النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ربنا، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودّت وجوههم، وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ. وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب، بسبب شدة حر جهنم.
ثم وصف الله تعالى الكافرين أهل النار بأنهم استحقوا النار لاتخاذهم الدّين لعبا ولهوا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفتها، عما أمروا به من العمل للآخرة، وجعلوا دينهم أعمالا لا تزكي الأنفس ولا تفيد، بل هي لهو يشغل الإنسان عن الجد، أو لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة، فهي كأعمال الأطفال.
إنهم اغتروا في حياتهم الدنيوية بالشهوات والزخارف والزينة واللذات من الحلال والحرام، وسخروا بالدين وأهله، وأعرضوا عن هدي الله في قرآنه، فكان جزاؤهم أن يعاملوا معاملة المنسي من الخير لأن الله تعالى لا يخرج شيء عن علمه ولا ينساه، ويتركوا في نار جهنم، كما تناسوا لقاء الله ولم يعملوا له، وأنكروا ما جاءت به الرسل وآيات الله. إن الله يتركهم في عذاب النار، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما جحدوا بآيات الله التنزيلية والكونية.
وقد سمى الله جزاء نسيانهم نسيانا من قبيل المشاكلة والمشابهة لأفعالهم، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٢/ ٤٠] مع أن الجزاء حق وعدل وليس سيئة، والمراد من كل هذا أنهم يهملون، وأن نسيان الله لهم معناه: أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم، وأن النسيان في قوله سبحانه: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو بمعنى الترك، أي تركهم في العذاب، كما تركوا النظر للقاء الله يوم القيامة.
стр. 667
إن هذا لون من الإنذار الموجب للخوف وضرورة الاحتراس والحذر من عواقب الكفر والعصيان.
حيرة الكفّار وندمهم في الآخرة
لم يترك الله البشر يسيرون في الحياة هائمين على وجوههم، عاملين بشهواتهم وأهوائهم، وإنما اقتضت رحمته وسوابغ أفضاله تبشيرهم وتحذيرهم، وبيان ما يصلحهم ويرشدهم إلى أفضل السّبل وأقوم المناهج والطرق، وذلك بالقرآن المجيد الكامل البيان، الوافر العطاء والتوجيه، المشحون بالحكم والمواعظ، والقصص والعبر، والوعد والوعيد، والشرائع والأحكام، قال الله تعالى مبيّنا خواصّ قرآنه ومزايا كتابه:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٥٢/ ٥٣] .
القاعدة المعروفة: لقد أعذر من أنذر، والله أراد أن يقطع معاذير المشركين وتمسّكهم بأعذار واهية لا قيمة لها في الميزان العلمي والعقلي، فأقسم الله سبحانه بما معناه: لقد جئنا أهل مكة وغيرهم من المشركين بكتاب واضح مبين، فصّلناه وأوضحنا آياته بالحكم والمواعظ والقصص والأحكام والوعد والوعيد، على علم تامّ بما فصلناه، من أجل تصحيح عقيدتهم، وتطهير نفوسهم، وإسعاد حياتهم،
стр. 668
وجعلناه هدى وإنقاذا من الضلالة، ورحمة سابغة لمن يؤمن به، ويعمل بأحكامه. أما غير المؤمنين به فلا ينتفعون منه بشيء.
أوضح هذا القرآن أصول الدين، وندّد بالشّرك والوثنية، ووضع الأنظمة الصالحة للبشر، وحضّ على البناء والعمل، والتقدم والتحضّر، بدفع العقول والأفكار للتفكير والإنجاز، وذمّ التقليد وتوارث الأنظمة والمعتقدات من غير بحث ولا نظر، ولا تمحيص في آيات الله الكثيرة.
هل ينظرون؟ أي أما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويل القرآن وإنجاز ما جاء فيه ومآل الحال في هذا الدين وما دعوا إليه وما صدّوهم عنه، وهم يعتقدون مآله جميلا لهم، فأخبر الله أن مآله يوم يأتي، يقع معه ندمهم، ويقولون تأسّفا على ما فاتهم من الإيمان: لقد صدقت الرّسل وجاؤوا بالحق.
يقول الذين جعلوا القرآن كالمنسي المتروك: قد جاءت رسل ربّنا بالحق، أي صدقوا في كل ما قالوا، وصحّ أنهم جاؤوا بالحق، وظهر أنه متحقق ثابت، ولكنا نحن الذين أعرضنا عنه، فجوزينا هذا الجزاء.
وأصبحوا يتمنّون الخلاص بكل ما يمكن من أحد أمرين: إما شفاعة الشافعين، وإما الرجوع إلى الدنيا لإصلاح العمل، وتجديد السلوك والمنهج الذي يرضي الله تعالى.
والسبب في تمنّي الشفعاء: هو أن هؤلاء الكفار تذكروا أساس الشرك المغلوط، وهو أن النّجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، فحينما أفلسوا وعرفوا أن النّجاة بالإيمان والعمل الصالح الذي أوضحه القرآن وهو أداء الفرائض وترك المحظورات، حينما أفلسوا تمنّوا الرجوع إلى الدنيا ليعملوا بما أمر به الرّسل غير عملهم السابق، كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)
стр. 669
[الأنعام: ٦/ ٢٧- ٢٨] .
وهذه كالآية في سورة الأعراف التي ذكرناها: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي إنهم ضيّعوا أنفسهم وغبنوها بدخولهم النار وخلودهم فيها، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء (أي الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله) قائلين: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٠/ ١٨] فلا يشفعون فيهم، ولا ينصرونهم، ولا ينقذونهم مما هم فيه من العذاب. ولا يتمكّنون من الرجوع للدنيا، لأنهم لو عادوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله ﷻ .
أدلة إثبات الألوهيّة
يتساءل كثير من الناس عن الأدلّة القطعية التي تثبت وجود الله تعالى ووحدانيته في الرّبوبيّة والألوهيّة، لتطمئن النفس البشرية، ويكون الإيمان مستقرّا فيها عن قناعة واطمئنان، لا عن مجرد تقليد وحكايات، واكتفى القرآن العظيم بدليل واحد يدل على وجود الله ووحدانيته، ألا وهو الخلق والإيجاد، والإبداع والأمر النافذ الذي يترتب عليه وجود الأشياء فورا دون تلكؤ ولا تأخّر. وهذا ما نصّت عليه الآية القرآنية التالية:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٥٤] .
стр. 670
إن مدار القرآن الكريم وغايته الجوهرية في العقيدة إثبات أسس أربعة: وهي التوحيد لله، والنّبوة، والمعاد، والقضاء والقدر، وإثبات المعاد متوقّف على إثبات التوحيد والقدرة والعلم، وإثبات هذه الأصول يتمثّل في خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض.
وهذه الآية خطاب عام لجميع البشر، يقتضي التوحيد وإقامة الحجة عليه بدلائله، فالله سبحانه هو الرّب، أي المالك والسيد المطلق ومتولّي جميع شؤون المخلوقات، فيستحقّ العبودية له وحده، والعبادة وحده، والاستعانة به وحده لأنه هو الذي خلق الكون والعالم كله، خلق السماوات السبع والأراضي السبع وما بين ذلك من الموجودات والكائنات الحيّة، خلقها في ستة أيام، واليوم في رأي مجاهد وأحمد بن حنبل كألف سنة، كما قال الله تعالى: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحجّ: ٢٢/ ٤٧] . وأما يوم القيامة فقال الله في وصفه: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٧٠/ ٤] .
ولو أراد الله خلق السماوات والأرض في لحظة لفعل، ولكنه سبحانه له حكمة بالغة في ذلك، انفرد بعلمها كسائر أحوال الشرائع، وكأن الحكمة في تصوّرنا تعليم العباد التّأني والتّثبّت في الأمور، والاعتماد في كل شيء على الإتقان والإحكام، ولإعلام الناس أن خلق السماوات والأرض أمر عظيم ليس بالشيء الهيّن، كما قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:
٤٠/ ٥٧] .
وكان خلق الأرض في يومين، وخلق الجبال الرواسي وأنواع النبات والحيوان في يومين آخرين، وخلق السماوات وما فيها من عوالم وأفلاك، وكواكب وأبراج في يومين.
стр. 671
والعرش أحد المخلوقات بل هو أعظم المخلوقات، لذا خصّ بالذّكر، وهو مخلوق معين، وجسم ما، وقد استوى الله على عرشه بعد خلق السماوات والأرض، يدبّر الأمر، ويصرّف النظام، ويمارس السلطان، ويستولي على زمام الأمور استيلاء شاملا، ونحن نؤمن كإيمان الصحابة باستواء الله على العرش بكيفية تليق به، من غير تشبيه ولا تجسيد ولا تكيف، أي من غير تحديد بجهة، ولا تقدير بوصف، وتترك معرفة الحقيقة إلى الله تعالى، قال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم (أي في اللغة) والكيف (أي كيفية الاستواء) مجهول، والسؤال عنه بدعة.
ثم أبان الله تعالى بعض مظاهر تدبيره الكون، وهو أنه سبحانه جعل الليل يلحق النهار بسرعة دون تأخّر ولا فاصل، يغشاه بظلمته، ويستره بلباسه، حتى يذهب ضوء النهار، لإتمام قوام الحياة، ففي تعاقب الليل والنهار منافع كثيرة، وتحقيق مصالح عديدة للناس، فالليل للسكون والهدوء والنوم والراحة، والنهار للمعاش والعمل والكدح ولقاء الناس وتبادل المنافع وتأمين المصالح.
ومن مظاهر التدبير الإلهي للكون: خلق الله الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب، وكونها جميعا تحت قهره وتسخيره ومشيئته، فهي خاضعة لأمره وتصرّفه، وكل كوكب يدور في فلكه إلى أجل مسمى وموعد محدد. واكتمل لله المادّة والمعنى في قوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ أي فهو الموجد الخالق لكل شيء، وهو المتصرّف والمدبّر لكل شيء تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي تعاظم وتنزه، وانفرد بالرّبوبية والألوهية، فوجب على العباد شكره على نعمه وخيراته، وعبادته دون غيره.
والعالمين جمع عالم يشمل الإنس والجنّ.
أسند الطبري إلى النّبي ﷺ أنه قال: «من زعم أن الله ﵎ جعل لأحد من العباد شيئا من الأمر، فقد كفر بما أنزل الله لقوله ﵎: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»
قال النقاش: ذكر الله الإنسان في
стр. 672
القرآن في ثمانية عشر موضعا، في جميعها أنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا، ليس في واحد منها إشارة إلى أنه مخلوق.
آداب الدّعاء
الله كامل الملك والسلطان، والقدرة والتدبير، والتّصرف والهيمنة على كل شيء، فهو الجدير وحده بالسؤال واللجوء إليه، وطلب الحوائج، وقصده في الأمور كلها، كإفراده بالعبادة والخضوع، والتّذلل والمسكنة، ولا يصلح مقصدا في أي أمر غير الله، ولا يستحقّ التّعبد والعبادة غير الإله الخالق، والآمر النّاهي، النّافذ أمره ونهيه.
لكن للعبادة أصول، وللدّعاء آداب وقواعد، من هذه الآداب ما جاء في قول الله ﵎:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٥٥- ٥٦] .
هذا أمر بالدّعاء وتعبّد به، ثم قرن الله بالأمر به صفات تحسن معه وتليق بالمتعبّد الدّاعي ربّه بإخلاص وصدق. أرشد الله تعالى عباده إلى دعائه الذي فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي ادعوا الله بخضوع واستكانة، وخوف وتذلّل ومسكنة، وإسرار وإخفاء، لأن في إسرار الدعاء وإخفائه بعدا عن الرّياء، وأدبا كريما مع الله الذي هو ربّ كل شيء ومليكه ومتولّي
стр. 673
أمور العباد والمنعم عليهم والسميع لكل شيء. والأمر بالدعاء لأنه مخّ العبادة، وسبيل اللطف الإلهي والبعد عن الأحداث والمصائب.
جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدّعاء، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم «١» ، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» .
وروى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري في الثواب عن أنس ﵁:
«دعوة في السّر تعدل سبعين دعوة في العلانية» . وهذا يدلّ على أن الإسرار بالدعاء إذا لم يقصد به التعليم هو الأولى، إلا ما ورد فيه رفع الصوت كالتّلبية في الحج، وتكبير العيدين. والله تعالى لا يحبّ المعتدين ولا يرضى عنهم، والاعتداء في الدعاء بالجهر الكثير والصياح، وتجاوز الحدّ، وارتكاب الحظر.
ومن صيغ الدّعاء المأثورة أن يقول الإنسان ويكفيه ذلك: «اللهم إني أسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل» .
ومن ألزم شروط الدعاء بعد شرط التّضرع والخفية: استقامة الدّاعي وصلاحه وبعده عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، والهداية إلى الانتفاع بها، وتسخيرها لمصالح العباد. والإفساد شامل إفساد الأديان بالكفر والابتداع في الدين، وإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة والاحتيال، وإفساد العقول بشرب المسكرات ونحوها، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزّنى والقذف وغيرهما من الفواحش والموبقات.
стр. 674
ويتطلب الدعاء أيضا ما قاله تعالى: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي ادعوا الله خوفا من عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه. فإذا دعا الإنسان متذلّلا لربّه خاضعا لجنابة، معتقدا ذلك في قلبه، خائفا من عذاب الله، طامعا في فضله وثوابه، كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة، قال الله تعالى في ختام الآية: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي إن رحمة الله وإجابته قريبة من المحسنين أعمالهم، وهي مرصدة للمحسنين الذين يتّبعون أوامره ويتركون زواجره، فمن أحسن الدعاء أعطي خيرا مما طلب أو مثله، أو دفع عنه من الشّر مثله. كما قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النّجم: ٥٣/ ٣١] .
وحذف التاء من قوله تعالى: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في صفة الرّحمة إما على جهة النّسب أي ذاب قرب، كأنه قال: إنّ رحمة الله ذات قرب، وإما على أن كلمة (قريب) إذا استعملت في قرب المسافة أو قرب الزمن، فإنها تجيء مع المؤنث بتاء، وقد تجيء بغير تاء. والمعنى أن إجابة الدعاء تكون قريبة الحصول في زمان يسير إذا كان الدّاعون محسنين في دعائهم، غير معتدين بالإفساد أو الظلم أو مخالفة أوامر الله ونواهيه. ويفهم منه: ليس لله في حقّ الكافر رحمة ولا نعمة في الآخرة.
إثبات البعث والمعاد
لكل شيء في هذا العالم غاية ومقصد، وحكمة وهدف، وإذا كان الناس في الحياة الدنيا يعيشون ويموتون، ويتفاوتون في أعمالهم ومدى استقامتهم وعصيانهم، ثم لا يكون هناك عالم آخر يحقق التّناصف بينهم، فلا طعم لهذه الحياة، ولا عدل في الإيجاد والخلق والوجود في الدنيا. والله تعالى منزه عن الظلم، متّصف بالقسط التّام والعدل الدقيق الشامل، فاقتضى عدله وإنصافه جمع الناس ليوم المعاد والآخرة
стр. 675
للقصاص والعقاب والثواب. وأقام الله تعالى في قرآنه الأدلة الكثيرة على قدرته العظيمة على البعث والقيامة، من هذه الأدلة قوله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
»
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ٥٧- ٥٨] .
هذه آية اعتبار واستدلال على وجود البعث، وفهم الدليل بسيط جدّا، فإن الله تعالى كما أنه يحيي الأرض وينبتها نباتا حسنا بالمطر فإنه قادر على إعادة الموتى أحياء يوم القيامة، كإحياء الأرض بعد موتها، علما بأن الرياح حيث وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، وأما الريح بمقترنة بالعذاب.
جاء في الحديث: «أن رسول الله ﷺ كان إذا هبّت الريح يقول فيما رواه الإمام الشافعي: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» .
وعملية إنزال المطر تكون بإرسال الرياح لسوق السحب الثقيلة المشحونة بالرطوبة وبخار الماء، إلى مواضع نزول الغيث، فينزله الله تعالى في المكان القفر، والبلد الميت الذي لا نبات فيه، فترتوي الأرض، فيخرج الله بالمطر أنواع النبات والثمار من الأرض، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وطعومها وروائحها، وهذا دليل حسّي واضح يدل على قدرة الله وتمام رحمته، كما قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) [يس: ٣٦/ ٣٣] .
وتنوّع الناتج من الأرض بالرغم من كون التربة واحدة والماء واحدا دليل حسّي آخر على عظمة القدرة الإلهية، كما قال الله سبحانه:
стр. 676
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) [الرّعد: ١٣/ ٤] .
وإحياء الأرض بعد موتها بالنباتات يحدث بقدرة الله الخالق، فكذلك إعادة الحياة إلى الأجساد يكون بقدرة الله أيضا: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي مثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة الجدبة بالماء، نخرج الموتى ونبعثهم، فالله على كل شيء قدير، يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، وقد بيّنا هذا الشّبه لكم أيها العباد لتتذكروا وتتّعظوا، فتؤمنوا بالبعث أو اليوم الآخر.
ولكن استعداد الناس للإيمان بالبعث مختلف باختلاف الطبائع والنفوس كالأرض تماما، منها الطّيب المنبت، ومنها السّبخة أو الملحة غير الصالحة للنبات.
والأرض الطيبة التربة يخرج نباتها سريعا حسنا، والأرض الخبيثة التربة كالسبخة ونحوها، لا يخرج نباتها القليل إلا بعسر وصعوبة.
وهكذا الناس مثل الأرض، منهم المستعدّ للإيمان، القويم الفطرة، السليم الفهم والإدراك، فيبادر إلى الإيمان بالبعث، كالأرض الطيبة المعدن والبلد الطيب الأصل، ومنهم من ينكر البعث بعد وجود أماراته وتوافر دلائله كالأرض الخبيثة التي لا تنبت بسبب الملوحة أو الأحجار أو الأشواك ونحوها، وبمثل هذه المقارنة وبيان الأشباه والأمثال، والتصريف البديع، يصرف الله الآيات ويردّدها ويبيّنها لقوم يشكرون نعمة الله، وهم المؤمنون المفكّرون فيها، المعتبرون بها من غير صعوبة في الفهم أو عسر في الإدراك.
стр. 677
رسالة نوح ﵇ لقومه
كان رسل الله الكرام المثل الأعلى لحبّ الإنسانيّة والإنسان، فكان كل رسول يدعو قومه إلى سلوك طرق الهداية والسعادة بتوحيد الله واتّباع شرعه، لإنقاذهم من الضّلالة إلى الهدى، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومع ذلك كان القوم يقابلون الإحسان بالإساءة، والمعروف بالإعراض والإنكار، والجحود والعداوة، وأما الرسول فكان يصبر على الأذى والطّرد، وفي مقدمة هؤلاء الرّسل نوح ﵇، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٥٩- ٦٤] .
أقسم الله ﵎ أنه أرسل نوحا إلى قومه لإنذارهم، ودعوتهم إلى توحيد الله وعبادته دون سواه، قائلا لهم: توجّهوا بعبادتكم إلى الله وحده لا شريك له لأنه ليس لكم إله غير الله، تتجهون إليه بالعبادة والدّعاء وطلب الخير، إني أخشى عليكم بسبب الشّرك والوثنية عذاب يوم عظيم من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله، أو من عذاب الدنيا وهو الطّوفان.
قال الملأ من قومه أي أشرافهم وقادتهم ورؤساؤهم: إنا لنراك في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة الأصنام لفي غمرة من الضلال تحيط بك، وهكذا حال الفجّار يرون
стр. 678
الأبرار في ضلالة، وهم دائما أعداء الهداة والمصلحين. والأظهر أن قولهم: إِنَّا لَنَراكَ هي رؤية القلب.
فأجابهم نوح ﵇ على سبيل الأدب الجمّ والإعراض عن جفائهم، وسعة الصدر التي تتميز بها أخلاق الأنبياء: لست بهدايتكم إلى توحيد الله ودعوتكم إلى سعادة الدنيا والآخرة ممن اتّصف بالضّلالة والانحراف، ولكني رسول من عند الله ربّ العالمين. وقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ تعرض لمن يريد النظر والبحث والتأمل، في المعجزة النّبوية. ولا شكّ بأن نوحا ﵇ وكل نبي مبعوث إلى الخلق كانت له معجزة تخرق العادة، فمنهم من عرفنا معجزته، ومنهم من لم نعرف.
أبلغكم ما أرسلني به ربّي من الدعوة إلى التوحيد الخالص، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما اشتمل عليه من جنّة ونار، وثواب وعقاب، وأبيّن لكم أصول العبادات والمعاملات وأحكامها العامة وفضائل الأخلاق والآداب. وأنصح لكم نصحا خالصا من شوائب المصلحة والمكر، بتحذيركم من عقاب الله على كفركم وتكذيبكم لي. وأنا في هذا التّبليغ والنّصح أعلم من الله ما لا تعلمون، أي أعلم المعلومات المخوّفات عليكم، لا سيما وهم لم يسمعوا بأمة قط عذّبت، فاللفظ فيه معنى الوعيد والتخويف.
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذا الاستفهام بمعنى التقرير والتوبيخ على ما وقع منهم على جهة الاستبعاد، أي كيف تتعجّبون من مجيء تذكير إلهي يذكّركم، ووعظ من ربّكم، على لسان رجل منكم، ليحذّركم عاقبة كفركم، وينذركم عاقبة الشّرك في العبادة، وليحملكم على تقوى الله بالتزام الأوامر الإلهية واجتناب النّواهي، للنّجاة من العذاب، ولكي يرحمكم الله بتقواه إن وجدت منكم.
فالوحي من الله إلى رجل من جنسكم رحمة بكم، ولطف وإحسان إليكم،
стр. 679
لتستقيموا وتتقوا عذاب الله بتجنّب الشّرك، وليرحمكم ربّكم بطاعته والإيمان برسله.
لكنهم تجاهلوا هذا الإنذار، وكذبوا برسالة نوح ﵇، فأنجاه الله والذين آمنوا معه بركوب السفينة، وهكذا ينجي الله المؤمنين، بوعد الله في قرآنه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) [غافر: ٤٠/ ٥١] .
وأغرق الله قوم نوح المكذّبين بالطّوفان، بسبب كفرهم وتماديهم في الضّلال والشّرك، وإعراضهم عن الحقّ، وتركهم هداية الله تعالى.
وفي التفاسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة ثمانون، منهم أولاده: يافث وسام وحام، وفي كتب الحديث للتّرمذي وغيره: «إن جميع الخلق الآن من ذرّية نوح ﵇» .
رسالة هود ﵇ إلى قومه
يستمر الفضل الإلهي على البشرية في مراحل التاريخ ولكل الأقوام، فكان الله يرسل الرّسل إلى جميع الأقوام وفي كل العصور والأزمان، ليبقى النّور الإلهي مضيئا حياة البشرية، وكيلا يبقى هناك عذر لأحد بترك هداية الله، لذا أرسل الله هودا ﵇ إلى قومه قبيلة عاد التي كانت منازلهم أو مساكنهم في اليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل، فيما بين عمان إلى حضر موت باليمن، وكانوا مع ذلك مفسدين في الأرض كلها، وقهروا أهلها، بفضل قوتهم التي خلقها الله لهم. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
«١»
стр. 680
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٦٥- ٧٢] .
تشبه قصة هود ﵇ مع قومه قصة نوح ﵇ مع قومه، إلا أن قوم هود كانوا كما تدلّ هذه الآيات أشدّ عنادا واستبدادا، وأكثر جدالا وإصرارا على تقليد الآباء والتّمسك بالوثنية والضّلال. قال هود: يا قوم، اعبدوا الله وحده، فليس لكم إله غيره، أفلا تتقون عذاب الله، وتبتعدون عن الشّرك والعصيان؟! وأخوة هود لقومه أخوة جنس وقرابة وقوم لا أخوة إيمان.
فقال أشراف القوم وهم الملأ الكفار: إنا يا هود لنراك سفيها أي سخيفا طائشا خفيف العقل، وإنا لنظن أنك أحد الكاذبين الذين يكذبون على الله في ادّعائهم الرسالة من الله.
قال لهم هود بأدب حسن وخلق عظيم مترفّعا عن مجاراتهم في سوء الأدب: ليس بي سفاهة أي ضلالة وحماقة، ولكني بحق رسول من ربّ العالمين، أرسلني إليكم لتبليغكم ما أرسلت به من التكاليف الإلهية، وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين فيما أبلغكم إياه، فلا أكذب على الله، وهذه صفات الرّسل: التّبليغ والنّصح والأمانة.
стр. 681
ولا تتعجّبوا أن بعث الله إليكم رسولا من جنسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، معه ذكر من ربّكم، والذّكر: المواعظ والأوامر والنّواهي. واذكروا فضل الله عليكم ونعمته، حين جعلكم ورثة نوح أو خلفاءه، ومنحكم طولا في القامة وقوة في الجسد تفوق أمثالكم من أبناء جنسكم وعصركم، واذكروا آلاء الله، أي نعمه وأفضاله، واهجروا الأوثان والأصنام، لتكونوا من النّاجين المفلحين السعداء.
فردّوا عليه متمرّدين بقولهم: أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك عبادة الآباء للأصنام شركاء الله، فهم يقرّون بوجود الإله الخالق المبدع، لكنهم لا يفردونه بالعبادة، وتمادوا في طغيانهم، واشتطّوا في الحماقة والتّحدي، فطلبوا إنزال العذاب عليهم، قائلين: استعجل إنزال العذاب علينا إن كنت صادقا في تهديدك ووعيدك.
أجابهم هود ﵇ بقوله: إنه قد وجب عليكم وحق بمقالتكم هذه نزول عذاب من ربّكم، وسخط وطرد من رحمة الله، أتحاجّونني في هذه الأصنام، وتخاصمونني في أن تسمى آلهة، وهي لا تضرّ ولا تنفع؟ إنكم تسمّونها آلهة، وهي تسمية باطلة، ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان أو دليل على عبادتها، فانتظروا نزول العذاب الشديد من الله الذي طلبتموه، إني معكم أحد المنتظرين لنزوله بكم.
ونزل بقوم عاد العذاب الشديد وهو الريح العاتية التي دمّرتهم ودمّرت كل شيء أتت عليه، وتم استئصال الكافرين الذين كذبوا بآيات الله، ولم يكونوا مؤمنين بالله إلها واحدا لا شريك له، ونجى الله هودا والذين آمنوا معه برحمة عظيمة من الله، وكذلك ينجي الله المؤمنين.
стр. 682
رسالة صالح ﵇ إلى قومه
قد يوجد في عصر واحد أكثر من رسول في قبائل شتّى وأمم مختلفة لأن كل رسول سابق كان يبعث لقومه خاصة، وتميّز رسولنا محمد ﷺ بأنه بعث للناس كافّة، ولكي تتضافر جهود الأنبياء والرّسل السابقين، ويتحقق الإصلاح الشامل بسبب عيش كل قبيلة في بلد بعيد عن البلد الآخر، والاتّصالات كانت صعبة وبطيئة. لذا أرسل الله صالحا ﵇ إلى قومه قبيلة ثمود، كما أرسل من قبله هودا ﵇ إلى قومه قبيلة عاد. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأعراف:
٧/ ٧٣- ٧٩] .
стр. 683
هناك تشابه واضح بين رسالتي هود وصالح ﵉ اللذين كانا عربيّين كإسماعيل وشعيب، وبين أقوامهما وهم عاد وثمود من سلالة نوح ﵇، ومن العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇. وكانت ثمود تسكن بعد عاد بالحجر بين الحجاز والشّام. وأخوة صالح لقومه ثمود كأخوة هود لقومه عاد أخوة قرابة ودم لا أخوة دين وإيمان، وكانت قبيلة ثمود مثل قوم نوح وعاد تدين بعبادة الأصنام يشركونها مع الله في العبادة، وآتاهم الله نعما كثيرة، فأرسل الله إليهم صالحا نبيّا ورسولا ﵇، واعظا ومذكّرا لهم بنعم الله وآياته الدّالة على توحيده، وأنه يجب إفراده بالعبادة.
قال صالح لقومه: يا قوم اعبدوا الله، ليس لكم إله غيره، قد جاءتكم حجة أو موعظة واضحة من ربّكم تدلّ على صدق رسالتي، وهي هذه الناقة بناء على اقتراحكم، لكم آية خاصة دالّة على صدقي، لأنكم المشاهدون لها وحدكم، فاتركوها تأكل في أرض الله، ولا تتعرّضوا لها بسوء، فيصيبكم عذاب أليم. وكانت هذه النّاقة تقاسم ثمود في الماء يوما بيوم، فكانت ترد ماء بئر فتشربه كله، ويحلبون منها ما شاؤوا، ثم تمكث يوما، وترد بعد ذلك غبّا، فاستمرّ ذلك ما شاء الله، حتى ملّتها ثمود وقالوا: ما نصنع باللبن؟ الماء أحبّ إلينا منه، فتمالؤوا على قتل النّاقة.
وأضاف صالح قائلا لقومه: تذكروا نعمة الله عليكم حين جعلكم خلفاء في الأرض، من بعد قوم عاد في الحضارة والعمران، وأورثكم أرضهم، فبنيتم القصور الشاهقة في السهول، وتنحتون البيوت في الجبال، وآتاكم القوة والصّبر، فاذكروا نعم الله عليكم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
فأجابه الملأ (وهم أشراف القوم) المتكبّرون من قومه للمستضعفين الذين آمنوا منهم: أتعلمون أن صالحا مرسل من عند ربّه؟ والعادة المتّبعة: أن الأنبياء يتبعهم
стр. 684
الضعفاء، ويكفر بهم القادة والزعماء. فقال المستضعفون المؤمنون: إننا مؤمنون مصدّقون بما أرسل به صالح من ربّه. قال أشراف القوم المستكبرون: إننا كافرون بما آمنتم به، ولم يصرّحوا بالرسالة التي جاء بها صالح، حتى لا يقرّوا بها ظاهرا.
وأظهروا أفعالهم المكفرة، فعقروا الناقة بتواطؤ بينهم، وعقرها قدار بن سالف الأحمر الأزرق أشقى ثمود، وتمرّدوا واستكبروا عن امتثال أمر ربّهم الذي أمرهم به صالح، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت رسولا من عند الله، فأخذتهم الرجفة أو الصيحة أو الصاعقة أو الطاغية وهي صيحة شديدة القوة، اضطربت الأرض من هولها وتصدّعت مبانيها، وارتجفت لها الأفئدة، فأصبحوا في ديارهم موتى جثثا هامدة لا حراك لها.
فأعرض عنهم صالح ﵇ بعد أن أبصرهم جاثمين، يملأ قلبه الحزن والتّحسر على ما أصابهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي وبذلت غاية جهدي في نصحكم، ولكنكم لا تحبّون النّاصحين، فوجب لكم العذاب، وحقّ عليكم العقاب. وهذا تقريع لهم على تمرّدهم ليكون ذلك عبرة لغيرهم.
رسالة لوط ﵇ إلى قومه
لم يترك الله تعالى قوما أو أمة من غير رسول ينذرهم ويبشّرهم: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٣٥/ ٢٤] لذا أرسل الله تعالى لوطا ﵇ في عصر إبراهيم ﵇، لإنذار أمة تسمى سدوم قرب البحر الميت أو بحر لوط، ومن أجل استئصال المفاسد والمنكرات التي شاعت فيهم، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
стр. 685
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٨٠- ٨٤] .
لوط ﵇: هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇، آمن بإبراهيم واهتدى بهديه، كما قال الله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت: ٢٩/ ٢٦] وتبع إبراهيم في رحلاته فيما بين النّهرين، ثم مصر، ثم بلاد الشّام، حيث فارق إبراهيم عمه، وسكن في سدوم في شرقي الأردن.
وكان أهل سدوم يعملون الخبائث دون حياء ولا عفّة، وأمام الناس، ويقطعون الطريق على التّجار، ويأخذون بضائعهم، كما قال الله تعالى على لسان لوط ﵇ لقومه: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩/ ٢٩] .
وابتدأت القصة على هذا النحو: واذكر يا محمد لوطا حين قال لقومه باستفهام على جهة التوبيخ والتشنيع: أتأتون الفاحشة: وهي إتيان الرجال في الأدبار؟! وروي: أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم، لذا قال لهم: ما فعلها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي مبتدعة منكم، وعليكم وزر كل من يفعلها في المستقبل لأنّ من سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهذا دليل على أن تلك الفاحشة أمر مناقض للفطرة.
وأكّد لوط ﵇ قوله مقرّعا وموبّخا توبيخا شديدا: إنكم لتأتون الرجال شهوة متجاوزين النّساء اللواتي هنّ محل قضاء الشهوة بحسب الفطرة السليمة، بل إنكم لا تستحون من فعلكم، فإنكم قوم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل
стр. 686
شيء، كما قال تعالى في آية أخرى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ [الشّعراء: ٢٦/ ١٦٦] أي في جمعكم إلى الشّرك والوثنية هذه الفاحشة. وفي آية ثالثة: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النّمل: ٢٧/ ٥٥] وهذا دليل على إسرافهم في اللذات، وتجاوزهم حدود الفطرة والعقل، وجهالتهم عواقب الأمور، فهم لا يقدرون ضرر ذلك على الصحة والحياة، فهو مرض مميت، كما دلّت إحصاءات موتى الإيدز (فقد المناعة) في الحاضر أكثر من مائة ألف، وفي نهاية القرن العشرين أربعة ملايين، دون اكتشاف علاج له.
وما كان جواب القوم على إنكار لوط ﵇ ونصحه لهم يدلّ على النّدم والرجوع عن الخطأ والضّلال وإنكار الفاحشة وتعظيم أمرها، وإنما هموا بإخراج لوط ونفيه ومن معه من المؤمنين تضجّرا منهم ومن سماع مواعظهم قائلين: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي أخرجوا لوطا وأتباعه من البلد، فإنهم أناس يتنزهون عن مشاركتكم في فعلكم وعن الفواحش وعن أدبار الرجال والنساء. وهذا صادر منهم على سبيل السخرية بهم والتّهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة.
وكانت العاقبة أن الله تعالى نجّى لوطا وأهل بيته الذين آمنوا معه، إلا امرأته، فإنها لم تؤمن، فكانت من جماعة الهالكين الباقين مع قومها في العذاب ولأنها كانت على دين قومها الوثني، تمالئهم عليه، وتخون لوطا بإعلامهم بمن يقدم عليه من الضيوف بإشارات بينها وبينهم.
والعذاب هو إمطارهم بمطر كثير عجيب أمره وهو الحجارة التي رموا بها، فانظر أيها السامع كيف كان عاقبة الذين أجرموا واجترؤوا على معاصي الله ، وتكذيب رسله، وكل ذلك للعظة والعبرة، قال تعالى في آية أخرى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) [هود: ١١/ ٨٢- ٨٣] .
стр. 687
رسالة شعيب ﵇ إلى قومه
كانت بلاد الشام والعرب مهبط الأنبياء والرّسل والكتب الإلهية، فهي بلاد مباركة في وسط العالم القديم، من أجل جعلها مركز إشعاع بالقيم العليا للعالم أجمع، ولتنقية الأجواء والمناخ والتهيئة لشريعة الإسلام وخاتمة الشرائع الإلهية، لذا أرسل الله شعيبا ﵇ الرّسول العربي إلى أهل مدين قرب معان جنوب شرقي الأردن على طريق الحجاز من الشام. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ٨٥- ٨٧] .
أرسل الله تعالى شعيبا الملقب بخطيب الأنبياء ﵇، ومن أنبياء العرب إلى بلد أو قطر مدين، وتميّزت رسالته الإصلاحية الاجتماعية بمميزات كثيرة، ومعنى الآيات: لقد أرسلنا إلى قبيلة مدين شعيبا نبيّا فيهم وواحدا منهم، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فليس لكم إله غيره، وهو الذي خلقكم وخلق كل شيء لكم. وهم أصحاب الأيكة في رأي ابن كثير الدّمشقي من المفسرين.
стр. 688
لقد جاءتكم آية بيّنة واضحة من ربّكم، دالّة على صدقي ونبوّتي، فأوفوا الكيل والميزان بالحق والعدل، ولا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم، في بيع أو شراء، أو حق مادّي أو معنوي، وإياكم أن تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بأي نوع من أنواع الفساد كالظلم والرّشوة وأكل أموال الناس بالباطل وارتكاب الفواحش وإشاعة الانحلال الخلقي، ذلكم المنهي عنه إذا تركتموه نافع لكم عند الله، مكسب الفوز والرّضوان، بشرط الإيمان والتوحيد، وإلا فلا ينفع عمل بدون إيمان.
وإياكم أن تقعدوا في الطرقات لصدّ الناس عن دين الله، فإنهم كما قال ابن عباس: كانوا يجلسون في الطريق، فيقولون لمن أتى إليهم: إن شعيبا كذّاب، فلا يفتننكم عن دينكم، ويقولون أيضا: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [الأعراف:
٧/ ٩٠] .
لا تصدوا عن سبيل الله من آمن به من الناس، ولا تطلبوا اعوجاجا لسبيل الله ودينه بما تصفون وبما تكذبون وتشوهون الحقائق.
واذكروا نعم الله عليكم حين كنتم قلة في المال والرجال والسّطوة، فكثّركم بعد قلّة، وأغناكم بعد فقر، ومنحكم القوة والجاه بعد الضعف والمذلّة، واتّعظوا بمن كان قبلكم، وانظروا كيف كان مصير المفسدين الظالمين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط.
وإذا كان جماعة منكم آمنوا برسالتي وصدقوا بنبوتي، واعتقدوا بوحدانية الله تعالى، وجماعة آخرون لم يؤمنوا برسالتي، كما هو شأن أتباع كل نبي، إن كان هذا فاصبروا أيها الكفرة حتى يحكم الله بيني وبينكم، بأن ينصر المحقّين على المبطلين، والله خير الحاكمين بالعدل، وهذا تهديد ووعيد لهم بانتقام الله منهم، وجعله العاقبة للمتقين والدّمار للكافرين لأن حكم الله حقّ وعدل، لا يخاف فيه الحيف أو الظلم.
стр. 689
وحكم الله بين عباده نوعان: حكم يوحي به إلى رسله، كما في قوله تعالى في أول سورة المائدة: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ وحكم يفصل فيه بين الخلائق إما في الدنيا وإما في الآخرة، كما في قوله تعالى في آخرة سورة يونس: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
وحكم الله مبرم، لا رادّ له، ولا نقض له ولا تراجع عنه، فهو حكم نهائي حاسم، وكفى بذلك تهديدا وإنذارا للعصاة والكفار، حيث لا عدول عن حكم الله الباتّ فيهم. نسأل الله العفو والعافية.
مصير قوم شعيب
لم يقتصر شعيب ﵇ على مجرد عرض دعوته السّمحة: دعوة الإنقاذ، وإنما كان يحاور القوم ويحاول إقناعهم بشتى الوسائل، حتى يعودوا لطريق الاستقامة، والإقلاع عن عقيدة الوثنية والشّرك وإصلاح النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم بين القوم على الظلم والغبن والاستغلال وإنقاص المكيال والميزان، ولكنهم أصرّوا على ما هم عليه من الضّلال، فعوقبوا بالاستئصال والزّلزلة. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٣]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)
«١» «٢»
стр. 690
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ٨٨- ٩٣] .
تضمنت هذه الآيات أمرين: الأول- محاورة شعيب لأشراف قومه، والثاني- بيان عاقبة الكافرين بإنزال العذاب العامّ عليهم. أما المحاورة بعد دعوة شعيب قومه لعبادة الله وحده، والوفاء بالكيل والميزان، وترك الفساد في الأرض، فإن زعماء القوم المتكبّرين عن الإيمان بالله ورسله هدّدوا شعيبا وجماعة المؤمنين معه بالطّرد من البلاد، أو بالعودة مكرهين إلى ملّة الوثنية التي عليها القوم، فقال شعيب مستنكرا ومستهجنا:
أتفعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه من الطرد أو اعتناق ملّتكم؟.
ثم أعلن شعيب رفضه التّام العودة إلى ملّة الكفر قائلا: إنا إذا رجعنا إلى ملّتكم واتّبعنا دينكم القائم على الشّرك، فقد وقعنا في الفرية العظيمة على الله في جعل الشركاء معه أندادا، بعد أن نجانا الله من تلك الملّة الباطلة، وهدانا إلى ملّة التوحيد وطريق الاستقامة.
وما ينبغي لنا وليس من شأننا أن نعود في ملّتكم أبدا، لاعتقادنا الجازم أننا على الحقّ والصواب، وأنتم على الملّة الباطلة: ملّة الشّرك والضّلال، لكن إيمانا منّا بمشيئة الله يجعلنا نفوض الأمر لله، فإن سبق علينا من الله في ذلك سابق سوء، ونفذ منه قضاء لا يرد، فالله هو المتصرّف في أمورنا، وهذا رفض أبلغ. إن الله تعالى أحاط علمه بكل شيء، فهو واسع العلم، كثير الفضل، يتصرف بحكمة، ولا يشاء إلا الخير للناس، على الله توكّلنا في أمورنا، وتوكّلنا عليه في التثبيت على الإيمان، والتوفيق لزيادة اليقين.
стр. 691
ثم دعا شعيب على قومه لما يئس منهم فقال: ربّنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وانصرنا عليهم، وأنت العادل الذي لا يجور أبدا، تحكم بالحق في كل نزاع وبين كل محق ومبطل، وأنت خير الحاكمين عدلا وإحاطة ونزاهة.
وبعد أن يئس قوم شعيب من إعادة المؤمنين إلى ملّتهم، لجؤوا إلى التهديد والوعيد، فقال أشرافهم لأتباع شعيب: تا لله لئن اتّبعتم شعيبا فيما يقول وآمنتم به، إنكم لخاسرون خسارة كبري في ترك ملّة الآباء والأجداد العظماء!! ولما استبدّ القوم في عنادهم وكفرهم، عاقبهم الله بإنزال عذاب الاستئصال، وأبيدوا بالرّجفة، أي الزّلزلة الشديدة التي توقع الإنسان في ذعر شديد واضطراب وارتعاد، وحرم الذين كذبوا شعيبا من ديارهم وأوطانهم، كأن لم يقيموا فيها، وكان هؤلاء الكافرون هم الذين خسروا خسرانا عظيما في الدنيا والآخرة، دون المؤمنين.
وأما شعيب ﵇ فتولّى وأعرض عنهم قائلا وموبّخا: يا قوم لقد أدّيت لكم ما أرسلت به من ربّي، وبلّغتكم ما فيه صلاحكم، ونصحتكم نصحا مخلصا، فكيف أحزن على قوم أنكروا وحدانية الله وكذبوا رسوله، وكانوا في عداد التاريخ من الكافرين الجاحدين. قال الكلبي: خرج شعيب من بين أظهرهم، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم.
سنّة الله في ترويض الشعوب على الإيمان
إن رحمة الله تسبق عادة غضبه، وحلمه بالناس والتّأني بهم هو القاعدة، فلا يتعجّل الله بعذاب قوم إلا بعد متابعة الإنذارات، والتّدرج بهم من التّضييق عليهم بالفقر أحيانا، والمرض أحيانا أخرى، ثم يغمرهم بالسّعة والرّخاء والرّفاه، ليقارنوا بين الحالين، فإذا لم يعتبروا بشيء ولم يتّعظوا بالأحوال التي يمرّون فيها، ينزل العذاب
стр. 692
بهم فجأة، من غير شعور بمجيئه، ولا استعداد لتفاديه، وهذا اللون من التربية الفعلية الميدانية هو السائد المتّبع في إهلاك الشعوب الكافرة السابقة كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٥]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)
«١» «٢» »
«٤» [الأعراف: ٧/ ٩٤- ٩٥] .
هذه الآية خبر من الله أنه ما بعث نبيّا في مدينة وهي القرية، إلا أخذ أهلها المكذّبين له بالبأساء وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض الزمان من حرب أو فقر أو غيره، والضّراء: وهي المصائب في البدن أو المعيشة كالأمراض ونحوها، وذلك لكي يتضرّعوا، أي يدعو الله ويخشعوا، أو يظهروا الضّراعة والخضوع والابتهال إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم. هذه سنّة الله في الخلق والشعوب، ولن تجد لسنّة الله تبديلا، يرسل الله الشدائد لعلها تعيد الإنسان إلى ربّه، وتردّه عن غيّه، فإن اتّعظ وانزجر، ربح، وإن أبى واستكبر، خسر، وهؤلاء هم كثير من الناس، لا تردعهم الرّوادع. وقوله سبحانه: لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ترجّ بحسب اعتقاد الناس وظنونهم، أو تعليل لما سبق، فيكون ذلك مدعاة إلى انقيادهم إلى الإيمان، وهذا هو شأن العقلاء الواعين.
واقتضت رحمة الله وتربيته أنه سبحانه يأتي بالفرج بعد الشّدة، وباليسر بعد العسر، فبعد إنزال البأساء والضّراء، يحوّل الله الشّراع من شدّة إلى رخاء، ومن فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة وعافية، ليشكروا الله على ذلك، ولكنهم لم يفعلوا.
إنه سبحانه يبدّل مكان السيئة الحسنة، أي مكان البأساء والضّراء من فقر ومرض
стр. 693
ونحوهما، يجعل السّراء والنعمة، وهذا بحسب ما عند الناس، وإلا فقد يكون العكس، ينعم الله على بعض العباد بالبلوى العظيمة لتخليصهم من الدّاء، ويبتلي الله بعض القوم بالنّعم ليختبرهم فيما يفعلون. والسّيئة: كل ما يسوء صاحبه، والحسنة: ما يستحسنه الطبع والعقل.
إن الله تعالى يبدّل مكان السيئة الحسنة لحكمة هي التّذكر والاتّعاظ، وتكون الحسنة عامّة شاملة، فتستمر الحسنة حتى عفوا، أي حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء: إذا كثر، لأن الرّخاء يكون عادة سببا في كثرة النّسل.
والعبرة تكون حين يقول العصاة بعد الرّخاء: قد أصابنا من البأساء والضّراء وما بعده من الرّخاء، مثلما أصاب آباءنا في قديم الزمان، فهؤلاء آباؤنا قد مسّتهم الضّراء والسّراء، وحلّ بهم الضيق والفرج، والعسر واليسر، وما نحن إلا مثلهم، أي إن هذا التّقلب له سابقة في الزمن، فلا شيء فيه، وهذا قول من لم يتّعظ ولم يتأمل في أحداث الزمان. والواقع أن إرسال النعمة بعد النقمة استدراج واختبار، وكان مصير هؤلاء الذين لم يعتبروا بالأحداث هو إنزال العقاب الشديد بهم، وكان عاقبة أمرهم أن الله عاقبهم فجأة، من غير شعور منهم بما ينزل بهم من العقاب، ليكون أكثر حسرة، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) [الأنعام: ٦/ ٤٤] أي آيسون من الرّحمة.
وأما المؤمن فليس هذا حاله، إنه كما
جاء في حديث الصحيحين: «عجبا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له»
أي أن المؤمن يتنبّه لما ابتلاه به من الضّراء (الضّرر) والسّراء (السرور) .
стр. 694
سنّة الله في تأديب القرى
تتعدّد الأساليب الإلهية في إصلاح البشر، وإصلاح أهل القرى أو المدن، وحملهم على الإيمان باختيار وطواعية دون قسر ولا إكراه، وذلك كله من أجل خير الإنسان وإسعاده. ومن هذه الأساليب: الابتلاء بالشدة والمصائب في المكاسب والأموال، وربط الرخاء والخير بالاستقامة والإيمان بالله ورسله. قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٦ الى ١٠٠]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٩٦- ١٠٠] .
أبان الله تعالى في آية سابقة أن الذين عصوا وتمردوا من أهل القرى والمدن أخذهم الله بغتة أي فجأة، وأبان في هذه الآيات أنهم لو أطاعوا ربّهم لفتح الله عليهم أبواب الخير، ثم جاء الجميع الإنذار بالعذاب المبكّر ليلا أو نهارا إذا كذبوا الرّسل دعاة الإصلاح والإيمان بالله وحده لا شريك له.
هذا إخبار عن نظام الله في الكون وسنّته تعالى في الخلق في الماضي والحاضر والمستقبل، ليتّعظ الناس ويعتبروا، وذلك النظام وتلك السنّة: أنه لو آمن أهل القرى والمدن كأهل مكّة وغيرهم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واتّقوا ما نهى الله عنه وحرّمه من الشّرك والفساد في الأرض بارتكاب الفواحش والآثام لو آمنوا وأطاعوا واتّصفوا بالتّقوى، لتبع ذلك توارد أفضال الله ورحماته، وإنعامه وإنزال
стр. 695
الخيرات الكثيرة من السماء عليهم كالمطر، وإخراج النباتات والمعادن والكنوز، وإيتاؤهم مختلف العلوم والمعارف والإلهامات الرّبانية لفهم أسرار الكون واستخراج مختلف الثروات. لو آمنوا وأطاعوا ليسّر الله لهم كل خير من كل جانب من فوقهم ومن تحتهم ومن ذواتهم وأفكارهم. وفي هذا دلالة على أن الإيمان الصحيح سبب للسعادة والرخاء. وفتح البركات: إنزالها على الناس. والبركات: الزيادة والنّماء.
ولكن أهل القرى والمدن كذبوا رسلهم ولم يؤمنوا ولم يتّقوا، فعاقبهم الله تعالى بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم والشّرك المفسد لنظام الحياة. وفي هذا دلالة على أن العقاب نتيجة لازمة لكسب المعاصي، هذا في الأمم الخالية.
ثم تابع الله تهديده ووعيده للكفار المعاصرين لمحمد ﷺ فهل يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك؟! وهذه الاستفهامات على سبيل التعجب من حالهم وغفلتهم، والإنكار عليهم، ومضمونها: أبعد ذلك يأمن أهل القرى الكافرة في الماضي كأهل مكة وأمثالهم وفي كل زمان نزول العذاب والنّكال بهم في حال الغفلة وهو النوم ليلا. فقوله سبحانه: بَياتاً أي وقت مبيتهم بالليل.
أو أيأمن أهل القرى والمدن أن يأتيهم العذاب ضحى، وهم مشغولون باللعب واللهو في النهار، وفي هذا إشارة إلى أن انشغالهم في أعمالهم التي لا فائدة منها كأنها ألعاب أطفال.
وذلك سواء في إنزال العذاب ليلا أو نهارا: تخويف في أوقات الغفلة.
وأكّد الله تهديده وتوبيخه فقال: أفأمن أهل القرى والمدن مكر الله، أي تدبيره الخفي وإنزال بأسه ونقمته، وعقابه وجزائه من حيث لا يشعر العباد؟ إنهم إن ظنّوا ذلك فقد أخطئوا، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أبان الله تعالى أن الغاية من ذكر هذه الإنذارات تحقيق العبرة والعظة لجميع
стр. 696
الناس في كل عصر وزمان، فقال: أو لم يتبين ويتّضح للناس، وخصوصا كفار قريش في عصر النّبي ﷺ الذين يخلفون غيرهم في سكنى الأرض ووراثتها مع الديار، بعد إهلاك الأقوام الآخرين قبلهم: أن الله لو شاء أصابهم وعذّبهم بذنوبهم وأعمالهم السيئة، كما عذّب أمثالهم ممن قبلهم، فإن لم يهلكهم الله بعذاب الاستئصال ختم على قلوبهم أو طبع عليها، فلم تعد تسمع الموعظة والتذكير سماع تدبّر وقبول، كما قال تعالى: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠/ ١٠١] .
العبرة من قصص الماضين
لم يكن إيراد قصص الأقوام الماضين، وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، مجرد حكاية وتسلية، وإنما كان الهدف من ذلك إيراد أمثلة عملية للأمم والشعوب في كل زمان، وتحقيق العبرة والعظة من إهلاك أولئك الأقوام بسبب تكذيبهم الرّسل، وإغراقهم في العمى والضّلالة والكفر، فكان الجزاء عدلا لأنه من جنس العمل، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
[الأعراف: ٧/ ١٠١- ١٠٢] .
المعنى: تلك قرى الأقوام الخمسة (قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب) أخبر الله بها نبيّه، كيف أهلكت ليتّعظ الحاضرون بالماضين، ولأنها أمثلة حسّية قريبة في المكان والذاكرة، حيث كانت تلك القرى (أي المدن) في بلاد العرب، وكان أهل مكة يتناقلون بعض أخبارها، وهي جميعا متشابهة في تكذيب الرّسل، وعذاب الاستئصال، فكانت العبرة منها واحدة.
стр. 697
وسبب عقاب تلك الأقوام هو تكذيب الرّسل، فبالرغم من أنهم أقاموا لهم الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرّسل بسبب تكذيبهم بالحقّ من قبل مجيء الرّسل وعند ورودهم عليهم، في بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله، ومن قبل مجيء المعجزات، فظلّوا على حالهم، ولم تؤثر فيهم الآيات الدّالة على صدق الرّسل، ولم يؤمنوا لآخر أعمارهم بما كذّبوا به أولا حين جاءتهم الرّسل، أي إنهم استمرّوا على التكذيب من وقت مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم وعنادهم، مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات.
وكما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع الله على قلوب الكافرين الذين سبق في علم الله ألا يؤمنوا أبدا.
إن اللّجاج في الكفر والإصرار عليهم هو الذي حجب عنهم النور الإلهي، ولم يوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا من قبل، فكان تكذيبهم سببا لأن يمنعوا الإيمان بعد.
ثم أخبر الله تعالى أنه لم يجد لأكثر الناس ثباتا على العهد الذي أخذه على ذرية آدم، وقت استخراجهم من ظهره، ولم يعملوا عقولهم في الآيات الدّالة على وجود الله وتوحيده وصدق رسله، ولم يشكروا نعم الله، ولا قادتهم معجزات الأنبياء إلى الإقرار بالحق والاعتراف بالواقع.
لم يجد الله لأكثر البشر التزام عهد، وقبول وصية، ووفاء بما أقرّوا به سابقا وهم في عالم الذّر، وبما أودع فطرتهم وعقولهم من الوسائل الكفيلة بإرشادهم إلى الحقّ والصّواب والإيمان بالله واليوم الآخر، إنهم لم يوفوا بعهد الفطرة الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم، ولا بعهد الشّرع الإلهي بالإيمان وأداء التكاليف، ولا بالعهد المتعارف عليه بأداء الالتزامات والشروط واحترام العقود التي يبرمونها فيما بينهم،
стр. 698
ولقد وجد الله أكثر الناس فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. وفي التعبير بالأكثر إشارة إلى أن بعضهم قد آمن، ونفد كل عهد مع الله أو مع الناس.
ومخالفة عهد الفطرة السليمة القائم على الإقرار بتوحيد الله وأنه لا إله إلا هو، وعبادة غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، كان كلاهما بتأثير البيئة والتقاليد الموروثة الباطلة.
جاء في صحيح مسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم»
وفي الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه، أو يمجّسانه» .
بعثة موسى ﵇ إلى فرعون
إثبات نبوته بالمعجزة
بعث الله تعالى موسى ﵇ رسولا إلى فرعون وقومه في مصر، بعد بعثة لفيف من الأنبياء السابقين، مثل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈، وأيده ربه كما أيدهم بالآيات، أي الحجج والبينات الدالة على صدق النبوة وصحة الرسالة الإلهية، لأن كل رسول يتطلب برهانا يظهره للناس يدل على أنه نبي مرسل، وذلك البرهان هو المعروف بالمعجزة التي قد تكون واحدة أو أكثر، وهذه بعض معجزات موسى ﵇ في القرآن المجيد، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٨]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)
«١» «٢»
стр. 699
«١» [الأعراف: ٧/ ١٠٣- ١٠٨] .
هذه بداية قصة موسى ﵇، بدأت بتكليف إلهي هي تبليغ رسالة الله ودعوته إلى فرعون وقومه ليوحدوا الله، وبدء البعثة لكل رسول بداية عهد جديد في حياته، وانتقال من كونه شخصا عاديا إلى صيرورته نبيا ورسولا مبلغا أوامر الله ونواهيه إلى الناس. أرسل الله تعالى موسى ﵇ رسولا بالآيات والمعجزات الدالة على صدقه ورسالته إلى فرعون وملئه فظلموا بها وكفروا، والظلم والكفر مقترنان عادة، إنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم بالتنكر لرسالة الله والإعراض عنها، وصد الناس أيضا عنها، فكان طبيعيا أن يحذّر الله تعالى من عاقبة المفسدين الظالمين، وجعلهم مثالا يتوعد به كفرة عصر النبي محمد ﷺ وما بعده من العصور والدهور.
ابتدأ موسى ﵇ حوارة مع فرعون بإعلان واضح أنه رسول مرسل من رب العالمين. وفرعون: اسم كل ملك لمصر في زمان غابر، في عهد الفراعنة، كالنمارذة في اليونان، وقيصر في الروم، وكسرى في فارس، والنجاشي في الحبشة.
تابع موسى قوله مع فرعون لإثبات صدقه في رسالته قائلا: جدير بي ألا أقول على الله إلا الحق، فإن الرسول لا يكذب على الله الذي بيده ملكوت كل شيء، لذا فإني لا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه، قد جئتكم يا قوم ببينة وحجّة من ربكم، لا من نفسي، بل من الرب سبحانه الواحد الأحد رب السماوات والأرض، ورب فرعون وهامان، وربي هو الذي أمرني بهذه الدعوة إليكم، فأرسل يا فرعون معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم.
стр. 700
فأجابه فرعون بقوله: إن كنت يا موسى مؤيدا بآية أو معجزة من عند ربك، فأظهرها لنراها، إن كنت صادقا فيما ادعيت.
فأجابه موسى على الفور بالفعل لا بالقول، فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان ظاهر واضح يتحرك، ويسير من مكان إلى مكان، وهمّ بفرعون فهرب منه. وأخرج موسى يده من جيب قميصه بعد ما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض كالشمس المضيئة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) [النمل: ٢٧/ ١٢] .
ولا داعي للاسترسال في أوصاف الثعبان والعصا واليد بأكثر مما دلت عليه الآيات القرآنية، إذ ليس لها سند يوثق به، وإنما هي من الروايات الإسرائيلية التي دسّها بعض الدخلاء غير المتورعين ولا المتدققين، مثل كعب الأحبار الإسرائيلي، ووهب بن منبّه الفارسي الأصل.
والمهم أن انقلاب العصا ثعبانا عظيما، وتحول اليد العضوية إلى قوة إشعاعية كالشمس المضيئة معجزة لموسى ﵇، تخرس الألسنة، وتثبت رسالته، وهي تفوق كل ما عرف في الأوساط الشعبية من السحر، والعلمية من الطب وعلوم الفيزياء العادية والنووية، وكل ذلك بقدرة الله وإرادته وخلقه، والله على كل شيء قدير.
الاحتكام للسحر والسحرة
بعد أن أظهر موسى ﵇ معجزته بانقلاب العصا حية أو ثعبانا عظيما، واليد ذات قوة إشعاعية كالشمس المضيئة، بعد هذا فهم فرعون وقومه أن معجزة موسى لون من ألوان السحر، فحشد فرعون جماعة السحرة المهرة لإبطال ادعاءات
стр. 701
موسى، فكان الخذلان للمبطلين، وانتصر الإيمان وعلت كلمة الحق، وآمن السحرة بموسى ورسالته، قائلين: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) .
قال الله تعالى واصفا هذا المشهد الرائع:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٩ الى ١٢٢]
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأعراف: ٧/ ١٠٩- ١٢٢] .
كان السحرة في عهد فرعون أعظم الرجال وفي أعلى المراتب، فقال السادة من قوم فرعون وبطانته لما رأوا معجزات موسى: إن هذا لساحر ماهر خبير بفنون السحر وأنواعه، وقد يستميل السحرة، وله خطره فربما سلب ملككم، وأخرجكم من أرضكم ووطنكم بسحره، كما جاء في آية أخرى مخاطبين موسى وأخاه هارون:
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) [يونس: ١٠/ ٧٨] .
فقال فرعون لحاشيته: ماذا تشيرون، وبم تأمرون؟ فأجابوا بأن يؤخر موسى وهارون، ويؤجل النظر في أمرهما، ويجمع السحرة من كل مكان، حتى يغلبوا موسى
стр. 702
بحجة واضحة وتفوّق بيّن. وتوهموا أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل السحر، فجمعوا له السحرة، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات. جاء في آية أخرى:
قالَ «١» أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) [طه: ٢٠/ ٥٧- ٦٠] .
توافد السحرة من كل جهة، وقالوا لفرعون: أئن لنا لأجرا إذا تغلبنا على موسى؟
فقال فرعون: نعم لكم أجر عظيم، وتصبحون من المقربين إلي في المركز والمجلس.
وهذا إغراء بالمركز المالي والأدبي.
قال السحرة في مكان المباراة: يا موسى إما أن تلقي بسحرك، وإما أن نكون نحن الملقين. وفي هذا اعتزاز بأنفسهم وثقة بخبرتهم وترك المبالاة بعمله. فأجاب موسى جواب الذكي الخبير المتكل على تأييد ربه ونصره الواثق أيضا بغلبته في النهاية: ألقوا ما أنتم ملقون، وجاء في آية أخرى: فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) [يونس: ١٠/ ٨١] .
ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فسحروا أعين الناس، وأرهبوهم بأباطيلهم وأفزعوهم، وخيّلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه، له حقيقة واقعة، ولم يكن في الواقع إلا مجرد صنعة وخيال، قال الزجاج: إنهم جعلوا في الحبال والعصي الزئبق، فكانت لا تستقر. وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ دليل واضح على أن السحر خيال لا حقيقة فيه، والفرق بين السحر والمعجزة: أن المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة وتستمر متحدية مختلف ألوان السحر، والسحر يظهر على يد رجل فاسق، ويظهر أثره السطحي سريعا.
стр. 703
وأوحى الله إلى موسى وأمره بإلقاء عصاه، فكانت ثعبانا ظاهرا، وعظم حتى كان كالجبل، فإذا هي تبتلع وتزدرد ما ألقوه وموهوا به أنه حق، وهو باطل، ثم رجعت بعد ذلك عصا. فظهر الحق كالشمس، وفسد ما كان السحرة يعملون، من الحيل والتخييل، وذهب تأثيره، وأدركوا أن فعل موسى فوق السحر وغلب السحرة في ذلك الجمع العظيم بأمر الله وقدرته، وانقلب فرعون وقومه صاغرين أذلة، بما لحقهم من عار الهزيمة والخيبة والخذلان. وعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر، فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله. وقالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون، لأن الحق بهرهم، وتيقنوا من نبوة موسى ﵇ بقلوبهم، وتلاشت من أذهانهم فكرة ربوبية فرعون وتبددت أوهام الجهال من أنه رب الناس، وكان هارون أخو موسى أسنّ منه بثلاث سنين.
تهديد فرعون للسحرة
بعد أن تغلب موسى على سحرة فرعون، وظهر الحق واندحر الباطل، آمن السحرة بالله رب العالمين، وكان إيمانهم قويا راسخا كالجبال، واتكلوا على الله، ووثقوا بما عنده، ولكن فرعون اتهمهم بالتواطؤ مع موسى، وهددهم بتقطيع الأيدي والأرجل والقتل والصلب على جذوع النخل، فما لان مؤمنو السحرة للتهديد والوعيد، ولم يبالوا بالتعذيب، لأنهم آمنوا إيمانا صلبا ملأ نفوسهم برهبة الله والخوف من عذابه يوم القيامة. وصف الله تعالى موقف فرعون من السحرة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
стр. 704
«١» [الأعراف: ٧/ ١٢٣- ١٢٦] .
لقد أسقط في يد فرعون، وطاش صوابه، فلجأ إلى التهديد والتخويف والوعيد وجعل ذنب السحرة المبادرة إلى الإيمان بإله غيره من دون إذن منه ولا رضا، فقال لهم: كيف آمنتم برسالة موسى واتبعتموه قبل أن آذن لكم؟ وإن ما تظاهرتم به أولا بعداوة موسى، والاعتداد بالسحر ثانيا، وإرادة الغلبة لموسى ثالثا، هذا كله مكر خفي منكم وتدبير خبيث وتواطؤ مع موسى قبل المباراة، لقد دبرتم العمل بالمدينة، وتآمرتم لإخراج الناس من البلد، فسوف تعلمون عاقبة ما أفعل بكم. إن فرعون يعلم يقينا أن الاتهام بالمكر والمؤامرة غير صحيح، فهو الذي أرسل جنوده في سائر أقاليم مصر، ووعدهم بالعطاء، ولم يلتقوا بموسى، ولم يعرف موسى أحدا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به.
وعقابي لكم: تقطيع الأيدي والأرجل، ثم القتل والصلب على جذوع النخل، والتنكيل بأشد العذاب والعقاب، حتى تكونوا عبرة للمعتبر، والقصد من هذا التهديد حماية مزاعمه بادعاء الألوهية، وسد الباب أمام الناس الذين يريدون الإيمان بالله تعالى، وترك الولاء والعبودية لفرعون.
ولكن فريق السحرة لم يأبهوا بالتهديد والوعيد، لثقتهم بالله، وقالوا: إن الأمر كله لله، وإننا راجعون إلى ربنا مهما طال العمر، وما تنقم منا وما تكره من أفعالنا إلا أننا آمنا بالله ورسوله لما ظهرت الآيات والمعجزة، وعرف الحق، وتبدد الباطل.
وهذا إعلان لقرار لا رجعة فيه، وكأنهم يقولون: لا أمل لنا في رجوعنا عن الإيمان بالله ربا واحدا لا شريك له.
стр. 705
ربنا هب لنا صبرا فسيحا واسعا، وثبّتنا على دينك وشرعك، واغمرنا بالصبر حتى يفيض علينا كما يغمر الماء الأشياء، وأمتنا مسلمين خاضعين لأوامرك، منقادين خاضعين لعظمتك، ثابتين على الدين الحق: دين الإسلام متابعين لنبيك موسى ﵇.
والظاهر أن فرعون نفّذ تهديده ووعيده فعلا، لقوله تعالى في بداية القصة:
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قال ابن ابن عباس ﵄: فرعون أول من صلب وقطع من خلاف. وقال ابن عباس وغيره في السحرة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم. وقال السحرة لفرعون في آية أخرى:
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) [طه:
٢٠/ ٧٢- ٧٥] .
وإذا كان الإيمان بالدين الحق والصبر على الشدائد من خلق الله تعالى، كما يقول أهل السنة، فإن اتجاه إرادة الإنسان للأخذ بهما، والاستعانة بالله للثبات على الإسلام، دليل على استحقاق العبد الثواب على ما اتجهت إليه إرادته، إذ لو كان الإيمان مجرد منحة من الله، لما كان هناك داع لإثابة المؤمن، وتعذيب الكافر.
وإيمان السحرة وإعلان إسلامهم بجرأة وصراحة وسرعة يدل على أن الإنسان إذا تجرد عن هواه، وأذعن للعقل والفكر السليم، بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلة عليه. قال ابن عباس ﵄: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل. وقال مقاتل: مكث موسى بمصر بعد إيمان السحرة عاما أو نحوه يريهم الآيات.