عليه، ولا يأس في صلاح الناس، ولا ينقطع الأمل في توجه الإنسان إلى الخير، والله يراقب الجميع، فيشيد بأهل الحق، وينذر أهل الباطل، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأعراف: ٧/ ١٥٩- ١٦٠] .
هذه ثلاث أحوال لقوم موسى الذين رغبهم الله تعالى باتباع ملة محمد ﷺ . الحال الأولى: أن بعضهم اتبعوا موسى بحق واتبعوا أيضا محمدا ﷺ ، وهذه شهادة صريحة من الله تعالى تبين أن من قوم موسى جماعة تهدي بالحق، وتؤمن بالإيمان الحق، وترشد الناس إلى الإيمان الصحيح والخير، وتدل على منهج الاستقامة، وتحكم بمقتضى العدل الإلهي الواجب اتباعه في القضاء دون جور أو ظلم، هؤلاء الجماعة اهتدوا واتقوا وعدلوا. فأشاد القرآن بهم.
والحال الثانية لبني إسرائيل: أن الله تعالى في عهد موسى صيرهم اثنتي عشرة فرقة أو قبيلة، تسمى أسباطا، أي أمما وجماعات، وتمتاز كل جماعة منهم بنظام خاص بها في المعيشة وممارسة شؤون الحياة.
والحال الثالثة لهم: حال الأسباط إزاء نعم الله تعالى عليهم وهم في صحراء التيه، يذكّر الله أجيالهم بما أنعم به على أصولهم، ليشكروا النعمة ويستقيموا على أمر الله تعالى. والله أنعم عليهم بنعم فريدة ثلاث:
стр. 737
النعمة الأولى: أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر أو الصخر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به، ومشرب مستقل بفرقته، قد علم كل سبط مشربهم منه. ومن المعلوم أن السبط في ولد إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل. وانبجاس الماء: خروجه بقلة وهدوء، أما انفجار الماء فهو خروجه بكثرة وتدفق، الانبجاس أخف من الانفجار.
النعمة الثانية: تظليل الغمام، فكانوا إذا اشتد عليهم الحر في الصحراء، يسخر الله تعالى لهم الغمام، أي السحاب، يظلهم بظله الظليل، رحمة من الله تعالى.
والنعمة الثالثة: إنزال المن والسلوى، فكان الطعام الشهي ينزل عليهم بسهولة، دون عناء ولا مشقة، وهو المن الذي كان يقوم مقام الخبز عندهم، وهو مادة حلوة الطعم، يجتمع كالندى على ورق الشجر وغيره صباحا. والسلوى: يقوم مقام سائر اللحوم، وهو طير أكبر من السّماني.
سخّر الله تعالى هذه النعم لقوم موسى وهنأهم بها، وأذن لهم بالانتفاع بها، فقال الله لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي تمتعوا وانتفعوا بهذه اللذائذ المستطابات، فهي نعم خصصناها بكم، فما عليكم إلا شكر النعمة، ولكن القوم جحدوا النعمة وبطروا بها وتكبروا عنها ولم يشكروها، فظلموا أنفسهم وأضروها فقط، وما ظلموا المنعم عليهم أبدا، لأن الإنسان إذا أقدم على المعصية، فهو ما أضر إلا نفسه، حيث عرّض نفسه للعقاب الشديد، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن ضيّع مجده كان لمجد أمته أضيع. ولو صلح القوم على أمر الله، لكان لهم شأن آخر، وكانت ألوان النعم الكثيرة كالسيل الهادر يغدقها الله عليهم.
стр. 738
عناد قوم موسى ﵇
استمرت مظاهر العناد وألوان المخالفة والتمرد والعصيان بين قوم موسى، ولم يقتصر ذلك على جحود النعم الإلهية، وظلم أنفسهم، وترك شكران المنعم المتفضل عليهم، وإنما تمادوا في الرفض وإهمال الأوامر الإلهية، سواء ما كان منها متعلقا بحقوق الله تعالى أو المصلحة العامة، أو تعلق بحقوق العباد الشخصية، لتطهير النفوس وصقلها وجعلها صافية كالمرآة، فكانوا بهذا الجحود والعناد أهلا لنزول العذاب عليهم بسبب ظلم أنفسهم، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢]
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ١٦١- ١٦٢] .
إن عالم الدنيا عالم ابتلاء واختبار لأهل الإيمان، يختبر الله تعالى عباده بألوان مختلفة من البلايا، إما في مجال النعمة، فيغدقها عليهم، وإما في مجال النقمة أو المحنة، فيسلطها عليهم، ليعرف المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والساخط والصابر، وهذا أنموذج من اختبارات بني إسرائيل.
يذكّر الله تعالى بني إسرائيل المعاصرين لنبي الإسلام ﵊ بما حصل من أسلافهم، وهم في الواقع ملومون مثل أصولهم لرضاهم بأفعال السلف، وإقرارهم بما صنعوا، ولو أمروا بمثل تلك الأوامر لخالفوا وعصوا مثل أسلافهم، أمرهم الله تعالى بأن يدخلوا قرية من القرى أي مدينة، والعرب تسمي المدينة قرية،
стр. 739
داعين الله أن يغفر ذنوبهم، ومظهرين الخضوع والخشوع لله تعالى قائلين: حِطَّةٌ أي أمرنا حطة، والمعنى: حط عنا أوزارنا وخطايانا، ووعدهم الله على الطاعة بشيئين: الغفران وزيادة الإحسان. قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] أي الجنة والنظر لوجه الله تعالى الكريم.
أمرهم الله أن يسكنوا القرية، والسكنى أخص من الدخول، فمن يسكن يدخل قطعا، ولا عكس. والدخول لأجل الأكل يعقبه الأكل، والمراد الإذن بالانتفاع بخيرات المدينة أو القرية، حيث شاؤوا، حضرا أو سفرا، ليلا ونهارا. ولكن طبيعة الإسرائيليين الغريبة التي يغلب عليها العصيان والتمرد، أبت عليهم إلا تحدي الأمر الإلهي والتنكر له، والتجرؤ على المخالفة بالقول والفعل، فقالوا وهم داخلون إلى القرية: «حبّة في شعرة» أو «حنطة في شعيرة» بدل حِطَّةٌ وزحفوا على أستاههم (أدبارهم) بدل تنكيس رؤوسهم وخشوعهم وتواضعهم لله، شكرا على نعمه عند دخول القرية، والتنعم بخيراتها من طعام وفاكهة وشراب.
وبدّل القوم الظالمون أنفسهم القول غير القول الذي قيل لهم. ومعنى (بدل) غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل: إذا ذهب وجاء بلفظ آخر.
والمراد قول بني إسرائيل: «حبة في شعرة أو حنطة في شعيرة» فكانت النتيجة أن الله تعالى صب عليهم عذابا من السماء صبا، بسبب ظلمهم أنفسهم وغيره، وبسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى، إلى طاعة أهوائهم وشياطينهم، ولسخريتهم من أوامر الله تعالى.
لقد أمر قوم موسى بدخول قرية في الأرض المقدسة، وقتال أهلها من العمالقة وإخراجهم منها، فتمردوا على الأمر الإلهي، وردوا على موسى ﵇ فابتلوا بالتشرد والضياع أربعين سنة في صحراء التيه.
стр. 740
إنهم فسقوا عن أمر الله ونقضوا ميثاقه، فعاقبهم الله على سوء أعمالهم، وسلط عليهم من الظالمين من يسومهم سوء العذاب، هؤلاء هم الأسلاف، وخلف من بعدهم أخلاف يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكّروا به، ويتساهلون في أمر الدين، ويخرجون عن الصراط المستقيم، وكل هذه الأمثلة والقصص للعظة والعبرة، ليتأمل بها كل جيل وكل جماعة وكل فرد، فمن امتثل أمر الله نجا وفاز، وسعد واطمأن. ومن تنكر لأمر الله خسر وهلك، وعاش قلقا حيران، مضطرب النفس، يعيش في صراع مع الأحداث، ولا يهنأ له قلب، ولا يرتاح له فكر أو عقل.
حيلة اصطياد الأسماك يوم السبت
يخطئ كثير من الناس أنهم يظنون بذكائهم التحايل على أحكام الدين أو أن الله تعالى لا يعلم بمكرهم وحيلهم ودخائل نفوسهم، وهذا لون من الغباء أو الحماقة، لأن أحكام الشرع قويمة واضحة لا التواء فيها. والله تعالى السر وأخفى، وهو سبحانه أدرى بكل صغيرة وكبيرة، فينبغي إدراك هذا إدراكا واضحا صريحا، والعمل على التزام جانب الصراحة، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
«١» »
«٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 741
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٦٣- ١٦٦] .
هذه حيلة أخرى لقوم موسى، فبعد أن ذكروا عبارة تهكمية عند دخولهم القرية، احتالوا على صيد السمك الذي كان يأتي يوم السبت الذي حرّم عليهم العمل فيه وأمروا بتعظيمه، حتى لا يرى الماء من كثرته، وفي غير يوم السبت لا تأتيهم الأسماك في قرية مدين أو أيلة، فلم يصبروا على ذلك، واتخذوا أحواضا على الشاطئ يوم الجمعة تقف فيها الأسماك الآتية بالمد البحري، ولا تستطيع العودة إلى الماء في عملية الجزر، فصار أهل القرية أثلاثا: ثلث نهوا عن هذه الحيلة، وثلث قالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم، وثلث هم أصحاب الخطيئة.
والمراد بالآية توبيخ وتقريع أهل هذه القرية على أعمالهم، وحملهم على الإقرار بخطئهم، وبيان أن العناد والعصيان شيء موروث في أتباع موسى، الحاضر يقر عمل الماضي ويرضى به.
والمعنى: واسأل يا محمد جماعة اليهود في عصرك عن قصة أصحاب تلك القرية البحرية على شاطئ البحر الأحمر، كانت حاضرة البحر أي المتحضرة بين مدن البحر أو القريبة من البحر وكان البحر فيها حاضرا، حين اعتدوا وتجاوزوا حدود الله يوم السبت الذي أمروا بتعظيمه وترك العمل فيه وتخصيصه للعبادة، ولكن الأسماك كانت تأتيهم كثيرا ظاهرة على سطح الماء في هذا اليوم، ويمكن صيدها بسهولة، وفي غير أيام السبت تختفي الأسماك ولا تظهر، فاحتالوا على صيدها بإقامة الأحواض على الشاطئ حيث يأتي المد بالسمك، ثم إذا انحسر الماء بعملية الجزر، تبقى الأسماك في الأحواض، فيأخذونها يوم الأحد.
стр. 742
مثل ذلك الابتلاء بظهور السمك يوم السبت المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في بقية الأيام التي يحل لهم صيده فيها، نبلو، أي نختبر السابقين والمعاصرين، ليجازى كل واحد على عمله، بسبب فسقهم المستمر وخروجهم عن طاعة الله.
وحين ظهرت هذه المعصية، انقسم أهل تلك القرية أثلاثا ببين مؤيد ومعارض واعظ، ومحايد قائل لهم: لم تعظون قوما قضى الله بإهلاكهم وإفنائهم وعقابهم في الدنيا والآخرة.
فأجابهم الواعظون: نعظهم لنبرئ أنفسنا من السكوت عن المنكر، ونعتذر إلى ربنا بأننا أدّينا واجبنا في الإنكار عليهم، ونحن لا نيأس من صلاحهم وامتثالهم للحق، ولعلهم بهذا الإنكار عليهم يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويتوبون إلى الله تعالى.
فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة، أنجينا الناهين عن السوء، وهم فريق الواعظين وفريق اللائمين، وعذبنا الظالمين الذين ارتكبوا المعصية بعذاب شديد، بسبب فسقهم وعقوبة عليهم. وذلك العذاب أنهم لما عتوا، أي تمردوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه، وأبوا سماع نصيحة الواعظين، جعلهم الله قردة صاغرين أذلاء منبوذين مبعدين عن الناس، هذا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخر أشد وأبقى، والعتو: الاستعصاء وقلة الطواعية.
والذي رآه أكثر المفسرين أنهم مسخوا قردة على الحقيقة، روي أن الشباب منهم مسخوا قردة، والرجال الكبار مسخوا خنازير، لمخالفتهم الأوامر وتماديهم في العصيان، لا لمجرد اصطياد الأسماك. وقال مجاهد: أصبحوا كالقردة في سوء الطباع والطيش والشر والإفساد، بسبب جناياتهم.
وعلى أية حال، إن جزاء مخالفة أوامر الله شديد في الدنيا والآخرة، وهو جزاء
стр. 743
حق وعدل، لذا ختمت أواخر الآيات بعبارة: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وعبارة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. والفسق: الخروج عن حدود الله، والتذكير بالتقوى والامتثال دليل على المخالفة والعصيان.
ألوان التهديد والعقاب لقوم موسى
التهديد الإلهي لقوم في الدنيا، أو إنزال العقاب المؤقت عليهم قد يكون سببا للصلاح وتقويم الاعوجاج، وزجر العباد عن التمادي في الانحراف، وإعادتهم للحياة السوية، وفي هذا خير للإنسان وتربية له وتهذيب، وهذا الاتجاه التربوي فعله الله تعالى مع قوم موسى مرارا وتكرارا، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٧ الى ١٧١]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الأعراف: ٧/ ١٦٧- ١٧١] .
هذه الآيات إخبار لرسول الله ﷺ بما أوجبه الله على بني إسرائيل من ألوان
стр. 744
العذاب المعنوي والمادي قبل مجيء الإسلام. والمعنى: اذكر يا محمد ما قضى الله على الإسرائيليين بسبب مخالفاتهم من تسليط قوم عليهم يذيقونهم سوء العذاب الشديد وهو الإذلال وفرض الإتاوة إلى يوم القيامة، إن ربك لسريع العقاب لمن عصاه وخالف شرعه، وإنه لغفور لمن تاب إليه وأناب، ورحيم بأهل الطاعة والإنابة. وهذا تنبيه على سرعة عقاب الله، والتخويف بذلك تخويفا عاما لجميع الناس. هذا هو العقاب الأول، وقد تحقق في الماضي وعلى مراحل التاريخ، ويكفيهم الآن خضوعهم لإمريكا في الواقع، وإن أظهروا أحيانا الاعتماد على الذات.
والعقاب الثاني: هو تفريقهم وتمزيقهم جماعات وطوائف وفرقا في أنحاء الأرض، وتبعتهم لدول مختلفة، ومنهم الصالحون المحسنون الذين يؤمنون برسالات الأنبياء بعد موسى ﵇، ومنهم من هو دون غيره في الصلاح، ومنهم الفسقة الفجرة الكفرة الذين قتلوا الأنبياء بغير حق، ومنهم السماعون للكذب وأكلة الربا وأموال الناس بالباطل، والله يختبرهم جميعا بالحسنات أي بالنعم كالصحة والرخاء، أو بالسيئات، أي بالنقم كالمرض والفقر وغيرهما من المحن والمصائب. لعلهم يرجعون إلى الطاعة أو الاستقامة، ويتوبون من المعصية ومخالفة أوامر الله.
ثم ظهرت بعد الصالحين والطالحين أجيال وأخلاف ورثوا التوراة عن أسلافهم، وتلقفوا ما فيها من الأحكام والشرائع، لكنهم تاجروا بها، فأخذوا الرشاوى والمكاسب الخبيثة، وهذا معنى قوله تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي يأخذون عروض عيش الدنيا الدنية، ولكنهم قوم مغترون بأنفسهم، يقولون أو يزعمون أن الله سيغفر لهم ذنوبهم، ولا يؤاخذهم على أفعالهم السيئة، قائلين: إننا أبناء الله وأحباؤه وسلائل الأنبياء، وهم مقيمون على المعاصي، غير متورعين عن الحرام، وإن يأتهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل، يأخذوه
стр. 745
بلهف دون تعفف، وهم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مختص بالتائبين المقلعين عن الذنوب والمعاصي.
رد الله تعالى مزاعمهم هذه وأنكر عليهم صنيعهم، فإنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ألا يقولوا على الله إلا الحق وهو أن مغفرة الذنوب في التوراة مشروطة بالتوبة النصوح، ومن بنود الميثاق: تبيان الحق للناس وعدم كتمانه، والبعد عن تحريف الكلم وتغيير الشرائع لأجل الرشوة. وهم قد درسوا كتاب التوراة، وفهموا ما فيه، من تحريم أكل مال الآخرين بالباطل والكذب على الله.
ثم رغّبهم الله في جزيل ثوابه، وحذرهم من وبيل عقابه، وأمرهم بالاستعداد للآخرة، فإن الدار الآخرة وما فيها من نعيم خالد خير للذين يتقون المعاصي والمحارم، ويتركون الأهواء، ويقبلون على الطاعات، أفلا تعقلون هذه الترغيبات، وتدركون فحوى الإنذارات. وفي الجملة: إن الدار الآخرة خير من عرض الدنيا الفاني. ثم أثنى الله تعالى على من تمسك بكتابه الذي يوجهه للإيمان بجميع الأنبياء ومنهم خاتم الأنبياء والرسل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، فالذين يتمسكون بأوامر الكتاب الإلهي ويعتصمون به، وأقاموا الصلاة- وخصها بالذكر لأهميتها- إنا لا نضيع أجر المصلحين أعمالهم.
ثم ذكّر الله تعالى بحادثة رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل، حتى صار كأنه سقيفة قائمة في الهواء، لما أبوا قبول التوراة، وأيقنوا أنه ساقط عليهم، وفي ذلك الجو الرهيب قال الله لهم: خذوا ما أعطيناكم من أحكام الشريعة بجد واجتهاد، وحزم وعزم على احتمال المشاق والتكاليف، وتذكروا ما في التوراة من الأوامر والنواهي، ولا تنسوها، لعلكم تتقون ربكم، ورجاء أن تتحقق التقوى في قلوبكم، فتصبح أعمالكم متفقة مع دين الله وشرعه.
هذه التهديدات والإنذارات ينتفع بها كل قوم أرادوا الخير لأنفسهم ولأمتهم.
стр. 746
عهد الله على بني آدم
اقتضى العدل الإلهي والعناية الربانية ببني البشر أن يخلقهم جميعا من غير استثناء على الفطرة السليمة المقرة بأن الله هو ربهم وأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ربا واحدا، وإلها خالقا، فإذا شذ الإنسان بعدئذ، فكفر بالله أو أشرك به إلها آخرا، فهو ظلم واضح، وانحراف بيّن، وقد عبر الله تعالى عن هذه الفطرة التي خلق عليها الناس قاطبة بإبرام عهد قاطع بين الله الخالق والبشر المخلوقين، وذلك في قوله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
[الأعراف: ٧/ ١٧٢- ١٧٤] .
والمعنى: اذكر أيها الرسول محمد للناس جميعا ما أخذه الله تعالى على البشر كافة من ميثاق في بدء الخلق، يتضمن الاعتراف على أنفسهم أن الله ربهم ومالكهم وأنه لا إله إلا الله، وذلك حين خلق آدم وأخذ من ظهور ذريته ذريتهم في عالم الذرة، وأحياهم، وجعل لهم عقلا وإدراكا كنملة سليمان ﵇، وأخذ عليهم العهد أو الميثاق بأنه ربهم وأنه لا إله غيره، فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم أنه سيبعث الرسل إليهم مذكرة وداعية، وشهد بعضهم على بعض، قائلا لهم قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتبليغ: ألست بربكم؟ فقالوا بلسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا المستحق وحدك للعبادة، لا إله غيرك. وإشهاد الناس بعضهم على بعض في ذلك العالم عالم الذر سببه: ألا يعتذروا يوم القيامة إذا أشركوا قائلين:
إنا كنا عن التوحيد غافلين، أي لم ينبهنا إليه أحد، فلا عذر لكم بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله، ووجود العقل، وتكوين الفطرة.
стр. 747
وخلق الناس على فطرة الإقرار بوجود الله وتوحيده مقرر في آية أخرى هي قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ [الروم: ٣٠/ ٣٠] . وأيدت السّنة مدلول هذه الآية،
جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء- أي التي لم يذهب من بدنها شيء- هل تحسون فيها من جدعاء»
أي مقطوعة الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة ونحو ذلك،
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال:
قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم» .
وكان خلق بني آدم على فطرة التوحيد لهدفين: الأول- إبطال ادعائهم الشرك وتمسكهم به، والهدف الثاني- إبطال تمسكهم بتقليد الآباء والأجداد في الشرك، قائلين: إن آباءنا أشركوا من قبلنا، ونحن خلف لهم، نجهل بطلان الشرك، وقد قلدناهم في أعمالهم واعتقادهم مع حسن الظن بهم، ولم نهتد إلى التوحيد. أفتهلكنا بالعذاب، وتؤاخذنا بما فعله المبطلون من آبائنا؟! ولكن الله لا يقبل عذرهم أبدا لأن التقليد في الاعتقاد وأصول الدين لا يجوز أبدا بحال من الأحوال، بل لا بد لكل إنسان أن يعتمد في إثبات عقيدته على قناعته الذاتية والبراهين الدالة على صحة عقيدة التوحيد.
ومثل ذلك التفصيل البليغ الواضح للميثاق، نفصل للناس الآيات البينات، ليتدبروها بعقل وبصيرة، ولعلهم يرجعون بها عن شركهم وجهلهم وتقليدهم الآباء والأجداد.
وبعبارة أخرى: معنى الآيات أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد، ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته، لكانت لهم حجتان:
стр. 748
إحداهما: كنا غافلين عن الأدلة والبراهين الصحيحة المثبتة لتوحيد الإله. والأخرى:
كنا تبعا لأسلافنا، فكيف نهلك؟ والذنب إنما هو ذنب من بدأ طريق الانحراف وأضلنا، فوقعت شهادة بعضهم على بعض أو شهادة الملائكة عليهم بالإقرار السابق بتوحيد الله، لتنقطع لهم هذه الحجج، ويزول اعتذارهم بمثل هذه الأعذار الواهية.
مثل المكذب الضال- بلعام بن عابر
تتكرر أمثال القرآن الكريم للعبرة والعظة، والتأمل والزجر، وتذكر الأمثال إما بحال الأمم والجماعات، وإما بحال بعض الأفراد، وفي قمة هؤلاء رجل من بني إسرائيل اسمه بلعام بن باعوراء أو عابر دعا على موسى مقابل هدية من اليهود، فصار مثلا شهيرا في التاريخ بسبب ضلاله وتكذيبه، حكى القرآن الكريم قصته في قوله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٧]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ١٧٥- ١٧٧] .
أراد الله في قرآنه تربية الأجيال والأشخاص تربية إيمانية صلبة، لا تتأثر بإغراءات الحياة والمادة والمال، وإنما تظل وفية للمبدأ، مخلصة للعقيدة، دون أن
стр. 749
تضعف أو تتردد أو تنحرف أمام شهوات الدنيا ومفاتنها، ومن هؤلاء بلعام بن باعوراء أو عابر، كان من علماء بني إسرائيل أو أنه كان من جملة الجبارين الذين غزاهم موسى ﵇، فلما قرب منهم موسى لجؤوا إلى بلعام وكان صالحا مستجاب الدعوة، فدعا على موسى مقابل هدية مالية، فاستجيب له، ووقع موسى وقومه في صحراء التيه بدعائه.
والمعنى: واتل أو اقرأ يا محمد على الحاضرين في عصرك من الكفار وغيرهم خبر ذلك الرجل الذي علمناه آياتنا، ولكنه تركها ولم يعمل بها، وتجرد منها إلى الأبد، فلحقه الشيطان وأدركه، وصار قرينا له، ومصغيا لوسوسته، فأصبح من الضالين المكذبين الغاوين الكافرين، لميله إلى الدنيا واتباعه الهوى والشيطان. وكان مصيره أن موسى ﵇ قتل ذلك الرجل المنسلخ عن آيات الله.
وبخه الله وأبان أنه تعالى لو شاء لرفع هذا الرجل بالآيات وجعل له منزلة عظيمة من منازل العلماء الأبرار، بأن يوفقه ربه للهداية والعمل بالآيات المنزلة.
ولكنه ركن إلى الدنيا ومال إليها وشغف بلذائذها واتبع هواه، فلم يوجه همّه إلى نعيم الآخرة ولم يهتد بآيات ربه، ولم يشكر نعمة الله عليه، ولم تتجه نفسه إلى ذرا الكمال الروحي، مع أنه قد أوتي علما، وتدنى إلى مغريات الأرض، وإمهال الله له، وأصبح مثله في الذلة والحقارة والخسة والدناءة كمثل أو صفة الكلب في أخس الأحوال وأذلها، وهي حال دوام اللهث به، سواء طورد وقوتل أو ترك دون طرد، بسبب تجرده من العمل بآيات الله والتزام معرفتها. لقد عوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب، أو أنه كان ضالا قبل أن يؤتى الآيات، وبعد أن أوتيها أيضا، فلم تنفعه الآيات.
стр. 750
ذلك المثل الواضح في الغرابة هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها، ولم تنفعهم الموعظة، إنهم كانوا ضالين قبل أن تأتيهم رسالة محمد ﷺ بالهدى والرسالة، وبعد أن جاءتهم، فبقوا على ضلالتهم ولم ينتفعوا بذلك، فمثلهم كمثل الكلب مذموم في حال إقباله وإدباره، فاسرد عليهم أيها النبي ما يعلمون أنه من المغيبات التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية، لعلهم يتفكرون فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله أعلمهم بصفة محمد ﷺ وبرسالته، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته، لعلهم يتفكرون في مصير الكاذب الغاوي الضال، فيؤمنون إيمانا صحيحا بالله وبكتبه ورسله.
لقد ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وقبح فعلهم أشد القبح لإعراضهم عن النظر في آيات الله، إنهم بهذا الإعراض كانوا ظالمين أنفسهم بالتكذيب، فما ظلمهم الله، ولكن كانوا هم الظالمين أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى وطاعة المولى .
حقا، إن موقف المعرضين عن آيات الله بترك الإيمان والعمل الصالح موقف يستدعي العجب والتأمل، فإنهم تركوا ما يدعو إليه العقل الرشيد، وتقتضيه مصلحة الإنسان، وإذا كان وضع الرافض أو المعارض لا يستند إلى منطق ولا إلى وعي، كان خاسرا منهزما في الحياة، ومضيعا على نفسه فرصة النجاة والسعادة. قال الله تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) [الكهف: ١٨/ ٥٧] .
стр. 751
أسباب الاهتداء والإضلال
يخلق الله تعالى الإنسان على إحدى صفتين: إما مهتد موفق للخير، وإما ضال غارق في الشر، والله يعلم قبل هذا الخلق حال كل إنسان وما يؤول إليه أمره وتجني يداه، فإن استعمل وسائل الهداية من العقل والعين والسمع في الطريق الصحيح، كان مهتديا، وإن استعمل تلك الوسائل المعرفية في متاهات الانحراف والضلال، كان جاحدا ضالا، قال الله تعالى متوعدا أهل الضلال، ومرغبا أهل الاستقامة:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٨ الى ١٨٠]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
«١» «٢» [الأعراف:
٧/ ١٧٨- ١٨٠] .
هذا خبر من الله تعالى أنه خلق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا من الإنس والجن، وهو خبر متضمن وعيد الكفار، والمعنى: من يوفقه الله للإيمان والخير واتباع القرآن والشريعة باستعمال عقله ورشده، فهو المهتدي حقا لا سواه، ومن يخذله ويضله ولا يوفقه ربه ولا يهديه إلى الخير واتباع القرآن الكريم، بسبب تعطيل عقله وحواسه في فهم الآيات الكونية والشرعية، فهو الخاسر البعيد عن الهدى، الذي خسر الدنيا والآخرة، ثم أقسم الله تعالى أنه خلق وأوجد خلقا كثيرا من الجن والإنس مستعدين لعمل يستحق دخول جهنم، وخلق أيضا خلقا آخرين مستعدين لعمل يدخلهم الجنة، كما قال الله سبحانه: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٤٢/ ٧] . وقال تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١١/ ١٠٥] .
стр. 752
وأسباب استحقاق أهل الضلالة دخول جهنم: هي أنهم عطلوا وسائل المعرفة الصحيحة التي توصلهم إلى الخير والإيمان، والخير فيما أمر الله به، والشر فيما نهى الله عنه، فهم معرضون عن آيات الله لأن لهم قلوبا لا تفقه ولا تفهم، وأعينا لا تبصر الحقائق، وآذانا لا تسمع سماع تدبر وإصغاء لآيات الله المنزلة على أنبيائه.
وليس الغرض من ذلك نفي هذه الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها وعدم استعمالها في الطريق الصحيح، فكأن هؤلاء القوم، لما لم ينفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون. إنهم لا يفقهون في قلوبهم شيئا من أمر الآخرة، ولا يبصرون بأعينهم الهدى، ولا يسمعون بآذانهم الحق.
هؤلاء المتصفون بهذه الأوصاف، الذين عطلوا عقولهم وحواسهم هم كالأنعام السائمة، لا همّ لهم إلا التمتع بلذائذ الحياة الدنيوية، بل هم أضل سبيلا منها لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها، وتنفر مما يضرها، ولا تسرف في أكلها وشربها، وهؤلاء قوم متهورون يقدمون على النار معاندة، يسرفون في جميع اللذات، ولا يهتدون إلى ثواب، فتكون غفلتهم بمعنى ترك التدبر والاتعاظ، والإعراض عن الجنة والنار.
أما أهل الفطنة والعقل المتدبر المتأمل في المستقبل، فهم الذين عملوا للآخرة، ولم يهملوا ما تتطلبه الدنيا، ولقد أرشدهم الله إلى الإيمان والمزيد من الاستقامة، فقال سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها أي لله تعالى أسماء تسعة وتسعون تطلق عليه، للدلالة على أوصافه، وهي أسماء منصوص عليها، ولا يسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، ودلت عليه. والله يأمرنا بالدعاء بهذه الأسماء كالحي القيوم، الرحمن الرحيم، الحليم العظيم الغفور، السميع البصير، وغير ذلك، وهي
стр. 753
عبارة عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها صفات لذاته، ومنها صفات لأفعاله،
قال النبي ﷺ فيما رواه الحاكم أبو الشيخ وغيرهما عن أبي هريرة: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها كلها دخل الجنة..» .
والسبب في نزول هذه الآية: أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي ﷺ يقرأ فيذكر الله في قراءته، ومرة يقرأ فيذكر الرحمن، ونحو هذا، فقال: محمد يزعم أن الإله واحد، وهو إنما يعبد آلهة كثيرة، فنزلت هذه الآية.
ثم قال تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ أي اتركوا الذين يميلون بها عن الطريق الحق بصرف الألفاظ عن معانيها الصحيحة إلى معان أخرى من تأويل أو شرك أو تكذيب أو زيادة ونقصان، سيجازون بما افتروا، ويعاقبون بما يعملون من سوء الاعتقاد والعمل، وهذا وعيد محض بعذاب الآخرة.
أهل الهداية والضلال
إن أمة الدعوة المحمدية فريقان: فريق المهتدين الذين يقضون بالحق والعدل، وفريق المكذبين الضالين. والانقسام على هذا النحو ليس جديدا، بل هو قائم في الأمم السابقة كقوم موسى وعيسى ﵉. وهذا الانقسام أمر طبيعي في البشر، والكلام عنه للترغيب والتحذير، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨١ الى ١٨٦]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
«١» «٢» «٣»
стр. 754
«١» «٢» «٣» [الأعراف: ٧/ ١٨١- ١٨٦] .
إن الله تعالى بعث نبيه محمدا للناس كافة، فدعاهم إلى الإيمان بالله ربا واحدا لا شريك له، وحذرهم من الشرك والوثنية، وانقسم هؤلاء الناس أمة الدعوة المحمدية فريقين. أما الفريق الأول فهم قوم قائمون بالحق قولا وعملا، يرشدون الناس ويدعونهم إليه، ويعملون بالحق ويقضون بالعدل، دون ميل ولا جور. قال أبو جعفر النحاس: فلا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق.
إن الاعتدال في الأمور من غير زيادة ولا نقصان، والقضاء بالحق والعدل من غير محاباة ولا جور هو شأن أهل الملة المستقيمة والتوسط والنجاة،
قال علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁: لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، يقول الله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة.
هذا هو الفريق الأول من أمة الدعوة المحمدية، والفريق الثاني: هم الذين كذبوا بالقرآن وهم أهل مكة وأمثالهم، وهم الذين يتركهم الله في ضلالهم، ويستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، ويقربهم إلى الهلاك بإمدادهم بالنعم عليهم والإمهال لهم، حتى يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب. وينذرهم الله تعالى بأنه سيملي ويطول لهم ما هم فيه، ولكن كيد الله متين، أي تدبيره الخفي قوي شديد، محكم مسدّد النتائج، وهذا كله من الاستدراج والإمهال عقوبة من الله على التكذيب بالآيات.
стр. 755
يتبين من هذا أن الإمداد بالنعم والخيرات والأرزاق المادية والمعنوية ليس دليلا على صلاح الإنسان، وإنما قد يكون استدراجا، أي سوقا شيئا بعد شيء، ودرجة بعد درجة بالنعم والإمهال، كما يستدرج العدو إلى مكان محكم للقضاء عليه. فإذا ترك الظالم فترة من الزمان دون عقاب فوري، فعليه ألا ينخدع بذلك ولا يغتر بظلمه وانحرافه، وهذا تهديد للمعرضين عن آيات الله.
ثم وبخ الله تعالى هؤلاء الكفرة الظلمة بقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ.. أي أولم يتفكر ويتأمل بإنصاف هؤلاء المكذبون بآيات الله أنه ليس بصاحبهم محمد ﷺ من جنون، إذ كانوا يقولون: شاعر مجنون، مع أنهم يعرفون حاله من بدء نشأته، ويعلمون حقيقة دعوته ودلائل رسالته، فهو ليس بمجنون وإنما رسول الله حقا، والداعية إلى الحق، والمنذر الناصح الواضح، والمبلّغ الأمين.
وسبب نزول هذه الآية:
أن رسول الله ﷺ صعد ليلا على الصفا، فجعل يدعو قبائل قريش: يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم ويدعوهم إلى الله، فقال بعض الكفار حين أصبحوا: هذا مجنون، بات يصوت حتى الصباح.. فنفى الله ما قالوه من ذلك.
وإذا لم يتفكر هؤلاء القوم من قريش في شأن محمد النبي وشأن دعوته، أفلا يتأملون وينظرون في الملك العظيم من السماوات والأرض، وفي مخلوقات الله ومختلف الأشياء، فذلك مدعاة للإيمان، فلو نظروا فيما خلق الله من كبير وصغير، لأداهم النظر الصحيح إلى وجود الله ووحدانيته، ثم ألم ينظروا في احتمال مجيء الموت، فربما يموتون عما قريب. ويكفيهم مفاجأة الموت لحملهم على النظر وتأمل الحقيقة وطلب الحق، والإيمان برسول الله، والإنابة إلى طاعته. وإذا ماتوا ندموا ولا أمل بعدئذ في النجاة ولا يقبل منهم إيمان يوم القيامة، إذا لم يؤمنوا بالقرآن العظيم في
стр. 756
الدنيا، فبأي كلام أو حديث بعد القرآن يؤمنون به؟ وبأي تخويف وتحذير بعد تحذير رسول الله وترهيبه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا القرآن الذي جاءهم به محمد بن عبد الله من ربه؟
ثم ذكر الله تعالى قاعدة الضلال والإضلال: وهي أن من فقد الاستعداد للإيمان بالنبي محمد ﷺ والعمل بالقرآن، فإن الله يتركه مترددا متحيرا في ضلاله، حائرا في سبيله، لتجاوزه الحد في ظلمه وطغيانه، ولن يجد لنفسه هاديا أو مرشدا آخر غير الله .
علم القيامة والمنذر بها
يتكرر السؤال قديما وحديثا عن وقت القيامة ومعرفة أخبارها وأهوالها، ولا يكون سؤال بعض الناس عادة إلا عنادا وتحديا أو تهكما وسخرية، كشأن الكفرة والمشركين، كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : «إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم؟» وأخرج ابن جرير الطبري عن قتادة: أن المشركين قالوا ذلك، لفرط الإنكار.
وجاء القرآن المجيد يسجل هذه الأحداث في قوله تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٧ الى ١٨٨]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
«١» «٢» «٣» »
[الأعراف: ٧/ ١٨٧- ١٨٨] .
نزلت هذه الآية على الراجح كما تقدم في مشركي قريش لأن الآية مكية،
стр. 757
ومعناها: يسألونك أيها النبي عن وقت الساعة (القيامة) متى يكون، ومتى يحصل ويستقر؟ ومضمون السؤال اليأس من السائلين ومقتهم والسخط عليهم. قل لهم أيها الرسول: إن علم الساعة مقصور على الله وحده، فلا يطّلع عليه أحد من الخلق، فإنه هو الذي يعلم جلية أمرها ويظهرها ويكشفها، ومتى يكون على التحديد، ولا يظهرها في وقتها المحدود إلا الله، ولا يعلم بها أحد حتى ولو كان ملكا مقرّبا أو نبيا مرسلا، كما قال الله سبحانه: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها [فصلت: ٤١/ ٤٧] فكل من الساعة العامة (القيامة) والساعة الخاصة (أجل الإنسان) من الغيبيات التي اختص الله بعلمها، لتكون فترة الاختبار صحيحة وعامة، غير متأثرة بدافع العلم بها أو بقصد النفعية، ولا مختصة بزمن معين يطلع عليه البشر وكل مخلوق، ولتبقى رهبتها مهيمنة على النفوس.
لقد خفي علمها على أهل السماوات والأرض، ولم يعلم بها أحد من الملائكة والأنبياء، ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على النفس. وهي لا تأتي إلا فجأة، وعلى غفلة، والناس مشغولون في شأن الدنيا ومصالحها.
يسألك أيها النبي هؤلاء المشركون كفار قريش عن وقت حدوث القيامة، كأنك معني بشأنها، مبالغ في السؤال عنها، وعالم بها، قل لهم: لست أعلمها، إنما علمها عند الله الذي يعلم الغيب في السماوات والأرض، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن أمر القيامة لا يعلمه إلا الله، بل يظن أكثرهم أنه مما يعلمه البشر. والقليلون من الناس وهم المؤمنون بالقرآن وبما أخبر به النبي ﷺ هم الذين يعلمون أن الله تعالى هو المختص وحده بمعرفة الوقت المعين لمجيء القيامة.
قال الرازي: السبب في إخفاء الساعة عن العباد: هو أن يكونوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية.
стр. 758
ثم أبان القرآن حقيقة وضع النبي ﷺ ومدى معرفته بالغيب فقال تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ والمعنى: قل أيها الرسول للناس: إني لا أملك لنفسي ولا لغيري جلب أي نفع، ولا أستطيع دفع أي ضرر عني ولا عن غيري، إلا بمشيئة الله وقدرته، فيلهمني إياه، ويوفقني له. وهذا يدل على إظهار العبودية، والتبري من ادعاء العلم بالغيوب، ومنصب الرسالة لا يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب، فالغيب لله وحده، وإنما وظيفة الرسول تبليغ الوحي المنزل عليه من ربه، والتعليم والإرشاد، فإن الرسول بشر كسائر الناس، قال الله سبحانه: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.. [الكهف: ١٨/ ١١٠] .
والله أمر نبيه أن يعلن: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير كالمال ونحوه من المنافع، ولما أصابني السوء وتجنبت الشر، ليس لي مزية عن البشر إلا بتبليغ الوحي عن الله بالإنذار والتبشير، فما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة، إنذار العصاة بالنار، وتبشير المؤمنين بالجنات، كما قال الله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) [مريم: ١٩/ ٩٧] .
الخلق من نفس واحدة
يذكّرنا القرآن الكريم في مناسبات متعددة بقدرة الله وعلمه الغيبي، وليس هناك أروع من التعريف بأن ملايين البشر من قديم وإلى يوم القيامة مخلوقون من نفس واحدة، فما على الإنسان إلا الاستسلام لربه الخالق، والتجرد من المشاركة في قدرة الله وغيبه، وأن يعلن عجزه أمام القدرة الخارقة، فهو حري ألا يعلم غيبا ولا يدعيه، قال الله تعالى مبينا هذا:
стр. 759
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٣]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ١٨٩- ١٩٣] .
يذكّر القرآن الكريم أن الإنسان ضعيف، لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ما شاء الله ويسّر، والله وحده هو صاحب القدرة المطلقة والإرادة النافذة غير المقيدة، والعالم بما غاب وحضر، ودليل القدرة الإلهية: أن الله هو الذي خلقنا جميعا من نفس واحدة في الأصل، وهي آدم ﵇، ثم خلق منه زوجته حواء، ثم تكاثر الناس منهما. وخلق الزوجة من جنس الزوج ليسكن إليها ويأنس بها ويطمئن معها ويألفها ويتعاون معها، كما جاء في آية أخرى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٣٠/ ٢١] .
وثمرة الزواج بين الرجل والمرأة بعد غشيان مشترك بينهما، أي استمتاع هو وجود الحمل الخفيف، أي الجنين، وهو أول الحمل الذي لا تجد فيه المرأة في البداية ثقلا ولا ألما، إنما مراحل الجنين: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ويرتفع الحيض عادة ببدء الحمل، وتستمر المرأة في متابعة أعمالها المعتادة دون مشقة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: فَمَرَّتْ بِهِ أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. فلما صارت المرأة ذات ثقل بحملها لكبر الولد في بطنها، وحان وقت الوضع، دعا الزوجان الوالدان مقسمين،
стр. 760
لئن آتيتنا ولدا صالحا تام الخلق، سليم الفطرة، لنكونن لك من الشاكرين نعمتك وفاء وعرفانا بالجميل.
فلما آتاهما الله ما طلبا، ورزقهما ولدا صالحا سويا كامل الخلقة، جعل الزوجان أي بعض بني آدم لله شركاء فيما آتاهما وأعطاهما، بأن سمياه عبد الحارث، والحارث: اسم إبليس، أو سمياه عبد العزى أو عبد مناة أو عبد شمس أو اللات، فتعالى الله عما يشركون، أي تعاظم وتنزه الله عما نسبوا له من الولد والشريك، هذه صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم واعتقادهم بالشرك.
ثم ناقش الله هؤلاء المشركين وفنّد أقوالهم، ونقض الشرك من جذوره، فقال تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) أي أيشركون ما لا يستطيع خلق شيء، وإنما الله هو الخالق لهم ولأولادهم ولكل مخلوق، وهذه الأصنام أو الشياطين مخلوقة مصنوعة، لا يستطيعون لعابديهم تحقيق أي معونة أو نصر، بل إنهم لا يتمكنون من نصر أنفسهم على أعدائهم، بإهانة أو سب أو أخذ شيء مما عندهم من طيّب أو حلي، فلا نصر لأنفسهم على من أرادهم بسوء.
هذا كله إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله، مربوبة، مصنوعة لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنتصر لعابديها، لكونها جمادات، بل إن هذه الأصنام إن دعاها عبّادها إلى ما هو هدى ورشاد، لا يستجيبون لهم ولا ينفعونهم، فهم في كلا الحالين: حال عبادتها وترك عبادتها عديمو النفع، سواء عليكم أيها المشركون دعاؤكم إياهم، أو سكوتكم عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم، ولا خير يرتجى منهم، إذ هم لا يفهمون الدعاء، ولا يسمعون الأصوات، ولا يعقلون الكلام.
ومثل من كانت هذه صفته، لا يصلح ربا معبودا، وإنما الرب المعبود هو السميع
стр. 761
البصير، العليم الخبير، الناصر القادر، النافع من يعبده، الضار من يعصيه، الهادي إلى الرشاد، المنقذ من الردى، المجيب المضطر إذا دعاه، وهو الله العلي القدير.
حقيقة المعبودات من دون الله
إذا انحدر العقل البشري لازمه السخف والسطحية، والبلاهة والسخرية، وليس هناك أشد انحدارا للعقل من عبادة الأصنام والأوثان المخلوقة المحدثة، التي هي جمادات وأجسام وأجرام، لا تنفع ولا تضر، فهي متعبدة، أي متملكة، مملوكة غير مالكة. وهكذا كان شأن الأقوام البدائيين لا يجدون أمامهم سوى هذه الأحجار، فعظموها وعبدوها من دون الله، فكانوا أسوأ مثل لانحدار الفكر وانحطاط الكرامة الإنسانية، قال الله تعالى واصفا صنيع هؤلاء البدائيين:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٤ الى ١٩٨]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
«١» «٢» [الأعراف: ٧/ ١٩٤- ١٩٨] .
أراد الله سبحانه بهذه الآيات وأمثالها إثبات التوحيد وإبطال الشرك، من طريق كشف حقيقة الأصنام والأوثان ونحوها من المعبودات من دون الله، وإظهار تحقير شأنها ونفي مماثلتها للبشر، بل هم أقل وأحقر، إذ هم جمادات لا تفهم ولا تعقل.
стр. 762
والمعنى: إن تلك الأصنام التي تعبدونها أيها المشركون وتسمونها آلهة من دون الله، وتدعونها لدفع الضر أو جلب النفع هم عباد متعبدون، أي متملكون، يشبهون عبّادهم في كونهم مخلوقات مملوكين لله أمثالهم، وهم خاضعون لإرادته وقدرته، بل الناس العابدون أكمل منهم لأنهم يسمعون ويبصرون ويبطشون، وتلك المعبودات لا تفعل شيئا، فكيف يصح عقلا تقديسها وعبادتها من مخلوق مثلها، بل أسمى وأكمل منها، وليجربوها، فإن دعوها أو طلبوا منها شيئا، لا تستطيع الإجابة، إن كانوا صادقين في تأليهها، واستحقاقها العبادة، والتماس النفع أو الضر منها.
إن أبسط التجارب تدر على رفض مطلق لعبادة الأصنام، مما يوجب البحث عن المعبود الصحيح، ولا معبود يستحق العبادة سوى الله الرب الخالق الذي خضعت له جميع الكائنات، ودانت له الموجودات.
ألهذه الأصنام أرجل يمشون بها، أم أيد يبطشون بها، أم أعين يبصرون بها، أم آذان يسمعون بها؟ والغرض من ذلك: ألهم حواس الحي وأوصافه؟! إنهم حجارة صماء أو طين وماء أو عجوة وحلاوة كصنم بني حنيفة. ومزيدا في التحدي والاختبار العملي قل: يا محمد الرسول لهؤلاء الوثنيين: نادوا شركاءكم وآلهتكم من دون الله، واستنصروا بها علي، وتعاونوا معها على كيدي وإضراري دون تأخير ولا إمهال، أنتم وشركاؤكم، فلا أبالي بكم.
ووصفت الأصنام بأنها عباد، وأشير إليها بضمير العقلاء في قوله: فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ وقوله: إِنَّ الَّذِينَ ولم يقل: التي، مع أنها جمادات غير عاقلة، إنزالا لها منزلة العقلاء بحسب اعتقاد المشركين.
ثم أعلن النبي ﷺ ثقته الكاملة بالله تعالى وتحقير هذه المعبودات، مع قلة الأعوان والنصراء في مكة، فقال بأمر ربه: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ أي إن الله حسبي وكافيني، وهو
стр. 763
عوني ونصيري، ومتولي أمري في الدنيا والآخرة، عليه اتكالي، وإليه ألجأ، وهو سبحانه الذي نزّل علي تدريجا القرآن الذي يدعو إلى التوحيد، وينبذ الشرك، وأعزني برسالته، وهو الذي يتولى كل صالح بعدي. وهو كل من صلحت عقيدته، وسلمت من الخرافات والأوهام، وصلحت أعماله.
ثم أكد الله تعالى خيبة الأصنام في تحقيق النصر، فالذين تدعون من دون الله وتعبدونهم وتطلبون منهم نصركم ودفع الضر عنكم، إنهم عاجزون، لا يستطيعون نصركم، ولا نصر أنفسهم ضد من يحتقرهم أو يسلبهم شيئا، أو يريدهم بسوء.
وكما أن تلك الأصنام عاجزة عن النصر هي عاجزة أيضا من باب أولى عن الإرشاد والهداية، فإن تدعوا هذه الأصنام إلى أن يهدوكم إلى سواء السبيل وتحقيق النصر، لا يسمعوا دعاءكم، فضلا عن المساعدة والإمداد، وتراهم أيها المخاطب الناظر إليهم يقابلونك بعيون مصورة صناعية من زجاج أو خزف أو فيروز أو عقيق، وهم جماد لا يبصرون شيئا، ولا يدركون المرئيات، لأن لهم صورة الأعين لا حقيقتها، فلا يرون شيئا، وهم فاقدو السمع والبصر.
أصول الأخلاق في الإسلام
لا تصلح حياة اجتماعية ولا تقوم مدنية ولا حضارة بغير أخلاق قويمة، وآداب سليمة، لذا اقترنت رسالات السماء والكتب الإلهية بالدعوة إلى الأخلاق النبيلة والقيم الإنسانية السوية، لأن الإنسان جسد وروح، وغذاء الروح واستدرار العواطف وصلاح البشر بالأخلاق، والخلق يلازم العقيدة، وهو دعوة الدين. وقد أمر القرآن الكريم بمجموعة من القيم والأخلاق، هذه أصولها وأسس المعاملة الحسنة، في قوله تعالى:
стр. 764
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٩ الى ٢٠٢]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأعراف: ٧/ ١٩٩- ٢٠٢] .
هذه وصية من الله لنبيه ﷺ تعم جميع أمته، وهي أمر بجميع مكارم الأخلاق. وقد جمعت الآية الكريمة أصول الفضائل الثلاث وهي أولا- الأخذ بالعفو: وهو السهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسس. فلا تشدد في شيء من الحقوق المالية والأدبية، ولا غلظة ولا فظاظة. ويكون معنى قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ أي اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفوا دون تكلف. فالعفو هنا: الفضل والصفو الذي تهيأ دون تحرج.
والفضيلة الثانية- الأمر بالعرف وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء. المعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وبر وإحسان إلى الناس.
روي أن النبي ﷺ قال لجبريل: «ما هذا العرف الذي أمر به؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله، ثم جاءه فقال له: يا محمد، هو أن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك» .
ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل قوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: ٣/ ١٠٤] ، وفي بيان الحقوق الزوجية وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢/ ٢٢٨] وفي
стр. 765
الحفاظ على الرابطة الزوجية: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: ٢/ ٢٢٩] .
والفضيلة الثالثة- الإعراض عن الجاهلين: وهو حكم مترتب محكم مستمر في الناس ما بقوا، وهو قول جمهور العلماء كما ذكر ابن عطية في تفسيره. ويكون الإعراض عن الجهلة بعدم مقابلة السفهاء والجهال بمثل فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم معهم، والصبر على سوء أخلاقهم والغض عن إساءاتهم. فإذا تكلم الجاهل الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصفح، عملا بقوله تعالى في وصف المؤمنين: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ٣/ ١٣٤] وقوله تعالى في فضيلة العفو: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢/ ٢٣٧] .
هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الآخرين،
قال الإمام جعفر الصادق ﵁: أمر الله نبيه ﵊ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
ثم ذكر الله تعالى وصية أخرى لنبيه تعم جميع أمته أيضا رجلا رجلا، تناسب فضيلة الإعراض عن الجاهلين السفهاء، وهي الأمر بالاستعاذة من الشياطين، تجنبا للوقوع في مفاسدهم وشرورهم. ومعنى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ [فصلت: ٤١/ ٣٦] أي إما يعرض لك الشيطان بوسوسته، والنزغ: حركة فيها فساد، كالغضب والشهوة، فعليك بالتحصن من الشيطان باللجوء إلى الله وطلب النجاة منه، والاستجارة بالله من نزغه، وذكر الله في القلب واللسان، فيصرف عنك وسواس الشيطان، والله سميع للقول من جهل الجاهلين، والاستعاذة بالله من نزغ الشيطان وغير ذلك من كلام الخلق، وهو عليم بالفعل وبما يذهب عنك نزغ الشيطان وأمور الخلق.
وطريق التخلص من وساوس الشيطان هو ما ذكر الله: إن الذين اتقوا الله
стр. 766
فأطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، إذا ألمت بهم لمة من الشيطان، تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه، وذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فأبصروا السداد، وعرفوا الحق والخير، فإذا هم مبصرون عارفون طريق الحق والخير.
ثم أخبر الله تعالى عن مدى تأثير الشيطان على الجاهلين المفسدين: وهو أن إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين يمدهم الشياطين في الضلال، ويتمكنون من إغوائهم، ولا يقصرون أبدا في حملهم على المعصية ولا يكفّون عن إفسادهم. حمانا الله من الشرور وحفظنا من إغواء الشيطان.
خصائص القرآن والأذكار
القرآن الكريم كلام الله المنزل على قلب نبيه محمد ﷺ ، لبيان الأحكام والشرائع والآداب، فهو وحي إلهي لا يجوز ولا يقبل بحال من الأحوال التعديل فيه، أو اختيار شيء منه دون باقيه، وإنما يجب التزامه والإصغاء لتلاوته والتدبر في معانيه، وتعظيمه، كتعظيم الله تعالى في ذكره وتسبيحه وتحميده كما يفعل الملائكة الكرام أمام الحق تعالى في العبادة والتقديس، قال الله تعالى مبينا هذه الخصائص:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠٣ الى ٢٠٦]
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأعراف: ٧/ ٢٠٣- ٢٠٦] .
стр. 767
هذه جملة من أحكام القرآن وخصائصه، يتميز بها لأنه كلام الله ، وأول هذه الخصائص: أنه لا يجوز تعديله ولا اختلاقه واختراعه، وقد حاول المشركون وقت نزول الوحي محاولات خائبة في هذا المجال، نصت عليها الآية، وسببها: أن الوحي كان يتأخر على النبي ﷺ أحيانا، فكان الكفار يقولون: (هلا اجتبيتها) .
ومضمونها: إذا لم تأت أيها الرسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه، قالوا:
هلا اختلقتها وتقوّلتها من تلقاء نفسك، لزعمهم أن القرآن من عند محمد، أو أنه متمكن من الإتيان بالآيات الكونية والمعجزات المخصوصة. فقل لهم أيها النبي قولا حاسما فاضلا: إنما أنا متبع وحي ربي فقط، ولا قدرة لي على افتعال أو اختلاق الآيات وإيجادها، أو اقتراحها، مثلما جاء في آية أخرى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٠/ ١٥] .
ثم أرشد القرآن الكريم أولئك الكفرة إلى خواص ثلاث أخرى، وهي أن القرآن العظيم أعظم المعجزات، فيه مبصرات للقلوب، وحجج بينات، وبراهين نيرات، على أنه من عند الله، وهو هاد للحيارى إلى طريق الاستقامة، ورحمة في الدنيا والآخرة لمن يؤمن به، فمن آمن به وعمل بأحكامه، فهو من المفلحين دون سواهم.
وطريق الاستفادة من القرآن: أنه إذا تلي على الأسماع وجب الإصغاء إليه والإنصات عند سماعه، لتفهم آياته، وليتعظ المؤمنون بمواعظه، ويتوصل إلى رحمة الله بسبب تفهمه وتدبر معانيه والعمل بما جاء فيه، سواء أكانت التلاوة في الصلاة أم في خارجها إلا بمقدار قراءة الفاتحة للمقتدي عند جماعة من العلماء.
وثواب الاستماع للقرآن كثواب التلاوة،
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي
стр. 768
الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة» .
وتعظيم القرآن واجب كتعظيم الله في ذكره وتسبيحه، وتهليله، وتحميده، وتكبيره، وطريق الذّكر كما نصت الآية: اذكر ربك في نفسك سرا، بذكر أسمائه وصفاته، وشكره واستغفاره، اذكره بقلبك بتضرع أي بذلة وخضوع، وخوف من الله رجاء ثوابه وفضله، وأن يكون الذكر باللسان مقرونا باستحضار القلب والوجدان وملاحظة المعاني، من غير جهر شديد بالأصوات، فقد نزلت هذه الآية حينما كان الصحابة بمكة يتكلمون بحوائجهم أثناء ترداد الآيات، ويصيحون عند آيات الرحمة والعذاب في الصلاة وغيرها. وأوقات الذكر دائمة من غير ملل، وبخاصة وقت الغدو والآصال، أي عند الصباح والمساء. فللذّكر تأثير في تربية النفس وهو غذاء للروح، وإسكان للنفس من القلق والانزعاج، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ١٣/ ٢٨] .
ثم أكد الله تعالى المطالبة بالذكر، بالنهي عن الغفلة عن ذكر الله، وجعل القلب ذا صلة دائمة مع الله، كما أكده ببيان أن الملائكة الأبرار لا يتكبرون عن عبادة الله، وينزهونه عن كل ما يليق بعظمته وجلاله وكبريائه، وله سبحانه وحده يصلون ويسجدون، فلا يشركون معه أحدا، وعلى المؤمنين أن يتشبهوا بأفعال الملائكة، وأن يقتدوا بهم في كثرة الطاعة والأذكار والتسبيح والتقديس. وهذا مثال من اجتهاد الملائكة يبعث على الجدّ في طاعة الله .
стр. 769
تفسير سورة الأنفال
حكم الأنفال
يترتب على المعارك الحربية آثار كثيرة في الأموال والأشخاص، ولكل حالة حكم معين في القرآن الكريم، ومن هذه الأحكام حكم الأنفال أي الغنائم الحربية، وكانت أول مشكلة نشأت في موضوع الأنفال بعد معركة بدر، تساءل الناس عن مستحقيها وكيفية قسمتها.
أخرج الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت ﵁: أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها، فسألوا الرسول ﷺ ، كيف تقسم؟ ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت الآية التالية
في مطلع سورة الأنفال المدنية ما عدا (٣٠- ٣٦) فمكية:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنفال: ٨/ ١- ٤] .
الأنفال: هي الغنائم، وهي جمع نفل أو نفل، وهو الزيادة على الواجب، وسميت
стр. 770
الغنيمة نفلا لأنها زيادة على القيام بالجهاد وحماية الدين والدعاء إلى الله .
ومعنى الآية: يسألك الناس أيها الرسول عن حكم الأنفال لمن هي وكيف تقسم؟
فقل لهم: إن حكمها لله أولا يحكم فيها بما يريد، ثم للرسول يقسمها بينكم كما أمر الله، فأمرها مفوض إلى الله ورسوله، ثم جاء تبيان تفصيلي لمصارف الغنيمة في آية أخرى وهي:
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: ٨/ ٤١] أي إن الخمس لهؤلاء المحتاجين المذكورين في هذه الآية، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين، أما اليوم بعد تنظيم الجيوش النظامية ودفع رواتب دائمة للجند، فتكون الغنائم للدولة.
وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله، فاتقوا الله سبحانه في أقوالكم وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم من الأحوال حتى تتآلف النفوس، وأطيعوا الله ورسوله في الغنائم وغيرها من كل أمر أو نهي، أو قضاء وحكم.
هذه الأمور الثلاثة: تقوى الله، وإصلاح ذات البين وإطاعة أوامر الله ورسوله يتوقف عليها صلاح الجماعة الإسلامية، إن كنتم مؤمنين، أي مصدقين كلام الله وكاملي الإيمان، فإن التصديق يقتضي الامتثال، وكمال الإيمان يوجب هذه الخصال الثلاث.
ثم ذكر الله تعالى صفات المؤمنين بحق الذين يلتزمون هذه الخصال الثلاث، هذه الصفات هي:
١- الذين إذا ذكر الله أمامهم خافت قلوبهم، وامتلأت خشية لجلاله وعظمته، وهابت وعيده وتذكرت وعده للمحسنين أعمالهم.
٢- والذين إذا قرئت عليهم آيات القرآن، زادتهم إيمانا وتصديقا، وإقبالا على العمل الصالح لأن كثرة الأدلة والتذكير بها يوجب زيادة اليقين وقوة الاعتقاد.
стр. 771
٣- والذين هم يتوكلون على ربهم وحده، وإليه يلجأون ولا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولكن ذلك التوكل ليس بمعنى التواكل وإنما التوكل يكون بعد اتخاذ الأسباب من عمل وسعي وجدّ واجتهاد، أما ترك الأسباب أو الوسائل المطلوبة عقلا وعادة فهو جهل بمفهوم التوكل.
٤- والذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة الأركان والشروط من قيام وركوع وسجود وتلاوة وأذكار، في مواقيتها المحددة لها شرعا، مع خشوع القلب، وسكون النفس، ومناجاة الرحمن، وتدبر قراءة القرآن.
٥- والذين ينفقون بعض أموالهم في سبيل الله، سبيل الخير ومن أجل مصلحة الأمة وفي سبيل تقويتها وانتشال المحتاجين من وهدة الفقر وألم الحرمان، والإنفاق يكون بإخراج الزكاة المفروضة، وأداء الصدقات التطوعية، والنفقات الواجبة على الأهل والقرابة القريبة كالآباء والأمهات، والمندوبة للقرابة البعيدة ومن أجل تحقيق مصالح الأمة وجهاد العدو، فإن الأموال وودائع وأمانات ثقيلة عند الإنسان، لا بد أن يفارقها يوما ما.
وجزاء هؤلاء المؤمنين المتصفين بالأوصاف الخمسة المتقدمة أنهم دون غيرهم المؤمنون حق الإيمان، ولهم درجات أي منازل متفاوتة في الجنان بحسب أعمالهم ونواياهم ولهم مغفرة، أي يغفر الله لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات، ولهم رزق كريم وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة، والكريم: وصف لكل شيء حسن.
خروج المسلمين إلى موقعة بدر
من الطبيعي أن يتهيب المسلمون في أول لقاء لهم مع معسكر قريش، بسبب قلتهم وضعف استعدادهم وقلة إمكاناتهم، وكثرة عدوهم وقوته ووفرة أسلحته، لذا كان
стр. 772
خروجهم لمعركة بدر الكبرى على كراهية وتردد، لكن الله تعالى أعلم بما يريد، فهو الذي يهيئ الأسباب، ويدبر الأمور، وما على المؤمنين إلا الامتثال ومجاهدة النفس وتخطي حاجز الخوف أو الوهم. وصف الله حالة المؤمنين في الخروج إلى غزوة بدر بقوله:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٨]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)
«١» «٢» [الأنفال: ٨/ ٥- ٨] .
سبب النزول فيما
رواه ابن أبي حاتم وغيره عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير «٣» أبي سفيان قد أقبلت: ما ترون فيها، لعل الله يغنمناها ويسلّمنا؟ فخرجنا فسرنا يوما أو يومين، فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون، فأنزل الله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
والمعنى: إن كراهية بعض الصحابة لحكم الأنفال وإن رضوا به، مثل كراهيتهم لخروجك أيها النبي من بيتك بالحق إلى القتال في بدر، فهم رضوا بحكم الأنفال على كره، كما رضوا بخروجك للقتال في بدر على كره أيضا. أي إن بعض صحابتك كانوا كارهين للأمرين معا: قسمة الغنائم أو الأنفال، والخروج للقتال في بدر. وكانت
стр. 773
الكراهية من الشبان فقط، لأنهم هم الذين قاتلوا وغنموا، فكرهوا قسمة الغنائم بين المجاهدين بالتساوي. وكرهوا قتال قريش لخروجهم من المدينة بقصد الغنيمة. غير مستعدين للقتال، لكن في امتثال أمر النبي ﷺ الخير والمصلحة والرشاد.
يجادلك هؤلاء الشبيبة المؤمنون في الحق وهو قتال مشركي قريش، مفضلين عليه أخذ العير، أي قافلة أبي سفيان المحملة بالميرة والحبوب والقادمة من الشام، بعد ما تبين الصواب وظهر لهم الحق، بإخبارك أنهم سينتصرون على كل حال، وأن الله وعدك إحدى الطائفتين: العير أو النفير، وبما أن العير أي الإبل قد نجت، فلم يبق إلا النفير، أي قتال المشركين. وكأنهم لشدة فزعهم ورعبهم من قتال الأعداء سائرون إلى الموت، وهم يشاهدون أسبابه وينظرون إليها.
لكن أيها المؤمنون اذكروا حين وعدكم الله إحدى الطائفتين: العير أو النفير، لكي تكون السلطة والغلبة لكم. وتتمنون أن تكون لكم غير ذات الشوكة، أي السلاح والقوة والمنعة وهي قافلة العير، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وعبر القرآن عن هذه القافلة بهذا التعبير أو الوصف لكراهتهم القتال وطمعهم في المال.
والشوكة وهي القوة كانت في النفير، أي جيش قريش لكثرة عددهم وتفوق عدتهم وأسلحتهم.
ويريد الله لكم أيها المؤمنون غير هذا الذي تريدون من أخذ تجارة القافلة، وهو مقابلة النفير الذي له الشوكة والقوة وهو جيش المشركين، لينهزموا وتنتصروا، ويثّبت الله الحق ويعليه بكلماته، أي بآياته المنزلة على رسوله في محاربة المشركين ذوي الشوكة والمنعة، ويعليه بإمداد المؤمنين بالملائكة لنصرة المسلمين وكتائب المجاهدين المؤمنين. ويريد الله أيضا أن يهلك المعاندين، ويستأصل شأفة وآخر المشركين، ويمحق قوتهم ويبدد آثارهم.
стр. 774
فعل الله ما فعل ودبر، ووعد بما وعد، وأنجز النصر للمؤمنين، ليحق الحق ويبطل الباطل، أي ليثبت الإسلام ويظهره، ويمحق الكفر والشرك ويزيله، ولو كره المجرمون، أي المعتدون الطغاة، ولا يكون ذلك بمجرد الاستيلاء على العير، قافلة الإبل، بل بقتل أئمة الكفر وزعماء الشرك.
وتكرار إحقاق الحق في آيتين متواليتين ليس تكرارا خاليا من المعنى، وإنما هناك معنيان متباينان، المعنى الأول: لبيان مراد الله وأن هناك تفاوتا بنيه وبين مراد الصحابة. والمعنى الثاني: لبيان الداعي والغرض من التوجيه نحو القتال وهو إظهار الغلبة للمؤمنين القلائل على الكافرين الكثيرين ذوي القوة والبأس.
أهم أسباب النصر في معركة بدر
أراد الله تثبيت أركان الإسلام وقواعده في بداية تكوين دولته وإعلاء كلمته، بإعلاء الحق وإبطال الباطل في قوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال: ٨/ ٨] وبعد هذا الإعلان الإلهي، أبان الله تعالى أن نصر المؤمنين في موقعة بدر لأسباب أهمها ثلاثة: هي الإمداد بالملائكة، وإلقاء النعاس للراحة بعد عناء السفر، وإنزال المطر لتطهير نفوس المسلمين ماديا ومعنويا، وكل نصر يحتاج لأسباب مادية ومعنوية، قال الله تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٩ الى ١٤]
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
«١» «٢» «٣»
стр. 775
«١» «٢» «٣» »
«٥» [الأنفال: ٨/ ٩- ١٤] .
سبب نزول هذه الآيات: ما
رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاث مائة ونيف (أو وبضعة عشر رجلا) ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة- الجماعة- من أهل الإسلام، فلا تعبد في الأرض أبدا» قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فردّاه (أو فألقاه على منكبيه) ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فلما كان يومئذ، التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا.
والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون حين استغاثتكم ربكم، قائلين: «اللهم انصرنا على عدونا، يا غياث المستغيثين أغثنا» فأجاب الله دعاءكم بأني ممدكم بألف من أعيان الملائكين، يتبع بعضهم بعضا، ألفا بعد ألف، حتى صاروا خمسة آلاف.
وما جعل الله إرسال الملائكة إلا بشرى لكم معشر المؤمنين بأنكم منصورون،