← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

موسى، فكان الخذلان للمبطلين، وانتصر الإيمان وعلت كلمة الحق، وآمن السحرة بموسى ورسالته، قائلين: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) . قال الله تعالى واصفا هذا المشهد الرائع: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٩ الى ١٢٢] قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأعراف: ٧/ ١٠٩- ١٢٢] . كان السحرة في عهد فرعون أعظم الرجال وفي أعلى المراتب، فقال السادة من قوم فرعون وبطانته لما رأوا معجزات موسى: إن هذا لساحر ماهر خبير بفنون السحر وأنواعه، وقد يستميل السحرة، وله خطره فربما سلب ملككم، وأخرجكم من أرضكم ووطنكم بسحره، كما جاء في آية أخرى مخاطبين موسى وأخاه هارون: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) [يونس: ١٠/ ٧٨] . فقال فرعون لحاشيته: ماذا تشيرون، وبم تأمرون؟ فأجابوا بأن يؤخر موسى وهارون، ويؤجل النظر في أمرهما، ويجمع السحرة من كل مكان، حتى يغلبوا موسى

стр. 702

بحجة واضحة وتفوّق بيّن. وتوهموا أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل السحر، فجمعوا له السحرة، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات. جاء في آية أخرى: قالَ «١» أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) [طه: ٢٠/ ٥٧- ٦٠] . توافد السحرة من كل جهة، وقالوا لفرعون: أئن لنا لأجرا إذا تغلبنا على موسى؟ فقال فرعون: نعم لكم أجر عظيم، وتصبحون من المقربين إلي في المركز والمجلس. وهذا إغراء بالمركز المالي والأدبي. قال السحرة في مكان المباراة: يا موسى إما أن تلقي بسحرك، وإما أن نكون نحن الملقين. وفي هذا اعتزاز بأنفسهم وثقة بخبرتهم وترك المبالاة بعمله. فأجاب موسى جواب الذكي الخبير المتكل على تأييد ربه ونصره الواثق أيضا بغلبته في النهاية: ألقوا ما أنتم ملقون، وجاء في آية أخرى: فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) [يونس: ١٠/ ٨١] . ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فسحروا أعين الناس، وأرهبوهم بأباطيلهم وأفزعوهم، وخيّلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه، له حقيقة واقعة، ولم يكن في الواقع إلا مجرد صنعة وخيال، قال الزجاج: إنهم جعلوا في الحبال والعصي الزئبق، فكانت لا تستقر. وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ دليل واضح على أن السحر خيال لا حقيقة فيه، والفرق بين السحر والمعجزة: أن المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة وتستمر متحدية مختلف ألوان السحر، والسحر يظهر على يد رجل فاسق، ويظهر أثره السطحي سريعا.

стр. 703

وأوحى الله إلى موسى وأمره بإلقاء عصاه، فكانت ثعبانا ظاهرا، وعظم حتى كان كالجبل، فإذا هي تبتلع وتزدرد ما ألقوه وموهوا به أنه حق، وهو باطل، ثم رجعت بعد ذلك عصا. فظهر الحق كالشمس، وفسد ما كان السحرة يعملون، من الحيل والتخييل، وذهب تأثيره، وأدركوا أن فعل موسى فوق السحر وغلب السحرة في ذلك الجمع العظيم بأمر الله وقدرته، وانقلب فرعون وقومه صاغرين أذلة، بما لحقهم من عار الهزيمة والخيبة والخذلان. وعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر، فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله. وقالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون، لأن الحق بهرهم، وتيقنوا من نبوة موسى ﵇ بقلوبهم، وتلاشت من أذهانهم فكرة ربوبية فرعون وتبددت أوهام الجهال من أنه رب الناس، وكان هارون أخو موسى أسنّ منه بثلاث سنين. تهديد فرعون للسحرة بعد أن تغلب موسى على سحرة فرعون، وظهر الحق واندحر الباطل، آمن السحرة بالله رب العالمين، وكان إيمانهم قويا راسخا كالجبال، واتكلوا على الله، ووثقوا بما عنده، ولكن فرعون اتهمهم بالتواطؤ مع موسى، وهددهم بتقطيع الأيدي والأرجل والقتل والصلب على جذوع النخل، فما لان مؤمنو السحرة للتهديد والوعيد، ولم يبالوا بالتعذيب، لأنهم آمنوا إيمانا صلبا ملأ نفوسهم برهبة الله والخوف من عذابه يوم القيامة. وصف الله تعالى موقف فرعون من السحرة، فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦] قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)

стр. 704

«١» [الأعراف: ٧/ ١٢٣- ١٢٦] . لقد أسقط في يد فرعون، وطاش صوابه، فلجأ إلى التهديد والتخويف والوعيد وجعل ذنب السحرة المبادرة إلى الإيمان بإله غيره من دون إذن منه ولا رضا، فقال لهم: كيف آمنتم برسالة موسى واتبعتموه قبل أن آذن لكم؟ وإن ما تظاهرتم به أولا بعداوة موسى، والاعتداد بالسحر ثانيا، وإرادة الغلبة لموسى ثالثا، هذا كله مكر خفي منكم وتدبير خبيث وتواطؤ مع موسى قبل المباراة، لقد دبرتم العمل بالمدينة، وتآمرتم لإخراج الناس من البلد، فسوف تعلمون عاقبة ما أفعل بكم. إن فرعون يعلم يقينا أن الاتهام بالمكر والمؤامرة غير صحيح، فهو الذي أرسل جنوده في سائر أقاليم مصر، ووعدهم بالعطاء، ولم يلتقوا بموسى، ولم يعرف موسى أحدا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به. وعقابي لكم: تقطيع الأيدي والأرجل، ثم القتل والصلب على جذوع النخل، والتنكيل بأشد العذاب والعقاب، حتى تكونوا عبرة للمعتبر، والقصد من هذا التهديد حماية مزاعمه بادعاء الألوهية، وسد الباب أمام الناس الذين يريدون الإيمان بالله تعالى، وترك الولاء والعبودية لفرعون. ولكن فريق السحرة لم يأبهوا بالتهديد والوعيد، لثقتهم بالله، وقالوا: إن الأمر كله لله، وإننا راجعون إلى ربنا مهما طال العمر، وما تنقم منا وما تكره من أفعالنا إلا أننا آمنا بالله ورسوله لما ظهرت الآيات والمعجزة، وعرف الحق، وتبدد الباطل. وهذا إعلان لقرار لا رجعة فيه، وكأنهم يقولون: لا أمل لنا في رجوعنا عن الإيمان بالله ربا واحدا لا شريك له.

стр. 705

ربنا هب لنا صبرا فسيحا واسعا، وثبّتنا على دينك وشرعك، واغمرنا بالصبر حتى يفيض علينا كما يغمر الماء الأشياء، وأمتنا مسلمين خاضعين لأوامرك، منقادين خاضعين لعظمتك، ثابتين على الدين الحق: دين الإسلام متابعين لنبيك موسى ﵇. والظاهر أن فرعون نفّذ تهديده ووعيده فعلا، لقوله تعالى في بداية القصة: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قال ابن ابن عباس ﵄: فرعون أول من صلب وقطع من خلاف. وقال ابن عباس وغيره في السحرة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم. وقال السحرة لفرعون في آية أخرى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) [طه: ٢٠/ ٧٢- ٧٥] . وإذا كان الإيمان بالدين الحق والصبر على الشدائد من خلق الله تعالى، كما يقول أهل السنة، فإن اتجاه إرادة الإنسان للأخذ بهما، والاستعانة بالله للثبات على الإسلام، دليل على استحقاق العبد الثواب على ما اتجهت إليه إرادته، إذ لو كان الإيمان مجرد منحة من الله، لما كان هناك داع لإثابة المؤمن، وتعذيب الكافر. وإيمان السحرة وإعلان إسلامهم بجرأة وصراحة وسرعة يدل على أن الإنسان إذا تجرد عن هواه، وأذعن للعقل والفكر السليم، بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلة عليه. قال ابن عباس ﵄: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل. وقال مقاتل: مكث موسى بمصر بعد إيمان السحرة عاما أو نحوه يريهم الآيات.

стр. 706

التحريض على قتل موسى وقومه لما انضم السحرة وجماعة معهم إلى موسى ﵇، وآمنوا به، على مرأى عام أمام الجموع الغفيرة، وحينما أصروا على إيمانهم دون مبالاة بتهديد فرعون لهم بالقتل، اتجه فرعون بتحريض من قومه إلى إنزال النكال والعذاب بموسى وقومه، مستغلا سلطته وبغيه وطغيانه، وأما موسى فأخذ يصبّر قومه، ويعدهم بالفوز والنهاية السعيدة، والاستخلاف في الأرض، على أن يكونوا صلحاء شرفاء، قائمين على الحق والاستقامة. وصف الله تعالى هذين الوضعين: وضع فرعون مع موسى وقومه، ووضع موسى مع قومه بني إسرائيل، فقال سبحانه: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) «١» [الأعراف: ٧/ ١٢٧- ١٢٩] . يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أمرين محرجين لموسى ﵇: الأمر الأول- أن قوم فرعون تمالؤوا مع فرعون على موسى وقومه، وأضمروا لهم الأذى والبغضاء، وحرضوا على قتلهم والتخلص منهم، بعد إيمان السحرة بموسى وانضمامهم له على مشهد من الناس قاطبة. قال أشراف قوم فرعون لفرعون: أتترك موسى وقومه أحرارا، فيتمكنوا من

стр. 707

إفساد رعيتك، بإدخالهم في دينهم، أو جعلهم تحت سلطانهم وقيادتهم، ودعوتهم إلى عبادة ربهم دونك، وتركك مع آلهتك، فلا يعبدونك ولا يعبدونها كما أمرت وشرعت؟! فقال فرعون متأثرا بهذا التحريض: سنقتل أبناء الإسرائيليين، ونبقي نساءهم أحياء للمتعة والخدمة، فلا يتكاثرون، كما كنا نفعل قبل ولادة موسى، ليعلموا أننا عليهم قادرون، وفوقهم قاهرون، وهذا يقتضي تحقير أمرهم، أي هم أقل من أن يؤبه بهم. جاء في آية أخرى: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) [غافر: ٤٠/ ٢٦] . الأمر الثاني- أنه حين سمع الإسرائيليون بتهديد فرعون، فزعوا وجزعوا وتضجروا، فقال لهم موسى مطمئنا ومثبتا ومقويا نفوسهم وواعدهم ما عند الله: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا فالله هو المعين على الشدائد، الدائم الباقي، القادر على كل شيء، والصبر سلاح المؤمن، واعلموا أن الأرض أرض الدنيا يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين ربهم، الخائفين من عذابه، الطامعين في رحمته، والنصر للمؤمنين، لا كما يظن فرعون وقومه. والصبر في هذه الآية يعمّ الانتظار الذي هو عبادة، والصبر في المناجزات والأزمات. لكن الوصية لم تؤثر في الإسرائيليين، لشدة فزعهم من فرعون وقومه، فقالوا لموسى: أوذينا من قبل مجيئك وقبل ولادتك، ومن بعد إرسالك، وفعلوا بنا ما رأيت من الذل والهوان، فقتلوا أولادنا، وعذبونا، وتعود المأساة اليوم بعد مجيئك، كما تسمع من الوعيد والتهديد. فأجابهم موسى بما يتناسب مع قلة يقينهم وصبرهم على الدين: لعل الله ينصركم ويهلك عدوكم فرعون، ويستخلفكم بعده في الأرض، ويجعلكم سادة. وهذا كله

стр. 708

لتأليف نفوسهم النافرة واضطرابهم مع أنبيائهم، ثم حضهم على الاستقامة والصلاح، مذكرا إياها بأن الله تعالى ناظر كيف تعملون، ومجازيكم على عملكم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. إن موسى أراد من قومه شد عزائمهم على الشكر عند النعمة، وزوال النقمة، وتدريبهم على تحمل ألوان المشاق والمعاناة، وممارسة أعمال الطاعة، والاتكال على الله وحده. ولكن القوم ضجروا وتبرموا وأتعبوا موسى تعبا شديدا، وبالرغم من ذلك فقد تحقق ما وعدهم به موسى، وأغرق الله فرعون وقومه، وكانوا هم الخلفاء على أرض الفراعنة في زمن داود وسليمان، إلا أنهم عادوا إلى العصيان والعناد، والتضجر من موسى ﵇، فعوقبوا بألوان مختلفة من العقاب، كما يبين في الآيات التالية. الآيات التسع يتميز التشريع الجزائي الإلهي بأنه يرسل الإنذارات أولا، ليراجع الناس حساباتهم ويصلحوا أعمالهم من قريب دون تماد في البغي والعدوان والمخالفة والعصيان، فإذا استبد العناد بالقوم، وظهر منهم التعنت والتحدي لرسالات الأنبياء، ولم يبق أمل في إصلاحهم وإنما تحقق اليأس منهم، فإن الله ينزل بهم العقاب الصارم أو الاستئصال جزاء بما كسبوا، وزجرا لهم وردعا لأمثالهم. وقد أرسل الله تعالى تسع آيات مع موسى ﵇ إلى فرعون وملئه لعلهم يرجعون عما هم فيه من جحود وعناد، فقال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٣] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) «١»

стр. 709

«١» «٢» «٣» «٤» [الأعراف: ٧/ ١٣٠- ١٣٣] . أقسم الله عناية بالناس وتربية للنفوس أنه أرسل مع موسى تسع آيات من العقاب لقوم فرعون، ذكر منها هنا سبع آيات عقاب، عوقب بها فرعون وجنوده: وهي أعوام الجدب (السّنون) ونقص الثمار، وطوفان الماء، والجراد (طائر معروف يأكل النبات) والقمّل (سوس القمح: حيوان صغير جدا أسود، أو الدود الذي يأكل الزرع) والضفادع التي ملأت القدور والبيوت، والدم الذي نشأ من تحول ماء البئر، فكان الرجل منهم إذا استقى من البئر، وارتفع الدلو، صار دما. وذكر الله تعالى إضافة على هذه الآيات السبع آيتين أخريين في سورة يونس، وهما الطمس على الأموال، أي محقها وهلاكها، والتشديد على القلوب. [الآية: ٨٨] . هذه عقوبات تسع وأنواع من العذاب بعثها الله على قوم فرعون، وأخذها بهم، وقد استعمل القرآن كلمة (أخذ) في العذاب والشدة. وسبب أخذهم بها التوصل إلى إصلاحهم، لعلهم بها يتذكرون ويتعظون. فإن من سنته تعالى أن يرسل الزواجر من الآفات والمصائب تنبيهات لعل أصحابها ترجع وتثوب إلى الله، فإن ثابت واهتدت، كان الخير، وإلا وقع الهلاك المحتوم. لكن المصائب زادت آل فرعون عتوا وبغيا، فإذا جاءت أمة فرعون الحسنة، أي الخصب ونماء الرزق من الثمار والمواشي قالوا: لنا هذا نستحقه بعلمنا ومعرفتنا وتفوقنا، وإن تعرّضوا لسيئة: وهي ما يسوءهم من

стр. 710

جدب وقحط، تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا: هذا بسببهم وما جاؤوا به، وغفلوا عن واجب شكر نعمة الله وعن سيئاتهم وفساد أعمالهم، وشرور أنفسهم. فردّ الله عليهم بأن كل ما يصيبهم من خير أو شر، فهو بقضاء الله وقدره، فالله جعل الخير ابتلاء ليعرف الشاكر من الجاحد، وجعل الشر ابتلاء أيضا، ليعرف الصابر من الساخط، وليرجع أهل الغي والفساد عن غيهم وفسادهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة الله في تصريف الكون، ولا كيفية الارتباط بين الأسباب والمسببّات، والأمور تجري بالمقادير، وكل شيء عنده بمقدار. ومع هذه الإنذارات والآيات قال قوم فرعون لموسى: مهما تأتنا به من آية تستدل بها على صدقك في دعوتك، من أجل أن تسحرنا بها، وتصرفنا عما نحن عليه من ديننا بلطف وحذاقة، فلسنا نحن بمصدقين لك أبدا، ولا متبعين رسالتك. فأنزل الله بهم عقابا على كفرهم وتكذيبهم وجرائمهم، أرسل عليهم الطوفان من الماء: وهو ما غلبهم وطاف بهم من مطر أو سيل، فأغرقهم وأتلف مزروعاتهم وأرسل عليهم الجراد الذي يأكل الأخضر واليابس من الثمار والزروع، وأتلف زراعتهم، وأرسل عليهم القمّل (وهو سوس القمح أو كبار القراد) ونحوها من الآفات الزراعية، وبعث الله ﵎ عليهم الضفادع، فتدخل في فرشهم وقدورهم وأواني الطبخ، وبين ثيابهم. وكذلك أرسل الله عليهم الدم حيث تتحول مياههم إلى دم. كل هذه آيات واضحات بينات ظاهرات، لا يشكل على عاقل أنها من عند الله، ولا يقدر عليها غيره، وكانت عبرة ضاحكة، لا تخفى على عاقل أنها من عند الله، ولكن بالرغم من هذه الآيات، فإن قوم فرعون تكبروا عنها وعن الإيمان برسالة موسى، وكانوا قوما مجرمين في حق أنفسهم وحق الله تعالى وعباده.

стр. 711

عاقبة الكفر المصحوب بالعناد إذا لم تفلح وسائل الإصلاح الهادئة أو المقترنة بشيء من الإنذارات والتحذيرات، واعتصم الكافرون بالتحدي والعناد، فإن العاقبة تكون وخيمة، والعقاب واقع حتما لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة يقع الندم حينئذ، وهكذا كان الحال مع فرعون وقوعه، حذرهم موسى، وأتى لهم بالبينات والحجج الدالة على صدقه في رسالته، وكانت الإنذارات تتعاقب فيهم وهي الآيات التسع أو أنواع العقوبات وألوان العذاب التي بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، فلم يرتدعوا، فاستحقوا عذاب الاستئصال والإغراق في البحر، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٦] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) «١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٣٤- ١٣٦] . حين نزل العذاب الشديد وتواترت ألوان العقاب على فرعون وقومه الكافرين من الجراد والضفادع والدم وطوفان الماء وغيرها من الآيات التسع، حينئذ اضطرب قوم فرعون واشتد فزعهم، وطلبوا من موسى ﵇ أن يدعو ربه، بسبب ما عهد الله عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة وصلة العهد مع الله من طاعة موسى ونعمه عليه، وأقسموا له: لئن كشفت عنا بدعائك ذلك العذاب، لنصدقن برسالتك، ونؤمننّ بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى حيث تتوجه وتريد، ليتمكنوا من عبادة ربهم كما شاؤوا. وهذا عهد من فرعون وملئه الذين بيدهم الحل والعقد. ولكن قوم فرعون لما كشف الله عنهم العذاب، وأزال

стр. 712

عنهم العقاب مرة بعد مرة، مؤقتا إلى أجل محدود، منتهون إليه حتما، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويحنثون في كل مرة، ولم ينفعهم ما تقدم في حقهم من الإمهال. ومعنى قوله تعالى: إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ أي غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت، في الغرق المنتظر. روي أنهم كانوا يمكثون في العذاب الواحد من الطوفان والجراد ونحوهما أسبوعا، ثم يطلبون من موسى الدعاء برفعه، ويعدونه بالإيمان بالله تعالى، ثم ينقضون العهد. ولما كشف الله العذاب (وهو الرجز) عن قوم فرعون من قبل مرات ومرات، ولم يقلعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت لعذابهم، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق في البحر، بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عنها وعما يتبعهم من العذاب في الدنيا والآخرة. والمراد بغفلتهم عن آيات الله: إعراضهم عن الآيات، وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها، حتى صاروا كالغافلين عنها. إنهم غفلوا عما تتضمنه الآيات من الهدى والنجاة. أغرق الله الكافرين منهم في اليم إغراقا شنيعا شديدا، ونجى الله المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، أغرقهم في اليم، وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه هو وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما أصبحوا في وسط البحر، أطبقه الله عليهم، فغرقوا عن آخرهم بسبب تكذيبهم بآيات الله، وتغافلهم عنها، وعما يعقبها من العذاب في الدنيا والآخرة. تبين لنا هذه الآيات مدى انتهازية بعض الناس، ولجوئهم إلى المكر والخديعة، فإن قوم فرعون لما تعرضوا للعذاب، هرعوا إلى موسى عند الشدة والضيق، وهذا شأن غالب الناس، لا يجدون في وقت المحنة غير الله ملجأ وملاذا.

стр. 713

وكان من عادة قوم فرعون تكرار نقض العهود وخلف الوعود، وتمرير المصالح إلى وقت محدود. والعذاب الذي استحقوه هو عذاب الاستئصال بالإغراق في البحر. والآيات تستدعي الوقوف أمامها بحذر وتعمق وإطالة فكر وتأمل، والواجب النظر فيها وتدبرها والتأمل بأسبابها ونتائجها، ولذلك ذمهم الله بأن غفلوا عنها، وهو منهج يدل على أن التقليد طريق مذموم. وأن الواجب يستدعي بحق إعمال الفكر والتأمل، والاعتماد على القناعة الذاتية، وتكوين هذه القناعة بالبرهان والحجة، لا بمجرد التوارث للآباء، والسير في فلك الأجداد، حتى وإن وجدوا الحق في غير طريقهم، أو في شريعة محكمة، لا تبديل فيها ولا تغيير. نصرة المستضعفين بعد إغراق فرعون اقتضت حكمة الله ورحمته وعدله وفضله أن ينصر الضعفاء والمستضعفين، وينتقم من الأقوياء المتغطرسين والأشداء الظالمين، وميزان العدل لا يتغير، والفضل الإلهي لا يختلف بين جيل وجيل. وحينما طغى فرعون وبغى وأفسد في الأرض وتأله وتجبر، كان مصيره الإذلال والهلاك، ونصر الله الذين كانوا يستضعفون في المشرق والمغرب من قوم موسى، وأمدهم الله بنعم كثيرة قصها القرآن الكريم علينا، فقال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) «١»

стр. 714

«١» «٢» «٣» » «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ١٣٧- ١٤١] . قارن الله تعالى بين مصير فرعون وجنوده العتاة الظلمة، وبين المستعبدين الضعفاء الصابرين من بني إسرائيل، أغرق الله أولئك، وأنعم على موسى وقومه بالنعم العظمى الثلاث الآتية: النعمة الأولى- وراثة الأرض: بعد أن كان الإسرائيليون يستضعفون في عهد فرعون بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، وإسامتهم سوء العذاب، أورث الله هؤلاء المستضعفين الأرض في المشرق والمغرب، التي بارك الله فيها بالخصب والنماء، وسعة الأرزاق والخيرات والأمطار ووفرة الأنهار، وتمت وتحققت كلمة الله الحسنى ونفذت ومضت على بني إسرائيل أي ما سبق لهم في علمه وكلامه في الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه، ونفذ وعد الله الأسمى، بسبب صبرهم على أذى فرعون وملئه. وإنجاز هذا الوعد حدث مرة واحدة حين استقام الإسرائيليون، ولم يتكرر وعد آخر لهم بالعودة إلى أرض فلسطين. ودمر الله تعالى كل ما يصنع فرعون وقومه من العمائر والمزارع، وما كانوا ينصبونه من العرائش والسقف في البساتين، وما بنوه من القصور الشاهقة.

стр. 715

والنعمة الثانية- الإنقاذ من الغرق والاضطهاد: نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وملئه ومن الغرق في البحر الأحمر، وجاوز بهم البحر آمنين، وأغرق فرعون وقومه، ولكنهم قابلوا النعمة بالجحود والعصيان والكفران، ولم يقوموا بما يجب عليهم من الشكر والطاعة، كشأنهم في كل عصر وزمان، وطلبوا من موسى ﵇ اتخاذ إله من الأصنام حينما رأوا قوما من الكنعانيين يعبدون أصناما لهم على صور البقر، وقالوا لموسى: اجعل لنا صنما إلها نفرده بالعبادة ونكفر بربك، كما يؤله هؤلاء القوم أصنامهم. فرد عليهم موسى ردا شديدا مفعما بالتعجب بقوله: إنكم قوم جهلة، تجهلون حقيقة توحيد الله الخالص له، وتسألون أمرا حراما فيه الإشراك في العبادة، والله تعالى ليس بحاجة إلى شفيع أو شريك أو وسيط، بل هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، إن هؤلاء العاكفين على أصنامهم عبدة الأوثان محكوم عليهم بالدمار والهلاك والزوال، وباطل عملهم في الدنيا والآخرة وكيف تطلبون إلها غير الله، وهو فضّلكم على عالمي زمانكم؟!. والنعمة الثالثة- الإنجاء من آل فرعون: نجى الله أيضا بني إسرائيل من ظلم آل فرعون، وأنقذهم من ذل العبودية، وخلصهم من إسامتهم سوء العذاب وتكليفهم مشاق الأعمال، ومن تقتيل أبنائهم الذكور، وترك نسائهم أحياء، حتى ينقرض نسلهم. وفي ذلكم الإنجاء من كيد فرعون وقومه، والإنعام عليهم بهذه النعم بلاء واختبار عظيم من الله لهم. والمراد من ذلك كله حملهم على شكر الله تعالى، وتخصيصه بالعبادة والتقديس وإفهامهم أن في إنجائهم امتحانا لهم واختبارا لسلوكهم، هل يكون منهم وفاء بحسب النعمة، أو جحود وتنكر للمعروف؟ والواقع أنهم قابلوا النعمة بالكفران، والطاعة بالعصيان، فاستحقوا غضب الديان.

стр. 716

مناجاة موسى ربه تميز موسى ﵇ عن سائر الأنبياء والرسل بأنه كليم الله، كلمه ربه في طور سيناء، وأنزل عليه التوراة المتضمنة للرسالة والتشريع وأحكام الحلال والحرام ودستور الحياة. وتمت المكالمة بعد أن أخبر الله تعالى موسى ﵇ عن موعد محدد لها، يتهيأ فيه للمناجاة بعد ثلاثين ليلة، ثم زاده الله في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، أي الموعد المحدد للمناجاة بعد هذه المدة، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٥] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) «١» «٢» «٣» «٤» [الأعراف: ٧/ ١٤٢- ١٤٥] . تصف هذه الآيات كيفية نزول التوراة على موسى ﵇ التي هي دستور الشريعة، وتذكر أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك الله عدوهم، أتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون، سأل موسى ربه الكتاب. وتضمنت الآيات أربعة موضوعات: تحديد موعد لموسى لمكالمة ربه، واستخلاف

стр. 717

هارون على بني إسرائيل في غياب موسى، وطلب موسى رؤية الله ، وإنزال التوراة المتضمنة أصول الشريعة. أما موضوع المواعدة: فهو أن الله تعالى واعد موسى مكالمته، بعد تمام ثلاثين ليلة وهي شهر ذي القعدة، وأمره بصومها، فصامها وتهيأ فيها للمناجاة واستعد، ثم أمره الله تعالى أن يكمل صيام عشرة أيام أخرى من ذي الحجة، وأن يلقى الله صائما، فأصبح موعد اللقاء بعد تمام أربعين ليلة. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ﵇، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ ، كما قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٥/ ٣] . والموضوع الثاني- هو استخلاف هارون: قال موسى لأخيه هارون الأكبر منه ثلاث سنوات حين أراد الذهاب إلى جبل الطور لميقات ربه: كن خليفتي في القوم مدة غيابي، وأصلح أمر دينهم، ولا تتبع سبيل أهل الفساد والضلال. والموضوع الثالث- طلب موسى رؤية ربه، لما جاء موسى لميقات الله تعالى المحدد في جبل الطور للكلام مع ربه وإعطائه الشريعة، كلمه ربه بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة، وسمعه سبعون رجلا اختارهم معه للميقات، وفي المكالمة رغب موسى برؤية الله تعالى، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أي أنظر إلى ذاتك المقدسة، وقوّني على النظر إليك، فقال الله له: لَنْ تَرانِي أي الآن ولا في المستقبل في الدنيا، إذ ليس لبشر القدرة على النظر إلي، لقوله ﷺ فيما رواه مسلم: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه- أنواره- ما انتهى إليه بصره من خلقه» . ولكن انظر إلى الجبل، فإن ثبت مكانه عند التجلي الأعظم عليه، فسوف تراني، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لم يستطع أن يثبت، فكيف أنت يا موسى؟! فلما تجلى

стр. 718

ربه للجبل، جعله ترابا مدكوكا، وسقط موسى مغشيا عليه، فلما أفاق من إغماءته وغشيانه أو صعقته، قال: سبحانك، أي تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراك أحد في الدنيا إلا مات. إني تبت إليك من التعجيل في طلب الرؤية، وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. وامتناع رؤية الله هو في الدنيا، أما في الآخرة فالراجح أن رؤية العباد لربهم في الآخرة ممكنة وجائزة. والموضوع الرابع- إنزال التوراة: قال الله لموسى: يا موسى إني اخترتك على ناس زمانك، وآثرتك عليهم بتكليمي إياك وبإعطائك رسالاتي المتنوعة، فخذ ما أعطيتك من الشريعة وهي التوراة، وكن من جماعة الشاكرين نعمي. وكتبت لك في ألواح التوراة التي أعطيتها إياك المواعظ وتفاصيل الأحكام المبينة للحلال والحرام وأصول العقيدة والآداب، وكانت هذه الألواح أول ما أوتيه موسى من التشريع. والموعظة: تشمل كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة من المعصية. والتفصيل: بيان أقسام الأحكام. فخذ يا موسى هذه الأحكام بقوة وجد وعزيمة، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ، سترون دار الفاسقين، أي عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، وكيف يصير إلى الهلاك والدمار. الصرف عن آيات الله العقيدة المقررة في الإسلام أن الله تعالى يهدي إلى الخير والرشد، ويحذر من سلوك طرق الغواية والشر، ولا يمنع أحدا من خير وهداية، ولا يرضى لعباده الكفر والفحشاء، وإنما الناس هم الذين يختارون الإيمان والتزام الاستقامة، ويقدمون على الكفر والانحراف والمخالفة بعقولهم وإرادتهم. فإن تكبّر الجاحدون والعصاة عن امتثال

стр. 719

أوامر الله، كان الكبر سببا لصرف الإنسان عادة عن النظر في الحق، والغفلة عن الآيات الدالة عليه. قال الله تعالى مبينا صرف المتكبرين عن التفكير والنظر في آيات الله: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٧] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) «١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٤٦- ١٤٧] . الصرف: هو المنع والصدّ، والآيات هنا: كل كتاب منزل من الله، والمعنى: أن الله تعالى يبين في هذه الآيات سبب الطغيان والكفر والظلم والفساد، ويقرر سبحانه أنه سيمنع قلوب المتكبرين عن طاعته واتباع رسله عن النظر والتفكير والاستدلال بآيات الله، ويمنعهم عن فهم الأدلة والبراهين، الدالة على عظمته، ويحجبهم عن الإيمان بالآيات، مثل قوم فرعون الذين قال الله فيهم: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل: ٢٧/ ١٤] ومثل كفار قريش كأبي جهل وأبي لهب وعتبة بن ربيعة الذين حجبهم الكبر عن النظر في الآيات مع يقينهم بصدق محمد. ويتصف هؤلاء المتكبرون بصفات، منها: أنهم لا يؤمنون بأي آية تدل على الحق وتثبته، إذ لا تفيد الآيات إلا من كان مستعدا للفهم وقبول الحق. ومنها: أنهم يبتعدون عن طريق الهدى والرشاد، وهي الطريق الممهدة المؤدية إلى النجاة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يسلكها ويسلك غيرها، وهذا يكون عن تعمد وعناد، أو عن جهل وطيش، وحكم الفريقين واحد.

стр. 720

ومنها: أنهم إذا ظهر لهم سبيل الغي والضلال والفساد، بادروا إليه مسرعين، بما تزينه لهم أهواؤهم ونفوسهم الأمارة بالسوء، وهؤلاء أسوأ ممن قبلهم. وعلة هؤلاء المتكبرين واحدة وهي تكذيبهم بآيات الله المنزلة على رسله، وغفلتهم عن انظر بما فيها، وإعراضهم عن العمل بها، كما قال تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [الصف: ٦١/ ٥] . ومجمل حال هؤلاء المتكبرين: أن الله لم يخلقهم مطبوعين على الكفر والضلال، ولم يجبرهم عليه، بل حدث ذلك باختيارهم إذ إنهم هم الذين كذبوا بالآيات المنزلة التكوينية والتشريعية، وانغمسوا بأهوائهم وشهواتهم في بؤر الضلال والانحراف، وحجبوا أفهامهم عن إدراك الحق والهدى وسلوك سبيل السعادة والنجاة، فهم كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) [الأعراف: ٧/ ١٧٩] . ومآل أعمال هؤلاء المتكبرين الكافرين هو إحباطها وإبطالها وتلاشي آثارها، وعدم ترتيب الثواب عليها، كما ذكر في هذه الآيات، فذكر الله تعالى مصير عمل الكفار: وهو أن الذين كذبوا بآيات الله المنزلة على رسله الكرام، ولم يؤمنوا بها، ولم يصدقوا بالآخرة وما فيها من جزاء على الأعمال من ثواب الخير وعقاب الشر، واستمروا على هذه الحال إلى الموت، هؤلاء بطلت أعمالهم وذهبت سدى، لفقد شرط القبول، وهو الإيمان، ولأن من سنته تعالى جعل الجزاء في الآخرة بحسب الأعمال السالفة في الدنيا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وكما تدين أيها الإنسان تدان، فقوله تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ دليل على أن الجزاء من جنس العمل، فمن آمن وعمل الصالحات فله الجنة، ومن كفر وعمل السيئات فله النار.

стр. 721

لكن عمل الخير من الكافر يفيده في الدنيا، كالتصدق على الفقراء، وصلة الأرحام، وترك الفواحش والمنكرات، واستقامة السيرة والسلوك، فبسبب هذه الأعمال الخيرة، يدفع الله عن الكافر الشرور والمصائب، ويقيه من عظائم الأحداث، ومهاوي الشر والضرر. اتخاذ السامري العجل في كل قوم أناس ضالون ومهدّمون للعقائد والقيم والأخلاق، ومن هؤلاء موسى السامري الذي اتخذ عجلا من حلي النساء تقليدا للمصريين في عهد فرعون الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان من شمس وغيرها، ثم اتخذه الإسرائيليون إلها في غيبة موسى لمناجاة ربه، وعبدوه من دون الله. قال الله تعالى واصفا هذه القصة: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) «١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٤٨- ١٤٩] . يمر بعض الناس في فترة ضعف، ويعودون أحيانا إلى العقلية البدائية إما جهلا وغباء، وإما عنادا وتكبرا وسوء نية، وإما تأثرا بالبيئة والأعراف السائدة، وقد وقع بنو إسرائيل في هذه الحالة، فطلبوا مرة من موسى أن يجعل لهم إلها من الأصنام، كما للكنعانيين آلهة من الأوثان، فزجرهم موسى وأبان لهم أنهم جهال في هذا المطلب. واستغل موسى السامري فرصة غياب موسى ﵇ لمناجاة ربه، فصنع

стр. 722

عجلا من الحلي له خوار، متأثرا بداء التقليد، حيث شاهد المصريين يعبدون الأصنام والأوثان والكواكب من شمس وغيرها، وتم الصنع كما حكى يحيى بن سلام عن الحسن البصري أنه قال: استعار بنو إسرائيل حلي القبط ليوم الزينة، فلما أمر موسى أن يسري بهم ليلا، تعذر عليهم رد العواري (الأشياء المستعارة) وخشوا أيضا أن يفتضح سرهم، ثم إن الله نفّلهم إياه. ويروي أن السامري- واسمه موسى بن ظفر من قرية سامرة- قال لهارون حين ذهب موسى إلى المناجاة: يا هارون، إن بني إسرائيل قد بددوا الحلي الذي أستعير من القبط، وتصرفوا فيه، وأنفقوا منه، فلو جمعته حتى يرى موسى فيه رأيه، فجمعه هارون، فلما اجتمع قال للسامري: أنت أولى الناس بأن يختزن عندك، فأخذه السامري- وكان صائغا- فصاغ منه صورة عجل، وهو ولد البقرة، جسدا، أي جثة وجمادا، وقيل: كان جسدا بلا رأس، وقيل: إن الله جعل له لحما ودما. قال ابن عطية: وهذا (أي جعل اللحم والدم له) ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد، تكذب ذلك. وكان لهذا العجل خوار: وهو صوت البقر، اتخذه السامري بحيله صناعية، ثم اتخذه بنو إسرائيل إلها لهم، ثم عبدوه. وبالرغم من أن المتخذ واحد منهم وهو السامري، إلا أن هذا الاتخاذ نسب إليهم جميعا لأنه عمل برأي جمهورهم، ولم يحصل منهم إنكار عملي، فكأنهم راضون به مجمعون عليه. رد الله على هؤلاء ردا عقليا مبسطا واضحا، مضمونه أن هذا العجل المتخذ من حلي الذهب أو الفضة إلها لا يستحق التأليه، بدليل قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ أي ألم ينظروا ويتأملوا أنه فاقد لمقومات الإله، فلا هو يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولا يهديهم سبيل

стр. 723

السعادة، اتخذوه بلا دليل ولا برهان، بل عن جهل وتقليد لغيرهم كالمصريين الذين يعبدون العجل (أبيس) والكنعانيين في فلسطين، فكانوا بذلك ظالمين لأنفسهم أن عبدوا ما لا ينفعهم، وإنما يضرهم. ولما عاد موسى من مناجاة ربه في الميقات الذي خصص له، وكان قد أخبره الله تعالى، وهو على جبل الطور، باتخاذ قومه عبادة العجل، كما قال تعالى: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) [طه: ٢٠/ ٨٥] لما عاد موسى، ندم بنو إسرائيل على ما فعلوا، وهذا هو معنى قوله سبحانه: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ورأوا أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل، فتابوا واستغفروا ربهم، وتبينوا وجه الحق في أن الله هو الإله المعبود بحق، لا هذا العجل وغيره من الأصنام، وقالوا: إن لم يرحمنا ربنا، بقبول توبتنا، ومغفرة ذنبنا، لنكونن من القوم الهالكين، ومن الذين خسروا سعادة الدنيا وهي الحرية والاستقلال في الأرض، ومن الذين خسروا أيضا سعادة الآخرة، وهي الإقامة في جنات النعيم، وهذا اعتراف صريح منهم بذنبهم، والتجاء إلى الله في أن يتقبل منهم التوبة، ويعفو عما وقعوا فيه من الذنب الكبير، وهو اتخاذ العجل إلها. وهذا مثل واضح للانحراف، وبيان لطريق العدول عنه، وهو التوبة الخالصة لله ، والندم على ما حدث، والإصرار على عدم العودة إلى مثل ذلك الذنب في المستقبل. إجراءات موسى حول اتخاذ العجل إلها إن مهمة كل نبي أو رسول أن يبادر إلى إصلاح أخطاء قومه، وإرشادهم إلى صواب الأمور، إما بالوعظ والإرشاد، وإما باقتلاع المنكر من جذوره، وتصحيح الأوضاع والأحوال، وإما بعتاب المقصر أو المخطئ، وقد فعل موسى عليه السلام

стр. 724

كل ذلك، فنصح وأرشد، وزجر وأوعد، وتخلص من العجل الذي اتخذ إلها في غيبته، وعاتب أخاه هارون عتابا شديدا على سلبيته- بحسب ظنه- أو موقفه من مسألة العجل. قال الله تعالى واصفا هذه الأحداث: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٠ الى ١٥١] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) «١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٥٠- ١٥١] . كان اتخاذ العجل إلها في بني إسرائيل صدمة عنيفة لموسى ﵇، فحينما رجع من المناجاة، وقرب من محلة بني إسرائيل، سمع أصواتهم، فقال: هذه أصوات قوم لاهين، فلما تحقق عكوفهم على عبادة العجل، داخله الغضب والأسف، وألقى الألواح (ألواح التوراة) . بل إنه حينما أخبره الله تعالى قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل، رجع وهو غاضب، والأسف قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن، والمعنيان متوافران هنا. كان موسى الشديد الشكيمة القوي العزيمة في فهم التوحيد الخالص ذا موقف مغاير لأخيه هارون الذي كان ليّن العريكة، غير حازم في أمره، فقال موسى للقوم: أسابقتم قضاء ربكم واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به. أي فلم أرجع إليكم عند تمام الثلاثين ليلة، فتحدثتم بموتي وغيرتم عقيدتكم، كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها، وطرح موسى ألواح التوراة من يده فتكسرت، لما اعتراه من فرط الدهشة وشدة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضبا لله، وحمية لدينه، وأخذ بشعر أخيه يجره إليه بذؤابته، لشدة ما استفزه من الأمر، وذهب بفطنته، وظنا بأخيه أنه

стр. 725

قصر في خلافته، وفرط في كفّ القوم عن عبادة العجل، وعلى الخليفة اتباع سيرة سلفه الذي استخلفه، كما جاء في آية أخرى: قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) [طه: ٢٠/ ٩٢- ٩٣] . أي أن تتبعني إلى جبل الطور. فأجابه هارون قائلا: يا بن أمي، لا تتعجل بلومي وتوبيخي واتهامي بالتقصير في واجبي نحو الله تعالى، فإني أنكرت عليهم، ونصحتهم، ولكن القوم استضعفوني فوجدوني فردا واحدا، ولم يلتفتوا إلى كلامي، بل قاربوا أن يقتلوني، فلا تشمت بي الأعداء بالاستهانة بي والإساءة إلي، ولا تجعلني بظنك في عداد الظالمين أنفسهم، أي الذين عبدوا العجل، مع براءتي منهم ومن ظلمهم. ولما اعتذر هارون مستعطفا قلب أخيه موسى، قال موسى: رب اغفر لي ما قد فرط مني من قول أو فعل فيهما غلظة وجفوة لأخي، واغفر لأخي ما قد فرط أثناء خلافته عني، من مؤاخذة القوم على ما ارتكبوه من جرم وإثم، وأدخلنا في رحمتك الواسعة، فأنت أرحم الراحمين، أي اجعل رحمتك ملازمة لنا، لا تفارقنا في الدنيا والآخرة. دعا موسى ﵇ بهذا الدعاء لاسترضاء أخيه، وإظهار رضاه عنه أمام الشامتين، فلا يشمتون به، واستغفر ربه من عجلته في إلقاء الألواح. ودل اعتذار هارون أنه بريء من جريمة اتخاذ العجل إلها، وأنه لم يقصر في نصحهم والإنكار عليهم، وقد غفر الله له. وهذا تصريح مخالف لما في التوراة الحالية أن هارون هو الذي صنع العجل لهم، واتخذه إلها. وفي الجملة: لا يمكن بحال أن يصدر من نبي شيء من التقصير في أداء واجبه في تبليغ العقيدة والرسالة، ومقاومة كل ما يعارضهما، وكان موسى وأخوه هارون نبيين. فكل منهما على حق فيما صدر منه، أما هارون فأنكر على القوم اتخاذ العجل إلها إنكارا شديدا، وأما موسى فاشتد أكثر منه في الإنكار وإظهار الغضب، وتصفية

стр. 726

آثار المنكر ولكن شخصية الاثنين متفاوتة، فموسى أقوى شخصية وأشد تأثيرا، وكان هو المتميز بين بني إسرائيل عن أخيه، فكانت استجابتهم له أسرع وأفضل، والله الموفق لما يريد. نهاية قصة اتخاذ العجل إلها الجزاء العادل في كل دين حق وواجب، حق للمجتمع حتى يتم استئصال دابر الجريمة وتصفية آثارها وانعكاساتها على مشاعر الناس وما تحدثه من هزات واضطرابات، والجزاء واجب أيضا لكل جان مخالف أجرم في حق نفسه وأمته، لذا لم يهمل التشريع الإلهي الإشارة إلى عقاب المسيء الذي اتخذ العجل لقومه إلها وشايعه ضعفاء العقيدة والإيمان، بالرغم من إنهاء موسى ﵇ وتحطيمه العجل المصنوع وإلقائه في البحر، قال الله تعالى مقررا عقاب المسيء: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٢ الى ١٥٤] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف: ٧/ ١٥٢- ١٥٤] . خاطب الله تعالى موسى ﵇ مبينا له ما يجب اتخاذه مع صانع العجل والراضين به. وهو أن الذين اتخذوا العجل إلها ومعبودا بعد غيبة رسولهم موسى ﵇، واستمروا في تأليهه وعبادته كالسامري وأتباعه، سيصيبهم عذاب شديد من ربهم، وينالهم غضب الله وسخطه، وتلحقهم ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بإخراجهم من ديارهم وتشريدهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، والغضب والذلة: هو أمر بقتل أنفسهم، وقتل بعضهم بعضا، كما جاء في آية أخرى: فَتُوبُوا

стр. 727

إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٢/ ٥٤] . ومثل ذلك الجزاء الذي نزل بالظالمين من بني إسرائيل في الدنيا، نجزي القوم المفترين على الله في كل زمان، والمعنى: أن كل مفتر في دين الله جزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، ويشمل ذلك كل من افترى بدعة تصادم أصول الدين، وتخالف هدي الله وإرشاده، قرأ أبو قلابة الجرمي هذه الآية: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. ويمتاز أسلوب القرآن في الجمع بين الأشياء المتضادة في وقت واحد، قارنا بين الترغيب والترهيب في مقام واحد، فناسب هنا أنه تعالى بعد أن ذكر جزاء الظالمين، فتح باب الأمل والتوبة والإصلاح أمام التائبين، فنبه الله تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبتهم من أي ذنب كان، حتى ولو كان الذنب كفرا أو شركا أو نفاقا أو شقاقا ونزاعا، فقال سبحانه: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي إن الذين ارتكبوا الأعمال السيئة والمعاصي المنكرة شرعا، وعلى رأسها الكفر والشرك، ثم تابوا، أي رجعوا من بعدها إلى الله، بأن آمن الكافر، وأقلع العاصي عن عصيانه، واستقام المؤمن على منهج ربه، وآمنوا إيمانا خالصا من الشوائب، وقرنوا الإيمان بالعمل الصالح، إن ربك أيها النبي من بعد تلك الفعلة القبيحة لغفور لهم، ستار لذنوبهم، رحيم بهم، يجزي بالحسنة عشر أمثالها، ويكافئ على القليل بالجليل الكثير. وهذا دليل واضح على أن جميع السيئات قابلة للغفران بالتوبة النصوح. ثم تحدث القرآن العظيم عن حال موسى وهدأته من غضبه، فذكر أنه لما سكن غضب موسى على قومه، وهدأت نفسه بتوبة أكثر قومه، أخذ الألواح التي كتبت فيها

стр. 728

التوراة، والتي كان قد ألقاها من شدة الغضب على عبادة قومه العجل، غيرة لله وغضبا له، ففي تلك الألواح هداية للحيارى، ورحمة بالعصاة المذنبين التائبين الذين يخافون من ربهم أشد الخوف على ما يصدر منهم من ذنوب، ويخشون عذابه وحسابه، وقوله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ حيث عدّى يَرْهَبُونَ باللام والأصل أن يقال: يرهبون ربهم، لأنه ضمن الرهبة معنى الخضوع. ذكر ابن عباس: أنه لما تكسرت الألواح، صام موسى أربعين يوما، فردّت عليه، وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا. قال القشيري: فعلى هذا: وَفِي نُسْخَتِها هُدىً أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. مناجاة موسى ﵇ ربه إن كل عجيب وفريد يهتز الإنسان له ويطرب لمعرفته، ومن أعاجيب ما حدث في التاريخ مناجاة موسى ﵇ ربه وتكليمه إياه مباشرة دون واسطة، وقد سجّل القرآن العظيم تفاصيل هذا الحدث البارز وما دار فيه من حوار بين الحق وبين أحد الرسل أولي العزم ألا وهو موسى ﵇، وهذا هو الحدث. قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٥ الى ١٥٦] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) «١» «٢»

стр. 729

«١» [الأعراف: ٧/ ١٥٥- ١٥٦] . كل شأن عظيم يجب الاستعداد له بما يناسبه، وكان الإعداد لمناجاة موسى ربه: أنه اختار من قومه سبعين رجلا، وأمرهم بالصيام والتطهر، ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء، ليكون منه ومنهم اعتذار إلى الله من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل، وطلب لكمال العفو عمن بقي منهم. وكان ذلك عن توقيت من الله ووعد (أو عدة) في الوقت والموضع ثم خرج بهم إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، وقال للقوم: ادنوا فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجدا، وسمعوا المولى جل شأنه، وهو يكلم موسى بأمره ونهيه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا على موسى، وطلبوا منه رؤية الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه، فأخذتهم رجفة الجبل وصعقوا حينما ألحوا في طلب الرؤية، ولم تكن تلك الرجفة موتا، ولكنها رعدة من هيبة الله تعالى وجلاله، واهتزاز وتقلقل للهول العظيم. فقال موسى حينئذ متأسفا عليهم: رب لو شئت أهلكت هؤلاء القوم حين عبدوا العجل وحين طلبوا رؤيتك، وأهلكتني معهم أيضا قبل أن أرى ما رأيت من رعدتهم. يا رب، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ حيث طلبوا رؤيتك جهرا لسماعهم كلامك. وما هي إلا فتنتك أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك حين كلمتني، فسمعوا كلامك وطلبوا الرؤية، فليس الأمر إلا أمرك، وما الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل بالمحنة من تشاء من عبادك وهم الجاهلون غير المتثبتين في معرفتك، ولست

стр. 730

بالظالم لهم أبدا، بل هو موافق لطبعهم وكسبهم واختيارهم، وتهدي بالمحنة أيضا من تشاء من عبادك، وهم المؤمنون المتثبتون في معرفتك، ولست بالمحابي لهم في توفيقك للهداية، بل هذا متفق مع طبعهم وكسبهم واختيارهم، ولو ترك كل فريق وشأنه لاختار ما هو كائن فعلا. ثم قال موسى مؤيدا كلامه بالتفويض لله: أَنْتَ وَلِيُّنا أي المتولي أمورنا والمهيمن علينا، فاغفر لنا، أي استر ذنوبنا ولا تؤاخذنا بها، وارحمنا وإن قصرنا وفرطنا، وأنت خير الغافرين، أي الساترين ذنوب العباد، العافي عن السيئات، ورحمتك وسعت كل شيء، ومغفرته ورحمته محضة ليست لمصلحة أو نفع ذاتي كحب الثناء ودفع الضرر، أنت سبحانك تغفر لمحض الفضل والجود والكرم، أنت حقا وقطعا خير من غفر وستر، قال ابن كثير: والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها ألّا يوقع العبد في مثل الذنب في المستقبل. وتتمة دعاء موسى: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً.. أي أوجب وأثبت لنا بفضلك ورحمتك حسنة، أي حياة طيبة في الدنيا بتوفير نعمة الصحة والعافية وسعة الرزق، والتوفيق في العمل، والاستقلال في الأمور، وأثبت لنا كذلك مثوبة حسنة في الآخرة بدخول جنتك والظفر برضوانك وفيض إحسانك إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك وندمنا على اتخاذ قومنا عبادة العجل، وطلب رؤية الله جهرة، ونحو ذلك من فعل السفهاء، ورجعنا إلى الإيمان المقرون بالعمل. قال الله مجيبا موسى: إن عذابي أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة، ورحمتي وسعت كل شيء في العالمين، فسأكتب هذه الرحمة لكل من يتقون الشرك والمعاصي، ويؤتون الزكاة التي تزكي النفس والمال، والذين يصدقون بآياتنا الدالة على توحيدنا، ويصدقون بكفاية شريعتنا وسموها وصلاحيتها للعمل والتطبيق، وصدق رسلنا،

стр. 731

هؤلاء المؤمنون الصادقون هم أهل الرحمة المستحقون لها، لا أولئك الذين يعتمدون على الأماني والتمنيات المعسولة دون إيمان ولا عمل صالح. تبشير موسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام وصل الله تعالى بين الرسالات السماوية وبين الأنبياء والرسل ﵈، فكان رسل الله الكرام يبشر بعضهم ببعض، ويبشرون بالذات برسالة محمد ﷺ ، لربط مهام الرسل بعضها ببعض، وإكمال آخرها لأولها، وقانون الربط والصلة: أن الله وضع قانونا عاما لمن يستحق رحمته وفضله وهم المؤمنون الأتقياء الصلحاء الذين يتبعون رسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله الذي وصف الله رسالته بالأوصاف الآتية، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٧] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) «١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٥٧] . وصف الله تعالى رسالة النبي محمد ﷺ بالأوصاف السبعة التالية: ١- إن مستحقي الرحمة الإلهية هم الذين يتبعون محمدا الرسول النبي الأمي، أي الذي لم يقرأ ولم يكتب، وإنما جاء بالقرآن المنزل عليه من ربه دليلا على صدقه، فالأمية من آيات نبوته، ليبقى التنزيل الإلهي القرآني المصدر التشريعي المستقل الذي لم

стр. 732

يتأثر ولم يختلط بشيء من عند بشر. هذا القرآن المعجز دستور شريعة الإسلام ونبيه الكريم في كل شيء من العقيدة والعبادة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والأعمال. واتباع نبي الإسلام: باعتقاد نبوته والعمل برسالته. فهو رسول مرسل من الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف الإلهية، وهو نبي رفيع القدر عند الله تعالى، والرسول أخص من النبي، وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب. ٢- الصفة الثانية لرسولنا: أن الأمم السابقة يجدون اسمه وصفته مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فبادر إلى الإيمان به بعض أحبارهم وعلمائهم، مثل عبد الله بن سلام من اليهود، وتميم الداري من النصارى، أما المستكبرون منهم عن الإيمان فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم ويؤولونها بأهوائهم. ٣، ٤- ومن صفات رسولنا: أنه يأمر بالمعروف: وهو كل ما تعرفه العقول الرشيدة وتألفه الطباع السليمة، وورد به الشرع الإلهي، وينهى الأمة عن المنكر: وهو ما تنكره النفوس الصافية ذات السمو العقلي والروحي، فهو ﵊ لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر. ٥، ٦- ومن خصائص رسولنا المجتبى: أنه يحل للناس الطيبات: وهي كل ما تستطيبه الأنفس من الأطعمة والأشربة، ويحرم عليهم الخبائث: وهي كل ما تستخبثه النفوس الكريمة السليمة، كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، وما يؤخذ من الأموال بغير حق كالربا والرشوة والغصب والخيانة، وكل ذلك ضار بمصلحة الإنسان أو بمصلحة المجتمع. ٧- ومن خواص رسالة رسولنا: أنه يضع عنا الإصر والأغلال، أي يرفع عنا التكاليف الشاقة كالقصاص من غير تمكين من العفو أو دفع الدية، وقتل النفس عند التوبة، أي بالتقاتل وإهدار الدماء، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب،

стр. 733

وتحريم العمل يوم السبت، وهذا ما تميزت به رسالة رسول الإسلام من الأخذ باليسر والسماحة، والبعد عن الحرج والمشقة وإرهاق النفس. هذه هي خواص الرسالة المحمدية، فالذين آمنوا بالنبي العربي الأمي وبرسالته، وعزروه، أي منعوه من الأعداء، ونصروه، أي عظموه ووقروه، وأيدوه باللسان والجهاد، واتبعوا النور الإلهي الذي أنزل معه، وهو القرآن الكريم والوحي المبين له في السنة، فالنور كناية عن جملة الشرع، أولئك لا غيرهم هم المفلحون السعداء الفائزون ببغيتهم في الدنيا والآخرة، الناجون الفائزون بالرحمة والرضوان، دون من سواهم من حزب الشيطان الذين يخذلهم الله في الدنيا والآخرة لإعراضهم عن هدي القرآن واتباع شريعة الإسلام ذات المصدر الإلهي. عموم رسالة الإسلام إن خلود الشريعة الإسلامية وبقاءها إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الشرائع الإلهية، وأنها الشريعة التي لا يقبل سواها بعد مجيئها، كل ذلك اقتضى أن تكون شريعة عامة لجميع أبناء البشر، في العقيدة والعبادة والمعاملة وعقود الأسرة والمواريث والجنايات والعلاقات الداخلية والخارجية، وكونها عامة إنما هو من أجل خير البشر وإسعادهم في الدنيا والآخرة، لا لعصبية أو نزعة فوقية أو عرقية، قال الله تعالى مبينا هذا العموم والشمول ومقتضياته: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) [الأعراف: ٧/ ١٥٨] . أوضحت هذه الآية مزية الرسالة الإسلامية، وهي أنها عامة شاملة، وأن بعثته

стр. 734

صلّى الله عليه وسلّم للناس كافة، يدعوهم فيها إلى الإيمان به وبشريعته، وأن كل من يتبعه تشمله تلك السعادة. وهذا ليس مجرد إخبار، بل إنه أمر من الله لنبيه بإشهار الدعوة والحض على الدخول في الشرع الإلهي، لأن متبعيها أهل لرحمة الله وتكريمه كما ذكر في آية سابقة: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. والمعنى: قل: يا محمد لجميع البشر من عرب وعجم، بيض أو سود، حمر أو صفر، إني رسول الله إليكم جميعا، لا إلى قومي العرب خاصة، وعموم رسالتي في كل وقت وزمان إلى يوم القيامة، فهو عموم يقتضي بعثته لجميع الناس، وعموم في الزمان، كما جاء في آية أخرى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ٢١/ ١٠٧] . وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٣٤/ ٢٨] وقال سبحانه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ٦/ ١٩] أي وأنذر به كل من بلغه. وقال ﷻ : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [الفرقان: ٢٥/ ١] . وأكدت الأحاديث النبوية الثابتة عموم الرسالة الإسلامية وعالميتها، مثل حديث الصحيحين والنسائي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» . أي فكان كل نبي يبعث إلى فرقة خاصة دون العموم. وأردف الله تعالى بيان العموم بما يقتضي الإذعان له، وهي أنه مالك السماوات والأرض بالخلق والإبداع، والإحياء والإماتة، لا إله هو، ولا معبود سواه. تضمنت هذه الآية عناصر العقيدة الثالثة: وهي توحيد الربوبية بالإيمان، وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل، أي بعبادة الله وحده، ثم الإيمان برسالة النبي محمد ﷺ ، ثم الإيمان بالبعث بعد الموت، وذلك معنى والإحياء والإماتة.

стр. 735

ورتب على هذا البيان الدعوة العلنية الصريحة إلى الإيمان، أي التصديق بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، في ربوبيته وألوهيته، والتصديق برسوله النبي الأمي الذي بعثه ربه إلى الخلق من الإنس والجن أجمعين. إن هذا النبي هو الذي يؤمن بوحدانية الله وكلماته التشريعية التي أنزلها الله لهداية البشر، وكلماته التكوينية الدالة على قدرته وإرادته وحكمته، ويصدق قوله عمله، ويؤمن بما أنزل إليه من ربه، مما تضمنته الكتب الإلهية من التوراة والإنجيل والقرآن من أحكام وإرشادات وأدلة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته. وهذا الأمر بالإيمان بالله، أتبعه بالأمر بالإسلام، أي اتبعوا منهج هذا النبي، واسلكوا طريقه في كل ما جاء به، لتهتدوا إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، أو رجاء أن تهتدوا بالإيمان واتباع الشرع، إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة. الحق في هذا القرآن، والخير في هذا الدين، والسعادة باتباع شريعة خاتم النبيين، وبمقدار الالتزام بالشريعة يكون النجاح في الدنيا والآخرة. وإن من أهم مقومات عموم رسالة الإسلام ترفعها عن العصبية والقومية والحقد الطائفي، وكونها ذات نزعة إنسانية شاملة تبغي الخير للجميع، وتنشد السعادة لجميع البشر، ليعيشوا في أمان وسلام، وحبّ واستقرار، وتعاون وإخاء، وتقدم وتحضر شامل. نعم الله على قوم موسى ﵇ إن منهاج الهدي الإلهي في التربية الترهيب أحيانا، والترغيب والتذكير بنعم الله أحيانا أخرى، فالغافل يستيقظ، والمقصر يتذكر، والمخالف أو المعرض يتنبه، والكل يعملون في حقل الإرشادات الإلهية لتحقيق الخير لهم، وإشاعة الود والمحبة والأخوة في ربوعهم، وأما المستقيم فيزداد استقامة، ويبادر إلى شكر الله تعالى على ما أنعم

стр. 736

عليه، ولا يأس في صلاح الناس، ولا ينقطع الأمل في توجه الإنسان إلى الخير، والله يراقب الجميع، فيشيد بأهل الحق، وينذر أهل الباطل، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأعراف: ٧/ ١٥٩- ١٦٠] . هذه ثلاث أحوال لقوم موسى الذين رغبهم الله تعالى باتباع ملة محمد ﷺ . الحال الأولى: أن بعضهم اتبعوا موسى بحق واتبعوا أيضا محمدا ﷺ ، وهذه شهادة صريحة من الله تعالى تبين أن من قوم موسى جماعة تهدي بالحق، وتؤمن بالإيمان الحق، وترشد الناس إلى الإيمان الصحيح والخير، وتدل على منهج الاستقامة، وتحكم بمقتضى العدل الإلهي الواجب اتباعه في القضاء دون جور أو ظلم، هؤلاء الجماعة اهتدوا واتقوا وعدلوا. فأشاد القرآن بهم. والحال الثانية لبني إسرائيل: أن الله تعالى في عهد موسى صيرهم اثنتي عشرة فرقة أو قبيلة، تسمى أسباطا، أي أمما وجماعات، وتمتاز كل جماعة منهم بنظام خاص بها في المعيشة وممارسة شؤون الحياة. والحال الثالثة لهم: حال الأسباط إزاء نعم الله تعالى عليهم وهم في صحراء التيه، يذكّر الله أجيالهم بما أنعم به على أصولهم، ليشكروا النعمة ويستقيموا على أمر الله تعالى. والله أنعم عليهم بنعم فريدة ثلاث:

стр. 737

النعمة الأولى: أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر أو الصخر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به، ومشرب مستقل بفرقته، قد علم كل سبط مشربهم منه. ومن المعلوم أن السبط في ولد إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل. وانبجاس الماء: خروجه بقلة وهدوء، أما انفجار الماء فهو خروجه بكثرة وتدفق، الانبجاس أخف من الانفجار. النعمة الثانية: تظليل الغمام، فكانوا إذا اشتد عليهم الحر في الصحراء، يسخر الله تعالى لهم الغمام، أي السحاب، يظلهم بظله الظليل، رحمة من الله تعالى. والنعمة الثالثة: إنزال المن والسلوى، فكان الطعام الشهي ينزل عليهم بسهولة، دون عناء ولا مشقة، وهو المن الذي كان يقوم مقام الخبز عندهم، وهو مادة حلوة الطعم، يجتمع كالندى على ورق الشجر وغيره صباحا. والسلوى: يقوم مقام سائر اللحوم، وهو طير أكبر من السّماني. سخّر الله تعالى هذه النعم لقوم موسى وهنأهم بها، وأذن لهم بالانتفاع بها، فقال الله لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي تمتعوا وانتفعوا بهذه اللذائذ المستطابات، فهي نعم خصصناها بكم، فما عليكم إلا شكر النعمة، ولكن القوم جحدوا النعمة وبطروا بها وتكبروا عنها ولم يشكروها، فظلموا أنفسهم وأضروها فقط، وما ظلموا المنعم عليهم أبدا، لأن الإنسان إذا أقدم على المعصية، فهو ما أضر إلا نفسه، حيث عرّض نفسه للعقاب الشديد، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن ضيّع مجده كان لمجد أمته أضيع. ولو صلح القوم على أمر الله، لكان لهم شأن آخر، وكانت ألوان النعم الكثيرة كالسيل الهادر يغدقها الله عليهم.

стр. 738

عناد قوم موسى ﵇ استمرت مظاهر العناد وألوان المخالفة والتمرد والعصيان بين قوم موسى، ولم يقتصر ذلك على جحود النعم الإلهية، وظلم أنفسهم، وترك شكران المنعم المتفضل عليهم، وإنما تمادوا في الرفض وإهمال الأوامر الإلهية، سواء ما كان منها متعلقا بحقوق الله تعالى أو المصلحة العامة، أو تعلق بحقوق العباد الشخصية، لتطهير النفوس وصقلها وجعلها صافية كالمرآة، فكانوا بهذا الجحود والعناد أهلا لنزول العذاب عليهم بسبب ظلم أنفسهم، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) «١» «٢» [الأعراف: ٧/ ١٦١- ١٦٢] . إن عالم الدنيا عالم ابتلاء واختبار لأهل الإيمان، يختبر الله تعالى عباده بألوان مختلفة من البلايا، إما في مجال النعمة، فيغدقها عليهم، وإما في مجال النقمة أو المحنة، فيسلطها عليهم، ليعرف المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والساخط والصابر، وهذا أنموذج من اختبارات بني إسرائيل. يذكّر الله تعالى بني إسرائيل المعاصرين لنبي الإسلام ﵊ بما حصل من أسلافهم، وهم في الواقع ملومون مثل أصولهم لرضاهم بأفعال السلف، وإقرارهم بما صنعوا، ولو أمروا بمثل تلك الأوامر لخالفوا وعصوا مثل أسلافهم، أمرهم الله تعالى بأن يدخلوا قرية من القرى أي مدينة، والعرب تسمي المدينة قرية،

стр. 739

داعين الله أن يغفر ذنوبهم، ومظهرين الخضوع والخشوع لله تعالى قائلين: حِطَّةٌ أي أمرنا حطة، والمعنى: حط عنا أوزارنا وخطايانا، ووعدهم الله على الطاعة بشيئين: الغفران وزيادة الإحسان. قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] أي الجنة والنظر لوجه الله تعالى الكريم. أمرهم الله أن يسكنوا القرية، والسكنى أخص من الدخول، فمن يسكن يدخل قطعا، ولا عكس. والدخول لأجل الأكل يعقبه الأكل، والمراد الإذن بالانتفاع بخيرات المدينة أو القرية، حيث شاؤوا، حضرا أو سفرا، ليلا ونهارا. ولكن طبيعة الإسرائيليين الغريبة التي يغلب عليها العصيان والتمرد، أبت عليهم إلا تحدي الأمر الإلهي والتنكر له، والتجرؤ على المخالفة بالقول والفعل، فقالوا وهم داخلون إلى القرية: «حبّة في شعرة» أو «حنطة في شعيرة» بدل حِطَّةٌ وزحفوا على أستاههم (أدبارهم) بدل تنكيس رؤوسهم وخشوعهم وتواضعهم لله، شكرا على نعمه عند دخول القرية، والتنعم بخيراتها من طعام وفاكهة وشراب. وبدّل القوم الظالمون أنفسهم القول غير القول الذي قيل لهم. ومعنى (بدل) غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل: إذا ذهب وجاء بلفظ آخر. والمراد قول بني إسرائيل: «حبة في شعرة أو حنطة في شعيرة» فكانت النتيجة أن الله تعالى صب عليهم عذابا من السماء صبا، بسبب ظلمهم أنفسهم وغيره، وبسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى، إلى طاعة أهوائهم وشياطينهم، ولسخريتهم من أوامر الله تعالى. لقد أمر قوم موسى بدخول قرية في الأرض المقدسة، وقتال أهلها من العمالقة وإخراجهم منها، فتمردوا على الأمر الإلهي، وردوا على موسى ﵇ فابتلوا بالتشرد والضياع أربعين سنة في صحراء التيه.

стр. 740

إنهم فسقوا عن أمر الله ونقضوا ميثاقه، فعاقبهم الله على سوء أعمالهم، وسلط عليهم من الظالمين من يسومهم سوء العذاب، هؤلاء هم الأسلاف، وخلف من بعدهم أخلاف يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكّروا به، ويتساهلون في أمر الدين، ويخرجون عن الصراط المستقيم، وكل هذه الأمثلة والقصص للعظة والعبرة، ليتأمل بها كل جيل وكل جماعة وكل فرد، فمن امتثل أمر الله نجا وفاز، وسعد واطمأن. ومن تنكر لأمر الله خسر وهلك، وعاش قلقا حيران، مضطرب النفس، يعيش في صراع مع الأحداث، ولا يهنأ له قلب، ولا يرتاح له فكر أو عقل. حيلة اصطياد الأسماك يوم السبت يخطئ كثير من الناس أنهم يظنون بذكائهم التحايل على أحكام الدين أو أن الله تعالى لا يعلم بمكرهم وحيلهم ودخائل نفوسهم، وهذا لون من الغباء أو الحماقة، لأن أحكام الشرع قويمة واضحة لا التواء فيها. والله تعالى السر وأخفى، وهو سبحانه أدرى بكل صغيرة وكبيرة، فينبغي إدراك هذا إدراكا واضحا صريحا، والعمل على التزام جانب الصراحة، قال الله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) «١» » «٣» «٤» «٥» «٦»
следующие страницы →