← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تعالى: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي عالم بما جاؤوا به ولأجله، فيجازيهم عليه شر الجزاء في الدنيا والآخرة. وهذا وعيد وتهديد لمن بقي من الكفار، وتوضيح بأن القدر نافذ فيمن مضى بالقتل. موقف الشيطان من الكفار تتوالى نعم الله وأفضاله على المؤمنين الصادقين بالإمداد والعون والنصر، وإضعاف موقف العدو وتحطيم معنوياته، وبيان مصائر الأعداء حين القتل أو الموت بسبب سوء ما قدموا من أعمال، وما جنوا من سيئات بوضع العراقيل أمام مسيرة الحق والإيمان، وأساؤوا لأنفسهم وأتباعهم، قال الله تعالى مبينا موقف الشيطان من الأعداء في المعارك: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٨ الى ٥١] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) «١» «٢» «٣» [الأنفال: ٨/ ٤٨- ٥١] . روي أن الشيطان يوم بدر تمثل لكفار قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من

стр. 807

ورائهم، لأنهم قتلوا رجلا منهم، قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن ينهزموا، وهم يقاتلون على دين آبائهم. والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون المواقف المدهشة والعبر من مشاهد يوم بدر، وفي ذلك مشاهد ثلاثة: موقف الشيطان وهو إبليس نفسه كيف وسوس لكفار قريش ثم تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة، وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم قائلين: غرّ هؤلاء دينهم، وحال الكفار حين موتهم حيث تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم. المشهد الأول- أن الشيطان أتى بنفسه لمعسكر قريش بمكة، أو جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم، جاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك من بني بكر، وهو سيد من ساداتهم، وقال لهم: إني مجير لكم، ولن تخافوا من قومي، وهم لكم أعوان على مقصدكم، ولن يغلبكم أحد، فسرّوا عند ذلك، ومضوا لطيّتهم «١» ، وقال لهم: «أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصرا» فلما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، أي رجع هاربا إلى الوراء، أي أحجم، فقال له الحارث: أتفرّ يا سراقة؟ فلم يلو عليه، أي لم يقم معه ولم ينتظره، ودفع في صدر الحارث، وذهب، فوقعت الهزيمة، وقال: إني أرى ما لا ترون من جند الملائكة، وأظهر الخوف من الله قائلا: إني أخاف الله، والله شديد العقاب في الدنيا والآخرة. وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده. هذا موقف الشيطان من كفار قريش. والمشهد الثاني- هو موقف المنافقين من المسلمين: فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض، أي شك ونفاق وحسد وحقد وبطر، قالوا عن المسلمين: اغتر هؤلاء

стр. 808

المسلمون بدينهم، وتقووا به، وظنوا أنهم ينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاث مائة وبضعة عشر إلى لقاء زهاء ألف من قريش، وهذا صحيح في موازين القوى العسكرية الظاهرية في أنظار الناس عادة، ولكنه في ميزان الله وتقديره قد يختلف التقدير، فقد تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة، ولم يعلم المنافقون أن من يتوكل على الله حق التوكل، فهو حسبه وناصره ومؤيده، فإن الله عزيز قوي غالب على أمره، يعز أولياءه، ويذل أعداءه، حكيم في فعله، عليم بخلقه. والمشهد الثالث- حال الكفرة وقت الموت، وهو حال يستدعي التعجب مما حلّ بالكفار يوم بدر، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، إنه مشهد رهيب مذهل لا يوصف، حيث تقوم الملائكة بضرب الكفرة بعنف وسخط، يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وينزعون أرواحهم من أجسادهم بشدة وعنف قائلين لهم: ذوقوا عذاب الحريق، أي عذاب النار في الآخرة، وهو إنذار لهم بذلك العذاب. إن ذلك العذاب الشديد والضرب الأليم بسبب ما قدموا من أعمال سيئة، وارتكبوا من منكرات كالكفر والظلم في الدنيا، وهو جزاء حق وعدل، لا ظلم فيه لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، ولا يظلم أحدا من خلقه، فهو سبحانه، الحكم العدل الذي لا يجور أبدا. الموازنة بين عذاب المشركين وعذاب آل فرعون يعقد القرآن الكريم مقارنة أو موازنة بين ألوان العذاب أو العقاب الذي يوقعه بأهل الضلال والكفر بسبب ما اقترفوا من آثام وسيئات، وهذه مقارنة بين عذاب المشركين المكيين وعذاب آل فرعون لأن الجزاء واحد والأسباب متشابهة، وفي ذلك عبرة للمعتبر، وموعظة لكل عاقل. قال الله تعالى:

стр. 809

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) » [الأنفال: ٨/ ٥٢- ٥٤] . هذه الآيات تدل دلالة واضحة على عدالة الله وقوته وشدة عقابه، فإن الجزاء يكون من جنس العمل، وسنة الله ونظامه واحد في الأقوام، فكما عاقب الله آل فرعون بسبب كفرهم وذنوبهم، عاقب مشركي قريش الذين كذبوا بآيات الله وصدوا الناس عن دين الله، فإن عادة الله واحدة، فما حل بالعذاب بمشركي قريش بسبب كفرهم يشبه ما حل من عذاب بقوم فرعون والأمم المكذبة قبلهم، فجوزي المشركون بالقتل والسبي، كما جوزي من قبلهم بالإغراق أو الزلزال والخسف أو الصيحة أو الريح الصرصر العاتية، من قوم فرعون وآل عاد وثمود وقوم صالح ولوط والمؤتفكات. إن هؤلاء الذين أهلكهم الله كفروا بآيات الله، وكذبوا برسل الله، فأخذهم الله بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر، لأن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، قوي عذابه، شديد عقابه لمن يستحق ذلك بظلمه. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» . ثم أخبر الله تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، فذكر سبحانه: أن ذلك العذاب الناجم عن سوء

стр. 810

العمل في الأقوام الغابرة، وإهلاك قريش بسبب كفرها بأنعم الله عليها، لأن سنة الله وحكمته اقتضت ألا يغير نعمته على قوم، حتى يغيروا ما بهم من الحال، فيكفروا النعمة، ويبطروا بها، فاستحقوا تبديل الأوضاع، كتبديل أهل مكة إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف، إن الله سميع لأقوال المخلوقات قاطبة، ولا سيما مكذبو الرسل، عليم بمن يستحق العقاب وبما يفعلون، فجميع الناس تحت رقابة الله وتصرفه. وفي هذا تبيان واضح أن استحقاق النعم منوط بصلاح العقائد وحسن الأعمال والأخلاق، وأن زوال النعم يكون بسبب الكفر والفساد وسوء الأخلاق، إلا أن يكون الإنعام أحيانا استدراجا لأهل المعصية حتى يقعوا في بؤرة لا نجاة لهم منها، كما قال تعالى في آية أخرى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: ٦٨/ ٤٤] . ثم أكد الله تعالى قانونه العام وسنته المطردة في إهلاك العصاة، وأن سبب العذاب المذكور أولا هو الكفر بآيات الله، أي إنكار الدلائل الإلهية الدالة على وحدانية الله، والسبب الثاني المذكور في الآية التالية هو التكذيب بآيات ربهم، أي إنكار وجوه التربية والإحسان والنعمة، مع كثرتها وتواليها عليهم، فقوله سبحانه: بِآياتِ رَبِّهِمْ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق. لقد أهلك الله تعالى الأمم السابقة العاصية بذنوبهم، وأغرق آل فرعون بكفرهم وضلالهم، وكان كل من مشركي قريش وآل فرعون ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء، وأن الله أهلكهم بسبب ظلمهم وذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، أي كانوا هم الظالمين الذين عرّضوا أنفسهم لعذاب الله تعالى، ولا يظلم ربك أحدا.

стр. 811

وكان عذاب مشركي قريش مقصورا على القتل والسبي وسلب النعمة، وأما عذاب من قبلهم، فكان عذاب استئصال كإغراق آل فرعون، وتدمير قوم عاد بالريح العاتية، وإهلاك قوم ثمود بالصيحة الشديدة وهي الطاغية. حال الذين ينقضون المعاهدات إن الكلمة التي يلتزم بها الإنسان عهد وميثاق، وشرف وكرامة، وإنسانية سامية وحضارة عريقة وثقة بالذات، فإذا ما نقض الإنسان عهده وخان التزامه ولم يوف ببنود العهد والميثاق كان هابطا عن المستوى الإنساني، بل إن الدواب الذميمة تكون أفضل منه، وقد حكى القرآن الكريم حال بعض الناقضين عهودهم، والكافرين الذين تحتم عليهم بأنهم لا يؤمنون، فقال الله سبحانه: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنفال: ٨/ ٥٥- ٥٩] . نزلت الآية في بني قريظة، قال ابن عباس: إنهم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله ﷺ ، وأعانوا عليه بالسلاح في بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وركب زعيمهم كعب ابن الأشرف إلى مكة، فحالفهم على محاربة النبي ﷺ .

стр. 812

ومعنى الآيات: إن شر ما دبّ على وجه الأرض في حكم الله وعدله هم الذين كفروا ونقضوا العهد، فهم شر خلق الله لا تصافهم بصفتين: الإصرار على الكفر الدائم والعناد، ونقض العهد الذي عاهدوه وأكدوه بالأيمان. ولهم صفة ثالثة هي أنهم لا يتقون الله ولا يخافون منه في شيء ارتكبوه من الآثام، ولا يتقونه في غدرهم ونقض العهد. إنهم كما وصفتهم الآية الكريمة شر من الدواب، لعدم وجود نفع منهم، فهم لا يؤمنون بالله إيمانا صحيحا، وتكرر منهم نقض العهد في كل مرة يعاهدون النبي ﷺ ، وهو لا يتقون الله ربهم ولا يخافون حسابه، ويخرجون عن أحكام الله. هذا حالهم عند الله، وأما من نقض العهد منهم، فإن أمكنتك الفرصة منهم، وصادفتهم أو ظفرت بهم في الحرب، فاضربهم ضربة قاصمة تفرق بها جمع كل ناقض للعهد حتى يخافك من وراءهم من أهل مكة وغيرهم، افعل ذلك بهم لعل من خلفهم يتعظون ويرتدعون بهم. ثم أبان الله حكم من ظهرت منهم بوادر الخيانة ونقض العهد بأمارة من الأمارات، فقال تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أي إن ظهرت أمارات الخيانة ونقض العهد من قوم، فألغ عهدهم، وأعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، وذلك حتى تستوي أنت وهم في العلم بنقض العهد حتى لا يتهموك بالغدر والخيانة. والنبذ: الرمي والرفض. والسواء: المساواة والاعتدال. وحينئذ فإن التزموا السلم لم يتعرض لهم، وإلا حوربوا. وبنو قريظة نقضوا العهد مرتين. إن هذا الإخبار المكشوف بنقض العهد دليل على ثقة المسلمين بأنفسهم، وأنهم يترفعون عن الخيانة والغدر، وأن الغدر حطة ومذلة، والله لا يحب الخائنين، أي يجازيهم على الخيانة.

стр. 813

ثم أنذر الله تعالى الخائنين بما يحل بهم من عقاب، وبيّن حال من فات النبي ﷺ يوم بدر وغيره، لئلا يبقى حسرة في قلب هذا النبي الذي آذوه. ومضمون الإنذار: لا يظنن الذين كفروا أنهم فاتوا وأفلتوا من الظفر بهم. ونجوا من عاقبة خيانتهم، وأنهم فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كما جاء في آية أخرى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ [العنكبوت: ٢٩/ ٤] أي بئس ما يظنون. والمراد بذلك تطمين النبي ﷺ أنه منتقم ممن كفروا وآذوه، وقطع لأطماعهم بالتغلب على المؤمنين، وإنذار لهم بسوء المصير، وتعرضهم لشديد العقاب، فما عليك أيها النبي إلا الصبر، والله مع الصابرين. الإعداد الحربي للعدو وإيثار السلم القرآن الكريم دستور الأمة وهو يعلّمها ويرشدها لضرورة الاستعداد الحربي الدائم لقتال الأعداء، حتى في حال المسالمة والمعاهدة أو الصلح، لأن العدو لا يؤمن جانبه، ويجب الحذر الدائم من أعماله ومخططاته، فإن آثر الحرب كنا مستعدين له، وإن رغب في السلم سالمناه، ويلزم في كل حال الاستعانة بالله إذا راوغ العدو وحاول الخداع، قال الله تعالى مبينا هذه القواعد: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) «١» «٢» «٣»

стр. 814

«١» [الأنفال: ٨/ ٦٠- ٦٢] . تضمنت الآيات قواعد أو مبادئ أربعة مهمة في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، وهي خطاب لجميع المؤمنين: القاعدة الأولى: الاستعداد الدائم لمواجهة الأعداء، بجميع أوجه الإعداد المادي والمعنوي والفني والمالي، بما يناسب كل عصر وزمان، لأن الجيش المقاتل درع البلاد وسياج الوطن، به يدفع العدوان، وتدحر قوى البغي والشر والتسلط، ولا يعقل أن نواجه الأعداء إلا بنفس المستوى الحربي والسلاح المتطور الذي تعتمد عليه الجيوش المحاربة، وبالقوى المماثلة المناظرة عند الآخرين، لذا وردت كلمة قُوَّةٍ نكرة في قوله تعالى: مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وهي تشمل مختلف أنواع القوى البرية والبحرية والجوية، من حيوان وسلاح وألبسة وآلات ونفقات وتقنيات متطورة، ولما كانت الخيول في الماضي هي أصل الحروب وأقوى القوى وحصون الفرسان، خصها الله بالذكر تشريفا لها، وإذا تغيرت الوسائل الحربية، تغير الواجب لإرهاب عدو الله وعدو المؤمنين الظاهر والعدو الخفي الذي نعلمه أو لا نعلمه وإنما يعلمه الله، فالإرهاب سبب الإعداد، وطريق تحصين البلاد وتوفير الأمن والسلامة. والقاعدة الثانية: الإنفاق الضروري للتسليح لأن تحقيق النصر والإعداد الملائم لا يكون إلا بالمال، والإنفاق السخي هو سبيل توفير الأموال، وفيه ثواب عظيم عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، سواء كان المال قليلا أو كثيرا في سبيل الله، فقد يجازي الله بعض المؤمنين المنفقين في الدنيا مجازاة مضافة إلى مجازاة الآخرة. وإذا توافر

стр. 815

المال الضروري لكل إعداد ومعركة، أمنت البلاد وأهلها، ولم يقعوا في ظلم الجوار وتسلط الأعداء، وكان للمنفقين في سبيل الله والجهاد الدرجة العليا في الآخرة، قال الله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢/ ٢٧٢] . والقاعدة الثالثة: إيثار السلم، فبعد توافر الإعداد الحربي والاستعداد التام للجهاد إن مال العدو إلى طلب الصلح أو المعاهدة، ورغب في السلم وآثره على الحرب والقتال، فالحكم قبول الصلح حسبما يرى الإمام الحاكم من المصلحة للإسلام والمسلمين، وإذا لم يغتصب العدو بلادنا وديارنا، فإنه في حال الغضب وتوافر القوة لا يجوز إقرار الغاضب على ظلمه، وإبقاء الديار في حوزته وتحت سلطانه، وإذا تم الاتفاق على الصلح، وجب التوكل على الله والثقة به، وتفويض الأمر إليه، دون خوف من مكر العدو وخديعته، فإن الله يحمي المؤمنين من مكيدة العدو أو مكره وغدره في جنوحه إلى السلم، والله سميع لما يقولون، عليم بما يفعلون. وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أمر في ضمنه وعيد. والقاعدة الرابعة: الاعتماد على الله في كل حال: فإن أراد العدو بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، وأظهروا السلم وأبطنوا الغدر والخيانة، فلا تأبه أيها النبي بنياتهم الفاسدة، واجنح إلى السلم، فإن الله كافيك ومؤيدك بالنصر والغلبة، كما يؤيدك المؤمنون المخلصون وهم الأنصار. وهذا وعد محض من الله بالتأييد، وحسن ظن بمؤازرة المؤمنين، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائما أقوياء العزم والعزيمة، ثابتي الجنان، فإن الله معهم بالنصر والمعونة إن نصروا دينه وشرعه، ولا شك أن هذا يقوي الروح المعنوية في الصف الإسلامي والجيش المؤمن، الذي نذر نفسه للجهاد في سبيل الله والحق والعدل وإعلاء كلمة الله، وأرخص النفس والمال النفيس من أجل إعلاء بناء المجد والحفاظ على صرح الإيمان وكيان المؤمنين.

стр. 816

توحيد الأمة وتحريضها على القتال إن من أصعب الأمور الجسام توحيد الأمة وتوجيهها نحو هدف واحد، وكانت هذه المشكلة من أهم القضايا التي واجهها النبي ﷺ في بدء الدعوة الإسلامية، واستطاع بإلهام من الله وحكمة وتوفيق أن يتغلب على هذه المعضلة، وأن يجعل من القبائل العربية أمة موحدة الصف، قوية البنيان، تتجه نحو هدف واحد وعدو واحد، وصف الله تعالى طريق الوصول إلى وحدة الأمة في قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٣ الى ٦٦] وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) «١» [الأنفال: ٨/ ٦٣- ٦٦] . آية التأليف بين قلوب المؤمنين إشارة إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث، فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام، وردهم متحابين في الله، وهذا تذكير بنعمة الله على نبيه ولطفه به، فكما لطف به ربه أولا، فكذلك يفعل آخرا. لقد أيد الله رسوله بجند الإيمان من المهاجرين والأنصار، الذين دافعوا عنه دفاع الأبطال الشرفاء، والله بفضله هو الذي ألف بين قلوبهم، وجمعهم على كلمة الحق والشهادة، وغرس في قلوبهم التحابّ والتوادد بعد العداوة والبغضاء في الماضي الجاهلي، وصار كل تآلف في الله تابعا لذلك التآلف الكائن في صدر الإسلام، روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن مألف، لا خير فيمن

стр. 817

لا يألف ولا يؤلف» . والتشابه في الصفات والأفعال هو سبب الألفة، فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه. وكان التأليف بفعل الله، فلو أنفقت أيها النبي جميع ما في الأرض من أموال، ما استطعت تأليف قلوب العرب، وجمع كلمتهم، ولكن الله بهدايتهم للإيمان، وتوحيدهم على طريق سوي، حقق التأليف بينهم بقدرته وحكمته، إن الله قوي لا يغلب، حكيم في أفعاله. ومعلوم أن من أهم أسباب النصر هو التآلف واتحاد الكلمة. ولم يقتصر التأليف على تسوية المنازعات الجاهلية القديمة، وإنما شمل تسوية المنازعات الناشئة بعد الإسلام، كالخلاف في شأن قسمة الغنائم. وكما وعد الله رسوله بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في جميع الحالات في الدين والدنيا، لذا أخبر الله سبحانه بأنه كاف نبيه كل ما يهمه من شؤون وناصره ومؤيده على أعدائه، وإن كثرت أعدادهم وتزايدت أمدادهم، وكان عدد المؤمنين قليلا وعدتهم ضعيفة. ويؤيده أيضا أتباعه المؤمنون الذين بايعوه على الإيمان والجهاد والدفاع عنه وعن الإسلام. وقد نزلت آية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. ولكن توحيد الأمة وإن كان أساس القوة وبناء الجبهة الداخلية، فعليك أيضا أيها النبي أن تحرّض المؤمنين على القتال، ولما كان المؤمنون قلة في صدر الإسلام، أمر الواحد منهم أن يثبت في الحرب أمام عشرة من الكفار، فإن يكن منكم عشرون صابرون في القتال، ثابتون في مواقعهم، يغلبوا بإيمانهم وصبرهم وفقههم مائتين من الأعداء، ليست عندهم هذه الخصال الثلاث، وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفا من الكفار، والسبب في هزيمتهم أنهم قوم جهلة لا يدركون حكمة الحرب، كما يدركها المؤمنون، فهم إنما يقاتلون بقصد مجرد التفوق والاستعلاء، والمؤمنون

стр. 818

يقاتلون لإعلاء كلمة الله، من إصلاح العقيدة، والتطهر من الوثنية، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، وإظهار العبودية لله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم خفف الله عن المؤمنين، فأمر الواحد منهم أن يثبت أمام اثنين من الأعداء، والمعنى: الآن خفف الله عنكم لمرتبة أقل من المرتبة الشديدة الأولى، فإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله وقوته ومشيئته، والله دائما مع الصابرين بالمعونة والتأييد والرعاية. وسبب النزول ما رواه البخاري وابن إسحاق عن ابن عباس قال: لما نزلت: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ شقّ ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفرّ الواحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ.. الآية. قال: فلما خفف الله عنهم من العدّة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. أحكام الأسرى تحتاج كل دولة في بدء تكوينها إلى بعض الأحكام الانتقالية الصارمة، لتثبيت وجودها ومنعتها وإظهار هيبتها وقوتها، فيرهبها العدو، ولا يطمع بها الصديق، ويخضع لها أتباعها في الداخل دون تباطؤ أو محاولة التهرب من سلطانها أو تنفيذ أوامرها، وهذا ما احتاجه المسلمون في مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية، وإشادة الدولة في المدينة المنورة، وذلك بالنسبة لمعاملة أسرى العدو، بعد أول معركة حاسمة، سميت يوم الفرقان وهو يوم بدر الكبرى، قال لله تعالى مبينا هذه المعاملة: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٧١] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) «١» «٢»

стр. 819

«١» [الأنفال: ٨/ ٦٧- ٧١] سبب نزول هذه الآيات يظهر فيما رواه الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك قال: استشار النبي ﷺ في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال: نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) الآيات. هذه الآيات في رأي ابن عطية معاتبة من الله لأصحاب نبيه ﷺ . والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان (الإكثار في القتل) والإخبار هو لهم، ولذلك استمر الخطاب ب تُرِيدُونَ والنبي ﷺ لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب. ودخل النبي ﷺ في العتاب حين لم ينه عن ذلك، وعذره أنه كان مشغولا بظهور النصر، فترك النهي عن استبقاء الأسرى. والرأي عند كثير من المفسرين: أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على النبي ﷺ بأخذ الفدية، كما ذكر في سبب النزول المتقدم. وعلى كل حال، فإن معنى الآيات في الظاهر: ما صح لنبي وما استقام له الأمر

стр. 820

باتخاذ الأسرى حتى يكثر القتل في الكفار ويبالغ فيه، لإظهار عزة الإسلام والمسلمين، وإرهاب الدولة أعداءها، واشتداد أمرها، فلا يتجرأ عليها أحد، ولا يتجسس عليها أحد من الأسرى العائدين لديارهم بفداء مالي. فالذين يرون قبول الفداء المالي إنما يريدون الحصول على عرض الدنيا، أي منافعها وأمتعتها، والله يريد لكم ثواب الآخرة الدائم، وما يؤدي إلى الجنة من أحكام زاجرة لإعزاز الدين وإرهاب الأعداء، وإعلاء كلمة الحق والعدل، وإقامة النظام الأصلح للبشرية، والله قوي يغلّب أولياءه على أعدائه، ويمكنهم منهم قتلا وأسرا، حكيم في أفعاله وأوامره، يشرع لكل حال ما يليق به ويخصه به. لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح- وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده- لنالكم أيها المؤمنون فيما أخذتم من الفداء يوم بدر عذاب عظيم وقعة، وفي هذا تهويل خطر ما فعلوا. وبعد هذا العتاب الإلهي على أخذ الفداء، أباح الله تعالى للمسلمين الانتفاع بالغنائم الحربية وهي الفدية المالية وغيرها، حال كون الشيء المغنوم حلالا طيبا بنفسه، لا حرمة فيه لذاته. واتقوا الله في مخالفة أوامره، ولا تعودوا لشيء من المخالفة، إن الله غفور للذنوب ومنها أخذ الفداء، رحيم بكم بإباحته لكم ما أخذتم، وقبوله التوبة عن عباده. ثم أمر الله نبيه أن يخاطب الأسرى بقوله استمالة لهم وترغيبا لهم في الإسلام: إن يعلم الله في قلوبكم الآن أو في المستقبل خيرا، أي إيمانا وإخلاصا وتوبة عن الكفر وجميع المعاصي، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما كان منكم من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب من معاصيه، رحيم بالمؤمنين، فهو يمدهم بعونه وتوفيقه، وفي هذا حضّ على إعلان الإسلام وقبول دعوته.

стр. 821

وأما هؤلاء الأسرى فإن يريدوا خيانتك أيها النبي بإظهار الإسلام والمسالمة، ثم نقض ما عاهدوك عليه، فلا تخف خيانتهم، فإنهم قد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، فأمكنك منهم يوم بدر، وإن عادوا إلى الخيانة فسيمكّنك الله منهم، ويسلّطك عليهم فتهزمهم، والله عليم بنواياهم، حليم في تدبيره وصنعه، فينصر المؤمنين على الكافرين. الروابط الإسلامية استأصل الإسلام منذ فجر دعوته الإصلاحية الكبرى كل المعاني والروابط القبلية والعنصرية والعرقية، وأحل محلها روابط أخلد وأقوى وأمتن، وهي روابط الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة وقرابة النسب أو الدم، وكان المسلمون في صدر الدعوة الإسلامية أصنافا أربعة في مواجهة الأعداء وهم: ١- المهاجرون الأولون قبل معركة بدر وقبل صلح الحديبية. ٢- الأنصار: أهل المدينة الذين آووا إخوانهم المهاجرين ونصرهم. ٣- المؤمنون الذين لم يهاجروا. ٤- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية. وهذا التصنيف هو ما ذكرته أواخر سورة الأنفال في قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٢ الى ٧٥] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)

стр. 822

«١» [الأنفال: ٨/ ٧٢- ٧٥] . نزلت آية: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.. فيما روى الطبري وغيره في رجل قال: «نورّث أرحامنا المشركين» . ونزلت آية وَأُولُوا الْأَرْحامِ فيما روى الطبري أيضا في إلغاء التوارث بالتعاقد والولاء، فكان الرجل يعاقد الرجل فيقول له: ترثني وأرثك. ومقصد هذه الآيات تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا، والكفار، والمهاجرين بعد صلح الحديبية، وبيان نسب بعضهم من بعض، حيث أحلّ الله قرابة الإسلام محل قرابة النسب والكفر، فقدم الله تعالى التنويه بالمهاجرين من مكة إلى المدينة، وهم أصل الإسلام، واتصفوا أي المهاجرون بصفات أربع: صفة الإيمان الصادق بالله ورسوله، والهجرة في سبيله من أوطانهم، والجهاد بالمال والنفس والنفيس في سبيل الله، وأولية الإقدام على هذه الأفعال. وهم أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية سنة ست من الهجرة، فهم الأفضل والأكمل في الإسلام، لأنهم خرجوا من ديارهم وأموالهم، وتركوها في مكة، وجاؤوا لنصرة الله ورسوله وإقامة دينه، وفروا بدينهم من فتنة المشركين، إرضاء لله تعالى ونصرا لرسوله ﷺ ، جاهدوا بأموالهم فأنفقوها في التعاون والدفاع عن دين الله، وجاهدوا بأنفسهم، فقاتلوا الأعداء، وصبروا على الأذى والشدائد.

стр. 823

ويأتي الأنصار في المرتبة الثانية بعد المهاجرين، فهم آووا الرسول والمهاجرين ونصروهم وأيدوهم، وقاتلوا معهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل مرضاة الله. واستحق المهاجرون والأنصار أن يوصفوا بأن بعضهم يتولى أمر البعض الآخر، كما يتولى أمر نفسه، ويكون كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة، لذا آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، وكانوا يتوارثون بهذا الإخاء المقدم على قرابة النسب، حتى تقوى المهاجرون بالتجارة وغيرها، فنسخ الله تعالى ذلك بآيات المواريث في سورة النساء. ثم ذكر الله تعالى الصنف الثالث وهم المؤمنون الذين لم يهاجروا، وظلوا مقيمين مع المشركين في أرض الشرك في مكة قبل الفتح، وهؤلاء لا يجب على المسلمين مناصرتهم حتى يهاجروا إلى المدينة. وإذا طلبوا المناصرة على الأعداء، فينصرون إلا إذا كان الكفار المعادون معاهدين، فيجب الوفاء بعهدهم لأن الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة، والله عليم مطلع على جميع الأعمال، فيجب التزام حدود الله وترك مخالفة أوامره. وكان الكفار صفا واحدا في مواجهة المؤمنين، فلا توارث بين الفريقين، ويلزم احترام أحكام شرع الله، فإن لم تفعلوا أيها المؤمنون ما شرع الله لكم من موالاة المسلمين ومناصرتهم، تحصل فتنة عظيمة في الأرض: هي ضعف الإيمان وقوة الكفر، ويحصل فساد كبير: وهو سفك الدماء. وهذا يتطلب تماسك المؤمنين في مواجهة أعدائهم. والمؤمنون والمهاجرون والمجاهدون والأنصار هم أهل الإيمان الحق لهم مغفرة من ربهم ورزق وافر كريم في الجنة، وهو الدائم الذي لا ينقطع أبدا. والصنف الرابع: هم الذين آمنوا وهاجروا بعد صلح الحديبية، وهم مع المؤمنين ومن المؤمنين، في الموالاة والتعاون والتناصر والفضل والجزاء، لكنهم في المرتبة دون السابقين الأولين من أهل الإيمان.

стр. 824

ثم ذكر الله تعالى ولاية الرحم والقرابة بعد ولاية الإيمان والهجرة، أي إن رابطة القرابة في الدم والنسب تكون سببا للتوارث والتناصر، وصارت هي المقدمة على رابطة الهجرة في عهدها السابق، وذلك في حكم الله الذي كتبه على عباده المؤمنين، والله عليم بكل الأشياء، ومحيط علمه بكل شيء من مصالح الدنيا والآخرة، وما على المؤمنين إلا الطاعة، فإن أخوة النسب والدم والإيمان صارت أخيرا سببا للتوارث، وإن كانت الأخوة في الله أولى وأحكم، وأبقى وأخلد. ووجب بهذه الآية الأخيرة آية أولي الأرحام: أن يرث الرجل قريبه وإن لم يكن مهاجرا معه.

стр. 825

تفسير سورة التوبة نقض عهود المشركين اختصت سورة التوبة أو سورة براءة المدنية النزول بترك البسملة في أولها لأنها نزلت في السنة التاسعة من الهجرة في غزوة تبوك لرفع الأمان ونقض العهود مع المشركين بسبب نقض الكثيرين منهم عهودهم مع النبي ﷺ . قال علي بن أبي طالب لابن عباس ﵄: بسم الله الرحمن الرحيم (١) أمان وبشارة، و (براءة) نزلت بالسيف ونبذ العهود، فلذلك لم تبدأ بالأمان. قال الله تعالى: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٤] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [التوبة: ٩/ ١- ٤] . كان النبي ﷺ والمسلمون عاهدوا المشركين العرب من أهلة مكة وغيرهم في صلح الحديبية سنة ست هجرية، ثم بادر المشركون إلى نقض العهد إلا بني ضمرة وبني

стр. 826

كنانة، فأمر الله تعالى بإعلان انتهاء المعاهدات مع المشركين الناكثين عهودهم، وإمهالهم أربعة أشهر ليسيروا أين شاؤوا، فإذا انتهت هذه المدة وانقضت الهدنة قاتلوهم في أي مكان. هذه الآية حكم من الله بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله ﷺ ، وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم بوادر نقض العهد. واستمر حكم العهد والميثاق مع المشركين الذين لم ينقضوا العهد. ومعنى الآية: تبرؤ وتخلص صادر من الله ورسوله واصل إلى الذين عاهدتم من المشركين، ونسبت البراءة إلى الله والرسول لأنها تشريع جديد من الله، وأمر لرسوله بتنفيذه. والمقصود: أن الله في حكمه وشرعه بريء من عهود المشركين وأديانهم براءة عامة تقتضي المحاربة وإعمال السيف، بعد أن رفضوا أمان الإسلام، ونقضوا عهدهم مع المسلمين. وبادر النبي ﷺ إلى إعلام المشركين بنقض العهد، فأمّر أبا بكر في السنة التاسعة على إمارة الحج، وقام علي ﵁ بإعلام الناس يوم عرفة بهذه الآية، إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى الرسول أنه لم يعلم الناس بالإعلان، فتتبعهم بالأذان بهذه الآية وإعلامهم بها يوم النحر، وبعث أبو بكر مع علي من يعينه بذلك كأبي هريرة ﵁ وغيره، فأعلموهم بها في أسواق العرب كذي المجاز وغيره، وحددت لهم مدة الهدنة بأربعة أشهر وهي عشرون من ذي الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر. وكان تحديد هذه المدة ليفكروا في أمرهم، فيختاروا إما الإسلام وإما القتال. وأنذرهم الله بأن يعلموا علم اليقين أنهم لن يفلتوا من عذاب الله بالهرب والتحصين إن بقوا على الشرك وعداوة الإسلام، وأن الله مخزيهم، أي مذلهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب في النار. وتضمنت الآية إعلان براءتين: البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والناقضين العهد

стр. 827

منهم، والبراءة الثانية المعبر عنها بالأذان من الله ورسوله عامة لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث عهده من المعاهدين ومن لم ينكث، وكان إعلان البراءتين يوم الحج الأكبر وهو يوم عرفة، حيث وقع أول الأذان أي الاعلام، ثم يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان. وصيغة الإعلان هي كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: «ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» وقال علي أيضا: «ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر، وأن يتم إلى كل ذي عهده عهده» . ثم أكد الله تعالى الاعلام أو التبليغ الفوري فقال: فَإِنْ تُبْتُمْ.. أي فإن تاب المشركون بعد هذا الإعلان عن الشرك فهو خير لهم، أي أنفع لهم في الدنيا والآخرة، وإن تولوا عن الإيمان وأعرضوا عن الإسلام، فليعلموا أنهم غير معجزي الله، أي غير فائتي عذابه، فإنهم لن يفلتوا منه، فإنه محيط بهم، ومنزل عقابه عليهم، ولا طاقة لهم بحرب الله في الدنيا، وأمر النبي أن يبشرهم- على سبيل التهكم- بعذاب مؤلم شديد في الآخرة. ثم استثنى الله تعالى من مدة الأربعة الأشهر أصحاب العهود المؤقتة بمدة معينة، فإن عهدهم ينتهى بانتهاء المدة التي عوهدوا عليها، فهؤلاء تحترم عهودهم، ما داموا لم يخلّوا بشيء من شروط العهد، ولم يعاونوا على المسلمين عدوا، كبني ضمرة وبني كنانة، لأن الله يحب المتقين، أي الموفين بعهدهم. قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتم إليهم عهدهم.

стр. 828

قتال مشركي العرب وأمانهم أوجب الله تعالى على المؤمنين قتال مشركي العرب في أي مكان إذا لم يؤمنوا لأنهم عدة الإسلام وقاعدته، ومنطلق الدعوة الإسلامية إلى الناس قاطبة وعليهم مسئولية تبليغ الرسالة الإلهية، فإما أن يكونوا على مستوى المسؤولية أو يبادوا، ويتحمل الأمانة جيل آخر يكون أقدر على فهم الواجب والتفاعل مع متطلبات المهام الكبرى المنوطة بهم، وقد فتح الله باب الأمل أمامهم، فسمح لهم بالمجيء إلى ساحة القرآن والوحي الإلهي ليفكروا فيما أنزل الله، عن طريق منح الأمان المشروع لكل طالب سماع كلام الله، قال الله تعالى مبينا هذين الحكمين المتلازمين: وهما القتال والأمان: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥ الى ٦] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) «١» «٢» «٣» [التوبة: ٩/ ٥- ٦] . تسمى الآية الأولى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ.. آية السيف، إذ جاء فيها الأمر بالقتال العام، ومعناها إذا انقضت الأشهر الأربعة الحرم، أي التي حرم فيها القتال بين المسلمين والمشركين، وهي مدة الهدنة، من يوم النحر (الأضحى) إلى العاشر من ربيع الآخر، فافعلوا أيها المؤمنون مع المشركين ما يحقق المصلحة، ويهيئ للمسؤولية والمهام العظمى الملقاة على عاتق الأمة العربية، واتّخذوا معهم أحد التدابير الآتية: إما القتال والقتل في أي مكان وجدوا فيه، من حرم مكة أو غيره، وإما أخذهم أسرى إن شئتم، وإما محاصرتهم في قلاعهم وحصونهم ومنعهم من الخروج منها حتى

стр. 829

يسلموا، وإما القعود لهم في كل مرصد، أي مراقبتهم في كل موضع حتى يختاروا إما الإسلام أو القتال، وهذا خاص بمشركي العرب فقط. فإن تابوا عن الشرك الذي حملهم على قتال المسلمين وعداوتهم، وأعلنوا الإسلام وأدوا أركانه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فخلّوا سبيلهم، واتركوهم وشأنهم واعلموا أن الله غفور لمن استغفره، رحيم بمن تاب إليه، وهذا وعد بالمغفرة في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى، لمن تاب وآمن وعمل صالحا. والتنبيه بالذات على إقامة الصلاة، لأنها أشرف أركان الإسلام الذاتية بعد الشهادتين، وبعدها أداء الزكاة التي هي أشرف الأفعال الاجتماعية، التي تحقق مضمون التكافل أو التضامن الاجتماعي، وتعالج مشكلة الفقر، حتى تتقوى الأمة كلها. قال أنس بن مالك: هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل، وهو من آخر ما نزل قبل اختلاف الأهواء، وفيه قال النبي ﷺ فيما رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راض» . وليست العلاقة مع البلاد الإسلامية مغلقة، تحكم من وراء ستار حديدي، وإنما هي مفتوحة، فمطالبة المشركين بعد انتهاء مهلة الهدنة أو الأمان مدة أربعة أشهر بالإسلام أو القتال، لا تعني عدم تمكين المشركين من سماع أدلة الإيمان، فلو طلب أحد من المشركين الدليل على الإيمان والحجة على الإسلام، أو جاء طالبا استماع القرآن، أو جاء برسالة أو سفارة لإمام المسلمين، أو أراد الدخول بقصد التجارة، فإنه لا يمنع ويجب إمهاله، ويحرم قتله، ويسمح له بالتنقل في ديار الإسلام، ويجب بعد انتهاء مدة أمانه إيصاله إلى مأمنه، أو دياره ووطنه، ليكون على بيّنة من أمره، مختارا حرا فيما يقرره لأن المهم نشر الدعوة الإسلامية بالطرق السلمية، وبالإقناع

стр. 830

العقلي، والحجة والبرهان، لأنه ليس الهدف من تشريع الجهاد سفك الدماء، أو جلب الغنائم، وإنما المهم الوصول إلى الإيمان بالله وتوحيده، وترك الكفر والجحود، وإقرار السلم والأمن، ونشر ألوية الحرية، وتهيئة مناخ المعرفة والعلم، وإطلاق حرية الفكر والرأي. وهذا الاتجاه السلمي وإيثار الأمن والسلام وإعلان مبدأ التسامح والمحبة وترك التعصب والانغلاق بسبب أن هؤلاء المشركين قوم جهلة، لا يعلمون حقيقة الإسلام وما يدعو إليه، ومن جهل شيئا عاداه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا كلام الله، ويفهموا الحق الذي أنزله. وهذه الآية آية منح الأمان لغير المسلمين ذات حكم عام تشمل جميع الأهداف الدينية والسياسية والتجارية، وتعلّم وسائل المعرفة والبراهين العلمية، والاسترشاد بالأدلة العقلية الناصعة. أسباب البراءة من عهود المشركين لا نجد في شرعة الإسلام أي حكم تشريعي غير قائم على أسس عقلية سليمة، وحجج منطقية رصينة، فالإسلام كله دين المنطق والعقل والحكمة، فهو حين يقرر حكما نجده منسجما مع الفطرة والأصول الفكرية والمنهجية السديدة، وحين يشتد أحيانا على قوم فبسبب ظلم هؤلاء الناس وخروجهم على مقتضى الحكمة والمصلحة، بل إنهم يعادون أنفسهم حين يتركون ما يسعدها، ويسيرون في فلك أهوائهم وشهواتهم حين يعطلون مفاتيح المعرفة والإدراك والحواس، لذا أبان القرآن أسباب إعلان البراءة من معاهدات المشركين، ورتّب على ذلك قتالهم، وتتلخص تلك الأسباب في تهورهم ومبادرتهم لنقض عهودهم، قال الله تعالى: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧ الى ١٠] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)

стр. 831

«١» «٢» «٣» [التوبة: ٩/ ٧- ١٠] . هذه الآيات الكريمة بيان سبب البراءة من عهود المشركين وإمهالهم أربعة أشهر، ثم مناجزتهم بكل أنواع القتال، لتطهير الجزيرة العربية من الوثنية والفوضى والهمجية، والسبب واضح من جانب المشركين وهو نقضهم العهود ومعاملتهم بالمثل. وجاء البيان على سبيل الاستفهام الإنكاري والتعجب والاستبعاد لأن يكون لهم عهد، وهم أعداء حاقدون، مضمرون الغدر، مشركون بالله، كافرون به وبرسوله، والشرك وكر الخرافات والأباطيل، ومهد التخلف والفوضى، أي محال أن يثبت لهم عهد، فلا تطمعوا أيها المؤمنون في ذلك. وعلى أي وجه يكون للمشركين عهد، وهم قد نقضوا العهود، وجاهروا بالتعدي. ثم استثنى الله من نبذ العهد مع عموم المشركين: الذين عوهدوا عند المسجد الحرام، وهو الحرم كله، أي في ناحيته وجهته، وهم قبائل بني بكر وبني ضمرة الذين لم ينقضوا عهودهم المعقودة معهم يوم الحديبية، فهؤلاء حكمهم أنهم ما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، أي حافظوا على عهدهم ما داموا محافظين عليه، قائمين على الوفاء به. فأما من لا عهد له، فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب.

стр. 832

ثم أكد الله تعالى ضرورة الحفاظ على العهد والوفاء بالعقد لهؤلاء بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي يرضى عن الذين يوفون بالعهد، ويتقون الغدر ونقض العهد. وهذا تعليل لوجوب امتثال المؤمنين لما يأمرهم به ربهم، وتبيان بأن مراعاة العهد من باب التقوى، حتى وإن كان المعاهد مشركا. وكرر الله تعالى في قوله: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ.. استبعاد ثبات المشركين على العهد، فكيف يكون لهم عهد محترم، والحال أنهم إن يظفروا بكم، لم يراعوا حلفا ولا قرابة ولا عهدا، وهذا تحريض للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، بل وأكثر من هذا، فمن خبثهم وضغينتهم أنهم قوم مخادعون، يظهرون الكلام الحسن بأفواههم، وقلوبهم مملوءة حقدا وحسدا وكراهية: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ٤٨/ ١١] وأكثرهم فاسقون، أي متمردون لا عقيدة تزعهم، ولا مروءة تردعهم، خارجون من أصول الدين والمروءة والأخلاق. وعبر تعالى بقوله: وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ لأن نقض العهد كان من الأكثرين. وأردف الله تعالى بيان سببين آخرين للبراءة من عهود المشركين وإيجاب قتالهم وهما أولا- أنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، أي استبدلوا بآيات الله الدالة على الحق والخير والتوحيد عوضا قليلا حقيرا من متاع الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، والطمع بالأموال متاع الدنيا الخسيسة، فمنعوا الناس من اتباع الدين الحق فبئس العمل عملهم، وقبح ما ارتضوه لأنفسهم من الكفر والضلالة وترك الإيمان. وثانيا- أنهم من أجل كفرهم لا يراعون في شأن مؤمن قدروا على الفتك به حلفا ولا قرابة ولا عهدا على الإطلاق، وأولئك هم المعتدون، أي المجاوزون الغاية في الظلم والشر، فأصبحوا لا يفهمون بغير لغة السيف، والخضوع للقوة، لا للعهد والذمة، والقيم والأخلاق والمبادئ.

стр. 833

مستقبل المشركين العرب أبان الله تعالى مصير المشركين العرب وحالهم في المستقبل بعد إعلان عداوتهم للإسلام، فإما أن يختاروا التوبة وقبول الإسلام، أو يلجأوا إلى القتال. ودخولهم في الإسلام إيثار للسلام وحقن للدماء وبناء مستقبل زاهر حافل بالأمجاد والمفاخر، واحتكامهم للقتال انتحار ودمار وتحطيم لقواهم المادية والمعنوية، قال الله تعالى مبينا كيفية معاملتهم في كلا الحالين: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١ الى ١٥] فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) «١» «٢» [التوبة: ٩/ ١١- ١٥] . أوضح الله تعالى حال الكفار المشركين بعد أن اختاروا موقف العداء للمسلمين، فهم بين أمرين: أحدهما: التوبة عن كفرهم والرجوع عن حالهم، والتوبة تتضمن معنى الإيمان بالله ورسوله ودينه، ثم قرن الله تعالى مع إيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. إن فعلوا ذلك، فهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ونبين الآيات لقوم يعلمون، أي نوضح الأدلة والبراهين على وجودنا الحق، لقوم يعلمون ما نبين لهم،

стр. 834

فيفهمون ويتفقهون. والأخوة في الدين: هي أخوة الإسلام وهي أقوى من أخوة النسب. والأمر الثاني: القتال بعد نكث أيمانهم، أي بعد نقض عهودهم، وطعنهم في الدين، أي بالتعييب والاستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك. وحينئذ فقاتلوا أئمة الكفر، أي رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه، والمراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهم، إنهم لا عهود لهم ولا ذمة، لعلهم بالقتال ينتهون عن كفرهم وباطلهم وإيذائهم المسلمين، والصحيح أن الآية عامة لمشركي العرب ولغيرهم، كما ذكر ابن كثير، والمراد بقوله: لا أَيْمانَ لَهُمْ أي لا أيمان لهم يوفّى بها ويبرّ. ثم حرض الله تعالى على قتال مشركي العرب، قال قتادة فيما رواه أبو الشيخ: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة، وأسباب التحريض على قتالهم ثلاثة: الأول- نكثهم العهد والأيمان التي أقسموا عليها. والعهد الذي نقضوه هو صلح الحديبية، لمناصرة قريش حلفاءهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﷺ ليلا بالقرب من مكة، على ماء يسمى (الهجير) فسار إليهم الرسول وفتح مكة سنة ثمان هجرية في العشرين من رمضان. والسبب الثاني- إخراجهم الرسول ﷺ من مكة، فقد أخرجوه من بلده: مكة، أي إنهم هموا وفعلوا. والسبب الثالث- إنهم بدؤوا بقتال المؤمنين يوم بدر حين صمموا على المعركة، وفي مكة، وعاونوا بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء المؤمنين، فكان هذا بدء النقض. وكذلك في أحد والخندق وغيرهما.

стр. 835

ثم ذكر الله بعد هذه الأسباب الثلاثة دواعي أربعة للقتال: وهي تعداد موجبات القتال، والتحريض على الإغارة في قوله تعالى: أَتَخْشَوْنَهُمْ وكون الله أحق بالخشية لأنه صاحب القدرة المطلقة التي تدفع الضرر المتوقع وهو القتل، والإيمان بقوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فالإيمان قوة دافعة على الإقدام، والخلاصة: لا تخشوا أيها المؤمنون أعداءكم، واخشوا الله وحده، فهو أحق بالخشية منهم، إن كنتم مؤمنين بالله. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بالقتال أمرا صريحا حاسما بقوله: قاتِلُوهُمْ أي قاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم، فإن قاتلتموهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم بالقتل والأسر والهزيمة، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين امتلأت غيظا من أفعال المشركين بهم في مكة، وهم بنو خزاعة حلفاء الرسول ﷺ الذين بيتهم بنو بكر والمشركون ليلا، وأعملوا فيهم السيف قتلا وذبحا بالوتير، قائمين وقاعدين، راكعين وساجدين. وبالرغم من شناعة فعل المشركين بالمؤمنين، فإن الله تعالى يقبل توبة من يتوب عن كفره منهم، وقد حدث ذلك فعلا، فأسلم أناس منهم، وحسن إسلامهم، مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل، وسليم بن أبي عمرو. والله عليم بما يصلح عباده، حكيم في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحكيم الذي لا يجور أبدا، ولا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة، ويجازي كل إنسان بما قدم من خير أو شر، في الدنيا والآخرة. التحريض على الجهاد وعمارة المساجد إن إعداد الأمة إعدادا قويا، وبناء قوتها الذاتية، يتطلب عملا متواصلا من الجهاد، والاعتماد على الذات وثقات الناس، والإقبال على عمارة المساجد عمارة مادية بالبناء والترميم، ومعنوية بالصلاة والعبادة والخدمة، وعقد حلقات العلم

стр. 836

والإرشاد والتوجيه، والإخلاص في العمل وبناء العقيدة الراسخة في النفوس. قال الله تعالى مبينا هذه الخطوات البناءة لإصلاح الفرد والجماعة: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٦ الى ١٨] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) «١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٦- ١٨] . تضمنت الآيات الكريمة طريق الحفاظ على كيان الأمة وصدّ عدوان المعتدين عليها، وبناء شخصيات المؤمنين بروحانية عالية ومعنويات رفيعة بالصلاة والزكاة، ليظفروا بجنان الخلد، وينعموا بالهداية والرشاد. ليعلم المؤمنون أن الجهاد طريق الجنة، ولن يصح في موازين الأشياء ترك جماعة المسلمين من دون تمحيص ولا اختبار، ففي الجهاد يتبين أهل العزم والإخلاص الذين يجاهدون بالأموال والأنفس، ولم يتخذوا بطانة (أمناء سر) من الأعداء، يسرّون إليهم بأحوال المسلمين وأمورهم وأسرارهم، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، وبه يتميزون عن المنافقين الذين يطلعون الأعداء على أسرار الأمة وسياستها وخططها، فلا بد من اختبار أهل الإيمان في عالم الدنيا، ولا سيما عند فرض القتال وفي كل شؤون الحياة، كما جاء في آية أخرى: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ «٣» (٢) [العنكبوت: ٢٩/ ١- ٢] . والله خبير في كل وقت بأعمالكم أيها الناس، فيجازيكم عليها، ومن المعلوم أن

стр. 837

التكليف الشاق على الأنفس كالجهاد هو الذي يحقق الغرض من الاختبار، ويظهر المخلص من المنافق. ففي الحفاظ على الأسرار الخاصة بالأمة دليل على صدق الإيمان، لذا حذر القرآن من تسريب الأخبار إلى العدو، كما جاء في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.. [آل عمران: ٣/ ١١٨] . ثم أناط الله تعالى أهلية عمارة المساجد بالمؤمنين، وسلبها من المشركين، فقال تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ.. أي ما ينبغي وما يصح لهم وما يستقيم أن يعمروا مساجد الله ومنها المسجد الحرام بالإقامة فيه للعبادة، أو للخدمة والولاية عليه، ولا أن يدخلوه حجاجا أو عمّارا، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، بشهادة الحال والمقال، بعبادة الأصنام، والطواف بالبيت الحرام عراة، وكلما طافوا بالكعبة شوطا سجدوا لها. فهم بهذا جمعوا بين الضدين: عمارة بيت الله والكفر به. أولئك المشركون بالله حبطت أعمالهم بشركهم، فلا ثواب لهم، وهم في نار جهنم خالدون لعظم ما ارتكبوه، فإن الكفر محبط للعمل، ولا ثواب لصاحبه في الآخرة. قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣] . وإذا كان المشركون غير أهل لعمارة المساجد، بسبب كفرهم، فإنما الذي يستحق عمارة المساجد بالحق والواجب وهو أهل لها من اتصف حقا بالإيمان بالله تعالى إيمانا صحيحا، بالاعتراف بوجوده وتوحيده، وتخصيصه بالعبادة والتوكل عليه، وآمن أيضا باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل بأركانها وشروطها

стр. 838

وتدبر تلاوتها وأذكارها، وخشوع القلب لله فيها، وآتى الزكاة المفروضة لمستحقيها المعروفين، كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ولم يخش في قوله إلا الله وحده، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع والضر بيد الله، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا من المهتدين إلى الخير دائما، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد، فيشركون بالله، ويكفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام) ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام كسقاية الحاج وتأمين الحرم. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . فضل الإيمان بالله والجهاد ليس هناك أفضل ولا أكرم ولا أولى من الإيمان الخالص بالله تعالى، والجهاد في سبيله لإعلاء كلمة الحق ونشر دعوة الله في الأرض، فبالإيمان تنتعش النفوس وتسعد، وتقدم على الحياة بروح وثابة عالية ومنهج عقلاني صحيح، وبالجهاد تعتز الأمة وتعلو كلمتها وترهب أعداءها الطامعين في خيراتها، وسلب مقدراتها وإذلالها، لذا حرّض القرآن على الإيمان أولا والجهاد ثانيا في قوله تعالى: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢] أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) »

стр. 839

[التوبة: ٩/ ١٩- ٢٢] . سبب نزول الآية- فيما رواه مسلم وغيره عن النعمان بن بشير- قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة، دخلت على رسول الله ﷺ ، فاستفتيته فيما اختصمتم، فأنزل الله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ.. الآية. ومن المعلوم أن السقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرهما الإسلام، وكانت سقاية الحاج في بني هاشم، وكان العباس يتولاها، ولما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا أترك السقاية، فقال النبي ﷺ : «أقيموا عليها فإنها لكم خير» . وعمارة المسجد: هي حفظه من الظلم فيه أو يقال هجرا، وكان ذلك إلى العباس. أو هي السدانة: وهي خدمة البيت خاصة، وكانت في بني عبد الدار، وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهما اللذان دفع إليهما رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي ﵄. وقال ﷺ لعثمان وشيبة: «يوم وفاء وبرّ، خذوها خالدة تالدة، لا ينازعكموها إلا ظالم» . والراجح أن عمارة المسجد الحرام هي السدانة. ومعنى الآيات: أجعلتم أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله سواء في الفضيلة والدرجة؟! فإن السقاية والعمارة، وإن كانتا من أعمال الخير، فأصحابهما لا يساوون في المنزلة أهل الإيمان

стр. 840

والجهاد، ثم بيّن تعالى عدم تساوي الفريقين بقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يهدي القوم الكافرين في أعمالهم إلى ما هو الأفضل والأرقى رتبة، إذ قد طمس على قلوبهم، والآية إنكار صريح على تشبيه المشركين وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلما، بعد ظلمهم بالكفر. فالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس أفضل وأعظم درجة عند الله من أعمال السقاية والسدانة أو العمارة. ثم بيّن الله مراتب التفاضل بين المؤمنين أنفسهم، فإنها تتفاوت بحسب التفاوت في الإيمان، والهجرة، والجهاد بالمال والنفس، وحكم الله أن أهل هذه الخصال أعظم درجة عند الله من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز: بلوغ البغية، إما في نيل رغبة، أو نجاة من مهلكة. وهذا الفوز: هو أنه تعالى يبشرهم في كتابه المنزل على رسوله برحمة واسعة، ورضوان كامل، وجنات لهم فيها نعيم دائم، وهم في هذا النعيم خالدون على الدوام إلى ما شاء الله تعالى. وإن الله عنده الثواب العظيم على الإيمان والعمل الصالح ومنه الهجرة، والجهاد في سبيل الله ومن أجل مرضاته، كما جاء في آية أخرى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٩/ ٧٢] . والرضوان: نهاية الإحسان، وهو شيء روحي، والنعيم في الجنة شيء مادي، فهو لين العيش ورغده. والصحب الكرام سلف هذه الأمة هم أصحاب هذه الخصال، فعلى سيوفهم انبنى الإسلام، وهم ردوا الناس إلى الشرع، وأشادوا صرح الأمة ورفعوا عزة مجدها، لذا قال النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس ﵁:

стр. 841

«دعوا لي أصحابي: فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم أعمالهم» فهل يجوز لأحد النيل من أصحاب الرسول أو سبهم أو الطعن بهم؟! فمن فعل ذلك فهو من أفسق الفاسقين وأجهل الجاهلين والحاقدين. ترك موالاة الآباء والإخوة غير المؤمنين أراد الحق تجميع قوى المؤمنين في بلد واحد في صدر الإسلام حتى يكونوا قوة متماسكين مرهوبين أمام الأعداء، فحضّ على الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، ورفض بلاد الكفر والشرك والإقامة مع المشركين، وجعل الجهاد مفضلا على ثمانية أشياء لإعزاز الدين وأهله، والتخطيط لبناء الأمة والمجتمع في المستقبل. قال الله تعالى موضحا هذه الخطة: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) «١» «٢» «٣» «٤» [التوبة: ٩/ ٢٣- ٢٤] . نزلت الآية الأولى الناهية عن موالاة القرابة غير المؤمنة في شأن المؤمنين، قال الكلبي: لما أمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله وولده، فيقولون: نشدناك الله أن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرقّ،

стр. 842

فيجلس معهم، ويدع الهجرة، فنزلت يعاتبهم سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ الآية. وفي شأن الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا منها نزلت آية: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ.. إلى قوله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يعني القتال وفتح مكة. والمقصود من الآيتين الحض على الهجرة. اقتضت حكمة إقامة الدين ومصلحة المسلمين حين نزول القرآن أن تكون هناك قطيعة تامة بين المؤمنين وأقاربهم الكافرين، حتى يبقى الدين سليما، فلا يتجزأ الانتماء وتتوزع العواطف، ولأن رابطة الدين أسمى وأولى وأقوى من رابطة القرابة أو العصبية أو القبلية أو الأسرية. والمراد بالإخوان في الآيتين إخوان النسب. وبدئت الآية بخطاب المصدقين المؤمنين بالله ورسوله، ومفادها: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء تنصرونهم في القضايا العامة، وتكونون تبعا لهم في سكنى بلاد الكفرة، وتطلعونهم على أسرار المؤمنين في السلم والحرب، إن اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الشرك على الإسلام، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وأمتهم، لأنهم خالفوا الله ورسوله، بموالاة الكافرين بدلا من التبرؤ منهم. والنهي عن مخالطة غير المؤمنين للتحريم لا للتنزيه، لوصف من تولاهم أو خالطهم بأنهم هم الظالمون. وفي معنى هذه الآية آيات كثيرة، منها: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) [الممتحنة: ٦٠/ ٩] . ثم توعد الله من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، وترك الهجرة والجهاد، مفضلا الجهاد على ثمانية أشياء. والمعنى: إن كنتم تؤثرون هذه

стр. 843

الأشياء الثمانية، وتفضلون الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة (القرابة الاجتماعية القريبة) والأموال، والتجارة، والمساكن، تؤثرونها على حب الله ورسوله، أي على طاعتهما، والجهاد في سبيل الله الذي يحقق السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي الله بعقابه العاجل أو الآجل. ويلاحظ كيف بدأ الله تعالى بإيراد هذه الأشياء، مبتدئا بالأشد تعلقا والأدعى إلى المخالطة وهي مخالطة القرابة، ثم الحرص على المال، ثم طريق اكتسابه بالتجارة، ثم الرغبة في البناء في الأوطان بإشادة الدور والمساكن، وأبان الله تعالى أن رعاية الدين ومصالحه خير من رعاية جملة هذه الأمور، بالرغم من محبتها والميل الفطري إليها بالطبيعة. فإن العبرة للأخلد والأبقى والأدوم نفعا، وإيثار حب الله ورسوله وطاعتهما والجهاد في سبيله يحقق مصالح كبري وسعادة دائمة لأن الله تعالى مصدر جميع النعم، وملجأ دفع كل الكروب والمحن، وكذلك حب الرسول وطاعته خير لأنه المنقذ من الضلالة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ولأن الجهاد طريق إعزاز الأمة وإعلاء هيبتها وقوتها. ثم ختم الله تعالى الآية بوعيد المخالفين وتهديد المعرضين بعقوبة عاجلة أو آجلة، فقال: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي فانتظروا العقاب الآتي عاجلا أو آجلا. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يرشد العصاة الخارجين عن حدود الدين ومقتضى العقل والحكمة، أو عن طاعة الله إلى معصية.

стр. 844

النصر من عند الله يربط الله تعالى دائما أحداث العالم بالفاعل المؤثر الحقيقي فيها، الخالق لها، لتوجيه الناس إلى حقيقة الاعتقاد وإدراك أن الله هو القادر المطلق في صنع الأشياء، وأما الأفعال المعتادة التي نمارسها فما هي إلا مجرد أسباب ظاهرية لا بد من القيام بها، لتصح نسبتها إلينا، ونستحق ثوابها وجزاءها. ومن أخطر الأفعال التي نقوم بها الجهاد والقتال، فإننا نحن الذين نقارع الأعداء ونخوض المعارك بحسب النظام المعتاد، وأما تحقيق النتائج والنصر أو الظفر فهو بيد الله تعالى وحده. قال الله سبحانه: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) «١» [التوبة: ٩/ ٢٥- ٢٧] . أخرج البيهقي في الدلائل أن رجلا قال يوم حنين: «لن نغلب اليوم من قلة» وكانوا اثني عشر ألفا، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ.. الآية. هذه الآية مخاطبة لجميع المؤمنين، يعدّد الله نعمه عليهم، ويذكّرهم بأفضاله عليهم في مواقف مصيرية حاسمة، ويؤكد لهم بالقسم أنه منحهم مجدا لا يمحى، وأعزهم إلى الأبد. ومضمون الآية: لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع حربية كثيرة مثل بدر والحديبية والخندق ومكة وقريظة والنضير، حيث كنتم متوكلين على

стр. 845

الله، معتمدين على أن النصر من عند الله. والمواطن الكثيرة: غزوات الرسول ﷺ ، وهي ثمانون موطنا، أو أقل من ثمانين في رأي بعضهم. وكان النصر فيها كلها من عند الله تعالى، إما نصرا كاملا وهو الأكثر، وإما نصرا جزئيا، للتربية والتعليم، كما حدث في معركة أحد، حينما تحقق النصر في بداية المعركة، والهزيمة في نهايتها، حينما خالف جماعة من الصحابة أوامر النبي ﷺ ، وتركوا جبل الرماة، وكما حدث في حنين حينما اعتمدوا على الكثرة العددية، وغاب عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة الجنود، فانهزموا. وحنين: واد بين مكة والطائف، قريب من ذي المجاز، على ثلاثة أميال من الطائف. ونصركم الله أيضا في يوم حنين حين أعجبتكم كثرتكم فيه، إذ بلغتم اثني عشر ألفا، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط، ففي بدء المعركة وقعت الهزيمة عليكم، لاعتمادكم على أنفسكم، واغتراركم بقوتكم، وترككم اللجوء إلى ربكم واهب النصر، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا من قضاء الله، وضاقت عليكم الأرض بما اتسعت من الخوف، ثم وليتم مدبرين منهزمين، ثم نصركم الله في نهاية الأمر حين اتكلتم على ربكم وثبتم في المعركة. حدث اقتتال شديد يوم حنين، فانهزم المسلمون في بداية الأمر أمام ثقيف وهوازن، حينما كمنت هوازن في وادي حنين، ثم بادروا المسلمين بالقتال، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم سيدهم، فولى المسلمون مدبرين. وثبت رسول الله ﷺ ، وهو راكب يومئذ على بغلة شهباء، ثم نزل عن بغلته حينما رأى شدة الحال، واستنصر الله قائلا: «يا رب ائتني بما وعدتني» وأخذ قبضة من تراب وحصى، فرمى بها في وجوه الكفار، وقال: «شاهت الوجوه» ونزلت الملائكة لنصره، ونادى: «يا للأنصار» وأمر الرسول العباس أن ينادي: أين أصحاب الشجرة؟ أين أصحاب سورة البقرة؟ فأجابوه: لبيك لبيك، ورجعوا إليه عنقا واحدا، أي جماعة واحدة، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، وقال: «الآن حمي الوطيس» أي استعرت الحرب، وقاتلوا صفا واحدا، فانهزم المشركون.
следующие страницы →