قل أيها النّبي: الله تعالى هو الذي ينجيكم مرارا من هذه الأهوال، ومن كل كرب أي غم وشدة، ثم مع ذلك أنتم بعدئذ تشركون بالله غيره، فتخلفون وعدكم بالإيمان، وتخونون العهد مع الله سبحانه، وتحنثون بالقسم الذي حلفتموه. وهذا مع الأسف الشديد طبع أغلب الناس، يلجأ الإنسان عادة إلى الله في الشّدة والمكروه، ثم بعد النّجاة ينسى العهد، ويعود إلى الجهل والكفر، فلا يقدر الله حقّ قدره، ولا يعظم جناب ربّه.
قل أيها النّبي لهؤلاء المشركين على سبيل التهديد والوعيد والإنذار: الله هو القادر على أن ينزل عليكم ألوان العذاب المختلفة، كالرّجم بالحجارة أو الصواعق، أو البراكين والزلازل، أو الطوفان أو أعاصير الريح أو الخسف المعهود في الأمم السابقة، أو إيقاع الفرقة والفتن والاختلاط والاختلاف والاضطراب، حتى تصير الأمة شيعا وأحزابا وجماعات، كل فرقة لها اتجاه ومنهاج، فيقع التقاتل والتحارب، ويذيق بعض الناس بأس بعض وشدته، حتى يقتل بعضهم بعضا. والتّفرق والاقتتال أهون وأخفّ من عذاب الاستئصال.
انظر أيها النّبي على سبيل التعجيب كيف ننوّع أساليب الكلام، وكيف نبيّن الدلائل بوجوه مختلفة، إما بطريق محسوس أو بطريق معقول، لعلهم يفهمون الإنذارات ويتدبرون عن الله الحجج والبيّنات، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح الأحوال. والمراد بذلك صرف أولئك الغواة المشركين عن غيّهم، وتوجيههم نحو ما يسعدهم وينجيهم.
ولكن أولئك المشركين من قريش وأمثالهم كذّبوا بالقرآن الذي جاء به محمد رسول الله، وبالهدى والبيان وبالعذاب الذي هدّدوا به، والحال أن القرآن وإنذاراته حق
стр. 562
وصدق ليس وراءه أصدق منه. قل أيها النّبي للمشركين: لست بموكل بكم ولا حفيظ، ولا بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان وإجباركم على الهدى، فأنتم بملء حرّيتكم تختارون الإيمان وتتركون الضلالة والكفر.
ثم أعلن القرآن قاعدة عامة في التّهديد والوعيد على التّكذيب بالقرآن أو بالعذاب، فقال الله تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) أي لكل خبر غاية ونهاية يعرف عندها صدقه من كذبه، وسوف تعلمون يقينا صدق الخبر وحقيقة الوعد والوعيد، وهو وعد الله رسوله بالنصر على أعدائه، ووعيده لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصّلت: ٤١/ ٥٣] .
وإذا تفضّل الله على هذه الأمة المؤمنة برفع عذاب الاستئصال إكراما لنبيّها، فلم يبق بينهم داء إلا الفرقة والشّتات، والنّزاع والخلاف، فليحذروه ليكونوا أمة مهابة بين الأمم، وعنوانا طيبا رفيعا لرسالة الحقّ والقرآن.
جزاء المستهزئين بالقرآن
يوجد في كل أمّة أناس يعادون القيم الدينية والإنسانية والحضارية، لسوء في طباعهم، وانحراف في سلوكهم، وتأثّرا بأهوائهم وشهواتهم، ومن هؤلاء نفر من المشركين المكيّين كانوا يستهزئون بالقرآن المجيد، ويناصرون الأوثان والأصنام، وذلك منتهى التّردي في الإنسانية وإهدار الكرامة وإهمال العقل، ومثل هؤلاء لا يفيدهم نقاش ولا جدال، وأفضل شيء معهم هو التّرفع والإعراض عنهم، وإهمالهم وتركهم سادرين في ضلالهم، انتظارا لعذاب الله الذي يوقعه بهم في الدنيا والآخرة.
стр. 563
قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأنعام: ٦/ ٦٨- ٧٠] .
ذكر الطبري عن السّدّي سبب نزول هذه الآيات، فقال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين، وقعوا في النّبي ﷺ والقرآن، فسبّوه واستهزءوا به، فأمرهم الله ألا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. والخائضون في آيات الله: هم المكذّبون بها.
هذه الآيات أمر بترك هؤلاء العابثين وتهديد ووعيد لهم، فإذا رأيت أيها النّبي وكل مؤمن الذين يخوضون في آيات القرآن بالتكذيب والاستهزاء، فأعرض عنهم ولا تجالسهم، حتى ينتقلوا إلى التّحدث بحديث آخر، فإذا فعلوا فلا مانع من مجالستهم والتّحدث إليهم. وإن أنساك الشيطان قبح مجالسهم والمنع منها أو النّهي عنها، فجلست مع الخائضين ناسيا، فلا تقعد بعد التّذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء.
وليس نهيكم أيها المؤمنون المتّقون عن القعود، وأمركم بالإعراض عن الخائضين، لأن عليكم شيئا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم وموعظة، لعلهم يتّقون الخوض في آيات الله، ويذكرون الله وعظمته وجلاله.
стр. 564
ثم أكّد الله تعالى ترك المستهزئين بآيات القرآن بقوله: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً.. أي اترك أيها الرسول والمؤمنون الذين اتّخذوا دينهم مجالا للعب واللهو، فإنهم يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها بأيديهم ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد، وهذا هو اللهو، وغرّتهم أي خدعتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذّات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلا عما كان يجب عليهم من فهمها وامتثالها، كما قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) [الحجر: ١٥/ ٣] .
وذكّر أيها الرسول الناس بالقرآن وعظهم به، لئلا تبسل نفس، أي تجازى وتسلّم إلى الهلاك وتتحمل سوء عملها الذي صدر منها في الدنيا، وذلك في حال لا قريب منها ولا شفيع لها ولا ناصر ينصرها، بل ولا ينفعها عدل أي فداء تفتدي به، فإن بذلت كل فداء، لم يقبل منها، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٢/ ١٢٣] .
وهذا إبطال لمبدأ وثني: وهو رجاء النّجاة في الآخرة، كما في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى، أو بشفاعة الشفعاء، ووساطة الوسطاء عند الله تعالى.
إن جزاء المستهزئين بآيات الله وهو العذاب في نار جهنم، كان بسبب سوء صنيعهم، فأولئك الذين أبسلوا بما كسبوا، أي أولئك المتّخذون دينهم لعبا ولهوا هم الذين جوزوا وعذّبوا بسبب عملهم في الدنيا، وجزاؤهم شراب من حميم، أي من ماء شديد الحرارة، يحرق البطون، ويقطع الأمعاء، ثم ينبت بدلها لتكرار العذاب، كما قال الله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ٤٧/ ١٥] . وقال سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) [النّساء: ٤/ ٥٦] .
стр. 565
محاربة الشّرك
إن من أهم أصول شريعة الإسلام وشرائع الأنبياء السابقين القضاء على الشّرك وتصفية معاقله وإنهاء وجوده وآثاره بين الناس لأن عقيدة الشّرك صفة بدائية غير حضارية، تسيء إلى الإنسان وتقديره، وتجعله يرتع في مخازي الخرافات والأباطيل، وتكون سببا لتدميره وتعذيبه عذابا شديدا في الدار الآخرة.
قال الله تعالى مبيّنا مخازي الشّرك وضلالات المشركين:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٧١- ٧٣] .
هذه حملة شديدة من الجدال والنقاش واللوم على الشّرك والمشركين، قال السّدّي مبيّنا سبب النزول: قال المشركون للمسلمين: اتّبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله : قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا.. الآيات.
والمعنى: قل أيها النّبي في احتجاجك على المشركين: أنطيع رأيكم في أن نعبد من دون الله ما لا قدرة له على نفعنا ولا على ضرّنا لأنها أصنام صماء جمادات لا حياة فيها ولا حركة، ثم نردّ على أعقابنا إلى إلى الشّرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله منه،
стр. 566
وهدانا للإسلام دين المجد والحضارة، والرّقي واحترام العقل والكرامة الإنسانية، فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، وذهبت بعقله، وأصبح حيران تائها، لا يدري كيف يسير؟ والحال أن له أصحابا مخلصين، على الجادّة المستقيمة، يدعونه إلى طريق الهدى، قائلين له: ائْتِنا أي بادر إلى اتّباع طريقتنا، فهي حقّ وخير ورشد.
وبعبارة أخرى: أيصلح أن يكون بعد الهدى أن نعبد الأصنام، فيكون ذلك منا ارتدادا على العقب، فيكون كرجل على طريق واضح، فاستهوته عنه الشياطين، فخرج عنه إلى دعوتهم، فيكون حائرا؟
ادع أيها الرسول أولئك المشركين لدين الحق، وقل لهم: إن هدى الله في قرآنه هو الهدى، وطريق الإسلام هو الحق، وهو الصراط المستقيم، لا ما تدعون إليه من أهوائكم، فليس ذلك بهدي، بل هو في نفسه كفر وضلال. وقل لهم: وأمرنا بأن نسلم لله ربّ العالمين، أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له، فأسلمنا.
وأمرنا أيضا بإقامة الصلاة: وهي الإتيان بها على الوجه الأكمل، الذي شرعت من أجله: وهو تزكية النفس بمناجاة الله، والنّهي أو المنع عن الفحشاء والمنكر.
وأمرنا كذلك بتقوى الله، أي اتّقاء ما يترتّب على مخالفة دين الله وشرعه، فنكون مأمورين بأمور ثلاثة: هي الإخلاص لله دون إشراك، وإقامة الصلاة وعبادة الله وحده دون غيره، والتقوى في جميع الأحوال سرّا وعلنا. والسبب في هذه الأوامر الثلاثة إعداد النفوس للمستقبل، والخلود الأبدي في الآخرة، لأن الله يحاسبنا، وهو الذي إليه تحشرون، أي تجمعون يوم القيامة، فيحاسب الخلائق على أعمالهم، ويجازيهم عليها.
والله الذي نعبده هو خالق السماوات والأرض ومالكهما ومدبرهما بالحق
стр. 567
والعدل والحكمة، والخلق معناه: الابتداع والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعنى الخلق بالحق: أنه لم يخلق السماوات والأرض باطلا من غير معنى، بل لمعان مفيدة ولحقائق بيّنة، منها الاستدلال بها على وجود الصانع الخالق ونزول الأرزاق وغير ذلك.
واذكر أيها الرسول الخلق والإعادة يوم يقول الله للشيء يوم القيامة: كُنْ فَيَكُونُ ويوم ينفخ في الصور، فيصعق كل من في السماوات والأرض، ويهلك كل مخلوق حتى الملك الذي نفخ فيه. وقول الله هو الحق، أي قضاؤه هو الحق، والله سبحانه صاحب الملك، المطلق في الدنيا والآخرة. ومن صفات الله تعالى أنه عالم الغيب والشهادة، أي ما غاب عنّا، وعالم المحسوسات الذي نراه، وهو سبحانه الحكيم في خلقه، فلا يفعل ولا يشرع لعباده إلا ما فيه الخير والحكمة والمصلحة، وهو الخبير بأحوالهم، المطّلع على سرائرهم ونيّاتهم وضمائرهم. وإذا كان الله هو المتّصف بهذه الصفات، فهو الأحقّ بالعبادة، فلا يصحّ لعاقل أن يدعو أو يعبد غير الله تعالى، لذا قال سبحانه: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجنّ: ٧٢/ ١٨] ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام: ٦/ ٤١] .
مجادلة إبراهيم الخليل لأبيه
لقد تحمّل الأنبياء والرّسل عليهم الصلاة والسّلام عناء كبيرا وجهدا عظيما من أجل ترك الناس عبادة الأصنام والأوثان من قديم الزمان، وكان لسيّدنا إبراهيم الخليل ﵇ قدرة بارعة على جدال الوثنيين، ومنهم أبوه آزر، الذي تلطّف في مجادلته، وحاول إقناعه بكل الوسائل، فلم يستجب آزر لدعوة التوحيد، بل هدّد إبراهيم ﵇ بالقتل رجما بالحجارة إن لم يكف عن دعوته، قال الله تعالى:
стр. 568
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٩]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأنعام: ٦/ ٧٤- ٧٩] .
هذه الآيات للاحتجاج بها على مشركي العرب الذين يدّعون أنهم على ملّة أبيهم إبراهيم، من أجل إبطال الوثنية، والمعنى: اذكر أيها النّبي حين قال إبراهيم ﵇ لأبيه آزر: أتتخذ هذه الأصنام والأوثان الجمادات آلهة، تعبدها من دون الله، مع أن الله هو الذي خلقها وخلقك، فهو المستحق للعبادة دونها، إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام في ضلال واضح، أي تائهين حيارى جهلاء، وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنما من حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأيديكم، ثم تعبدونه وتقدّسونه؟! كما قال تعالى: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) [الصّافّات: ٣٧/ ٩٥- ٩٦] .
وكما هدينا إبراهيم إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر وعبادة الأصنام، أريناه مرة بعد أخرى ملكوت السماوات والأرض، أي عرفناه طريق إدراك أسرار الكون، ليستدلّ بذلك على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وسعة علمنا، وليكون ممن تيقن أن شيئا
стр. 569
من الأصنام والشمس والقمر والكواكب لا يصح أن تكون إلها، لأنها حادثة، فوراءها محدث أحدثها، وصانع أوجدها.
ثم أوضح الله تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السماوات والأرض، أي تبيان وجه الدلالة في خلقهما على وحدانية الله في ملكه وخلقه، فلما أظلم عليه الليل، رأى كوكبا عظيما متميّزا عن سائر الكواكب بإشراقه ولمعانه، وهو كوكب المشتري أو الزهرة، فقال موهما قومه في مقام المناظرة والحجاج: هذا ربّي، على سبيل الفرض، فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي لأن للإله السيطرة على الكون، فكيف يغيب الإله ويستتر؟
ثم انتقل إبراهيم من إبطال ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر الأكثر إضاءة، فلما رأى القمر بازغا طالعا عم ضوءه الأرض، قال: هذا ربّي، فلما غاب كما غاب الكوكب في الليلة الماضية، قال إبراهيم مسمعا قومه: ما هذا أيضا بإله، ولئن لم يهدني ربّي ويوفّقني لإصابة الحق في توحيده، لأكونن من القوم الضّالين المخطئين الطريق، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله.
ولما رأى إبراهيم الشمس بازغة طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا، قال إبراهيم: هذا هو الآن ربّي، هذا أكبر من الكواكب والقمر قدرا، وأعظم ضوءا ونورا، فلما غابت الشمس كما غاب غيرها، صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك قومه، قائلا: إني توجّهت في عبادتي لخالق الأرض والسماء، وخالق هذه الكواكب، إني بريء مما تشركون، باتخاذ إله آخر مع الله، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبّرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء. ومثّل إبراهيم لقومه بهذه الأمور لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في الأفلاك.
قال إبراهيم: إني أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني للذي أبدع السماوات
стр. 570
والأرض، حنيفا أي مستقيما، ولست أنا من المشركين مع الله إلها آخر، كما قال تعالى: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ [الممتحنة: ٦٠/ ٤] .
لقد استطاع إبراهيم ﵇ هدم أساس الشّرك أولا، ثم إعلان عقيدته بتوحيد الله ثانيا، ليكون قومه على بيّنة من الأمر، قال تعالى: قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) [الأنبياء: ٢١/ ٥٦] .
الجدال بين إبراهيم وقومه
اشتدّ الصراع والنزاع بين إبراهيم الخليل ﵇ وبين قومه المشركين عبدة الأصنام، وانصبّ الجدل على ترك الشّرك والوثنية، والإقرار بوحدانية الله خالق الأشياء، وراجعوه في الحجة في توحيد الله، ولما أفحمهم في المناظرة وإيراد الأدلة العقلية القطعية، لم يجدوا أمامهم سوى التّمسك بتقليد الآباء، وخوّفوه بالبلايا لما طعن في ألوهية الأصنام، واستهجنوا جعل الآلهة إلها واحدا.
قال الله تعالى مبيّنا هذه المناظرة:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٠ الى ٨٣]
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
«١» «٢» «٣» »
الأنعام: ٦/ ٨٠- ٨٣] .
هذا لون من الجدل الحادّ في مبدأ التوحيد بين إبراهيم ﵇ وبين قومه،
стр. 571
فحينما أقام لهم الأدلة القاطعة على توحيد الله ووجوب عبادته وحده، حاجّوه ببيان شبهاتهم في الشّرك، فقالوا: إن تعدّد الآلهة لا ينافي الإيمان بالله لأن تلك الآلهة شفعاء عند الله، وتمسكوا بتقليد الآباء، فقال لهم: أتحاجّونّي وتجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا الله، وقد هداني إلى الحق، ولا أخاف ولا أرهب الآلهة التي تعبدونها ولا أبالي بها ولا أخاف ضرّا، إلا إذا شاء الله شيئا في أن يريدني بضرّ أو مكروه، فإنه يقع حتما، لأنه لا يضرّ ولا ينفع غير الله ، ولأن الله أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا تخفى عليه خافية، فلربما أنزل بي مكروها بسبب الدعوة إلى نبذ الأصنام وتحطيمها، أفلا تتذكرون هذا وما بيّنته لكم فتؤمنوا وتبطلوا عبادة هذه الآلهة المزعومة، وتنزجروا عن عبادتها، وفي هذا إظهار لموضع التقصير منهم.
وكيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، ولا تخافون إشراككم بالله خالقكم، ما لم ينزل به حجة بيّنة بوحي ولا نظر عقل، تثبت لكم جعله شريكا في الخلق والتدبير أو في الوساطة والشفاعة؟
فأي الفريقين: فريق الموحّدين وفريق المشركين أحقّ بالأمن من عذاب الله يوم القيامة، وأجدر بألا يخاف على نفسه في الدنيا. إن كنتم تعلمون، أي على علم وبصيرة بهذا الأمر، فأخبروني بذلك، وفي هذا دفع لهم إلى الاعتراف بالحق.
ثم أبان الله تعالى من هو أحقّ بالأمن والنّجاة والسّلام، فقال: الَّذِينَ آمَنُوا أي الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته، وأخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يخلطوا إيمانهم بمعصية توقعهم في الفسق، إنهم الآمنون من العذاب يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
ذكر ابن أبي حاتم عن بكر بن سوادة قال: حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلا، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال: أينفعني الإسلام بعد هذا؟ فقال رسول
стр. 572
الله ﷺ : نعم، فضرب فرسه، فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه، فقتل رجلا، ثم آخر، ثم آخر، ثم قتل، قال الراوي: فيرون أن هذه الآية نزلت فيه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ.. الآية.
وليس هناك ظلم أشد من الشرك بالله.
وتلك الحجة القوية التي احتج بها إبراهيم ﵇ على قومه، وهي إبطال عبادة الكواكب والشمس والقمر، آتيناها إبراهيم وأرشدناه إليها ووفقناه، لإقناع قومه بها، إننا نرفع درجات في الدنيا من نشاء من عبادنا، وهي درجة الإيمان، ودرجة العلم، ودرجة الحكمة والتوفيق، ودرجة النبوة، ما لم يحظ بها غيرهم، كما قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢/ ٢٥٣] . ونرفع درجات بعضهم أيضا في الآخرة بالجنة والثواب، إن ربك حكيم في قوله وفعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه، وبمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليهم الحجج والبراهين، كما وصفهم الله تعالى بقوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) [يونس: ١٠/ ٩٦- ٩٧] . والدرجات وإن كان الأصل استعمالها في المحسوسات فهي هنا في المراتب والمنازل المعنوية.
ورفع الدرجات لبعض الناس كالمخلصين الأتقياء يكون بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة، فإن أفعال الله منزهة عن العبث والباطل، والتفضيل ورفع المنازل إنما هو بفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقوله سبحانه في نهاية الآية حَكِيمٌ عَلِيمٌ صفتان تليق بهذا الموضع، إذ هو موضع مشيئة واختيار، فيحتاج ذلك إلى العلم والإحكام أو الإتقان.
стр. 573
خصائص رسالات الأنبياء ﵈
إن النّبوات قديمة في البشرية، وهي لخير الإنسان وإسعاده، وقد اتّصل أولهم بآخرهم في دعوة واحدة هي الدعوة إلى توحيد الله وترك الشّرك والوثنية، والأمر بمكارم الأخلاق، وتنظيم الحياة الإنسانية على نحو من المودّة والمحبّة والألفة والتعاون، وجمع الكلمة وتوحيد الصّف، والتّرفع عن الخلافات والمنازعات. وكان أغلب الأنبياء من ذرّيّة إبراهيم الخليل ﵇، لذا لقّب بأنه (أبو الأنبياء) ، وكان الفضل في الحفاظ على النوع الإنساني والحيواني لسيدنا نوح ﵇، فلقّب بأنه (أبو البشر الثاني) .
قال الله تعالى مبيّنا مهام مجموعة من الأنبياء:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٤ الى ٩٠]
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ٨٤- ٩٠] .
أكرم الله نبيّه إبراهيم ﵇، فوهب له ولدين صالحين إسحاق ويعقوب، وجعلهما من الأنبياء، وهداهما كما هدى إبراهيم أباهما بالنّبوة والحكمة والفطنة إلى الحجة الدامغة.
стр. 574
وإبراهيم من سلالة نوح، وكما هداه الله إلى الحق، هدى جدّه نوحا قبله، فآتاه النّبوة والحكمة، وهي من أعظم النّعم، فإبراهيم سليل نبي، وأولاده أنبياء، فجعل من ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، فهي ذرّية طيّبة، وشجرة مباركة الأصول والفروع. وهؤلاء جمعوا بين النّبوة والملك والحكم.
وأما لوط فهو ليس من ذرّية إبراهيم ﵇، بل هو ابن أخيه، ويمكن نسبته لإبراهيم على رأي من يرى الخال أبا، فدخل في ذرّية إبراهيم تغليبا.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وعد من الله لمن أحسن في عمله، وترغيب في الإحسان.
وهدى الله إلى النّبوة والحكمة جماعة آخرين من ذرّية إبراهيم وهم زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وكل منهم من الصالحين قولا وعملا، وهؤلاء جمعوا بين نعمة الدنيا والرّياسة، وبين هداية الدّين وإرشاد الناس.
وهدى الله أيضا من ذرّية إبراهيم إسماعيل ابنه الصّلبي الذّبيح، وجد المصطفى ﷺ ، واليسع وهو يوشع بن نون، ويونس بن متى، ولوطا، وكل واحد من هؤلاء فضّله الله على العالمين في عصره، فكل واحد أفضل من قومه.
ذكرت الآيات السابقة ثمانية عشر نبيّا، وجعلتهم متميزين بصفات معينة كما ذكرت.
ثم ذكر الله تعالى فضله على هؤلاء الأنبياء في أنه هدى بعض آبائهم وذرّياتهم وإخوانهم إلى الحق والخير، لا كلهم، واصطفاهم الله واختارهم وخصّصهم بمزايا كثيرة، وهداهم إلى الصراط المستقيم: وهو الدين الحقّ القويم.
ذلك الهدى هو هدى الله الخالص وتوفيقه دون هداية من عداه، والهداية نوعان:
هداية محضة لا تنال إلا من الله وهي النّبوة، وهداية تنال بالسّعي والكسب أو الاختيار مع التوفيق الإلهي لنيل المراد.
стр. 575
ولو أشرك هؤلاء المهتدون بربّهم، مع فضلهم وارتفاع درجاتهم، لبطل أجر عملهم كغيرهم في إحباط أعمالهم، أي تلفها وذهابها لسوء غلب عليها. وهذا غاية العدل وإحقاق الحقّ في محاربة الشّرك والمشركين.
أولئك المذكورون من الأنبياء السابقين، رسالتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وقد آتاهم الله الكتب السماوية وهي الصّحف والتوراة والإنجيل والزّبور، وأعطاهم الله الحكم أي الحكمة وهي الفطنة والفقه في دين الله والعلم النافع، ومنحهم ربّهم النّبوة: وهي إنزال الوحي عليهم لتبليغ أمر الله ودينه، فإن يكفر بالكتاب والحكم والنّبوة هؤلاء المشركون من أهل مكة، فقد وكّل الله برعايتها والإيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين، آمنوا بها وعملوا بأحكامها ودعوا الناس إليها.
أولئك الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين هم الذين هداهم الله، فاقتد بهم، أيها النّبي الرّسول واتّبع آثارهم في القول والفعل والسّيرة، وأمر الرسول باتّباع الأنبياء أمر لأمّته، وقل أيها النّبي لمن أرسلناك إليهم: لا أطلب على تبليغ القرآن أجرا من مال ولا غيره من المنافع الخاصة، وما هذا القرآن إلا تذكير وموعظة للعالمين من الإنس والجنّ، وإرشاد وهدى للمتّقين.
إثبات ظاهرة الوحي للأنبياء
ظاهرة الوحي للأنبياء والرّسل على ممرّ التاريخ حقيقة واضحة ملموسة، كان يشاهدها الأصحاب والأتباع أمام أعينهم، ويسهل التصديق بوجود الوحي على كل من عرف قدرة الله على إيجاد الأشياء وخلقها، فليس الوحي مجرد أوهام، أو تقمّصات روحانية، أو وساوس شيطانية لأن هذه الأحوال لا ثبات لها، ولا تنتج
стр. 576
شيئا ذا موضوع مهم، أما الوحي فذو حقيقة موضوعية لا يمكن إنكارها أو التّحكّم فيها، وإنما تحدث من قبل الله تعالى بوساطة جبريل ﵇، أو بغيره كالرؤيا الصادقة في النوم، وإتيان الملك بصورة بشر مألوف. قال الله تعالى مبيّنا هذه الظاهرة:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ٩١- ٩٢] .
ذكر ابن أبي حاتم وغيره عن سعيد بن جبير- في بيان سبب نزول هاتين الآيتين- قال: جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف، فخاصم النّبي ﷺ ، فقال له النّبي: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السّمين؟» وكان حبرا سمينا، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك، ولا على موسى، فأنزل الله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..
الآية.
الله سبحانه هو القادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والرّحيم بخلقه، فأرسل الرّسل، وأنزل الكتب، وأوحى إلى الأنبياء شرائعه لهداية الناس وإرشادهم، أما منكرو الوحي الذين يكفرون برسل الله من الوثنيين والملاحدة فما عرفوا الله حقّ معرفته، وما عظّموه حقّ تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم، وقالوا: ما أنزل الله كتابا من السّماء.
стр. 577
والرّد على هؤلاء المنكرين للوحي بأمر مشهور لهم، لم يكذّبه العرب قاطبة، وهو ما أمر الله به نبيّه محمدا أن يقول لهم: من أنزل كتاب التّوراة على موسى بن عمران؟
وأنتم تعترفون بالتوراة إذ قلتم:
لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [الأنعام:
٦/ ١٥٧] . والتوراة نور للمؤمنين، وهداية للمسترشدين، وأنتم يا بني إسرائيل تجعلون التوراة قراطيس، أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرّفون منها ما تحرّفون، وتبدّلون منها ما تبدّلون، وتقولون: هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل، وما هو من عند الله. وأنتم أيضا تخفون دلائل نبوة محمد ﷺ والبشارة به وبعض الأحكام التشريعية كحكم الزّنى، فيجدر بكم أيها المشركون ألا تثقوا بأقوال المعادين للنّبي ﷺ عداء شديدا بقصد إبطال رسالته.
ويا معشر العرب علّمتم من الهدايات والتوحيد والإرشاد إلى الحق ما لم تكونوا عالمين به ولا آباؤكم، وقد أصبح للعرب بالإسلام مجد وعزّة ودولة، بعد أن كانوا قبائل شتى، وفي جهالة عمياء.
ثم أمر الله تعالى نبيّه بالمبادرة إلى موضع الحجة والرّد الحاسم، فقل لهم: الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب على موسى، وأنزل علي هذا الكتاب وهو القرآن، ثم أمره ﵎ بترك من كفر وأعرض بقوله: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ أي ثم دعهم واتركهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم الموت الذي يطوي صحيفة هؤلاء المعاندين المكابرين. ومعنى الخوض: الذهاب فيما لا تعرف حقائقه.
ثم أبان الله تعالى أوصاف القرآن بأنه كتاب كثير البركة والخير، أنزله الله مؤيّدا لما تقدمه من الكتب، ومهيمنا عليها، يبشّر بالجنّة والثواب والمغفرة من أطاع الله، وينذر بالنار والعقاب من عصى الله، ويخوّف أهل مكة: أمّ القرى ومركز قطب الدائرة في العالم، ومن حولها من سائر الناس، من أحياء العرب ومن سائر طوائف
стр. 578
بني آدم، من عرب وعجم، كما قال الله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ٧/ ١٥٨] وقال سبحانه: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ٦/ ١٩] .
وكل من آمن بالآخرة والمعاد وقيام الساعة يؤمن ويصدّق بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن، هؤلاء المؤمنون هم الذين يحافظون على صلواتهم، أي يقيمون ما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها، ويسرعون إلى كل أمر آخر أمروا به.
جزاء المفترين على الله الكذب
إن هناك أنواعا من الظلم القبيح، ولكن أشدّ أنواع الظلم قبحا هو افتراء الكذب على الله، وادّعاء نزول الوحي، مثل فئة المتنبّئين الذين ادّعوا النّبوة كمسيلمة الكذّاب والأسود العنسي، فإنهم جماعة حمقى، اقتحموا مجالا يسهل كشف حقيقته، وزيف ادّعاءاته لأن الوحي لا يكون بسخف القول، وتفاهة الكلام الذي يأباه العقلاء، ويرفضه أبسط الناس وأدناهم تأمّلا وتفكّرا، لذا أنكر الله تعالى هذا الظلم الذي ارتكبوه، وفضح هذا المسلك الذي ادّعوه واختلقوا فيه الأكاذيب، فقال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
«١» «٢»
стр. 579
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٩٣- ٩٤] .
نزلت آية وَمَنْ أَظْلَمُ- فيما رواه الطبري عن عكرمة- في مسيلمة، وأما آية سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ فنزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنّبي ﷺ ، فيملي عليه: عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيكتب (غفور رحيم) ثم يقرأ عليه، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
وقال عكرمة في آية وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى قال النّضر بن الحارث: سوف تشفع إلي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى إلى قوله: شُرَكاءُ هذه الآيات لإثبات النّبوة، فيها وعيد من ادّعى النّبوة والرّسالة، على سبيل الكذب والافتراء، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النّبي ﷺ لأن نفي النّبوة عن مدّعيها إثبات لمن أعطيها حقّا. ولقد ادّعى النّبوة أناس أغرار حمقى، كمسيلمة الكذّاب في اليمامة، والأسود العنسي في صنعاء اليمن، وطليحة الأسدي في بني أسد، والمختار بن أبي عبيد وسواهم.
والمعنى: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شريكا أو ولدا، أو ادّعى النّبوة والرّسالة، ولم يرسله الله إلى الناس، أو قال: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، وهذا القول الأخير فيه كذبان: ادّعاء النّبوة ونفيها عن غيره، أو قال وهو النّضر بن الحارث سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وقال: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٨/ ٣١] ، وكان يقول في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وإنه شعر، لو نشاء لقلنا مثله.
стр. 580
وعاقبة هؤلاء المفترين: تعذيبهم عند قبض أرواحهم وفي الآخرة، فليتك تبصر أيها الرسول وكل مؤمن حين يكون الظالمون في سكرات الموت وشدائده، لرأيت أمرا عجبا عظيما لا سبيل إلى وصفه، حين تبسط الملائكة أيديهم إليهم، لقبض أرواحهم بالضرب والشّدّة والعنف، كما قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) [محمد: ٤٧/ ٢٧] .
وتقول الملائكة لهم توبيخا وتهكّما: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي إنكم اليوم تهانون أشد الهوان، كما كنتم تكذّبون على الله، وتستكبرون عن اتّباع آياته، والانقياد لرسله، فلا تؤمنون بالآيات والرّسل، وتفترون على الله غير الحق. وعذاب الهون: هو عذاب الهوان الشديد.
ثم يقال لهم بعد قبض أرواحهم يوم القيامة: ولقد أتيتمونا منفردين عن الأنداد والشركاء والشفعاء وانعدام النصراء، كالانفراد الأول في وقت الخلقة عند ولادتكم من بطون أمهاتكم، وتركتم وراء ظهوركم في الدنيا ما أعطيناكم من مال وولد وخدم وأثاث وقصور وغيرها من النعم والأموال التي جمعتموها، ولم تنتفعوا بها هنا، فهي لا تغني عنكم شيئا.
ليس معكم في القيامة ما زعمتم من الأصنام أنها شفعاؤكم عند الله وشركاء له، وفي هذا تبيان الخطأ الشديد في عبادة الأصنام وتعظيمها، لقد تقطّع بينكم، أي لقد تقطع يوم القيامة ووصلكم بينكم، وما كان من صلات وصداقات مزعومة، وغاب عنكم ما كنتم تفترونه من شفاعة الشفعاء، ونداء الأوثان والشركاء، ورجاء الأصنام، ويناديهم الرّب ﷻ على رؤوس الأشهاد: فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
стр. 581
[القصص: ٢٨/ ٦٢] ويقال لهم: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) [الشّعراء: ٢٦/ ٩٢- ٩٣] .
مظاهر القدرة الإلهية في الكون
تتوالى الآيات القرآنية تفضّلا من الله ورحمة في إيراد الأدلة القاطعة الحاسمة على إثبات وجود الإله الصانع الخالق، بما يشاهده الإنسان ويجاوره ويلمسه في هذا الكون العجيب من السماء والأرض، وتتلخص تلك الأدلة في لفت الأنظار إلى صاحب الخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والتقدير والتدبير لحركة الكواكب والنجوم، وتقلّب الليل والنهار، وإنبات الأشجار من كروم النّخيل والعنب والزيتون والرمان، وحمل الثمار اليانعة والفواكه الدانية، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٥ الى ٩٩]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الأنعام: ٦/ ٩٥- ٩٩] .
стр. 582
هذه الآيات الكريمات تنبيه على مواطن العبرة والنظر، وضرورة التّأمّل في آفاق الكون الزاخرة بالبراهين الحسية على وجود الله تعالى، فهي ترشدنا إلى حقيقة بالغة واضحة، وهي أن الله سبحانه لا هذه الأصنام وبقية المخلوقات، هو فالق الحبّ والنّوى أي البزر، يشقّها بقدرته في التراب، فتنفلق منها النّبتة الصغيرة ذات الجذر الضعيف والوريقة الدقيقة، ويبين بعضها عن بعض، فيخرج منها- أي (من تلك النّوى) - الزرع على اختلاف أصنافه من الحبوب، والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ويظهر النبات الحيّ المتحرّك من الحبّ والنّوى الذي هو جماد كالميت، ويوجد الحبّ والنّوى الميت من النبات الحيّ، والنطفة والبيضة من الحيوان، والإفرازات مثل اللبن من الحيوان الحيّ، ويتحقق النمو والتكاثر بين الحي والميت، والميت والحي، وهذا في المادّيات، وكذلك في المعنويات يخرج الله المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ذلكم الفاعل هذا هو الله المتّصف بكمال القدرة، وبالغ الحكمة، المحيي والمميت، والموجد والمعدم، فكيف تصرفون أيها البشر عن إدراك الحق، وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره، وتشركون به شريكا آخر عاجزا، لا يقدر على شيء من ذلك.
وتأمّل أيها الإنسان أيضا، فإن الله هو فالق الإصباح الذي يشقّ فجر النّور من أوساط الظلام، فهو خالق الضياء والظلام، وهو سبحانه الموجد سكون الليل وهدوءه، المبدع نظام الشمس والقمر طريقا للحساب ومعرفة عدد الشهور والسنوات، وكلاهما يجري بحساب دقيق لا يتقدم ولا يتأخر، ذلك الإبداع الشامل حاصل بتقدير الله القوي القاهر الذي لا يمانع ولا يغالب، العليم بكل شيء، فلا يغيب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
والله سبحانه هو الذي أوجد النجوم والكواكب الأخرى غير الشمس والقمر،
стр. 583
للاهتداء بها في الأسفار وفي ظلمات الليل والماء في البر والبحر، قد بيّن الله لكم الآيات القرآنية والآيات الكونية لأهل العلم والنظر الذين يدركون سرّ عظمة هذه الآيات، ويستدلون بها على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه.
وبعد بيان آيات الله في الأرض والسماء، ذكر الله تعالى آياته في الأنفس، فهو سبحانه الذي خلقكم جميعا أيها الناس في الأصل من نفس واحدة هي آدم ﵇، وهو الإنسان الأول الذي تناسل منه سائر البشر بالتّوالد والتّزاوج عن طريق الاستقرار في الأرحام والاستيداع في الأصلاب، قد أبان الله العلامات الدّالة على قدرته وإرادته، وعلمه وحكمته لقوم يفهمون ما يتلى عليهم.
والله هو الذي أنزل بقدرته وتصريفه من السحاب ماء بقدر، مباركا ورزقا للعباد، فأخرج بالمطر أصناف النبات المختلف الشكل والخواص والآثار، وأخرج به زرعا وشجرا أخضر، وجعل من النبات حبّا متراكما بعضه على بعض كالسّنابل ونحوها، وجعل من طلع النّخل عناقيد قريبة التّناول، وأخرج من الخضر بساتين من العنب والزيتون والرّمان، متشابها في الورق والشكل، قريبا بعضه من بعض، ومتخالفا في الثمار شكلا وطعما وطبعا، حلوا وحامضا، انظروا وتأمّلوا إلى الثمار إذا أثمرت وإلى نضجها كيف صارت وأينعت، إن في ذلك لعلامات لقوم يصدقون بالله ويتّبعون رسله، وذلك هو الإيمان المطلوب، وتلك براهينه الدّالة عليه.
بعض المزاعم الباطلة بنسبة الجنّ والولد والصّاحبة لله تعالى
ليس هناك شيء أشدّ افتراء وكذبا على الله من نسبة الشركاء لله، من الجنّ والولد واتّخاذ الصّاحبة، فالله أسمى وأعلى وأغنى من كل ذلك، فلا حاجة له إلى الأعوان،
стр. 584
سواء من عالم الجنّ أو من عالم الإنس، وسواء من الذكور والإناث، لأن الألوهية والرّبوبية فوق هذه الأوضاع التي يحتاج إليها البشر، ويستغني عنها الخالق القادر، العلي القاهر، ومثل هذه المزاعم والافتراءات الباطلة ما هي إلا لون من سخف المشركين، وسطحية الوثنيين، وضلال الكافرين. قال الله تعالى مبيّنا هذا اللون من التفكير الديني الوثني:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٣]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ١٠٠- ١٠٣] .
هذه الآيات تشير إلى العادلين بالله ، والقائلين: إنّ الجنّ تعلم الغيب، وتتصرّف في الأشياء، وتعبد الجنّ، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجنّ الأودية في أسفارها. وهناك طائفة من الكتابيّين نسبوا إلى الله الابن كعزير والمسيح، وطائفة أخرى من العرب وصفوا الملائكة بأنهم بنات الله.
والآيات ردّ على فئات المشركين المختلفة الذين عبدوا مع الله غيره، عبدوا الجنّ حين صيّروا لله شركاء له في العبادة، ولم تكن عبادتهم الأصنام إلا بطاعة الجنّ وأمرهم إياهم بذلك، إنهم جعلوا الجنّ من الملائكة أو الشياطين شركاء لله، مع أن الله هو الذي خلق المشركين وغيرهم، فكيف يكون المخلوقون شركاء لله؟! إنهم اختلقوا أكاذيب، وأباطيل، بجعل البنين والبنات لله جهلا بغير علم، تنزه الله
стр. 585
وتعاظم وتقدّس عما يصفه هؤلاء الجهلة الضّالّون من الأولاد والأنداد والشركاء لأنه الخالق المدبّر لها، وليس كمثله شيء. والله مبدع السماوات والأرض وخالقهما ومنشئهما على غير مثال سبق، وكيف يكون له ولد، والحال أنه لم تكن له صاحبة، والولد إنما يكون متولّدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، وهو مبدع الكائنات في السماء والأرض، وهو المتسبب في إيجاد الذّرّية من طريق التّوالد والتّناسل ونفخ الرّوح في الأجنّة في بطون الأمهات.
لقد خلق الله الكون، وأوجد كل شيء من العدم، فليس الله بوالد ولا مولود، كما تزعمون، فما اخترعتم له من الولد، فهو مخلوق له لا مولود منه، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له. والله محيط علمه بكل شيء، وعلمه ذاتي له، لم يعلّمه أحد، ولا يعلم أحد مثل علمه، فلو كان له ولد، لكان هو أعلم به، وأرشد إليه، فتكون نسبة الولد لله كذبا وافتراء بلا دليل عقلي ولا وحي ثابت.
وإذ ثبت أن الله لا ولد له، فذلكم الإله الحق هو الله ربّكم، الذي لا إله إلا هو، والذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة، فما عليكم إلا أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتقرّوا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وهو الوكيل على كل شيء، الحافظ المتصرّف في الأشياء، المدبّر لها، فلا يصح أن تعبدوا غير الله، وعليكم أن تعبدوا الله المتّصف بصفات العظمة والقدرة والإرادة، والتّصرف المطلق في الأشياء، والمستقلّ بإبداع الأشياء وإيجادها.
ثم إن الله سبحانه غير محصور في مكان، ولا محدد في موضع معين، لا تستطيع الأبصار إدراكه والإحاطة الكلية به، ولا يتمكّن أحد من رؤيته في الدنيا، وإنما هو
стр. 586
الذي يرى العيون الباصرة رؤية إدراك وإحاطة وشمول، وهو الرفيق بعباده، الخبير بهم، المطّلع على جميع أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه. أما في عالم الآخرة فإن المؤمنين الصالحين أهل الجنة يرون ربّهم رؤية لا تحيط به ولا تحدّده أو تحصره في مكان معين، كما قال الله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة: ٧٥/ ٢٢- ٢٣] . ويؤيّد ذلك ما
جاء في الصّحيحين أنه ﷺ قال: «إنكم سترون ربّكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب»
فالمؤمنون يرون ربّهم، ويحرم الكافرون من تلك الرّؤية.
أهداف الوحي
الهدف الواضح الجلي من ظاهرة الوحي على الأنبياء والرّسل: هو إرشاد الناس وتبصيرهم بالحق، وإعانتهم على إدراكه، وتجنّب طرائق الضّلال والزّيغ والانحراف، وهذا كله حبّ للإنسان ومصلحته، ورعاية له وأخذ بيده إلى السّعادة الحقّة، لذا كان عقلاء الناس هم المتّبعين للوحي الإلهي، المستفيدين منه في توجّهات الحياة، فهم أدركوا الحق فاتّبعوه، وعرفوا الباطل بالإرشاد الإلهي فاجتنبوه، قال الله تعالى مبيّنا مبصّرات الوحي:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧]
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ١٠٤- ١٠٧] .
стр. 587
هذه الآيات الكريمات تبين خواص الوحي الإلهي وطبيعة الرسالة النّبوية وما تستلزمه من ضرورة التّبليغ وإعلام الناس. وفحوى الآيات: قد جاءكم أيها الناس في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق والمعينة عليه، وهي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول من البراهين العقلية والنقلية التي تثبت لكم العقيدة الحقّة، وتبيّن منهاج الحياة الأقوم، وقوام النظام الأمثل، وأصول الأخلاق والآداب.
فمن أبصر الحق فآمن فلنفسه، ومن عمي عن الحق وضلّ وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى، كما قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [يونس: ١٠/ ١٠٨] . إن وبال العمى عن الحق يعود على صاحبه، ولست أنا نبي الله عليكم بحافظ ولا رقيب، بل إنما أنا مبلّغ ومنذر، والله يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء بحسب ما يعلم من ميول الإنسان.
وكما فصّلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد وإثبات وجود الله الخالق المبدع، هكذا نوضح جميع الآيات ونرددها ونفسّرها في كل موطن، بسبب جهالة الجاهلين، وليؤول الأمر بأن يقول المشركون والكافرون المكذّبون: درست هذا وقرأته على غيرك، وليس ذلك وحيا من الله، كما جاء في آية أخرى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النّحل: ١٦/ ١٠٣] .
وإنزالنا الوحي لنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتّبعونه، والباطل فيجتنبونه، أي إن البيان إنما يفيد أهل العلم المدركين، الذين يستخدمون بصائرهم في مدلولات القرآن.
أما الجاهلون الذين لم يفهموا آيات القرآن، فلا ينتفعون به.
وإذا كان الوحي لخير الإنسان وإرشاده، فعليك أيها النّبي وأمتك اتّباع ما يوحى
стр. 588
به إليك من ربّك الذي لا إله إلا هو، واعف عن المشركين وأعرض عنهم واصفح، حتى يفتح الله عليك وينصرك عليهم، واعلم أنه إلى الله المرجع والمآب.
ثم أبان الله حقيقة أبدية ثابتة، وهي أن كل شيء في هذا الكون إنما يحدث بإرادة الله ومشيئته، ولا يقع شيء في ملكوت الله جبرا عنه، فلو شاء الله ما أشرك المشركون، بل لله المشيئة المطلقة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، له الحكمة في ظهور الضّلال والشّرك، ولو شاء لهدى الناس جميعا، بأن يخلقهم مستعدين للإيمان، لكنه خلقهم مستعدين للكفر، وترك لهم حرية الاختيار في أعمالهم. ولا يصحّ للمشركين أن يزعموا أن إشراكهم وغيره وقف على مشيئة الله ، فهم لا يعرفون مشيئة الله، وعليهم أن يعملوا بما أمرهم الله به من التوحيد والعبادة الخالصة لله، فإن قصروا في هذا، كانوا محاسبين مسئولين عنه.
وهناك حقيقة أخرى تتعلق بالنّبي وهي أنه لا سلطان له على قهر أحد من الناس وجبره على الدخول في الإسلام، فما جعلناك أيها النّبي حافظا تحفظ أقوال الناس وأعمالهم، وما أنت بموكل على أرزاقهم وأمورهم والتصرف في قضاياهم، ولست عليهم بمسيطر، وليس لك صفة الملوك القاهرين، بل أنت بشير ونذير، والله يجازيهم ويحاسبهم.
المنع من سبّ الأصنام والأوثان
إن توجيه القرآن العظيم في غاية الإحكام والإتقان، والنظر إلى آفاق المستقبل نظرة فاحصة عميقة بعيدة عن التّعصب، تقدر النتائج بالتقدير السليم البعيد عن مضاعفة المشكلات، وتسدّ كل الذرائع والوسائل المؤدّية إلى الضلالات واتّباع الأهواء والشهوات. والمثل الرائع لهذا: هو النّهي عن سبّ الأصنام والأوثان والمنع منه،
стр. 589
وإن كان سبّها حقّا متقرّرا موافقا للواقع، لكن إذا كان السّب ذريعة محرّضة إلى سبّ الإله الحق، كان البعد عن المتسبّب لذلك هو الواجب شرعا وعقلا وسياسة ووعيا.
قال الله تعالى مبيّنا هذه الحقيقة:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٨ الى ١١٠]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
«١» »
«٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ١٠٨- ١١٠] .
قال قتادة مبيّنا سبب نزول هذه الآية: وَلا تَسُبُّوا..: كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار، فيسبّوا- أي الكفار- الله، فأنزل الله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وبعبارة أخرى: قال كفار قريش لأبي طالب: إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سبّ آلهتنا والغضّ منها، وإما أن نسبّ إله ونهجوه، فنزلت الآية.
الآية خطاب للمؤمنين وللنّبي ﷺ ، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فمتى كان الكافر في منعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النّبي ﷺ ، أو الله ، فلا يحلّ للمسلم أن يسبّ دينهم ولا صلبناهم ولا يتعرّض إلى ما يؤدي إلى ذلك ونحوه.
ينهاكم الله تعالى أيها المؤمنون عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كما قال ابن عباس.
والمعنى: لا تسبّوا أيها المسلمون آلهة المشركين التي يدعونها دون الله لأنه ربما ينشأ عن ذلك سبّهم الله ظلما وعدوانا، لإغاظة المؤمنين، جهلا منهم
стр. 590
بقدرة الله تعالى وعظمته. وهكذا كل طاعة أو مصلحة أدّت إلى معصية أو منكر أو مفسدة تترك. وكما زيّن الله للمشركين حبّ الأصنام والانتصار لها، زيّن لكل أمة من الأمم سوء عملهم من الكفر والضلال، فتلك سنة الله في خلقه، يستحسنون العادات والتقاليد القبيحة عن تقليد وجهل، أو عن معرفة وعناد، والله يتركهم وشأنهم. وهذا التّزيين للمنكر والضّلال أثر لاختيارهم دون جبر ولا إكراه، لا أن الله خلق في قلوبهم تزيينا للكفر والشّر، كما زيّن الله في قلوب الآخرين الإيمان والخير. ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وهذا يتضمن وعدا جميلا للمحسنين، ووعيدا ثقيلا للمسيئين.
ثم أوضح الله تناقض المشركين في أقوالهم وخيانتهم في أفعالهم، فإنهم حلفوا أيمانا مؤكّدة بالله: لئن جاءتهم آية، أي معجزة مادّية محسوسة، وخارقة للعادة من الآيات الكونية التي يقترحونها، ليصدقن بها أنها من عند الله، وأنك رسول الله، غير أنهم قوم معاندون، فإذا جاءتهم الآيات أو المعجزات لم يؤمنوا بشيء منها. وردّ الله عليهم.
قل يا محمد لهؤلاء الطالبين آيات تعنّتا وعنادا وكفرا: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، وهو القادر عليها، إن شاء أتى بها، وإن شاء ترككم فلا ينزلها إلا على موجب الحكمة. وما يدريكم إيمانهم إذا جاءتهم الآيات، فهو لا يؤمنون بها، لسبق علم الله أنهم لن يؤمنوا.
وما يدريكم أننا- نحن الله- نحوّل قلوبهم عن إدراك الحق، والإيمان، ونصرف أبصارهم عن إبصار الحق، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره، لتمام إعراضهم عن إدراك الحقائق، وما يشعركم أيضا أننا نذرهم ونخلّيهم وشأنهم
стр. 591
في طغيانهم وتجاوزهم الحق يتردّدون متحيّرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات، فلم يصلوا إلى الحقيقة.
تعنّت المشركين
لقد اشتدّ المشركون كفّار قريش في عداوتهم للنّبي ﷺ بسبب الحفاظ على مراكز الزعامة والسيادة، والاستكبار، الذي جعلهم في أشد حالات العناد والتّصلب واتّخاذ موقف المعارضة العنيفة التي لا ترتكز على أساس من الحجة، ولا تحترم كلمة العقل والفكر والنّقاش القائم على الحق والعدل، ومن هنا ظهر اليأس من إيمانهم، وعزّ الأمل في إسلامهم، قال الله سبحانه موضّحا هذا الموقف الصعب منهم:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١١ الى ١١٣]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأنعام: ٦/ ١١١- ١١٣] .
روي عن ابن عباس في بيان سبب نزول الآيات: أن رسول الله ﷺ أتى جماعة من كفار مكة وزعمائها، فقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحقّ ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، فنزلت الآية.
стр. 592
أخبر الله في هذه الآية الأولى: أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال الملائكة، وإحياء سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي بن كلاب وغيره، فيخبر بصدق محمد، أو يجمع كل شيء يعقل أن يحشر عليهم، ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه الله، ويخترعه في نفس من شاء.
لو أننا نزّلنا إليهم الملائكة، فرأوهم بأعينهم مرة بعد أخرى، وسمعوا شهادتهم لك بالرسالة، ولو كلمهم الموتى إذ أحييناهم، وأخبروهم بصدق ما جاء به النّبي محمد ﷺ كما طلبوا، وجمعنا كل شيء من الآيات والدلائل معاينة ومواجهة، فيخبرونهم بصدق النّبي، لو حدث كل هذا، ما كان شأن هؤلاء القرشيين المكّيين أن يؤمنوا، وليس عندهم الاستعداد أن يصدّقوا لأنهم لا ينظرون في الآيات نظر تأمّل وهداية وعظة، وإنما ينظرون إليها نظر معاداة واستهزاء، إنهم لا يؤمنون إلا بمشيئة الله، على سبيل الاختيار، وليس الإيمان الاضطراري، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن الإيمان إليهم والكفر بأيديهم، متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا كفروا، وليس ذلك كما يظنّون، لا يؤمن أحد منهم إلا من هديته ووفقته للإيمان، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرّشد فأضللته.
ومن أجل التّخفيف من الله على نبيّه ومواساته، أبان سبحانه أن سنّته في الخلق أن يكون للأنبياء عدوّ من الجنّ والإنس، لا ينفرد به نبيّنا، وإنما كان هذا أمرا عامّا امتحن به غيره من الأنبياء، ليبتلي الله أولي العزم منهم. وأعداء الأنبياء يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيّن المزخرف الذي يخدع بعض السامعين، ويموّه عليهم الحقائق، ويغريهم بالمعاصي والأباطيل، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أي إن ذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبيّ عدوّ من الشياطين.
فدعهم أيها الرّسول النّبي وما يفترون أي يكذّبون، واتركهم يخوضون في إفكهم
стр. 593
وكذبهم، ليغروا غيرهم بالفساد، ولتصغى إليه قلوب الكفار والفسّاق، فإنها تميل إلى الشّر والسّوء، وإنهم لا يؤمنون بالآخرة وليرضوا لأنفسهم هذا الموقف الخاسر، وليترتب على ذلك أن يكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام بغرورهم به ورضاهم عنه. إن إغراءات هؤلاء المتمرّدين تؤثر في المضلّلين، وتوهمهم أنهم على شيء، والأمر بخلاف ذلك. أما المؤمنون الواعون الذين ينظرون في عواقب الأمور، فلا ينخدعون بأباطيل الأقوال، ولا تغرنّهم الزخارف. وبه يتبيّن أن الكفار يؤثر بعضهم في بعض، ويحمل بعضهم بعضا على الإثم والعصيان، على عكس أهل الإيمان الذين ينظرون ويتأملون ولا ينجرفون بأضاليل الأقوال وسوء الأفعال.
القرآن برهان النّبوة
من حقّ الناس أن يطلبوا برهانا على صدق الأنبياء، من غير عناد ولا تعنّت، غير أن البرهان أو الدليل المؤيّد للنّبوة والرسالة، ليس كما يطلب الناس من إنزال برهان حسّي أو علامة مادّية، فإن الله تعالى جلّت حكمته يعلم علما تامّا ما يناسب، فينزل من الآيات والمعجزات التي يظهرها على يد نبي أو رسول ما يكون موافقا للحكمة وكافيا في إثبات النّبوة والرّسالة.
والدليل الدّال على صدق نبوة محمد ﷺ حصل من وجهين: الأول- أنه أنزل إليه القرآن الكريم مبيّنا مختلف الشرائع والأحكام بأسلوب بياني معجز وببلاغة وفصاحة عالية تدلّ على إعجازه وكونه من كلام الله.
الثاني- اشتمال التوراة والإنجيل في صورتهما الأصلية على الآيات الدّالة على أن محمدا رسول حق، وأن القرآن كتاب الله الحق القاطع. قال الله تعالى مبيّنا الاكتفاء بالقرآن دليلا:
стр. 594
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ١١٤- ١١٥] .
يأمر الله نبيّه أن يقول للمشركين: ليس لي أن أطلب قاضيا بيني وبينكم، لأنه لا حكم أعدل من حكم الله، ولا أصدق من قوله، فلا فائدة من طلبكم دليلا مادّيا على صدق نبوّتي، فهناك دليلان واضحان يؤيّدان رسالتي، وهما الآية الكبرى وهي القرآن المعجز الدّال بإعجازه على أنه كلام الله، واشتمال التوراة والإنجيل على ما يدل على أني رسول الله حقّا، وأن القرآن كتاب حقّ من عند الله تعالى.
وإن أنكر المشركون أحقّيّة القرآن وكذّبوا به، فإن اليهود والنّصارى أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من ربّك بالحق، بما ورد لديهم من البشارات بنبوّة خاتم الأنبياء، كما أبان الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) [البقرة: ٢/ ١٤٦] .
فلا تكونن يا محمد من المتردّدين الشّاكّين، وهذا تعريض بمن يتردّد أو يشكّ، كما في آية أخرى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) [يونس: ١٠/ ٩٤] . فالواقع أن النّبي لم يشكّ وإنما
قال: «لا أشكّ ولا أسأل» .
وتم كلام الله وهو القرآن، فلا يحتاج إلى إضافة شيء فيه، وأصبح كافيا وافيا بإعجازه وشموله، ودلالته على الصدق، فهو صادق فيما يقول، عدل فيما يحكم، صدقا في الإخبار عن الغيب، وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فهو حق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فهو
стр. 595
باطل أو شرّ، فإنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن مفسدة وشرّ، كما قال الله تعالى عن نبيّه في الكتب السابقة: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: ٧/ ١٥٧] .
وكل ما ورد في القرآن من أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص وخبر، لا تغيير فيه، ولا تبديل لكلمات الله: وهي كل ما نزّل على عباده، وهو السّميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
وقوله تعالى: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ معناه: لا تغيير في معاني الوحي المنزل، بأن يبيّن أحد أن خبره بخلاف ما أخبر به، أو يبيّن أن أمره لا ينفذ. ومن أمثلة ذلك: أن الله منع المنافقين من الخروج إلى الجهاد بعد تخلّفهم عن غزوة تبوك، ولم يبح لهم الخروج «١» ، فقال المنافقون بعد ذلك للنّبي ﷺ وللمؤمنين: ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ [الفتح:
٤٨/ ١٥] ، فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح: ٤٨/ ١٥] . واستقرّ التشريع على منعهم من الخروج كما قال تعالى: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [التّوبة: ٩/ ٨٣] .
المنع من اتّباع ضلالات المشركين ومن أكل ذبائحهم
لا تلاقي بحال من الأحوال بين شرع الله المحكم والأعدل وبين أنظمة الجاهليين المشركين، فإن الله تعالى أراد الحق والخير لعباده، وحذّر من كل معالم الضّلال والشّرك، لذا أبان سبحانه الحلال والحرام، ومنع من أكل ذبائح المشركين التي لا يذكر اسم الله عليها، فإن تلك الذّبائح فسق أي معصية وخروج عن دائرة
стр. 596
الدين، ونهى الله ﷻ عن مختلف أنواع الإثم، أي القبيح الذي حرّمه الله، في الظاهر والباطن، خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من اقتراف ألوان المحارم والمنكرات، وكل ذلك من أجل إقامة معالم المجتمع الفاضل، وتصفية كل أشكال المجتمع المتخلّف.
قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٦ الى ١٢١]
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنعام: ٦/ ١١٦- ١٢١] .
نزلت آية: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كما
قال ابن عباس: أتى ناس النّبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله هذه الآية: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى قوله سبحانه: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ نزل حينما قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشّاة إذا ماتت، من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا:
فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 597
والمعنى: فامض يا محمد لما أمرت به، وأنفذ رسالتك وأبلغ دعوتك، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض من الكفار والمشركين في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك، يضلّوك عن دين الله ومنهجه وسبيله، سبيل الحق والعدل والاستقامة، لأنهم لا يتّبعون إلا الأهواء والظّنون الباطلة أو الكاذبة، ولا يحترمون الموازين الفكرية والأدلّة العقلية، وما هم إلا يحزرون ويخمّنون تخمينا عاريا عن الصحة والحقيقة، كخارص (مخمن) ثمر النّخل والعنب وغيرهما، فاعتقادهم قائم على الحدس والتّخمين، لا على البرهان والدليل.
وإن ربّك عليم بالضّالّين عن سبيله القويم، وعليم أيضا بالمهتدين السالكين سبيل الاستقامة، وليس كما يزعم المشركون.
ثم أمر الله تعالى بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وأن يكون الأكل مقصورا على ذلك، إن كنتم أيها المسلمون مؤمنين بآيات الله، والحذر كل الحذر مما ذبح للأصنام والأوثان ولغير الله.
وأي شيء لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وترك الأكل مما ذبح للأصنام، فليس هناك شيء يمنعكم من هذه المآكل، والحال أن الله قد بيّن لكم المحرّم عليكم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح لغير الله كالأصنام والأنبياء والأولياء والزعماء، لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرّم عليكم، فإنه يباح لكم ما وجدتم حال الضرورة. وإن كثيرا من الكفّار ليضلّون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، والله أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم، وسيجازيهم على هذا الاعتداء والتجاوز، لا محالة.
ثم أمر الله تعالى بترك جميع الآثام والمعاصي المعلنة والسّرية، سواء ما صدر عن الأعضاء كالسّرقة والغصب، أو كان من أفعال القلوب كالحقد والحسد، إن الذين
стр. 598
يقترفون المعاصي الظاهرة أو الخفية، سيجازيهم الله على عصيانهم إذا ماتوا ولم يتوبوا.
وتأكيدا للأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل البهيمة التي ماتت ولم يذكر اسم الله عليها، والمذبوح لغير الله، وهو ما كان المشركون يذبحونه لأصنامهم، وهذا المذبوح فسق ومعصية. وإن شياطين الإنس والجنّ ليوسوسون إلى أعوانهم من المشركين، ليجادلوا المؤمنين، فإن وافقهم أحد من المؤمنين على ضلالهم، فهو مثل المشركين لأنهم عدلوا عن أمر الله وشرعه إلى قول غيره، وهذا هو الشّرك، عافانا الله من جميع حالاته، وجعل أعمالنا خالصة لوجه الله الكريم.
مثل المهتدي والضّالّ
الناس في عهد النّبوة وفي كل عهد صنفان إما مؤمن مهتد، وإما كافر ضالّ، والله يحبّ المؤمنين ويحبّ لهم الخير والسعادة، ويبغض الكافرين وما يؤول إليه أمرهم من دمار وشرّ وخسران مبين، لذا تعددت الآيات القرآنية المرغبة في الإيمان، والمنفّرة من الكفر والضّلال إما من طريق التّشبيه بصورة حسّية مرئية، وإما بتقرير العذاب الشديد في الدنيا والآخرة أو وصف النعيم، وإما بالتهديد والإنذار والتوبيخ أو التبشير والرّضا والظفر بفضل الله ورحمته وإحسانه وإنعامه.
من هذه الآيات تشبيه المؤمن بالنّور والكافر بالظلمة، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)
[الأنعام:
٦/ ١٢٢- ١٢٣] .
стр. 599
نزلت هذه الآية- كما ذكر ابن عباس- في عمر وأبي جهل، الأول يمثّل الإيمان، والثاني يمثّل الكفر والضّلال، وكل منهما رمز لفئة. شبّه الله تعالى الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، وشبّه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يتردّدون فيها، ولا يمكنهم الخروج منها، ليبيّن الله الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين.
هذه مقارنة أو موازنة بين أهل الإيمان وجماعة الكفر، أفمن كان ميتا بالكفر والجهل، فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نورا يضيء له طريقه بين الناس، وهو نور القرآن المؤيّد بالحجة والبرهان، وهو أيضا نور الهدى والإيمان، أهذا الفريق مثل الفريق السائر في الظلمات: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر، وهو ليس بخارج منها، أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما فيه، كما قال الله تعالى في آيات أخرى، منها: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) [الملك: ٦٧/ ٢٢] .
وبما أن الاهتداء إلى الإيمان، والانغماس في ظلمات الكفر والضّلال بسبب من الإنسان واختيار منه، فإن الله تعالى يزيد المؤمنين توفيقا إلى الخير، ويترك الكافرين سائرين في متاهات الكفر، لذا ختمت الآية بهذه الحقيقة وهي: كما زيّن الله الإيمان للمؤمنين، زيّن للكافرين الكفر والمعاصي، أي حسّن لكل فريق عمله، فحسّن الإيمان في أنظار المؤمنين، وحسّن الكفر والجهالة والضّلالة في أعين الكافرين، كعداوة النّبي ﷺ وذبح القرابين لغير الله، وتحريم ما لم يحرّمه الله، وتحليل ما حرّمه.
ثم أورد الله تعالى ما يدلّ على سنّة ثابتة في البشر، وهم الذين يعيشون في الظلمات كأبي جهل بن هشام وحالهم وحال أمثالهم، فمثلهم جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها رؤساءها ودعاتها إلى الكفر والصّدّ عن سبيل الله، ليمكروا فيها بالصّد عن
стр. 600
سبيل الله لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس بحكم نفوذهم وسيادتهم وسيطرتهم. وهذه الآية تتضمن إنذارا بفساد حال الكفرة.
وهكذا يثور في كل وقت الصّراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ولكل اتّجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه، ولكن ما يمكر هؤلاء الأكابر المجرمون المعادون للرّسل إلا بأنفسهم لأن وبال مكرهم عليهم، وعاقبة إفسادهم تلحق بهم، لكنهم عديمو الشعور والإحساس الصادق، فما يعلمون حقيقة أمرهم.
ويستمر النّزاع بين أهل الإيمان والخير، وبين أهل الكفر والشّر، وهذه هي نظرية تنازع البقاء وبقاء الأصلح، والعاقبة والنصر للمؤمنين في النهاية، كما قال الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرّعد: ١٣/ ١٧] .
وواقع هؤلاء الضّالّين أسوأ من البهائم، فإن البهائم تعلم علوم الحسّ، وأما الضّالّون فهم مغرقون في الجهل لا يدركون الحقيقة، وكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حسّ. إن الذين مكروا وضلّوا حفاظا على مراكزهم ونفوذهم، لم يشعروا بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم، لجهلهم بسنن الله في خلقه، كما قال الله سبحانه:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٣٥/ ٤٣] .
مطالبة المشركين بالنّبوة
النّبوة أو الرّسالة إنما تمنح لمن هو مأمون عليها وموضع لها، وأقدر على تحمل أعبائها، وليست هي مثل مناصب الدنيا التي تعتمد على الشهرة والنفوذ، والسلطة والجاه أو المال، أو النّسب، أو كثرة الأعوان والأولاد.
ولقد استبدّ الغرور والشّطط بمشركي مكة، فأرادوا أن تكون لهم النّبوة والرسالة، وأن يكونوا متبوعين سادة، لا تابعين، وقالوا: لولا نزّل هذا القرآن على