وما من عمل يكسبه الإنسان إلا عليه جزاؤه دون غيره، ولا تتحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى وثقلها، فكل إنسان مجزي بعمله: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطّور: ٥٢/ ٢١] وسيجزي كل عامل بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، والرجوع في نهاية المصير من الذين يلقبون أنفسهم بالحنفاء إلى الله وحده دون غيره، فهو الذي يخبركم بجميع أحوال اختلاف الناس في الدين والمعاش، ومجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، ويعلّمكم أن العقاب على الاعوجاج تبيين لموضع الحق.
ثم فتح الله للناس ميدان العمل، مطلقا لهم الحرية والخلافة في الأرض، يخلف بعضهم بعضا فيها، بعد إهلاك جيل وإحياء جيل آخر، وهم متمايزون يرفع الله بعضهم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والشّرف والجاه، والعلم والجهل، والخلق والشكل، والعقل والرزق، لاختبار الناس في مواهبهم وما أعطاهم الله، وبعد هذا الإفساح في ميدان العمل، والحضّ على الاستباق إلى الخير، توعّد الله ووعد، تخويفا منه وترجية، فالله سريع العقاب إما في الدنيا وإما في الآخرة، وكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به، وإن الله غفور لمن أذنب وأراد التوبة، رحيم بالعباد.
стр. 632
تفسير سورة الأعراف
اتّباع القرآن الكريم وحده
القرآن الكريم وما تضمنه من أحكام وتشريعات هو آخر الكتب السماوية، وخاتمة الشرائع الإلهية التي ضمها بين جناحيه، وأصبح هو الكتاب الإلهي الوحيد الواجب الاتّباع دون غيره من الكتب السابقة، ومن خالف هذا، وعصى أمر الله تعرّض للعقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال الله تعالى مبيّنا هذا الحكم المبرم في مطلع سورة الأعراف المكّية:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ١- ٥] .
الحروف المقطعة: المص (١) في أول سورة الأعراف كغيرها من بعض السّور للتنبيه والتحدي بالإتيان بمثل القرآن الكريم، ما دام مكوّنا من الحروف العربية مادة صياغة الكلام العربي الذي يفتخر العرب بأنهم سادة البلاغة فيه. لذا اقترنت هذه الحروف بالتّنويه بالقرآن الكريم، وهنا يصفه الله بأنه كتاب عظيم الشأن، أنزله الله
стр. 633
على نبيّه محمد ﷺ ، للدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، فلا يكن أيها النّبي وكل عالم بعده ضيق ومشقة من الإنذار به وتبليغه للناس، وتذكير أهل الإيمان به ذكرى تنفعهم وتؤثر فيهم. وفي هذا إثبات للوحدانية والبعث، والنّبوة والوحي.
وبما أن هذا القرآن العظيم ذو مهام خطيرة، فاتبعوا أيها الناس جميع ما فيه مما أنزل إليكم من ربكم مربيكم وخالقكم ومدبر أموركم، والمشرع لكم الحلال والحرام، والعبادة والأحكام، ولا تتبعوا من دون الله أعوانا ونصراء، كأنفسكم أو الشياطين التي توسوس لكم ما فيه الضّرر والضّلال، والشّر والفساد، والإيهام بأن الأصنام شركاء ذات تأثير عند الله، مع أنها إما جمادات صماء لا نفع فيها، وإما مخلوقون أو مخلوقات عاجزة عن جلب الخير لنفسها أو دفع الضّرر عنها، فمن ألّهما أو عبدها وقع في الضّلال والانحراف عن حكم الله إلى حكم الشيطان والأهواء، ولكنكم تتذكرون قليلا، وتنسون الواجب عليكم نحو ربّكم، كما قال تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) [يوسف: ١٢/ ١٠٣] .
وضمانا وتأييدا لوجوب امتثال أحكام الله، هدّد الحق تعالى العباد بالعقاب الشديد على المخالفة والعصيان، من أمثال عقوبات الأمم السابقة، وما جرى على المثيل يجري على مثله. يذكر الله تعالى أن كثيرا من القرى التي أرسل إليها الرّسل مبشّرين ومنذرين، عصوا رسلهم، وخالفوا أمرهم، وكذبوهم، فجاءهم العذاب أو الهلاك مرة ليلا كقوم لوط، ومرة نهارا كقوم شعيب، أتاهم العذاب فجأة وقت القيلولة وسط النهار، وهم غافلون لاهون، كما قال الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ «١» فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) [الأعراف: ٧/ ٩٧- ٩٩] .
стр. 634
ولم يكن موقفهم وقولهم أو ادّعاؤهم حين نزل العذاب بهم بالهلاك إلا أن أقروا بذنوبهم واعترفوا بمعاصيهم وقالوا: إنا كنا ظالمين، وأنهم حقيقون بهذا، أي لم يصدقوا بوحدانية الله، ولم يقروا بصدق الأنبياء والرسل عند الإهلاك إلا الإقرار بأنهم كانوا ظالمين، وفي هذه عبرة وعظة.
قال ابن جرير الطبري: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما
جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» .
ولنا في واقعنا المعاصر أصدق الشواهد، فإن المسلمين لما أعرضوا عن كتاب الله، وانشغلوا بملاذ الدنيا، ضعفت نفوسهم وفقدوا الثقة بوجودهم، فهانوا على أئمة الاستكبار العالمي والظلم العنصري والتعصب الحاقد ضد أهل الإسلام تحت شعارات واهية وافتراءات كاذبة.
عاقبة الكفر والعصيان في الآخرة
التهديد بالعقاب والإنذار بالجزاء الرادع في كل نظام من أهم العوامل لتقليل الجريمة ومحاربة الانحراف، لذا لم تخل دولة من الدول من قوانين جزائية رادعة، تنصّ على الجرائم والعقوبات المقررة لها، لينزجر المواطنون، ويبتعدوا عن المساس بالأمن، وهكذا شأن الأحكام الإلهية بأشد الحاجة إلى مؤيدات رادعة وزواجر قامعة، كي يصلح حال الناس، وتستقيم أوضاع البشر، فلا جريمة، ولا إخلال بالأمن والاستقرار. قال الله تعالى مبيّنا وجوب السؤال عن الأعمال وحساب الناس عليها:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦ الى ١٠]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
стр. 635
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٦- ١٠] .
هذا وعيد من الله لجميع العالم، تضمن أن الله تعالى يسأل الأمم أجمع يوم القيامة عما بلغ إليهم عنه، وعن جميع أعمالهم، وعما أجابوا به الرّسل المرسلين إليهم، ويسألون الرّسل أيضا عما بلّغوا من الرسالات. والسؤال يوم القيامة صعب وعسير لأنه موقف الفصل الحاسم في مصير دائم للناس، فيشتد الخوف ويعظم الرجاء وتكثر الأعذار، حتى ينجو الإنسان من هول الحساب وشدة العذاب.
يسأل الله في الآخرة كل إنسان عما أجاب به الرسل، وعن مدى قبول دعوة الأنبياء، وعما صدر منه من إيمان أو كفر، ويسأل الله الأنبياء المرسلين عما بلّغوا.
والمراد بالسؤال تقريع الكفار وتوبيخهم، لأنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصّرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير.
وليس السؤال عن الذنب الواقع، وإنما عن الأسباب والدواعي التي دعت الناس إلى العصيان، وعن الموانع التي حالت بينهم وبين امتثال الأحكام والتكاليف الشرعية. وأكّد الله تعالى أنه عالم بما وقع علما تامّا، فيخبر عن علم وإحاطة تامة الرسل وأقوامهم بكل ما حدث منهم، فلا يغيب عنه شيء قليل أو كثير، وإن كان مثقال ذرة من خردل في أعماق الأرض أو في عالم السماء. وكل ذلك يدلّ على أن سؤال الناس يوم القيامة ليس للاستعلام والاستفهام عن شيء مجهول عن الله تعالى، بل للإخبار بما حدث منهم توبيخا وتقريعا على تقصيرهم وإهمالهم. والمخبر عنه هو المحاسب عنه، وهو الذي يعقبه الجزاء.
стр. 636
ووزن الأعمال للرسل وأقوامهم والتمييز بين راجحها وخفيفها يوم القيامة يكون على أساس من الوزن الحق والعدل التام، وعبّر تعالى عن نتيجة الحساب بالوزن والميزان، لأن البشر لا يعرفون أمرا أكثر دقّة منه وأقرب إلى العدل والإنصاف. فمن ثقلت موازينه ورجحت صحائف حسناته على سيئاته، فأولئك هم الفائزون بالجنة، الناجون من العذاب. ومن خفت موازين أعماله وغلبت سيئاته بسبب كفره ومعاصيه، فأولئك الخاسرون أنفسهم إذ حرموها السعادة والظفر بالنعيم الأبدي، وصيّروها إلى عذاب النار. والفريق الأول وهم المؤمنون إيمانا صحيحا، على تفاوت درجاتهم في الأعمال، هم المفلحون، وإن عذّب بعضهم بقدر ذنوبه. والفريق الثاني وهم الكافرون، على تفاوت دركاتهم ومراتبهم في النار هم الخاسرون حقّا.
ثم ذكّر الله تعالى بجلائل نعمه على الناس، ليحملهم الإقرار بالنعمة على الوفاء للخالق المنعم، فأقسم سبحانه بأنه مكّن في الأرض للنوع الإنساني، وخلق للبشر جميع المنافع والخيرات، وجعل لهم أمكنة يستقرّون بها في الدنيا، وجعل لهم في المعايش التي تقوم عليها حياتهم من خلق النبات والزرع، والفاكهة والثمر، والماء والشجر، والسمك والجوهر، والحيوان المسخّر المذلّل لهم، ليسهل أمر المعيشة، وكل ذلك يقتضي الشكر وعرفان الجميل، ولكن الشكر من العباد قليل، كما أخبر سبحانه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ٣٤/ ١٢] .
أمر الملائكة بالسّجود لآدم
نبّه الله تعالى على موضع العبرة، والتعجيب من غريب الصنعة وإساءة النعمة، فبدأ بالخلق الذي هو الإيجاد بعد العدم، ثم بالتصوير في هذه البنية المخصوصة للبشر، وإظهارا لتفضيل البشر على سائر المخلوقات وإبداء لتكريمهم، أمر الله تعالى الملائكة
стр. 637
بالسجود لآدم أبي البشر ﵇ ونبّه على عداوة الشيطان لذرّيّته، فقال سبحانه:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١ الى ١٨]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ١١- ١٨] .
هذا تمجيد وتكريم لا مثيل له للعنصر البشري يتمثّل في إيجاد الله وخلقه للبشر، بدءا من أبينا آدم ﵇ من الماء والطين المتحجّر، ثم تصويره في أحسن شكل وتقويم بصورة البشر السّوي، والنّفخ فيه من روح الله، ثم أمر الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم.
وبادر الملائكة لتنفيذ أمر الله، فسجدوا جميعا لآدم ﵇، إلا إبليس من الجنّ أبى واستكبر وكان من الكافرين الفاسقين الخارجين عن أمر الله. فسئل من قبل الله تعالى: ما منعك من السجود؟ فأجاب معتذرا: إني أنا خير منه، خلقتني من النّار، وخلقته من الطّين، والنّار بما فيها من خاصية الارتفاع والنّور أشرف- في زعمه- من الطين الراكد الخامل، والشريف لا يعظم من دونه. وهذا قياس فاسد باطل، إذ لا يستدلّ بطبائع الأشياء على الأفضلية، وإنما تكون بالمعاني والخواص، لا بالنظر إلى المادّة.
стр. 638
وكان جزاء المخالفة من إبليس وعصيانه أن أمر الله تعالى إبليس بالهبوط من الجنّة التي خلقه الله فيها، وكانت على مرتفع من الأرض، وما ينبغي لأحد أن يتكبّر في جنّة الكرامة والسعادة التي لا مجال فيها للتّكبّر والشّقاء والعصيان. وأخرجه الله من الجنّة صاغرا ذليلا مهينا، معاملة له بنقيض مقصوده، ومكافأة له بضدّ مراده.
ثم استدرك إبليس على الطّرد من الجنّة بطلب إنظاره (إمهاله) إلى يوم البعث الذي يبعث الله فيه آدم وذرّيّته، ليتمكّن من الثّأر من البشر بالإغواء والوسواس، وليشهد حياة البشر وانقراضهم، ثم بعثهم للحساب والجزاء. فأمهله الله وأجّله إلى وقت النّفخة الأولى حيث تصعق الخلائق، وهي نفخة الفزع والرعب، وعندها يموت إبليس أي بعد النفخة الأولى.
ولما أمهل الله إبليس إلى يوم البعث، لجأ إلى العناد والتّمرد، وإضلال الناس، فصمم على تنفيذ غرضه، لئلا يعبد الناس ربّهم ولا يوحّدوه بسبب إضلال الله له، ووسيلته هي التزيين للمعاصي. وقال إبليس: لأقعدن للبشر على الطريق القويم، ث م لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا أتيتهم منها، ولا تجد أكثرهم شاكرين لنعمة الله، ولا مطيعين أوامر الله، وذلك مجرد وهم وتأمّل وتمنّيات باطلة.
ثم أكّد الله تعالى إنزال اللعنة على إبليس، والحكم عليه بالطّرد والإبعاد مذموما (معيبا) مدحورا (مطرودا مبعدا من رحمة الله) . وأقسم الله تعالى على أن من تبع إبليس من الآدميين فيما يزينه من الشرك والفسوق والعصيان، لتملأن منهم جهنّم، هم وأتباعهم جميعا دون استثناء ولا تخفيف إلا عباد الله المخلصين الذين لا يصغون لنداء الشيطان، ويتمسكون بأمر الرحمن. وذلك كما ورد في آية أخرى: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ
стр. 639
إِلَّا غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)
[الإسراء:
١٧/ ٦٣- ٦٥] .
إن جزاء المخالفين لأمر الله هو جزاء عادل، وواحد، لأن العصيان فيه معنى التحدي، والطاعة فيها معنى الامتثال والانقياد.
سكنى آدم في الجنّة وخروجه منها
اقتضت عدالة الله أن ترتبط المسبّبات بالأسباب والنتائج بالمقدّمات، وعملا بهذا المبدأ أمر الله آدم ﵇ بسكنى الجنّة واختباره فيها بامتثال الأمر الإلهي، فلما خالف وعصى، أمره ربّه بالخروج منها عدلا وجزاء موافقا لمخالفته وعصيانه، وهذه التجربة تصلح عنوانا لكل قضية في العالم، النعمة فيها مرتبطة بالموافقة، والنقمة فيها ملازمة للمخالفة. قال الله تعالى واصفا هذه القصّة:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩ الى ٢٥]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ١٩- ٢٥] .
стр. 640
يراد بهذه القصة إرشاد الناس إلى طرق الهداية، وتحذيرهم من وساوس الشّياطين، فإن الشيطان بسبب حسده لآدم وحواء، سعى في إخراجهما من الجنّة بمكره وخديعته، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة. قال الحسن البصري: كان يوسوس من الأرض إلى السماء، وإلى الجنّة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى فيه.
والمعنى: أباح الله تعالى لآدم وحواء سكنى الجنة والأكل من جميع ثمارها إلا من شجرة واحدة. والجنّة هي جنّة الخلد، والشجرة: نوع معين لم تعرف في القرآن، والنّهي عن الأكل من الشجرة لحكمة معينة هي اختبار الإنسان ومعرفة مدى امتثال التكليف الإلهي، فإنهما إن أكلا من تلك الشجرة، كانا من الظالمين لأنفسهما.
فحسدهما الشيطان، وسعى في خديعة آدم وحواء، ليسلبهما نعمة السكنى في الجنّة، فوسوس لهما لتصير عاقبة أمرهما إبداء ما ستر من عورتهما، وقال لهما: ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلا لئلا تكونا ملكين، أو تكونا خالدين في الجنّة. وأقسم لهما قسما مغلّظا شديدا: إني لكما لمن الناصحين المخلصين. ثم تابع في خداعهما بالترغيب في الأكل، وبالوعد وبالقسم، حتى نسيا أمر الله إليهما وإخباره أن الشيطان عدوّ لهما، ثم تمكّن من إسقاطهما عما لهما من المنزلة عند الله، كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) [طه: ٢٠/ ١١٥] . وقوله تعالى:
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ معناه: فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة، بما غرّهما به من القسم بالله، أي غرّهما بقوله وخدعهما بمكره.
فلما ذاقا ثمرة الشجرة، ظهرت عوراتهما، وزال عنهما النور، وشرعا يستران العورة بورق أشجار الجنة العريض. وعاتبهما ربّهما موبّخا: ألم أمنعكما من الاقتراب من هذه الشجرة، والأكل منها، وأقل لكما: إن الشيطان ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من دار النّعيم وهي الجنّة إلى دار الدنيا وهي دار الشقاء والتعب
стр. 641
في الحياة، فاحذروا الشيطان كما ورد في آية أخرى: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) [طه: ٢٠/ ١١٧] .
قال آدم وزوجته: ربّنا ظلمنا أنفسنا بمخالفتك وطاعة الشيطان، عدوّنا وعدوّك، وإن لم تستر ذنبنا وترض عنا وتقبل توبتنا، لنكونن من الذين خسروا الدنيا والآخرة، قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) [البقرة: ٢/ ٣٧] .
ثم أمر الله آدم وحواء بالهبوط أو النزول من الجنة، في حال من التّعادي، يعادي بعض الذّرية بعضا في الدنيا، ويستقرّون فيها إلى أجل مسمى عند الله، ويكون لهم فيها تمتّع إلى أجل محدود، وفي الأرض يحيون ويموتون، ثم يخرجون منها إلى دار البعث والجزاء بعد الموت حسبما يريد الله تعالى، وقد وصف ذلك في آية أخرى:
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: ٢٠/ ٥٥] .
ويظل الحذر من الشيطان واجب الإنسان لينجو من وساوسه وغوائله، ويستقيم في حياته ويسعد في الدنيا والآخرة.
روي أن آدم ﵇ أهبط بالهند، وحواء بجدّة، وتمنّاها بمنى، وعرف حقيقة أمرها بعرفة، ولقيها بجمع «١» ، وأهبط إبليس بميسان «٢» .
стр. 642
أهمية اللباس
اللباس للإنسان مظهر تحضر وتمدن وعنوان احترام للآخرين، أما العري وإظهار الأعضاء فهو مظهر من مظاهر البدائية والتخلف، يتفق مع حالة الإنسان البدائي وطريقة عيشه في الصحاري والوديان، لذا امتن الله تعالى بإنعامه على البشرية، إذ أوجد لهم أنواع الألبسة لستر العورات والعيوب، ومختلف الرياش والأصواف للتنعم والراحة، وحذر القرآن من فتنة الشيطان ووساوسه التي هي سبب من أسباب نزع اللباس وإزالة النعمة، فقال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ٢٦- ٢٧] .
ابتدئت الآيات بقوله تعالى يا بَنِي آدَمَ وهو خطاب لجميع الأمم وقت النبي ﵊، والمراد بهذا الخطاب: قريش ومن كان من العرب يتعرى في طوافه بالبيت، وهذه الآية امتنان من الله تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس الساتر للعورات، والريش: وهو ما يتجمل به من الثياب أو المعيشة. إن نعمة اللباس والثياب والاستمتاع بالزينة والجمال، واتقاء الحر والبرد من أجلّ النعم على البشرية، وإنزال اللباس: معناه الخلق والإيجاد للخليقة، وهذا من فضل الله على عباده إذ حماهم بإيجاد الألبسة والأمتعة من السوء والتعرض للمتاعب والمخاطر، وهذا من ضرورات المعيشة والرخاء في الدنيا.
стр. 643
إلا أن الله تعالى فضّل اللباس المعنوي وهو التقوى: أي الإيمان والعمل الصالح على اللباس المادي لأن أثره خالد، وحافظ للقيم والأخلاق التي تسعد المجتمع وتنشر الأمن والرخاء والاطمئنان، وتكفل الاستقرار ودوام الحياة الكريمة.
إن خلق اللباس والريش وهما عبارة عن سعة الرزق ورفاهة العيش والتمتع بالحياة من آيات الله الدالة على قدرته وفضله وإنعامه ورحمته بعباده، وإن هذه النعم تؤهل البشر لتذكّر فضل الله عليهم، وتحملهم على الشكر وتقدير المنعم، والبعد عن فتنة الشيطان (محاولة الإيقاع في البلاء) وإبداء العورات.
والوفاء للمنعم وشكره نتيجة طبيعية لكل معروف وصاحبه، فمن قدم جميلا لغيره استحق الشكر وتقدير المعروف، لذا ذكّر الله تعالى المؤمنين بما هو خير لهم: وهو ألا يغفلوا عن أنفسهم، ولا يصرفنهم الشيطان عن وصايا الله وشرعه ودينه. وفتنة الشيطان: الاستهواء والغلبة على النفس. والمعنى في قوله تعالى: لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ نهيهم أنفسهم عن الاستماع للشيطان وإطاعة أمره، فإن للشيطان فتنة ومحاولة لإغراء الناس، كما فتن أبوينا آدم وحواء بالإخراج من الجنة، فإن وسوسته أدت بسبب مخالفتهما أمر الله إلى التسبب في الطرد من الجنة، ونزع اللباس عن عوراتهما، وهو ورق الجنة، وإظهار سوءاتهما أي عوراتهما. وزيادة في التحذير والاعلام بأن الله قد مكّن الشيطان من ابن آدم، أخبرنا الله سبحانه بأن الشيطان يرى المؤمنين هو وجماعته، وهم لا يرونه، فيجب التخلص من وساوسه بكثرة الطاعة والقناعة برزق الله وفضله، علما بأن للشيطان أعوانا وأنصارا، والشياطين هم أعوان الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى إيمانا حقا تزكو به نفوسهم، وتصلح به أعمالهم، بسبب استعدادهم لقبول وسواس الشيطان، كاستعداد ضعفاء الأجسام لاستقبال الأمراض الفتاكة بسرعة كبيرة وتورط شديد.
стр. 644
هذه الآية تنبيه لنا بأن الشيطان عدو الإنسان، فيجب التنبه لمخاطره وتذكر عهد الله وميثاقه بأن نعبده وحده لا شريك له، ونزكي النفس بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة، وتهذيب الطباع، لنحقق السعادة الأبدية في الآخرة، ونؤدي الرسالة في هذه الحياة على الوجه الأكمل.
تقليد الآباء وتشريع الله
ليس التشريع العام للمجتمع أمرا سهلا لأن به قوام المجتمعات وحياة الأمم والشعوب، فإذا كان التشريع سديدا صالحا، صلحت الجماعة وإذا كان التشريع هشا بدائيا، فسدت الجماعة وانحدرت. لذا كان مصدر التشريع في الإسلام هو الله ، من أجل إسعاد الفرد والجماعة، أما عرب الجاهلية المشركون فكانوا يعتمدون في تشريعاتهم وتنظيماتهم على تقليد الآباء والأجداد، وتوارث الأنظمة دون تجديد ولا تصحيح ولا إدراك للخطأ.
ونجد في القرآن الكريم بيانا للفرق بين تشريع الجاهلية وتشريع الإسلام، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
«١» «٢» »
«٤» [الأعراف: ٧/ ٢٨- ٣٠] .
стр. 645
وبّخ الله تعالى المشركين على ارتكابهم الفاحشة: وهي الفعلة المتناهية في القبح، والمراد بها طوافهم حول البيت الحرام عرايا رجالا ونساء، وملازمتهم لعقيدة الشرك والوثنية. وإذا عوتبوا في ذلك قالوا: نحن في هذا مقلدون للآباء، متبعون للأسلاف، وتوهموا أن ما يفعلونه طاعات، وأن الله أمرهم بها، مع أن تلك الأمور فواحش.
وهذا أبطل الباطلات، وقل لهم أيها النبي: إن الله لا يأمر بالفحشاء أصلا، وإنما الذي يأمركم بذلك هو الشيطان.
وأما تقليد الآباء والأجداد فهو عمل ظاهر الفساد لأن لكل إنسان عقلا ووعيا يميز بين الصحيح والخطأ، والهدى والضلال، وليس الآباء حجة في التشريع، ولا طريقهم أو منهجهم بمنأى عن الخطأ، والتقليد في الأوضاع الفاسدة إلغاء للذات الإنسانية، وإهدار للفكر والعقل البشري الذي منحه الله تعالى للإنسان ليميز به بين الخطأ والصواب.
وإذا أخطأ العقل، وجد في الهداية الإلهية أو الوحي الرباني عاصما عن الخطأ، ومرشدا إلى الصواب، وموجها إلى الحق والحقيقة.
فإن الله لا يأمر إلا بالعدل والاستقامة والتوسط في الأمور، ومن أوامره: إيفاء العبادة حقها، والتوجه بكامل القلب وصحة القصد إلى الله وحده دون غيره عند كل صلاة، وأداء العبادة في وقتها، والإخلاص لله في العبادة من غير مراءاة ولا سمعة، ولا إشراك أحد مع الله، فإنه لا يتقبل عملا من الأعمال إلا إذا توافر فيه ركنان:
الركن الأول: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، والركن الثاني: أن يكون خالصا من الشرك بإدخال أحد من المخلوقات البشرية أو السماوية أو الأصنام شريكا في قصد العبادة والتعظيم. إن إخلاص الدين لله تعالى هو جوهر العبادة، لأن مصائر
стр. 646
الخلائق جميعا إلى الله تعالى، كما أنشأ هذه المخلوقات من العدم ابتداء يعيدها مرة أخرى، فيجازي كل إنسان على عمله، وهذا في ميزان العقل والمصلحة يتطلب إخلاص العبادة لله.
وعند العودة إلى الله وحال البعث والحساب الناس فريقان: فريق هداه الله ووفقه للعبادة والإيمان والإخلاص، وهم المؤمنون المسلمون الخاضعون المنقادون لله وأوامره، وفريق الضلالة الذين استوجبوا العذاب بسوء صنيعهم واختيارهم، واتباعهم وسواس الشيطان، إن هذا الفريق هم الذين اتخذوا الشياطين أنصارا وأعوانا من دون الله، فقبلوا ما دعوهم إليه، ولم يميزوا بين الحق والباطل، ويظنون أنهم سائرون على درب الهداية والصواب، مع أنهم هم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وهذا من فساد الرأي وسوء الفكر وضعف العقل، فإن الحق أحق أن يتبع، وإن من الحماقة والبلاهة أن يخطئ الإنسان ويزعم أنه على حق وسداد وهدى.
إباحة الزّينة والطّيّبات
إن الإسلام دين الوسطية والواقعية والاعتدال، فلا يمنع النافع الموافق للطباع السليمة، والملائم للأعراف الصحيحة، والمنسجم مع مقتضيات الصحة والقوة، والمدنية والحضارة. وإنما الذي يمنعه الإسلام هو الضّار أو الشيء القبيح الذي يؤذي النفوس، ويناقض المصلحة، ويسيء إلى الفرد والجماعة. وهذا هو منهاج القرآن الكريم الذي يبيح الزّينة وهي الثياب الساترة، والمطعومات والمشروبات النافعة. قال الله تعالى:
стр. 647
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
«١» [الأعراف: ٧/ ٣١- ٣٢] .
سبب نزول الآيتين هو: الأمر بارتداء الثياب الساترة، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية، وهي عريانة، وعلى فرجها خرقة، وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحلّه
فنزلت الآية: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ونزلت بعدها: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ. وفي صحيح مسلم عن عروة قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس: قريش وما ولدت.
والآيتان خطاب عام لجميع العالم، وأمر بهذه الأشياء بسبب عصيان مشركي العرب فيها. إن القرآن الكريم يأمر بكل ما فيه فضيلة ومدنية وتحضّر ونظافة ومروءة من الطّيب والسّواك والثياب الساترة، وكل مستحسن في الشريعة لا يقصد به الخيلاء. والأمر بالسّتر عند كل مسجد: معناه عند كل موضع سجود، وهذا يشمل جميع الصلوات التي يجب فيها ستر العورة، ويدخل مع الصلاة: مواطن الخير كلها.
وتختلف الزينة باختلاف الزمان والمكان والشخص والعمل. وكان هذا الأمر بارتداء الثياب والتّزين سببا لارتقاء العرب وانتقالهم من مظاهر القبلية المتوحشة إلى أرقى مظاهر المدنية والحضارة.
стр. 648
ثم وجّه القرآن الكريم إلى قاعدة أساسية في الطّب وتناول المباحات النافعة، وهي: الأكل والشرب من غير إسراف ولا تقتير، فالإسراف مذموم لتجاوزه حدود الحاجة والاعتدال، والتقتير مذموم لأنه بخل وشحّ، وكفى بالبخل داء، والمطلوب هو الاعتدال في المأكل والمشرب من غير تجاوز الحلال إلى الحرام، ولا الحاجة إلى التّخمة، ولا التقصير في الإنفاق لأنه مضرّة وبخل.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا، والبسوا، وتصدّقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» .
وليس أضرّ على الإنسان والأمة من الإسراف، فإنه ضرر وخطر بل وحرام وبطر، كما أنه ليس من الحكمة والخير تحريم الزينة والطّيبات من الرزق التي خلق الله موادها لعباده، وعلمهم كيفية الانتفاع بها، فهي مستحقّة مخلوقة لعباد الله من المؤمنين وغيرهم عدلا من الله وفضلا ونعمة.
لذ أنكر القرآن الكريم على من يحرّم الانتفاع بالمباحات زهدا وترفّعا، فهذا خطأ، فإن الطّيبات من الرزق حلال للناس جميعا في الدنيا، وخالصة خاصة للمؤمنين يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرّمة على الكافرين.
ومثل هذا التفصيل التّام والبيان لحكم الزينة والطّيبات، يفصل الله تعالى الآيات الدّالة على كمال الشّرع والدّين، وصدق النّبي والقرآن وإتمام الشريعة لقوم يعلمون العلوم النافعة كعلوم الاجتماع والنفس والطّب والمصالح.
وهذا الاتجاه القرآني في الاعتدال في اللباس والطعام والشراب والانتفاع بمنافع الدنيا الحسنة دليل على أن الإسلام دين الكمال والسّمو، والقوة والمدنيّة والحضارة، والتّقدم والاعتدال، والله ولي المتّقين.
стр. 649
أصول المحرّمات في الإسلام
بعد أن ذكر القرآن الكريم ما حرّمه الكفار المشركون على أنفسهم مما لم يأذن الله به، أتبعه ذكر ما حرّم الله ، ليميّز المخاطب بين الحق والباطل، ويدرك أن التّحريم مرتبط بالضرر والأذى للإنسان نفسه، وليس التحريم أمرا اعتباطيا أو عبثا لا يخدم هدفا ولا يؤدي مصلحة أو يدرأ مفسدة، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٣]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ٣٣] .
لما لبس المسلمون الثياب بأمر الله وتشريعه وطافوا بالبيت الحرام بالزينة التّامة، عيّرهم المشركون بذلك، فقال الله لنبيّه المصطفى ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين حرموا ما أحلّ الله من الطّيبات والرزق واللباس: ما حرم ربّي هذا، وإنما حرّم خمسة أشياء هي أصول المحرّمات الضّارة بالفرد والجماعة وهي ما يأتي:
١- حرّم الله تعالى الفواحش الظاهرة والباطنة، الجهرية والسّرية: وهي كل ما فحش وقبح من الأعمال المفرطة في الشّناعة، ما ظهر منها للناس وما بطن أو خفي عنهم، وتشمل المعاصي الكبائر لتفاحش قبحها، مثل الزّنى والرّبا والسّرقة والقتل وخيانة الوطن وإذاعة السوء، والخروج على الجماعة، وتفتيت وحدة الأمة، وتهديم بنيتها وحضارتها، وغير ذلك من كل ذنب خطير أو إساءة بالغة. ويعدّ كل ما حرّمه الشّرع فهو فاحش، وإن كان العقل لا ينكره كلباس الحرير والذهب ولو خاتما للرجال ونحوه مما يرتكبه الإنسان ظاهرا أو باطنا.
٢- وحرّم الله تعالى الإثم: وهو لفظ عام يشمل جميع الأقوال والأفعال التي
стр. 650
يتعلّق بمرتكبها إثم أو ذنب، وهو الذنوب الصغائر، وقال بعض الناس: الإثم هي الخمر، محتجّا بقول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول
٣- وحرّم الله أيضا البغي: وهو الظلم وتجاوز الحدّ في الفساد والحقوق بالاعتداء على حقوق الناس الآخرين أفرادا وجماعات، سواء أكان التّعدي مبتدءا أو كان صاحبه منتصرا، فإذا جاوز الحدّ في الانتصار فهو باغ. وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ زيادة بيان، إذ لا يتصور بغي بغير حق لأن ما كان بحق فلا يسمى بغيا.
٤- وحرّم الله تعالى الشّرك بالله: وهو أقبح الفواحش، وهو أن تجعل مع الله إلها آخر من صنم أو وثن أو كوكب أو ملك أو إنسان، لم تقم عليه حجة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجة سلطانا: لأنها ترجح قول الخصم على غيره، ويكون لها تأثير على قول السامع وفكره. والشرك لا دليل ولا حجة عليه من عقل ولا نقل، قال الله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) [المؤمنون: ٢٣/ ١١٧] .
وهذا يشعرنا أو يدلّنا أن الاقتناع بالبرهان والحجة الساطعة أساس بناء العقيدة، وأن الإيمان لا يقبل بغير وحي من الله، يدعمه الدليل والبرهان.
٥- وحرّم الله سبحانه التّقول على الله بغير حجة ولا علم، كالافتراء والكذب على الله، بادّعاء أن له ولدا أو شريكا من الأوثان، وكتحريم بعض المواشي من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، وتحليل الحرام وتحريم الحلال بلا سند ولا حجة، وهو القول بالرأي المحض من دون دليل من الشّرع، وهو سبب تحريف الأديان، والابتداع في الدين الحق، واتباع الهوى والشيطان، واستحسان الأنظمة المنافية لتعاليم الدين والشرع، وهذا منهج أدعياء التجديد، وتخطي الشريعة باسم الاجتهاد،
روى
стр. 651
البخاري ومسلم أن النّبي ﷺ قال: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» .
إن هذه الآية شملت تحريم جميع الجنايات وهي الجنايات على الأنساب كالزّنى والقذف، والجنايات على العقول كشرب الخمر وتناول المخدرات، والجنايات على الأعراض والكرامات كتجاوز حقوق الإنسان والمساس بكرامته، والجنايات على النفوس والأموال كإلحاق الظلم بالآخرين والغصب والسّرقة والنّهب والسّلب، والجنايات على الأديان كالطّعن في توحيد الله تعالى وسبّ الله والرسول ووصف بعض الأنبياء بصفات لا تليق بهم، فهم المعصومون من الأخطاء الكبائر منها والصغائر.
آجال الأمم والرّسل المرسلين إليها
الأمم والشعوب والأفراد ترتبط حياتهم بأزمان معينة وتواريخ محددة، والزمان والتاريخ سجل أمين حافل بأعمال البشر، فهم إن ملؤوا صفحة الحياة بأفعال مجيدة تفيد البلاد والأوطان، كانوا مؤدّين رسالة الحياة بأمانة وشرف وكرامة، وهم إن شغلوا أعمارهم وأوقاتهم بالمظالم وتوافه الأمور، كانوا خونة الأمانة وعالة على التاريخ، فالعقلاء هم الذين يعمرون حياتهم بجلائل الأعمال المفيدة للأمة والديار، قال الله تعالى مبيّنا قيمة الحياة ومهمّة رسل الإصلاح:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)
[الأعراف: ٧/ ٣٤- ٣٦] .
стр. 652
إن للوقت قيمة كبري وأهمية عظمي، والأجيال المتلاحقة تشغل فترة من التاريخ والزمن المحدّد لها والمقدّر لوجودها وأعمالها، فلكل أمة أي قرن وجيل، ولكل فرد وشيء في الوجود أجل محدد معلوم، وهو الوقت الذي قدره الله تعالى لكل كائن حيّ، فإذا انقضى هذا الوقت، وانتهى هذا الأجل المقدّر للأمم والأفراد، انطوت صفحات الأعمال، ولا يتأخّرون عن الأجل ساعة أو أقل، ولا يتقدّمون عنها بساعة وأقل منها.
وإن عزّة الأمم وسعادتها، وخلود تاريخ الرجال أو النّساء مرتبط بامتثال شرع الله والتّمسك بالفضيلة، والبعد عن الفاحشة والرذيلة. وشقاء الأمم ونكبتها وطي صفحة أبنائها يكون بالبعد عن أوامر الله ودينه، والانغماس في المنكرات، واقتراف جرائم الغش والرشوة والفساد والإسراف والظلم، والتخريب السّري أو العلني.
وإذا كانت الأمم المعاصرة قد تقدّمت فبسبب إصلاح شؤون حياتها، وإذا كانت الأمة الإسلامية متخلّفة فبسبب بعدها عن شرائع ربّها، ومن أخصّها الوحدة والبناء والعمل والتّخطيط والحزم وضبط الموارد وصرفها في أولويات الحياة العزيزة الكريمة.
وأمّتنا هي أولى الأمم بالتمسك بالمثل العليا والقيم الكريمة، لأن دينها يأمرها بذلك.
والله بهذه الآية وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يهدّد ويوعد كل من يخالف الأمر ويسير على غير هدى من الله.
وهداية الله تعالى تتمثّل في الكتب المنزلة والرّسل المرسلة، وقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ خطاب لجميع العالم، وهو إنذار وتحذير للبشر، فإن أتاكم أيها الناس رسل من جنسكم يخبرونكم بما أوجبته عليكم وما شرعته لكم من نظم العبادة والمعاملة والأخلاق، وما نهيتكم عنه من الشّرك وقبائح الأفعال، فأنتم حينئذ فريقان:
فمن اتّقى الله وأصلح العمل، وترك الحرام وفعل الطاعات، والتزم الفضيلة
стр. 653
واجتنب الرذيلة، فلا خوف عليهم من عذاب الآخرة، ولا يطرأ عليهم حزن على ما فات، ولا جزع على ما مضى. وهذا الفريق هم أهل السعادة والنجاة، وهم الذين شغلوا أعمارهم وأوقاتهم بالنافع المفيد.
والفريق الثاني وهم الذين كذبوا بآيات الله التّنزيلية والكونية، ولا سيما آيات القرآن المجيدة، وجحدوا بدلائل التوحيد والألوهية، والأحكام والشرائع الدينية، ورفضوا العمل بآيات الله واستكبروا عن قبولها والعمل بها كبرا وعنادا، فأولئك أصحاب النار، ماكثون فيها على الدوام، ومخلّدون فيها إلى الأبد بمشيئة الله تعالى.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها فيه حالتان تعمّ جميع من يصدّ عن رسالة الرّسول ﷺ ، فإما أن يكذب بحسب اعتقاده، وإما أن يستكبر فيكذب، وإن كان غير مصمم في اعتقاده على التكذيب. وفي كلا الحالين يكون المكذب عن عقيدة، والمستكبر عن غير عقيدة في التكذيب من الهالكين الخاسرين الذين ضلّوا الطريق، وأساؤوا القصد والعمل، وانحرفوا عن منهاج الحق الإلهي.
عاقبة الكذب على الله تعالى
ليس هناك أسوأ عاقبة ولا أشدّ افتراء من الكذب على الله تعالى، بأن يتقوّل المرء على الله ما لم يقله، أو يكذّب ما قاله الله، وكأن المكذّب لا يحس في أعماق نفسه بوجود الله وعظمته، بسبب غيابه الحسي عنه، ويفتقر في ذاته إلى رصيد كبير من الإيمان يعوضه فراغ القلب، وإقفار النفس، وليته أدرك مصيره المشؤوم ومستقبله المظلم، وهذا ما نبّه إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
стр. 654
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٣٧- ٣٩] .
قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ هذا وعيد واستفهام على جهة التقرير، أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب، بأن أوجب ما لم يوجبه، أو حرّم ما لم يحرّمه، أو نسب إلى دينه حكما لم ينزله، أو نسب إلى الله ولدا أو شريكا، أو كذّب بآيات الله المنزلة، فأنكر القرآن مثل كفار العرب والعجم، أو لم يؤمن بالنّبي محمد ﷺ ، أو استهزأ بالآيات أو تركها مفضلا عليها غيرها.
أولئك الكفرة جميعا ينالهم نصيبهم من الكتاب المقدّر، وهو الشقاء والسعادة التي كتبت له أو عليه، بحسب علم الله وعمل هذا المخلوق، حتى إذا جاءتهم الرّسل وهم ملائكة الموت يتوفونهم ويقبضون أرواحهم، سألتهم الرّسل تأنيبا وتوبيخا: أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم في الدنيا من دون الله؟! ادعوهم يخلّصونكم مما أنتم فيه، فأجابوهم: لقد غابوا عنا وذهبوا، فلا ندري مكانهم، ولا نرجو منهم النفع والخير، ولا دفع الضّر. وأقروا واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا بدعائهم وعبادتهم إياهم كافرين. وهذا الحوار عند قبض الأرواح زجر للكفار عن كفرهم، ودفع لهم إلى النظر والتأمل في عواقب أمورهم.
ثم أخبر الله تعالى عن جواب الملائكة لهؤلاء المشركين المفترين الكذب على الله والمكذبين بآياته: ادخلوا النار مع أمم أمثالكم وعلى صفاتكم، من فئة الجنّ والإنس.
стр. 655
وكلما دخلت جماعة منهم النار، ورأت العذاب والخزي والنكال، لعنت أختها في الملّة والدّين التي ضلّت بالاقتداء بها، كما قال تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت: ٢٩/ ٢٥] . حتى إذا تداركوا (أدرك بعضهم بعضا) وتلاحقوا في النار، واجتمعوا فيها كلهم، قالت الفئة الأخيرة دخولا وهم الأتباع والسّفلة، للفئة المتقدّمة دخولا، وهم المتبوعون والقادة: يا ربّنا هؤلاء السّادة أضلّونا عن الحقّ، فأعطهم عذابا مضاعفا من النار، فأجابهم الله تعالى:
لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف، وقد فعلنا ذلك، أما مضاعفة العذاب للسّادة فبسبب إضلال غيرهم وحملهم الآخرين على اتّباعهم والأخذ بآرائهم، وأما مضاعفة العذاب للأتباع فبسبب ترويجهم أضاليل السّادة وإهمال عقولهم وأفكارهم. فالعذاب مشدّد على الأول والآخر من الفئتين، ولكن لا تعلمون المقادير وصور التضعيف.
وقالت فئة السّادة المتبوعين للأتباع: إذا كنا قد أضللناكم، فليس لكم فضل علينا، فقد ضللتم كما ضللنا، فنحن وأنتم سواء في استحقاق العذاب المضاعف أو المشدّد، فإنكم كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فلا تستحقون تخفيفا من العذاب، فذوقوا وتلقّوا العذاب الإلهي بما تسبّبتم به من الكفر والضّلال.
جزاء الكافرين المكذبين
يخطئ الإنسان كثيرا حينما لا يقدر عواقب الأمور، ولا يدرك حقيقة ما عليه حاله من انحراف أو ضلال، حتى وإن تأثر بالتقليد أو عمل بتوجيه بعض المعلمين، لأن مراجعة الحساب أمر مطلوب لكل عاقل، وليس كل ما يقوله المعلم صوابا أو صحيحا، فبعض المعلمين يتأثرون بأفكار دخيلة مغشوشة، ويخطئون في فهم الأمور،
стр. 656
ثم ينقلون الخطأ إلى التلاميذ والأتباع، وهذا يتطلب الحذر الشديد من تناقل الأفكار وتوارث الآراء عن طريق المعلمين، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ٤٠- ٤١] .
هذه الآية عامة في جميع الكفرة قديمهم وحديثهم، وهي تضع قرارا حاسما منكودا، وتقرر حكما مبرما لا رجعة فيه، وتوضح أن احتمال دخول الكفار الجنة مستحيل أبدا، لا يحدث بحال، فلا يطمع أحد كفر بالله في دخول الجنة، ولا يتأمل إنسان كذّب بآيات الله الوصول إلى مستقر رحمة الله في الآخرة.
إن الذين كذبوا بآيات الله الدالة على وحدانيته وصدق نبيه وصحة النبوات وإثبات المعاد، لا يصعد لهم عمل صالح، لخبث أعمالهم، ومثلهم الذين تكبروا عن آيات الله في قرآنه لا تفتحّ لأرواحهم وأعمالهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة أبدا بحال، فهم مطرودون من رحمة الله، فدخولهم الجنة مستحيل، وهو معنى قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
أي حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة، وهذا أسلوب شائع بين العرب للدلالة على الاستحالة.
ومثل ذلك الجزاء الشديد الشنيع يجزي الله كل من أجرم في حق الله، وفي حق نفسه، وفي حق إخوانه المسلمين، ليدل على أن الاجرام هو السبب المؤدي إلى العقاب، وأن كل من أجرم عوقب، ثم كرر ذلك في آخر الآية التالية، فقال:
وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ لأن كل مجرم ظالم لنفسه.
стр. 657
ولهؤلاء المجرمين من نار جهنم فراش يفترشونه من تحتهم، وأغطية من فوقهم، والمراد أن النار محيطة بهم، مطبقة عليهم من كل جانب، كما قال الله تعالى: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) [الهمزة: ١٠٤/ ٨] . وقال: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: ٩/ ٤٩] وقال سبحانه: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ [الزمر: ٣٩/ ١٦] .
ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين أنفسهم وغيرهم من الناس، وهذا دليل على أن المجرمين والظالمين هم الكافرون، لقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢/ ٢٥٤] .
إن هذا الجزاء الحاسم للكفار يتطلب التأمل والاعتبار والاتعاظ، فلا يقبل لهم عمل صالح في الآخرة، لأن قبول العمل مرتكز على قاعدة صحيحة هي الإيمان والتقوى، والله إنما يتقبل من المتقين، ويقبل العمل الصالح لا الفاسد، ويرفع إليه الكلم الطيب، لقوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:
٣٥/ ١٠] وقوله سبحانه: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) [المطفّفين: ٨٣/ ١٨] .
وفي قوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ تشبيه المعنويات بصور المحسوسات، فإن جهنم فراش لهم ومسكن ومضجع يتمهدونه، وهي لهم غواش:
جمع غاشية، وهي ما يغشى الإنسان، أي يغطّيه ويستره من جهة فوق، فكأن النار التي من تحتهم ومن فوقهم ومن جميع جوانبهم مثل الفراش المفترش، واللحاف الذي يتغطى به النائم، نعوذ بالله من الخذلان ومن شدة نار جهنم.
جزاء المؤمنين المصدّقين
إن أسعد ما يفرح قلوب العاملين في الدنيا والآخرة: هو الظفر بالأجر والثواب، لأن العدل يقتضي ذلك، ولأنه يشعر العامل أن عمله محفوظ محترم، وثمرة جهوده لم
стр. 658
تضع سدى. ولهذا تكرر في القرآن المجيد الإخبار بمكافأة العاملين، والوعد بأحسن المنازل، والجزاء في الدار الآخرة بجنان الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٤٢- ٤٣] .
جرت سنة القرآن الجمع بين الوعد والوعيد، فبعد أن ذكر الله تعالى وعيد الكافرين والعصاة، أتبعه بوعد المؤمنين الطائعين، وهذه الآية وعد وإخبار قاطع بأن جميع المؤمنين هم أصحاب الجنة، ولهم الخلد فيها.
والموعودون: هم الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فهم أهل الجنة دون سواهم، وهم المخلّدون فيها أبدا، وتجري الأنهار من تحت غرفهم وبساتينهم النضرة.
وجاء قوله تعالى: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها جملة اعتراضية، للتنبيه على أن الجنة مع عظم مكانها، يسهل الوصول إليها، فقاعدتها الإيمان الصحيح، وطريقها العمل الصالح المؤدي إلى الجنة، وهو أمر سهل هيّن على النفوس، لا مشقة فيه ولا حرج، ولا زيادة فيه على مقدور الإنسان، ومعنى الوسع: ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدة.
ومن نعم الله تعالى التي أخبر بها على أهل الجنة: صفاء نفوسهم، وسلامة
стр. 659
صدورهم، ينقّي الله قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، حتى لا يكدّرهم مكدّر، ولا يؤلمهم ألم، ولا يحزنهم فزع، ولا يحدث بينهم شرّ، وذلك أن صاحب الغل أو الحقد متعذّب به، ولا عذاب في الجنة،
وورد في الحديث الذي ذكره القرطبي: «الغلّ على باب الجنّة كمبارك الإبل، وقد نزعه الله ﵎ من قلوب المؤمنين» .
وذكر قتادة أن عليّا ﵁ قال: «إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ﵃ من الذين قال الله فيهم: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» .
ويقول المؤمنون قولتين في الجنّة شاكرين نعمة الله وفضله: القولة الأولى: الحمد لله الذي هدانا في الدنيا للإيمان الصحيح والعمل الصالح، الذي كان جزاؤه هذا النّعيم. وما كان من شأننا وتفكيرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا، لولا هداية الله وتوفيقه إيانا لاتّباع رسله.
والقولة الثانية: لقد جاءت رسل الله ربّنا بالحقّ الثابت والكلام الصادق، وهذا مصداق وعد الله على لسان رسله.
وتناديهم الملائكة قائلين لهم: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، هذه الجنة التي أورثكم الله إياها جزاء أعمالكم الصالحة.
وإذا كان القانون العام بمقتضى العدل الإلهي هو أن دخول الإنسان الجنة بعمله، فإن العمل قليل بجانب فضل الله، لذا احتجاج الإنسان إلى أن يكون دخول الجنة بمجرد رحمة الله تعالى،
جاء في الحديث الصحيح: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله بفضله ورحمته» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ [المؤمنون: ٢٣/ ١٠] .
стр. 660
حوار أهل الجنّة والنار
الحوار أو المناظرة بين أهل الجنة وأهل النار أمر ثابت واقع، يدل على وجود الحرية وحقّ الدفاع عن وجهات النظر في ساحات المحاكمة التي يكون قاضيها ربّ العالمين. والإخبار عن هذا الحوار في القرآن الكريم دليل آخر على صدق توقّعات المؤمنين وهزيمة الكافرين في الدار الآخرة، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٤٤- ٤٧] .
هذا إخبار من الله عما يكون بين فريقي المؤمنين والكافرين في الآخرة، وخبر الله صدق واقع لا محالة، عبّر عن معان مستقبليّة بصيغة ماضية، لإفادة تحقق وقوعه، واستقرار حدوثه، حتى لكأنه أصبح حديثا يتناقله الناس عن الماضي، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب. ويحصل النداء بعد استقرار الفريقين في الجنة والنار.
والنداء الصادر من أهل الجنة لأهل النار يحصل بصفة جماعية أو فردية، ومضمون النّداء: أن أصحاب الجنة يقولون لأهل النار: قد وجدنا ما وعدنا ربّنا على ألسنة الرّسل من النعيم والتكريم حقّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم من الخزي والنكال حقّا؟ فقالوا: نعم، فنادى مناد أو مؤذّن بين الفريقين: أن لعنة الله على الظالمين،
стр. 661
أي إن اللعنة وهي الطرد من رحمة الله مستقرة على الظالمين أنفسهم بعدم الإيمان.
وهذا المنادي أو المؤذن إما مالك خازن النار أو ملك آخر غيره.
وأوصاف هؤلاء الظالمين: هي أنهم الذين يمنعون الناس عن اتّباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويطلبون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد.
ومن أوصاف الظالمين: أنهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي جاحدون مكذّبون بذلك، لا يصدّقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر القول والعمل.
وبين فريقي الجنة والنار حجاب حاجز مانع من وصول أهل النار، وهو السّور الذي وصفه الله تعالى بقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد: ٥٧/ ١٣] . وأعالي السّور: هي الأعراف، وأهل الأعراف على أعالي ذلك السّور رجال يرون أهل الجنّة وأهل النّار، ويعرفون كلّا منهم بعلامتهم من بياض وجوه المؤمنين وسواد وجوه الكافرين. وأهل الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فلم يتأهّلوا للجنّة، ولم يستحقّوا النّار، وقفوا هناك على السّور حتى يقضي الله فيهم.
ونادى أصحاب الأعراف أهل الجنة قائلين لهم: سلام عليكم، والحال أنهم لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب، ولاعتمادهم على سعة فضل الله ورحمته.
والناس جميعا في ذلك الموقف بين الخوف والرجاء. روى أبو نعيم الأصفهاني عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لو نادى مناد: يا أهل الموقف، ادخلوا النار إلا رجلا واحدا، لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى: ادخلوا الجنّة إلا رجلا واحدا، لخشيت أن أكون ذلك الرجل.
стр. 662
وتكميلا للمشهد أخبر الله تعالى عن أهل الأعراف: أنه إذا حولت أبصارهم نحو أهل النار من غير قصد، فرأوا وجوههم مسودّة، وأعينهم مزرقّة، قالوا متضرّعين إلى الله تعالى: ربّنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظّالمين أنفسهم.
وهكذا ترى الفارق واضحا في نظرات أهل الأعراف، فهم إن نظروا إلى أهل الجنة سلّموا عليهم، وتاقت نفوسهم إلى اللقاء بهم، وإن نظروا إلى أهل النار، استغاثوا وتضرّعوا ألا يكونوا معهم. وهذا توقّع طبيعي.
حوار آخر بين أهل الأعراف وأهل النّار
في الآخرة ألوان متعددة من الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وبين أهل الأعراف وأهل النار، الغرض منها كما أخبر القرآن الكريم تبيان الحق لأهل الاستقامة، ومعرفة الباطل لأهل الضّلالة، وكل ذلك أخبر عنه القرآن المجيد سلفا في عالم الدنيا ليحتاط الإنسان ويكون على بيّنة من أمره. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
«١» [الأعراف: ٧/ ٤٨- ٤٩] .
هذا لون من النداء أو المناظرة والحوار بين أهل الأعراف وأهل النار يراد به توبيخ الكفار وتأنيبهم على غرورهم وتكبّرهم واحتقارهم ضعفاء المؤمنين لفقرهم وحاجتهم.
وتصوير الحوار أن أهل الأعراف: وهم قوم من البشر مذنبون على أعالي السّور
стр. 663
بين الجنّة والنار ينادون رجالا من المشركين من أهل النار، يعرفون كلّا منهم بسيماهم، أي بعلامتهم: وهي سواد الوجوه وقبحها في أهل النار وما عليها من الغبرة، وزرقة العيون وتشوية الخلقة، قائلين لهم: أي شيء أغناكم عنه جمع المال، أو اجتماعكم وكثرتكم، واستكباركم عن الإيمان برسالة النّبي محمد ﷺ ، وتكبّركم على المستضعفين والفقراء من المسلمين كصهيب وبلال وآل ياسر؟ لم يمنع عنكم ذلك كله شيئا من العقاب، ولا أفادكم شيئا من الثواب، بل صرتم إلى ما أنتم عليه من العذاب والنّكال. وتبدّدت مزاعمكم التي كنتم تردّدونها أن من أغناه الله في الدنيا، وجعله قويّا هو الذي له نعيم الآخرة، وذلك في قول الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) [سبأ: ٣٤/ ٣٤- ٣٥] .
ثم سألوهم سؤال توبيخ وتقريع عن حال المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم في الدنيا بسبب إيمانهم وإسلامهم كآل ياسر وخبيب وصهيب وبلال الحبشي، فقالوا لهم: أهؤلاء الذين أقسمتم أو حلفتم في الدنيا ألا ينالهم الله أبدا برحمة لفقرهم وضعفهم وقلة أتباعهم، وهم الآن في رياض الجنّة ونعيمها ويتمتّعون بخيراتها، وغيرهم من جبابرة الكفار وزعماء الشرك يتقلّبون في حرّ جهنّم ويتلظّون في سعيرها.
أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم، قيل لهم من الله أو من الملائكة: ادخلوا الجنة من غير خوف على ما يأتي، ولا حزن على ما فات؟! وأقسم أهل النار من المشركين: أن أهل الأعراف داخلون النار معهم، فنادتهم الملائكة: إن أهل الأعراف الموقوفين على السّور يقال لهم: ادخلوا الجنّة، لا خوف عليكم في المستقبل، ولا يطرأ عليكم حزن في الحاضر ولا تأسّف على ما فات في الماضي.
стр. 664
وذكر الطبري من طريق حذيفة: أن أهل الأعراف يرغبون في الشفاعة، فيأتون آدم، فيدفعهم إلى نوح، ثم يتدافعهم الأنبياء ﵈، حتى يأتوا محمدا ﷺ ليشفع لهم، فيشفع، فيدخلون الجنّة، فيلقون في نهر الحياة، فيبيضّون ويسمّون مساكين الجنّة.
وفائدة الحوار المذكور بين أهل الأعراف وأهل النار: تبيان أن الجزاء على قدر العمل، والترغيب في التسابق في أعمال الخير، وأن المعول عليه ليس هو المال والغنى والقوة، وإنما المنظور إليه هو العمل الصالح، وأن الطائعين يتميّزون بالنّضرة، وأن العصاة يعرفون بالغبرة والزّرقة وتشوّه الخلقة.
وإن أساس السعادة والنجاة في عالم الآخرة هو الإيمان والعمل الصالح، وسبب الهلاك والعذاب في النار هو الشّرك أو الكفر، أو التّكبر عن اتّباع رسالة الحق رسالة النّبي ﷺ .
وفضل الله ورحمته يشملان المقصّرين أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ترغيب في تفادي التقصير في العمل، حتى لا يتعرّض المقصّرون لشيء من الحسرة والألم، والمهلة والانتظار، والقلق والاضطراب، ويستفاد من ذلك أن على الإنسان أن يكون بصيرا بالعواقب، شديد الخوف من سوء المصير، عظيم الرجاء في إحسان الله وفضله ورحمته، والله يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء.
استغاثة أهل النار بأهل الجنة
إذا اشتد الكرب، وعظم البلاء، وأطبق العذاب بأهل النار لم يجدوا ملجأ إلا الاستغاثة والاستنجاد بأهل الجنة لإمدادهم بالطعام والشراب، وإنقاذهم مما يتعرضون له من النكال والشدة وسوء التقلب في نار جهنم، فترتفع أصواتهم بالنداء
стр. 665
لعلمهم بأن أهل الجنة يسمعون نداءهم، وكأنهم يظنون أن أصحاب الجنة قادرون على نجدتهم والإشفاق عليهم، وقد حكى القرآن الكريم خبر هذا النداء فقال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ٥٠- ٥١] .
هذا مشهد من مشاهد أهل النار يوم القيامة، يعبر عن سوء حالهم، ويدل على مدى الذل والانكسار الذي يسيطر عليهم، فيطلبون من أهل الجنة أن يمدوهم بشيء من الطعام والشراب، طمعا في الفرج، وأملا في النجاة. والأشنع على الكافرين في مقالتهم لأهل الجنة: أن بعضهم يرى بعضا، وذلك أخزى وأنكى للنفس.
إنهم يطلبون من أقاربهم أن يفيضوا عليهم من الماء للإبراد، أو مما رزقهم الله من الأطعمة والأشربة غير الماء. إنهم يستغيثون ويستجيرون مع علمهم بأنهم لا يجابون أبدا، بسبب حيرتهم في أمرهم، وشدة حاجتهم إلى الماء، كما يفعل كل مضطر كالغريق وغيره، يستنجد ويصرخ وهو يعلم أنه لا أمل في النجاة، وأن اليأس هو الغالب.
ويؤكد ذلك أي فقد الأمل: أن أهل الجنة يبادرون إلى الجواب قائلين: إن الله تعالى منع الكفار شراب الجنة وطعامها.
قال ابن عباس ﵄: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل
стр. 666
النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ربنا، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودّت وجوههم، وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ. وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب، بسبب شدة حر جهنم.
ثم وصف الله تعالى الكافرين أهل النار بأنهم استحقوا النار لاتخاذهم الدّين لعبا ولهوا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفتها، عما أمروا به من العمل للآخرة، وجعلوا دينهم أعمالا لا تزكي الأنفس ولا تفيد، بل هي لهو يشغل الإنسان عن الجد، أو لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة، فهي كأعمال الأطفال.
إنهم اغتروا في حياتهم الدنيوية بالشهوات والزخارف والزينة واللذات من الحلال والحرام، وسخروا بالدين وأهله، وأعرضوا عن هدي الله في قرآنه، فكان جزاؤهم أن يعاملوا معاملة المنسي من الخير لأن الله تعالى لا يخرج شيء عن علمه ولا ينساه، ويتركوا في نار جهنم، كما تناسوا لقاء الله ولم يعملوا له، وأنكروا ما جاءت به الرسل وآيات الله. إن الله يتركهم في عذاب النار، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما جحدوا بآيات الله التنزيلية والكونية.
وقد سمى الله جزاء نسيانهم نسيانا من قبيل المشاكلة والمشابهة لأفعالهم، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٢/ ٤٠] مع أن الجزاء حق وعدل وليس سيئة، والمراد من كل هذا أنهم يهملون، وأن نسيان الله لهم معناه: أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم، وأن النسيان في قوله سبحانه: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو بمعنى الترك، أي تركهم في العذاب، كما تركوا النظر للقاء الله يوم القيامة.
стр. 667
إن هذا لون من الإنذار الموجب للخوف وضرورة الاحتراس والحذر من عواقب الكفر والعصيان.
حيرة الكفّار وندمهم في الآخرة
لم يترك الله البشر يسيرون في الحياة هائمين على وجوههم، عاملين بشهواتهم وأهوائهم، وإنما اقتضت رحمته وسوابغ أفضاله تبشيرهم وتحذيرهم، وبيان ما يصلحهم ويرشدهم إلى أفضل السّبل وأقوم المناهج والطرق، وذلك بالقرآن المجيد الكامل البيان، الوافر العطاء والتوجيه، المشحون بالحكم والمواعظ، والقصص والعبر، والوعد والوعيد، والشرائع والأحكام، قال الله تعالى مبيّنا خواصّ قرآنه ومزايا كتابه:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٥٢/ ٥٣] .
القاعدة المعروفة: لقد أعذر من أنذر، والله أراد أن يقطع معاذير المشركين وتمسّكهم بأعذار واهية لا قيمة لها في الميزان العلمي والعقلي، فأقسم الله سبحانه بما معناه: لقد جئنا أهل مكة وغيرهم من المشركين بكتاب واضح مبين، فصّلناه وأوضحنا آياته بالحكم والمواعظ والقصص والأحكام والوعد والوعيد، على علم تامّ بما فصلناه، من أجل تصحيح عقيدتهم، وتطهير نفوسهم، وإسعاد حياتهم،
стр. 668
وجعلناه هدى وإنقاذا من الضلالة، ورحمة سابغة لمن يؤمن به، ويعمل بأحكامه. أما غير المؤمنين به فلا ينتفعون منه بشيء.
أوضح هذا القرآن أصول الدين، وندّد بالشّرك والوثنية، ووضع الأنظمة الصالحة للبشر، وحضّ على البناء والعمل، والتقدم والتحضّر، بدفع العقول والأفكار للتفكير والإنجاز، وذمّ التقليد وتوارث الأنظمة والمعتقدات من غير بحث ولا نظر، ولا تمحيص في آيات الله الكثيرة.
هل ينظرون؟ أي أما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويل القرآن وإنجاز ما جاء فيه ومآل الحال في هذا الدين وما دعوا إليه وما صدّوهم عنه، وهم يعتقدون مآله جميلا لهم، فأخبر الله أن مآله يوم يأتي، يقع معه ندمهم، ويقولون تأسّفا على ما فاتهم من الإيمان: لقد صدقت الرّسل وجاؤوا بالحق.
يقول الذين جعلوا القرآن كالمنسي المتروك: قد جاءت رسل ربّنا بالحق، أي صدقوا في كل ما قالوا، وصحّ أنهم جاؤوا بالحق، وظهر أنه متحقق ثابت، ولكنا نحن الذين أعرضنا عنه، فجوزينا هذا الجزاء.
وأصبحوا يتمنّون الخلاص بكل ما يمكن من أحد أمرين: إما شفاعة الشافعين، وإما الرجوع إلى الدنيا لإصلاح العمل، وتجديد السلوك والمنهج الذي يرضي الله تعالى.
والسبب في تمنّي الشفعاء: هو أن هؤلاء الكفار تذكروا أساس الشرك المغلوط، وهو أن النّجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، فحينما أفلسوا وعرفوا أن النّجاة بالإيمان والعمل الصالح الذي أوضحه القرآن وهو أداء الفرائض وترك المحظورات، حينما أفلسوا تمنّوا الرجوع إلى الدنيا ليعملوا بما أمر به الرّسل غير عملهم السابق، كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)
стр. 669
[الأنعام: ٦/ ٢٧- ٢٨] .
وهذه كالآية في سورة الأعراف التي ذكرناها: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي إنهم ضيّعوا أنفسهم وغبنوها بدخولهم النار وخلودهم فيها، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء (أي الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله) قائلين: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٠/ ١٨] فلا يشفعون فيهم، ولا ينصرونهم، ولا ينقذونهم مما هم فيه من العذاب. ولا يتمكّنون من الرجوع للدنيا، لأنهم لو عادوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله ﷻ .
أدلة إثبات الألوهيّة
يتساءل كثير من الناس عن الأدلّة القطعية التي تثبت وجود الله تعالى ووحدانيته في الرّبوبيّة والألوهيّة، لتطمئن النفس البشرية، ويكون الإيمان مستقرّا فيها عن قناعة واطمئنان، لا عن مجرد تقليد وحكايات، واكتفى القرآن العظيم بدليل واحد يدل على وجود الله ووحدانيته، ألا وهو الخلق والإيجاد، والإبداع والأمر النافذ الذي يترتب عليه وجود الأشياء فورا دون تلكؤ ولا تأخّر. وهذا ما نصّت عليه الآية القرآنية التالية:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٥٤] .
стр. 670
إن مدار القرآن الكريم وغايته الجوهرية في العقيدة إثبات أسس أربعة: وهي التوحيد لله، والنّبوة، والمعاد، والقضاء والقدر، وإثبات المعاد متوقّف على إثبات التوحيد والقدرة والعلم، وإثبات هذه الأصول يتمثّل في خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض.
وهذه الآية خطاب عام لجميع البشر، يقتضي التوحيد وإقامة الحجة عليه بدلائله، فالله سبحانه هو الرّب، أي المالك والسيد المطلق ومتولّي جميع شؤون المخلوقات، فيستحقّ العبودية له وحده، والعبادة وحده، والاستعانة به وحده لأنه هو الذي خلق الكون والعالم كله، خلق السماوات السبع والأراضي السبع وما بين ذلك من الموجودات والكائنات الحيّة، خلقها في ستة أيام، واليوم في رأي مجاهد وأحمد بن حنبل كألف سنة، كما قال الله تعالى: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحجّ: ٢٢/ ٤٧] . وأما يوم القيامة فقال الله في وصفه: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٧٠/ ٤] .
ولو أراد الله خلق السماوات والأرض في لحظة لفعل، ولكنه سبحانه له حكمة بالغة في ذلك، انفرد بعلمها كسائر أحوال الشرائع، وكأن الحكمة في تصوّرنا تعليم العباد التّأني والتّثبّت في الأمور، والاعتماد في كل شيء على الإتقان والإحكام، ولإعلام الناس أن خلق السماوات والأرض أمر عظيم ليس بالشيء الهيّن، كما قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:
٤٠/ ٥٧] .
وكان خلق الأرض في يومين، وخلق الجبال الرواسي وأنواع النبات والحيوان في يومين آخرين، وخلق السماوات وما فيها من عوالم وأفلاك، وكواكب وأبراج في يومين.