الدين، ونهى الله ﷻ عن مختلف أنواع الإثم، أي القبيح الذي حرّمه الله، في الظاهر والباطن، خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من اقتراف ألوان المحارم والمنكرات، وكل ذلك من أجل إقامة معالم المجتمع الفاضل، وتصفية كل أشكال المجتمع المتخلّف.
قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٦ الى ١٢١]
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنعام: ٦/ ١١٦- ١٢١] .
نزلت آية: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كما
قال ابن عباس: أتى ناس النّبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله هذه الآية: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى قوله سبحانه: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ نزل حينما قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشّاة إذا ماتت، من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا:
فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 597
والمعنى: فامض يا محمد لما أمرت به، وأنفذ رسالتك وأبلغ دعوتك، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض من الكفار والمشركين في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك، يضلّوك عن دين الله ومنهجه وسبيله، سبيل الحق والعدل والاستقامة، لأنهم لا يتّبعون إلا الأهواء والظّنون الباطلة أو الكاذبة، ولا يحترمون الموازين الفكرية والأدلّة العقلية، وما هم إلا يحزرون ويخمّنون تخمينا عاريا عن الصحة والحقيقة، كخارص (مخمن) ثمر النّخل والعنب وغيرهما، فاعتقادهم قائم على الحدس والتّخمين، لا على البرهان والدليل.
وإن ربّك عليم بالضّالّين عن سبيله القويم، وعليم أيضا بالمهتدين السالكين سبيل الاستقامة، وليس كما يزعم المشركون.
ثم أمر الله تعالى بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وأن يكون الأكل مقصورا على ذلك، إن كنتم أيها المسلمون مؤمنين بآيات الله، والحذر كل الحذر مما ذبح للأصنام والأوثان ولغير الله.
وأي شيء لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وترك الأكل مما ذبح للأصنام، فليس هناك شيء يمنعكم من هذه المآكل، والحال أن الله قد بيّن لكم المحرّم عليكم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح لغير الله كالأصنام والأنبياء والأولياء والزعماء، لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرّم عليكم، فإنه يباح لكم ما وجدتم حال الضرورة. وإن كثيرا من الكفّار ليضلّون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، والله أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم، وسيجازيهم على هذا الاعتداء والتجاوز، لا محالة.
ثم أمر الله تعالى بترك جميع الآثام والمعاصي المعلنة والسّرية، سواء ما صدر عن الأعضاء كالسّرقة والغصب، أو كان من أفعال القلوب كالحقد والحسد، إن الذين
стр. 598
يقترفون المعاصي الظاهرة أو الخفية، سيجازيهم الله على عصيانهم إذا ماتوا ولم يتوبوا.
وتأكيدا للأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل البهيمة التي ماتت ولم يذكر اسم الله عليها، والمذبوح لغير الله، وهو ما كان المشركون يذبحونه لأصنامهم، وهذا المذبوح فسق ومعصية. وإن شياطين الإنس والجنّ ليوسوسون إلى أعوانهم من المشركين، ليجادلوا المؤمنين، فإن وافقهم أحد من المؤمنين على ضلالهم، فهو مثل المشركين لأنهم عدلوا عن أمر الله وشرعه إلى قول غيره، وهذا هو الشّرك، عافانا الله من جميع حالاته، وجعل أعمالنا خالصة لوجه الله الكريم.
مثل المهتدي والضّالّ
الناس في عهد النّبوة وفي كل عهد صنفان إما مؤمن مهتد، وإما كافر ضالّ، والله يحبّ المؤمنين ويحبّ لهم الخير والسعادة، ويبغض الكافرين وما يؤول إليه أمرهم من دمار وشرّ وخسران مبين، لذا تعددت الآيات القرآنية المرغبة في الإيمان، والمنفّرة من الكفر والضّلال إما من طريق التّشبيه بصورة حسّية مرئية، وإما بتقرير العذاب الشديد في الدنيا والآخرة أو وصف النعيم، وإما بالتهديد والإنذار والتوبيخ أو التبشير والرّضا والظفر بفضل الله ورحمته وإحسانه وإنعامه.
من هذه الآيات تشبيه المؤمن بالنّور والكافر بالظلمة، قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)
[الأنعام:
٦/ ١٢٢- ١٢٣] .
стр. 599
نزلت هذه الآية- كما ذكر ابن عباس- في عمر وأبي جهل، الأول يمثّل الإيمان، والثاني يمثّل الكفر والضّلال، وكل منهما رمز لفئة. شبّه الله تعالى الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، وشبّه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يتردّدون فيها، ولا يمكنهم الخروج منها، ليبيّن الله الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين.
هذه مقارنة أو موازنة بين أهل الإيمان وجماعة الكفر، أفمن كان ميتا بالكفر والجهل، فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نورا يضيء له طريقه بين الناس، وهو نور القرآن المؤيّد بالحجة والبرهان، وهو أيضا نور الهدى والإيمان، أهذا الفريق مثل الفريق السائر في الظلمات: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر، وهو ليس بخارج منها، أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما فيه، كما قال الله تعالى في آيات أخرى، منها: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) [الملك: ٦٧/ ٢٢] .
وبما أن الاهتداء إلى الإيمان، والانغماس في ظلمات الكفر والضّلال بسبب من الإنسان واختيار منه، فإن الله تعالى يزيد المؤمنين توفيقا إلى الخير، ويترك الكافرين سائرين في متاهات الكفر، لذا ختمت الآية بهذه الحقيقة وهي: كما زيّن الله الإيمان للمؤمنين، زيّن للكافرين الكفر والمعاصي، أي حسّن لكل فريق عمله، فحسّن الإيمان في أنظار المؤمنين، وحسّن الكفر والجهالة والضّلالة في أعين الكافرين، كعداوة النّبي ﷺ وذبح القرابين لغير الله، وتحريم ما لم يحرّمه الله، وتحليل ما حرّمه.
ثم أورد الله تعالى ما يدلّ على سنّة ثابتة في البشر، وهم الذين يعيشون في الظلمات كأبي جهل بن هشام وحالهم وحال أمثالهم، فمثلهم جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها رؤساءها ودعاتها إلى الكفر والصّدّ عن سبيل الله، ليمكروا فيها بالصّد عن
стр. 600
سبيل الله لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس بحكم نفوذهم وسيادتهم وسيطرتهم. وهذه الآية تتضمن إنذارا بفساد حال الكفرة.
وهكذا يثور في كل وقت الصّراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ولكل اتّجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه، ولكن ما يمكر هؤلاء الأكابر المجرمون المعادون للرّسل إلا بأنفسهم لأن وبال مكرهم عليهم، وعاقبة إفسادهم تلحق بهم، لكنهم عديمو الشعور والإحساس الصادق، فما يعلمون حقيقة أمرهم.
ويستمر النّزاع بين أهل الإيمان والخير، وبين أهل الكفر والشّر، وهذه هي نظرية تنازع البقاء وبقاء الأصلح، والعاقبة والنصر للمؤمنين في النهاية، كما قال الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرّعد: ١٣/ ١٧] .
وواقع هؤلاء الضّالّين أسوأ من البهائم، فإن البهائم تعلم علوم الحسّ، وأما الضّالّون فهم مغرقون في الجهل لا يدركون الحقيقة، وكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حسّ. إن الذين مكروا وضلّوا حفاظا على مراكزهم ونفوذهم، لم يشعروا بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم، لجهلهم بسنن الله في خلقه، كما قال الله سبحانه:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٣٥/ ٤٣] .
مطالبة المشركين بالنّبوة
النّبوة أو الرّسالة إنما تمنح لمن هو مأمون عليها وموضع لها، وأقدر على تحمل أعبائها، وليست هي مثل مناصب الدنيا التي تعتمد على الشهرة والنفوذ، والسلطة والجاه أو المال، أو النّسب، أو كثرة الأعوان والأولاد.
ولقد استبدّ الغرور والشّطط بمشركي مكة، فأرادوا أن تكون لهم النّبوة والرسالة، وأن يكونوا متبوعين سادة، لا تابعين، وقالوا: لولا نزّل هذا القرآن على
стр. 601
رجل من القريتين عظيم، أي مكة والطائف، الوليد بن المغيرة من مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وذلك حسدا منهم وغرورا، وظنّا منهم أن الرّسالة الإلهية كمراكز الدنيا تعتمد على المال أو السلطة.
قال الله تعالى مندّدا بهذه المطامع والآمال:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنعام: ٦/ ١٢٤- ١٢٥] .
نزلت الآية الأولى في الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النّبوة حقّا، لكنت أولى بها من محمد لأني أكبر منه سنّا، وأكثر منه مالا وولدا.
الآية الأولى ذمّ للكفار وتوعّد لهم، فإنهم إذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشّرع الإلهي، اشتطّوا واغتروا، وطلبوا أن يؤتوا مثلما أوتي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: إنما يفلق لنا البحر، إنما يحيي لنا الموتى ونحو ذلك، أي إنهم طلبوا المستحيل، وعلقوا إيمانهم على ممتنع، وقصدوا بذلك أنهم لا يؤمنون أبدا.
والمعنى: إذا جاءت المشركين آية وبرهان وحجة قاطعة من القرآن تتضمن صدق الرسول ﷺ في تبليغ وحي ربّه، قالوا حسدا منهم، وتعنّتا وغرورا: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل محمد، منصب عند الله، وتظهر على أيدينا آية كونية أو معجزة مثلما أوتي رسل الله، كفلق البحر لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى لأنهم أكثر أموالا وأولادا، وأعزّ جانبا ورفعة بين الناس.
стр. 602
فردّ الله عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ أي أن الله أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، فالرسالة منصب ديني له مقومات خاصة، وفضل من الله يمنحه من يشاء من عباده، لا ينالها أحد بخصائص دنيوية عادية، كالمال والولد والزّعامة والنفوذ، وإنما تؤتى من هو أهل لها، لسلامة فطرته، وطهارة قلبه، وقوة روحه، وحسن سيرته وحبّه الخير والحق.
ثم أعلن الله وعيده الشديد لكل المتخلّفين عن الإيمان برسالة القرآن ودعوة النّبي ﷺ ، فسيلحق المجرمين يوم القيامة ذلّ وهوان دائمان، ويدركهم العذاب المؤلم الشديد، جزاء بما كانوا يمكرون، وعقوبة لتكبّرهم عن اتّباع الرّسل، والانقياد لهم فيما جاؤوا به، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: ٤٠/ ٦٠] أي صاغرين ذليلين حقيرين.
ثم جاء قرار الحسم وهو أنه لا داعي للتأسّف على إعراض المشركين عن دعوة الإسلام، فمن يرد الله أن يوفّقه للحق والخير والإسلام، ومن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة القرآن، فإنه يشرح صدره له، وييسره وينشطه ويسهله لذلك، ومن فسدت فطرته بالشّرك، ولم يكن مستعدّا للإيمان، ولا أهلا، يجعل الله صدره ضيّقا شديدا عازلا عن قبول الإيمان، كاتما له عن نفاذ الخير إليه، مثله كمثل من يصّعّد إلى السماء في طبقات الجو العليا، حيث يشعر بضيق شديد في التنفس، وكأنما يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. وكما يضيّق الله صدر المعاندين، كذلك يسلّط الله العذاب أو الشيطان عليهم وعلى أمثالهم ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصدّه عن سبيل الله سبيل الحق.
والهدي في هذه الآية: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ: هو خلق الإيمان في القلب
стр. 603
واختراعه، وشرح الصدر: هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله وتحصيله.
والهدي لفظ مشترك قد يأتي بمعنى الدعوة لشيء مثل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٤٢/ ٥٢] وقد يأتي بمعنى إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق والأعمال المؤدية إليها، كقوله تعالى: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) [محمد: ٤٧/ ٤- ٥] .
الطريق القويم وجزاء المستقيمين
تتعدّد طرق النجاح في الحياة بحسب ما ترتئيه الأفكار والعقول الإنسانية، ولا يعرف الصواب منها إلا بعد تجارب عديدة، وطويلة الأمد، يمر فيها المجتمع، فتدرك الأخطاء، وتعرف أوجه الفائدة والمصلحة، من هنا أراد الله تعالى اختصار الطريق والمدة على الناس، فأبان لهم سلفا ما يحقق لهم الخير والنفع، ويمنع عنهم الشّر والانحراف. وترغيبا في سلوك طريق الشّرع القويم وعد الله متّبعيه بالجنة دار السّلام، وأوعد مخالفيه بالنّار مثوى الظالمين خالدين فيها أبدا بمشيئة الله. قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٦ الى ١٢٩]
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)
«١» [الأنعام: ٦/ ١٢٦- ١٢٩] .
يخبر الله تعالى أن هذا القرآن والشّرع الذي جاء به محمد ﵊
стр. 604
وهو شرع الإسلام: هو طريق ربّك السّوي الذي ارتضاه للناس واقتضته الحكمة، لا زيغ ولا انحراف فيه، وهو العلاج المفيد والدواء النافع لكل داء، كما قال النّبي ﷺ في وصف القرآن- فيما يرويه التّرمذي وأحمد عن علي-: «هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، والنّور المبين» .
فما عليكم أيها المؤمنون إلا اتّباعه إن أردتم النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، قد وضحنا الآيات وبيّنّاها لقوم لهم فهم ووعي يعقلون عن الله ورسوله..
ولهؤلاء القوم الفاهمين الملتزمين طريق الشّرع: دار السلامة والطمأنينة وهي الجنة، يوم القيامة، والله متولّي أمورهم وكافيهم، جزاء على صالح أعمالهم.
واذكر أيها النّبي فيما نقصّه عليك، يوم نحشر الإنس والجنّ جميعا ونقول: يا جماعة الجن قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، فيجيب الإنس الذين أطاعوا الجنّ واستمعوا إلى وسوستهم وتولّوهم: ربّنا انتفع كلّ منا بالآخر، انتفع الإنس بالشياطين حيث دلّوهم على الشهوات وعلى أسباب التّوصل إليها، وانتفع الجنّ بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم، وبلغنا أجلنا الذي أجّلت لنا، أي الموت أو يوم البعث والجزاء، اعترفنا بذنوبنا، فاحكم فينا بما تشاء، وأنت أحكم الحاكمين، ولقد أظهرنا الحسرة والنّدامة على ما فرّطنا في الدّنيا.
فأجابهم الله الحق تعالى بقوله: النار مأواكم ومنزلكم أنتم وإياها وأعوانكم، وأنتم ماكثون فيها مخلدون على الدوام، إلا من شاء الله من الخروج خارج النار لشرب الحميم، أو الانتقال من عذاب النار، إلى عذاب الزمهرير، وفي كلا الحالين انتقال من عذاب إلى عذاب. وهذا معنى قوله تعالى: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ. وقال ابن عباس فيما رواه ابن جرير الطّبري وغيره: «إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنّة ولا نارا» .
стр. 605
ثم أبان الله تعالى أمرا اجتماعيّا مهمّا: وهو أنه مثل تولّي الجن والإنس بعضهم لبعض، نولّي الظالمين بعضهم ببعض، بأن نجعل بعضهم أنصار بعض، بمقتضى التقدير والسّنة الكونية، بسبب ما كانوا يكسبون من أعمال الظلم المشتركة بينهم، فكل فريق يتولى ويرعى شبيهه في الخلق والعمل وينصره على غيره، قال ابن عباس:
«إذا رضي الله على قوم ولّى أمرهم خيارهم، وإذا سخط على قوم ولىّ أمرهم شرارهم» . وهذا تهديد عامّ لكل ظالم ظلما اجتماعيّا عامّا أو خاصّا. والتعاون بين الفئات المتشابهة في سلوكها ظاهرة قائمة في المجتمعات، سواء فئات المؤمنين الصلحاء، كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التّوبة: ٩/ ٧١] . أو فئات الكافرين الأشقياء، كما قال الله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: ٨/ ٧٣] أي أعوانهم ونصراؤهم.
تقريع الظّلمة على كفرهم
إن العدل الإلهي أمر مطلق شامل جميع أحوال الناس في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يرسل الله الإنذارات المتوالية من الكتب والرّسل لتبليغ الأحكام وشرائع الله، والتحذير من مستقبل الحساب والجزاء الأخروي. وفي الآخرة لا يجد الظّلمة مناصا من الاعتراف بتقصيرهم وامتناعهم من الإيمان واقترافهم السيئات. ويظهر العدل في الآخرة على أتم وجه وأحكم مظهر، حيث يوفّى كل إنسان بما عمل من خير أو شرّ. قال الله تعالى موضّحا أصول العدل وطرائق التزامه:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)
«١»
стр. 606
[الأنعام: ٦/ ١٣٠- ١٣٢] .
هذه الآيات تقريع للظالمين، وتهديد شديد للكافرين من الجنّ والإنس، وبيان حالهم يوم القيامة، حيث يسألهم ربّهم، وهو أعلم بما فعلوا، قائلا: هل بلّغتكم الرّسل رسالات الله؟ يخبرونكم بآيات الإيمان والأحكام والآداب، وينذرونكم لقاء يوم الحشر الرهيب، وما فيه من الحساب والجزاء لمن يكفر بها ويجحدها؟! فأجابوا عن السؤال، وقالوا يوم القيامة: أقررنا بأن الرّسل قد بلّغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم يوم القيامة كائن لا محالة، ونظير هذه الآية: قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) [الملك:
٦٧/ ٩] . وهذا إقرار منهم بالكفر والتقصير.
وخدعتهم الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد وحبّ السلطة ورفعة الجاه، ففرّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرّسل، وإنكار المعجزات، كبرا وعنادا.
وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، بما جاءتهم به الرّسل ﵈.
ذلك الإرسال للرّسل وإنذارهم الناس سلفا، وإنزال الكتب الإلهية في عالم الحياة الحاضرة، بسبب أن من سنّة الله ألا يؤاخذ أحد بظلمه إذا لم تبلغه الدعوة الإلهية من طريق صحيح، وألا تهلك الأمم والشعوب بعذاب الاستئصال وهم غافلون عما يجب عليهم، بل لا بدّ من إرسال الرّسل إليهم، كما قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٣٥/ ٢٤] ، وقال سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٧/ ١٥] ، فالله لا يظلم أحدا من خلقه، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فمن
стр. 607
أطاع الله وآمن به وعمل صالحا، استحقّ الثواب والمكافأة الحسنة، ومن جحد وكفر وعمل شرّا، استحقّ العقاب والجزاء الشديد. وكل ما نزل وينزل بالمسلمين اليوم إنما هو لسوء أعمالهم، وتقصيرهم في تطبيق أمور دينهم. ولقد أخطأ كل الخطأ من نسب التّخلف للدين، وترك أمر الناس الذين أصبحوا بلا دنيا ولا دين.
وما الدين إلا دافع لكل فضيلة وتقدّم، ومانع من كل رذيلة وتخلّف، ولا نجد مثل الإسلام يرغّب في الطاعة والعمل والعطاء، ويرهّب من العصيان والخمول والأخذ والاعتماد على جهود الآخرين لهذا جعل القرآن تفاوتا في المنازل والدّرجات بحسب تفاوت الأعمال، فذكر أن لكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلّغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
والله مطّلع رقيب على كل الأعمال، فما من عمل للعباد إلا يعلمه، وهو محصيه ومثبته لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائه إياهم، ومعادهم إليه.
وهذا دليل على أن مناط السعادة والشقاء: هو عمل الإنسان وإرادته، وكسبه واختياره، وإن كان لا يقع شيء في ملك الله إلا بإرادته، وإلا كان ذلك قهرا، يتنافى مع ملك المالك وهو الله سبحانه، تنزه الله عن كل نقص، وتبرأ من كل عيب، والله مع المحسنين أعمالهم، المقبلين على ربّهم.
تهديد كفّار قريش وإنذارهم
لم يترك الله تعالى في قرآنه وسيلة لدفع الناس إلى الإيمان وترك الكفر إلا ذكرها، ولم يهمل طريقة إصلاحية إلا سلكها، سواء بالترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى، وهذا الحرص التربوي رحمة من الله بعباده، وفضل وإحسان لا نجد له نظيرا عند علماء التربية أو الحكماء والفلاسفة، والسبب في ذلك أن تربية القرآن غير مشوبة
стр. 608
بنفع مادّي، وهي مجردة من أجل الفضيلة ذاتها، ولتحقيق السعادة الأبدية للناس قاطبة. أما المربّون البشر فهم متأثّرون بالجانب النفعي، ولا تجد لديهم الحرص الشديد على تحقيق الثمرات والنتائج، وإنما منهجهم الغالب: (قل كلمتك وامش) .
قال الله سبحانه مهدّدا كفار قريش بعذاب الاستئصال ومنذرهم بعذاب الآخرة:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٥]
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)
«١» [الأنعام: ٦/ ١٣٣- ١٣٥] .
أخبر الله تعالى عن نفسه بأنه الْغَنِيُّ فهو غير محتاج إلى طاعة المطيعين، ولا يتضرّر بمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية، ولا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، وهو سبحانه مع غناه ذو رحمة عامّة كاملة، وقادر على وضع الرحمة في هذا الخلق أو في خلق جديد بديل عنهم، ولكنه فوّض الأمر إلى خلقه على سبيل التهديد.
ومعنى الآيات: وربّك أيها النّبي هو الغني عن جميع خلقه وعن عبادتهم من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك ذو الرحمة الشاملة بهم، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحجّ: ٢٢/ ٦٥] . وقال في بيان غناه: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) [فاطر: ٣٥/ ١٥] .
إن يشأ الله يذهبكم ويستأصلكم أيها الكفار المعاندون في مكة وغيرها بعذاب الاستئصال الشامل، كما أهلك من عاند الرّسل كعاد وثمود، ويأت بخلق جديد
стр. 609
غيركم أفضل منكم وأطوع، كما قدر على إنشائكم من ذرّية قوم آخرين، فهو سبحانه قادر على الإهلاك والإنشاء معا، وقد حقق ذلك، فأهلك زعماء الشّرك المعاندين، واستخلف من بعدهم قوما آخرين، وهم المهاجرون والأنصار الذين كانوا مظهر رحمة الله للبشر في سلمهم وحربهم.
وبعد توجيه هذا الإنذار بالإهلاك في الدنيا، أتبعه الله إنذارا آخر في الآخرة بقوله سبحانه: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ أي أخبرهم أيها النّبي أن الذي توعدون به من الجزاء الأخروي كائن لا محالة، ولستم بمعجزين الله بهرب ولا امتناع مما يريد، فهو القادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما بالية، وهو القاهر فوق عباده.
ثم أردف الله تعالى الإنذارين السابقين بتهديد آخر شديد، وهو أخبرهم أيها النّبي بقولك: استمرّوا على طريقتكم وحالتكم التي أنتم عليها، إن كنتم تظنّون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كما جاء في آية أخرى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) [هود: ١١/ ١٢١- ١٢٢] .
إنكم سوف تعلمون أيّنا تكون له العاقبة المحمودة، أنحن أم أنتم؟ وعاقبة الدار:
العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها. إنه لا يفلح الظالمون، أي لا يسعد ولا ينجح الظالمون أنفسهم بالكفر بنعم الله تعالى واتّخاذ الشّركاء له في ألوهيّته، كما ورد في آية أخرى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤/ ١٣- ١٤] .
وقوله تعالى: اعْمَلُوا معناه: إنكم سترون عاقبة عملكم الفاسد، وهذا وعيد وتهديد، وقوله: عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالكم وطريقتكم. ثم جزم الله الحكم بأنه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي لا ينجح سعيهم، ولا يظفرون بشيء مفيد.
стр. 610
ومن أدب القرآن العالي اللطف في الإنذار حين قال تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى يوم القيامة، وذلك مثل قوله سبحانه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٣٤/ ٢٤] .
نماذج من أنظمة الجاهليّة
قرر عرب الجاهلية مجموعة من الأنظمة والشرائع بمحض الأهواء والتّخيلات ومرتبطة ارتباطا وثيقا بعقيدة الوثنية والشّرك وعبادة الأصنام والأوثان، وكل ذلك لا يتقبّله العقل الإنساني السّوي ولا المصلحة العامة للنّظام القبلي، لأنه يفرّق ولا يجمع، ويهدم ولا يبني. ومن هذه الأنظمة الواهية ما يتعلّق بالصدقات والقرابين، ومنها ما يتعلّق بالأولاد، ومنها ما يتّصل بقسمة الأنعام. قال الله تعالى واصفا هذا التشريع الفاسد والافتراء الكاذب:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٦ الى ١٤٠]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧»
стр. 611
«١» [الأنعام:
٦/ ١٣٦- ١٤٠] .
سبب نزول هذه الآيات: أن العرب كانت تجعل من غلاتها وزرعها وثمارها ومن أنعامها جزءا تسمّيه لله، وجزءا تسمّيه لأصنامها، وكانوا يعنون بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله، لأن الله غني والأصنام فقيرة.
فهذه ألوان ثلاثة من شرائع الجاهلية العربية قبل الإسلام، ابتدعها المشركون بأهوائهم وآرائهم الفاسدة، ومن وساوس الشيطان وإيحاء إبليس. أما اللون أو الأنموذج الأول فهو كيفية قسمة القرابين من الحرث والأنعام، أي الزروع والمواشي، فجعلوا منها نصيبا مخصّصا للأوثان والأصنام، ونصيبا لله، قائلين: هذا لله بزعمهم الذي لا دليل عليه، وهذا لشركائنا ومعبوداتنا نتقرّب به إليها، أما نصيب الله فيطعمونه الفقراء والمساكين ويكرمون به الضّيفان والصّبيان، ونصيب الآلهة المزعومة يعطى لسدنتهم وخدمهم وينفقون منه على معابدهم، وما كان لشركائهم وأوثانهم يصرف لها، وما كان لله فهو واصل إلى شركائهم، وفي الحالين لا يصل إلى الله شيء، ألا ساء الحكم حكمهم، وبئس ما يصنعون.
والأنموذج الثاني الذي زيّن به الشيطان لهم أفعالهم: أن كثيرا من المشركين أقدموا على فعل شنيع جدّا، وهو قتل أولادهم الذكور والبنات، وكان شركاؤهم وهم سدنة الآلهة وخدمها والشياطين زيّنوا لهم قتل هؤلاء البنات، وأفهموهم أن قتلهم أولادهم قربى إلى الآلهة، كما فعل عبد المطّلب حين نذر قتل ابنه عبد الله، ومنشأ هذا التّزيين: أنهم خوّفوهم الفقر العاجل، وأوهمهم أن بقاء البنات عار وخزي
стр. 612
وهوان، فأنكر القرآن الكريم عليهم ذلك الفعل، والتّذرع بهذا السبب، بقوله تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء: ١٧/ ٣١] . وفي قوله سبحانه:
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) [التّكوير: ٨١/ ٨- ٩] .
وغاية هذا التّزيين هي أن يردوا المشركين ويهلكوهم بالإغواء، ويخلطوا عليهم أمر دينهم- دين إبراهيم وإسماعيل- دين التوحيد الذي لا شيء فيه من هذا، ولو شاء الله ما فعلوا هذا أبدا، فاتركهم أيها النّبي وما يدينون ويفترون من الكذب والضلال، وما عليك إلا البلاغ، فإنهم بأنفسهم اختاروا هذا الطريق المعوج دون جبر ولا إكراه. والأنموذج الثالث من شرائع الجاهلية: أنهم قسموا أنعامهم ثلاثة أقسام:
أ- أنعام محبوسة على معبوداتهم وأوثانهم الآلهة، قائلين: لا يطعمها ولا يأكل منها إلا من شاء بحسب زعمهم من غير حجة وبرهان، وهم خدم الأوثان والرجال دون النساء.
ب- وأنعام ممنوعة ظهورها، فلا تركب ولا يحمل عليها، وهي البحيرة والسائبة والحامي، إذا ولد منها نتاج معين.
ج- وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، ولا ينتفعون بها حتى في الحج.
هذه القسمة الجائرة مجرد افتراء على الله، فالله لم يشرع ذلك، وليس لهم أن يحلّلوا أو يحرّموا شيئا لم يأذن الله به، وسيجازيهم الله الجزاء الذي يستحقونه بسبب افترائهم.
ومما قال هؤلاء المشركون: إن أجنّة وألبان هذه الأنعام (المواشي) حلال خاص برجالنا، ومحرّم على نسائنا، فإذا ولدت الشّاة ذكرا، فلبنها للذكور دون الإناث،
стр. 613
وإذا ولدت أنثى تركت للنّتاج فلم تذبح، وإذا كان المولود ميتا اشترك فيه- أي في أكله- الذكور والإناث، والله يجزيهم على قولهم ووصفهم الكذب في ذلك، إنه سبحانه حكيم في صنعه وتدبيره، عليم بأفعال وأقوال خلقه.
ثم حكم الله تعالى على المشركين بالخسارة الفادحة حين قتلوا أولادهم ووأدوا بناتهم، سفها أي حماقة وجهلا، خوفا من ضرر موهوم وهو الفقر، وحين حرموا على أنفسهم طيّبات الرزق افتراء وكذبا على الله، إنهم ضلّوا ضلالا واضحا بعيدا عن الحق، ولم يهتدوا إلى الصواب، ولم يرشدوا إلى خير أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الرّد على المشركين لإثبات قدرة الله تعالى
التّشريع في الإسلام منوط بمن يملك القدرة اللامتناهية على خلق الأشياء وإيجادها، وبما أن الله تعالى هو وحده مبدع الكائنات كلها، وصاحب النّعم الجليلة، فهو مصدر التشريع من إباحة وتحريم، وإيجاب ومنع، وليس للبشر الحق في أن يحرّموا أو يحلّلوا ما شاؤوا من غير حجة بيّنة ولا برهان واضح، لذا نبّه القرآن الكريم إلى هذه القضية المهمة الخطيرة، فلما افترى المشركون على الله الكذب، وأحلّوا وحرّموا، دلّهم على قدرته ووحدانيّته تعالى، وأوضح لهم أن الخالق المبدع هو صاحب الحق في التحليل والتحريم، فقال الله :
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤١ الى ١٤٤]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)
»
«٢»
стр. 614
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنعام: ٦/ ١٤١- ١٤٤] .
هذه الآيات تنبيه على مواضع الاعتبار والاتّعاظ، وقد تضمّنت الأمر بفريضة الزكاة على الزروع والثمار،
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: كان المشركون يعظّمون شيئا سوى الزّكاة، فنزلت هذه الآية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
وقال أبو العالية: كانوا يعظّمون يوم الحصاد شيئا سوى الزكاة، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فقال الله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ومعنى الآيات أن الله تعالى هو الذي أوجد البساتين والكروم المشجرة، سواء منها المعروش، أي الذي يحمل على عرش وهو السقف الذي يوضع عليه كروم العنب، وغير المعروش: وهو البساتين وما يلقى على وجه الأرض من غراس الشجر في الجبال والصحراء ونحو ذلك، وخلق سبحانه أيضا النّخل والزّرع المختلف الطعم واللون والرائحة والشكل، وخصص الله إيراد النّخل لكثرته عند العرب ولجماله
стр. 615
وكثرة منافعه ودوام ورقه، دون سقوط في مختلف الفصول، وأنشأ الله أيضا مع هذا: الزيتون والرّمان متشابها في المنظر وغير متشابه في الأكل والطّعم، وذلك كله مظهر من مظاهر قدرة الله تعالى وحكمته ووحدانيته في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
بدليل أن التربة واحدة والماء واحد، ويخرج منهما أصناف الأشجار والثمار والزروع من طعام وعسل ومسك ونباتات وأعشاب طبية وغير طبية، وكل ذلك لمنفعة الإنسان وخدمة أغراضه.
فكلوا أيها الناس من ثمر هذه الزروع والبساتين، واشكروا نعمته عليكم بإيتاء الفقراء والمساكين جزءا من الناتج والغلّة يوم الحصاد أو القطاف، وهذه هي الزّكاة المفروضة المطلقة في بدء صدر الإسلام، ثم حددت أصناف الزكاة في آيات مدنية. ولا تسرفوا أيها الناس، فالإسراف خطأ مطلقا ولو في الشيء الحلال، ولا تسرفوا في الأكل، ولا في التّصدق، إنه سبحانه لا يحبّ المسرفين في أي شيء، وإنما يحب التوسط.
وخلق الله لكم من الأنعام أنواعا مختلفة، منه ما يصلح للحمل والعمل والركوب، ومنه الصغار الذي يتخذ فرشا أي يفرش على الأرض للذبح، كلوا مما رزقكم الله، وانتفعوا بلحوم الأنعام وألبانها وأوبارها وشعرها وصوفها، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ومزالقه بتحريم ما أحلّ الله، أو إحلال ما حرّم الله، فإن الشيطان عدوّ ظاهر العداوة للإنسان.
وهذه الأنعام ثمانية أصناف وأزواج وهي الإبل والبقر والغنم والمعز، وكل منها ذكر وأنثى: كبش ونعجة، وتيس وعنزة، وجمل وناقة، وثور وبقرة.
فما الذي حرّم الله عليكم أيها المشركون: أحرّم الذّكرين من الجمل والثور أم حرّم الأنثيين من الناقة والبقرة أم حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ لم يحرّم الله
стр. 616
شيئا من ذلك إذا ذبح، فأخبروني عن دليل لكم في التحريم والتحليل إن كنتم صادقين في ادّعائكم، إنكم لكاذبون فيما زعمتم، وهل كنتم حضورا شهودا شاهدتم ربّكم، فوصّاكم وأمركم بهذا التشريع، فمن أظلم ممن افترى على الله الكذب لإضلال الناس جهلا بغير علم، والله تعالى جزاء لهذا الظلم لا يوفق للرّشاد من افترى عليه الكذب، ولا يهديه إلى الحق والعدل.
المقارنة بين المحرّمات في شريعتنا وبين شريعة اليهود
ذكر القرآن الكريم مقارنة لطيفة بين المطعومات المحرّمة في شريعتنا وبين المحرّمات على اليهود، ليظهر الفارق الواضح بين أسباب التحريم، ففي شريعتنا كان سبب التحريم في المطعومات الحرام ما فيها من ضرر وأذى للصحة أو العقيدة، وفي شريعة اليهود كان سبب التحريم هو البغي والعدوان وتجاوز حدود الوحي الإلهي، فاستحقوا بذلك المكايدة والمضايقة في الدنيا وإنزال العذاب عليهم في الآخرة. قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الأنعام: ٦/ ١٤٥- ١٤٧] .
стр. 617
أخرج عبد بن حميد في بيان سبب نزول آية قُلْ لا أَجِدُ.. عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء، ويستحلّون أشياء، فنزلت: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً.. الآية.
ذكرت هذه الآية المكّية أنواع المحرّمات في الجملة، وفصّلتها آية المائدة (٣) المدنية، ثم حرّم رسول الله ﷺ أكل كل ذي ناب من السّباع وكل ذي مخلب من الطير. وتحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة في المدينة لأنها في حكم الميتة، وإن كان موتها بسبب وليس حتف الأنف.
أمر الله نبيّه أن يعلن أنه لا يوجد في شريعة القرآن تحريم شيء على طاعم وآكل يأكله إلا أربعة أنواع: هي الميتة التي ماتت حتف أنفها بغير ذبح شرعي، والدّم المسفوح أي الدّم السائل الذي يتدفّق من عروق المذبوح، ولحم الخنزير ومثله شحمه وسائر أجزاء جسده، فإنه نجس ينبغي اجتنابه، والفسق وهو المذبوح لغير الله ولم يذكر اسم الله عليه، وهو ما يتقرّب به إلى الأصنام والأوثان. أما الدّم الجامد وهو الكبد والطّحال فحلال أكله،
لقوله ﷺ فيما يرويه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر-: «أحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت (السمك) والجراد، وأما الدّمان فالكبد والطّحال» .
وتحريم هذه الأشياء الأربعة لما فيها من ضرر صحي يؤذي الجسد، أو ضرر يمسّ الاعتقاد وهو القرابين المذبوحة التي يتقرّب بها إلى الأصنام والأوثان. ثم استثنى الله تعالى من هذه المحرّمات حال الضرورة: وهي احتمال الوقوع في خطر الموت أو الهلاك جوعا أو عطشا إذا لم يتناول الممنوع، فمن أصابته ضرورة ملجئة إلى أكل الحرام، فهو حلال له بشرط ألا يكون باغيا، أي قاصدا له، ولا متجاوزا حدّ الضرورة، فضلا من الله ورحمة، ويغفر الله للآكل حينئذ ويرحمه حفاظا على حقّ
стр. 618
الحياة، ما دام يتناول ما يسدّ به رمقه، أو يدفع ضرر هلاكه. وهذه المحرّمات تحريمها دائم مستمرّ لأن التحريم لأسباب ذاتية.
وأما الأشياء التي حرّمها الله على اليهود فهو تحريم مؤقت، عقوبة لهم، لا لذات الأشياء، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) [النّساء: ٤/ ١٦٠] .
وانصبّ التّحريم عند اليهود على شيئين: الأول- كل ما له ظفر: وهو ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنّعام والأوز والبط. والثاني- الشحوم الزائدة التي تنتزع بسهولة، على البقر والغنم دون غيرهما، وهي ما على الكرش والكلى فقط، أما شحوم الظّهر (السّنام) والذّيل (الألية) فليست محرّمة، لقوله تعالى: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ. والحوايا: الأمعاء. وهذا التحريم بسبب الظلم والبغي- وخبر الله صادق يقينا- وظلمهم: هو قتل الأنبياء بغير حق، وصدّهم عن سبيل الله، وأخذهم الرّبا، وأكل أموال الناس بالباطل. وهذا تكذيب لليهود في قولهم: إن الله لم يحرّم علينا شيئا، وإنما حرّمنا على أنفسنا ما حرّمه إسرائيل على نفسه، فإن كذبوك يا محمد بما أخبرتك به، فقل لهم على سبيل التّعجب من حالهم والتعظيم لافترائهم الكذب: إن الله ذو رحمة واسعة، إذ لا يعاجلكم بالعقوبة مع شدة جرمكم، ولا تغتروا أيضا بسعة رحمته، فإنّ لله عذابا لا يردّ عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة. وهذا جمع بين أسلوب الترغيب والترهيب في آن واحد، ترغيب في امتثال أمر الله، وترهيب من مخالفة الله والرّسول.
стр. 619
الاحتجاج بالقدر الإلهي والمشيئة
زعم المشركون أن شركهم بالله وتحريمهم الأشياء المباحة إنما هو بقدر الله، فقالوا: «لولا المشيئة لم نكفر» و «لو شاء الله منا ألا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، فإذا أراد الله ذلك منا، امتنع منا تركه، فكنا معذورين فيه» فردّ الله هذا الزعم الباطل، وذم الله تعالى ظن المشركين أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب، فقال الله تعالى حاكيا قولهم:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٠]
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
«١» «٢» «٣» [الأنعام: ٦/ ١٤٨- ١٥٠] .
هذه شبهة تمسّك بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرّموا، فإن الله مطّلع على ما هم فيه من الشّرك وتدخّلهم في التحريم، إنهم يقولون: إن شركهم وشرك آبائهم، وتحريم ما أحلّ الله من الحرث (الزرع) والأنعام (المواشي) هو قائم بمشيئة الله وإرادته، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب الجبرية تماما.
فردّ الله عليهم شبهتهم بقوله: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وفي الكلام حذف يدلّ عليه السياق، أي سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك، ولكن كذلك كذب الذين من قبلهم بنحو هذه الشبهة، من
стр. 620
ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم. فتكذيبهم وتكذيب من قبلهم لا أساس له من العلم والعقل لأنهم كذبوا الرّسل، ولو كان قولهم صحيحا لما عاقبهم الله تعالى على كفرهم لأن الله عادل. والله سبحانه أذاقهم بأسه، أي عذابه بناء على اختيارهم وإرادتهم، وإن كان كل شيء لا يقع في الكون إلا بإرادة الله ومشيئته.
ثم أمر الله نبيّه أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا بقوله: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا.. أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم، فتظهرونه وتبيّنونه لنا لنفهمه. وحقيقة حالهم هي أنه لا حجة ولا برهان على ما يقولون، وما يتّبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد، وما هم إلا يكذبون على الله فيما ادّعوه.
ثم أورد الله تعالى الدليل القاطع على الدين الحق بقوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ والمعنى: قل أيها الرّسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد بطلان حجتهم: لله تعالى الحجة الكاملة على ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل، وحجته بالغة غاية المقصد في الأمر المحتجّ به، فإن مشيئة الله تعالى لا تعني رضاه عن أعمالهم، والله بيّن الآيات، وأيّد الرّسل بالمعجزات، وألزم أمره كل مكلف، وإرادته وعلمه وكلامه غيب لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول، وليس الإنسان مجبرا على الإيمان أو الكفر والمعصية، وإنما هو بنفسه الذي يختار عمله ومنهاجه، ولو كان المكلف مجبرا لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة. والله قادر على هداية الناس أجمعين.
ومن أدلة إبطال تذرّع المشركين بشبهتهم: مطالبتهم بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما يدّعونه من تحريم الله هذه المحرمات، وهذا هو قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ أي أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرّم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه.
стр. 621
فإن شهدوا على سبيل الفرض فلا تشهد معهم، أي لا توافقهم على أقوالهم، ولا تصدّقهم ولا تقبل شهادتهم، فهم شهود زور كذبة، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله الدّالة على وحدانيته وربوبيته، ومنها حقّه في التشريع والتحليل والتحريم، ولا تتبع أهواء هؤلاء الجاهلين المتّبعين لأهوائهم الذين لا يوقنون بمجيء الآخرة وما فيها من حساب، وهم يشركون بربّهم، ويجعلون له عديلا يشاركه في جلب الخير، ودفع الضّر، والحساب والجزاء.
وبهذا بطل ادّعاء المشركين واحتجاجهم بالمشيئة الإلهية، فإن المشيئة أمرها لله، وما على الناس إلا تنفيذ التكليف الإلهي، لأنهم لا علم ولا اطّلاع لهم على مراد الله وعلمه ومشيئته.
الوصايا العشر
أورد القرآن الكريم الوصايا العشر المتّفق عليها في الأديان كلها، في التوراة والإنجيل والفرقان، وأمر الله نبيّه محمدا ﷺ أن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله بشرع الإسلام الخالد المبعوث به إلى جميع الناس- الأسود والأحمر والأبيض- قال الله تعالى:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥١ الى ١٥٣]
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧»
стр. 622
[الأنعام: ٦/ ١٥١- ١٥٣] .
قال ابن عباس: في الأنعام آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب، ثم قرأ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ تضمنت هذه الآيات الثلاث الوصايا العشر التي وردت خمس منها بصيغة النّهي، وخمس بصيغة الأمر.
الوصية الأولى- نبذ الشّرك بالله تعالى، فالشّرك أعظم جريمة في الدين، لأنه نسبة الشريك إلى الله في الألوهية، وهذا مرفوض عقلا لأن الشّركاء، سواء أكانوا من الكواكب كالشمس والقمر، أم من الملائكة والنّبيين، أم من الجمادات كالأصنام والأوثان، كلهم مخلوقون لله، والمخلوق مهما عظم عبد للخالق، والخالق وهو الله تعالى هو المستحق للعبادة والتعظيم والتقديس.
والوصية الثانية- الإحسان إلى الوالدين إحسانا كاملا، بإخلاص وشعور قلبي بالاحترام والتزام أوامرهما بالمعروف، ومعاملتهما معاملة كريمة قائمة على المحبة والمودّة والبر، لا الخوف والرّهبة. وبرّهما سلف ودين، فكما تبر أبويك يبرك أولادك، قال النّبي ﷺ فيما رواه الطبراني عن ابن عمر: «برّوا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفّوا تعفّ نساؤكم» .
والوصية الثالثة- تحريم وأد البنات وقتل الأولاد خشية الفقر أو العار، فالله يرزقكم أيها الآباء وإياهم رزقا مكفولا دائما، فلا تخشوا الفقر المتوقّع ولا العار اللاحق لأن الله يرزق العباد ويحفظ البنات إذا حسنت التربية، ودانت البنات بالدين الحق والخلق الكريم.
стр. 623
والوصية الرابعة- تحريم اقتراف الفواحش: وهي كل ما عظم جرمه وإثمه وقبحه من الأقوال والأفعال كالزّنى والقذف والنظر إلى الأجنبية والاختلاط بها والمنكرات السّرية التي يمارسها بعض الناس في خفية وتستّر، فإن الله حرّم الفواحش الظاهرة والباطنة، وكانوا في الجاهلية لا يرون بأسا في الزّنى سرّا، أما في العلانية فكانوا يعدّونه قبيحا، فحرّم الله النوعين، لضرر الزّنى وقبحه شرعا وعقلا.
والوصية الخامسة- منع قتل النفس بغير حق، لأن قتل النفس المسلمة والمعاهدة جريمة كبري ومنكر عظيم، واعتداء شنيع على صنع الخالق، ولا يحل القتل إلا عقابا قانونيّا بالحق على أحوال ثلاث: زنا المحصن المتزوج، والقتل العمد، والرّدة عن الإسلام، لما فيه من خروج على قواعد النظام العام في المجتمع، ذلكم أمركم الله به لتعقلوا وتتدبروا المخاطر والسيئات.
والوصية السادسة- المحافظة على مال اليتيم، فلا يجوز أخذ شيء منه إلا بحق، كمقابل الإشراف على الاستثمار والتنمية، والمحافظة والإنفاق للتربية والتعليم وكان الولي فقيرا محتاجا. فإن بلغ الولد رشيدا، وجب دفع ماله إليه من غير تلكؤ ولا تردّد، لقوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ.. [النّساء: ٤/ ٦] .
والوصية السابعة والثامنة- إيفاء الكيل والميزان بالقسط أي بالعدل، دون زيادة ولا نقص في البيع والشراء والقرض والإيفاء والاستيفاء لأن العدل أساس الحقوق، والتطفيف بالكيل والميزان هضم للحق وضياع للمال.
والوصية التاسعة- العدل في القول، أي الشهادة والحكم والقضاء لأن العدل ميزان الحقوق، وأساس القبول والرّضا دون أحقاد ولا عداوات.
والوصية العاشرة- الوفاء بالعهد الإلهي، سواء أكان عهدا مع الله، أم مع الناس. ذلكم وصاكم وأمركم الله بهذا لعلكم تتذكرون وتتعظون بهذا.
стр. 624
وختم الله تعالى هذه الوصايا العشر ببيان أنها منهاج الحق وطريق الاستقامة، فمن اتّبعها وفق ورشد، ومن أعرض عنها ضلّ وغوى، وحاد عن سبل الهداية وطريق الله المستقيم، وقد وصّاكم الله بهذا وأمركم لتحققوا تقوى الله، وتميزوا المنافع والمضارّ في الدين، وتحققوا الفضائل وتتركوا الرذائل. وبما أن المحرّمات الأوائل مخاطر لا يقع فيها عاقل ختمت الآية الأولى بالتعقل، وجاء بعد المحرّمات الأخر التي هي شهوات الأمر بالتذكر، وختمت الآيات بالتّقوى لأن امتثال الوصايا يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى.
خصائص التّوراة والقرآن
أخبر القرآن الكريم بكل حيدة وموضوعية عن خصائص التوراة والقرآن الكريم، والغاية المقصودة من إنزال كلّ منهما، وخصّص الله تعالى كلاما عن التوراة لاشتهارها عند مشركي العرب وسماعهم أخبارها، ثم ذكر الله تعالى مكانة القرآن العظيم وكونه كتاب هداية ورحمة للعالمين، قال الله سبحانه:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٤ الى ١٥٧]
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)
«١» [الأنعام: ٦/ ١٥٤- ١٥٧] .
стр. 625
من المعلوم أن موسى ﵇ متقدّم في الزمان على محمد ﷺ ، فكتابه متقدّم وفيه تلاوة ما حرّم الله تعالى، فالتحريم والتحليل وبيان أحكام التشريع قديم في البشرية، والتوراة أشبه بالقرآن من الإنجيل والزّبور لاشتمالها كثيرا على الأحكام أو التكاليف الشرعية، لذا أمر الله نبيّه بأن يخبر المشركين بما أنزل الله على موسى ﵇ وإيتائه التوراة تماما للكرامة والنعمة على الذي أحسن في اتّباعه والاهتداء به وهو موسى ومن تبعه، كما قال تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: ٢١/ ٧٣] . وفي التوراة تفصيل لكل شيء محتاج إليه من أحكام الشريعة: عبادتها ومعاملتها، وهدى لمن اهتدى به، ورحمة لمن تمسّك به، فينجيه من الضلالة، ليجعل قومه يؤمنون بلقاء ربّهم، أي لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب في دار الكرامة والسّلام.
ثم وصف الله تعالى القرآن الكريم بقوله: وَهذا كِتابٌ.. أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، كثير الخير والنّفع في الدين والدنيا، ثابت لا ينسخ، جامع لأسباب الهداية الدائمة والنجاة والفلاح، فاتّبعوا أيها الناس ما جاء فيه، واتّقوا النار والجحود بما نهاكم عنه ومنعكم منه، لتظفروا برحمة الله الواسعة في الدنيا والآخرة.
لقد أنزلنا إليك القرآن أيها النّبي محمد، فيه إرشاد للتوحيد وتزكية النفوس وتطهيرها من لوثات الشّرك والفسوق، لئلا تقولوا معشر العرب يوم الحساب:
لو أنزل علينا مثل ما أنزل على اليهود والنصارى من قبلنا بغير لساننا، لكنّا أهدى منهم فيما أوتوه، لأننا أكثر وعيا وتفهّما وأعمق بصيرة وأشدّ عزيمة، وإبطالا لتلك التعللات ومحاولات التهرب من مسئولية العمل بشرع الله، فقد جاءكم على لسان رسولنا النّبي العربي محمد ﷺ قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه، ويقتفون ما فيه، ففيه العقيدة والآداب والأحكام.
стр. 626
ثم أوضح الله تعالى سوء عاقبة من كذب بالقرآن، فذكر أنه لا أحد أظلم ممن كذّب بهذه الآيات البيّنات، بعد أن عرف صحتها وصدقها، وأعرض عنها، ومنع الناس عن التفكير فيها والإيمان بها، كما كان يفعل زعماء مكة، كما قال تعالى:
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ [الأنعام: ٦/ ٢٦] .
ثم هدّد الله وأوعد بالعقاب لكل معرض عن القرآن العظيم، فذكر أنه سبحانه سيجازي المعرضين الحائدين عن آيات الله أشدّ العذاب بسبب حجب عقولهم ونفوسهم وغيرهم عن هداية الله والإعراض عنها لأنهم يتحملون وزرهم ووزر من منعوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين هداية الله، والإيمان بما أنزل الله، كما جاء في آية أخرى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) [النّحل: ١٦/ ٨٨] .
أي زدناهم عذابا غير عذابهم، بسبب إفسادهم وصدّهم عن سبيل الحق. وبهذا يتبيّن أنه لا عذر لأحد في الجهل بما جاء عن الله من أحكام وشرائع، ففي القرآن بيان كاف من الله، وهدى للزائغين، ورحمة للمؤمنين. ومن اهتدى بهدي الله فاز ونجا، ومن استنكف خسر وهلك، ولا يضرنّ إلا نفسه، وسيجزي الله الشاكرين.
تهديد المعاندين وترغيب المحسنين
رسالة القرآن المجيد رسالة إصلاح وتغيير شامل للفرد والجماعة، تبدأ بالعقيدة فالعبادة فالمعاملة، وتنتهي بنظام المجتمع والأمة، وإذا أراد الناس بأنفسهم خيرا، استمعوا لتوجيهات الله تعالى في الحياة، وبما أن القرآن منبر تربية وتوجيه حكيم حذر من ترك الإيمان بالله تعالى ربّا واحدا لا شريك له، وحذّر من الفرقة
стр. 627
والاختلاف ورغّب بفعل الحسنات والأعمال الصالحات، ونفّر من اقتراف السيئات وقبائح الأعمال، قال الله تعالى مبيّنا هذا المنهج السّديد:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
«١» [الأنعام: ٦/ ١٥٨- ١٦٠] .
كان القرآن الكريم صريحا واضحا مع مشركي العرب حين أعرضوا عن دعوة الله ورسوله لإصلاح العقيدة والحياة والأخلاق، فبعد أن أنذرهم بسوء العقاب وتعجيل العذاب، وصف موقفهم بأنهم ما ينتظرون إلا أحد أمور ثلاثة، وهي مجيء الملائكة أو مجيء الرّب، أو مجيء الآيات القاهرة من الله تعالى، هل ينتظرون لإنزال العذاب إلا أن تأتيهم ملائكة الموت الذين يصحبون عزرائيل المختصّ بقبض الأرواح، فتخلع رقابهم وتعصف بهم، أم هل ينتظرون مجيء الرّب ﵎ لموقف الحساب يوم القيامة، أم هل ينتظرون مجيء بعض آيات ربّك الدّالة على قرب قيام الساعة؟ يوم يأتي بعض آيات الله القاهرة الموجبة للإيمان الاضطراري، كطلوع الشمس من مغربها، لا ينفع هذا الإيمان نفسا لم تكن آمنت من قبل، فإن الإيمان تكليف اختياري في وقت عادي غير قهري، ولا يقبل إيمان اليأس مثل إيمان فرعون حينما أحدق به الغرق. كما لا ينفع في وقت الأزمة الخانقة ومجيء أمارات العذاب توبة لم تكن حدثت في وقت السّعة والرّخاء قبل الغرغرة ووصول الروح إلى الحلقوم.
قل: يا محمد على سبيل التهديد والوعيد، سترون من يحقّ كلامه، ويتضح ما أخبر
стр. 628
به، وانتظروا وقت نزول العذاب الساحق، إننا منتظرون أمر ربنا ووعده الصادق لنا بالنصر، ووعيده المتحقق لأعدائنا، إنكم تنتظرون الهزيمة لنا ولفكرنا وعقيدتنا، ونحن ننتظر مجيء العذاب الشديد على بغيكم وعدوانكم وإعراضكم عن صراط ربّكم.
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة التفرّق والتمزّق، فذكر أن الذين فرقوا دينهم، وهم أهل البدع والشّبهات، وأهل الضّلالة من هذه الأمة، والقائمون على تفريق الأمة، هؤلاء لا تتعرض لهم يا محمد ودعهم وشأنهم ولا تقاتلهم، وإنما عليك تبليغ الرسالة، وإعلان شعائر الدين الحق، إنك أيها النّبي بريء منهم وهم برآء منك، والله يتولى أمرهم وحسابهم، ثم يخبرهم في الآخرة، ويجازيهم على تجزئة الدين، بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه الآخر.
والجزاء على الأعمال واضح وأمر حتمي، فمن جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة والفعلة الطيبة من الطاعات وأداء الفرائض والتزام شرائع الله، فله جزاؤها عشر حسنات أمثالها، والمضاعفة بعدئذ إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة بحسب فضل الله وبمقتضى مشيئته وحكمته وعلمه بأحوال المحسنين. ومن جاء بالسيئة فاقترف منكرا أو ارتكب ذنبا، فله عقوبة مماثلة لها فقط لا يظلمون، أي لا ينقصون من أعمالهم شيئا.
جاء في الحديث النّبوي عند أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس:
أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربّه ﵎: «إن ربّكم رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك»
والملائكة الكرام هم الموكلون بكتابة الحسنات والسيئات، بأمر الله لهم.
стр. 629
اتّباع ملّة إبراهيم ﵇
ربط القرآن الكريم عقيدة المسلمين بعقيدة التوحيد وهي ملّة أبينا إبراهيم الخليل ﵇، وألزم بضرورة الإخلاص في الاعتقاد والعمل، وحاسب كل امرئ على ما عمل بنفسه فلا يسأل عن عمل غيره، وردّ جميع الأعمال للحساب والجزاء يوم القيامة، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا حاسب الله عليها، قال الله تعالى مبيّنا هذه الأصول العامة:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٦١ الى ١٦٥]
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» »
[الأنعام: ٦/ ١٦١- ١٦٥] .
لكل شيء بعيد الآثار كثير الجوانب منهج عملي واضح، وخطة تفصيلية تجمع الوسائل مع الغايات، وتربط الفروع بالأصول، وتجمع بين العقيدة والقول والعمل، وهذا هو منهاج القرآن المجيد.
أمر الله نبيّه ﵊ بإعلان شريعته، ونبذ ما سواها من أضاليل المشركين، ووصف الشريعة بما هي عليه من الحسن والفضل والاستقامة، لقد أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يخبر بما أنعم الله عليه من الهداية إلى الطريق القويم الذي لا عوج فيه ولا انحراف وهو الدين القيّم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة،
стр. 630
القائم بالحق، الثابت الأصول، القائم على التزام ملّة إبراهيم الخليل ﵇ الذي كان مائلا عن جميع أنواع الشّرك والضلالة إلى ملّة التوحيد الخالص، ولم يكن يوما من الأيام من زمرة المشركين المنحرفين، كما قال الله سبحانه في آية أخرى:
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ٢/ ١٣٠] وقال : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً «١» قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [النّحل: ١٦/ ١٢٠] . أي لم يكن أبدا من المشركين، وإنما كان مؤمنا بالله، موحدا إياه، مخلصا له عبادته.
ثم أمر الله نبيّه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: بأنه مخالف لهم في ذلك كله، فإن صلاته لله، ونسكه أي الذبائح والعبادة وأداء شعائر الحج وغيرها كله لله، والمعنى: إن مقصده في صلاته وطاعته في ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته، إنما هو لله ، وإرادة وجهه وطلب رضاه، فإن عاش فلله، وإن جاهد فلله، وإن صلّى وحجّ واعتمر فلله، وإن مات فلله، له الحكم وله الأمر، وبيده مقاليد أمور الخلائق والعوالم كلها.
وفي هذا إرشاد للمؤمنين وإلزام بالتّأسي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله . والله واحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في ربوبيته، فله العبادة وحده، والتشريع منه وحده، بذلك أمر الله ربّي، ويقول الرسول ﷺ بأمر الله عن نفسه: وأنا أول المسلمين، أي الخاضعين المنقادين إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، هذا إثبات لتوحيد الألوهية.
ثم أعقبه بتوحيد الرّبوبية، فقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا.. أي أغير الله أطلب ربّا سواه، مع أنه هو مالك كل شيء، خلقه ودبّره، وهو مصدر النفع ومنع الضّر، فكيف أجعل مخلوقا آخر ربّي؟!
стр. 631
وما من عمل يكسبه الإنسان إلا عليه جزاؤه دون غيره، ولا تتحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى وثقلها، فكل إنسان مجزي بعمله: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطّور: ٥٢/ ٢١] وسيجزي كل عامل بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، والرجوع في نهاية المصير من الذين يلقبون أنفسهم بالحنفاء إلى الله وحده دون غيره، فهو الذي يخبركم بجميع أحوال اختلاف الناس في الدين والمعاش، ومجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، ويعلّمكم أن العقاب على الاعوجاج تبيين لموضع الحق.
ثم فتح الله للناس ميدان العمل، مطلقا لهم الحرية والخلافة في الأرض، يخلف بعضهم بعضا فيها، بعد إهلاك جيل وإحياء جيل آخر، وهم متمايزون يرفع الله بعضهم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والشّرف والجاه، والعلم والجهل، والخلق والشكل، والعقل والرزق، لاختبار الناس في مواهبهم وما أعطاهم الله، وبعد هذا الإفساح في ميدان العمل، والحضّ على الاستباق إلى الخير، توعّد الله ووعد، تخويفا منه وترجية، فالله سريع العقاب إما في الدنيا وإما في الآخرة، وكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به، وإن الله غفور لمن أذنب وأراد التوبة، رحيم بالعباد.
стр. 632
تفسير سورة الأعراف
اتّباع القرآن الكريم وحده
القرآن الكريم وما تضمنه من أحكام وتشريعات هو آخر الكتب السماوية، وخاتمة الشرائع الإلهية التي ضمها بين جناحيه، وأصبح هو الكتاب الإلهي الوحيد الواجب الاتّباع دون غيره من الكتب السابقة، ومن خالف هذا، وعصى أمر الله تعرّض للعقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال الله تعالى مبيّنا هذا الحكم المبرم في مطلع سورة الأعراف المكّية:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ١- ٥] .
الحروف المقطعة: المص (١) في أول سورة الأعراف كغيرها من بعض السّور للتنبيه والتحدي بالإتيان بمثل القرآن الكريم، ما دام مكوّنا من الحروف العربية مادة صياغة الكلام العربي الذي يفتخر العرب بأنهم سادة البلاغة فيه. لذا اقترنت هذه الحروف بالتّنويه بالقرآن الكريم، وهنا يصفه الله بأنه كتاب عظيم الشأن، أنزله الله
стр. 633
على نبيّه محمد ﷺ ، للدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، فلا يكن أيها النّبي وكل عالم بعده ضيق ومشقة من الإنذار به وتبليغه للناس، وتذكير أهل الإيمان به ذكرى تنفعهم وتؤثر فيهم. وفي هذا إثبات للوحدانية والبعث، والنّبوة والوحي.
وبما أن هذا القرآن العظيم ذو مهام خطيرة، فاتبعوا أيها الناس جميع ما فيه مما أنزل إليكم من ربكم مربيكم وخالقكم ومدبر أموركم، والمشرع لكم الحلال والحرام، والعبادة والأحكام، ولا تتبعوا من دون الله أعوانا ونصراء، كأنفسكم أو الشياطين التي توسوس لكم ما فيه الضّرر والضّلال، والشّر والفساد، والإيهام بأن الأصنام شركاء ذات تأثير عند الله، مع أنها إما جمادات صماء لا نفع فيها، وإما مخلوقون أو مخلوقات عاجزة عن جلب الخير لنفسها أو دفع الضّرر عنها، فمن ألّهما أو عبدها وقع في الضّلال والانحراف عن حكم الله إلى حكم الشيطان والأهواء، ولكنكم تتذكرون قليلا، وتنسون الواجب عليكم نحو ربّكم، كما قال تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) [يوسف: ١٢/ ١٠٣] .
وضمانا وتأييدا لوجوب امتثال أحكام الله، هدّد الحق تعالى العباد بالعقاب الشديد على المخالفة والعصيان، من أمثال عقوبات الأمم السابقة، وما جرى على المثيل يجري على مثله. يذكر الله تعالى أن كثيرا من القرى التي أرسل إليها الرّسل مبشّرين ومنذرين، عصوا رسلهم، وخالفوا أمرهم، وكذبوهم، فجاءهم العذاب أو الهلاك مرة ليلا كقوم لوط، ومرة نهارا كقوم شعيب، أتاهم العذاب فجأة وقت القيلولة وسط النهار، وهم غافلون لاهون، كما قال الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ «١» فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) [الأعراف: ٧/ ٩٧- ٩٩] .
стр. 634
ولم يكن موقفهم وقولهم أو ادّعاؤهم حين نزل العذاب بهم بالهلاك إلا أن أقروا بذنوبهم واعترفوا بمعاصيهم وقالوا: إنا كنا ظالمين، وأنهم حقيقون بهذا، أي لم يصدقوا بوحدانية الله، ولم يقروا بصدق الأنبياء والرسل عند الإهلاك إلا الإقرار بأنهم كانوا ظالمين، وفي هذه عبرة وعظة.
قال ابن جرير الطبري: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما
جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» .
ولنا في واقعنا المعاصر أصدق الشواهد، فإن المسلمين لما أعرضوا عن كتاب الله، وانشغلوا بملاذ الدنيا، ضعفت نفوسهم وفقدوا الثقة بوجودهم، فهانوا على أئمة الاستكبار العالمي والظلم العنصري والتعصب الحاقد ضد أهل الإسلام تحت شعارات واهية وافتراءات كاذبة.
عاقبة الكفر والعصيان في الآخرة
التهديد بالعقاب والإنذار بالجزاء الرادع في كل نظام من أهم العوامل لتقليل الجريمة ومحاربة الانحراف، لذا لم تخل دولة من الدول من قوانين جزائية رادعة، تنصّ على الجرائم والعقوبات المقررة لها، لينزجر المواطنون، ويبتعدوا عن المساس بالأمن، وهكذا شأن الأحكام الإلهية بأشد الحاجة إلى مؤيدات رادعة وزواجر قامعة، كي يصلح حال الناس، وتستقيم أوضاع البشر، فلا جريمة، ولا إخلال بالأمن والاستقرار. قال الله تعالى مبيّنا وجوب السؤال عن الأعمال وحساب الناس عليها:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦ الى ١٠]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
стр. 635
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٦- ١٠] .
هذا وعيد من الله لجميع العالم، تضمن أن الله تعالى يسأل الأمم أجمع يوم القيامة عما بلغ إليهم عنه، وعن جميع أعمالهم، وعما أجابوا به الرّسل المرسلين إليهم، ويسألون الرّسل أيضا عما بلّغوا من الرسالات. والسؤال يوم القيامة صعب وعسير لأنه موقف الفصل الحاسم في مصير دائم للناس، فيشتد الخوف ويعظم الرجاء وتكثر الأعذار، حتى ينجو الإنسان من هول الحساب وشدة العذاب.
يسأل الله في الآخرة كل إنسان عما أجاب به الرسل، وعن مدى قبول دعوة الأنبياء، وعما صدر منه من إيمان أو كفر، ويسأل الله الأنبياء المرسلين عما بلّغوا.
والمراد بالسؤال تقريع الكفار وتوبيخهم، لأنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصّرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير.
وليس السؤال عن الذنب الواقع، وإنما عن الأسباب والدواعي التي دعت الناس إلى العصيان، وعن الموانع التي حالت بينهم وبين امتثال الأحكام والتكاليف الشرعية. وأكّد الله تعالى أنه عالم بما وقع علما تامّا، فيخبر عن علم وإحاطة تامة الرسل وأقوامهم بكل ما حدث منهم، فلا يغيب عنه شيء قليل أو كثير، وإن كان مثقال ذرة من خردل في أعماق الأرض أو في عالم السماء. وكل ذلك يدلّ على أن سؤال الناس يوم القيامة ليس للاستعلام والاستفهام عن شيء مجهول عن الله تعالى، بل للإخبار بما حدث منهم توبيخا وتقريعا على تقصيرهم وإهمالهم. والمخبر عنه هو المحاسب عنه، وهو الذي يعقبه الجزاء.