«دعوا لي أصحابي: فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم أعمالهم»
فهل يجوز لأحد النيل من أصحاب الرسول أو سبهم أو الطعن بهم؟! فمن فعل ذلك فهو من أفسق الفاسقين وأجهل الجاهلين والحاقدين.
ترك موالاة الآباء والإخوة غير المؤمنين
أراد الحق تجميع قوى المؤمنين في بلد واحد في صدر الإسلام حتى يكونوا قوة متماسكين مرهوبين أمام الأعداء، فحضّ على الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، ورفض بلاد الكفر والشرك والإقامة مع المشركين، وجعل الجهاد مفضلا على ثمانية أشياء لإعزاز الدين وأهله، والتخطيط لبناء الأمة والمجتمع في المستقبل. قال الله تعالى موضحا هذه الخطة:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [التوبة: ٩/ ٢٣- ٢٤] .
نزلت الآية الأولى الناهية عن موالاة القرابة غير المؤمنة في شأن المؤمنين،
قال الكلبي: لما أمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله وولده، فيقولون: نشدناك الله أن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرقّ،
стр. 842
فيجلس معهم، ويدع الهجرة، فنزلت يعاتبهم سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ الآية.
وفي شأن الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا منها نزلت آية: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ.. إلى قوله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يعني القتال وفتح مكة.
والمقصود من الآيتين الحض على الهجرة.
اقتضت حكمة إقامة الدين ومصلحة المسلمين حين نزول القرآن أن تكون هناك قطيعة تامة بين المؤمنين وأقاربهم الكافرين، حتى يبقى الدين سليما، فلا يتجزأ الانتماء وتتوزع العواطف، ولأن رابطة الدين أسمى وأولى وأقوى من رابطة القرابة أو العصبية أو القبلية أو الأسرية. والمراد بالإخوان في الآيتين إخوان النسب. وبدئت الآية بخطاب المصدقين المؤمنين بالله ورسوله، ومفادها: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء تنصرونهم في القضايا العامة، وتكونون تبعا لهم في سكنى بلاد الكفرة، وتطلعونهم على أسرار المؤمنين في السلم والحرب، إن اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الشرك على الإسلام، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وأمتهم، لأنهم خالفوا الله ورسوله، بموالاة الكافرين بدلا من التبرؤ منهم.
والنهي عن مخالطة غير المؤمنين للتحريم لا للتنزيه، لوصف من تولاهم أو خالطهم بأنهم هم الظالمون. وفي معنى هذه الآية آيات كثيرة، منها: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) [الممتحنة: ٦٠/ ٩] .
ثم توعد الله من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، وترك الهجرة والجهاد، مفضلا الجهاد على ثمانية أشياء. والمعنى: إن كنتم تؤثرون هذه
стр. 843
الأشياء الثمانية، وتفضلون الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة (القرابة الاجتماعية القريبة) والأموال، والتجارة، والمساكن، تؤثرونها على حب الله ورسوله، أي على طاعتهما، والجهاد في سبيل الله الذي يحقق السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي الله بعقابه العاجل أو الآجل.
ويلاحظ كيف بدأ الله تعالى بإيراد هذه الأشياء، مبتدئا بالأشد تعلقا والأدعى إلى المخالطة وهي مخالطة القرابة، ثم الحرص على المال، ثم طريق اكتسابه بالتجارة، ثم الرغبة في البناء في الأوطان بإشادة الدور والمساكن، وأبان الله تعالى أن رعاية الدين ومصالحه خير من رعاية جملة هذه الأمور، بالرغم من محبتها والميل الفطري إليها بالطبيعة.
فإن العبرة للأخلد والأبقى والأدوم نفعا، وإيثار حب الله ورسوله وطاعتهما والجهاد في سبيله يحقق مصالح كبري وسعادة دائمة لأن الله تعالى مصدر جميع النعم، وملجأ دفع كل الكروب والمحن، وكذلك حب الرسول وطاعته خير لأنه المنقذ من الضلالة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ولأن الجهاد طريق إعزاز الأمة وإعلاء هيبتها وقوتها.
ثم ختم الله تعالى الآية بوعيد المخالفين وتهديد المعرضين بعقوبة عاجلة أو آجلة، فقال: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي فانتظروا العقاب الآتي عاجلا أو آجلا.
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يرشد العصاة الخارجين عن حدود الدين ومقتضى العقل والحكمة، أو عن طاعة الله إلى معصية.
стр. 844
النصر من عند الله
يربط الله تعالى دائما أحداث العالم بالفاعل المؤثر الحقيقي فيها، الخالق لها، لتوجيه الناس إلى حقيقة الاعتقاد وإدراك أن الله هو القادر المطلق في صنع الأشياء، وأما الأفعال المعتادة التي نمارسها فما هي إلا مجرد أسباب ظاهرية لا بد من القيام بها، لتصح نسبتها إلينا، ونستحق ثوابها وجزاءها. ومن أخطر الأفعال التي نقوم بها الجهاد والقتال، فإننا نحن الذين نقارع الأعداء ونخوض المعارك بحسب النظام المعتاد، وأما تحقيق النتائج والنصر أو الظفر فهو بيد الله تعالى وحده. قال الله سبحانه:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)
«١» [التوبة: ٩/ ٢٥- ٢٧] .
أخرج البيهقي في الدلائل أن رجلا قال يوم حنين: «لن نغلب اليوم من قلة» وكانوا اثني عشر ألفا، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ.. الآية.
هذه الآية مخاطبة لجميع المؤمنين، يعدّد الله نعمه عليهم، ويذكّرهم بأفضاله عليهم في مواقف مصيرية حاسمة، ويؤكد لهم بالقسم أنه منحهم مجدا لا يمحى، وأعزهم إلى الأبد. ومضمون الآية: لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع حربية كثيرة مثل بدر والحديبية والخندق ومكة وقريظة والنضير، حيث كنتم متوكلين على
стр. 845
الله، معتمدين على أن النصر من عند الله. والمواطن الكثيرة: غزوات الرسول ﷺ ، وهي ثمانون موطنا، أو أقل من ثمانين في رأي بعضهم. وكان النصر فيها كلها من عند الله تعالى، إما نصرا كاملا وهو الأكثر، وإما نصرا جزئيا، للتربية والتعليم، كما حدث في معركة أحد، حينما تحقق النصر في بداية المعركة، والهزيمة في نهايتها، حينما خالف جماعة من الصحابة أوامر النبي ﷺ ، وتركوا جبل الرماة، وكما حدث في حنين حينما اعتمدوا على الكثرة العددية، وغاب عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة الجنود، فانهزموا. وحنين: واد بين مكة والطائف، قريب من ذي المجاز، على ثلاثة أميال من الطائف. ونصركم الله أيضا في يوم حنين حين أعجبتكم كثرتكم فيه، إذ بلغتم اثني عشر ألفا، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط، ففي بدء المعركة وقعت الهزيمة عليكم، لاعتمادكم على أنفسكم، واغتراركم بقوتكم، وترككم اللجوء إلى ربكم واهب النصر، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا من قضاء الله، وضاقت عليكم الأرض بما اتسعت من الخوف، ثم وليتم مدبرين منهزمين، ثم نصركم الله في نهاية الأمر حين اتكلتم على ربكم وثبتم في المعركة. حدث اقتتال شديد يوم حنين، فانهزم المسلمون في بداية الأمر أمام ثقيف وهوازن، حينما كمنت هوازن في وادي حنين، ثم بادروا المسلمين بالقتال، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم سيدهم، فولى المسلمون مدبرين.
وثبت رسول الله ﷺ ، وهو راكب يومئذ على بغلة شهباء، ثم نزل عن بغلته حينما رأى شدة الحال، واستنصر الله قائلا: «يا رب ائتني بما وعدتني» وأخذ قبضة من تراب وحصى، فرمى بها في وجوه الكفار، وقال: «شاهت الوجوه» ونزلت الملائكة لنصره، ونادى: «يا للأنصار» وأمر الرسول العباس أن ينادي: أين أصحاب الشجرة؟ أين أصحاب سورة البقرة؟ فأجابوه: لبيك لبيك، ورجعوا إليه عنقا واحدا، أي جماعة واحدة، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، وقال: «الآن حمي الوطيس»
أي استعرت الحرب، وقاتلوا صفا واحدا، فانهزم المشركون.
стр. 846
وهذا معنى قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ.. أي أفرغ الله طمأنينته وثباته على رسوله وعلى المؤمنين الذين كانوا معه، وأنزل جنودا لم تروها، وهم الملائكة، وعذّب الذين كفروا بسيوفكم بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدنيا، إلا أن الملائكة لم تقاتل في هذه الموقعة، كما قاتلت يوم بدر.
وبما أن الإسلام دين الرحمة، فإن الله تعالى فتح باب الأمل أمام الكفار مبينا لهم أنه يتوب الله بعد هذا التعذيب الذي حدث في الحرب على من يشاء ممن عصى وكفر، بأن يزيل عن قلبه الكفر، ويخلق فيه الإسلام، والله غفور لمن تاب، رحيم بمن آمن وعمل صالحا، وقد تاب الله على بقية هوازن، فأسلموا، وقدموا على النبي ﷺ مسلمين، ولحقوه، وقد قارب مكة عند الجعرانة «١» بعد الوقعة من عشرين يوما، ورد عليهم سبيهم وكانوا ستة آلاف، ما بين صبي وامرأة، وقسم النبي أموالهم بين الغانمين، وتحقق النصر بفضل الله، وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة القتلة المشهورة، قتله ابن الدّغنّة، والله يؤيد بنصره من يشاء.
موقف المسلمين من المشركين وأهل الكتاب
تميز موقف المسلمين من غيرهم بما يناسب حال أعدائهم، أما المشركون الوثنيون فلم يقبل الإسلام منهم عهدا ولا وعدا، وحرّم عليهم دخول المسجد الحرام، تطهيرا من رجس الوثنية، وأما أهل الكتاب الذين يلتقون في الجملة مع المؤمنين بعقيدة الإيمان باليوم الآخر، فقبل الإسلام منهم العهد والمسالمة، والتعايش السلمي في ديار المسلمين، دون إزعاج ولا إكراه على الدين، قال الله تعالى مبينا هذين الموقفين:
стр. 847
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» [التوبة: ٩/ ٢٨- ٢٩] .
نزلت الآية الأولى المتعلقة بمنع المشركين من دخول الحرم المكي- كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام يتجرون فيه، فلما منعوا عن أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا الطعام؟ فأنزل الله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ نص الله تعالى في هذه الآية على المشركين (عبدة الأوثان) وعلى المسجد الحرام، والمعنى: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، إن المشركين الوثنيين أنجاس الاعتقاد، لخبث باطنهم وفساد معتقدهم، بسبب عبادة الأصنام والأوثان، فلا تمكّنوهم من دخول المسجد الحرام بعد العام التاسع من الهجرة. والمقصود بالمسجد الحرام هنا الحرم كله في رأي جماعة من العلماء كالشافعية والحنابلة. والمراد بالنهي: منع المشركين من الحج والعمرة بعد حج عامهم هذا وهو العام التاسع من الهجرة لأنهم يفسدون قدسية الحرم وطهر العبادة وشرفها وسموها.
ثم ألقى الله الطمأنينة في قلوب المسلمين، وأزال من نفوسهم مخاوف انقطاع الموارد التموينية التي كانت تأتي إلى الحرم بتجارة المشركين، وأعلمهم أنه إن خفتم أيها المسلمون فقرا، بسبب قلة جلب الأقوات وأنواع التجارات التي كان المشركون
стр. 848
يجلبونها، ومنعوا من دخول الحرم بعد هذا العام، فسوف يغنيكم الله من فضله وعطائه بوجه آخر، وييسر لكم موارد العيش والرزق والكسب، إن الله عليم بأحوالكم، وبما يكون في المستقبل من غنى وفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من أمر ونهي، وسماح ومنع، وأما أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على النحو القرآني، ولا يحرمون ما حرمه القرآن وسنّه الرسول ﷺ ، ولا يعتقدون بصحة دين الإسلام، فهؤلاء يقاتلون بسبب عدوانهم، وغاية القتال إقرار السلم وعقد المعاهدة السلمية معهم، حتى يطمئن المسلمون لجانبهم، فلا يكونون خطرا يهدد الدولة من الداخل. فإن قبلوا الإقامة في ديار المسلمين بموجب عهد أو عقد بيننا وبينهم، والتزموا بتطبيق أحكام الإسلام المدنية والجنائية، أي في المعاملات وعقوبات الجرائم، وأدوا ضريبة الجزية وهي دينار عن كل رجل غني، كسائر الضرائب المباشرة وغير المباشرة، التي يدفعها المواطنون في العصر الحاضر، وهي بديل عن خدمة العلم أو المشاركة في الجهاد والدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم وأموالهم، فإن شاركوا في المعارك، سقطت هذه الضريبة عنهم.
وقد كان هذا النظام مألوفا في معاملات الشعوب، وليس الصغار الإذلال والإهانة، وإنما هو التزام الأحكام، أي القوانين الإسلامية السائدة وإذا انعقدت المعاهدة مع الكتابيين، وجب تنفيذ أحكامها واحترامها من الجانبين، وحرم ظلمهم وتكليفهم ما لا يطيقون.
وتسميتهم بأهل الذمة ليس بمعنى الذم والاحتقار، وإنما الذمة العهد والحماية لأن حقوق المساواة والعدل في معاملتهم بمقتضى ذمة الله ورسوله، أي عهده وميثاقه. ويسمون أيضا بالمعاهدين: وهم من بيننا وبينهم عهد محترم من الجانبين.
والتاريخ أصدق شاهد على أن التعايش السلمي وتبادل الود والوئام بين المسلمين
стр. 849
وغيرهم من الكتابيين كان هو الصفة البارزة على مدى الأعوام والسنين. لكن نهى الله المشركين عن دخول المسجد الحرام بعد العام الهجري التاسع.
عقيدة أهل الكتاب وصفة رسالة الإسلام
إن أصول العقائد في الأديان كما أنزلها الله تعالى واحدة لأنها من مصدر واحد، ولها غاية واحدة، فمصدرها هو الله ، وغايتها تثبيت العقيدة الحقة في النفوس، وإصلاح المجتمع وإسعاد البشر، وإذا التزم أتباع الأديان الأصول الصحيحة التي أنزلها على أنبيائه الكرام، سهل لقاؤهم، واتحدت أفكارهم، وزالت العصبية والأحقاد فيما بينهم، وهذا ما يريده القرآن الكريم ويدعو إليه من ضرورة الإيمان برب واحد وإله واحد، وأن يؤمن جميع الناس بدين واحد لأن الدين الإلهي في أصله واحد، ولا يعقل أن تتعارض تعاليم الدين الإلهي المنزل. قال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [التوبة: ٩/ ٣٠- ٣٣] .
стр. 850
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ سلّام بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وأنت لا تزعم أن عزيرا: ابن الله، فأنزل الله في ذلك: وَقالَتِ الْيَهُودُ الآية.
وقال النقّاش: لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا.
كان بعض اليهود يقول: عزير: ابن الله، لأنه يعدّ ناشر اليهودية، بعد أن نسيت، فقدسه اليهود ووصفوه بأنه: ابن الله. وقالت النصارى: المسيح: ابن الله، واتفقوا على أن الموحد ليس نصرانيا، وليس لقولهم أي دليل ولا برهان غير ما قرره أحبارهم، يشبهون بهذا الاعتقاد قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم، ضلّوا كما ضل هؤلاء، وهم الوثنيون البراهمة والبوذيون في الهند والصين واليابان، وقدماء الفرس والمصريين واليونان والرومان، كما أن مشركي العرب كانوا يقولون:
الملائكة بنات الله.
لعنهم الله، كيف يصرفون عن الحق، وهو توحيد الله وتنزيهه إلى غيره، وهو الشرك الباطل، فما المسيح وعزير إلا مخلوقان عبدان لله، ولا يعقل أن يكون المخلوق خالقا، وهو كسائر المخلوقات يأكل ويشرب ويتعب ويألم، وقدراته محدودة، وكيف يصرفون عن الحق إلى غيره مع قيام الدليل؟
ووجه مضاهاة من كفروا قبلهم أنهم اتخذوا رؤساء الدين فيهم أربابا من دون الله، يقومون بحق التشريع، فيحلّون الحرام، ويحرمون الحلال، ويطيعونهم في ذلك، تاركين حكم الله تعالى. واتباعهم في التحليل والتحريم: عبادة لهم وتعظيم.
والحال أنهم ما أمروا إلا أن يعبدوا إلها واحدا على لسان موسى وعيسى، وهو الله الذي شرع لهم أحكام الدين، وهو ربهم ورب كل شيء فهو الذي إذا حرّم الشيء فهو الحرام، وما حلّله فهو الحلال، وما شرعه اتّبع، وما حكم به نفذ. إنه الله تعالى الإله
стр. 851
وحده شرعا وعقلا، لا يوجد إله غيره، وتنزه وتقدس عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو بحق، ولا رب سواه في الواقع ومقتضى العدل.
ولكن هؤلاء المشركين والكتابيين يريدون أن يطفئوا نور الإسلام، الذي بعث الله به رسوله محمدا، فيضل الناس أجمعون، ويأبى الله إلا أن يتم نوره بتثبيته وحفظه والعناية به وإكماله وإتمامه، ولو كره الجاحدون ذلك بعد تمامه، كما كرهوه حين بدء ظهوره. والجاحد الكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه.
وأما النور الإسلامي فهو الذي أرسل الله به رسوله بالهدى ودين الحق الذي لا يغيّره ولا يبطله شيء آخر، وهو هدى الله الصادر عن القرآن والشرع المثبت في قلوب الناس، والهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع. ودين الحق: هو الأعمال الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. والله تعالى يريد إعلاء دين الحق على جميع الأديان، ولو كره المشركون ذلك الإظهار، وقد تحقق وعد الله ونصره، كما
ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوي لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زري لي منها» .
وإذا كانت اليهودية توصف بالتعصب والانغلاق، والمسيحية بالتسامح والمحبة، فإن أدق وصف يوصف به الإسلام أنه دين الحق والعدل والميزان، الذي لا يتجاوز الواقع، ويوجب الاعتدال في الأمور، والتزام الإنصاف في العقيدة والشريعة والمنهج الأخلاقي والسلوكي.
يتبين مما ذكر أن الله تعالى أراد أن يستمر حبل الرسالات الإلهية ويظل موصولا في البشر، قبل ختم النبوات برسالة خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله، عليهم صلوات الله وسلامه، واستمرار هذا الخير من أجل الإنسان ووحدة الإنسانية، لا للتفرق والاختلاف والتمزق والانقسام.
стр. 852
وتتجسد وحدة الأديان في الدعوة إلى الاعتقاد برب واحد لا شريك له، وبالإيمان بعالم الآخرة بما فيه من حشر ونشر وحساب وميزان وصراط وجنة ونار وثواب وعقاب، وبالدعوة إلى أصول الفضائل والأخلاق الكريمة، وتصحيح مسيرة الحياة الإنسانية، القائمة على الحق والصدق والعدل والوفاء والمساواة والحرية والتضامن والتعاون بين البشر، مع مقاومة كل أسباب الاضطراب والقلق واهتزاز الثقة بسبب الاعتداء على الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والكذب والخيانة والغدر والتفرقة وحرمان الناس من التعبير عن آرائهم ورغباتهم، ضمن أصول النظام الإلهي والعدل الرباني.
وإن التلاعب بالأديان جريمة لا تغتفر، وتحريف النصوص عن المراد بها خيانة للأجيال، لذا يتبوأ المحرّفون والقادة المضللون مكانا عظيما من نار جهنم بسب إساءتهم لغيرهم، ومحاولتهم تفريق الناس وصرفهم عن صراط الهداية الربانية الحميد.
ومع هذا التضليل الموروث لن يعفى العقلاء المفكرون من التبصر والتأمل ودراسة أصول الدين والحق والاعتقاد الصحيح، وإذا لم يفعلوا لن يكونوا بمنجاة من العقاب أو العذاب في الآخرة لإهمالهم نعمة العقل التي تبصّرهم بمدى صدق الموروثات وأصالة الاعتقادات المنقولة، دون تفكر بمصداقيتها.
مسئولية رجال الدين
إن دور القيادة أمر خطير في تاريخ البشرية، وإن مسئولية رجال العقيدة والفكر والأخلاق والسلوك هي أشد خطرا في التاريخ من أي شيء سواها، فكان لزاما على القادة والمفكرين ورجال الدين أن يكونوا أمناء على عقيدة الأجيال وفكر البشرية،
стр. 853
فلا يقررون لهم إلا الحق، ولا يلقنونهم إلا الأصل الإلهي الصحيح الذي أراده الله هدى لعباده، ومنهجا لخلقه، وميزانا للحياة السوية. لذا شنّع القرآن الكريم على قادة الفكر المنحرف ورجال الدين المضللين، فقال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
[التوبة: ٩/ ٣٤- ٣٥] .
قال الواحدي: نزلت (آية الأحبار) في العلماء والقرّاء من أهل الكتاب، كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم، وهي المأكل الذي كانوا يصيبونه من عوامهم. وآية كنز الذهب والفضة هي- كما قال الضحاك- عامة في أهل الكتاب والمسلمين.
والمراد بالآية: بيان نقائص هؤلاء الأحبار، ونهي المؤمنين عن تلك النقائص.
والمعنى: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، اعلموا أن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأخذون أموال الناس بالباطل، أي من أتباعهم بصفة ضرائب وفروض لدور العبادة، يوهمونهم أن النفقة في ذلك من الشرع والتزلف إلى الله، ولكنهم يضمونها إلى جيوبهم، وقد يأخذون الرشاوى في الأحكام القضائية، ويأكلون الربا وهو محرم عليهم، ويأخذون الهدايا والنذور والأوقاف المخصصة لقبور الأنبياء والصالحين، وقد يستحل بعضهم أموال كل من عداهم من أتباع الأديان الأخرى، ولو بالخيانة أو السرقة، وكل ذلك أكل لأموال الناس بالباطل وسحت حرام.
وقد يضم هؤلاء الأحبار إلى قبائحهم صد الناس ومنعهم عن اتباع الدين الحق، إما بتكذيب رسالة الإسلام، أو بالطعن بالقرآن الكريم أو بالنبي ﷺ .
стр. 854
وهناك صفة عامة عند هؤلاء القادة وعند غيرهم من المسلمين: وهي البخل الشديد ومنع أداء حقوق الله في أموالهم، فيكنزون في بيوتهم الذهب والفضة، أي يجمعون المال ويدخرونه، ولا يؤدون منه الحقوق الواجبة شرعا كالزكاة، ولا ينفقون منه في سبيل الله، فيستحقون العذاب الشديد المؤلم في نار جهنم، وعبر عن الوعيد بهذا العذاب بلفظ البشارة على سبيل التهكم والتهديد.
ومن المقرر شرعا: أن الكنز: هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وإن كان ظاهرا غير مخفي، وأما المال المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز، لما
أخرجه ابن عدي والخطيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّ مال أدّيت زكاته، فليس بكنز» .
ويوضح ذلك الآية الكريمة: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة:
٩/ ١٠٣] فإن الذم في منع الزكاة فقط، لا في مجرد حبس المال وادخاره. ثم هدد الله تعالى الكانزين وأخبرهم بنوع العذاب الذي يتعرضون له في الآخرة، وهو أنه يحمى على ما جمعوه من الأموال المكنوزة غير المزكاة في النار، أي توضع فيها ويوقد عليها حتى تحمى، ثم يحرق بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، أي جميع أجسادهم ويقال لهم من قبل الملائكة: هذا جزاء ما كنزتم، فذوقوا وبال ما كنزتم لأنفسكم، أي إن ما توهمتم فيه نفعا أصبح ضررا محضا، ووبالا شديدا عليكم.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» .
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه
стр. 855
الله مالا، فلم يؤد زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع «١» ، له زبيبتان «٢» يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه «٣» ، ثم يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا:
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ٣/ ١٨٠] .
والخلاصة: إن من أعظم الجرائم الاجتماعية أكل أموال الناس بالباطل كالرشاوى والغصوبات وخيانة الأمانات، والصدّ عن دين الله الحق المتمثل في القرآن، واكتناز المال أو ادخاره وحبسه من غير إنفاق ولا أداء زكاة عنه.
تلاعب العرب بالأشهر
إذا كان الناس يسيرون في دروب حياتهم بمقتضى أهوائهم وشهواتهم، وبمحض عقولهم وآرائهم الشاذة، فلا يستغرب عنهم الوقوع في غرائب الأفكار، والخروج عن الأعراف العامة، وهذا ما أوقع ذوي العقلية البدائية في الجاهلية العربية في مهاوي الانحراف والعبث بالقيم الإنسانية، بل تغيير حركة الزمان ونظامه، وهذا هو النسيء في الجاهلية أي تأخير حرمة الأشهر الحرم إلى وقت آخر حسبما يروق لهم وينسجم مع مصالحهم في الاستمرار في الحروب ودوام الاقتتال والمنازعات، لذا شنع القرآن الكريم على أولئك العابثين بنظام الشهور في قول الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
«٤» «٥»
стр. 856
[التوبة: ٩/ ٣٦- ٣٧] .
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي مالك- لبيان سبب نزول الآية- قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، فيجعلون المحرم صفر، فيستحلون فيه المحرمات، فأنزل الله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ..
هاتان الآيتان تتضمنان ما كانت العرب شرعته في جاهليتها من تحريم شهور الحل، وتحليل شهور الحرمة. والذي أكدته الروايات أن العرب كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها، فكانوا إذا توالت عليهم حرمة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، صعب عليهم ووقعوا في مشكلة الفقر، فيتواطئون على إنساء شهر، أي تأخير حرمة المحرم وجعله في صفر، ليكون لديهم فاصل زمني للغارات، فيحلون المحرم ويغيرون فيه بقصد المعيشة، ثم يلتزمون حرمة شهر آخر وهو صفر، ثم يسمون ربيعا الأول صفرا، وربيعا الثاني ربيعا الأول، وهكذا في سائر الشهور، يستقبلون سنتهم من المحرم الموضوع لهم، فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حلّل لهم، وتصبح السنة ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم المحلل، ثم المحرم المصطنع وهو صفر، ثم إتمام السنة على هذا النحو المغيّر. ففي هذا العبث والتلاعب بالأشهر نزلت هاتان الآيتان.
أخبر الله سبحانه أن عدد أشهر السنة القمرية في كتاب الله أي في نظامه وحكمه التشريعي اثنا عشر شهرا، لسهولة الحساب بها، وتوقفها على رؤية الهلال، فإن كل إنسان متعلم أو غير متعلم، بدوي أو حضري، يراه ويراقب تحركاته بسهولة، وذلك منذ بدء خلق السماوات والأرض وإلى كل زمان، ومن تلك الأشهر أربعة حرم:
ثلاثة سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، أي ذات حرمة وتعظيم تتميز به عن بقية الشهور، فلم يكن يحل فيها القتال وسفك الدماء.
وتحريم هذه الأشهر الأربعة في السنة هو الدين القيم، أي الدين والشرع المستقيم
стр. 857
دين إبراهيم الخليل وإسماعيل الذبيح، فلا يجوز نقل تحريم المحرم إلى صفر، خلافا لما كان أهل الجاهلية يفعلون، من تقديم بعض أسماء الشهور وتأخير البعض. فلا تظلموا أيها الناس أنفسكم في تلك الأشهر الأربعة، باستحلال حرامها، فإن الله عظّمها، والمراد بذلك النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من تعظيم الثواب والعقاب فيها، كما قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ٢/ ١٩٧] . والمعاصي وإن كانت حراما في غير الأشهر الحرم أيضا، إلا أنه أكد الله تعالى فيها المنع زيادة في شرفها، ثم أباح الله تعالى قتال المشركين المعتدين في جميع الأشهر، حتى الأشهر الحرم، وعلى المؤمنين قتالهم مجتمعين موحّدين، كما يقاتلون المسلمين على هذا النحو، واعلموا أن الله مع المتقين.. ومعنى الآية: الحض على قتال المشركين صفا واحدا وعلى قلب رجل واحد.
والنسيء وهو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر لا حرمة له: زيادة في الكفر أي جار مع كفرهم بالله، وخلاف منهم للحق، وزيادة في أصل كفرهم القائم على الشرك وعبادة الأصنام، وتغيير لملة إبراهيم بسوء التأويل، يوقع أهل النسيء الذين كفروا في ضلال، زيادة على ضلالهم القديم، يحلون المحرم عاما، ويحرمونه عاما آخر، ليوافقوا في مجرد العدد الأربعة الأشهر الحرم، حسّن الشيطان لهم أعمالهم السيئة، فظنوا ما كان سيئا حسنا، وتوهموا شبهتهم الباطلة أنها صواب، والله لا يوفق ولا يرشد القوم الضالين المنحرفين الذين يختارون السيئات، إلى الحكمة والخير والصواب وفهم حكمة الشرع.
وتم تصحيح وضع الأشهر بحسب الواقع في عصر النبي ﷺ ،
فقال هذا النبي فيما رواه البخاري وأحمد وغيرهما: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات الأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» .
стр. 858
التحريض على الجهاد ومعجزة الهجرة
لا يمكن لأمة الدعوة الإسلامية إلى العالم قاطبة أن تتخلى عن اتخاذ كل أسباب القوة والعزة، ولا أن تترك الجهاد في سبيل الله لأنها بسبب نشر دعوة الإسلام بين الناس لا بد أن يتعرض فيها الدعاة المؤمنون وأمتهم التي تساندهم للاعتداء والصد عن سبيل الله، والكيد والقمع والطرد والقتل، فتحتاج هذه الأمة لدفع الظلم ورد العدوان، لذا حرّض القرآن الكريم على الجهاد الخالص لله تعالى، وأعلم المؤمنين أن الله ينصر عباده المستضعفين المعتدى عليهم، كما نصر الله نبيه في ليلة الهجرة حين اختبأ مع صاحبه أبي بكر في غار جبل ثور، فقال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٣٨- ٤٠] .
لا خلاف في أن هذه الآيات نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، في السنة التاسعة من الهجرة بعد الفتح (فتح مكة) بعام واحد، غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس منهم مؤمنون ومنهم منافقون، وقد اشترك مع الروم قبائل عربية متنصرة من لخم وجذام وغيرهم، حيث جهزوا جيشا كثيفا من أربعين ألفا لغزو المدينة.
стр. 859
لقد دعا الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك، وكانوا في عشرة وضيق، وشدة حر، وقد حان قطاف التمر عندهم حين طابت الثمار، فشق ذلك عليهم، فأبان الله تعالى أنه لا يصح ترك سعادة الآخرة والخير الكثير الخالد، من أجل ترف الدنيا وطيباتها، فذلك جهل وسفه، وخص الله تعالى بالعتاب ثلاثة من المؤمنين: وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، بسبب مكانهم من الصحبة، إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم، وكان تخلفهم لغير علة.
اشتد الله في عتاب المؤمنين المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك قائلا لهم: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، ما لكم تثاقلتم وتباطأتم عن الجهاد، حين قال لكم الرسول الأمين: انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهزوا لقتالكم ومهاجمتكم؟! فأي شيء يمنعكم عن الجهاد؟ أرضيتم بلذات الحياة الدنيا بدلا من الآخرة وسعادتها ونعيمها؟ إن كنتم فعلتم ذلك، فقد تركتم الخير الكثير في سبيل الشيء الحقير، فما تتمتعون به في الدنيا متاعا مقترنا بالهم والألم، ولفترة مؤقتة، إذا قيس بنعيم الآخرة الدائم، إلا شيء حقير قليل، لا يصلح عوضا عن العطاء الكثير في الآخرة.
قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم يرجع؟»
وأشار بالسبابة.
ثم توعد الله تعالى من ترك الجهاد، فقال: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ.. أي إن لم تخرجوا مع النبي ﷺ إلى ما دعاكم إليه، يعذبكم الله عذابا مؤلما في الدنيا كالهلاك بالقحط وغلبة العدو، ويستبدل بكم قوما غيركم، لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٤٧/ ٣٨] إنكم بتوليكم عن الجهاد لا تضروا الله شيئا لأنه هو القاهر فوق عباده، والله قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.
стр. 860
ثم رغب الله المؤمنين في الجهاد مرة ثانية، وحثهم على مناصرة النبي ﷺ ، مشيرا لنجاح الهجرة، فقال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ.. أي إن لم تنصروا رسول الله، أو تركتم نصره ومؤازرته، فالله متكفل به، إذ قد نصره في موضع القلّة والانفراد وكثرة العدو، فنصره إياه اليوم يوم الهجرة أحرى منه حينئذ، وذلك حين أخرجه المشركون الكافرون من مكة إلى المدينة، وفعلوا من الأفاعيل ما أدى إلى خروجه وفي صحبته أبو بكر ﵁. إنهما في الطريق إلى المدينة دخلا في غار ثور ومكثا فيه مدة ثلاثة أيام، ليرجع الطلب- الباحثون عنه- إلى ديارهم، ثم يسيروا بعدها إلى المدينة، ففزع أبو بكر على النبي ﷺ لما رأى المشركين حانقين متجمهرين، حال كون النبي أحد اثنين، فقال لصاحبه أبي بكر: لا تخف ولا تحزن، إن الله معنا، يؤيدنا بنصره وعونه وحفظه ولطفه.
فأنزل الله طمأنينته وتأييده على رسوله، أو على أبي بكر، قيل: إن الضمير في عَلَيْهِ عائد على أبي بكر: لأن النبي ﷺ لم يزل ساكن النفس ثقة بالله .
وهذا قول من لم ير السكينة إلا سكينة النفس والجأش، وقال الجمهور: الضمير عائد على النبي ﷺ ، وهذا أقوى، والمراد بالسكينة: ما ينزل الله على أنبيائه من الصيانة (أو الحياطة) لهم، والخصائص التي لا تصلح إلا لهم، والنصرة والفتوح عليهم.
وقد أيد الله نبيه وقواه وآزره أثناء الهجرة بالملائكة، وجعل كلمة الشرك والكفر هي السفلى، أي المغلوبة، وكلمة الله التي هي لا إله إلا الله أو الشرع بأسره هي العليا الغالبة، والله عزيز غالب في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، حكيم في أقواله وأفعاله.
стр. 861
النفير العام وتوبيخ المتخلفين عن غزوة تبوك
كان من أهم أهداف الإسلام التربوية إعداد الأمة لتحمل مسئولياتها الكبرى في العزة والسيادة وإقرار السلام ودفع العدوان، وتتجلى طرق الإعداد في المواقف الحاسمة بالأمر بالنفير العام عند الحاجة والمصلحة، ولوم المنافقين الذين يتذرعون بأوهى الأسباب للتهرب من الجهاد، وهذا مرض خطير تأصل في نفوس المنافقين الانهزاميين، وأراد القرآن الكريم التخلص من هذا المرض، فقال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [التوبة: ٩/ ٤١- ٤٥] .
نزلت آية الأمر بالجهاد والنفير العام في المؤمنين الذين اعتذروا بالضيعة والشغل والحاجة والكهولة وأعباء الأسرة والأولاد، فأبى الله أن يعذرهم، دون أن ينفروا على ما كان منهم، وبالرغم من أعذارهم، فلا يتخلفوا عن غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة لقتال الروم المعتدين.
стр. 862
ومعنى الآية: اخرجوا إلى الجهاد على كل حال من يسر أو عسر، صحة أو مرض، غنى أو فقر، شغل أو فراغ منه، كهولة أو شباب، نشاط وغير نشاط، خفاف في النفر لنشاطكم له، وثقال عنه لمشقته عليكم، وقاتلوا أعداءكم الذين يقاتلونكم، من أجل كلمة الله ورفعة الدين الحق والقيم العليا المتمثلة فيه، وذلكم المأمور به وهو النفير العام إلى الجهاد خير لكم في الدنيا والآخرة، إن كنتم تعلمون ذلك وأنه خير، فانفروا ولا تتثاقلوا، وهذا بمثابة قانون التجنيد العام، وتنبيه وهز للنفوس للقيام بواجب الجهاد.
وظهر في خلال الأمر بالنفير العام لوم المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، فأبان الله تعالى: أن ما دعوتهم إليه من الخروج للجهاد لو كان غنيمة أو منفعة قريبة المنال، أو سفرا سهلا قريبا لا عناء فيه، لاتبعوك أيها النبي وجاؤوا مسرعين معك، ولكنّ هؤلاء المنافقين تخلفوا حينما رأوا مشقة السفر إلى بلاد الشام، وأن القتال لأكبر قوة في العالم حينذاك وهم الروم، فآثروا الجبن والراحة والسلامة، والتفيؤ في ظلال الأشجار وقطف الثمار. وسيحلفون بالله اليمين الكاذبة عند رجوعك أيها الرسول من غزوة تبوك قائلين: لو استطعنا الخروج لخرجنا معكم، فإنهم لم يكونوا ذوي أعذار، وإنما كانوا أقوياء الأجسام، وأصحاب ثراء ويسار، إنهم يهلكون أنفسهم في العذاب باليمين الكاذبة أو بالكذب والنفاق.
ثم عاتب الله نبيه محمدا ﷺ في إذنه لطائفة من المنافقين بالتخلف، قائلا له:
سامحك الله بإذنك لهم، لم أذنت لهم بالتخلف، هلا تمهلت لتظهر لك الحقيقة، ويتبين لك الفريقان: الذين صدقوا والذين كذبوا في إبداء الأعذار، وهلا تركتهم لتعلم الصادق منهم من الكاذب، فإنهم كانوا مصرين على التخلف، وإن لم تأذن لهم فيه، على أن الله كره خروجهم، لما فيه من الخطر والضرر.
стр. 863
هذه الآية نزلت في الإذن للمنافقين، وكان الأولى من النبي تركه، مثل قبوله الفداء من أسرى بدر.
لا يستأذنك أيها الرسول في القعود عن الجهاد أحد من الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، بل يقدمون على الجهاد من غير استئذان لأنهم يرون أن الجهاد قربة وسبيل إلى الجنة، فليس من شأن المؤمنين الصادقين أن يستأذنوك في الجهاد، والله خبير بمن خافه واتقاه، باجتناب ما يسخطه، وفعل ما يرضيه. هذه الآية تبين منزلة المؤمنين وتميزهم عن المنافقين، لذا جاءت الآية بعدها توضح هذا الفرق الجوهري.
فإذا كان أهل الإيمان لا يستأذنون لترك الجهاد عادة، فإن الذي يستأذنك في التخلف عن الجهاد من غير عذر، إنما هم المنافقون الذين لا يصدقون بالله واليوم الآخر، ولا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، وشكّت قلوبهم في صحة ما جئتهم به، فهم في شكهم أو ريبهم يتحيرون، ليس لهم ثبات على شيء، فهم قوم حيارى هلكى. روي أن عدد هؤلاء المنافقين المستأذنين كذبا كان تسعة وثلاثين رجلا. نسأل الله تعالى أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يحببنا في الجهاد لقمع العدوان وتحقيق العزة والمكانة اللائقة بنا.
تخلف المنافقين عن تبوك بغير عذر
ليس في منهج القرآن المجيد اتهام أحد بغير سبب أو عذر لأن القرآن شريعة الحق والعدل والإنصاف، والله سبحانه يغفر ويرحم، ولكنه يمهل ولا يهمل، ويترك الفرصة لعباده أن يتوبوا ويصلحوا أنفسهم، ويحاسب دائما بعد إيراد الأدلة والبراهين وأسباب الطاعة والعصيان، قال الله تعالى مبينا هذا المنهج في مناسبة بيان كون تخلف المنافقين عن غزوة تبوك بغير عذر صحيح:
стр. 864
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٨]
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» »
[التوبة: ٩/ ٤٦- ٤٨] .
هذه الآيات دليل واضح على أن تخلف المنافقين عن المشاركة في غزوة تبوك كان بغير عذر واضح ولا صحيح، وهذا الدليل المنطقي والواقعي: هو تركهم الاستعداد للمشاركة في هذه المعركة الخطيرة، ومع هذا فإن خروجهم مع الرسول ﷺ ما كان مصلحة، وإنما يؤدي إلى مفاسد ثلاث: هي الإفساد والشر، وتفريق كلمة المؤمنين بالنميمة، والتسبب في سماع بعض ضعفاء الإيمان كلامهم وقبول قولهم.
إن المنافقين المعاصرين للنبي ﷺ لو قصدوا الخروج معك إلى القتال، لاستعدوا وتأهبوا له بإعداد السلاح والزاد والراحلة ونحوها، وقد كانوا مستطيعين ذلك، ولكن كره الله انبعاثهم، أي أبغض خروجهم مع المؤمنين، لما فيه من أضرار، فثبّطهم، أي أخرهم بما أحدث في قلوبهم من المخاوف، وفي نفوسهم من الكسل والاسترخاء، وقيل لهم من الرسول ﷺ : اقعدوا مع القاعدين من النساء والأطفال والمرضى والعجزة الذين شأنهم القعود في البيوت، كما قال تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [التوبة: ٩/ ٨٧] أي القاعدين المتخلفين خوفا وجبنا ثم ثبّت الله المؤمنين وبيّن أن عدم خروج المنافقين معهم لتبوك مصلحة للجيش، فلو خرج هؤلاء المنافقون ما زادوا المؤمنين شيئا من القوة والمنعة، بل زادوهم اضطرابا في الرأي
стр. 865
وفسادا في العمل، ولأسرعوا بالسعي بين المؤمنين بالنميمة والبغضاء، وتفريق الكلمة، وبذر بذور التفرقة والاختلاف، وإشاعة الخوف والأراجيف من الأعداء، وتثبيط الهمة.
هذا مع العلم بأن بين المؤمنين قوما ضعاف العقل والإيمان والعزيمة يسمعون كلامهم، ويصدّقون أقوالهم، ويطيعونهم، فتفتر عزائمهم عن الجهاد، وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير، وهذا لا يتفق في المواقف الخطرة مع المصلحة. والله عليم علم إحاطة بأحوال الظالمين الظاهرة والباطنة، فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، ومجازيهم على أعمالهم كلها. وفي هذا دلالة واضحة على أن خروج المنافقين لتبوك شر لا خير فيه، وضعف لا قوة.
وتذكيرا واقعيا للمؤمنين، بموقف من الماضي، ذكر الله تعالى نوعا آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم تحقيرا لهم، وإبطالا لسعيهم، فقال سبحانه: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ.. أي لقد أرادوا إيقاع الفتنة بين المسلمين من قبل ذلك، في غزوة أحد، حين اعتزل المؤمنين عبد الله بن أبي زعيم المنافقين بثلث الجيش في موضع يسمى الشوط بين المدينة المنورة وأحد، ثم قال للناس: أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا؟! وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة، ولكن الله عصمهم من الهوان، لقد أراد المنافقون إيقاع الفتنة في أحد بين أهل الإيمان، وأرادوا تدبير الحيل والمكايد للنبي، وفكروا في إبطال أمره، حتى جاء النصر والتأييد، وظهر أمر الله، أي غلب دينه وعلا شرعه، بالتنكيل بالأعداء من اليهود، وإبطال الشرك بفتح مكة، وانتشار الإسلام، وكل هؤلاء الأعداء كارهون انتصار المؤمنين، وظهور دعوة الإسلام.
стр. 866
شماتة المنافقين بالمؤمنين
لقد كشف القرآن الكريم عيوب المنافقين وأخلاقهم المرذولة وقبائحهم الباطنة ومكائدهم الخائبة، في مناسبات متعددة ومواقف كثيرة، فهم قوم متآمرون جبناء، خبثاء الباطن، ينتحلون الأعذار الواهية لترك الجهاد، ويشمتون بالمؤمنين إذا أصيبوا بمصيبة، ويحزنون إذا تعرضوا لحسنة، وهذه آيات كريمة تسجل عليهم هذه النقائص، قال تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٤٩- ٥٢] .
الآية الأولى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي.. نزلت في منافق اسمه: الجدّ بن قيس،
روى الطبراني وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس: يا جد بن قيس: ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ - أي الروم- فقال: يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي، ولا تفتني، فأنزل الله هذه الآية: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي
أي لا تفتني بصباحة وجوههن.
ومعنى الآية: ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد ائذن لي في القعود والتخلف عن القتال، ولا توقعني في الإثم والهلاك بالخروج معك، حتى لا أفتتن بنساء الروم،
стр. 867
منتحلين الأعذار الواهية، مظهرين التمسك بالفضيلة، فيرد الله عليهم مكذبا دعواهم، كاشفا حقيقتهم بأنهم بهذه المقالة وقعوا فعلا في الفتنة، حين انتحلوا الأعذار الكاذبة، وقعدوا عن الجهاد، إنهم سقطوا في الفتنة أي إنهم في الإثم والمعصية وقعوا. وإن نار جهنم لمحيطة بهم، لا يجدون عنها محيدا ولا مهربا، وهذا وعيد شديد لهم بأنهم أهل جهنم، لكثرة خطاياهم.
وأما آية إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ.. فإنها نزلت- كما
روى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة، يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء، يقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم- أي إلى تبوك- وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﷺ وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل الله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ...
هذا لون آخر من طبائع المنافقين المتشبعة بالكيد والخبث واستغلال الفرص لإظهار الشماتة بالمؤمنين، فإن عرضت لك أيها النبي في بعض الغزوات (المعارك الحربية) حسنة، أي فتح ونصر وغنيمة كيوم بدر، ساءهم ذلك، وإن أصابتك مصيبة، أي نكبة وشر وشدة كانهزام وتراجع في معركة كمعركة أحد، قالوا: قد اتخذنا ما يلزم من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، واحترزنا من متابعته من قبل ما وقع، إذ تركنا القتال ولم نتعرض للهلاك، لأنا متوقعون هذه الهزيمة، وانصرفوا إلى أهاليهم عن موضع التحدث والمفاخرة بآرائهم هذه، وهم مسرورون للنتيجة.
والحسنة: ما يسرّ النفس حصوله، والسيئة: ما يسوء النفس وقوعه. فأمر الله نبيه أن يجيبهم عن شماتتهم وانتهازيتهم: لن يصيبنا أبدا إلا ما كتب وخط لنا في اللوح المحفوظ، فنحن تحت مشيئة الله وقدره، هو مولانا، أي ناصرنا ومتولي أمورنا ونتولاه، وهذا إفساد لفرحهم بإعلامهم أن الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس كما
стр. 868
اعتقدوه، بل جميع الأحداث مما قد كتبه الله للمؤمنين. والمؤمنون إذن متوكلون على الله.
ويجاب بجواب آخر للمنافقين: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، أما نحن فننتظر بكم إحدى العاقبتين السيئتين: إما تعذيبكم من الله بعذاب أو بأيدينا: وهو السبي أو القتل.
إبطال ثواب المنافقين
قبول الأعمال عند الله تعالى مشروط بقاعدة أساسية وطيدة وهي ارتكاز الأعمال الصالحة على قاعدة الإيمان بالله تعالى، فيكون الكفر والنفاق كل منهما سببا لإحباط الثواب ورد العمل في وجه صاحبه، وعدم الإفادة منه في الدار الآخرة، فيقع الكافر والمنافق في ندم شديد، لا مجال للتخلص منه، قال الله تعالى عن أعمال الكافرين: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣] . وقال سبحانه عن أعمال المنافقين:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٥]
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)
«١» [التوبة: ٩/ ٥٣- ٥٥] .
نزلت الآية- كما روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: قال الجدّ بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي، قال: ففيه
стр. 869
نزلت: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ أي لقوله: أعينك بمالي. فهذه الآية نزلة في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله ﷺ : هذا مالي أعينك به، فاتركني.
والمعنى: قل أيها النبي للمنافقين: مهما أنفقتم من نفقة في سبيل الله ووجوه البر طائعين أو مكرهين، لن يتقبل منكم، لأنكم كفرتم بالله ورسوله، وما زلتم في شك مما جاء به الرسول من الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة، ولأنكم قوم فاسقون، أي عتاة متمردون خارجون عن الإيمان، والأعمال إنما تصح بالإيمان وإِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٥/ ٢٧] .
وما منع قبول نفقات المنافقين إلا مجموع هذه الأمور الثلاثة: وهي الكفر بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا في حال الكسل، والإنفاق على سبيل الكراهية والبغض. فالمنافقون كفروا بالله ورسوله وبما جاء به بالفعل، والأعمال إنما تصح بالإيمان، وهم لا يصلون أمام الناس إلا وهم كسالى، لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها عقابا، فهي ثقيلة عليهم، كما قال تعالى: وَإِنَّها- أي الصلاة- لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: ٢/ ٤٥] . ولا ينفقون نفقة في سبيل الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لها، لا تطيب بها أنفسهم، لأنهم لا ينفقون لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة، وسترا للنفاق، ويعدون الإنفاق مغرما وخسارة بينهم.
فلا تعجبك أيها النبي وكل مشاهد أو سامع أموال المنافقين ولا أولادهم ولا سائر نعم الله عليهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات عليهم. والكلام بهذا الأسلوب أو اللفظ تحقير شأن المنافقين، فإن إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها.
أما أموالهم في الدنيا فهي سبب تعذيبهم بها حيث يتعبون في جمعها، ويصحبها
стр. 870
الهم والقلق، ثم ينفقونها كارهين في الجهاد والزكاة وتقوية غيرهم وكذلك أولادهم ربما كانوا سبب ألم وكرب، وفي الآخرة يعذبون عذابا شديدا، حيث تزهق أنفسهم أي يموتون على الكفر الذي يحبط العمل الصالح، وتكون النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة، والحال أنهم ماتوا وهم كافرون، وذلك هو الخسران المبين. فما يظن المنافقون في صدر الإسلام أنه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم.
والخلاصة: إن النفاق مرض خطير جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا ومبطل لجميع الخيرات فيهما، وإن أفعال الكافر والمنافق إذا كانت برّا كصلة الرحم وإطعام الفقير والمسكين وإغاثة المظلوم ينتفع بها في الدنيا، فترد عنه بعض المصائب، أما أن ينتفع بها في الآخرة فلا دليل عليه،
قالت عائشة أم المؤمنين للنبي ﷺ : يا رسول الله، أرأيت عبد الله بن جدعان- وهو الذي تم في منزله في الجاهلية عقد حلف الفضول الإنساني- أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» .
وأما أفعال الكافر والمنافق القبيحة فإنها تزيد في عذابه، وبذلك يكون التفاضل بين الكفار في عذاب جهنم بحسب قبح أفعالهم.
نموذج من صفات المنافقين وأخلاقهم
طويت نفوس المنافقين وطبائعهم على أخس الصفات وأحط مظاهر الجبن والضعف والغدر لحماية موقفهم المتخاذل والتستر على كفرهم وترددهم بين الإسلام والجحود والإنكار وموالاة غير المسلمين، فأقدموا على الأيمان الكاذبة مرارا، ولم يتركوا فرصة إلا استغلوها للطعن بالنبي ﷺ مثل أخذ النبي ﷺ الصدقات من الأغنياء وتوزيعها بين المستحقين، متهمين النبي بالجور والمحاباة وعدم مراعاة العدل، وصف الله تعالى في قرآنه هذه الأخلاق بقوله سبحانه:
стр. 871
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [التوبة: ٩/ ٥٦- ٥٩] .
روى البخاري والنسائي في بيان سبب نزول آية اللمز في الصدقات عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ يقسم قسما، إذا جاءه ذو الخويصرة التميمي- وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج- فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة» ،
فنزلت فيهم الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ.. الآية.
هذه صور من أخلاق المنافقين تبين حقيقتهم، وتنبئ عن قلقهم ومخاوفهم المسيطرة على نفوسهم الضعيفة وتذبذبهم، فهم يحلفون بالله الأيمان الكاذبة بأنهم لمنكم، أي من جملة المسلمين، وهم في الواقع ليسوا منكم، فهم على غير دينكم، بل هم أهل شك وريبة ونفاق، ولكنهم قوم جبناء يخافونكم أيها المؤمنون فيحلفون، مظهرين الإيمان، مبطنين الكفر، ومسرّين النفاق، كما جاء في آية أخرى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) [البقرة:
٢/ ١٤] .
стр. 872
ومن مظاهر خوفهم: أنهم يتمنون الهرب والفرار من الأرض الإسلامية والعيش بعيدين عن المسلمين، فلو وجدوا ملجأ، أي مكانا يتحصنون فيه، أو مغارة، أي كهفا في الجبال، أو سربا في الأرض، أو مسلكا للدخول فيه بمشقة، لولوا إليه، أي رجعوا إليه، وهم يجمحون، أي يسرعون في ذهابهم عنكم على نحو لا يقاوم، لأنهم إنما يعيشون معكم كرها، لا محبة وودا، وضرورة لا اختيارا، فهم في هم وقلق، وحزن وغم، لتقدم الإسلام ورفعته، وانحدار الشرك وهزيمة المشركين.
بل وأوقح من هذا، فمن المنافقين من يعيب عليك ويطعن بك أيها النبي الرسول في قسمة الصدقات صدقات الأغنياء وزكواتهم أو الغنائم الحربية، فيطالب ذو الخويصرة رأس الخوارج رسول الله بالعدل قائلا: اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟! ثم يقول رسول الله:
احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون.
ثم وصفهم الله تعالى العالم بالخفيات والأسرار بأن رضا هؤلاء المنافقين وسخطهم لمصلحة أنفسهم، لا للدين والحق والعدل وصلاح أهله لأن رسول الله ﷺ تألف واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه، فقال تعالى:
فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ أي إن أعطوا من الزكاة أو من الغنائم، ولو بغير حق رضوا، وإن لم يعطوا منها أعلنوا التبرم والسخط، حتى وإن لم يستحقوا العطاء، فهم إنما يغضبون لأنفسهم ومنافعهم، لا للمصلحة العامة.
ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله والرسول من الغنائم وطابت به أنفسهم، وقالوا:
كفانا فضل الله وعطاؤه وصنعه، وكفانا ما أخذناه، وسيرزقنا الله غنيمة أخرى، ويعطينا رسول الله أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى الله في طلب فضله ورضاه لراغبون، لا نرغب إلى غيره أبدا، لو أنهم رضوا بذلك وقالوا هذا القول الجميل لكان خيرا لهم وأولى وأكرم.
стр. 873
مصارف الزكاة
الزكاة أحد أركان الإسلام شرعت إغناء للفقراء وأخذا بيد الضعفاء وتحقيقا لما يسمى بمبدإ التكافل الاجتماعي لأن الإسلام يحض على التعاون ويكره التباعد والتنافر بين الناس، لذا حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة تحديدا دقيقا واضحا لغاية معينة وهي علاج الفقر، ومواساة الضعفاء والعاجزين، وجاء هذا التحديد في الآية القرآنية الكريمة التالية:
[سورة التوبة (٩) : آية ٦٠]
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [التوبة: ٩/ ٦٠] .
حصر الله تعالى بكلمة إِنَّمَا في مطلع هذه الآية مصارف الزكاة، والمعنى: إنما الزكوات المفروضة مستحقة لهؤلاء المسلمين المعدودين دون غيرهم، وهذا رد على المنافقين الذين عابوا النبي ﷺ في الصدقات، لبيان مصارفها من غير نقد من أحد، ولا مجال للاعتراض أو الطعن في الرسول ﵊ في قسمة الزكوات الواجبة، فهي مقصورة على ثمانية أصناف من المسلمين، وإنما اختلف العلماء في صورة القسمة، فرأى جماعة كالإمام مالك وأبي حنيفة وابن حنبل: أن ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب أهل الحاجة ولو لصنف واحد. ورأى آخرون كالإمام الشافعي: أن الزكاة ثمانية أقسام على ثمانية أصناف، لا يخلّ بواحد منها إلا أن إعطاء المؤلفة قلوبهم يكون عند وجود الداعي إلى التأليف، ولا يجوز صرف الزكاة لأقل من ثلاثة أشخاص من كل صنف لأن أقل الجمع ثلاثة.
стр. 874
الصنف الأول: هم الفقراء المعدمون المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم، ولا يملكون شيئا من مال ولا كسب يغطي حوائجهم.
والصنف الثاني: هم المساكين الذين يملكون أقل من كفايتهم، أي أن لديهم شيئا من المال أو الدخل، ولكنه أقل من الحاجة، أو المصاريف الضرورية اللازمة للأسرة من زوجين وأولاد. وهذا يتغير بتغير الزمان وأحوال المدخولات وأسعار الأشياء وظروف المعيشة المتوسطة المعتادة.
وأجمع العلماء على أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه، ويرى الإمام أبو حنيفة: أن من ملك نصاب الزكاة وهو يقدر اليوم ب ٣٩٠٠٠ ل. س، فلا يأخذ من الزكاة، ويعطى من الزكاة في رأي المالكية والشافعية من لم يجد من المال كفاية السنة. ولا تنقل الزكاة من بلد المال الذي تجب فيه الزكاة إلى بلد آخر إلا لضرورة أو حاجة، كأن لم يوجد فقراء في البلد، أو لقريب محتاج، أو لفقير أحوج إلى المال، أو أصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين.
الصنف الثالث: هم العاملون على جباية الزكاة من أهلها، وهم السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام الحاكم لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك، ويشمل ذلك في عصرنا القائمين على مؤسسات أو صناديق الزكاة في البلدان الإسلامية. ويعطى هؤلاء بقدر كفايتهم بصفة أجر على عملهم وإن كانوا أغنياء.
الصنف الرابع: هم المؤلفة قلوبهم وهم غير المسلمين لتأليف قلوبهم على الدخول في الإسلام، أو المسلمون الذين أظهروا الإسلام، ولكنهم ضعاف النية واليقين، والعزيمة والاستقرار في ساحة هذا الدين، يعطون من الزكاة لتثبيت وتقوية إسلامهم وعزائمهم، أو لأنهم شرفاء في قومهم يتوقع بإعطائهم من الزكاة استمالة أتباعهم ونظرائهم. ويستمر هذا المصرف عند الحاجة.
стр. 875
الصنف الخامس: وهم الأرقاء أو العبيد المكاتبون المسلمون الذين كاتبهم أو تعاقد معهم أسيادهم على التحرير إذا قدموا أقساطا من المال في فترة زمنية معينة، ولم يعد لهم وجود الآن بعد الاتفاق العالمي على إنهاء الرق من العالم عام ١٩٥٢.
الصنف السادس: وهم الغارمون، أي المدينون الذين ركبهم الدّين ولا وفاء عندهم به، أو الذين استدانوا مبلغا من المال لإصلاح ذات البين بين فريقين من الناس، ولو كانوا غير مسلمين.
الصنف السابع: في سبيل الله، وهم المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند، يعطون ما ينفقون في معاركهم، ولو كانوا أغنياء، ترغيبا لهم في الجهاد.
الصنف الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المحتاج المنقطع في أثناء الطريق عن بلده، أو الذي يريد السفر في طاعة غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة.
والطاعة تشمل الحج والجهاد والزيارة المندوبة، وليست المباحة فقط كالرياضة والسياحة. هؤلاء الأصناف الثمانية هم مستحقو الزكاة دون غيرهم.
أوصاف أخرى للمنافقين
كان القرآن الكريم حكيما معتدلا في حكمه على المنافقين عند نزول الوحي، سكت عنهم في مبدأ الأمر، ثم كشف عن زيفهم وسوء أخلاقهم وطبائعهم، وأظهر خبث أعمالهم وتصرفاتهم، وفحش أقوالهم وكلامهم، وموقفهم العدائي من نبي الله ومن المؤمنين، وهذه أوصاف أخرى لهم، قال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)
«١» «٢»
стр. 876
«١» [التوبة: ٩/ ٦١- ٦٣] .
نزلت آية إيذاء النبي ﷺ فيما روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس- قال: كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله، فيجلس إليه، فيسمع منه، وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ الآية.
هذا لون آخر من جهالات المنافقين وحماقتهم، فمنهم من كان يقول في رسول الله ﷺ : إنه أذن، أي سمّاع لكل قول، على وجه الطعن والذم، وإنه يصدق كل من حلف له، فهو أذن سامعة، يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، فإذا جئنا إليه وحلفنا له صدّقنا، أي أنه سليم القلب، يغتر بكل ما يسمع، دون أن يتدبر فيه ويميز بين الأمور. فرد الله عليهم بأن النبي أذن خير، لا أذن شر، أي مستمع خير، لا مستمع شر، فيسمع ما يجب استماعه، ولكنه يعرف الصادق من الكاذب، ويعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها بناء على الظاهر منهم، ولا يكشف أسرارهم.
إن نبي الله قوي الإيمان، صافي القلب، لا يريد مجابهة المسيء بإساءته، فهو خير شامل ووجه الخيرية أنه يصدق بالله تصديقا جازما، ويؤمن بما أوحي إليه من ربه، ويصدق كلام المؤمنين الخلّص من المهاجرين والأنصار، لا غيرهم، وهو رحمة لأهل الإيمان، يقبل الإيمان الظاهر ولا يكشف الأسرار، مراعاة للمصلحة، وإعطاء للفرصة باستقامة واعتدال المنحرفين، ولا يصدق خبر المنافقين، ويعرف حقيقة أمرهم، وهو رحمة للعالمين، بهدايتهم لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 877
وحينما تمادى المنافقون في غيهم وضلالهم، نزلت سورة التوبة (براءة) تفضح شأنهم، فسميت بالفاضحة أو الكاشفة فاضحة المنافقين وكاشفتهم، وكان يقال لها المنبئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم وقبائحهم.
ومن قبائحهم جميعا أنهم يحلفون كثيرا الأيمان الكاذبة ليرضى المؤمنون عنهم، ويعتذروا عن أفعالهم، ويحاولوا إعلان أنهم من المسلمين في الدين، والحال أن الله تعالى يعلم كذبهم، وأن الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، فعليهم إظهار الإيمان الصادق والطاعة الحقيقية، إن كانوا مؤمنين بحق.
ثم وبخهم الله تعالى مبينا خطورة هذا الموقف، ومضمون التوبيخ: ألم يعلم هؤلاء المنافقون ويتحققوا أن من عادى الله ورسوله وخالفه بتجاوز حدوده أو الطعن برسوله في أعماله أو أقواله، فجزاؤه جهنم خالدا فيها أبدا، مهانا معذبا فيها إلى الأبد، وذلك العذاب هو الخزي العظيم، أي الذل الكبير والشقاء الشنيع.
وسبب نزول آية يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ فيما
روى ابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل من آي القرآن: والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال: ما الذي حملك على الذي قلت؟ فجعل يتلعن (يلعن نفسه) ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدّق الصادق، وكذّب الكاذب، فأنزل الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ.
إن كثرة الحلف من المنافقين كانت بقصد إبعاد التهم والشبهات عنهم، ولكن الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما تكنه الصدور، كشف أكاذيب المنافقين
стр. 878
وأظهر أنهم قوم يبطنون غير ما يظهرون، والله تعالى لهم بالمرصاد، يعاقبهم في الدنيا والآخرة.
تخوف المنافقين من نزول القرآن فاضحا لهم
إن إحسان المنافقين بنفاقهم هو الذي جعلهم يحذرون من نزول آيات قرآنية تتلى في حقهم، تكشف أمرهم، وتهتك سترهم، وتعلن للملأ حقيقة أمرهم، وهذا الإحسان في محله، وقد وقع ما كانوا يتخوفون منه، فنزلت الآيات التالية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)
«١» [التوبة: ٩/ ٦٤- ٦٦] .
نزلت آية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..- فيما
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عمر- قال: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك في مجلس يوما: ما رأينا مثل قرآن هؤلاء، ولا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء!! فقال له رجل: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله، ونزل القرآن.
وسمي الرجل في رواية أخرى: عبد الله بن أبي، أو وديعة بن ثابت، وهذا هو الأصح، لأن عبد الله لم يشهد تبوك.
هذه الآيات تخبر عن حال قلوب هؤلاء المنافقين، فهم يحذرون أن تتلى سورة في شأنهم، وهل تنزل آيات فيهم أو لا؟ فذلك معتقدهم الظاهر من الآية، فرد الله
стр. 879
عليهم على سبيل التهديد والوعيد بقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي استهزءوا بآيات الله كما يحلو لكم وكما تريدون فإن الله مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم. قال الطبري: كان المنافقون إذا عابوا رسول الله ﷺ وذكروا شيئا من أمره قالوا: «لعل الله لا يفشي سرنا» فنزلت الآية في ذلك. وهذا مثل قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) [محمد:
٤٧/ ٢٩- ٣٠] .
ثم أقسم الله تعالى بأنه إن سألتهم أيها الرسول عن أقوالهم هذه وهزئهم بالقرآن أو بالنبي محمد، لاعتذروا عنها بأنهم لم يكونوا جادّين فيها، بل هازلين لاعبين خائضين في اللغو بقصد التسلي واللهو، فوبخهم الله وأنكر عليهم بقوله: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ أي إن المجال ليس مجال استهزاء، فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسول كفر محض وشر مستطير.
فردّ الله عليهم: قل لهم يا محمد ليس قولكم عذرا مقبولا، وقل لهم على جهة التوبيخ، لا تعتذروا أبدا بهذا وغيره، ولا تفعلوا ما لا ينفع، للتخلص من هذا الجرم العظيم، فإنكم قد كفرتم وظهر كفركم، كما أظهرتم إيمانكم، وتبين أمركم للناس قاطبة.
فإن نعف عن بعضكم أو طائفة منكم لتوبتهم الخالصة، وهو رجل واحد اسمه مخشّ بن حميّر، نعذب طائفة، أي جماعة أخرى لبقائهم على النفاق، وارتكابهم الآثام، وإجرامهم في حق أنفسهم وغيرهم، فتعذيبكم بسبب إجرامكم.
إن هذه الآيات الكريمة تدل دلالة واضحة على أن الهزل في الدين وأحكامه،
стр. 880
والخوض في كتاب الله ورسله وصفاته بغير علم يعد جهلا وكفرا، لأن الهزل أخو الباطل والجهل، والإيمان يتطلب الأدب والعلم وتعظيم الله وآياته وأنبيائه.
ولا يقتصر الكفر على القلب، وإنما يشمل الأقوال والأفعال المكفرة. وإذا كان المنافقون كفارا قبل نزول هذه الآيات بسبب نفاقهم، فإن استهزاءهم كفر بعد كفر لأن الكفر يتجدد، وقد كفروا بعد أن كانوا مؤمنين في الظاهر.
ولا طريق للمنافقين لإصلاح شأنهم إلا بالتوبة الشاملة من النفاق، والتوبة عن الكفر أو النفاق مقبولة في كل وقت، فمن تاب عفي عنه، ومن أصر على الكفر أو النفاق عوقب في جهنم. وهذا أمر من أساسيات العقيدة، فلا يصح الهزل أو الهزء في قضايا العقائد، ومثل ذلك في العقود الزواج والطلاق،
لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» .
أما الهزل في بقية العقود كالبيع والإجارة والشركة فلا يترتب عليه أثر، ولا ينعقد العقد في حال الهزل.
المنافقون قوم هدامون لبنية المجتمع
لم يقتصر سوء خلق المنافقين على أنفسهم وتكوينهم القبيح، وإنما تعدى ضررهم وقبح أخلاقهم إلى المجتمع، بقصد هدم بنيته وتقويض وجوده من طريق ترويج الرذيلة والمنكر، ومحاربة الفضيلة والمعروف، وهذا يشبه اتجاه بعض الحركات الهدامة المعاصرة، كالصهيونية في (بروتوكولات حكماء صهيون) . ولا شك بأن الضرر العام أسوأ أثرا من الضرر الخاص، قال الله تعالى مبينا تحركات المنافقين في هدم القيم الإنسانية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٧ الى ٧٠]
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)