّد بلحاء الشجر أو غيره، فتكون أمانا لمن قلّدها، وكان هذا التقليد أو العادة المتّبعة محلّ تعظيم شديد في نفوس العرب، حتى إن من ليس بمحرم لا يقدر أن يتقلّد شيئا خوفا من الله، وكان هؤلاء الزّوار للكعبة إذا انصرفوا، تقلّدوا من شجر الحرم. قال سعيد بن جبير ﵀: جعل الله هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون نارا، ثم شدّد ذلك بالإسلام. فعل الله وجعل هذه الأمور معالم أمن ونفع، لتعلموا أيها الناس أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم. والله تعالى علّام بكل شيء صغير أو كبير، سرّ أو علن، باطن أو ظاهر. وعلمه تعالى علم تامّ بالجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٦/ ٥٩] .

стр. 500

أسباب التّرغيب والتّرهيب يحرص القرآن الكريم على اتّباع منهج الجمع بين الترغيب والترهيب، ليكون الترغيب دافعا إلى البناء والعمل الإيجابي، ويكون الترهيب والتخويف سببا في البعد عن الهدم والانهزام وسلبيات الأمور والأوضاع. ويفهم الإنسان المؤمن العاقل حين اقتران الترغيب بالترهيب ضرورة الموازنة والتفكير الجدي والعمل الحاسم بتوجيه نفسه وغيره نحو الخير، واجتناب الشّر والمنكر. وسرعان ما تظهر نتيجة الموازنة والمقارنة سواء في الدنيا أو في الآخرة، ففي الدنيا يظفر فاعل الخير بالسعادة وتحقيق السمعة الطيبة، ويسقط الشرير من أعين الناس، ويحذرونه وينأون عنه، وفي الآخرة يحظى المؤمن الصالح بالخلود في جنّات النعيم، والنجاة والفلاح في الحساب بين يدي الله تعالى، ويتلقى الكافر والفاسق والعاصي في الآخرة صفعة موجعة مؤلمة، ويتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) [المائدة: ٥/ ٩٨- ١٠٠] . وسبب نزول آية: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ.. فيما أخرج الواحدي والأصفهاني عن جابر ﵁: أن النّبي ﷺ ذكر تحريم الخمر، فقام أعرابي فقال: إني كنت رجلا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت منها مالا، فهل ينفع ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال النّبي ﷺ : إن الله لا يقبل إلا الطيب، فأنزل الله تعالى تصديقا لرسوله ﷺ : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) .

стр. 501

خوّف الله تعالى عباده ورجّاهم، وأرهبهم ورغّبهم في قوله سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) . وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه حال الناس، فجدير بالإنسان أن يكون خائفا، عاملا بحسب الخوف، متّقيا متأنسا بحسب الرجاء لأن الله لم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل لا بد من جزاء العاصي، وإثابة الطائع، والله سبحانه شديد العقاب لمن خالف أوامره، فأشرك بالله وفسق وعصى ربّه، وهو تعالى غفار رحيم (كثير المغفرة والرحمة) لمن أطاعه، ونفّذ أوامره، واجتنب نواهيه، يرحم التّائبين المصلحين أعمالهم من وقت قريب قبل أن يدركهم الموت، وهذه الآية تقتضي أن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف. وأن الاعتدال هو بخشية العذاب، وحسن الظن بالله تعالى معا. وفي تقديم العقاب على المغفرة دليل على أن جانب الرحمة أغلب لأن رحمته تعالى سبقت غضبه كما صح في الحديث النّبوي، وكما قال تعالى: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ٥/ ١٥] . وليس من وظيفة الرسول حمل الناس على الهداية والتوفيق للإيمان، وإنما عليه التبليغ وأداء الرسالة، ثم يتولى الله إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي، لأنه سبحانه يعلم ما ينطوي عليه صدر العبد، ويعلم ما تبدون وما تكتمون، ويعلم السّر وأخفى، وإلى الله المرجع والمآب. ثم أمر الله نبيّه بأن يعلم الناس: أنه لا يستوي الخبيث والطيب، والكافر والمؤمن، والضّار والنافع، والفاسد والصالح، والظالم والعادل، والحرام والحلال، ولو أعجبك أيها المشاهد كثرة الخبيث من الناس أو كثرة المفسدين أو الأموال الحرام عند شخص ما كالرّبا والرّشوة والخيانة، أو ولو تعجبت من قلّة الطيب من الصالحين الأبرار. قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) [ص: ٣٨/ ٢٨] .

стр. 502

فاتّقوا الله يا أهل العقول، واحذروا تسلّط الشيطان عليكم، فتغتروا بكثرة أهل الباطل والفساد، أو كثرة المال الحرام، لعلكم تنجون من العذاب، ولأن العاقل هو الذي يتذكر ويعي ويحذر، وتقوى الله: هي سبيل الفلاح والفوز والنجاة وإحراز خيري الدنيا والآخرة. والأمر بالتقوى تأكيد لما سبق، من الترغيب في الطاعة والتحذير من المعصية. السؤال فيما لم ينزل به وحي الوحي الإلهي التشريعي لتنظيم حياة المسلمين شيء واحد متكامل، لا يهمل منه شيء، وما كان ربّك نسيّا، وإنما كان نزول القرآن الكريم تدريجا، فينزل الحكم الإلهي في المكان والزمان المناسبين، ويأتي الجواب الشافي للمسائل الطارئة أو المشكلات المختلف فيها بحسب الحكمة الإلهية، وبمقتضى الحق والعدل الإلهي والمصلحة العامة، لذا فإنه ليس من الأدب أو اللياقة استعجال الجواب عن بعض الأمور، ويترك كل تفصيل ضروري لله المشرّع، فهو من شأن الوحي وحده، لا بحسب الأمزجة والتّطلعات، ويكون السؤال عما لم ينزل فيه وحي مكروها، أو حراما، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) [المائدة: ٥/ ١٠١- ١٠٢] . تعددت أسباب نزول هذه الآية حول المنع من الأسئلة، منها سؤال اختبار وتعجيز أو تعنّت واستهزاء، ومنها سؤال استفهام واسترشاد عن أحوال الفرائض، فمن أمثلة النوع الأول وهو سؤال الاختبار: سؤال بعض الناس رسول الله ﷺ عن

стр. 503

اسم أبيه، أو عن مكان ناقته الضّالة أي الضائعة، وعن مصيره في الآخرة، فتنزل الآية بالنهي عن تلك الأسئلة السخيفة، ومن أمثلة النوع الثاني، وهو سؤال الاسترشاد: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجّوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم» فأنزل الله هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... والمعنى: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، لا تسألوا عن أشياء عيبية أو خفية لا فائدة منها، أو عن أمور دقيقة في الدين، أو عن تكاليف سكت عنها الوحي، فيشق التكليف بها على بقية المؤمنين، فيكون السؤال سببا في التشديد والإساءة والكثرة. وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء المسكوت عنها أو المعقدة أو الشائكة، أو التكاليف الصعبة حين ينزل القرآن، يظهرها الله لكم على لسان رسوله، فيكون السؤال سببا في التشديد أو التضييق، ويوضح هذا المعنى ما رواه مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته» . ولكن إذا كان السؤال في بيان المراد من مجمل القرآن أو غوامضه، فلا بأس به، للحاجة إليه، مثل السؤال عن إيضاح حكم الخمر بعد نزول آيات تعرّض بتحريمه، وتنبّه إلى مخاطره وكثرة مآثمه. أما السؤال عما لا يفيد، أو عما لا حاجة للسؤال فيه، وكان في الإجابة عنه زياد كلفة ومشقة، فهو حرام. عفا الله عما لم يذكره في كتابه، فكل ما سكت عنه القرآن، فاسكتوا عنه كما سكت، والله غفور لمن أخطأ في السؤال وتاب، حليم لا

стр. 504

يعاجلكم بالعقوبة على ما تورّطتم به. وهذا معنى الحديث النّبوي الذي رواه الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني حيث قال النّبي ﷺ : «إن الله تعالى فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . ثم ذكر الله بعض الأمثلة الواقعية من سجل الأقوام السابقين، وهم قوم صالح الذين سألوا عن مسائل، ثم أهملوا حكمها، فقال سبحانه: قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي قد سأل هذه المسائل المنهي عن السؤال فيها قوم من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد، وكذلك الذين طلبوا إنزال المائدة من السماء من عيسى ﵇، ثم لم يؤمنوا به ولا برسالته. ومثل بني إسرائيل الذين سألوا عن أحوال البقرة المأمور بذبحها، فإياكم أيها المؤمنون من أسئلة تكون سببا للتّشدّد فيشدّد الله عليكم، فإن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم» . حقّ التّشريع لله لا للنّاس ليس لأحد من البشر في شريعة القرآن حق في التحليل والتحريم، أو الإباحة والمنع، وإنما الحق التشريعي في ذلك لله سبحانه منزل الشرائع، ومبيّن الحلال والحرام، والأنظمة والأحكام لأن التشريع الإلهي القرآني دائم خالد، لا يتأثر بمصالح شخصية أو زمنية أو مكانية، وإنما هو دستور الحياة الدائمة، والمنهج الأمثل

стр. 505

المفضّل لإصلاح الحياة، ونفع الفرد والجماعة، لذا أنكر القرآن الكريم على عرب الجاهلية إقدامهم على سنّ الشرائع وتقرير عبادة الأصنام، وتحليل أو تحريم بعض الأنعام (المواشي) فقال سبحانه: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المائدة: ٥/ ١٠٣- ١٠٤] . سأل قوم عن أحكام الجاهلية، أهي باقية، وهل تلحق بحكم الله في تعظيم الكعبة والحرم؟ فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئا منها ولا سنّة أو شرّعه لعباده، ولكن الكفار فعلوا ذلك، إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن لحيّ وغيره يفترون على الله الكذب، فيشرعون للناس عبادة الأصنام، ويحرمون بعض المواشي ويقولون: هذه قربة إلى الله، وأمر يرضيه، وأكثر الأتباع لا يعقلون شيئا، بل يتبعون هذه الأمور تقليدا وضلالا بغير حجة. والمعنى: ما سنّ الله ولا شرع لعباده شيئا من أحكام العرب في الجاهلية، ولا أمر بالتبحير والتّسييب وغير ذلك، ولكنهم يفترون ويقلّدون في تحريمها كبارهم. وأكثر هؤلاء الأتباع لا يدركون أو لا يعقلون أن ذلك افتراء على الله، وتعطيل لموهبة العقل والفكر، وأنه مجرد وثنية وشرك، والله لا يأمر بالكفر ولا يرضاه لعباده. وكان أول من حرّم هذه المحرمات، وشرّع للعرب عبادة الأصنام هو عمرو بن

стр. 506

لحي الخزاعي، فهو الذي غيّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة وسيّب السائبة وحمى الحامي. أما البحيرة: فهي الناقة التي كانوا يبحرون أذنها، أي يشقونها شقّا واسعا، إذا ولدت خمسة أبطن إناثا، فإن كان آخرها أنثى حرم على النساء لحمها ولبنها، وإن كان آخرها ذكرا نحروه وأكلوه. والسّائبة: هي النّاقة التي كانت تسيب بنذرها لآلهتهم الأصنام، فتعطى للسّدنة (الخدم) وترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها شيء، ولا يجزّ صوفها، ولا يحلب لبنها إلا لضيف. والوصيلة: هي الشّاة أو النّاقة التي تصل أخاها بأن تلد ذكرا وأنثى، فيقال: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم كما كانوا يفعلون لو ولدته وحده. والحامي: الفحل الذي يضرب في مال صاحبه، فيولد من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. هذه أنظمة تحريم بعض المواشي مما كان يفعله عرب الجاهلية الوثنيون، وهي أنظمة مفتراة مكذوبة، لم يأذن الله بها، زاعمين أن الله أمر بذلك وتراهم متناقضين، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى العمل بما أنزل الله من الأحكام المؤيدة بالبراهين، وإلى الرسول المبلّغ لها، والمبيّن لمجملها، أجابوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا، فهم لنا أئمة قادة مشرّعون، ونحن لهم تبع، أي إنهم مقلّدون لأسلافهم تقليدا أعمى. لذا أنكر عليهم القرآن هذا التقليد المجافي للصواب، الذي لا دليل عليه، فهل يقبل منهم مثل هذا التقليد، أيكفيهم مستندا مجرد ذلك للعمل به، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أبدا من الشرائع، ولا يهتدون إلى مصلحة أو خير أصلا في الدين والدنيا، فهم يتخبطون في ظلمات الوثنية وخرافة المعتقدات، ويشرّعون لأنفسهم

стр. 507

بحسب أهوائهم، من وأد البنات، وشرب الخمور، وظلم الأيتام والنساء، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وشنّ الحروب لأتفه الأسباب، وإثارة العداوة والبغضاء. وهذا إنكار صريح وتنديد بالتقليد الأعمى والتّعصب الموروث من غير وعي ولا إدراك، وكأنهم يقولون بعد هذا التوبيخ: نعم لو كان آباؤنا كذلك، كما قال الله تعالى في آية أخرى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) [البقرة: ٢/ ١٧٠] . أداء الواجب بالكلمة الطيبة الإسلام دين الحق والصراحة في القول والعمل، وهو يريد الخير والسعادة للناس جميعا، فلا يكتفي من أتباعه الانطواء على النفس وإيثار العزلة، وإبقاء الآخرين يترددون في متاهات الخطأ والضّلال، وزيغ العقيدة والانحراف في الفكر والخلق والسلوك. ولكن بعد محاولة التصحيح والتنبيه إلى الأخطاء الواقعة من الآخرين يظل المؤمن محتفظا بقيمه وعقيدته وأخلاقه، ولا يتشكك في شيء منها، ويلتزم شرعه بما فيه من أمر بالجهاد وقول بمعروف، ولا يضره ضلال غيره إذا اهتدى لأن كل إنسان مسئول عن نفسه، ولا يحتمل امرؤ تبعة أعمال امرئ آخر، فذلك هو العدل لأن المؤاخذة على فعل الآخرين جور وظلم. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) «١» [المائدة: ٥/ ١٠٥] .

стр. 508

روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال فيما أخرجه أحمد وغيره: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا ردّ عليكم فعليكم أنفسكم. والمعنى: يا أيها المؤمنون عليكم أنفسكم، كمّلوها بالعلم والعمل، وأصلحوها بالقرآن وآداب السّنة النّبوية، وانظروا فيما يقرّبها إلى الله تعالى، حتى تكون في رفقة الأنبياء والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وبعد هذا لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم. لا يضرّكم شيء إذا قمتم بواجب الإرشاد والنّصح، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكرات، فإن الله يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ٦/ ١٦٤] . ثم إلى الله المرجع والمآب، وسيجازي كل إنسان على عمله، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. وجملة ما قرّره أهل العلم في هذا أن النّصح أو الأمر بالمعروف متعيّن إن رجي القبول، أو رجي ردّ المظالم، ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، فإذا خيف هذا، فعليكم أنفسكم بحكم واجب الوقوف عنده. وقد فهم خطأ هذه الآية بعض الناس في عهد أبي بكر الصّدّيق، وتأوّلوها أنها لا يلزم معها أمر نصح وإرشاد بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد أبو بكر المنبر فقال: أيها الناس، لا تغتروا بقول الله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم: علي نفسي، لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما: الصّابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلا، يعملون كعملكم» ، وفي رواية: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.

стр. 509

وهذا دليل واضح على أن المسلم يكمل نفسه بالعمل الصالح، ويكمل غيره بالنصح والإرشاد أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فرض لا يسقط إلا إذا وصل المرء إلى حال شديدة من الأذى، بحيث يتعرّض للهلاك لو وعظ غيره. ولا غرابة في هذا التوجه، فإن الحياة مدرسة، يستفيد الإنسان كثيرا من الأشياء من مجتمعة، فإذا كان جاهلا بقواعد وآداب المجتمع ازدراه الناس، فلا بدّ من أن يفيد ويستفيد، لتبادل المعلومات، وإقرار الأعراف الحسنة التي لا تتصادم مع الشريعة في شيء، ولا يجزع الإنسان أو يتألم بعدئذ إذا لم يجد لكلمة الحق أذنا صاغية، فإن القرار في النهاية والخلود للحق وأهله. وما أروع ما تضمنته الآية: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً الآية، فهي تذكير بالحشر والحساب والسؤال عن الأعمال، وفي هذا تزهيد بأمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، والهداية والتوفيق إلى صالحات الأعمال أمر متروك لله ، خالق الخليقة، والقاضي العدل بينهم يوم القيامة، وهو سبحانه ربّ العباد أجمعين. حكم الشّهادة على الوصيّة تطلب الشهادة ندبا في جميع العقود الزمنية التي يتطلب تنفيذها أجلا معينا، حفظا للحقوق، ومنعا من ضياعها، وبعدا عن الظلم والفساد، ويتأكد طلب شهادة اثنين عدلين على الوصيّة منعا من إنكارها أو التّلكؤ في تنفيذها والتقصير في أداء حقّها للمستحقين، قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) «١»

стр. 510

«١» [المائدة: ٥/ ١٠٦- ١٠٧] . اتّفق المفسّرون على أن سبب نزول هذه الآية- فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس- هو تميم الداري وأخوه عدي النّصرانيان حين خرجا إلى الشام للتجارة، ومعهما بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص، الذي كان مسلما مهاجرا، فمات في الطريق وقبل موته أوصى بوصية من غير إشهاد عليها، فأخذ رفيقاه إناء فضيّا منقوشا بالذهب، وأنكرا أخذه وردّه إلى أهل بديل المتوفى، ثم أسلم تميم، فكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فنزلت الآية في طلب الشهادة على الوصية في السفر، ولو كان الشاهدان غير مسلمين. ومعنى الآية كما ذكر ابن عطية: أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر- وهو الضّرب في الأرض- ولم يكن معه من المؤمنين أحد، فليشهد شاهدين ممن حضره من غير المسلمين، فإذا قدما إلى البلد وأدّيا الشهادة على وصيته، حلفا بعد صلاة العصر أنهما ما كذبا ولا بدّلا، وأن ما شهدا به حقّ، ما كتما فيه شهادة الله، ويحكم بشهادتهما. فإن عثر أو تبيّن بعد أنهما كذبا أو خانا في الشهادة ونحو هذا مما هو إثم ومعصية، حلف رجلان في السفر من أولياء (أقارب) الموصي الذين هم أحق بالإرث، بأن شهادتنا أي يميننا أحقّ وأصدق من شهادة (يمين) غيرهما، وما اعتدينا

стр. 511

في طلب هذا المال، وفي الحكم على الشاهدين بالخيانة، إنا إذا اعتدينا أو خوناهما، وهما ليسا بخائنين لمن الظالمين، أي المبطلين الكاذبين. والمراد بقوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ أي من الذين استحقت عليهم الوصية، أو استحق عليهم الإيصاء، الأوليان بالميت أي الأقربان منه. وحكمة تشريع هذه الشهادة وهذه الأيمان هي مطابقة الشهادة واليمين للواقع، وهو المشار إليه في قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٨] ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) أي أقرب أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها الحقيقي بلا تبديل ولا تغيير، خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة تغليظ الشهادة بكونها بعد صلاة العصر لأنه وقت القضاء والفصل في الدعاوي، فتكون الصلاة مذكّرة للشهود بالحق والعدل. أو خوفا من ردّ اليمين على الورثة، وفي ذلك الخزي والفضيحة بين الناس، فيظهر كذبهم بين الناس، وهكذا يكون الخوف من عذاب الله أو من ردّ اليمين مدعاة الصدق والبعد عن الخيانة. ثم حثّ القرآن الكريم على مراقبة الله وتقواه، فقال سبحانه: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي راقبوا الله واحذروا عقابه في أيمانكم أن تحلفوا بها أيمانا كاذبة، وأن تأخذوا مالا عليها، وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا سماع تدبّر وقبول لهذه الأحكام واعملوا بها، وإلا كنتم من الفاسقين، المتمرّدين الخارجين عن دائرة حكم الله وشرعه، المطرودين من هدايته ورحمته، المستحقّين لعقابه، والله لا يوفق كل من فسق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطان. هذه دقائق الأحكام الشرعية في حال من أحوال الحياة تعدّ أنموذجا لكل حال، والآيات تحضّ على الوصية في السفر والحضر، وتتطلب الإشهاد عليها لإثباتها وتنفيذها، والأصل في الشهود أن يكونوا عدولا مسلمين، وتجوز شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة أو الحاجة، والله مع المتّقين.

стр. 512

التّذكير بنعم الله على عيسى ابن مريم ﵇ إن حساب الأنبياء والرّسل ﵈ يوم القيامة على مهامهم وأعمالهم يكون بالتذكير بنعم الله عليهم، وسؤالهم عن القيام بواجباتهم، والمراد بذلك أممهم، فيقول لهم مثلا على سبيل التوبيخ والتأديب لأقوامهم: هل فعلتم ما أمرتكم به؟ كما إذا وجه السؤال للبنت الموءودة في جاهلية العرب، والمراد سؤال من وأدها ودفنها حيّة. وقد يوجّه السؤال للأمم مباشرة مثل قوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) [الأعراف: ٧/ ٦] . وهنا نجد صورة واضحة لسؤال الرّسل، والمراد التعريض بأممهم. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٩ الى ١١١] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [المائدة: ٥/ ١٠٩- ١١١] . والمعنى: تذكّروا واحذروا أيها الناس حين يجمع الله يوم القيامة الرّسل والأمم والخلائق المرسلين إليهم، فيكلم الله الرّسل أولا، والمراد بذلك أقوامهم، فيقول

стр. 513

الحق لهم: ماذا أجابت به الأمم من إيمان وطاعة وإقرار، أو كفر وإنكار واستكبار وعصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرّسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم، ويبتدئ حسابهم على نحو واضح بيّن. فيجيب الرّسل على سبيل الأدب والذّهول بسبب هول الحال وعالم الحساب: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك، فأنت تعلم السّر وأخفى، إنك أنت علام الغيوب، أي ما خفي وغاب، مثلما تعلم المشهودات الحاضرة المعروفة لكل إنسان، فليس علمنا بكاف ولا محقق للغاية الكاملة مثل علمك الواسع المحيط بكل شيء. قال ابن عباس- ورأيه الصواب-: معنى الآية: لا علم لنا إلا علما أنت أعلم به منا. واذكر يا محمد حين قال الله تعالى لعيسى ﵇ معددا معجزاته ونعمه عليه: تذكّر نعمتي عليك وعلى والدتك حين أيّدتك بجبريل روح القدس ﵇، وجعلتك نبيّا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك، تكلم الناس في فراش المهد وأنت طفل صغير رضيع، أنطقتك في هذه الحال حيث لا ينطق إنسان، فشهدت ببراءة أمّك وطهارتها، وكان ذلك معجزة بقدرة الله وتيسيره: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) [مريم: ١٩/ ٣٠- ٣١] . ثم علّمتك التّوراة والإنجيل والعلم النافع الذي هو الحكمة، وجعلتك قادرا على الكتابة والخط والفهم السّديد. واذكر يا عيسى حين مكّنتك من صناعة الطيور وخلقها، فتصوّر من الطين صورة كصورة الطائر، فتنفخ فيها، فتكون طيرا له روح وحركة بإذن الله وإرادته، لا بقدرتك البشرية، ولكنها معجزة تحققت على يديك، كسائر معجزات الرّسل. والإذن

стр. 514

المتكرر في هذه الآيات معناه التمكين من الله، مع العلم بما يصنع عيسى، بقصد دعوة الناس إلى الإيمان برسالته، لا من أجل المباهاة مثلا. واذكر حين كنت تشفي المرضى وتبرئ الأكمه (الذي ولد أعمى) والأبرص بإذن الله تعالى، وحين تخرج الموتى من قبورهم أحياء بإذن الله وتقديره. وحين كففت ورددت عنك بني إسرائيل، فحميتك من أذاهم ومكرهم، وأتيتهم بالبراهين القاطعة الدّالة على صدق نبوّتك ورسالتك من الله، فكذّبوك واتّهموك بأنك ساحر، وهمّوا بصلبك وقتلك، فنجّيتك منهم، ورفعتك إلي، وكفيتك شرّهم. واذكر يا عيسى حين ألهمت أصحابك الحواريين أن يؤمنوا بي وبرسولي عيسى، فأعلنوا إيمانهم قائلين: آمنّا بالله وبرسوله، واشهد بأنّا مسلمون منقادون لله سرّا وعلانية. إن المقصود من التذكير في عالم الحساب يوم القيامة بمعجزات عيسى ﵇، هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وإظهار عيسى بأنه مجرد بشر رسول موحى إليه من ربّه، والتذكير بتصحيح العقائد الفاسدة، وفهم المعجزة الجارية على يد نبي أو رسول أنها بفعل الله حقيقة، ولكنها تعلن وتظهر في الظاهر على يد الرسول. وهذه نعم ثمان تعدّ معجزات لسيدنا عيسى ﵇ لحمل الناس على التّصديق بنبوّته ورسالته. مائدة عيسى ﵇ إن العقل البشري عاجز محصور محدود، فلا يصح لعقلاء البشر أن يفهموا مقدورات الله العظمى ومعجزات الأنبياء بالمعايير المألوفة المشاهدة بحسب العادة لأن قدرة الله أعظم وأشمل وأكبر من مجرد استيعاب الإنسان العادي، وإذا كان الله تعالى يرزق عباده بالمواد الأولية من الأرزاق التي تحتاج إلى طبخ وطهي أحيانا،

стр. 515

والأرزاق التي لا تحتاج إلى طبخ كالفواكه والثمار، فإن الله تعالى قادر إتمام عملية الطبخ والتصنيع البسيطة جدّا بتأثيرات الحرارة الجوية أو الأرضية مثلا، وهذا ما حدث في قصة المائدة الجاهزة للأكل التي أنزلها الله على عيسى وقومه. قال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٢ الى ١١٥] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) «١» «٢» [المائدة: ٥/ ١١٢- ١١٥] . هذه نعمة تاسعة بعد النّعم الثمانية التي أوردها الحق تعالى في آيات سابقة وأنعم بها على عيسى ﵇. ومضمون الإخبار بهذه النعمة: إخبار محمد ﵊ وأمّته بنازلة الحواريين في المائدة، وهي تقتضي تأدّب كل أمة مع نبيّها، فلا تطلب شيئا من المعجزات المادّية التي لا معنى لها، فذلك امتحان يتعالى الله عنه، فهو القادر المقتدر على كل شيء. ومع ذلك فإن الله قد يتنزل لمستوى عقول البشر وطلباتهم، فيجيبهم عما طلبوا أو سألوا. والمعنى: اذكر يا محمد حين طلب الحواريون أصحاب عيسى منه إنزال مائدة من السماء ليأكلوا منها، وتكون دليلا مادّيا يؤكد صدق عيسى. فقالوا: يا عيسى، هل يفعل ربّك ويرضى أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء،

стр. 516

وهل تقع منه تعالى إجابة لهذا الطلب؟ وليس ذلك من الحواريين تشكيكا بقدرة الله، فهم مؤمنون. فأنكر عيسى قولهم ذلك من ناحيتين: الأولى: بشاعة هذا اللفظ، والثانية: إنكار طلب الآيات والتّعرض لسخط الله بها، فإن النّبوات ليست مبنية على تعنّت الناس ومكابرتهم. قال لهم عيسى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فشأن المؤمن أن يلتزم الأدب مع الله، ولا يطلب ما قد يشعر بالتّعنّت والتّشدّد. ولذا قال الحواريون معتذرين عن الطلب بهذه الصورة: نريد أن نأكل منها، فنحن في حاجة إلى الطعام، وإذا أكلنا تطمئن قلوبنا وتهدأ نفوسنا، ونعلم أن قد صدقتنا في أن الله أرسلك نبيّا، وجعلنا أصحابا أعوانا لك، وقد رضي عنا بإجابة سؤالنا. ونحن قبل ذلك وبعد المائدة نكون من الشاهدين لله بالوحدانية، ولك بالنّبوة والرّسالة، وما هذه المائدة إلا دليل حسي على ذلك. فطلب عيسى من الله إنزال المائدة، لتكون مصدر فرح وسرور، ويوم عيد، يجتمع فيه الناس للعبادة والشكر، ويعود عليهم كل عام باليمن والبركة والسعادة، وآية على صحة دعوى النّبوة، وتذكيرا بالدعاء وطلب الرزق من الله تعالى، فهو خير الرازقين، يرزق من يشاء بغير حساب. فأجاب الله دعاء عيسى مقرونا بالتهديد بالجزاء حين مخالفة أوامر الله: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ.. أي من يكفر بالله بعد نزول هذه المائدة، فإني أعذّبه عذابا شديدا، لا أعذب مثله أحدا من سائر كفّار العالمين في زمانهم لأنهم لم يبق بعد هذا الدليل الحسي (إنزال المائدة) عذر لمن يكفر أو يستهزئ بآيات الله وأدلّته الدّالة على وجوده وقدرته. ولا حاجة للبحث عن شكل المائدة ولونها ونوع طعامها، فذلك لا فائدة منه، وعلينا التزام حدود البيان القرآني.

стр. 517

الألوهيّة والرّبوبيّة لله تعالى يتجاوز بعض الناس حدودهم وإمكاناتهم البشرية، فيصفون أنفسهم أو غيرهم بوصف الإله أو الرّبّ، بدافع الغرور والجهل، والمبالغة والخطأ القطعي في التقدير، ويستمر الخطأ بالوراثة في الأجيال المتلاحقة والأبناء والبنات، وقلّ أن تجد إنسانا يعمل فكره ويتأمّل بعقله في حقائق الأشياء، وفي ذات الإله وما يتميز به عن سائر المخلوقات من قدرات هائلة لا حدود ولا نظير لها، وذلك لا يستحقّه إلا الله ﷻ ، خالق الخلق، ومبدع الكون، وفالق الحبّ والنّوى. وقد حكى القرآن الكريم وضعا من الأوضاع الشّاذّة في إضفاء صفة الألوهية على بشر، ولد وعاش، ومات كما يولد ويعيش ويموت سائر البشر، وإن كان متّصفا ببعض المزايا، ولكنها لا تؤهّله لأن يصير إلها أو يحتلّ محلّ الإله، فقال الله تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٦ الى ١٢٠] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) «١» «٢» [المائدة: ٥/ ١١٦- ١٢٠] . ومعنى الآيات: اذكر يا محمد للناس يوم يكون الحشر، فيسأل الله تعالى عيسى ابن مريم سؤالا مفاده: أأنت قلت للناس، اتّخذوني وأمّي إلهين معبودين من غير

стр. 518

الله؟ والسؤال ليس لمجرد الاستفهام، وإنما بقصد الإنكار والتوبيخ لمن ادّعى ألوهية عيسى، فيرون تبرؤ عيسى من هذه النسبة أو الصفة، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل محض البطلان، لأن عيسى ﵇ يستجير من هذا الادّعاء قائلا: سُبْحانَكَ أي أنزّهك عما لا يليق بك، من ادّعاء الشريك أو الابن والولد، وليس هذا من شأني، ولا مما يصح أن يقع مني أن أقول قولا لا حقّ لي بقوله، فإن قلته على سبيل الافتراض، فأنت تعلم قولي وما في نفسي، وسرّي وعلانيتي، ولا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية في نفسك، إنك أنت المحيط بالغيبيات، والحسّيّات المشاهدات، ما كان منها وما سيكون. لم أقل لهم إلا ما أمرتني به بعبادة الله ربّي وربّكم، وإني عبد من عبادك مثلهم، وكنت المراقب على أحوالهم، أشهد على ما يفعلون، وأمنعهم من القول الباطل، وأطالبهم بقول الحق، فلما توفّيتني أي قبضتني إليك، كنت أنت المراقب لأعمالهم وأقوالهم، الحافظ عليهم، المحاسب لهم، وأنت الشهيد على كل شيء، فتشهد لي حين كنت فيهم. وأنت يا ربّ المفوض في الأمور كلها، تعذّب المسيء بعدلك، وترحم المقصّر بفضلك ورحمتك، وتغفر لمن تشاء بإرادتك، فالملك ملكك، وأنت القوي القادر على الثواب والعقاب، الحكيم الذي لا تجازي إلا بحكمة وصواب. قال الله: هذا يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع فيه صدق الصادقين في إيمانهم وشهاداتهم وسائر أقوالهم وأفعالهم في الدنيا. وجزاء الصادقين جنات تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، ثوابا خالصا من الله، والله راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا، وهم راضون عن الجزاء الذي أثابهم الله به، ذلك الظفر هو الظفر العظيم الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه.

стр. 519

والله هو صاحب الملك الشامل، مالك السماوات والأرض، وكل ما فيهما من موجودات ومخلوقات، وهو سبحانه قادر تام القدرة على كل شيء، وشأن المملوك وهم العباد أن يكونوا عبادا لله وحده لا شريك له.

стр. 520

تفسير سورة الأنعام إثبات القدرة الإلهية بالمحسوسات الله إله غيبي غير مشاهد لنا في الدنيا بالأبصار والمرئيات، وإنما يمكن الاستدلال عليه بسهولة فيما نشاهده ونلمسه في هذا الكون من إبداع السماوات والأرض وإيجاد الليل والنهار، وخلق الإنسان من بداية معينة وتقدير أجل محدد لوجوده في الحياة، وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأشياء، السّرية منها والجهرية. قال الله تعالى في مطلع سورة الأنعام المكّية: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ١- ٣] . هذه حملة إلهية قوية على أولئك المشكّكين في وجود الله وقدرته ووحدانيته، وتمكّنه من بعث الأجساد مرة أخرى، من غير مشقة ولا صعوبة، وهذه الحملة تذكرنا بضرورة تخصيص كل أنواع الحمد والثناء والشكر لله تعالى، فهو أهل للمحامد كلها على أنواعها، وله الحمد الشامل للشكر المختص بأنه على النعم، إنه سبحانه جدير

стр. 521

بالحمد ولو لم يكن منه إنعام، لأنه المبدع وخالق السماوات والأرض وما فيهما من العوالم العلوية والسفلية، وما اشتملتا عليه من التقدير والإحكام بوجود الله سبحانه، وسبقهم المؤمنون إلى ذلك، قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) [لقمان: ٣١/ ٢٥] . أما ترتيب خلق السموات والأرض، فالمفهوم من مجموع آي القرآن: أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها أو يبسطها، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض ومدّدها بعد ذلك. ولم يخلق السماوات والأرض على شكل واحد، وإنما جعل فيهما التنويع والتّبدل، والحركة والتّغير، وذلك آية الجمال والقدرة التامة الشاملة، فجعل الله العالم متبدلا، يلفّه الليل والنهار، والظلمة والنور يتعاقبان ويتبادلان، وهو وضع تجديدي يطرد السأم والملل، ويمنح النشوة والأمل، فلو كانت الحياة كلها على منوال واحد، ليل مظلم أو نهار مضيء دائم، لتضايق الإنسان، ولم يرق له العيش الهني ولم يدرك الارتياح النفسي. ومع هذه التبدلات والتغيرات، ووجود الأرض والسماوات، يجحد الكفار نعمة الله الصانع، ويجعلون لله عديلا مساويا له في العبادة، وهو الشريك، مع أن هذا الشريك ضعيف عاجز غير خالق، ولا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا. وقوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ توبيخ للناس على سوء فعلهم بعد قيام الحجج ووضوحها. والظلمات في الكون كثيرة، تشمل المحسوس والمعنوي، فالمحسوس هو ظلمة الليل وأعماق الأرض والبحر، والمعنوي فيها ظلمات الشّرك والكفر. والنّور يشمل النهار المحسوس، والإيمان والعلم وسائر فنون المعرفة. ومرجع العالم في النهاية إلى الله تعالى وهو سبحانه القادر التام القدرة على إعادة

стр. 522

الحياة في الآخرة بعد الموت في الدنيا لأنه الذي خلقنا في مبدأ الخليقة من طين، فأوجد أبانا آدم ﵇، ثم تكاثرت ذرّيته في المشارق والمغارب، كما خلق سائر أحياء الأرض، وجعل الحياة مقيدة بين بداية معينة من الميلاد، ونهاية محددة بالوفاة. وصار قضاء الله أجلين: الأول: ما بين أن يخلق الإنسان إلى أن يموت، والثاني: ما بين الموت والبعث، وهو حياة البرزخ، حياة القبر. وبالرغم من قيام هذه الدلائل على وحدانية الله والبعث، يشكّ الكفار في إعادة الخلق أو البعث يوم القيامة مرة أخرى. وهيّأ الله تعالى للإنسان في حياته ظروف المعيشة مع ضعفه وعجزه، ومن قدر على ابتداء الخلق من الطين، فهو على الإعادة أقدر وأهون عليه. وهناك دليل آخر على وجود الله ووحدانيته: أن الله لم تنته مهمته بخلق السماوات والأرض، وإنما هو دائم الوجود والهيمنة والسيطرة، والقائم في السماوات والأرض المعبود فيها، المعروف بالألوهية، يعبده ويوحّده كل من في السماوات ومن في الأرض، ويسمّونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ يعلم السّر والجهر، ويستوي في علمه سبحانه الخفاء والعلانية، ويعلم جميع أعمالكم خيرها وشرّها، ويجازي الناس جميعا عليها، فهل بعد هذه الأدلة والبراهين أي شك في توحيد الله وقدرته على البعث والحياة الثانية بعد الأولى، بل والخلود في عالم الآخرة. أسباب كفر الناس بالله تعالى العقل والواقع يقضيان بأنه لا يوجد سبب مقبول ولا برهان واضح يسوّغ جحود الناس وكفرهم بوجود الله ووحدانيته، وإنما الكفر والجحود لون من ألوان المكابرة

стр. 523

والعناد، والسذاجة والسطحية، والهروب من الحقيقة بعد تبيّنها وظهورها، ومعاداة ما تدل عليه البراهين العلمية والمشاهدات الحسية والتأملات الفكرية. فبالرغم من وجود الآيات الكونية التي تدلّ على إثبات الوحدانية لله، وكمال الألوهية والربوبيّة، وبالرغم من وجود الآيات القرآنية التي تنادي الناس للإيمان والتصديق بها، فإن بعض الناس يتّجهون إلى التكذيب والإنكار والكفر. قال الله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤ الى ٦] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ٤- ٦] . يذمّ الله تعالى أولئك الكفار الذين يعدلون بالله سواه، ويجعلون الشركاء مثل الله، يذمّهم بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم، فكلما أتتهم معجزة أو حجة واضحة من دلائل وحدانية الله وصدق رسله الكرام، أعرضوا عنها، ولم ينظروا فيها، ولم يبالوا بها، وكلما ذكّرهم القرآن العظيم بآيات ربّهم الذي ربّاهم، وتعهّدهم في حالتي الضعف والقوة، وأمدّهم بالرزق، وأعطاهم كل شيء، وخلق لهم جميع ما في الأرض، فإنهم مع ذلك كله يعرضون عن النظر في آيات الله، كما قال سبحانه: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء: ٢١/ ٢- ٣] .

стр. 524

وسبب ذلك الإعراض عن النظر في آيات الله: تكذيبهم بالحقّ الذي جاءهم، وهو دين الإسلام والقرآن ومحمد ﵊. إنهم لم ينظروا في الوجود نظرة تأمّل وتفكّر واعتبار، ولم يحرّروا أنفسهم من رقّ التقليد الأعمى للآباء والأجداد، ولم يترفعوا عن سيطرة العصبية وحماقة الجاهلية، فهم إذا جاءتهم رسالة التجديد والحياة الأفضل أعرضوا وقالوا: سحر مستمر، قال تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) [الأعراف: ٧/ ١٣٢] . والإعراض عن الحق، والجمود على الباطل، استدعى تهديد هؤلاء الكفار على تكذيبهم بالحقّ، فلا بدّ من أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وسيجدون عاقبة أمرهم واستهزائهم بالإسلام والقرآن، فإنهم سيتعرضون في الدنيا للقتل والدمار بمختلف الأسباب، وفي الآخرة يجدون العذاب في نار جهنم يطوّق أعناقهم ويلازمهم إلى الأبد، قال تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [النّحل: ١٦/ ٣٤] . ثم أبان الله تعالى أن الوعيد بالعذاب سنّة الله في المكذّبين، ألم يروا في قلوبهم وينظروا في عقولهم أن الله أهلك كثيرا من الأمم السابقة قبلهم، مثل قوم عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط الذين كذّبوا رسلهم، بالرغم مما كانوا يتمتعون به من أسباب القوة والسّعة في الرزق، والاستقلال والملك، ما لم نعطهم مثله، وما لم نمكّن لهم شبيها به. لقد كان قوم عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط في سعة كبيرة من العيش، وشدة في السلطان، وقوة في الحياة، وسّع الله عليهم الرزق، وأرسل عليهم الأمطار الغزيرة، وجعل الأنهار تجري من تحت بيوتهم ووسط مزارعهم، فلما كفروا بأنعم

стр. 525

الله، أهلكهم الله بسبب ذنوبهم وبسبب تكذيبهم رسلهم، وأوجد الله من بعدهم قوما آخرين، وجيلا جديدا يعمرون البلاد، ويكونون أجدر بشكر النعمة. إن هذه الإنذارات والتهديدات للكفار كفيلة بتذكير العقلاء في أنهم أخطئوا الطريق، وإنهم سيتعرضون لعقاب مماثل لعقاب الكفار من الأمم السابقة: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج: ٨٥/ ١٢- ١٦] . مطالب الكفّار المادّية وشبهاتهم الواهية إن موقف المشركين الذين عارضوا دعوة الإسلام يتمثّل في شيء من العناد الشديد، والمكابرة في المحسوسات، والمطالبة بألوان من المعجزات المادّية لا من أجل الإيمان والتصديق، وإنما للإعنات والمضايقة والإحراج، والتّهرب من مواجهة الحقائق. ولكنهم بهذا الأسلوب في المقاومة، والاستهزاء الذي هو أمارة الإفلاس والعجز، سيتعرضون لأشد أنواع العذاب، والوقوع في أسوأ العواقب بسبب تكذيبهم برسالة الحق والقرآن، وإنكارهم دعوة النّبي ﷺ إلى النجاة والسعادة. قال الله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧ الى ١١] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) «١» «٢» » «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ٧- ١١] .

стр. 526

سبب نزول هذه الآيات: ما ذكره الثّقات من العلماء، منها: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله، لا نؤمن لك، حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسول الله، فنزلت آية: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ. وقال جماعة من المشركين كالنضر بن الحارث: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: ١٧/ ٩٠] . وروى ابن المنذر وغيره عن ابن إسحاق قال: «دعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب وآخرون: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس، ويرى معك» فأنزل الله في ذلك: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ. تحدّثنا هذه الآيات أنه لو جاء محمد ﷺ المشركين بأشد وأشنع مما جاء به من الإخبار بعقوبات الأمم السابقة، لكذّبوا به، وفي هذا مبالغة تؤكد عنادهم وموقفهم المتعنّت، إنهم اقترحوا اقتراحين: أولهما- أن ينزل الله عليهم كتابا مسطورا من السماء يخبرهم بصدق نبوة محمد ﷺ ويطالبهم بالإيمان به، قال عبد الله بن أبي أمية: «لا أومن لك حتى تصعد إلى السماء، ثم تنزل بكتاب فيه: من ربّ العزّة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدّقك» . ثم أسلم بعد ذلك عبد الله هذا، وقتل شهيدا في الطّائف. إن عبد الله وأمثاله من المشركين لو جاءهم كتاب إلهي مسجّل من الله، والتقطوه بأيديهم، لقالوا: هذا سحر واضح. وذلك يمثّل غاية التّعنّت والمكابرة، وهذا جواب اقتراحهم الأول. والاقتراح الثاني- أن ينزل الله ملكا من السماء يرونه ويكون مؤيّدا لرسول الله

стр. 527

صلّى الله عليه وسلّم، فيكون معه نذيرا، ومؤيّدا له ونصيرا، فردّ الله عليهم أولا بأنه لو أنزل الله معه ملكا كما اقترحوا، لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [الحجر: ١٥/ ٨] . وردّ الله عليهم ثانيا بأنه لو أنزل الله مع الرسول البشر ملكا، لكان متمثّلا بصورة الرجل، ليخاطبهم ويخاطبوه، وينتفعوا به، ثم يعود الأمر كما كان، ويقعون في اللّبس والاشتباه نفسه، ويختلط الأمر عليهم، لأنه سيقول: إني رسول الله كما قال محمد ﷺ ، ثم يكذّبونه فلا يؤمنون ولا يصدّقون برسالة القرآن والنّبي والإسلام. قال ابن عباس في الآية: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النّور. ثم أخبر الله تعالى أن اقتراحات بعض كفار مكة بإنزال كتاب مدوّن من السماء، أو بإنزال ملك من الملائكة، صادرة على سبيل الاستهزاء، ولكنه قد نزل وأحاط بهم من العذاب مثلما كانوا به يستهزئون أو يسخرون. وإن ارتاب المشركون في إمكان وقوع العقاب، فليسيروا وينتقلوا في الأرض ليقفوا بأنفسهم على الحقيقة من تاريخ عاد وثمود وطسم وجديس وقوم فرعون وإخوان لوط، كيف عذّبهم الله، وكيف كانت عاقبة المكذّبين لرسالات أنبيائهم، وكيف أحاط بهم جزاء ما استهزءوا وسخروا به. أدلّة واضحة على إثبات البعث تضافرت الآيات الدّالة على إثبات أصول الدين الثلاثة: وهي إثبات وجود الله وتوحيده، وإثبات البعث والمعاد والجزاء، وإثبات النّبوة ورسالة محمد ﷺ ، وكل هذه البراهين الواقعية والحجج الدامغة من أجل خير الإنسان وإسعاده وإفهامه حقيقة

стр. 528

الوجود الدنيوي والأخروي، وأن رحلة الحياة الحاضرة لتنتهي بصاحبها إلى عالم الخلود الأبدي القائم على أمور يسيرة هي الإقرار بوجود الله ووحدانيته، والاعتقاد بقدرة الله التّامة على جمع الناس وحشرهم، والتّصديق بصحة الوحي إلى الرّسل والأنبياء الكرام وختمهم برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال الله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢ الى ١٦] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) «١» «٢» «٣» «٤» [الأنعام: ٦/ ١٢- ١٦] . حاور الله تعالى من علياء سمائه المشركين آمرا نبيّه بهذا السؤال، وهو: من مالك جميع ما في السماوات وما في الأرض؟ ولمن هذا الكون والوجود وما فيه؟ والمقصود من السؤال التّبكيت والتوبيخ، لأن المشركين في الجاهلية كانوا يعتقدون بأن الله هو الخالق، كما حكى الله تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) [لقمان: ٣١/ ٢٥] . أمر الله محمدا ﵊ بهذه الحجة الساطعة، والبرهان القطعي الذي لا يستطيع أحد نقضه، فيا أيها الكافرون بربّهم: لمن ما في السماوات والأرض، ثم سبقهم في الجواب، فقال: الله، إذ لا يستطيع أحد إنكار ذلك، ومن صفات الله: صفة الرحمة بجميع عباده، فإنه تعالى أوجب على ذاته الرحمة بخلفه، ومن

стр. 529

مقتضيات رحمته: حشر الخلائق جميعهم يوم القيامة، بلا شك، للثواب والعقاب، والجزاء على الأعمال، وإقامة العدل المطلق بين الناس، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) [النّجم: ٥٣/ ٣١] . وليعلم البشر أن الذين خسروا أنفسهم ممن يجمعون يوم القيامة، هم الذين لا يؤمنون أبدا بالبعث والثواب والعقاب. ثم يؤكد الله تعالى ملكيته المطلقة لجميع الكون، فيذكر أنه تعالى مالك جميع المتحرّك والساكن في الليل والنهار، وأنه المتصرّف تصرّفا كاملا في كل شيء، وهو السميع لكل ما يحدث، العليم بكل ما يقع، المحيط علمه بكل ما دقّ وعظم، وبكل فعل ونيّة، والشامل سمعه كل مسموع من الأقوال والأصوات والحركات. وهل يصح لذي عقل اتّخاذ ولي أو ناصر غير مبدع السماوات والأرض على غير مثال سبق: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزّمر: ٣٩/ ٦٤] . وهل يتصور عاقل استمداد القوة والعون من غير الرازق المطعم لجميع خلقه، ولا يطعمه أحد ولا يحتاج لأحد؟ يقول النبي بأمر ربه: إنني أنا نبي الله ورسوله أمرت أن أكون أول من خضع وانقاد لعظمة الله وجلاله، وألا أكون من المشركين مع الله إلها آخر، أيّا كان نوع الشّرك، ومنه شرك الجاهلية القائم على اتّخاذ الأصنام واسطة ووسيلة تقرّب إلى الله زلفى. إنني أنا نبي الله أخشى إن عصيت الله ربّي أن يصيبني عذاب يوم عظيم الهول والخطر، وهو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الخلائق حسابا شديدا على أعمالهم، ويجازيهم على ما يستحقّون. إن من يدفع عنه عذاب يوم القيامة وينجو من نار جهنم، فقد ﵀ وحماه، وذلك هو الفوز السّاحق الذي لا فوز أعظم منه، كما قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما

стр. 530

تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) [آل عمران: ٣/ ١٨٥] . كاشف الضّر وأصدق الشهود يتعرّض الإنسان في حياته لأحداث كثيرة في النفس والأهل والمال، ويلتمس طرق النجاة والفرج من الكرب، وينتظر إزالة الضّر بمختلف الوسائل، فيبذل أقصى ما لديه من جهود، وأغلى ما لديه من أموال، ولا يجد المضرور أو المكلوم أو المصاب بابا يطرقه غير باب الله الكريم في أوقات السّحر وخفوت الأصوات وسكون الليل، وهذا أمر يقع بالفطرة من المؤمن والكافر والبرّ والفاجر، وكذلك إذا كذّب النّبي وتجهّم الناس في وجه دعوته لن يجد ملاذا له يصدق قوله ويشهد له بالحق سوى الله تعالى. قال الله مبيّنا هاتين الحالتين: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٧ الى ١٩] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) «١» [الأنعام: ٦/ ١٧- ١٩] . أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال: جاء النّحام بن زيد، وقروم ابن كعب، وبحري بن عمر، فقالوا: يا محمد، ما نعلم مع الله إلها غيره، فقال: لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله في قولهم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.. الآية.
следующие страницы →