سبب نزول هذه الآيات: ما ذكره الثّقات من العلماء، منها:
إن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله، لا نؤمن لك، حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسول الله، فنزلت آية: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ.
وقال جماعة من المشركين كالنضر بن الحارث: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: ١٧/ ٩٠] .
وروى ابن المنذر وغيره عن ابن إسحاق قال: «دعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب وآخرون: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس، ويرى معك» فأنزل الله في ذلك:
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
تحدّثنا هذه الآيات أنه لو جاء محمد ﷺ المشركين بأشد وأشنع مما جاء به من الإخبار بعقوبات الأمم السابقة، لكذّبوا به، وفي هذا مبالغة تؤكد عنادهم وموقفهم المتعنّت، إنهم اقترحوا اقتراحين:
أولهما- أن ينزل الله عليهم كتابا مسطورا من السماء يخبرهم بصدق نبوة محمد ﷺ ويطالبهم بالإيمان به، قال عبد الله بن أبي أمية: «لا أومن لك حتى تصعد إلى السماء، ثم تنزل بكتاب فيه: من ربّ العزّة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدّقك» . ثم أسلم بعد ذلك عبد الله هذا، وقتل شهيدا في الطّائف. إن عبد الله وأمثاله من المشركين لو جاءهم كتاب إلهي مسجّل من الله، والتقطوه بأيديهم، لقالوا: هذا سحر واضح. وذلك يمثّل غاية التّعنّت والمكابرة، وهذا جواب اقتراحهم الأول.
والاقتراح الثاني- أن ينزل الله ملكا من السماء يرونه ويكون مؤيّدا لرسول الله
стр. 527
صلّى الله عليه وسلّم، فيكون معه نذيرا، ومؤيّدا له ونصيرا، فردّ الله عليهم أولا بأنه لو أنزل الله معه ملكا كما اقترحوا، لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [الحجر: ١٥/ ٨] .
وردّ الله عليهم ثانيا بأنه لو أنزل الله مع الرسول البشر ملكا، لكان متمثّلا بصورة الرجل، ليخاطبهم ويخاطبوه، وينتفعوا به، ثم يعود الأمر كما كان، ويقعون في اللّبس والاشتباه نفسه، ويختلط الأمر عليهم، لأنه سيقول: إني رسول الله كما قال محمد ﷺ ، ثم يكذّبونه فلا يؤمنون ولا يصدّقون برسالة القرآن والنّبي والإسلام. قال ابن عباس في الآية: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النّور.
ثم أخبر الله تعالى أن اقتراحات بعض كفار مكة بإنزال كتاب مدوّن من السماء، أو بإنزال ملك من الملائكة، صادرة على سبيل الاستهزاء، ولكنه قد نزل وأحاط بهم من العذاب مثلما كانوا به يستهزئون أو يسخرون. وإن ارتاب المشركون في إمكان وقوع العقاب، فليسيروا وينتقلوا في الأرض ليقفوا بأنفسهم على الحقيقة من تاريخ عاد وثمود وطسم وجديس وقوم فرعون وإخوان لوط، كيف عذّبهم الله، وكيف كانت عاقبة المكذّبين لرسالات أنبيائهم، وكيف أحاط بهم جزاء ما استهزءوا وسخروا به.
أدلّة واضحة على إثبات البعث
تضافرت الآيات الدّالة على إثبات أصول الدين الثلاثة: وهي إثبات وجود الله وتوحيده، وإثبات البعث والمعاد والجزاء، وإثبات النّبوة ورسالة محمد ﷺ ، وكل هذه البراهين الواقعية والحجج الدامغة من أجل خير الإنسان وإسعاده وإفهامه حقيقة
стр. 528
الوجود الدنيوي والأخروي، وأن رحلة الحياة الحاضرة لتنتهي بصاحبها إلى عالم الخلود الأبدي القائم على أمور يسيرة هي الإقرار بوجود الله ووحدانيته، والاعتقاد بقدرة الله التّامة على جمع الناس وحشرهم، والتّصديق بصحة الوحي إلى الرّسل والأنبياء الكرام وختمهم برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢ الى ١٦]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنعام: ٦/ ١٢- ١٦] .
حاور الله تعالى من علياء سمائه المشركين آمرا نبيّه بهذا السؤال، وهو: من مالك جميع ما في السماوات وما في الأرض؟ ولمن هذا الكون والوجود وما فيه؟ والمقصود من السؤال التّبكيت والتوبيخ، لأن المشركين في الجاهلية كانوا يعتقدون بأن الله هو الخالق، كما حكى الله تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) [لقمان: ٣١/ ٢٥] .
أمر الله محمدا ﵊ بهذه الحجة الساطعة، والبرهان القطعي الذي لا يستطيع أحد نقضه، فيا أيها الكافرون بربّهم: لمن ما في السماوات والأرض، ثم سبقهم في الجواب، فقال: الله، إذ لا يستطيع أحد إنكار ذلك، ومن صفات الله: صفة الرحمة بجميع عباده، فإنه تعالى أوجب على ذاته الرحمة بخلفه، ومن
стр. 529
مقتضيات رحمته: حشر الخلائق جميعهم يوم القيامة، بلا شك، للثواب والعقاب، والجزاء على الأعمال، وإقامة العدل المطلق بين الناس، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) [النّجم: ٥٣/ ٣١] .
وليعلم البشر أن الذين خسروا أنفسهم ممن يجمعون يوم القيامة، هم الذين لا يؤمنون أبدا بالبعث والثواب والعقاب.
ثم يؤكد الله تعالى ملكيته المطلقة لجميع الكون، فيذكر أنه تعالى مالك جميع المتحرّك والساكن في الليل والنهار، وأنه المتصرّف تصرّفا كاملا في كل شيء، وهو السميع لكل ما يحدث، العليم بكل ما يقع، المحيط علمه بكل ما دقّ وعظم، وبكل فعل ونيّة، والشامل سمعه كل مسموع من الأقوال والأصوات والحركات.
وهل يصح لذي عقل اتّخاذ ولي أو ناصر غير مبدع السماوات والأرض على غير مثال سبق: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزّمر: ٣٩/ ٦٤] .
وهل يتصور عاقل استمداد القوة والعون من غير الرازق المطعم لجميع خلقه، ولا يطعمه أحد ولا يحتاج لأحد؟ يقول النبي بأمر ربه: إنني أنا نبي الله ورسوله أمرت أن أكون أول من خضع وانقاد لعظمة الله وجلاله، وألا أكون من المشركين مع الله إلها آخر، أيّا كان نوع الشّرك، ومنه شرك الجاهلية القائم على اتّخاذ الأصنام واسطة ووسيلة تقرّب إلى الله زلفى. إنني أنا نبي الله أخشى إن عصيت الله ربّي أن يصيبني عذاب يوم عظيم الهول والخطر، وهو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الخلائق حسابا شديدا على أعمالهم، ويجازيهم على ما يستحقّون. إن من يدفع عنه عذاب يوم القيامة وينجو من نار جهنم، فقد ﵀ وحماه، وذلك هو الفوز السّاحق الذي لا فوز أعظم منه، كما قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما
стр. 530
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
[آل عمران: ٣/ ١٨٥] .
كاشف الضّر وأصدق الشهود
يتعرّض الإنسان في حياته لأحداث كثيرة في النفس والأهل والمال، ويلتمس طرق النجاة والفرج من الكرب، وينتظر إزالة الضّر بمختلف الوسائل، فيبذل أقصى ما لديه من جهود، وأغلى ما لديه من أموال، ولا يجد المضرور أو المكلوم أو المصاب بابا يطرقه غير باب الله الكريم في أوقات السّحر وخفوت الأصوات وسكون الليل، وهذا أمر يقع بالفطرة من المؤمن والكافر والبرّ والفاجر، وكذلك إذا كذّب النّبي وتجهّم الناس في وجه دعوته لن يجد ملاذا له يصدق قوله ويشهد له بالحق سوى الله تعالى. قال الله مبيّنا هاتين الحالتين:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٧ الى ١٩]
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)
«١» [الأنعام: ٦/ ١٧- ١٩] .
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال: جاء النّحام بن زيد، وقروم ابن كعب، وبحري بن عمر، فقالوا: يا محمد، ما نعلم مع الله إلها غيره، فقال: لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله في قولهم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.. الآية.
стр. 531
ومعنى الآيات: الإخبار عن أن الأشياء كلّها بيد الله، إن ضرّ فلا كاشف لضرّه غيره، وإن أصاب بخير فكذلك أيضا لا رادّ ولا مانع منه. والضّرّ- بضم الضّاد:
سوء الحال في الجسم وغيره، والضّرّ- بفتح الضّاد: ضدّ النفع، وناب الضّر في هذه الآية مناب الشّر، وإن كان الشّر أعم منه، فقابل الخير.
يخبر الله بأنه: إن يصبك أيها الإنسان ضرر أو شدة من ألم أو فقر أو مرض أو أي مصيبة تحصل، أو حزن أو ذلّ ونحوه، فلا صارف له عنك ولا مزيل له إلا الله تعالى لأنه القادر على كل شيء، أي على كل شيء جائز أن يوصف الله تعالى بالقدرة عليه. وكذلك إن يحصل لك أيها الإنسان خير من صحة أو غنى أو عزّ ونحوه، فهو أيضا من الله سبحانه، لكمال قدرته على كل شيء، ولأنه القاهر الغالب صاحب العزّة والمجد والسلطان، والقاهر: أي المستولي المقتدر، ولأنه سبحانه الحكيم في جميع أفعاله، يضع كل شيء في موضعه المناسب له، وهو الخبير بمواضع الأشياء، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق، كما قال تعالى في آية أخرى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) [فاطر: ٣٥/ ٢] .
وفي مقابلته تعالى الخير بالضّر إشارة إلى أن ما يصيب الإنسان في الدنيا ليس شرّا، بل قد يكون فيه نفع. وإذا كان الله تام القدرة والسلطان والتّصرف، فلا سبيل للعبد إلا اللجوء إليه ودعوته رغبا ورهبا. والفوقية في قوله: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فوقية استعلاء بالقهر والغلبة لا فوقية مكان.
ثم أيّد الله نبيّه محمدا ﷺ بشهادة هي أعظم الشهادات وأجلّها، وأصحّها وأصدقها، وهي شهادة الله بالحق بين نبيّه محمد وبين المشركين، شهادة تدلّ على صدق النّبي ﷺ وتكشف حال أعدائه. وتتضمن هذه الآية أن الله تعالى يقال عليه:
стр. 532
شيء، كما يقال عليه: موجود، ولكن ليس كمثله ﵎ شيء، فالله شيء لا كالأشياء. وهذه الآية للرّد على المشركين القائلين للنّبي ﷺ : من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت الآية.
وأردفها الله بأمر نبيّه بأن يخبر قومه: بأنه أوحي إلي هذا القرآن لأخوّفكم به العقاب والآخرة على تكذيبي، وأخوف به كل من بلغه هذا القرآن من العرب وغير العرب (العجم) فهو نذير لكل من بلغه وعلم به، ينذر من عصاه بالنار، ويبشّر من أطاعه وآمن به بالجنة، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً [البقرة: ٢/ ١١٩] .
روى عبد الرّزاق عن قتادة في قوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ: إن رسول الله ﷺ قال: «بلّغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله» .
وفي رواية أخرى: «يا أيها الناس، بلّغوا عني ولو آية، فإنه من بلّغ آية من كتاب الله تعالى، فقد بلغه أمر الله تعالى، أخذه أو تركه» .
ومن أهم خصائص دعوة النّبي ﷺ التصريح بأن الإله إله واحد، وهو الله ، وأن هذا النّبي بريء مما يشرك به العرب وغيرهم من الأصنام والأوثان وغيرها.
إقرار غير المؤمنين بالحق والتوحيد
من المعلوم أن الحقيقة مرّة، وأن الاعتراف بها يحتاج إلى جرأة وصراحة، وقوة إيمان وصفاء نفس، ولكن هذا الإقرار تحجبه أحيانا كثيرة المؤثرات المصلحية والعوامل المادّية والتّخوف من فقدان المنصب والجاه، وضياع الذّات، وخسارة ولاء الأتباع والأنصار، والدليل على حجب الحقيقة الدينية الكبرى: اعتراف أهل الكتاب بصدق محمد ﷺ في دعوته، وإعلان المشركين في الآخرة أنهم ما كانوا مشركين، قال الله تعالى:
стр. 533
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ٢٠- ٢٤] .
ذكر المؤرّخون أن كفار قريش سألوا أهل الكتاب (اليهود والنّصارى) عن رأيهم في النّبي ﷺ وفي دينه، فقالوا: ليس في التوراة والإنجيل شيء يدلّ على نبوّته. ولكنهم في هذا لم يكونوا صادقين لأنهم يعرفونه بالنّبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم، لما
روي أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل الله على نبيّه هذه الآية، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشدّ معرفة بمحمد مني بابني لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حقّ من الله تعالى.
ومعنى الآيات: إن الذين آتيناهم الكتاب قبل القرآن وهم اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا ﷺ نبي، وأنه خاتم الرّسل، كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن الرّسل المتقدّمين والأنبياء السابقين، فإن صفته في كتبهم واضحة، ودلائل نبوّته التي ظهرت معه مؤيدة للأوصاف السابقة، ولكنهم أنكروا، كما أنكر المشركون.
وسبب إنكارهم ناشئ من أنهم خسروا (أي غبنوا) أنفسهم، حين لم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ ، ولا بالقرآن، لعنادهم وحسدهم، لا لجهلهم به. وليس أحد أظلم
стр. 534
ممن افترى (أي اختلق) على الله كذبا، أو كذب بعلامات الصدق ومعجزات النّبي ونحو ذلك، ثم قرّر الله تعالى قرارا حاسما وهو أنه لا يفلح الظالمون أبدا، أي لا يبلغون الأمل ولا ينجحون في مخططاتهم في الدنيا والآخرة. والآية تدلّ على أن المشركين جمعوا بين الكذب على الله، والتكذيب بآيات الله الدّالة على التوحيد وعلى إثبات رسالة النّبي محمد ﷺ .
وزيادة في الإيلام والتأنيب والتّبكيت يسأل المشركون يوم القيامة والحشر سؤال تقريع وتوبيخ: أين شركاؤكم من الأصنام والأوثان الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لله، وتدعونهم كما تدعون الله؟ والزّعم: القول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر كلامهم.
ثم لم تكن فتنتهم، أي لم تكن حجتهم أو قولهم عند اختبار الله إياهم اعتذارا عما سلف منهم من الشّرك بالله إلا أن أقسموا بالله يوم القيامة: ما كنا مشركين، أي لم نكن مقرّين بالشّرك ولا معتزين به ولا بدين الآباء والأجداد.
وذلك موقف لهم في غاية التّخاذل والخزي والحيرة، وتأمل أيها الإنسان وتعجب من تناقضهم، فتارة يصدقون وتارة يكذبون، وإنكارهم الشّرك يوم القيامة كذب صريح، فانظر كيف كذبوا على أنفسهم، بعد الاعتداد بدين الشّرك والوثنية، وتعجب كيف ضلّ عنهم أي غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الإشراك، حتى إنهم بادروا إلى نفي حدوث الشّرك في الدنيا، مع أنهم كانوا أساطين الشّرك، وذلك مثل قوله تعالى في آية أخرى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً.. [غافر: ٤٠/ ٧٣- ٧٤] .
إن هذا الموقف المتناقض من المشركين يتّسم بالكذب والخزي والعار، ولكن بعد فوات الأوان وضياع الفرصة، فإن دار الدنيا هي دار التكليف بالإيمان والفرائض،
стр. 535
وأما دار الآخرة فهي للجزاء من ثواب وعقاب فقط، فلا يقبل فيها إيمان أو إقرار بصدق رسالة القرآن ونبي الإسلام.
موقف المشركين من القرآن الكريم
كان الموقف الرسمي المعلن للمشركين القرشيين من القرآن الكريم هو الرفض والإنكار جملة وتفصيلا، لأنهم قدروا بانضمامهم للإسلام أنهم يفقدون مركز الزعامة والسيادة بين العرب، الذي كانوا يتميزون به في الجاهلية، ولكنهم بهذا الموقف التاريخي كانوا سبّة الدهر، وخسروا برفضهم الدنيا والآخرة، فقد زالت زعامتهم وانتقلت للمسلمين، وكانوا حطب جهنم وبئس المصير، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ٢٥- ٢٦] .
أبان ابن عباس ﵄ سبب نزول هاتين الآيتين فقال: إن أبا سفيان ابن حرب، والوليد بن المغيرة، والنّضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأبيّا ابني خلف استمعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا للنّضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ قال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرّك شفتيه يتكلم بشيء، وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية،
стр. 536
وكان النّضر كثير الحديث عن القرون الأول، وكان يحدّث قريشا، فيستملحون حديثه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والمعنى والمقصد من هذه الآية أن مشركي مكة كانوا في أعجز موقف، حين حاولوا ردّ الحق القرآني بالدعوى المجردة، ومنهم فريق كانوا يستمعون للنّبي ﷺ وهم في أشدّ حالات الغباء وصمم الآذان، يرون الآيات الناطقة بالحق فلا يؤمنون بها، وإذا جاؤوا للمجادلة أي المقابلة في الاحتجاج، قابلوا بدعوى مجردة فارغة من البرهان المقبول، والعقل السليم لأن الله تعالى- بسبب عنادهم وإصرارهم على شركهم- جعل على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن، وفي آذانهم ثقلا أو صمما عن السماع النافع لهم، كما شبّههم القرآن بحال الطيور الناعقة بما لا تعي ولا تفهم، فقال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة:
٢/ ١٧١] . لقد حجزوا عن فهم القرآن وقبوله وتدبّر معانيه بسبب التقليد الأعمى للأسلاف، وإعراضهم الناشئ عن تصميم وعناد وحزم ألا ينظروا فيما يسمعون نظرة تأمّل وإمعان، ليميزوا بين الحق والباطل.
فمهما رأوا من الآيات البيّنات والبراهين الصادعة بالحق لا يؤمنوا بها، وصاروا بلا فهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) [الأنفال: ٨/ ٢٣] .
وإذا جاؤوا يحاجّون النّبي ويناظرونه في الحق وفي دعوته، قالوا قولا تافها: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من أخبار الأولين وأقاصيصهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ، وما هي إلا نوع من خرافات وأباطيل القدماء.
وهم بهذا الموقف اللاعقلاني والدعائي بمجرد الأقاويل المبطلة، ينهون الناس عن
стр. 537
اتّباع الحق الأبلج وتصديق الرسول ﷺ والانقياد للقرآن، ويبعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون، ولا يتركون غيرهم ينتفع.
وعاقبة ذلك أنهم ما يضرّون وما يهلكون إلا أنفسهم بهذا الكفر أو الصنيع الذي يدخلهم جهنم، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون بذلك، بل يظنّون أنهم يضرّون رسول الله ﷺ . وقد أهلك الله أولئك المعادين الجاحدين، إما بالقتل في ساحات الحرب، وإما بالبلاء والانتقام الذي سيتبعه هلاك الآخرة. وهذا من إعجاز القرآن الذي أخبر عن المغيبات في المستقبل، ووقع ما أخبر به، لقد انمحى ذكرهم من التاريخ وصاروا مثلا للتخليط الذي لا حجة فيه، والبلاهة التي لا حدود لها، فخسروا الدنيا والآخرة.
أحوال المشركين في الآخرة
للمشركين حالتان محرجتان ورهيبتان يوم القيامة، الحال الأولى: يوم عرضهم على النار وما يطرأ عليهم من ذعر وندم على ماضيهم في الدنيا، والحال الثانية: يوم حسابهم ووقوفهم بين يدي ربّهم حيث يناقشهم الله على أعمالهم، فتستولي عليهم الحيرة والدهشة وهول الأمر.
قال الله تعالى واصفا الحال الأولى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)
«١» [الأنعام:
٦/ ٢٧- ٢٩] .
стр. 538
والمعنى: ولو ترى يا محمد وكل سامع هؤلاء المشركين يوم القيامة، حين عرضهم على النار، لرأيت عجبا وهولا أو مشقّات، وذلك حين تعرضهم الملائكة على النار، فيدخلونها ويعاينون شدّتها، فيندمون ويتمنّون العودة إلى الدنيا قائلين: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فردّ الله عليهم بأن حالهم لم تتغير، إنما ظهر حقيقة ما كانوا يخفون من قبل في الدنيا من الكفر والعناد والتكذيب بالبعث والمعاد والجزاء، وهم ليسوا صادقين في تمنّي العودة للدّنيا، فإنهم لو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما نهاهم الله عنه من الكفر والعناد والعصيان، ولو ردّوا إلى الدنيا لأنكروا مرة أخرى البعث والحساب والجزاء والنار الموقدة، وإنهم لكاذبون في جميع الأحوال، سواء حال وجودهم في الدنيا قبل موتهم أو في وعدهم بالإيمان والاستقامة.
ثم أخبر الله تعالى عن عقيدة المشركين الكفار المتأصّلة فيهم وهي تكذيبهم بالحشر والعودة إلى الله وإنكار الآخرة، فإنهم يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فقط، وليست لنا حياة أخروية أبدا، وما نحن بمبعوثين، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة، بل لا آخرة ولا معاد، وهؤلاء هم المادّيون الدّهريون الملحدون الذين لا يؤمنون بالغيب.
ثم ذكر الله تعالى حالا ثانية للكفار أمام الله حين وقوفهم للحساب، فقال سبحانه:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ٣٠- ٣٢] .
стр. 539
والمعنى: ولو ترى أيها النّبي هؤلاء المشركين حينما توقفهم الملائكة بين يدي ربّهم، لوجدت هولا عظيما وأمرا خطيرا مدهشا لا يحدّه وصف، وهو مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف الجاني بين يدي الحاكم ليعاتبه، فيقول الله لهم على لسان الملائكة: أليس هذا الحشر أو المعاد بحقّ، وليس بباطل كما كنتم تظنّون؟
فأجابوا: بلى وربّنا، أي إنه الحق الذي لا شكّ فيه، وأكّدوا قولهم باليمين بالله، فشهدوا على أنفسهم بالكفر، وكون البعث حقّا، فردّ الله عليهم: فذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم وتكذيبكم الذي دمتم عليه، ولم تفارقوه في الدنيا حتى الموت.
ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم بهذا الإقرار منكم بأن العذاب حقّ.
ثم أخبر الله تعالى خبرا عامّا مفاده: تعظيم المصاب الذي حلّ بهم، وهو: خسارة الذين كذبوا بلقاء الله، أي بإنكار القيامة وبالرجوع إلى الله وإلى أحكامه وقدرته، حتى إذا جاءتهم ساعة القيامة فجأة، قالوا: يا حسرتنا على فرّطنا من العمل للآخرة، وما أسلفنا من العمل القبيح. وهؤلاء الخاسرون يأتون للحساب يوم القيامة، وهم حاملون ذنوبهم وخطاياهم على ظهورهم، ألا ما أسوأ تلك الأثقال المحمولة، وبئس شيئا الحمل الذي حملوه وهو الذنوب، فقوله تعالى: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ إخبار عن سوء ما يأثمون، مضمّن التعظيم لذلك والإشادة به.
ثم أخبر الله عن حال الدنيا بأنها إذا كانت فانية منقضية لا طائل لها، أشبهت اللعب واللهو الذي لا طائل له إذا انقضى، فغالب أعمال الدنيا لعب لا يفيد، ولهو يشغل عن المصلحة الحقيقة، ومتاعها قليل زائل قصير الأجل، وأما العمل للآخرة فله منافع عظيمة، والآخرة خير وأبقى للذين يتّقون الكفر والمعاصي، ونعيمها نعيم دائم خير من نعيم الدنيا الفاني، أفلا تعقلون وتفهمون هذه الحقائق وهي أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزوال ومزرعة للآخرة، فتؤمنوا وتعملوا عملا صالحا.
стр. 540
حزن النّبي ﷺ على تكذيب قومه
لقد كان الرّسل والأنبياء ومنهم خاتم النّبيّين على درجة كبيرة من الإخلاص في دعوتهم لتوحيد ربّهم وإخلاص العبادة له، وكانوا في حرج عظيم أمام الله بسبب إعراض أقوامهم عن دعوتهم وتكذيبهم إياهم، ولكنهم صبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله، ولا مناص من الصبر على الأذى واحتمال المكروه والرّضا بالواقع لأن الهداية بيد الله وحده، فلا يصح لرسول الجهل بهذا، قال الله تعالى مبيّنا ذلك:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ٣٣- ٣٥] .
نزلت آية قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ فيما
روى الترمذي والحاكم عن علي ﵁: أن أبا جهل قال للنّبي ﷺ : إنا لا نكذّبك، ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله:
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
ليس هناك أعظم ولا أروع ولا أقدس من هذه المواساة أو ما يسمّونه المشاركة الوجدانية، يواسي الله تعالى من علياء سمائه نبيّه على ما ألّم به من حزن شديد وألم عميق بسبب تكذيب قومه له ومعارضتهم دعوته، وصدّهم الناس عنها، فالله يعلم بذلك تمام العلم، كما في آية أخرى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) [الكهف: ١٨/ ٦] .
стр. 541
ومنشأ هذا التكذيب في الظاهر: هو العناد والجحود، إذ إنهم لا يتّهمونك بالكذب في الواقع، فأنت الصادق الأمين في نظرهم، فما جرّبوا عليك كذبا ولا خيانة، ولكنهم يعاندون الحق، ويجحدون بآيات الله أي علاماته وشواهد نبيّه محمد ﷺ ، ويصدّون عنها، فالقضية محاربة لدعوة الله لا لشخص نبيّه، فلست بكاذب في حقيقتك، وتكذيبك لا يعد تكذيبا. لهذا فلا تحزن أيها الرسول عليهم، واصبر على تكذيبهم وإيذائهم، كما صبر رسل قبلك وكما أوذوا، حتى ينصرك الله عليهم، وينتقم من أعدائك المكذّبين، كما نصر رسله الكرام. وهذا الوعد بالنصر أمر حتمي محقق، فلا تغيير ولا خلف في وعد الله ووعيده، ولا مكذّب لما أخبر به، فوعد الله بنصر رسله والمؤمنين نافذ في الدنيا والآخرة، وكذا وعيده لاحق بالكافرين، وتلك هي أنباء أو أخبار الرّسل المرسلين قبل نبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام، لقد أنزلناها عليك أيّها النّبي وقصصناها عليك، ومفادها ما أخبرناك به من تكذيب الناس لهم وصبرهم ثم نصرهم.
وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ.. آية فيها إلزام الحجة للنّبي ﷺ وتقسيم الأحوال عليه، حتى يتبيّن أنه لا وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى.
والمعنى: إن كنت أيها النّبي تعظّم تكذيبهم وكفرهم على نفسك وتحزن عليه، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض، أو على ارتقاء سلّم إلى السماء، فدونك وشأنك به، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا، ولا بدّ لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ومعارضتهم بالآيات التي أقامها الله تعالى للناظرين المتأملين. فالله لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على الهدى، وإنما أراد ترك الحرّية للناس في النظر والتأمل في آياته، ليهتدي بها الأسوياء العقلاء، ويضل آخرون. وهناك عوامل تساعدهم على الوصول إلى الحق، فقد خلقهم الله على الفطرة الإسلامية النقية وهي
стр. 542
توحيد الله، والهداية إلى السبيل السوي، وسبقت رحمته غضبه، ولله ذلك كلّه بحقّ ملكه، فلا تكونن أيها الرسول من الجاهلين، في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وعلم المصلحة فيه.
قال ابن عباس في قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذّكر الأول.
وهذا كله دليل واضح على حرية الإنسان في اختيار الإيمان أو الكفر، وعلى أن الحساب والثواب والعقاب منوط بما اختاره الإنسان لنفسه من إيمان أو ضلال، وخير أو شرّ.
قدرة الله تعالى وعلمه
يؤكّد الله تعالى مواساته لنبيّه ﷺ على حزنه بسبب إعراض قومه عن دعوته لأن قضية الإيمان والكفر يتعلق بها أصول ثلاثة: هي حرية الإنسان، وتمام قدرة الله تعالى، وكمال علمه بالأشياء قبل وقوعها، وهذه الأسس الثلاثة تحدّثت عنها آيات قرآنية كثيرة منها قوله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)
«١» [الأنعام: ٦/ ٣٦- ٣٩] .
стр. 543
هذا لون آخر من مواساة الله لنبيّه محمد ﷺ عما ألّم به من حزن بسبب إعراض قومه عن رسالته، فإذا كان الناس صنفين: صنف يختار الهداية، وصنف يختار الضّلالة، أبان الله تعالى هنا في الآية الأولى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ.. أن الصنف الأول هم الذين يسمعون الدلائل والبيّنات سماع تدبّر وفهم، وأن الصنف الثاني لا يفقهون ولا يسمعون، وإنما هم كالأموات. فلا تحفل أيها النّبي بمن أعرض عنك وعن دعوتك لتوحيد ربّك والإقرار بنبوّتك، فإنما يستجيب لداعي الإيمان الذين يسمعون الآيات سماع تعقّل وتفهم ويتلقّون البراهين بالقبول. أما الكفار غير المؤمنين، فهم كالموتى في الصّمم عن وعي كلمات الله، والعمى عن نور الله، لا يفقهون قولا، ولا يفكرون تفكيرا صحيحا فيما أنزل الله، أي إنهم موتى القلوب، يشبهون موتى الأجساد.
هذا مع العلم بأن الله قادر على كل شيء، فكما أنه قادر على بعث الموتى من القبور يوم القيامة، والرجوع إليه للجزاء، هو سبحانه قادر على إحياء قلوب الجاحدين بالإيمان، وأنت أيها النّبي لا تقدر على هدايتهم. لكنهم- أي هؤلاء المشركين- قوم معاندون يرفضون دعوة الحقّ القرآني كبرا وحسدا وعنادا. ومن مظاهر عنادهم: مطالبتهم بإنزال آية مادّية محسوسة من السماء، خارقة للعادة على النّبي محمد ﷺ كعصا موسى، ومائدة عيسى، وملك يشهد له، وتفجير الينابيع، وإنشاء البساتين أو الإتيان بكنز، أو غير ذلك من الشّطط، ولكن أكثر هؤلاء الكفار لا يعلمون أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، ولكن حكمته اقتضت الامتناع من إنزالها لأنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب، فإنزال آية ماديّة مما اقترحوا يكون سببا في هلاكهم إن لم يؤمنوا.
ثم نبّه الله سبحانه على قدرته وعلى آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته، لمن شاء
стр. 544
أن يتأمل، ويريد الاستدلال على عظمة الله ومقدرته في كل شيء، فالله قادر بسهولة على أن ينزل آية، لكن عدم إنزالها لحكمة لا تعلمون وجهها، وإنما يحيل الله على الآيات الموجودة لمن فكر واعتبر، كالدّواب والطّير وهي أمم، أي جماعات مماثلة للناس في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر، والله تعالى يدبرها ويرعى شأنها ويحسن إليها، فإذا كان الله يفعل هذا بالبهائم، فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون عقلاء.
ولم يترك الله شيئا أبدا إلا ذكره في الكتاب: وهو اللوح المحفوظ: وهو شيء مخلوق في عالم الغيب دوّن فيه كل ما كان وما سيكون من مقادير الخلق إلى يوم القيامة، فهذا دليل آخر على إحاطة علم الله بكل شيء، وجد أو سيوجد لحكمة يعلمها، ثم يبعث الله جميع تلك الأمم من الناس والحيوان ويجمعها إليه يوم القيامة، ويجازي كلّا منها، أفليس في هذا الحشر ما يدلّ على قدرته تعالى ووحدانيته؟! وإذا كان ما من دابّة ولا طائر ولا شيء إلا وفيه آية دالّة على قدرة الله ووحدانيته، فهلا تؤمنوا! ولكن الكافرين الذين كذبوا بآيات الله صمّ وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه، ولا يسمعون دعوة الحقّ والهدى سماع قبول، ولا ينطقون بما عرفوا من الحق، وهم يتخبّطون في ظلمات الشّرك والوثنية وعادات الجاهلية القبيحة والجهل والأميّة، فكيف يهتدون إلى الطريق الصحيح؟ والله هو المتصرّف في شؤون خلقه، ويعلم حال كل مخلوق، فمن يشأ الله إضلاله أضلّه ولم يلطف به لأنه ليس أهلا للطف، ومن يشأ هدايته وفّقه وهداه إلى الصراط المستقيم: وهو الإسلام، لأنه من أهل اللطف، فيكون معيار الهداية والإضلال بما علم الله أزلا من استعدادات المخلوقات للخير والحق أو الشّر والباطل. ذلك حكم الله ومشيئته في خلقه.
стр. 545
الالتجاء إلى الله وحده في الشّدائد
هناك أدلّة لا شعوريّة أو لا إراديّة على قدرة الله ، مغروسة في الفطرة الإنسانية، وهي اللجوء إلى الله تعالى من المؤمنين والكفرة إذا نزلت بهم نازلة أو بلية أو محنة، فلا يجدون ملاذا ولا مفزعا يلوذون به أو يفزعون إليه سوى الله سبحانه القادر القاهر، المتصرّف في الكون حسبما يشاء، يقدر المقدورات، ويهيء الأسباب، أو يقول للشيء: كن فيكون. قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأنعام: ٦/ ٤٠- ٤٥] .
هذه ردود قاطعة الدلالة على الكفار الجاعلين لله شركاء، ترشدهم إلى وحدانية الله، وتدلّهم على أنهم لا بدّ من لجوئهم إلى الله طوعا أو كرها. والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني عما أنتم فاعلون، أرأيتم إذا أتاكم أمارات عذاب الله، مثلما نزل بالأمم السابقة كالخسف والريح الصّرصر العاتية، والصاعقة، والطّوفان، أو خفتم هلاكا، أو خفتم الساعة وأتتكم القيامة بأهوالها ومخازيها، أتدعون أصنامكم وتلجؤون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة؟!
стр. 546
ثم بادر الله إلى الجواب بقوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ.. أي بل تدعون الله الخالق الرازق، فيكشف ما خفتموه إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي تتركونهم، ولا تذكرون في ذلك الوقت إلا الله، فكيف يجعل إلها من هذه حاله في الشدائد والأزمات؟! الواقع: أنه لا ملجأ لكم إلا الله، وأصنامكم مهجورة منسية! وذلك أن الله تعالى أودع في فطرة الإنسان شعوره بالضعف وتوحيد الله والإذعان التّام للخالق المبدع، مالك الأرض وباسط السماء. وأما الشّرك فهو شيء موروث في البدائيين، وعبث وظلم، وانحراف عن الفطرة السّوية، وانشغال بما لا يفيد. ثم ذكّر الله المشركين الكفرة بضرب الأمثال بالأمم السابقة، مبيّنا أنه أرسل الرّسل للأمم المتقدمة، قبل النّبي محمد ﷺ ، فدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فلم يستجيبوا، فاختبرهم الله بالبأساء والضّراء، أي بالفقر وشدة العيش، والمرض والألم، لعلهم يدعون الله ويتضرّعون إليه ويخشعون لأن الشّدائد تنبت الرجال وتصحّح المواقف.
والتّرجي في (لعلّ) إنما هو في معتقد البشر، فلو رأى أحد أمارات العذاب لرجا تضرّعهم بسببه. ثم أكّد تعالى الحضّ على التّضرع لله، وألا سبيل للناس إلا إلى الله، فهلا إذا نزل بهم أوائل البأس والعذاب ومقدمات الشدائد تضرّعوا إلى الله خاشعين تائبين؟!! ولكنهم لم يفعلوا وصلبت قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وزيّن لهم الشيطان أفعالهم من الشّرك والعصيان، ووسوس لهم حتى حسّن لهم الكفر في قلوبهم، ورغّبهم في سوء أعمالهم. فلما تركوا ما أنزل الله، وأصروا على كفرهم، فتحنا عليهم أبواب الرزق، استدراجا لهم منه تعالى، حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الأموال والأولاد، أخذناهم على غفلة بعذاب الاستئصال.
فهلك القوم الظالمون أنفسهم بالكفر وتكذيب الرّسل، وقطع دابر القوم، أي آخر الأمر الذي يأتي من خلفه، ولم يبق منهم أحد، وهذا كناية عن استئصال شأفتهم
стр. 547
ومحو آثارهم، وأصبح الحمد لله والشكر له واجبا لأن إبادة القوم المفسدين نعمة من الله ربّ العالمين، وأن في الضّراء والسّراء عبرة وعظة للناس، وإنما يتذكر أولو العقل والألباب. وهذا دليل على أن حمد الله ينبغي أن يختم كل فعل وكل مقالة، لا إله غيره، ولا ربّ سواه.
روى الطبراني والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج» .
الاحتجاج على الكفار لإثبات التّوحيد
هناك أدلّة كثيرة على قدرة الله ووحدانيّته، منها ما نشاهده في هذا الكون من مشاهد ناطقة بوجود الله وقدرته وتوحيده، ومنها سلب وسائل المعرفة والحس والإدراك، وتسليط العذاب الشامل بغتة على الظلمة. غير أن الإنسان الواعي يتأمل في مقدورات الله، فيؤمن بالله ربّا واحدا، ويصدّق برسالات الرّسل الدّالة على الخير، والمنفّرة من الشّر. قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٦ الى ٤٩]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
«١» «٢» «٣» »
«٥» [الأنعام: ٦/ ٤٦- ٤٩] .
стр. 548
هذه الآيات ابتداء احتجاج على الكفار بأدلّة قريبة حسّية تثبت قدرة الله ووحدانيته، والله تعالى هو المحتجّ المبرهن، والوسيط هو الرسول ﷺ ، وأسلوب ذلك: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذّبين المعاندين: أخبروني عما تفعلون، إن سلبكم الله نعمة السّمع والبصر والفؤاد، فتصيرون صمّا عميا بلها، لا تسمعون قولا، ولا تبصرون طريقا، ولا تعقلون نفعا ولا ضررا، وتنغلق قلوبكم، فلا تنفذ إليها هداية الله، ولا تعقل الأمور، ماذا تفعلون مع آلهتكم التي تعبدونها؟ أكنتم تدعونها لكشف الضّرّ عنكم، وترجون شفاعتهم لو فعل الله بكم ذلك، أم كنتم تدعون الله ليردّ عليكم السمع والبصر والفؤاد؟! معنى هذا الاستفهام أنه ليس هناك إله سواه، فما بال تعلّقكم بالأصنام وتمسّككم بها، وهي لا تدفع ضررا ولا تأتي بخير؟ انظر أيها النّبي وكل عاقل، كيف نقلّب الآيات ونكررها على أساليب متعددة ووجوه مختلفة لإقناعهم بوحدانية الله، ثم هم يعرضون عن دلالاتها وإشاراتها، ويبقون في ضلالهم سادرين منغمسين، ولا يتأملون في الآيات بعين مبصرة بعيدة عن التقليد والعصبية.
قل لهم على سبيل الوعيد والتّهديد: أخبروني إن أتاكم عذاب الله فجأة من غير شعور ولا مقدمات، كما أتى الذين من قبلكم من المكذّبين كالخسف والغرق والزّلزال، أو أتاكم العذاب جهارا نهارا وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه، أخبروني ماذا أنتم فاعلون؟ هل يهلك بهذا العذاب الشامل إلا القوم الظالمون أنفسهم بالشّرك والاعتقاد الباطل، وأصرّوا على الكفر والعناد؟! ثم أوضح الله تعالى مهام الأنبياء والمرسلين ليتأثّروا بها، ويفيدوا من عطائها ونفعها، فما نرسل الرّسل إلا ليبشّروا بإنعامنا ورحمتنا لمن آمن، وبالجنة لمن أسلم، وينذروا بعذابنا وعقابنا من كذّب وكفر، ولسنا نرسلهم ليقترح عليهم الآيات،
стр. 549
ويتابعوا شذوذ كل متعسّف أو معاند، وما عليهم إلا إبلاغ الرسالة، سواء آمن الناس أو كفروا.
ومصير الفريقين من المؤمنين والكافرين برسالات الأنبياء واضح وقاطع الوعد، ومحقق الجزاء، فمن آمن وأصلح عمله بامتثال الطاعات، واتّباع الرّسل، فلا خوف عليهم من مخاطر المستقبل، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا ولا على شيء يصادفهم يوم لقاء الله. وهذا وعد ثابت محقق، كما قال الله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) [الأنبياء: ٢١/ ١٠٣] .
ومن كذّب بآيات الله التي أرسل الله بها الرّسل، وفسق، أي خرج عن الحدّ في كفرانه وعصيانه، ولم ينفّذ أوامر الله، وارتكب المنهيات المحظورات، يمسّهم العذاب، أي يباشرهم ويلتصق بهم، بسبب كفرهم وفسقهم، وكان جزاؤهم أنواع النقمة في الدنيا، والتّلظّي بنار جهنم في الآخرة. فإن أصاب الكافر خير في الدنيا فهو متاع قليل، والعبرة بالمصير الدائم والخلود الأبدي في العذاب في الآخرة، وذلك هو الخسران المبين، والضّلال البعيد.
مصدر المعرفة للنّبي ﷺ
تتنوع مصادر المعرفة بالنسبة للبشر، فمنها العلوم المكتسبة المتلقاة من الآخرين، ومنها الأعراف والعادات السائدة، ومنها الخبرات والتجارب، وأهم مصادر المعرفة وأوثقها وأدقها: الوحي الإلهي الذي يزوّد البشرية بمعلومات ومعارف ضرورية وأساسية في تكوين ثقافاتهم، ويبقى أمام الإنسان بعد الوحي ساحة المعرفة الدنيوية المستمدة من الآخرين ومن الإبداع البشري. والوحي الإلهي مقصور على الأنبياء
стр. 550
والرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، وقد صرّح القرآن الكريم بهذا في تعليم نبيّنا ﵊، فقال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)
[الأنعام: ٦/ ٥٠- ٥١] .
ثم أورد القرآن الكريم دليلا قطعيّا على كون القرآن من مصدر إلهي لا بشري، حين أوصى بالضعفاء الملازمين للنّبي ﷺ ، وفضّلهم على الزعماء وكبار الأشراف، فقال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٥٢- ٥٣] .
تحصر الآيتان الأوليان مصدر معارف النّبي ﷺ بالوحي الإلهي، ردّا على المشركين الذين كانوا يطلبون من النّبي ﷺ معجزات مادّية قاهرة، فأجابهم بأني: لا أملك خزائن الله وأرزاقه، ولا أقدر على التصرّف فيها وتوزيعها كما أشاء، ولا أدّعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحدا، كما قال سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) [الجنّ: ٧٢/ ٢٦- ٢٧] .
ولا أقول لكم: إني أحد الملائكة، إنما أنا بشر يوحى إلي من الله ما يريد ويختار، والمراد من هذا أني لا أدّعي الألوهية، ولا علم الغيب، ولا الملكية، إنما
стр. 551
أنا بشر أتبع ما يوحى إلي من ربّي، كسائر الأنبياء والرّسل من قبلي، فمعرفتي وعلمي ومعلوماتي كلها مستمدة من الوحي، وذلك يستوجب التأمل في وحي الله وملكوته، لأنه لا يستوي الناظر المفكّر في الآيات مع المعرض الكافر المهمل للنظر، فالأعمى والبصير مثالان للمؤمن والكافر، أي ففكّروا أنتم وانظروا، لتميّزوا بين ضلال الشرك وهداية الإسلام، وتعقلوا ما في القرآن من أدلة توحيد الله واتّباع رسول الله، وهذا يدلّ على إثبات القدرة المطلقة والعلم الشامل لله سبحانه.
ثم أمر الله نبيّه بأن ينذر ويخوّف جميع الخلائق بالوحي القرآني، وهم أهل الملل السماوية الثلاثة الذين يخافون من الحشر وأهواله، وشدة الحساب يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الجزاء على الأعمال عند لقاء الله، في حال من ليس له ولي ناصر ولا شفيع شافع، أنذرهم بهذا أيها النّبي لعلهم- أي البشر- يتّعظون ويتّقون، فيمتثلون الأوامر وينتهون عن الكفر والمعاصي.
ثم ذكر القرآن مثلا رائعا في مجاملة الضعفاء، فمنع من تقريب أشراف القوم من قريش، وحذّر من طرد ضعفاء الناس المؤمنين الموحّدين الذين يعبدون الله في الصباح والمساء، ويدعونه سرّا وعلانية، ويخلصون في طاعتهم وعبادتهم، فلا يقصدون إلا إرضاء الله تعالى، المستحق وحده للعبادة، وهؤلاء هم الذين يختص الله بحسابهم، وليس لك أيها النّبي محاسبتهم على شيء، ولم تكلف شيئا غير دعائهم للدين، لا ترزقهم ولا يرزقونك، وإن طردتهم من مجلسك كنت من الظالمين أنفسهم.
فأي دليل بعد هذا الإنذار الموجّه للنّبي يدلّ على أن القرآن لا يتصور إلا أن يكون كلام الله، وليس بكلام بشر ولو كان نبيّا.
ثم أماط القرآن اللثام عن حقيقة جوهرية هي تعدد الأديان: من إسلام وشرك، ولقد ابتلى الله المؤمنين بالمشركين وعلى العكس واختبرهم بذلك، وابتلاء المؤمنين
стр. 552
بالمشركين: هو ما يلقون منهم من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين: هو أن يرى أشراف المشركين مدى تعظيم الله لقوم لا سمعة ولا مكانة لهم، وكانت عاقبة هذا الاختبار: أن قال المشركون: أهؤلاء الضعفاء الذين منّ الله عليهم من بيننا بالخير والتقدم؟ فردّ الله عليهم: بأن الله أعلم بمن يؤمن ويشكر الله، فيوفّقه للإيمان، وهو سبحانه أعلم بمن يصمّم على الكفر، فيخذله ويحجب عنه اللطف والتوفيق.
وقد نزلت آية النّهي عن طرد الضعفاء من مجلس النّبي في ستة أنفار كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، طالب المشركون بطردهم من مجلس النّبي، قائلين:
اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعا لك كهؤلاء، فنهى الله نبيّه عن ذلك، إعلاء لدرجة الإيمان، وإدناء لمرتبة الشّرك أو الكفر.
مظاهر الرّحمة الإلهيّة
لا يستغني الإنسان عن رحمة الله طرفة عين، فإن وجوده وبقاءه، وسعادته وشقاءه، وأفراحه وأحزانه وغير ذلك مرهون برحمة الله وفضله، وإحسانه ولطفه، فالله لطيف رحيم بعباده، ويزيد اللطف بعبّاده، يمنح لهم الخير، ويحميهم من الشّر ما داموا على جادة الاستقامة قائمين، وبهدي الله عاملين، بل إنه يرحم العصاة والكافرين به، لأن رحمته سبقت غضبه، ولولا الرّحمة الإلهية ما بقي في هذا العالم كافر ولا مشرك. قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)
«١» [الأنعام: ٦/ ٥٤- ٥٥] .
стр. 553
نزلت هاتان الآيتان- في رأي جمهور المفسّرين- في القوم الذين طلب المشركون طردهم من مجلس النّبي ﷺ حتى يؤمنوا ويتفرّدوا بالجلوس، فنهى الله عن طردهم، وضمّ إلى ذلك النهي الأمر بأن يسلّم النّبي ﷺ عليهم ويؤنسهم.
قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله تعالى نبيّه ﷺ عن طردهم، فكان إذا رآهم النّبي ﷺ بدأهم بالسلام، وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسّلام» .
وقال الفضيل بن عياض: قال قوم للنّبي ﷺ : إنا قد أصبنا ذنوبا فاستغفر لنا، فأعرض عنهم، فنزلت الآية: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا.
والمعنى: وإذا جاءك أيها الرسول الذين يؤمنون بالله ورسله، ويصدقون بكتبه تصديقا قلبيّا وعمليّا، ويؤمنون بآيات القرآن وعلامات النّبوة كلها، فقل لهم: أمان لكم من عذاب الله في الدنيا والآخرة لأن الله سبحانه أوجب على نفسه الكريمة الرحمة بعباده، تفضّلا منه وإحسانا وامتنانا، فهو واسع الفضل والمغفرة، يغفر الذنوب بعد التوبة، ويعفو عن السّيئات بالحسنات.
جاء في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .
فمن ارتكب منكم ذنبا أو خطيئة بجهالة كغضب شديد، أو شهوة جامحة، وخفة عارمة، وطيش بيّن، ثم تاب إلى الله وندم على ذلك الذنب، وصمّم على عدم العودة إلى المعصية في المستقبل، وأصلح عمله، فالله يغفر له ذنبه، لأنه واسع المغفرة والرحمة، ونظير هذه الآية الدّالة على غفران السيئات الواقعة عن جهالة قوله تعالى:
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النّساء: ٤/ ١٧] . قال بعض السّلف: «كل من عصى الله فهو جاهل» وقال مجاهد: «من الجهالة:
стр. 554
ألا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته أن يركب الأمر» . والجهل الذي هو ضدّ العلم يعذر به المرء في الذنوب الخفيفة، ولا يعذر به في الذنوب الكبائر كالشّرك بالله وعقوق الوالدين وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم.
والتّوبة: الرجوع، وصحتها مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تيب منه، والإصلاح يكون بشروط أربعة: النّدم الحقيقي على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه في المستقبل، وردّ المظالم إلى أهلها، وإتباعها بالعمل الصالح. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ثم وضع القرآن الكريم قاعدة عامة في البيان: وهي أنه سبحانه يبين لعباده بيانا بديعا كل ما يتعلق بدلائل التوحيد والنّبوة والقضاء والقدر، ومثل ذلك التبيان والتفصيل يفصل الآيات كلها، ويوضح حقائق الشريعة، ليهتدي بها العقلاء، ويعرف الحق من الباطل، ويتّضح للمؤمنين طريق المجرمين، وإذا اتّضح سبيلهم كان كل ما عداه وما خالفه هو سبيل المؤمنين، لأنه متى استبانت طريقة المجرمين المنحرفين عن الهدي الإلهي، فقد استبانت طريقة أهل الحق والإيمان أيضا لا محالة، إذ لا وسيط بين الحق والباطل.
وهل يتأمل الناس من ربّهم غير البيان والتفصيل، فذلك غاية الفضل والإحسان، ومنتهى الرحمة والإعذار؟ ولا يبقى أمام الإنسان بما أوتي من عقل وخبرة وترجيح للمصلحة على المفسدة، إلا أن يختار طريق الخير ويتجنّب سبيل الشّر لأن فعل الخير أمان وسلام، وعافية واطمئنان، وفعل الشّر ضلال وخسران.
стр. 555
حسم الموقف مع المشركين
تستمر محاولات الإصلاح عادة بين المصلحين وأقوامهم، وقد صبر الأنبياء كثيرا صبرا طويلا في سبيل هداية أقوامهم وإصلاحهم، ولكن لا يعقل أن تظلّ الأمور سائرة من غير حسم، فلا بدّ في النهاية من اتّخاذ موقف حاسم، تتبلور به الأحوال، ويتبين للأجيال ضرورة العمل على سلوك طريق الحق، وترك طريق الشّر، وهذا المنهج هو ما عبّر عنه القرآن الكريم بين النّبي محمد ﷺ وقومه المشركين في الآيات الآتية:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٥٦- ٥٨] .
نزلت آية: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي.. في النّضر بن الحارث ورؤساء قريش، كانوا يقولون: يا محمد، ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم، فنزلت هذه الآية.
أمر الله ﵎ نبيّه ﷺ أن يجاهر قومه بالتّبري مما هم فيه، والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إني نهيت من ربّي ومنعت من عبادة ما تدعونهم وتطلبون منهم الخير ودفع الضّر، من صنم أو وثن أو عبد صالح مهما كان شأنه، أو ملك من الملائكة، لقد حجزت أو صرفت عن هذا كله بالآيات القرآنية والأدلة العقلية والحسّية، فألوهيّة غير الله وعبادتهم باطلة بأبسط فكرة وأدنى تأمّل.
стр. 556
إني لا أتّبع أهواءكم أو شهواتكم في سلوك طريقتكم القائمة على اتّباع الهوى دون اتّباع الدليل، وليس لكم إلا تقليد الآباء ووراثة الأسلاف من غير بصيرة كما تصرّحون: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزّخرف: ٤٣/ ٢٣] . إني إن اتبعت أهواءكم فأنا ضالّ، وما أنا من الحق والهدى على شيء، وفي هذا تبيان بأنهم ليسوا من الهداية في شيء، وليسوا في اعتقادهم على بصيرة.
فإن عبادة غير الله ضلال وشرك، يترفّع عنها العقلاء، وعبادة الله تدلّ عليها الحجة البالغة والبرهان الواضح، ويرشد إليها الفكر الصحيح.
قل لهم أيها النّبي: إني على أمر بيّن، وإني فيما أخالفكم فيه على بصيرة من شرع الله الذي أوحاه إلي، وعلى حجة واضحة، وهو هذا القرآن المعجزة الخالدة على صدق اتجاهي ومنهجي، فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما أنتم أيها المشركون فقد كذّبتم بالقرآن وكفرتم بالرحمن، ورفضتم الحقّ الذي جاءني من عند الله، واتّبعتم الشيطان، والهوى والضلال، وقلّدتم الآباء من غير روية ولا تفكير.
وليس الأمر بيدي كما تتوهمون، وليس عندي الذي تستعجلون به وهو العذاب، فلا أقدر على إنزاله بكم، وما الحكم الفاصل والقضاء المبرم إلا لله، إليه يرجع الأمر كله، إن شاء عجّل لكم ما سألتم من العذاب، وإن شاء أجّلكم إلى أجل معين بمقتضى علمه ومشيئته وحكمته العظيمة: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرّعد: ١٣/ ٨] .
والله يقضي بالحق، ويقصّ على رسوله القصص الحق في وعده ووعيده وجميع أخباره، وهو خير الفاصلين، أي خير الحاكمين الذين يفصلون في القضايا بين عباده، وينفذ أمره متى شاء إصدار الحكم العادل.
قل لهم أيها النّبي: لو كان عندي ما تستعجلون به من نزول العذاب، ولو كان
стр. 557
بمقدوري إيقاع العذاب بكم، لأوقعته عليكم، ولتمّ فصل القضاء بيني وبينكم، والله قد وعدني النصر، ووعد الله حق منجز، والله تعالى أعلم بالظالمين الكافرين الذين لا أمل في صلاحهم ورجوعهم إلى الحق والإيمان، والصلاح والاستقامة، فيكون إنزال العذاب بيده تعالى لا بيدي، والله أعلم كيف يعاقب، ومتى يعاقب، وعلى أي نحو يجازي، قال الله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) [الأعراف: ٧/ ٣٤] .
عالم الغيب
يتأثّر الإنسان عادة بما هو مشاهد محسوس أمامه، ويهمل أو يتناسى مغيبات الأمور، سواء في الماضي أو في المستقبل، وهذا دليل على نقص علم الإنسان، وبرهان واضح على كمال علم الله تعالى واطّلاعه على كلّ شيء صغير أو كبير، وعلم الغيب مقصور على الله تعالى، لا يستطيع أحد من العقلاء ادّعاء العلم بالغيب لأن الواقع يكذّبه، وقد تورّط بعض السّذّج والجهلة، فادّعوا معرفتهم بالغيبيات، فجاءت الأحداث والوقائع مكذّبة لهم، مما أثبت للناس صدق ما أخبر به القرآن من حصر الغيب بالله، والتأكد من صحة الوحي والنّبوّة التي هي طريق الإخبار عن عالم الغيب، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٩ الى ٦٢]
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)
«١»
стр. 558
«١» [الأنعام: ٦/ ٥٩- ٦٢] .
اختصّ الله تعالى بالعلم بمغيبات الأمور، فهو سبحانه عنده خزائن الغيب ومفاتيحها، وهذه استعارة، عبارة عن التوصل إلى الغيوب، كما يتوصل في الأشياء المشاهدة بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، أي عالم الخفيات والمحسوسات المرئية، ولا يعلم بالغيب أحد سواه.
والغيبيات التي اختصّ الله بها خمس، وهي مذكورة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) [لقمان: ٣١/ ٣٤] .
ويعلم سبحانه حديث النفس، ويعلم السّر وأخفى، ويعلم دقائق الأشياء المشاهدة للبشر، كما يعلم الغيبيات، فيعلم كل ما هو كائن في البر والبحر، ويعلم سقوط أي ورقة من أوراق الشجر في أي مكان وزمان، سواء في البر أو في البحر، ويعلم ما تسقط من حبّة في ظلمات الأرض وأعماقها، سواء بفعل الإنسان كالزارع، أو بفعل الحيوان كالنّمل، أو بغير فعل الإنسان كالساقط من النبات في شقوق الأرض، ويعلم ما يسقط من الثمار الرطبة أو اليابسة، الحية أو الميتة، فعلم الكائنات كلها ثابت مستقر في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ.
وينضم إلى علم الله الشامل قدرة الله التامة على الإحياء والإماتة، والبعث والحشر، والمثل المشاهد للبعث من القبور: مسألة النوم واليقظة، فذلك إماتة وبعث على نحو ما، فالله هو الذي يتوفاكم توفّيا أصغر بالنوم كل ليلة، ويعلم كل ما كسبتم
стр. 559
أو عملتم أيها الناس من الأعمال بالنهار، في حال السكون وحال الحركة، ثم بعد التّوفّي بالنّوم والعلم بالأعمال في النهار، يبعثكم في النهار، أي يرسلكم ويوقظكم فيه، وهذا التّقلّب في الليل والنّهار لأجل أن يقضى وينفذ الأجل المسمّى الذي علمه الله تعالى لكل واحد منكم، فإن الآجال والأعمار محدودة ومقدرة، مكتوبة سابقا.
ثم إلى الله مرجعكم يوم القيامة بعد تمام الآجال، ثم يخبركم بأعمالكم التي قمتم بها في الدنيا، ويجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
والله هو الذي يقهر كل شيء، ويخضع لعظمته وجلاله وكبريائه كل شيء، وهو القادر على بعث الأجساد والأرواح لأن من قدر على بعث من توفّي بالنوم قادر على بعث من توفّي بالموت، وهو المتصرّف بعباده، يفعل ما يشاء، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة. ويرسل الله الملائكة الكرام الموكلين بكتب الأعمال، في الليل والنهار، يحفظون بدن الإنسان، ويحصون أعماله، ولا يفرطون بشيء منها. وكتابة الملائكة الحفظة أعمال الإنسان من أجل الإتيان بدليل مادّي محسوس، لإقامة الحجة على الإنسان.
فإذا حان أجل الإنسان، قبضت روحه الرّسل الموكلون بذلك من الملائكة، حال كونهم غير مقصّرين في حفظ أرواح الموتى، بل يحفظونها حيث شاء الله تعالى، ثم يرد هؤلاء الذين تتوفاهم الرّسل إلى حكم الله وجزائه، والله هو مولى الناس ومالكهم الذي يلي أمورهم، له وحده سبحانه الحكم يوم القيامة، لا حكم فيه لغيره، ولا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، وهو أسرع الحاسبين، يحاسب الكل في أسرع وقت وأقصره، ولا يشغله حساب عن حساب.
стр. 560
بعض مظاهر القدرة الإلهيّة
اقتضت رحمة الله بعباده أن يعدّد لهم في مناسبات مختلفة بعض مظاهر قدرته ليرشدهم إلى الإيمان به لأنه القادر الرازق المنجي والمنتقم، وذلك سواء في حالات الشّدة والأزمة ليعرفهم من بيده الأمر المطلق، أو في حال التهديد والوعيد بالعذاب حين تكذيبهم برسالات الرّسل وانحرافهم عن طريق الاستقامة وانغماسهم في حمأة الرّذيلة والضّلالة، ومن هذه المظاهر قوله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٣ الى ٦٧]
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ٦٣- ٦٧] .
هذه الآيات الأولى لتوبيخ عبدة الأوثان، وتعريفهم بسوء فعلهم في عبادة الأصنام، وتركهم الذي ينجّي من المهلكات، ويلجأ إليه في الشدائد.
ومعناها: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الغافلين عن آيات التوحيد: من الذي ينجّيكم من شدائد البر والبحر، وأهوال السفر ومخاوفه إذا ضللتم في أنحاء الأرض البرية والبحرية، فإنكم في وقت المحنة لا تجدون غير الله ملجأ تدعونه علانية وسرّا، بخشوع وخوف، ومبالغة في الضّراعة والتّذلل والخضوع، حال كونكم تقسمون: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد والظلمات وضوائق الأمور، لنكونن من شاكري النعمة، المقرّين بتوحيد الله، المخلصين له في العبادة، دون إشراك.
стр. 561
قل أيها النّبي: الله تعالى هو الذي ينجيكم مرارا من هذه الأهوال، ومن كل كرب أي غم وشدة، ثم مع ذلك أنتم بعدئذ تشركون بالله غيره، فتخلفون وعدكم بالإيمان، وتخونون العهد مع الله سبحانه، وتحنثون بالقسم الذي حلفتموه. وهذا مع الأسف الشديد طبع أغلب الناس، يلجأ الإنسان عادة إلى الله في الشّدة والمكروه، ثم بعد النّجاة ينسى العهد، ويعود إلى الجهل والكفر، فلا يقدر الله حقّ قدره، ولا يعظم جناب ربّه.
قل أيها النّبي لهؤلاء المشركين على سبيل التهديد والوعيد والإنذار: الله هو القادر على أن ينزل عليكم ألوان العذاب المختلفة، كالرّجم بالحجارة أو الصواعق، أو البراكين والزلازل، أو الطوفان أو أعاصير الريح أو الخسف المعهود في الأمم السابقة، أو إيقاع الفرقة والفتن والاختلاط والاختلاف والاضطراب، حتى تصير الأمة شيعا وأحزابا وجماعات، كل فرقة لها اتجاه ومنهاج، فيقع التقاتل والتحارب، ويذيق بعض الناس بأس بعض وشدته، حتى يقتل بعضهم بعضا. والتّفرق والاقتتال أهون وأخفّ من عذاب الاستئصال.
انظر أيها النّبي على سبيل التعجيب كيف ننوّع أساليب الكلام، وكيف نبيّن الدلائل بوجوه مختلفة، إما بطريق محسوس أو بطريق معقول، لعلهم يفهمون الإنذارات ويتدبرون عن الله الحجج والبيّنات، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح الأحوال. والمراد بذلك صرف أولئك الغواة المشركين عن غيّهم، وتوجيههم نحو ما يسعدهم وينجيهم.
ولكن أولئك المشركين من قريش وأمثالهم كذّبوا بالقرآن الذي جاء به محمد رسول الله، وبالهدى والبيان وبالعذاب الذي هدّدوا به، والحال أن القرآن وإنذاراته حق
стр. 562
وصدق ليس وراءه أصدق منه. قل أيها النّبي للمشركين: لست بموكل بكم ولا حفيظ، ولا بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان وإجباركم على الهدى، فأنتم بملء حرّيتكم تختارون الإيمان وتتركون الضلالة والكفر.
ثم أعلن القرآن قاعدة عامة في التّهديد والوعيد على التّكذيب بالقرآن أو بالعذاب، فقال الله تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) أي لكل خبر غاية ونهاية يعرف عندها صدقه من كذبه، وسوف تعلمون يقينا صدق الخبر وحقيقة الوعد والوعيد، وهو وعد الله رسوله بالنصر على أعدائه، ووعيده لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصّلت: ٤١/ ٥٣] .
وإذا تفضّل الله على هذه الأمة المؤمنة برفع عذاب الاستئصال إكراما لنبيّها، فلم يبق بينهم داء إلا الفرقة والشّتات، والنّزاع والخلاف، فليحذروه ليكونوا أمة مهابة بين الأمم، وعنوانا طيبا رفيعا لرسالة الحقّ والقرآن.
جزاء المستهزئين بالقرآن
يوجد في كل أمّة أناس يعادون القيم الدينية والإنسانية والحضارية، لسوء في طباعهم، وانحراف في سلوكهم، وتأثّرا بأهوائهم وشهواتهم، ومن هؤلاء نفر من المشركين المكيّين كانوا يستهزئون بالقرآن المجيد، ويناصرون الأوثان والأصنام، وذلك منتهى التّردي في الإنسانية وإهدار الكرامة وإهمال العقل، ومثل هؤلاء لا يفيدهم نقاش ولا جدال، وأفضل شيء معهم هو التّرفع والإعراض عنهم، وإهمالهم وتركهم سادرين في ضلالهم، انتظارا لعذاب الله الذي يوقعه بهم في الدنيا والآخرة.
стр. 563
قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأنعام: ٦/ ٦٨- ٧٠] .
ذكر الطبري عن السّدّي سبب نزول هذه الآيات، فقال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين، وقعوا في النّبي ﷺ والقرآن، فسبّوه واستهزءوا به، فأمرهم الله ألا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. والخائضون في آيات الله: هم المكذّبون بها.
هذه الآيات أمر بترك هؤلاء العابثين وتهديد ووعيد لهم، فإذا رأيت أيها النّبي وكل مؤمن الذين يخوضون في آيات القرآن بالتكذيب والاستهزاء، فأعرض عنهم ولا تجالسهم، حتى ينتقلوا إلى التّحدث بحديث آخر، فإذا فعلوا فلا مانع من مجالستهم والتّحدث إليهم. وإن أنساك الشيطان قبح مجالسهم والمنع منها أو النّهي عنها، فجلست مع الخائضين ناسيا، فلا تقعد بعد التّذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء.
وليس نهيكم أيها المؤمنون المتّقون عن القعود، وأمركم بالإعراض عن الخائضين، لأن عليكم شيئا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم وموعظة، لعلهم يتّقون الخوض في آيات الله، ويذكرون الله وعظمته وجلاله.
стр. 564
ثم أكّد الله تعالى ترك المستهزئين بآيات القرآن بقوله: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً.. أي اترك أيها الرسول والمؤمنون الذين اتّخذوا دينهم مجالا للعب واللهو، فإنهم يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها بأيديهم ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد، وهذا هو اللهو، وغرّتهم أي خدعتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذّات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلا عما كان يجب عليهم من فهمها وامتثالها، كما قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) [الحجر: ١٥/ ٣] .
وذكّر أيها الرسول الناس بالقرآن وعظهم به، لئلا تبسل نفس، أي تجازى وتسلّم إلى الهلاك وتتحمل سوء عملها الذي صدر منها في الدنيا، وذلك في حال لا قريب منها ولا شفيع لها ولا ناصر ينصرها، بل ولا ينفعها عدل أي فداء تفتدي به، فإن بذلت كل فداء، لم يقبل منها، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٢/ ١٢٣] .
وهذا إبطال لمبدأ وثني: وهو رجاء النّجاة في الآخرة، كما في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى، أو بشفاعة الشفعاء، ووساطة الوسطاء عند الله تعالى.
إن جزاء المستهزئين بآيات الله وهو العذاب في نار جهنم، كان بسبب سوء صنيعهم، فأولئك الذين أبسلوا بما كسبوا، أي أولئك المتّخذون دينهم لعبا ولهوا هم الذين جوزوا وعذّبوا بسبب عملهم في الدنيا، وجزاؤهم شراب من حميم، أي من ماء شديد الحرارة، يحرق البطون، ويقطع الأمعاء، ثم ينبت بدلها لتكرار العذاب، كما قال الله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ٤٧/ ١٥] . وقال سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) [النّساء: ٤/ ٥٦] .
стр. 565
محاربة الشّرك
إن من أهم أصول شريعة الإسلام وشرائع الأنبياء السابقين القضاء على الشّرك وتصفية معاقله وإنهاء وجوده وآثاره بين الناس لأن عقيدة الشّرك صفة بدائية غير حضارية، تسيء إلى الإنسان وتقديره، وتجعله يرتع في مخازي الخرافات والأباطيل، وتكون سببا لتدميره وتعذيبه عذابا شديدا في الدار الآخرة.
قال الله تعالى مبيّنا مخازي الشّرك وضلالات المشركين:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٧١- ٧٣] .
هذه حملة شديدة من الجدال والنقاش واللوم على الشّرك والمشركين، قال السّدّي مبيّنا سبب النزول: قال المشركون للمسلمين: اتّبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله : قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا.. الآيات.
والمعنى: قل أيها النّبي في احتجاجك على المشركين: أنطيع رأيكم في أن نعبد من دون الله ما لا قدرة له على نفعنا ولا على ضرّنا لأنها أصنام صماء جمادات لا حياة فيها ولا حركة، ثم نردّ على أعقابنا إلى إلى الشّرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله منه،