← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٣- والذين هم يتوكلون على ربهم وحده، وإليه يلجأون ولا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولكن ذلك التوكل ليس بمعنى التواكل وإنما التوكل يكون بعد اتخاذ الأسباب من عمل وسعي وجدّ واجتهاد، أما ترك الأسباب أو الوسائل المطلوبة عقلا وعادة فهو جهل بمفهوم التوكل. ٤- والذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة الأركان والشروط من قيام وركوع وسجود وتلاوة وأذكار، في مواقيتها المحددة لها شرعا، مع خشوع القلب، وسكون النفس، ومناجاة الرحمن، وتدبر قراءة القرآن. ٥- والذين ينفقون بعض أموالهم في سبيل الله، سبيل الخير ومن أجل مصلحة الأمة وفي سبيل تقويتها وانتشال المحتاجين من وهدة الفقر وألم الحرمان، والإنفاق يكون بإخراج الزكاة المفروضة، وأداء الصدقات التطوعية، والنفقات الواجبة على الأهل والقرابة القريبة كالآباء والأمهات، والمندوبة للقرابة البعيدة ومن أجل تحقيق مصالح الأمة وجهاد العدو، فإن الأموال وودائع وأمانات ثقيلة عند الإنسان، لا بد أن يفارقها يوما ما. وجزاء هؤلاء المؤمنين المتصفين بالأوصاف الخمسة المتقدمة أنهم دون غيرهم المؤمنون حق الإيمان، ولهم درجات أي منازل متفاوتة في الجنان بحسب أعمالهم ونواياهم ولهم مغفرة، أي يغفر الله لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات، ولهم رزق كريم وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة، والكريم: وصف لكل شيء حسن. خروج المسلمين إلى موقعة بدر من الطبيعي أن يتهيب المسلمون في أول لقاء لهم مع معسكر قريش، بسبب قلتهم وضعف استعدادهم وقلة إمكاناتهم، وكثرة عدوهم وقوته ووفرة أسلحته، لذا كان

стр. 772

خروجهم لمعركة بدر الكبرى على كراهية وتردد، لكن الله تعالى أعلم بما يريد، فهو الذي يهيئ الأسباب، ويدبر الأمور، وما على المؤمنين إلا الامتثال ومجاهدة النفس وتخطي حاجز الخوف أو الوهم. وصف الله حالة المؤمنين في الخروج إلى غزوة بدر بقوله: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٨] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) «١» «٢» [الأنفال: ٨/ ٥- ٨] . سبب النزول فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير «٣» أبي سفيان قد أقبلت: ما ترون فيها، لعل الله يغنمناها ويسلّمنا؟ فخرجنا فسرنا يوما أو يومين، فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون، فأنزل الله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ والمعنى: إن كراهية بعض الصحابة لحكم الأنفال وإن رضوا به، مثل كراهيتهم لخروجك أيها النبي من بيتك بالحق إلى القتال في بدر، فهم رضوا بحكم الأنفال على كره، كما رضوا بخروجك للقتال في بدر على كره أيضا. أي إن بعض صحابتك كانوا كارهين للأمرين معا: قسمة الغنائم أو الأنفال، والخروج للقتال في بدر. وكانت

стр. 773

الكراهية من الشبان فقط، لأنهم هم الذين قاتلوا وغنموا، فكرهوا قسمة الغنائم بين المجاهدين بالتساوي. وكرهوا قتال قريش لخروجهم من المدينة بقصد الغنيمة. غير مستعدين للقتال، لكن في امتثال أمر النبي ﷺ الخير والمصلحة والرشاد. يجادلك هؤلاء الشبيبة المؤمنون في الحق وهو قتال مشركي قريش، مفضلين عليه أخذ العير، أي قافلة أبي سفيان المحملة بالميرة والحبوب والقادمة من الشام، بعد ما تبين الصواب وظهر لهم الحق، بإخبارك أنهم سينتصرون على كل حال، وأن الله وعدك إحدى الطائفتين: العير أو النفير، وبما أن العير أي الإبل قد نجت، فلم يبق إلا النفير، أي قتال المشركين. وكأنهم لشدة فزعهم ورعبهم من قتال الأعداء سائرون إلى الموت، وهم يشاهدون أسبابه وينظرون إليها. لكن أيها المؤمنون اذكروا حين وعدكم الله إحدى الطائفتين: العير أو النفير، لكي تكون السلطة والغلبة لكم. وتتمنون أن تكون لكم غير ذات الشوكة، أي السلاح والقوة والمنعة وهي قافلة العير، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وعبر القرآن عن هذه القافلة بهذا التعبير أو الوصف لكراهتهم القتال وطمعهم في المال. والشوكة وهي القوة كانت في النفير، أي جيش قريش لكثرة عددهم وتفوق عدتهم وأسلحتهم. ويريد الله لكم أيها المؤمنون غير هذا الذي تريدون من أخذ تجارة القافلة، وهو مقابلة النفير الذي له الشوكة والقوة وهو جيش المشركين، لينهزموا وتنتصروا، ويثّبت الله الحق ويعليه بكلماته، أي بآياته المنزلة على رسوله في محاربة المشركين ذوي الشوكة والمنعة، ويعليه بإمداد المؤمنين بالملائكة لنصرة المسلمين وكتائب المجاهدين المؤمنين. ويريد الله أيضا أن يهلك المعاندين، ويستأصل شأفة وآخر المشركين، ويمحق قوتهم ويبدد آثارهم.

стр. 774

فعل الله ما فعل ودبر، ووعد بما وعد، وأنجز النصر للمؤمنين، ليحق الحق ويبطل الباطل، أي ليثبت الإسلام ويظهره، ويمحق الكفر والشرك ويزيله، ولو كره المجرمون، أي المعتدون الطغاة، ولا يكون ذلك بمجرد الاستيلاء على العير، قافلة الإبل، بل بقتل أئمة الكفر وزعماء الشرك. وتكرار إحقاق الحق في آيتين متواليتين ليس تكرارا خاليا من المعنى، وإنما هناك معنيان متباينان، المعنى الأول: لبيان مراد الله وأن هناك تفاوتا بنيه وبين مراد الصحابة. والمعنى الثاني: لبيان الداعي والغرض من التوجيه نحو القتال وهو إظهار الغلبة للمؤمنين القلائل على الكافرين الكثيرين ذوي القوة والبأس. أهم أسباب النصر في معركة بدر أراد الله تثبيت أركان الإسلام وقواعده في بداية تكوين دولته وإعلاء كلمته، بإعلاء الحق وإبطال الباطل في قوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال: ٨/ ٨] وبعد هذا الإعلان الإلهي، أبان الله تعالى أن نصر المؤمنين في موقعة بدر لأسباب أهمها ثلاثة: هي الإمداد بالملائكة، وإلقاء النعاس للراحة بعد عناء السفر، وإنزال المطر لتطهير نفوس المسلمين ماديا ومعنويا، وكل نصر يحتاج لأسباب مادية ومعنوية، قال الله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٩ الى ١٤] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) «١» «٢» «٣»

стр. 775

«١» «٢» «٣» » «٥» [الأنفال: ٨/ ٩- ١٤] . سبب نزول هذه الآيات: ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاث مائة ونيف (أو وبضعة عشر رجلا) ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة- الجماعة- من أهل الإسلام، فلا تعبد في الأرض أبدا» قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فردّاه (أو فألقاه على منكبيه) ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فلما كان يومئذ، التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا. والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون حين استغاثتكم ربكم، قائلين: «اللهم انصرنا على عدونا، يا غياث المستغيثين أغثنا» فأجاب الله دعاءكم بأني ممدكم بألف من أعيان الملائكين، يتبع بعضهم بعضا، ألفا بعد ألف، حتى صاروا خمسة آلاف. وما جعل الله إرسال الملائكة إلا بشرى لكم معشر المؤمنين بأنكم منصورون،

стр. 776

ولتسكن قلوبكم من الاضطراب أو القلق العارض لكم، وليس النصر الحقيقي إلا من عند الله، لا من عند غيره أبدا، إن الله عزيز أي قوي لا يغالب، حكيم، لا يضع شيئا في غير موضعه. والأشهر أن الملائكة قاتلت بالفعل يوم بدر، وهو الراجح في السنة النبوية، وهذا لا يقلل من أهمية قتال المؤمنين ببسالة وشجاعة تامة، واستماتة وإيمان متين، خلّد ذكرهم، وجعلهم أمثولة البطولات النادرة، هذه هي النعمة الأولى على المسلمين يوم بدر وهي إمدادهم بالملائكة. واذكروا نعمتين أخريين هما إلقاء النعاس تخفيفا من عناء التعب وتحقيقا للأمن من مخاوف العدو الذي هالهم كثرته وقلتهم، وذلك في ليلة القتال من الغد، ثم إنزال المطر عليكم من السماء للتطهير من الدنس والرجس وإذهاب وساوس الشيطان ولإرواء العطش، لأن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى النزول حول ماء بدر، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، وحقق الله بهاتين النعمتين تسكين القلوب واطمئنان النفوس وحملها على الصبر، وتثبيت الأقدام على أرض الرمال من غير غوص فيها. واذكروا أيها المؤمنون أيضا حين يوحي الله إلى الملائكة: أني مع المؤمنين بالإعانة والنصر، فانصروهم وثبّتوهم وقووا عزائمهم، وأني سألقي في قلوب الكفار الرعب والهلع، فاضربوا رؤوسهم التي فوق الأعناق واقطعوها، وابتروا الأصابع والمفاصل والأطراف: وهي الأيدي والأرجل ذات البنان أي الأصابع. وهذا تعليم لكيفية القتال بضرب المقاتل وغير المقاتل. ذلك المذكور من النصر والتأييد للنبي والمؤمنين بسبب أن المشركين شاقّوا الله ورسوله، أي عادوهما وخالفوهما، حيث صاروا في شق أو جانب والمؤمنون في الجانب الآخر، ومن يعادي الله والرسول، ويخالف أوامرهما، فإن له عدا الهزيمة

стр. 777

والخزي في الدنيا العذاب الشديد في الآخرة، وذلكم العقاب أو العذاب من الضرب والقتل الذي عجلته لكم أيها الكافرون بسبب معاداتكم الله ورسوله، فذوقوه عاجلا، ولكم في الآخرة عذاب جهنم إن أصررتم على الكفر. والتعبير بذوق العذاب لمعرفة أن ما نالهم في الدنيا من هزيمة وآلام هو يسير بالنسبة للعذاب العظيم المعدّ لهم في الآخرة. قواعد وتوجيهات حربية القرآن الكريم دستور المسلمين العام وقانونهم الأساسي في كل شيء، فهو كما اشتمل على أحكام التشريع من عقائد وعبادات ومعاملات، اشتمل أيضا على الأخلاق والآداب الاجتماعية، وعلى التوجيهات الحربية والسلمية، وقواعد القتال بمناسبة معركة بدر الكبرى، مثل الثبات أمام العدو، وتحريم الفرار من الزحف في مواجهة الأعداء إلا لمصلحة حربية، قال الله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ١٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأنفال: ٨/ ١٥- ١٩] .

стр. 778

المقصود من هذه الآيات: يا أيها المصدقون بالله ورسوله، إذا اقتربتم من عدوكم حال كونهم زاحفين نحوكم لقتالكم، أي متقابلي الصفوف والأشخاص فلا تفرّوا منهم أبدا، مهما كثر عددهم، وأنتم قلة، بأن كانوا مثلي أو ضعف المؤمنين، واثبتوا لهم وقاتلوهم، فالله معكم عليهم. لا يجوز الانهزام أمامهم بحال إلا لمصلحة حربية بأن يتحرف المقاتل لقتال، أي يظهر أنه منهزم، ثم يكرّ أو ينعطف عليه مرة أخرى ليقتله، وهذه مكيدة حربية مشروعة، أو يتحيز المقاتل لفئة أخرى من جماعته، أي ينضم لجماعة إسلامية أخرى تؤيده وتساعده، لمقاتلة العدو معا، وما عدا هاتين الحالتين يحرم الفرار من الزحف أمام العدو، ومن يخالف هذا وينهزم، يرجع مصحوبا بغضب الله وسخطه، ومأواه في الآخرة جهنم، وبئس المصير أي المرجع هي. وهذا دليل على أن الفرار من الزحف أمام العدو من كبائر المعاصي، ويؤيده ما جاء في حديث البخاري ومسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات- أي المهلكات- وذكر منها التولي يوم الزحف» . ثم أبان القرآن الكريم أمرا مهما في عقيدة الإسلام في القتال ألا وهي أن المقاتلين لا يستقلون بقتل العدو، وإنما الخلق والاختراع في جميع حالات القتل إنما هي لله تعالى، ليس للقاتل فيها شيء، وإنما هو مجرد وسيلة وأداة، فالفعّال الحقيقي هو الله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي إن افتخرتم بقتلهم في بدر، فأنتم لم تقتلوهم بقوتكم وعدتكم، ولكن الله قتلهم بأيديكم، لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وحقق النصر والظفر لكم. وسبب نزول هذه الآية: أن أصحاب رسول الله ﷺ لما صدورا (رجعوا) عن بدر، ذكر كل واحد منهم ما فعل، فقال: قتلت كذا، وفعلت كذا، فجاء من ذلك

стр. 779

تفاخر، ونحو ذلك، فنزلت الآية: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ أي إن الله هو المؤثر الحقيقي الفعال في تحقيق النتائج. وأما فعل البشر فهو القيام بالأسباب الظاهرة المقدورة لهم، التي كلفهم بها ربهم، كجميع أفعال العباد الاختيارية. بل وما رميت به أيها النبي مشركي قريش حين رميت في بدر، ولكن الله رماهم. نزلت هذه الآية حين رمى النبي ﷺ يوم بدر قبضات من حصى وتراب، رمى بها في وجوه القوم وتلقاءهم ثلاث مرات، وقال المشركون: شاهت الوجوه، فلم يبق عين مشرك إلا دخلها منه شيء. وتكررت هذه الفعلة أيضا يوم حنين. رمى الله المشركين وقتلهم ليكبتهم، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا، أي ليعرّف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا حقه وفضله، ويشكروا بذلك نعمته، ويصيبهم ببلاء حسن، أي يختبرهم بما حققه لهم من النصر والغنيمة والعزة. إن الله سميع لكل قول، ومنه استغاثتكم ودعاؤكم، عليم بوجه الحكمة في جميع أفعاله، لا إله إلا هو. ذلكم الأمر المتقدم من قتل الله الأعداء ورميه إياهم لإعلامهم أن الله موهن كيد الكافرين، أي مضعف كيد الكافرين في المستقبل، ومحبط مكرهم وتدبيرهم ومدمر جميع أوضاعهم. ثم خاطب الله الكفار أهل مكة على سبيل التهكم والسخرية قائلا لهم: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أي إن تستنصروا وتطلبوا نصر الفئة المحقة على الفئة المبطلة، فقد جاءكم ما سألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى، وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل، ثم حذرهم الله وأنذرهم بأنه إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب بالله والرسول، وعداوة النبي، فهو خير لكم في الدنيا والآخرة وأجدى من الحرب التي

стр. 780

جربتموها وما أحدثت من قتل وأسر، وإن تعودوا لمحاربته وقتاله، وإلى ما كنتم من الكفر والضلالة، نعد إلى نصر النبي وهزيمتكم، ولن تفيدكم جماعتكم شيئا ولو كثرت، لأن الكثرة ليست دائما من وسائل النصر أمام القلة، فقد يحدث العكس، والله مع المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق إلى النجاح، كما قال تعالى: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) [الصافات: ٣٧/ ١٧٣] . وجوب الطاعة لله والرسول هناك تلازم واضح في شريعة القرآن بين الإيمان أو التصديق بالله تعالى وبرسوله، وبين وجوب طاعة الله والرسول، فلا يعقل بحال من الأحوال أن يكون هناك شيء من التناقض أو المخالفة، فكل من آمن بشيء وأحبه وجب عليه طاعته واحترام أوامره، ومما لا شك فيه أن الإيمان مصدر خير، فيكون داعيا إلى كل خير، ومن مستلزمات كون الشيء خيرا الإقبال عليه وملازمته، لذا جاءت الآيات القرآنية مقترنة دائما بين الخطاب بصفة الإيمان وما يدعو إليه ويقتضيه من طاعة الآمر ومحبته، كما في هذه الآيات: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) «١» [الأنفال: ٨/ ٢٠- ٢٣] . يتعهد الحق ﵎ عباده بالتربية والتوجيه، والتذكير وعقد المقارنات أو

стр. 781

الموازنات بين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان، فإذا كان الشأن في غير المؤمنين ألا يسمعوا لأوامر الله ورسوله، وألا يطيعوا مطالبهما، فإن شأن المؤمنين والامتثال والطاعة، تحقيقا للسعادة، وللظفر برضوان الله وجنته، لذا أمر الله عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وزجر عن مخالفته والتشبه بالكافرين المعاندين. ومعنى الآية: يا أيها المتصفون بالإيمان، المصدقون بالله والرسول، أطيعوا الله والرسول في كل ما دعاكم إليه من أحكام التشريع في الدنيا والآخرة، والدعوة إلى جهاد الأعداء وترك الركون إلى الراحة والمال والشهوات والأهواء. ولا تتركوا الطاعة بحال، فإذا أمركم الله بالجهاد وبذل المال وغيرهما، امتثلتم، والحال أنكم تسمعون كلامه ومواعظه، وتعلمون ما دعاكم إليه القرآن من الأحكام والآداب والمواعظ، والمراد بالسماع: هو ما يفيد ويدفع إلى العمل، وهو سماع تدبر وفهم وتأمل في المسموع، وهذا هو شأن المؤمنين، بأن يقولوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢/ ٢٨٥] . وشأن غير المؤمنين أن يقولوا: سمعنا وعصينا. فاحذروا أن تكونوا مثل غير المؤمنين الذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، وهم المنافقون والمشركون، فإنهم يتظاهرون بالسماع والاستجابة، والواقع أنهم لا يسمعون أبدا. ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء العتاة المتمردين غير السامعين لأوامر الله والرسول بأنهم شر الناس أو المخلوقات عند الله ، وأنهم أخس المنازل لديه، وأشبه بالدواب، وشرّ المخلوقات التي تدب على الأرض عند الله الصمّ الذين لا يسمعون الحق فيتبعونه، ولا ينطقون بالحق ولا يفهمونه، ولا يعقلون الفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والإسلام والكفر، أي فكأنهم لتعطيلهم وسائط المعرفة وهي الحواس التي تكون طريقا للنفع والفائدة والخير،

стр. 782

فقدوا هذه القوى والمشاعر المدركة، وهم لو استخدموا عقولهم متجردين عن التقليد والعصبية الجاهلية، لاهتدوا إلى الحق والصواب، وأدركوا الصالح المفيد لهم وهو الإسلام، إلا أنهم في الواقع فقدوا صفة الإنسان، لأنهم لا يعقلون الأمور والمصالح الدائمة، ووصفهم الله بالصمم والبكم وسلب العقول. روي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني عبد الدار، وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف. ثم أخبر الله تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم، بما عرفه من اختيارهم وتوجههم. فلو علم الله في نفوسهم ميلا إلى الخير والاستعداد للإيمان والاهتداء بنور الإسلام والنبوة لأفهمهم، وأسمعهم بتوفيقه كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفهم واتعاظ، ولكن لا خير فيهم لأنه تعالى يعلم أنه لو أسمعهم أي أفهمهم، لتولوا عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، وهم معرضون عنه من قبل ذلك، بقلوبهم والعمل به، فهم في الواقع لا خير فيهم أصلا. وإذا سلب الإنسان أهليته واستعداده وخواصه في إدراك الخير والعمل بمقتضاه، لم يعد كفئا لأي شيء، ولم يرج منه نفع أو خير، وكان أحق باتصافه بالصفة غير الإنسانية، وهذا هو تشبيه القرآن لهؤلاء بالدواب الذين لا يعقلون ولا يفهمون. الاستجابة لدعوة القرآن القرآن الكريم دعوة صريحة حاسمة للسعادة الدائمة، والحياة الأبدية، لأنه تضمن نظام الدين الذي هو أساس الأنظمة وسبب الفلاح والصلاح وقاعدة التحضر والتمدن والاجتماع الفاضل، ولقد كان القرآن العظيم سبب عزة العرب والمسلمين قاطبة، وباعث نهضتهم وطريق الحفاظ على وجودهم وكرامتهم واستقلالهم، ودحر

стр. 783

كل أساليب الاستعمار الحاقد البغيض، قال الله تعالى مبينا مقصد القرآن العام: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) «١» [الأنفال: ٨/ ٢٤- ٢٦] . تتضمن الآيات الأمر القاطع للمؤمنين بإجابة الله والرسول بالإصغاء والطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه، لأن دعوة الله والرسول دعوة لما يحييكم حياة طيبة أبدية مشتملة على سعادة الدنيا والآخرة، وفيها صلاحكم وخيركم، وفيها كل حق وصواب، وذلك شامل القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة، والأمر للوجوب، ومن لم يمتثل أحكام القرآن فهو ميت لا حياة فيه، كما قال الله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ٦/ ١٢٢] . والغارق في الضلال والكفر والجهل ميت مجازا وإن كان في الظاهر حيا. إن دعوة القرآن دعوة إحياء بالعزة والغلبة والظفر، فسمي ذلك حياة، والحياة العزيزة الكريمة في الدنيا بالتزام أحكام القرآن متصلة بحياة الآخرة. ثم حذر القرآن الكريم من التراخي في طاعة أوامر الله ورسوله، فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل، وقد أراد بالقلب العقل أي يحول بين المرء وعقله، حتى لا يدري ما يصنع. وهذا دليل حسي واضح على أن قدرته وإحاطته وعلمه تتداخل بين المرء وقلبه،

стр. 784

وتحول بين الإنسان وفكره. والمصير في النهاية أن جميع الناس مجموعون إلى الله في الآخرة للحساب. وبعد هذا التحذير حذر الله تعالى من الفتن فقال: وَاتَّقُوا فِتْنَةً أي احذروا الوقوع في الفتنة وهي الاختبار والمحنة التي يعم فيها البلاء المسيء وغيره، ولا يخص بها أهل المعاصي أو مرتكبي الذنوب، بل يعمهم وغيرهم والله شديد العذاب لمن عصاه. قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم، فيعمهم الله بالعذاب. والمراد بها عموم الناس، فالله يريد أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا وعيد لكل من تأول آية أو حكما قرآنيا، أو خالف هدي الله وشرعه. ثم نبّه الله المؤمنين والعرب خاصة قبل الإسلام إلى ما أنعم به عليهم، وعدّد نعمه وإحسانه عليهم، قائلا: واذكروا حالكم حين كنتم قلائل فكثّركم، ومستضعفين خائفين، فقواكم ونصركم، وفقراء فرزقكم من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، لقد كان أولئك المؤمنون قلة مستضعفين في مكة، والمشركون أعزة كثرة يذيقون المؤمنين سوء العذاب، وكان المؤمنون خائفين غير مطمئنين، يخافون أن يتخطفهم الناس، أي يأخذهم المشركون بسرعة خاطفة للقتل والسلب، كما كان يتخطف بعضهم بعضا خارج الحرم المكي، كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٧] . ثم امتن الله عليكم أيها المؤمنون، فجعل لكم مأوى تتحصنون به في المدينة، وأيديكم، أي أعانكم يوم بدر وغيره بنصره المؤزر، وسيؤيدكم بنصره على من سواكم خارج الجزيرة العربية بالغلبة على الروم والفرس، ورزقكم من الطيبات رزقا حسنا

стр. 785

مباركا فيه، وأحل لكم الغنائم، كي تشكروا هذه النعم الجليلة. والغرض من الآيات التذكير بالنعمة لتكون حاملا لهم على إطاعة الله وشكر الفضل الإلهي. تحريم الخيانة وفضل التقوى خيانة الله والرسول والأمانات العامة والخاصة من أخطر الانحرافات التي تهدد مصير الأمة ووحدتها وإشاعة الثقة فيما بين أبنائها، لذا حذر القرآن الكريم من أنواع الخيانة مطلقا، وألزم الناس بتقوى الله، لأن بالتقوى حفاظا على الوجود الإنساني الكريم ونصرا ونجاة، قال الله تعالى مبينا تحريم الخيانة وفضل التقوى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) «١» «٢» [الأنفال: ٨/ ٢٧- ٢٩] . نزلت الآية: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ في. أبي لبابة مروان بن عبد المنذر، وكان حليفا لبني قريظة من اليهود، وقد بعثه النبي ﷺ إلى بني قريظة، لينزلوا على حكمه، فاستشاروه، فأشار عليهم أنه الذبح، لأن عياله وماله وولده كانوا عندهم، وذلك بعد أن حاصرهم النبي ﷺ إحدى وعشرين ليلة، بعد أن نقضوا العهد وحاربوا النبي في غزوة الخندق، وأدرك أبو لبابة أنه خان الله والرسول. قال الزهري: فلما نزلت الآية شد نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال:

стр. 786

والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث تسعة أيام أو سبعة أيام، لا يذوق فيها طعاما حتى خرّ مغشيا عليه. ثم تاب الله عليه. وقال عطاء عن جابر بن عبد الله- فيما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ-: سبب نزول الآية: أن رجلا من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية. وعلى أي حال فإن الآية نزلت في خيانة بعض الخائنين. ومعناها: يا أيها الذين أظهروا الإيمان، أو يا أيها المصدقون بالله ورسوله وقرآنه، لا تخونوا الله بتعطيل فرائضه وإهمال أوامره في السر، وتعدي حدوده ومحارمه، ولا تخونوا الرسول بتجاوز أوامره ومخالفة نواهيه، وتضييع ما استحفظ لديكم من أسرار، ولا تخونوا أماناتكم التي تؤتمنون عليها، بأن لا تحفظوها، وذلك يشمل الودائع المالية والأسرار العامة والخاصة بفرد من الأفراد. والأمانة تشمل كل ما يؤتمن الإنسان عليه من دينه وعبادته وحقوق الآخرين، فكل من أخل بواجبه فقد خان الأمانة، فلا تخونوا أيها المؤمنون أمانات غيركم، سواء كانت معاملات مالية، أو شؤونا أدبية أو سياسية أو عهدا من العهود، أو مصلحة وطنية، والحال أنكم تعلمون خطر الخيانة وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة. ولما كان سبب الإقدام على الخيانة هو حب المال والنفس والولد، نبّه الله تعالى على أنه يجب الاحتراز عن مضار ذلك الحب، فقال تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي إن الأموال والأولاد محنة من الله وابتلاء، أي اختبار من ربكم، ليرى كيف العمل في جميع ذلك، ويقيم الدليل عليكم مع علمه تعالى بما يصدر منكم سلفا، فاحذروا التفريط في حدود الله وشرائعه، واعلموا أن ثواب الله وعطاءه الجزيل وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم

стр. 787

لا يغني عنكم شيئا، فعليكم أن تؤثروا ثواب ربكم، بمراعاة شرعه ودينه في الأموال والأولاد، وألا تحملكم على توريط أنفسكم في مخاطر الخيانة وأضرارها. والعاصم لكم من الوقوع في المضار والمخاطر هو تقوى الله، أي اتباع أوامره، واجتناب نواهيه، ثم وعد الله المؤمنين بشرط الاتقاء وإطاعة الله، فإن تتقوا الله، يؤتكم فرقانا، أي فرقا بين حقكم وباطل من ينازعكم أي بالنصرة والتأييد عليهم، وإن تتقوا الله يمح عنكم ذنوبكم وسيئاتكم السابقة، ويسترها عن الناس، ويطهركم من الآثام والخطايا، ويؤتكم الثواب الجزيل، والله صاحب الفضل الواسع والعطاء العظيم، وما أكثر الأوامر القرآنية بالتقوى، فهذه الآية مثل آية أخرى هي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) [الحديد: ٥٧/ ٢٨] . كيد المشركين في مكة للنبي ﷺ لم يترك المشركون القرشيون نوعا من الأذى إلا ألحقوه بالنبي ﷺ ، ومن أشد وأخطر ألوان الأذى تلك المؤامرة الخطيرة التي أجمعوا عليها في اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي، على ما نص ابن إسحاق في سيرته وهي اتفاقهم على قتل الرسول ﵊ على يد زمرة من مختلف القبائل العربية، وصف الله لنا هذه المكائد والمؤامرات بقوله سبحانه: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٠ الى ٣١] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) «١» «٢»

стр. 788

«١» [الأنفال: ٨/ ٣٠- ٣١] . نزلت الآية الأولى: وَإِذْ يَمْكُرُ في شأن اجتماع قريش في دار الندوة. أخرج ابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال: إن نفرا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي أو نصح، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رائد من مجلسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، واستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه للقلوب بما تسمع من حديثه، والله لئن فعلتم- ثم استعرض العرب- ليجتمعن عليه، ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرنّ عليكم

стр. 789

برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره، قالوا: وما هذا؟ قال: تأخذون من كل قبيلة وسيطا شابا جلدا (أي قويا) ثم نعطي كل غلام منهم سيفا صارما يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن أن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل (أي الدية) واسترحنا وقطعنا أذاه عنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله عند ذلك في الخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة، يذكّره نعمته عليه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهذه أسباب الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ومعنى الآية: واذكر أيها النبي حينما اجتمع المشركون لتدبير مؤامرة خطيرة عليك وعلى دعوتك، فذلك أمر يستحق الشكر على النعمة، ويدعو للعبرة والعظة، ويدل على صدق دعوتك وتأييد ربك لك في وقت المحنة. لقد دبروا لك إحدى مكائد ثلاث: إما الحبس الذي يحول بينك وبين دعوة الناس، وإما القتل بطريق جميع القبائل، وإما الطرد والإخراج من البلاد. إنهم يمكرون بك، أي يخفون المكائد لك، ويخفي الله ما أعد لهم من الجزاء والعذاب على مكرهم، والله خير المدبرين وأمضى المخططين والمنفذين وأقدرهم وأعزهم جانبا، لأن تدبيره نصر للحق وعدل مطلق. هذا مكرهم بالنبي ﷺ . وهناك مكر بالدين والقرآن وهو ما قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى أي إذا تليت آيات القرآن الواضحة، قالوا جهلا وعنادا وسفها واستكبارا: لو نشاء لقلنا مثل هذا من القصص والأنبياء، فإن هذه إنما هي أساطير من قد تقدم، أي قصصهم المكتوبة المسطورة من دون تمحيص ولا نظام، يتعلم منها ويتلوها على الناس. نزلت

стр. 790

هذه الآية في النضر بن الحارث الذي كان يقول في كتاب الله ما يقول، ومن أقاويله: ما جاء في هذه الآية: ما هذا إلا أساطير القدماء، ونسب هذا القول للقرشيين، لأن النضر كان من أنبلهم وأفهمهم والمأخوذ بقوله، فكان إذا قال قولا، ردده كثير منهم واتبعوه عليه، حسبما يفعل الناس دائما بعلمائهم وفقهائهم. إكرام العرب بالنبي ﷺ قد يظن بعض الأذكياء أنهم بذكائهم واغترارهم بفهمهم يستطيعون إدراك كل شيء، وفهم وقول كل شيء، متناسين أن القدرة العقلية البشرية محدودة متناهية، لا تتجاوز نطاقا معينا، ومن هؤلاء المغرورين بذكائهم ومعرفتهم بعض العرب مثل النضر بن الحارث الذي كان كثير السفر إلى فارس والحيرة، وكان يسمع قصص الرهبان والأناجيل، ويسمع أخبار رستم واسبنديار، فلما سمع القرآن، ورأى فيه من أخبار الأنبياء والأمم قال: لو شئت لقلت مثل هذا. وقال عن القرآن: إن هذا إلا أساطير الأولين، فقال له النبي ﷺ : ويلك إنه كلام رب العالمين، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق فأمطر علينا حجارة من السماء، فنزلت الآيات التالية تحكي قوله وترده إلى صوابه وتبين فضل النبي على العرب: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)

стр. 791

«١» [الأنفال: ٨/ ٣٢- ٣٥] . لقد تعددت ألوان المكر من المشركين بالنبي ﷺ حتى اضطر إلى الهجرة، وتمادوا في غيهم وضلالهم وحاولوا المكر في دين محمد، سواء بادعاء القدرة على الإتيان بمثل القرآن أو بوصفه بأنه أساطير الأولين، أي قصص السابقين المسطورة في الكتب دون تمحيص ولا تثّبت من صحتها. وهذه الآيات إخبار من الله تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وادعائهم الباطل حين سماع آيات الله تتلى عليهم، فقالوا حسدا لمحمد على لسان زعمائهم مثل النضر بن الحارث وأبي جهل بن هشام: لو شئنا لقلنا مثل القرآن، فأمر الله نبيه أن يقول: واذكر يا محمد حين قالت قريش: اللهم إن كان هذا هو الحق المنزل من عندك، فعاقبنا بإنزال حجارة ترجمنا بها من السماء، كما عاقبت أصحاب الفيل، أو ائتنا بعذاب أليم أي مؤلم، سوى ذلك. ولكن الله تعالى جلت حكمته ورحمته أمهلهم بالعذاب إكراما لنبي الله محمد ﷺ ، وأخبرهم معلنا فضله عليهم: وما كان من مقتضى سنة الله ورحمته وحكمته أن يعذبهم، والرسول موجود بينهم، لأنه إنما أرسله رحمة للعالمين، لا عذابا ونقمة، وما عذّب الله أمة ونبيها فيها، وكذلك ما كان الله ليعذبهم عذاب الاستئصال في الدنيا الذي عذّب بمثله بعض الأمم السالفة، وهم يستغفرون، أي إن بعض المؤمنين ما يزالوا يجاورون الكفار في مكة بعد الهجرة وهم يطلبون من الله المغفرة، أو أن بعض أولاد الكفار المولودين منهم يؤمنون بالله ويستغفرونه، أو أنهم في أثناء طوافهم بالكعبة كانوا يقولون: غفرانك، ولا عذاب في الدنيا مع الاستغفار.

стр. 792

ويمكن أن يعذبهم الله بعذاب دون عذاب الاستئصال، فقال تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي من الممكن القريب أن يعذبهم الله بعذاب آخر غير الاستئصال، بسبب أنهم يمنعون الناس عن المسجد الحرام، ولو لأداء مناسك الحج وتعظيم البيت الحرام. ومن كانت هذه حالته بصد الناس عن المسجد الحرام لم يكن وليا نصيرا للمسجد، ولا يستحق تولي أمره، وإنما هم يستحقون القتل بالسيف والمحاربة، وهذا رد لمزاعم قريش الذين كانوا يقولون: نحن أولياء البيت الحرام، نصد من نشاء، وندخل من نشاء، سلب الله منهم الولاية على البيت الحرام، وأعلمهم أنهم ليسوا أولياءه، فما أولياؤه وأحباؤه وحماته إلا المتقون المؤمنون المسلمون، ولكن أكثر الكفار المشركين حمقى جهلاء لا يعلمون أنهم ليسوا بأولياء البيت الحرام، بل يظنون أنهم أولياؤه. وسبب عدم أهلية المشركين لولاية البيت الحرام: هو عدم تعظيمهم له في الحقيقة، فلم تكن صلاتهم عند البيت وتقرّبهم وعبادتهم إلا تصفيرا وتصفيقا، لا يحترمون حرمة البيت، ولا يعظمونه حق التعظيم، قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفّر وتصفّق. ومن كان هذا شأنه فهو أحق بسلب الولاية منه على البيت الحرام، وأجدر بالعقاب والعذاب، فليذوقوا القتل والأسر يوم معركة بدر، بسبب كفرهم وأفعالهم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة، وهذا هو العذاب الذي طلبوه سفها منهم وطيشا وتحديا وعنادا.

стр. 793

عاقبة الإنفاق الخاسرة يقدم كثير من الناس أحيانا على أعمال مادية طائشة لا تحقق مصلحة، ولا تجلب منفعة، بسبب الحمق والسفه، أو بسبب التعصب الأعمى والحقد الدفين، فيذهب المال هدرا، وتتبدد الثروة هباء منثورا، وعندها يقع الندم، وكل ذلك سهل في أمور الدنيا، فإن الإنفاق للصد عن سبيل الله ومقاومة شرعه ومحاربة القيم التي نزلت بها شرائع الله، يكون أسوأ عاقبة، وأشد وبالا في الآخرة، لأن فيها العذاب الشديد، قال الله تعالى واصفا بعض تصرفات مشركي قريش في هذا المجال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) «١» «٢» «٣» [الأنفال: ٨/ ٣٦- ٣٧] . سبب نزول هذه الآية- فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم- أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش (الجنود المرتزقة) وغيرهم أربعين أوقية من الذهب، أو نحو هذا. والأوقية: أربعون مثقالا من الذهب، والمثقال (٢٥، ٤ غم) . وقال الضحاك وغيره: إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر، الذين كانوا يذبحون يوما عشرا (من الإبل) ويوما تسعا من الإبل. فالمشركون بقيادة أبي سفيان أنفقوا المال الكثير في بدر وأحد، وقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم (نقصكم) وقتل رجالكم، فأعينونا بهذا المال (أي مال العير الذي نجا قبل موقعة بدر) على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا.

стр. 794

ولكن الله تعالى أخبرهم بأن هذه النفقة ستكون وبالا عليهم في الدنيا والآخرة، وتصف الآية ذلك، ومعناها: إن الذين كفروا بالله ورسوله يقصدون من الإنفاق صدّ الناس عن اتّباع محمد، وهو سبيل الله تعالى، وحين ينفقون أموالهم تكون عاقبة هذا الإنفاق في النهاية لحرب النبي ﷺ والصدّ عن دينه ندما وحسرة، فكأنها في ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة، أي أنها لا تحقق المقصود، وإنما تؤدي إلى عكسه، وهو الوقوع في الحسرة والندامة، كما قال الله تعالى في شأن صاحب الجنة (البستان) التي أحرقها الله بسبب كفره: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف: ١٨/ ٤٢] لأنه مال ضائع في سبيل الشيطان، ولا يؤدي إلى النصر، وإنما على العكس مصيره إلى الهزيمة، فهم يغلبون وينكسرون، كما قال الله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) [المجادلة: ٥٨/ ٢١] . هذا عذابهم في الدنيا: ضياع المال والهزيمة: وعذابهم في الآخرة: أنهم يساقون إلى جهنم، إذا أصرّوا على كفرهم وماتوا وهم كفار، لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه. أما المسلمون المؤمنون إذا أنفقوا أموالهم في سبيل الله، فيتحقق إما النصر في الدنيا، وإما الثواب في الآخرة، أو الأمران معا وسعادة الدارين. هذه مقارنة واضحة تبين فائدة الإنفاق في سبيل الخير، وضرر الإنفاق في سبيل الشر والشيطان، والله تعالى في قضائه وقدره وعلمه الأزلي كتب النصر للمؤمنين، والهزيمة للكافرين وضياع أموالهم، وإيقاع الحسرة والألم في قلوبهم، ليميز أي يفصل الفريق الخبيث من الفريق الطيب، أي يفرّق بين الفريقين وهما فريق الكافرين، وفريق المؤمنين، أو فريق أهل الشقاء وفريق أهل السعادة، ويجعل الخبيث بعضه متراكما فوق بعض في جهنم، أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

стр. 795

أوضحت الآيتان حصاد أهل الإيمان، فهم بجهادهم الصادق، وعملهم المخلص يتبوءون الدرجات العالية في جنان الخلد، وأهل الكفر والضلال يطوي التاريخ صفحتهم من الوجود، ويعتبرهم مثلا للتخلف والانزواء والضياع في الدنيا، ووقودا للنار في الآخرة، بسبب سوء أعمالهم وقبح أفعالهم، ومقاومتهم رسالة الحق والخير والإصلاح. الترغيب في الإيمان إن من الخطأ الكبير أن يتعجل المصلحون عقاب المنحرفين، ويتجهموا في وجههم ويتنكروا لهم، ولكن الحكمة والمصلحة أنه لا بد من الصبر والحلم، والعفو والصفح، والترغيب والتشويق، ليقبل الناس على الخير عن طواعية واختبار. وهذا الاتجاه هو الذي سلكه القرآن في تربية الدعاة إلى الله والإسلام، حيث رغّب غير المؤمنين بالإيمان بوسائل مختلفة، وفتح لهم باب الرحمة الواسعة والفضل الكبير، بتجاوز الماضي والعفو عن السيئات السابقة، فقال الله تعالى مقررا هذا المنهج التربوي الأصيل: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) «١» «٢» [الأنفال: ٨/ ٣٨- ٤٠] . هذا أمر من الله لنبيه ﷺ أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنته ألفاظ

стр. 796

قوله سبحانه: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ والمقصود: قل أيها الرسول للذين كفروا كأبي سفيان وأصحابه القرشيين: إن ينتهوا عما هم فيه من الكفر والمقاومة والعناد ومعاداة الإسلام ونبيه، ويدخلوا في الإسلام ويؤمنوا حق الإيمان، يغفر لهم ما قد سبق من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» وفي حديث صحيح آخر: أن رسول الله ﷺ قال: «الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها» . فإن عاندوا وأصروا على الكفر، خسروا الدنيا والآخرة، لذا حذرهم الله وأعلمهم أنهم إن يعودوا إلى حظيرة الكفر والصد عن سبيل الله والعناد وقتال أهل الحق والإيمان، ويستمروا على ما هم عليه، طبّقت عليهم سنة الله المطردة في الأمم السابقة وهي تدمير وإهلاك المكذبين السابقين الذين كذبوا الأنبياء وتحزبوا ضدهم، كما حدث لقريش يوم بدر وغيره، وظهر وعد الله القائل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) [غافر: ٤٠/ ٥١] . إذا لم ينفع الترغيب جاء الوعيد الشديد بالدمار لكل من عتا وتكبر، وبغى وتجبر. إن أولئك الذين بقوا متحصنين في خندق الكفر ولم تنفعهم الموعظة والكلمة الطيبة جديرون بالعقاب وهو القتال، لذا أمر الله بقتالهم إذا أصروا على كفرهم، فقال سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ.. أي وقاتلوا أيها المسلمون قتالا عنيفا أعداءكم المشركين المعاندين، حتى لا يبقى شرك أبدا، والفتنة هي الشرك كما قال ابن عباس وغيره، وحتى لا يعبد إلا الله وحده، ولا يفتن مؤمن عن دينه، ويخلص التوحيد لله، فتعلن كلمة: لا إله إلا الله، وتمتد ظلال الحرية في آفاقها،

стр. 797

ويتمكن الناس من النظر الطليق والفكر الحر غير المقيد بما يحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة، وهذا تحديد دقيق للغرض من القتال: وهو التمكين من حرية التدين، وإزالة حواجز الفكر، وقيود الظلم والاضطهاد، فلا يكره أحد على ترك عقيدته، وإنما يكون قبوله الإسلام عن طواعية وحرية واختيار، عملا بالتوجيه القرآني: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢/ ٢٥٦] . فإن انتهوا عن الكفر وعن قتال المؤمنين والدعاة إلى الله، فكفّوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم، فإن الله بما يعملون بصير، أي فإن الله عليم بأعمالهم، يجازيهم عليها بحسب علمه. وإن تولوا وأعرضوا عن سماع دعوتكم، ولم ينتهوا عن كفرهم، فلا تعتنوا بأمرهم، واعلموا أن الله متولي أموركم وناصركم أيها المؤمنون، فلا تبالوا بهم، ومن كان الله مولاه وناصره، فلا يخشى شيئا، إنه نعم المولى ونعم النصير، فلا يضيع من تولاه، ولا يغلب من نصره الله، ولكن نصر الله مرهون بأمرين: الأول- الإعداد المادي والمعنوي للجهاد كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٨/ ٦٠] . والثاني- نصرة دين الله وتطبيق شرعه وتنفيذ أحكامه، كما قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) [محمد: ٤٧/ ٧] . كيف كانت تقسم الغنائم ؟ كانت الجيوش في الماضي غير نظامية، تعتمد على التطوع بالجهاد بالنفس والمال والسلاح، فكان المجاهد هو الذي يعدّ فرسه وسلاحه وينفق على نفسه أثناء الجهاد مع الأعداء، وكان هذا الوضع مستمرا في العصور الإسلامية حيث كان القتال بما يسمى اليوم بالسلاح الأبيض. فكان من العدل وضرورة التعويض والمكافأة أن يأخذ

стр. 798

المجاهدون أربعة أخماس الغنائم الحربية، ويوزع الخمس على خمسة أصناف من غير المجاهدين هم جزء من الأمة، والأمة الإسلامية متعاونة فيما بينها في السراء والضراء، قال الله تعالى مبينا حكم الغنيمة: وهي ما أخذ من الأعداء عنوة، والفيء ما أخذ صلحا: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤١] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) «١» [الأنفال: ٨/ ٤١] . أبان الله تعالى في مطلع سورة الأنفال أن حكم الغنائم أو الأنفال لله تعالى يحكم بها بمقتضى الحكمة والعدل، ويقسمها الرسول ﷺ على ما أمره الله تعالى به. وجاءت هذه الآية في السورة نفسها مفصّلة لحكم الغنائم التي اختص الله هذه الأمة بإباحتها، أما قبل ذلك فكانت الغنائم لا تحل للمقاتلين، وإنما تنزل نار من السماء فتحرقها، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» . وحكم الغنائم في شريعتنا أنها تقسم أخماسا، فيجعل الخمس لمن ذكرتهم هذه الآية، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين المقاتلين كما أوضحت السنة النبوية فيما رواه الشافعي وابن أبي شيبة: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» . والغنيمة: هي ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال الأعداء المشركين على سبيل القهر أو العنوة. والراجح أن خمس الغنائم كان يقسم بموجب هذه الآية على خمسة أصناف. وقوله

стр. 799

سبحانه: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ افتتاح كلام للتبرك وتفخيم الأمور بذكر اسم الله وتعظيمه، وبحسب أمره وتفويضه شأن القسمة لرسوله، لأن كل شيء مفوض لله، فهو يحكم بما يشاء، ولله كل الدنيا والآخرة. والأصناف الخمسة المذكورة في الآية هي ما يأتي: ١- سهم الرسول ﷺ ، يضعه حيث يشاء في سبيل الله. ٢- سهم ذوي القربى: أي قرابة الرسول ﷺ ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل. ٣- سهم اليتامى: وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم في سن الصغر، واليتم في بني آدم من قبل الآباء، وفي البهائم: من قبل الأمهات. ٤- سهم المساكين: وهم أهل الحاجة من المسلمين. ٥- ابن السبيل: وهو المجتاز سفرا قد انقطع به في الطريق، واحتاج إلى المال، سواء كان غنيا في بلده أو فقيرا، فإنه ابن السبيل، يسمى بذلك لملازمته السبيل. والتوزيع لهؤلاء الأصناف الخمسة مثل واضح لتضامن الأمن من أجل تحقيق التكافل الاجتماعي بين المؤمنين. وهؤلاء أهم من يدفع إليهم، وللإمام بالإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إن رأى ذلك. وأربعة أخماس ما غنم يقسمه الإمام الحاكم على الجيش، حينما كان الجهاد تطوعا، وأما اليوم بعد تكوين الجيوش النظامية ودفع رواتب شهرية دائمة للجنود والضباط، فإن الغنائم الحربية تكون من حق الدولة. ثم قال الله تعالى بعد بيان مصرف خمس الغنيمة: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ أي امتثلتم ما شرعنا لكم من اقتطاع الخمس للمحتاجين إن كنتم آمنتم بالله واليوم

стр. 800

الآخر، واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية إن صدقتم بالله وبما أنزله على رسوله يوم بدر الذي سمي بيوم الفرقان، أي يوم الفرق بين الحق والباطل، بإعزاز الإسلام وإذلال الشرك، فنصرنا المؤمنين يوم التقى الجمعان، أي فريقا المسلمين والكافرين، لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول قتال شهده الرسول ﷺ ، وهو يوم الوقعة التي قتل فيها صناديد قريش ببدر، والله على ذلك وغيره قادر مقتدر، يقدر على نصركم وأنتم قلّة، ولا يمتنع عليه شيء أراده، وينجز وعده لرسوله. والمقصود من هذه الآية التحذير من تجاوز حدود الله في أي وقت، وليس المراد أخذ العلم فقط، بل العلم المقترن بالعمل والاعتقاد. والإيمان الحق بالله والرسول والمنزّل عليه وباليوم الآخر من دواعي العلم بأن لله حق التصرف في الأشياء، وله تفويض قسمة الغنائم وغيرها إلى رسوله لأن النصر من عند الله، وهو صاحب التشريع، يفعل ما يشاء بمقتضى الحكمة والمصلحة العامة. فضل الله على المسلمين بنصرهم يوم بدر إن من مقتضيات الأمانة ووحدة تاريخ المسلمين أن تظل الأمة تشعر بارتباطها الوثيق بالماضي ليكون عدة للحاضر والمستقبل، فتعلم مدى أفضال الله على الفئة القليلة المؤمنة في صدر الإسلام، حيث نصرها ربها على الفئة الكثيرة الباغية الكافرة، ولا حجر على فضل الله، فإنه سبحانه يجدد منح هذا الفضل في كل زمان إذا كانت الأمة صامدة مجاهدة، صابرة قوية، عازمة على انتزاع النصر من الأعداء، مخلصة في القول والعمل، وهذه صفحة مشرفة تذكرنا بما تم من نصر يوم معركة بدر الكبرى، في قول الله تعالى:

стр. 801

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) «١» «٢» «٣» [الأنفال: ٨/ ٤٢- ٤٤] . يذكّرنا الله بالنعم العظيمة التي أمدنا بها، فاذكر أيها النبي حين التقى المؤمنون والمشركون في بدر، ذلك اللقاء الحاسم، واشكروه على نصره إياكم فيه، حينما كنتم في مواجهة رهيبة مع الأعداء، إذا كنتم معشر المسلمين في العدوة الدنيا، أي في شفير أو جانب الوادي القريبة من المدينة، الذي يتعذر المشي فيه، لأنها أرض رملية تسيخ فيها الأقدام، والمشركون نازلون في العدوة القصوى، أي في جانب الوادي الأخرى، البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، وهي قريبة من الماء، ووادي بدر آخذ بين الشرق والقبلة منحرف إلى البحر، والركب أي عير أو قافلة أبي سفيان المحملة بالتجارة المحروسة بأربعين من قريش أسفل منكم، أي مما يلي جانب البحر أو ساحله، ولو تواعدتم أنتم والمشركون في مكان للقتال، لاختلفتم في الميعاد، خوفا من القتال، لقلتكم وقوة أعدائكم في العدد والعدد، ولكن تلاقيكم عن غير موعد ولا رغبة في القتال، ليقضي الله ما أراد بقدرته وحكمته وعلمه من إعزاز الإسلام ونصر أهله، وإذلال الشرك وخذلان أهله، ولينفذ ويحقق الله أمرا كان مبرما وواجبا أن يفعل، وهو نصر أوليائه المؤمنين، وقهر أعدائه الكافرين من بعد ذلك اللقاء، فيزداد المؤمنون إيمانا، وامتثالا لأمر الله، ويظهروا الشكر له.

стр. 802

وكان لهذا اللقاء أثر آخر على المدى البعيد، وهو أن يموت من يموت من الكفار عن حجة بينة عاينها بالبصر، تثبت حقيقة الإسلام، ويعيش من يعيش من المؤمنين عن حجة، شاهدها بإعزاز الله دينه، لئلا يكون له حجة ومعذرة، أو ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم ببيان من الله وإعذار بالرسالة، ويحيا أيضا ويعيش من عاش عن بيان منه أيضا، وإعذار لا حجة لأحد عليه، فالهلاك والحياة- على هذا التأويل- حقيقتان، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي ترسخ الإيمان، وتدفع إلى صالح الأعمال، وإن الله لسميع عليم، أي لا يخفى عليه شيء من أقوال الكافرين والمؤمنين، ولا من عقائدهم وأفعالهم، فهو سبحانه سميع لما قاله الكافرون، وعليم بأحوالهم، وسميع لدعاء المؤمنين وتضرعهم واستغاثتهم، وعليم بهم وبأنهم يستحقون النصر على أعدائهم، ويجازي كلا بما يسمع ويعلم. واذكر أيها النبي فضلا آخر، إذ يريك الله الكفار في منامك قليلا، أي ضعفاء، فتخبر أصحابك بذلك، فتثبت قلوبهم، وتطمئن نفوسهم، ولو أراكهم كثيرا، أي أقوياء في الواقع لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، وتنازعتم في شأن القتال، فمنهم القوي الإيمان والعزيمة، ومنهم الضعيف الذي يخشى لقاء العدو. ولكن الله سلّم من ذلك الفشل (الجبن) والتنازع، بأن أراكهم قليلا، إنه تعالى عليم بذات الصدور، أي بما تخفيه الصدور، وتنطوي عليه النفوس من شعور الضعف والجزع الذي يؤدي إلى الإحجام عن القتال، وعليم بالإيمان والكفر، فيجازي بحسب ذلك. واذكر أيها الرسول والمؤمنون الوقت الذي يريكم الله الكفار قبل القتال عددا قليلا، في رأي العين المجردة، حتى تجرأتم وارتفعت معنوياتكم، ويجعلكم بالفعل قلة في أعين الكفار، فيغتروا ولا يعدّوا العدة لكم، حتى قال أبو جهل: «إنما أصحاب محمد أكلة جزور، خذوهم أخذا، واربطوهم بالحبال» .

стр. 803

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي فعل الله كل ذلك ليمهد للحرب، فتكون سبيلا في علمه تعالى لنصرة المؤمنين وإعزاز الإسلام، وهزيمة الكافرين وإذلال الكفر والشرك، ثم إلى الله مصير الأمور ومردها. آداب القتال وقواعده يتطلب القتال التقيد بقواعد وآداب معينة كثيرة، لتحقيق النصر، والعز، ولأنه موقف حاسم حساس يحتاج لضوابط لها أهميتها في الموقف القتالي، وآثارها في صفوف المقاتلين، ومن المعلوم أن القرآن الكريم ليس كتابا دينيا فحسب، وإنما هو دستور رصين متين في العقيدة والعبادة، والأخلاق والأنظمة، والسلم والحرب، لذا اشتملت توجيهاته على وصايا حكيمة، ومبادئ قويمة في الجهاد، فقال الله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) «١» «٢» [الأنفال: ٨/ ٤٥/ ٤٧] . هذه طائفة من الإرشادات والوصايا الإلهية تعدّ من ركائز قواعد القتال وأسسه الضرورية النابعة أصالة من وعاء الإيمان، لذا افتتحت بخطاب المؤمنين المصدقين بالله ورسوله، حتى وإن كانوا قلائل ضعفاء، والإيمان يمنح القوة ويرفع المعنويات، أما الكفر فشأن أهله الجبن وضعف المعنويات، حتى وإن انتصروا أحيانا. وسبب نزول الآيات فيما رواه الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: لما

стр. 804

خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا ... وأول هذه القواعد الحربية: الثبات أمام الأعداء، فإذا حاربتم أيها المؤمنون أعداءكم والتقيتم معهم في ميدان القتال، فالواجب عليكم أن تثبتوا في قتالهم، وتصمدوا للقائهم، وإياكم والفرار من الزحف، فالثبات فضيلة وركيزة أساسية، والفرار كبيرة موجبة للعقاب. ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . والقاعدة الثانية: ذكر الله كثيرا في القلب واللسان، والتضرع والدعاء بالنصر والظفر، لأن النصر لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى، وذكر الله في أثناء القتال يحقق معنى العبودية لله، ويشعر بمعنى الإيمان والتفويض لله والتوكل عليه، ويرفع الروح المعنوية، ويكون عونا على تحقيق النصر، لذا ختمت الآية بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي إن هذا الثبات وذكر الله من وسائل الفوز بالأجر والثواب، والنصر على الأعداء، فإنكم بالثبات والذكر تنالون بغيتكم وتحققون آمالكم. وذكر الله هنا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء مكروه، فأما إن كان من الجميع عند الحملة فحسن يهدئ، ويفت في عضد العدو. روى أبو القاسم الطبراني عن زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة» وكان الصحابة يكرهون الصوت في هذه المواطن الثلاثة. والقاعدة الثالثة: طاعة الله والرسول في كل ما أمر به أو نهى عنه وهذا يستتبع

стр. 805

طاعة القائد لأن الطاعة من أسباب انتزاع النصر في القتال وغيره، فهي وسيلة الانضباط، وتوفير النظام، وقمع الفوضى، وتوقيت الأحداث بحسب ما يناسبها. وإن من أهم قواعد الحرب في العصر الحاضر طاعة القائد، والمعروف لدى العسكريين: (نفّذ ثم اعترض) . والقاعدة الرابعة: وحدة الصف والكلمة والهدف، وترك التنازع والاختلاف، فإن وحدة الصف قوة وصلابة، والتنازع والاختلاف مدعاة للجبن والفشل والخيبة والهزيمة وتضييع القوة. قال الله تعالى في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) [الصف: ٦١/ ٤] . والقاعدة الخامسة: الصبر على الشدائد والمحن وتحمل بأس العدو، فإن الصبر سلاح القوي المقدام، والله يؤيد الصابرين ويعينهم وينصرهم، لذا قيل: «الشجاعة: صبر ساعة» . والقاعدة السادسة: ترك التكبر والبطر: وهو الأشر وغمط النعمة وإهمال شكرها، وترك الرياء، وهو المباهاة والتصنّع بما يراه غيرك، وقد نهى الله المؤمنين عن التشبه بكفار قريش الذين خرجوا متبخترين متكبرين مرائين للقتال في بدر، دفعا للحق، وصدا عن سبيل الله والإسلام، وإظهارا للفخر والاستعلاء بنعمة القوة والغنى والزعامة، ومن أجل مراءاة الناس، أي المفاخرة والتكبر عليهم، يتمثل ذلك في قول أبي جهل، لما قيل له: إن العير (إبل الميرة) قد نجت فارجعوا، فقال: لا والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدا. هذه النصائح التي هي دليل على الإخلاص في النية والعمل تكفل النصر للمسلم أبدا، لذا تقيدت الآية بزجر المؤمنين عن التشبه بخصال الكفار، وذلك في قوله

стр. 806

تعالى: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي عالم بما جاؤوا به ولأجله، فيجازيهم عليه شر الجزاء في الدنيا والآخرة. وهذا وعيد وتهديد لمن بقي من الكفار، وتوضيح بأن القدر نافذ فيمن مضى بالقتل. موقف الشيطان من الكفار تتوالى نعم الله وأفضاله على المؤمنين الصادقين بالإمداد والعون والنصر، وإضعاف موقف العدو وتحطيم معنوياته، وبيان مصائر الأعداء حين القتل أو الموت بسبب سوء ما قدموا من أعمال، وما جنوا من سيئات بوضع العراقيل أمام مسيرة الحق والإيمان، وأساؤوا لأنفسهم وأتباعهم، قال الله تعالى مبينا موقف الشيطان من الأعداء في المعارك: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٨ الى ٥١] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) «١» «٢» «٣» [الأنفال: ٨/ ٤٨- ٥١] . روي أن الشيطان يوم بدر تمثل لكفار قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من

стр. 807

ورائهم، لأنهم قتلوا رجلا منهم، قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن ينهزموا، وهم يقاتلون على دين آبائهم. والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون المواقف المدهشة والعبر من مشاهد يوم بدر، وفي ذلك مشاهد ثلاثة: موقف الشيطان وهو إبليس نفسه كيف وسوس لكفار قريش ثم تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة، وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم قائلين: غرّ هؤلاء دينهم، وحال الكفار حين موتهم حيث تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم. المشهد الأول- أن الشيطان أتى بنفسه لمعسكر قريش بمكة، أو جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم، جاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك من بني بكر، وهو سيد من ساداتهم، وقال لهم: إني مجير لكم، ولن تخافوا من قومي، وهم لكم أعوان على مقصدكم، ولن يغلبكم أحد، فسرّوا عند ذلك، ومضوا لطيّتهم «١» ، وقال لهم: «أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصرا» فلما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، أي رجع هاربا إلى الوراء، أي أحجم، فقال له الحارث: أتفرّ يا سراقة؟ فلم يلو عليه، أي لم يقم معه ولم ينتظره، ودفع في صدر الحارث، وذهب، فوقعت الهزيمة، وقال: إني أرى ما لا ترون من جند الملائكة، وأظهر الخوف من الله قائلا: إني أخاف الله، والله شديد العقاب في الدنيا والآخرة. وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده. هذا موقف الشيطان من كفار قريش. والمشهد الثاني- هو موقف المنافقين من المسلمين: فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض، أي شك ونفاق وحسد وحقد وبطر، قالوا عن المسلمين: اغتر هؤلاء

стр. 808

المسلمون بدينهم، وتقووا به، وظنوا أنهم ينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاث مائة وبضعة عشر إلى لقاء زهاء ألف من قريش، وهذا صحيح في موازين القوى العسكرية الظاهرية في أنظار الناس عادة، ولكنه في ميزان الله وتقديره قد يختلف التقدير، فقد تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة، ولم يعلم المنافقون أن من يتوكل على الله حق التوكل، فهو حسبه وناصره ومؤيده، فإن الله عزيز قوي غالب على أمره، يعز أولياءه، ويذل أعداءه، حكيم في فعله، عليم بخلقه. والمشهد الثالث- حال الكفرة وقت الموت، وهو حال يستدعي التعجب مما حلّ بالكفار يوم بدر، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، إنه مشهد رهيب مذهل لا يوصف، حيث تقوم الملائكة بضرب الكفرة بعنف وسخط، يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وينزعون أرواحهم من أجسادهم بشدة وعنف قائلين لهم: ذوقوا عذاب الحريق، أي عذاب النار في الآخرة، وهو إنذار لهم بذلك العذاب. إن ذلك العذاب الشديد والضرب الأليم بسبب ما قدموا من أعمال سيئة، وارتكبوا من منكرات كالكفر والظلم في الدنيا، وهو جزاء حق وعدل، لا ظلم فيه لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، ولا يظلم أحدا من خلقه، فهو سبحانه، الحكم العدل الذي لا يجور أبدا. الموازنة بين عذاب المشركين وعذاب آل فرعون يعقد القرآن الكريم مقارنة أو موازنة بين ألوان العذاب أو العقاب الذي يوقعه بأهل الضلال والكفر بسبب ما اقترفوا من آثام وسيئات، وهذه مقارنة بين عذاب المشركين المكيين وعذاب آل فرعون لأن الجزاء واحد والأسباب متشابهة، وفي ذلك عبرة للمعتبر، وموعظة لكل عاقل. قال الله تعالى:

стр. 809

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) » [الأنفال: ٨/ ٥٢- ٥٤] . هذه الآيات تدل دلالة واضحة على عدالة الله وقوته وشدة عقابه، فإن الجزاء يكون من جنس العمل، وسنة الله ونظامه واحد في الأقوام، فكما عاقب الله آل فرعون بسبب كفرهم وذنوبهم، عاقب مشركي قريش الذين كذبوا بآيات الله وصدوا الناس عن دين الله، فإن عادة الله واحدة، فما حل بالعذاب بمشركي قريش بسبب كفرهم يشبه ما حل من عذاب بقوم فرعون والأمم المكذبة قبلهم، فجوزي المشركون بالقتل والسبي، كما جوزي من قبلهم بالإغراق أو الزلزال والخسف أو الصيحة أو الريح الصرصر العاتية، من قوم فرعون وآل عاد وثمود وقوم صالح ولوط والمؤتفكات. إن هؤلاء الذين أهلكهم الله كفروا بآيات الله، وكذبوا برسل الله، فأخذهم الله بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر، لأن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، قوي عذابه، شديد عقابه لمن يستحق ذلك بظلمه. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» . ثم أخبر الله تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، فذكر سبحانه: أن ذلك العذاب الناجم عن سوء

стр. 810

العمل في الأقوام الغابرة، وإهلاك قريش بسبب كفرها بأنعم الله عليها، لأن سنة الله وحكمته اقتضت ألا يغير نعمته على قوم، حتى يغيروا ما بهم من الحال، فيكفروا النعمة، ويبطروا بها، فاستحقوا تبديل الأوضاع، كتبديل أهل مكة إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف، إن الله سميع لأقوال المخلوقات قاطبة، ولا سيما مكذبو الرسل، عليم بمن يستحق العقاب وبما يفعلون، فجميع الناس تحت رقابة الله وتصرفه. وفي هذا تبيان واضح أن استحقاق النعم منوط بصلاح العقائد وحسن الأعمال والأخلاق، وأن زوال النعم يكون بسبب الكفر والفساد وسوء الأخلاق، إلا أن يكون الإنعام أحيانا استدراجا لأهل المعصية حتى يقعوا في بؤرة لا نجاة لهم منها، كما قال تعالى في آية أخرى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: ٦٨/ ٤٤] . ثم أكد الله تعالى قانونه العام وسنته المطردة في إهلاك العصاة، وأن سبب العذاب المذكور أولا هو الكفر بآيات الله، أي إنكار الدلائل الإلهية الدالة على وحدانية الله، والسبب الثاني المذكور في الآية التالية هو التكذيب بآيات ربهم، أي إنكار وجوه التربية والإحسان والنعمة، مع كثرتها وتواليها عليهم، فقوله سبحانه: بِآياتِ رَبِّهِمْ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق. لقد أهلك الله تعالى الأمم السابقة العاصية بذنوبهم، وأغرق آل فرعون بكفرهم وضلالهم، وكان كل من مشركي قريش وآل فرعون ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء، وأن الله أهلكهم بسبب ظلمهم وذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، أي كانوا هم الظالمين الذين عرّضوا أنفسهم لعذاب الله تعالى، ولا يظلم ربك أحدا.
следующие страницы →