«١» [التوبة: ٩/ ٦١- ٦٣] .
نزلت آية إيذاء النبي ﷺ فيما روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس- قال: كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله، فيجلس إليه، فيسمع منه، وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ الآية.
هذا لون آخر من جهالات المنافقين وحماقتهم، فمنهم من كان يقول في رسول الله ﷺ : إنه أذن، أي سمّاع لكل قول، على وجه الطعن والذم، وإنه يصدق كل من حلف له، فهو أذن سامعة، يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، فإذا جئنا إليه وحلفنا له صدّقنا، أي أنه سليم القلب، يغتر بكل ما يسمع، دون أن يتدبر فيه ويميز بين الأمور. فرد الله عليهم بأن النبي أذن خير، لا أذن شر، أي مستمع خير، لا مستمع شر، فيسمع ما يجب استماعه، ولكنه يعرف الصادق من الكاذب، ويعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها بناء على الظاهر منهم، ولا يكشف أسرارهم.
إن نبي الله قوي الإيمان، صافي القلب، لا يريد مجابهة المسيء بإساءته، فهو خير شامل ووجه الخيرية أنه يصدق بالله تصديقا جازما، ويؤمن بما أوحي إليه من ربه، ويصدق كلام المؤمنين الخلّص من المهاجرين والأنصار، لا غيرهم، وهو رحمة لأهل الإيمان، يقبل الإيمان الظاهر ولا يكشف الأسرار، مراعاة للمصلحة، وإعطاء للفرصة باستقامة واعتدال المنحرفين، ولا يصدق خبر المنافقين، ويعرف حقيقة أمرهم، وهو رحمة للعالمين، بهدايتهم لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 877
وحينما تمادى المنافقون في غيهم وضلالهم، نزلت سورة التوبة (براءة) تفضح شأنهم، فسميت بالفاضحة أو الكاشفة فاضحة المنافقين وكاشفتهم، وكان يقال لها المنبئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم وقبائحهم.
ومن قبائحهم جميعا أنهم يحلفون كثيرا الأيمان الكاذبة ليرضى المؤمنون عنهم، ويعتذروا عن أفعالهم، ويحاولوا إعلان أنهم من المسلمين في الدين، والحال أن الله تعالى يعلم كذبهم، وأن الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، فعليهم إظهار الإيمان الصادق والطاعة الحقيقية، إن كانوا مؤمنين بحق.
ثم وبخهم الله تعالى مبينا خطورة هذا الموقف، ومضمون التوبيخ: ألم يعلم هؤلاء المنافقون ويتحققوا أن من عادى الله ورسوله وخالفه بتجاوز حدوده أو الطعن برسوله في أعماله أو أقواله، فجزاؤه جهنم خالدا فيها أبدا، مهانا معذبا فيها إلى الأبد، وذلك العذاب هو الخزي العظيم، أي الذل الكبير والشقاء الشنيع.
وسبب نزول آية يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ فيما
روى ابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل من آي القرآن: والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال: ما الذي حملك على الذي قلت؟ فجعل يتلعن (يلعن نفسه) ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدّق الصادق، وكذّب الكاذب، فأنزل الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ.
إن كثرة الحلف من المنافقين كانت بقصد إبعاد التهم والشبهات عنهم، ولكن الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما تكنه الصدور، كشف أكاذيب المنافقين
стр. 878
وأظهر أنهم قوم يبطنون غير ما يظهرون، والله تعالى لهم بالمرصاد، يعاقبهم في الدنيا والآخرة.
تخوف المنافقين من نزول القرآن فاضحا لهم
إن إحسان المنافقين بنفاقهم هو الذي جعلهم يحذرون من نزول آيات قرآنية تتلى في حقهم، تكشف أمرهم، وتهتك سترهم، وتعلن للملأ حقيقة أمرهم، وهذا الإحسان في محله، وقد وقع ما كانوا يتخوفون منه، فنزلت الآيات التالية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)
«١» [التوبة: ٩/ ٦٤- ٦٦] .
نزلت آية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..- فيما
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عمر- قال: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك في مجلس يوما: ما رأينا مثل قرآن هؤلاء، ولا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء!! فقال له رجل: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله، ونزل القرآن.
وسمي الرجل في رواية أخرى: عبد الله بن أبي، أو وديعة بن ثابت، وهذا هو الأصح، لأن عبد الله لم يشهد تبوك.
هذه الآيات تخبر عن حال قلوب هؤلاء المنافقين، فهم يحذرون أن تتلى سورة في شأنهم، وهل تنزل آيات فيهم أو لا؟ فذلك معتقدهم الظاهر من الآية، فرد الله
стр. 879
عليهم على سبيل التهديد والوعيد بقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي استهزءوا بآيات الله كما يحلو لكم وكما تريدون فإن الله مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم. قال الطبري: كان المنافقون إذا عابوا رسول الله ﷺ وذكروا شيئا من أمره قالوا: «لعل الله لا يفشي سرنا» فنزلت الآية في ذلك. وهذا مثل قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) [محمد:
٤٧/ ٢٩- ٣٠] .
ثم أقسم الله تعالى بأنه إن سألتهم أيها الرسول عن أقوالهم هذه وهزئهم بالقرآن أو بالنبي محمد، لاعتذروا عنها بأنهم لم يكونوا جادّين فيها، بل هازلين لاعبين خائضين في اللغو بقصد التسلي واللهو، فوبخهم الله وأنكر عليهم بقوله: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ أي إن المجال ليس مجال استهزاء، فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسول كفر محض وشر مستطير.
فردّ الله عليهم: قل لهم يا محمد ليس قولكم عذرا مقبولا، وقل لهم على جهة التوبيخ، لا تعتذروا أبدا بهذا وغيره، ولا تفعلوا ما لا ينفع، للتخلص من هذا الجرم العظيم، فإنكم قد كفرتم وظهر كفركم، كما أظهرتم إيمانكم، وتبين أمركم للناس قاطبة.
فإن نعف عن بعضكم أو طائفة منكم لتوبتهم الخالصة، وهو رجل واحد اسمه مخشّ بن حميّر، نعذب طائفة، أي جماعة أخرى لبقائهم على النفاق، وارتكابهم الآثام، وإجرامهم في حق أنفسهم وغيرهم، فتعذيبكم بسبب إجرامكم.
إن هذه الآيات الكريمة تدل دلالة واضحة على أن الهزل في الدين وأحكامه،
стр. 880
والخوض في كتاب الله ورسله وصفاته بغير علم يعد جهلا وكفرا، لأن الهزل أخو الباطل والجهل، والإيمان يتطلب الأدب والعلم وتعظيم الله وآياته وأنبيائه.
ولا يقتصر الكفر على القلب، وإنما يشمل الأقوال والأفعال المكفرة. وإذا كان المنافقون كفارا قبل نزول هذه الآيات بسبب نفاقهم، فإن استهزاءهم كفر بعد كفر لأن الكفر يتجدد، وقد كفروا بعد أن كانوا مؤمنين في الظاهر.
ولا طريق للمنافقين لإصلاح شأنهم إلا بالتوبة الشاملة من النفاق، والتوبة عن الكفر أو النفاق مقبولة في كل وقت، فمن تاب عفي عنه، ومن أصر على الكفر أو النفاق عوقب في جهنم. وهذا أمر من أساسيات العقيدة، فلا يصح الهزل أو الهزء في قضايا العقائد، ومثل ذلك في العقود الزواج والطلاق،
لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» .
أما الهزل في بقية العقود كالبيع والإجارة والشركة فلا يترتب عليه أثر، ولا ينعقد العقد في حال الهزل.
المنافقون قوم هدامون لبنية المجتمع
لم يقتصر سوء خلق المنافقين على أنفسهم وتكوينهم القبيح، وإنما تعدى ضررهم وقبح أخلاقهم إلى المجتمع، بقصد هدم بنيته وتقويض وجوده من طريق ترويج الرذيلة والمنكر، ومحاربة الفضيلة والمعروف، وهذا يشبه اتجاه بعض الحركات الهدامة المعاصرة، كالصهيونية في (بروتوكولات حكماء صهيون) . ولا شك بأن الضرر العام أسوأ أثرا من الضرر الخاص، قال الله تعالى مبينا تحركات المنافقين في هدم القيم الإنسانية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٧ الى ٧٠]
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)
стр. 881
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [التوبة: ٩/ ٦٧- ٧٠] .
الآيات الكريمة تقرير حاسم بأن الخبيث لا يلد إلا خبيثا، كما أن الطيب لا يلد إلا طيبا، وفي المثل العربي: «إنك لا تجني من الشوك العنب» ومطلع الآيات إخبار وحكم من الله تعالى بأن المنافقين والمنافقات بعضهم يشبه بعضا في الحكم والمنزلة من الكفر، وفي صفة النفاق والبعد عن الإيمان، وفي الأخلاق والأعمال، فهم سلالة خبيثة يأمرون بهدم قيم المجتمع، يأمرون الناس بالمنكر: وهو ما أنكره الشرع ونهى عنه واستقبحه العقل السليم والعرف الصحيح، كالكذب والخيانة ونقض العهد وخلف الوعد، وينهون الناس عن المعروف: وهو كل ما أمر به الشرع وأقره العقل والطبع السليمان كالجهاد وبذل المال في سبيل الله. وأهل النفاق أيضا قوم بخلاء، يقبضون أيديهم عن الإنفاق لمصلحة عامة أو عن الجهاد، وعن كل ما يرضي الله، ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تكاليف الشرع، مما أمر الله به ونهى عنه، فنسيهم الله، أي جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة المنسيين، بحرمانهم من لطفه ورحمته،
стр. 882
وفضله وتوفيقه في الدنيا، ومن الثواب في الآخرة، إن المنافقين هم الفاسقون، أي الخارجون عن طريق الحق والاستقامة، الوالغون الداخلون في طريق الضلالة، المتمردون في الكفر، المنسلخون عن كل خير.
ثم أكد الله تعالى وعيده السابق للمنافقين بمجازاتهم وضمهم إلى الكفار، فأوعدهم نار جهنم يدخلونها، ماكثين فيها أبدا، وخالدين مع الكفار الأصليين، هي حسبهم، أي كفايتهم في العذاب، ولعنهم الله، أي طردهم وأبعدهم من رحمته، ولهم عذاب دائم مستمر غير عذاب جهنم والخلود فيها.
وأوضح الله تعالى بعدئذ وجود الشبه بين المنافقين والكفار السابقين، فهم مثلهم مغرورون بالدنيا، لكنّ السابقين كانوا أشد من المنافقين قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وتمتع الفريقان بملاذ الدنيا، وخاضوا في مشاغلها ولذائذها وحظوظها الزائلة، وشغلوا عن التمتع بكلام الله وهدي أنبيائه، ولم ينظروا في عواقب الأمور، ولم يعملوا على طلب الفلاح في الآخرة، والفرق بين الفريقين أن دواعي الخير توافرت لدى المنافقين، ولكن كانت دواعي الشر عند الكفار السابقين، فكان المنافقون أسوأ حالا من الكفرة السابقين، وأولئك الكفار حبطت وبطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة. وكانوا هم الخاسرين، فيكون المنافقون مثلهم.
ثم وعظ الله المنافقين المكذبين الرسل وأنذرهم بقوله: أَلَمْ يَأْتِهِمْ.. أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل وهم قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان وعاد قوم هود الذين أهلكوا بالريح العقيم، وثمود قوم صالح الذين أخذتهم الصيحة وقوم إبراهيم الذين سلبهم الله النعمة وقتل ملكهم النمرود بالبعوضة، والمؤتفكات أصحاب قرى قوم لوط في مدائن الذين أهلكهم الله بالخسف والزلزلة،
стр. 883
وما كان الله ليهلك أولئك الأقوام ظلما وجورا، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بسبب أفعالهم القبيحة وتكذيبهم الرسل، ومخالفة الحق، والعمل بالباطل.
والخلاصة: إن المنافقين يعملون على هدم قيم المجتمع، ويعادون الحضارة الإنسانية، فاستحقوا التدمير والمحق من الوجود، والعذاب في الآخرة.
المؤمنون بناة المجتمع الفاضل
بعد أن أبان الله تعالى صفات المنافقين والمنافقات، وأنهم هدامون لبنية المجتمع، وأعداء للحضارة الإنسانية الرشيدة، أعقب ذلك ببيان صفات المؤمنين والمؤمنات، وأنهم بناة المدنية والمجتمع المتحضر الفاضل، وعمار الكون وذوو الأهلية لإعلاء مجد الحضارة من الناحيتين المادية والمعنوية، وذلك لأنهم يشيدون صرح الفضيلة، ويقاومون الرذيلة، فاستحقوا البقاء والخلود في جنان الخلد، قال الله تعالى مبينا هذه الصفات الحميدة:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧١ الى ٧٢]
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
[التوبة: ٩/ ٧١- ٧٢] .
هذه هي صفات أهل الإيمان، إنها صفات إيجابية سامية، تخدم الفرد والجماعة، والأمة والمجتمع، ذكرها الله تعالى ترغيبا في الإيمان، وتنشيطا له، تلطفا من الله تعالى، مع مقارنة واضحة بين المؤمنين والمنافقين، فبين المؤمنين ولاية في الله خاصة ومناصرة لمبدأ الحق والعدل والفضيلة، وتعاون فيما بينهم وجزاؤهم الجنة، وأما
стр. 884
المنافقون فلا ولاية بينهم ولا شفاعة لهم، ولا يدعو بعضهم لبعض، وجزاؤهم نيران جهنم.
وهكذا شأن القرآن يذكر المتقابلات والأضداد، للعبرة والعظة، وإظهار الفروق، لاختيار الإنسان ما فيه المصلحة، وتجنب ما فيه المضرة والمفسدة، وليعلم المؤمنون أنهم يسيرون في طريق الهدى والرشاد، وأن المنافقين غير مؤمنين في الحقيقة، وهم سائرون في طريق الغواية والضلال.
تبين الآيات أن أهل الإيمان من الذكور والإناث متناصرون متعاضدون على الخير والمعروف والفضيلة وتقدم المجتمع، متآزرون في المواقف الصعبة كالهجرة والجهاد، الرجال يعتصمون بالعفة وغض البصر، والنساء يلتزمن الأدب الجم والحشمة والحياء والتعفف وغض البصر وقوة الحديث وستر اللباس وحسن العمل. الجميع يرتبطون برابطة الأخوة والإيمان، وتسودهم المحبة والمودة والتراحم والتعاطف، على عكس المنافقين الذين لا رابطة تجمعهم، ولا عقيدة تؤلف بينهم، وإنما هم أتباع بعضهم بعضا في الشك والجبن والبخل والانهزام والتردد.
المؤمنون نقيض المنافقين يأمرون بالمعروف الذي أقره الشرع وهو عبادة الله وتوحيده وتوابع ذلك، لا بالمنكر الذي نهى عنه الشرع، وينهون عن المنكر الذي يفسد ويضر، ويمزق ويفرق بين الأخ وأخيه وهو عبادة الأوثان وتوابعها، ويقيمون الصلوات الخمس المفروضة على الوجه الأكمل بقلوب خاشعة، وعقول واعية، وأفئدة ذاكرة، ويؤتون الزكاة الواجبة مع التطوع بالصدقات والنوافل لتحسين أوضاع المجتمع وترقية أحواله، ويطيعون الله ورسوله في جميع المأمورات والمندوبات، أولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة ستغمرهم رحمة الله وفضله في الدنيا والآخرة. والتعبير بالسين في قوله تعالى: سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إعداد النفوس
стр. 885
للتهيؤ والتنعم برجاء الله والثقة بوعده وفضله، ووعد الله ناجز، والله متكفل بإنجازه، والله قوي لا يغلب ولا يمتنع عليه شيء من وعد ولا وعيد، حكيم يضع الأمور في موضعها المناسب على وفق العدل والحكمة والصواب.
ثم صرح الله تعالى بمضمون وعده لأهل الإيمان، مفصلا ثمرات الإيمان من التعرض لرحمة الله وفضله، والظفر بجنان الخلد التي تجري الأنهار من تحت أشجارها، فتزيدها متعة وحيوية وجمالا، وهم ماكثون في الجنات إلى الأبد، ولهم فيها مساكن طيبة، أي حسنة البناء، طيبة القرار، وجناتهم جنات عدن هي اسم مكان ومنزل من منازل الجنة كالفردوس، كما قال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ [مريم: ١٩/ ٦١] وللمؤمنين أيضا رضوان من الله أكبر وأعظم من الجنان، أي إن رضا الله عنهم أجل مما هم فيه من النعيم المادي المحسوس، وذلك دليل قاطع على أن السعادة الروحية أكمل وأشرف وأهنأ من السعادة الجسدية.
وهذه الأمور الثلاثة: الجنات والمساكن الطيبة في جنات عدن، والرضوان الإلهي الأكبر، هي جزاء أهل الإيمان، وذلك النعيم الجسدي والروحي هو الفوز العظيم وحده، دون ما يعده الناس فوزا من طيبات الحياة الدنيا الفانية التي يحرص عليها المنافقون والكفار ويطلبونها دائما.
بهذا يتميز أهل الإيمان والتحضر عن المنافقين دعاة الفوضى والتخلف، ولا شك بأن البقاء للأصلح، والدمار والفناء للأفسد.
أسباب جهاد غير المؤمنين
لقد تعرض المسلمون في صدر الدعوة الإسلامية لأنواع مختلفة من الأذى والتنكيل، بالقول والفعل، بالكيد والمؤامرة أحيانا، وبالسب والشتم أحيانا،
стр. 886
وبالطعن في الدين تارة، وبالحملات العسكرية المتكررة في كثير من الأوقات. ومع كل هذا هادنهم التشريع القرآني، وصبر المسلمون على إيذاء غيرهم ردحا طويلا من الزمان، ثم أذن الحق بإنذار الأعداء وقتالهم بسبب كثرة اعتداءاتهم، فقال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٧٣- ٧٤] .
أصح ما
روي في سبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة، فقال:
إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلّموا، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال له: علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فتجاوز عنهم، فأنزل الله:
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا.. الآية.
لم يبدأ المسلمون غيرهم بقتال، وإنما ابتدأ القرآن الكريم بتهديد الكفار وإنذارهم بالجهاد، وتنوعت أساليب الجهاد بحسب الأعداء المجاهدين، فكان جهاد الكافر المعلن عداوته بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف. وأسباب الجهاد:
إظهار الأعداء العداوة والمجاهرة بالكفر والتحدي، وحلف الأيمان الكاذبة، والتكلم بالكلمات الشنيعة الفاسدة، والجهاد ثلاثة أنواع: جهاد العدو الظاهر، وجهاد
стр. 887
الشيطان، وجهاد النفس والهوى، لقوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [الحج: ٢٢/ ٧٨] وقوله سبحانه: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٩/ ٤١] .
وقال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره عن أنس: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»
وما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحة عن فضالة بن عبيد:
«المجاهد: من جاهد نفسه لله أو في الله » .
ومعنى الآية التي أودّ بيانها هنا: يا أيها النبي جاهد كلا من الكفار والمنافقين، وعاملهم بالشدة والخشونة، إرهابا لهم، وقمعا لمحاولات اعتدائهم، ولهم عذابان:
عذاب الدنيا بالجهاد وعذاب الآخرة في جهنم. وذلك لأنهم يظهرون العداوة والتحدي، ويجاهرون بالكفر صراحة، ويهمّون بالفتك برسول الله ﷺ ، ويستهزئون بآيات الله وبالنبي وبالمؤمنين، ويحلفون الأيمان الكاذبة، ويتلاعبون بالدين، مظهرين الكفر بعد أن أظهروا الإسلام، وهموا بما لم ينالوا ولم يتحقق مأربهم وهو اغتيال الرسول في العقبة، بعد رجوعه من غزوة تبوك. ولم يكن لأولئك المنافقين عذر في موقفهم المعادي بالرغم من أن الله تعالى أغناهم من فضله، ورسوله أيضا بإعطائهم من الغنائم الحربية بعد أن كانوا فقراء في المدينة.
ومع كل هذا لم يبادرهم المسلمون بالقتال، وفتح الإسلام لهم باب التوبة والأمل، فإن يتوبوا من النفاق ومساوئ الأقوال والأفعال، يكن ذلك خيرا لهم وأصلح، ويفوزوا بالخير، ويقبل الله توبتهم إن صدقوا في كلامهم. وإن يتولوا عن التوبة بالإصرار على النفاق، يعذبهم الله عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو القتل وسبي الأولاد والنساء واغتنام الأموال، والعيش في حال شديدة من القلق والخوف والهمّ، وما لهم في الأرض كلها من ولي يتولى أمورهم ويدافع عنهم، ولا نصير ينصرهم وينجيهم من ألوان العذاب، وهم في صف معاد للمسلمين،
стр. 888
والمسلمون المؤمنون يوالي بعضهم بعضا ويناصره، وأما المنافقون فلا ولاية لهم ولا نصرة بينهم، لا بجلب خير لهم، ولا بدفع شر عنهم، والآية تضمنت إحاطة علم الله بهم، وتوبيخهم على ما كانوا عليه من شرور وآثام، ومواقف وتحركات مشبوهة.
بخل المنافقين
يتميز المؤمن عن المنافق بسخائه وجوده وإنفاقه المال بصدق وإخلاص في سبيل الله ومن أجل إعزاز أمته وإعلاء شأن بلاده ودينه، منتظرا من الله تعالى الثواب الجزيل، وتعويض النفقة، وإخلاف الرزق، أما المنافق الذي لا أثر للإيمان في قلبه، ولا ينتظر من الله الخير، فتراه بخيلا ممسكا المال، يخاف الفقر خوفا شديدا، من غير إحساس بانتمائه للأمة، ولا إسهام في سبيل إعزازها والذود عن حياضها، قال الله تعالى مبينا خصلة البخل المتأصلة في نفوس المنافقين:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٥ الى ٧٨]
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٧٥- ٧٨] .
ذكر بعض المفسرين كالطبري أن سبب نزول هذه الآية هو ثعلبة بن حاطب، وهو غير صحيح لأن ثعلبة هذا بدري أنصاري، شهد غزوة بدر الكبرى، وناصر النبي والمسلمين نصرا مؤزرا، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان، قال ابن عبد
стр. 889
البر: ولعل قول من قال في ثعلبة: إنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم.
وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين: نبتل بن الحارث وجدّ بن قيس، ومعتّب بن قشير، قال القرطبي: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم، إلا أن قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً يدل على أن الذي عاهد الله تعالى لم يكن منافقا من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله تعالى: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ.
فتكون الآية في بعض المنافقين الذي عاهد الله ورسوله: لئن أغناه الله من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله، كصلة الرحم والجهاد.
فلما رزقهم الله تعالى، وأعطاهم من فضله ما طلبوا، لم يوفوا بما قالوا، ولم يصدقوا فيما وعدوا، وإنما بخلوا به وأمسكوه، فلم يتصدقوا منه بشيء ولم ينفقوا منه شيئا في مصالح الأمة، كما عاهدوا الله عليه، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة عن العهد وطاعة الله، وأعرضوا إعراضا تاما عن النفقة وعن الإسلام، بسبب تأصل طبع النفاق في نفوسهم.
ولما أمدهم الله بالرزق من فضله وإحسانه، بخلوا بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما تعهدوا والتزموا، وتولوا مدبرين معرضين عن الإسلام والإيمان والإحسان. فهذه صفات ثلاث لهؤلاء المنافقين: البخل: وهو منع الحق، والتولي عن العهد وتنفيذ الالتزام، والإعراض عن تكاليف الله وأوامره. والعهد الذي كان من المنافقين إنما كان بالنية لا بالقول، فأعقبهم الله تعالى نفاقا في قلوبهم، أي صير عاقبة أمرهم نفاقا دائما في قلوبهم، أي زادهم نفاقا، أو أعقب بخلهم نفاقا، واستمر فيهم
стр. 890
ذلك النفاق ثابتا متمكنا ملازما قلوبهم إلى يوم الحساب في الآخرة، أي أنهم ماتوا منافقين.
وذكر الله تعالى سببين للموت على النفاق: وهما إخلاف الوعد والكذب، فقال سبحانه: بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ لقد أخلفوا ما وعدوا الله تعالى من التصدق والصلاح، وكذبوا بنقضهم العهد وترك الوفاء بما التزموه. ثم وبخ الله تعالى هؤلاء المنافقين بأن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يسرونه من الكلام، وما يتناجون أو يتحدثون به من الطعن في الدين، والله أعلم بما في نفوسهم مما يضمرونه من حقد وكراهية، يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، وينطبق عليهم تماما
قوله ﷺ فيما يرويه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان»
وهذا الحديث وأمثاله في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، الذين شهد الله عليهم. وصدور هذه الخصال من بعض المسلمين باعتبار النفاق اللغوي أو الاجتماعي، وأنها معاص لا نفاق في العقيدة، وأن هذه الخصال تشبه أفعال المنافقين.
جزاء المنافقين في الدنيا والآخرة
ينفر المجتمع وأهل الطبع السليم النقي من النفاق والمنافقين، لأن النفاق مرض خبيث وآفة خطيرة تجمع في مضمونها ضعف النفس ولؤم الطبع، وتبييت الغدر ومحاولة الطعن بغيرهم من المجتمع والأفراد، فلا يطمئن لهم إنسان، ولا يحمد لهم فعال، وهم أعداء الباطن والداخل، فيجب الحذر منهم والبعد عنهم، قال الله تعالى واصفا طباعهم:
стр. 891
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)
«١» »
[التوبة: ٩/ ٧٩- ٨٠] .
سبب نزول الآية: هو ما روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود البدري قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل على ظهورنا «٣» ، فجاء رجل (هو أبو عقيل واسمه الحبحاب) بشيء كثير، فقالوا: مرائي، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ.. الآية، أي يعيبونهم.
هذا لون من ألوان طبائع المنافقين وأعمالهم القبيحة، وهو لمزهم (أي عيبهم) المتطوعين الذين يأتون بالصدقات طوعا واختيارا. وهو موقف غريب يدل على تأصل النفاق في قلوبهم، وأنه لا يرجى منهم الخير أبدا. فهم لا يكتفون بالامتناع عن الإنفاق في سبيل الله، بل ويعيبون من ينفق من المسلمين المتطوعين بسخاء في الصدقات، بل والذين يبذلون أقصى جهدهم، فلا يجدون عندهم ما ينفقونه في سبيل الله إلا القليل، وتراهم لا همّ لهم إلا الطعن والهزء والسخرية، فيهزءون من جميع المتطوعين في الصدقات بالقدر القليل أو الكثير، وخصص الله تعالى المقلّين بعد المكثرين، من قبيل عطف الخاص على العام لأن السخرية منهم كانت أشد وأوقع.
فكان جزاؤهم المحقق أن الله جازاهم على سخريتهم وهزئهم بمثل ذنبهم، حيث صاروا إلى النار، وتعرضوا للعذاب المؤلم الشديد الإيلام. وعبّر الحق تعالى عن ذلك بقوله: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وهذا من قبيل ما يسمى في اللغة العربية
стр. 892
بالمشاكلة أو المشابهة، فهم يستهزئون بالمنفقين ويستخفّون منهم، فيعاقبون بما يناسب فعلهم، سخر الله منهم وهو تسمية العقوبة باسم الذنب، وهي عبارة عما حلّ بهم من المقت والذل في نفوسهم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم، وهذا وعيد محض.
وهناك حكم آخر متعلق بالمنافقين، وهو أنهم كالكفار ليسوا أهلا للاستغفار، ولا ينفعهم الدعاء، فسواء استغفر لهم الرسول أم لم يستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، ولن يستر عليهم ذنوبهم بالعفو عنها، وترك المساءلة، فيكون مثل قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة: ٩/ ٥٣] ولو فرض أن النبي ﷺ استغفر لهم سبعين مرة، أي مرات كثيرة، فلن يغفر الله لهم ولن يعفو عنهم، والآية كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:
٦٣/ ٦] . وليس المراد بالسبعين في الآية التحديد بعدد معين، فيكون ما زاد بخلافها، أي لا يصح أن يفهم أن الزيادة على السبعين يغفر معها، وإنما المراد المبالغة والتكثير في الكلام بحسب أسلوب العرب. والسبب في عدم قبول الاستغفار والدعاء للمنافقين هو ما صرح به القرآن الكريم: أنهم كفروا وجحدوا بالله ورسوله، فلم يقروا بوحدانية الله تعالى، ولم يعترفوا ببعثة النبي ﷺ ، وأصروا على الجحود والإنكار، فلم تعد قلوبهم مستعدة لقبول الخير والنور، وسنة الله وقانونه ألا يوفق للخير القوم المتمردين في الكفر، الخارجين عن الطاعة، الذين فقدوا الاستعداد للإيمان والتوبة، وذلك هو سبب اليأس من الغفران لهم وامتناعه عنهم.
فرح المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك
تمتحن الأمة والجماعات والأفراد بالمحن والمواقف الصعبة أو الحرجة، فيعرف المحسن من المسيء، والمخلص من الخائن، والصادق من الكاذب، فيكون للمحنة
стр. 893
فضل أو ميزة بكشف أحوال الناس، وتعرضهم للامتحان والاختبار، وهكذا غربلت الأحداث الجسام مواقف المعاصرين للنبي ﷺ ، ومن تلك الأحداث الحاسمة غزوة تبوك التي حدثت في الصيف، ومن أجل مجابهة عدو قوي، كثير العدد، متفوق العدد والسلاح، وهذا ما سجّله القرآن الكريم، ليكون عبرة للأجيال، ودرسا بليغا للجماعات والأفراد، قال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٨١- ٨٢] .
ذكر المفسرون روايات في بيان سبب نزول الآية،
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا ننفر في الحر، فأنزل الله: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ.
وأخرج ابن جرير أيضا عن محمد بن كعب القرظي قال: خرج رسول الله ﷺ في حر شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا الآية.
هذه آية تتضمن وصف حال المنافقين على جهة التوبيخ واللوم لهم، بسبب فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد، وفي ضمنها وعيد.
وقد نزلت الآية أثناء السفر، بقصد الذم، والإخبار عن مصير المنافقين في الآخرة، وتلك عبرة لكل متخلف عن الجهاد.
стр. 894
والمعنى: فرح أولئك المنافقون المتخلفون، أي المتأخرون عن الجهاد القاعدون في المدينة في بيوتهم، بعد أن تركهم رسول الله ﷺ عند خروجه إلى غزوة تبوك. وسبب فرحهم عدم إيمانهم بأن في الجهاد خيرا، وسبب آخر هو كراهيتهم الجهاد مع النبي ﷺ بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والفرح بالإقامة يدل على كراهة الذهاب، أي أنهم فرحوا لأمرين: التخلف والبقاء في المدينة، وكراهة الذهاب إلى الجهاد. ومنشأ هذين الأمرين هو الشّحّ إذ لا يؤمنون بالثواب في سبيل الله، مما جعلهم يضنون بالدنيا.
ولم يقتصر الأمر على فرحهم بأنفسهم، بل أغروا غيرهم بعدم الخروج، وقال بعضهم لبعض: لا تخرجوا للجهاد لأن غزوة تبوك في شدة الحر، وقد طابت الثمار والظلال المتفيأ بها. فرد الله عليهم بقوله: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا أي إن نار جهنم التي أعدت للعصاة أشد حرا مما فررتم منه من الحر، فلو كانوا يعقلون ذلك ويعتبرون به، لما خالفوا وقعدوا، ولما فرحوا بل حزنوا، فأقيمت عليهم الحجة بأن قيل لهم: فإذا كنتم تجزعون من حر القيظ، فنار جهنم التي هي أشد أحرى أن تجزعوا منها لو فهمتم.
والأولى بهم أن يضحكوا ويفرحوا قليلا، ويبكوا كثيرا، وهذا إشارة إلى مدة العمر في الدنيا، وإلى تأبيد الخلود في النار، أي إن ما هم عليه من الخطر مع الله وسوء الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلا، وبكاؤهم من أجل ذلك كثيرا.
وهذا خبر عن حالهم وارد بصيغة الأمر: فَلْيَضْحَكُوا يقصد به التهديد وانتظار ما سيلاقون من عذاب شديد، جزاء على ما اقترفوه أو اكتسبوه من الجرائم والنفاق.
وقوله: جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ متعلق بالمعنى المقدر، وهو: وليبكوا كثيرا إذ هم معذّبون جزاء. وقوله يَكْسِبُونَ نص في أن التكسب هو الذي يتعلق به الثواب
стр. 895
والعقاب. وهذا غاية العدل الإلهي، فإن الجزاء على قدر العمل، وكل إنسان مجازي بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا يحق لأحد الاعتراض ما دام العمل المكتسب هو أساس الجزاء، وميزان الأعمال، وسبب الثواب والعذاب.
معاملة النبي ﷺ أهل النفاق
إذا انكشف الموقف العدائي لقوم أو شخص، وجب الحذر منه، ومعاملته بما يستحق من اتخاذ موقف حاسم يدرأ الخطر، ويكشف العدو، ويمنع الاسترسال في عدوانه وأذاه. وإذا كان المنافقون في داخل الأمة أخطر من العدو الخارجي، وجب نبذهم وتحييدهم حتى لا يفسدوا غيرهم. ووجب إظهارهم أنهم غير مؤمنين، ولم يصح لأحد الاغترار بمظاهرهم الفاتنة في الدنيا من مال وثراء، أو ولد وجاه وغير ذلك، وهذه المواقف هي التي قررها القرآن في معاملة المنافقين، فقال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨٣ الى ٨٥]
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ٨٣- ٨٥] .
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي (زعيم المنافقين) جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب، وأخذ
стр. 896
بثوبه، وقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟
قال: إنما خيرني الله، فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وسأزيده على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل الله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ فترك الصلاة عليهم.
وقد فهم عمر ذلك من قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ على أنه تقدم نهي صريح،
وقوله ﷺ : «إنما خيرني الله»
يراد به أنه مجرد استغفار لساني لا ينفع، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له.
هذه الآيات الكريمة تبين حكم معاملة زعماء النفاق، وهي تأمر النبي ﷺ بأنه إن ردك الله من سفرك بالرجوع من غزوة تبوك إلى طائفة من المتخلفين المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى، فقل لهم تعزيرا وعقوبة: لن تخرجوا معي أبدا على أية حال، ولن تقاتلوا معي أبدا عدوا بأي وضع كان لأنكم معشر المنافقين اخترتم القعود عن أول مرة، وتخلفتم بلا عذر، وكذبتم في أيمانكم الفاجرة، وفرحتم بالقعود، وأغريتم غيركم بالتخلف عن الجهاد، فاقعدوا أبدا مع الخالفين، أي مع فئة النساء والصبيان والعجزة وأهل الأعذار.
ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يبرأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كل كافر أو منافق لا يدعى له ولا يستغفر له، لأنه كافر بالله ورسوله، ومات على الكفر أو النفاق، والفسق، أي الخروج من دين الإسلام والتمرد على أحكامه، وتجاوز حدوده وأحكامه من أوامر ونواه.
ثم خاطب الله تعالى نبيه، والمراد أمته، ممن لا تفتنه زخارف الدنيا، فلا تستحسن أيها النبي وكل مؤمن ما أنعمنا به على المنافقين وأمثالهم من الأموال
стр. 897
والأولاد، فلا يريد الله بهم الخير، إنما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بالمصائب، وتخرج أرواحهم، ويموتوا على الكفر، وهم مشغولون بالتمتع بالدنيا عن النظر في عواقب الأمور.
أكد القرآن الكريم على هذا المعنى في هذه الآية لأن الناس كانوا وما زالوا يفتتنون بصلاح حال المنافقين والكافرين في دنياهم، وهذا خطأ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وليس الغنى أو الثراء دليلا على رضوان الله على الغني أو الثري، فقد يكون ذلك فتنة، وقد يكون عدلا إلهيا أن يمتّع المنافق أو الكافر في الدنيا، ليحرم من نعيم الآخرة، وقد يكون ذلك حجة بالغة على المنحرف، فبالرغم من فضل الله عليه ورحمته به وإمداده بالمال والولد، يجحد نعم ربه، ويكفر بخالقه، فيكون ذلك سببا لتشديد عذابه وعقابه.
موقف المنافقين والمؤمنين من الجهاد
تتبين مواقف الرجال وتتجلى خصالهم العالية في أحوال تحتاج لقدر كبير من التضحية بالنفس والمال، لذا كان هذا الأمر محكّ اختبار الصادقين من الكاذبين، وبه انكشف حال الجماعة المنافقين، وتميّز شأن المؤمنين المخلصين المشاركين في الجهاد، في مواجهة تخلص أهل النفاق من القيام بالواجب بمختلف الأعذار الواهية، وقد وازن القرآن الكريم بين موقفي الفريقين في الآيات التالية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)
«١» «٢»
стр. 898
[التوبة: ٩/ ٨٦- ٨٩] .
ذم الله تعالى في هذه الآيات فريقا وامتدح فريقا آخر، ذم المتخلفين عن الجهاد مع القدرة عليه، وتوافر الثروة والغنى، فاستأذنوا الرسول ﷺ في القعود عن الجهاد، وأما المؤمنون فهم الذين يبادرون لخوض المعارك بهمة قعساء وعزيمة مضّاء.
لقد كانت عادة المنافقين التهرب من الجهاد، فكلما أنزلت سورة أو آية فيها الأمر بالإيمان والجهاد مع الرسول ﷺ ، استأذن أولو الطول، أي أصحاب الغنى والسعة وأولو المقدرة على القتال والجهاد بالمال والنفس في التخلف بأعذار واهية، قائلين للنبي: اتركنا مع القاعدين في بيوتهم من النساء والصبيان والعجزة والضعفاء، وهذا غاية الجبن والمذلة والهوان، وطعن برجولتهم، ومساس بكرامتهم وعزتهم.
إنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف المتخلفة من النساء، وفي هذا تقريع شديد وتشنيع ولو واضح، إذ يأبى الرجل العزيز أن يكون مثل المرأة في مواقف الرجولة. واستحقوا بهذا أن يختم أو يطبع على قلوبهم حتى لا ينفذ إليها النور والعرفان والهداية والعلم، فأصبحوا لا يفقهون، أي لا يفهمون ما فيه صلاح لهم، فيفعلونه، ولا ما فيه مضرّة فيجتنبونه، ولا يدركون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد.
ثم قارن الله تعالى وضع المنافقين الذين لم يجاهدوا بوضع المؤمنين، وهو أن الرسول وأهل الإيمان معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وقاموا بواجبهم خير قيام، فنالوا الخيرات (أي المستحسن من كل شيء) في الدنيا كالنصر وهزيمة الكفر، وفي الآخرة بالاستمتاع في جنات الفردوس والدرجات العالية، وأولئك هم
стр. 899
الفائزون بالسعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، على عكس المنافقين الذين حرموا منهما تماما. والسبب واضح: وهو إيمان المؤمنين الخالص المستقر في نفوسهم، وافتقاد ذلك في قلوب المنافقين، فاستحق المؤمنون الفلاح أي إدراك البغية من الجنة، وتعرض المنافقون للخسران والهلاك.
وأدى ذلك إلى أن يهيّئ الله الجنة والنعيم وأن يظفر المؤمنون بجنان الخلد التي تجري الأنهار من تحت أشجارها، ماكثين فيها على الدوام، متمتعين بالبقاء في عالم الأبد، وذلك هو الفوز العظيم، أي المرتبة العليا التي لا مرتبة فوقها والحصول على الأمل والبغية، وهم أهل السعادة الأبدية، كما أنهم في الدنيا أهل الفلاح بالاستمتاع بالنصر والعزة، والثروة والكرامة، وانتصار الإيمان على الكفر، والهداية على الضلالة.
والتفاوت الواضح بين مرتبة المؤمنين في الدنيا والآخرة ومرتبة المنافقين الكافرين منشؤه التضحية والعمل المشرّف، وهذا حق وعدالة، فلا يعقل أن يسوى بين المجدّ والمتقاعس، وبين العامل والقاعد، ومقتضى العدل في ميزان الشرع والعقل أن يكافأ المحسنون بأفضل أنواع الإحسان، وأن يهمل المسيئون ويتعرضوا لمختلف ألوان الذل والهزيمة والتعرض للعقاب الشديد لأن بناء الأمجاد وتحقيق السيادة لا يقومان إلا على سواعد العاملين المخلصين.
حكم أهل الأعذار في الجهاد
ليس الجهاد فرضا إلا على القادرين على حمل السلاح، من الرجال البالغين الأشداء، أصحاب القوة البدنية والمالية، فهم المكلفون أصالة بهذا الواجب المقدس، أما أصحاب الأعذار من النساء والضعفاء والمرضى والعاجزين عن النفقة، فلا حرج عليهم بترك الجهاد، وهذا ما أبانه القرآن الكريم في قوله تعالى:
стр. 900
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)
«١» «٢» «٣» [التوبة: ٩/ ٩٠- ٩٢] .
تضمنت الآيات الكريمة الكلام عن أربع فئات من الناس: وهم المعتذرون بحق من الأعراب، والمنافقون، والمعاقون العاجزون بالفعل، والبكاؤون. أما المعتذرون بأعذار هي حق من الأعراب البدو فهم قوم مؤمنون غير كافرين وهو رأي ابن عباس بدليل أن التقسيم في الآية يقتضي ذلك، وأنه ذكر بعدهم فريق القاعدين المكذبين، فلو كان الجميع كفارا، لم يكن لوصف الذين قعدوا بالكذب اختصاص، وتعرض الكل للعذاب الأليم، هؤلاء المعتذرون بعذر مقبول: هم كما
قال الضحاك: رهط عامر بن الطفيل أو نفر من بني غفار، جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنا إن غزونا معك، أغارت أعراب طيّ على أهالينا ومواشينا، فقال ﷺ : سيغنيني الله عنكم. جاء هؤلاء المعتذرون الأعراب بهذا العذر يطلبون الإذن من النبي ﷺ في التخلف عن غزوة تبوك، فقال لهم: «قد أنبأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم» .
وهؤلاء صادقون غير مذمومين ولا محمودين كما يظهر من الآية.
والصنف الثاني: هم الذين قعدوا عن الجهاد، الذين كذبوا الله ورسوله بادّعائهم الإيمان، وهم منافقو الأعراب الذين جاؤوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كاذبون، هؤلاء توعدهم الله بالعذاب المؤلم في نار جهنم لأنهم قوم كافرون غير مؤمنين.
стр. 901
والصنف الثالث: هم أصحاب الأعذار الحقيقية القاهرة بسبب عجزهم وضعفهم أو مرضهم أو عماهم وعرجهم، أو افتقادهم نفقة الجهاد، وهؤلاء لا إثم ولا ذنب عليهم في تركهم الجهاد إذا نصحوا لله ورسوله بنياتهم وأقوالهم سرا وجهرا، بأن أخلصوا الإيمان بالله، وأطاعوا الرسول في السر والعلن، وعرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، وحافظوا على مصلحة الأمة العليا من كتمان السر، وعدم ترويج الإشاعات الكاذبة أو المغرضة، فما على المحسنين من سبيل، أي ليس عليهم جناح ولا مؤاخذة، ولا مجال لعتابهم، ولا إثم عليهم لقعودهم عن الجهاد، والله غفور: كثير المغفرة لهم ولأمثالهم، رحيم بهم، فلا يكلفهم ما لا طاقة لهم به. أما العصاة والمنافقون فلا يغفر الله لهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن العصيان والنفاق الذي كان سببا في الإثم.
وترك التكليف بالجهاد عن أصحاب الأعذار بسبب ضعف البدن أو المرض أو الزمانة أو عدم النفقة تقرّر في آية أخرى هي قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ «١» .. [النور: ٢٤/ ٦١] .
وروى أبو داود عن أنس ابن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم سيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر» .
والصنف الرابع والأخير: هم كما ذكر ابن إسحاق في سياق غزوة تبوك جماعة البكّائين، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف أو هم ستة أو سبعة إخوة من بني مقرّن، وهو رأي جمهور المفسرين، جاؤوا إلى النبي ﷺ في غزوة تبوك ليحملهم، أي يعدّ لهم وسائل الركوب، فلم يجد ما يحملهم عليه، فتولوا
стр. 902
وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون في سفر الجهاد، وما يتطلبه في الماضي والحاضر من وسائط النقل، لحمل الأثاث والركوب، فهؤلاء في هذه الحال لا إثم ولا ذنب عليهم، وهم قوم محمودون غير مذمومين، بسبب ظهور إخلاصهم، واعتذارهم بما هو حق وعذر مقبول.
حكم المتخلفين عن الجهاد بغير عذر
من الطبيعي أن يؤاخذ الله المتخلفين عن الجهاد بغير عذر، وأن ينذر بالعذاب والعقاب أولئك المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم يحاولون الاعتذار للمؤمنين بالأعذار الكاذبة، والأساليب الملتوية، والأيمان الملفقة، قاصدين بذلك إرضاء المؤمنين، وهم غافلون تمام الغفلة عن إرضاء الله رب العالمين، وهذا بيان القرآن الكريم في شأن الفريقين، قال الله تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٣ الى ٩٦]
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)
«١» [التوبة: ٩/ ٩٣- ٩٦] .
أبان الله تعالى في آية سابقة أنه لا مؤاخذة على المؤمنين المحسنين وهم ذوو الأعذار
стр. 903
بحق، إنما المؤاخذة على من كان مستأذنا لترك الجهاد من المنافقين الأغنياء القادرين على إعداد العدة من زاد وراحلة وسلاح وغير ذلك، ولا عذر لهم مطلقا، وسبب استحقاقهم المؤاخذة: أنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء والصبيان والعجزة والمرضى وأهل الأعذار الحقيقية، وترتب على تقصيرهم وتقاعسهم أن طبع (ختم) الله على قلوبهم، حتى لا يصل إليها الخير، ولا ينفذ إليها النور، فهم لذلك لا يهتدون، ولا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا، ولا يعلمون الخير حتى يتجهوا إليه، وهكذا تظلم قلوب أهل المعاصي وتقسو، فلا تفتح لخير أو رضوان.
ذكر ابن عباس أن آيات المعتذرين المنافقين وهم ثمانون رجلا نزلت فيهم، وأمر النبي ﷺ المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم.
لقد أخبر القرآن الكريم في هذه الآيات بما سيكون من أمر المنافقين المتخلفين في المدينة وما حولها عن تبوك. إنهم حين رجوع المؤمنين من تبوك سيعتذرون للمؤمنين عن تخلفهم عن الجهاد بغير عذر، فرد الله عليهم آمرا نبيه بإخبارهم: لا تعتذروا بالأعذار الكاذبة لأنا لن نصدقكم أبدا، ولأن الله أخبرنا سلفا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وأحوالكم، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد ومناقضة الحقائق، وسيظهر الله أعمالكم للناس في الدنيا، وسوف يكون مصيركم إلى الله عالم الغيب والشهادة، بعد البعث من القبور، فيعلم ما تكتمون وما تعلنون، فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها، ويجزيكم عليها. وهذا تصريح بتوبيخ المنافقين والعقاب على أعمالهم، والتخويف من الله.
ثم أخبر الله تعالى عن تأصّل الكذب في المنافقين، إنهم سيحلفون لكم الأيمان الكاذبة معتذرين، لتعرضوا عنهم أيها المؤمنون، فأعرضوا عنهم ولا تعاتبوهم ولا
стр. 904
توبخوهم، احتقارا لهم لأنهم رجس البواطن أخباث الاعتقادات، لا يقبلون التطهير، لأنهم منافقون، ومسكنهم جهنم، جزاء بما اكتسبوه في الدنيا من الآثام والخطايا، فلا ينفع معه التوبيخ أو اللوم في الدنيا والآخرة.
وحقيقة أيمانهم الكاذبة أنها ليست لوجه الله وإنما لمجرد استرضاء لكم معشر المؤمنين لتستمروا في معاملتهم كالمسلمين. وإنكم إن رضيتم عنهم، فلا ينفعهم رضاكم، إذا كانوا في سخط الله، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، أي الخارجين عن طاعة الله والرسول، فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما وصفهم الله بقوله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
[النساء: ٤/ ١٠٨] وقوله : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ٥٩/ ١٣] . وهذا إرشاد ونهي للمؤمنين عن الرضا عن المنافقين، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله عليما ومعلما للمؤمنين منهج الحياة الاجتماعية وطريق معاملة المنافقين وغيرهم من أصحاب البدع المنكرة، فعلى المؤمنين أن يبغضوا المنافقين، وألا يرضوا عنهم لسبب دنيوي، من غير تفرقة بين منافق حضري أو بدوي.
كفر بعض الأعراب ونفاقهم
من المعلوم أن العيش في المدن والحواضر أقرب للمدنية والعلم بالأحكام الشرعية، وأن البداوة سبب للجهل والوقوع في الكفر والنفاق، فعلى سكان البوادي أو الصحاري أن يتنبهوا لهذا النقص، ويحاولوا تدارك ما هم عليه من بعد عن المدن ومواضع العلم والثقافة، فيسألوا العلماء، ويترددوا على مجالس العلم بقدر
стр. 905
الإمكان، حتى لا يبقوا في غمرة الجهل، أو التورط في الكفر والنفاق، قال الله تعالى واصفا بعض سكان البوادي وهم الأعراب:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٧ الى ٩٩]
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)
«١» «٢» «٣» «٤» [التوبة: ٩/ ٩٧- ٩٩] .
قال الواحدي: نزلت آية الْأَعْرابُ في أعاريب من أسد وغطفان ومن أعاريب حاضري المدينة. وقال ابن جرير الطبري فيما يرويه عن مجاهد: نزلت آية:
وَمِنَ الْأَعْرابِ.. في بني مقرّن الذين نزلت فيهم آية: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ.. [التوبة: ٩/ ٩٢] . وقوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً لفظة عامة، ومعناها الخصوص فيمن استثناه الله ، وهم جماعة من المنافقين كانوا في البوادي، وصفوا بالكفر والنفاق، لبعدهم عن المدن ومواضع العلم وأحكام الشرع.
والمعنى: أن بعض الأعراب سكان البادية كفرهم ونفاقهم أعظم وأشد من غيرهم، وأولى وأحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من فرائض الشرع لأنهم أغلظ طبعا، وأقسى قلبا، وأكثر جهلا وبعدا عن العلماء والعلم، ولانشغالهم بتربية الحيوان ورعي الأنعام، والمراد بالحدود هنا: السنن والأحكام ومعالم الشريعة.
هذه إحدى صفات البدو.
وهناك صفة أخرى للبدو، فبعضهم منافق، ينفق ماله رياء وسمعة وتقربا
стр. 906
للمسلمين، ويعدّ ذلك مغرما وخسارة لأنه لا يرجو به ثوابا عند الله تعالى، وينتظر الأحداث والآفات والمصائب بالمؤمنين التي لا مخلص للإنسان منها، فهي تحيط به كما تحيط الدائرة، وهم بنو أسد وغطفان. فرد الله عليهم بأن دائرة السّوء ووقوع المصيبة تدور بهم وحدهم، وتلازمهم ولا تفارقهم. وهذا وإن كان بلفظ الدعاء من الله عليهم، فالمراد به إيجاب الشيء وتحققه ولحوقه بهم: لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهم في قبضته، مثل قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) [الهمزة: ١٠٤/ ١] وقوله سبحانه: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) [المطفّفين: ٨٣/ ١] فهي كلها أحكام تامة، تضمنها خبره ﵎، وقد وقعت فيهم، وأصيبوا بالهزيمة والخذلان.
والله سميع لما يقولون عند الإنفاق، عليم بما يضمرون وبمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وهاتان الصفتان في بعض الأعراب لا تعني أنهم جميعا متصفون بهما، فمنهم مؤمنون، أي فبعض آخر من الأعراب يؤمنون إيمانا صحيحا بالله والرسول ويؤمنون باليوم الآخر، مثل جهينة ومزينة، وبني أسلم وغفار، وينوون بنفقتهم في سبيل الله القربة عند الله ، والتوصل لدعاء الرسول ﷺ ، ففي دعائه لهم خير الآخرة في النجاة من النار، وخير الدنيا في أرزاقهم ومنح الله لهم، ومن المعلوم أن الصلاة من الله على عباده رحمة، ومن النبي والملائكة دعاء، ومن الناس عبادة.
إن هذه النفقات التي ينفقها بعض الأعراب بإخلاص وحسن نية، ستكون قربة خالصة ودرجة رفيعة يتقربون بها عند الله تعالى، وسيدخلهم الله بها في رحمته، أي في جنته ورضوانه، إن الله واسع المغفرة عظيم الرحمة للمخلصين في أعمالهم، فهو سبحانه يستر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى صالح الأعمال المؤدية إلى حسن الختام والمصير، ويجعلهم أهلا لرضوانه وفضله، وإحسانه ومدده.
стр. 907
فئات الناس في مجتمع المدينة
يتركب المجتمع المدني من فئات مختلفة وأصناف شتى، فهناك المستقيم المحسن، والمعوج المسيء، والمتوسط المحايد، وهكذا كان أصناف الناس في المدينة المنورة في عهد النبي ﷺ ، فمنهم الطبقة العليا من أهل الإيمان، ومنهم الفئة الدنيا الوالغة في الكفر والضلال، ومنهم الفئة المتوسطة التي جمعت بين الخير والشر، وخلطت العمل الصالح بالسيئ، وهذا التركيب الفئوي ذكره القرآن الكريم بصريح نصوصه، فقال تعالى:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٠٠- ١٠٢] .
هذه الآية تبين المنزلة الرفيعة التي تبوأها الصحابة الكرام من السابقين الأولين في الهجرة والنصرة للنبي والإسلام، من المهاجرين من مكة إلى المدينة والأنصار في المدينة، ومن التابعين الذين اتبعوهم بإحسان، ﵃ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورضوا عن الله بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فأنقذهم من الشرك والضلال، ووفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق، وأعزهم وأغناهم، وأعزّ بهم الإسلام، وأعد وهيأ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا على الدوام، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره، وهو فوز شامل، كما أن نعيم الجنة نعيم مادي وروحاني معا.
стр. 908
والصحابة الكرام: هم كل من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام، وهم في الفضل درجات، وأفضلهم الذين سبقوا إلى الإسلام والهجرة ونصرة نبي الله.
والتابعون لهم بإحسان، أي بالإيمان والطاعة: هم الذين أدركوا أصحاب رسول الله ﷺ . وهذا التعبير يشمل جميع الأتباع إلى يوم القيامة، كما
نبّه إليه النبي ﵊ بقوله: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» .
والحكم بالرضا عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم: هو الحكم بالرضا عنهم من الله بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم، والحكم برضاهم عن ربهم في شكرهم وحمدهم على نعمه، وإيمانهم به وطاعتهم له، جعلنا الله من الفائزين برحمته وفضله ومنّه. والاتباع المطلوب: هو الإتباع بإحسان، أي إحسان الأعمال والنيات والظواهر والبواطن، وأما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط الإحسان، والمتبعون بإحسان مع الصحابة هم خير أمة أخرجت للناس، وهم الأمة الوسط العدول الخيار. ومرتبة هؤلاء في الإسلام في القمة لا يعلوها مقام.
وكان يجاور هؤلاء الوسط الخيار فئة من المنافقين كانوا في المدينة المنورة وما حولها، من أهل البدو والحضر. وهم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار وعصيّة ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، كان منهم وليسوا كلهم قوم منافقون، مرنوا على النفاق ومردوا عليه وتأصلوا فيه، لا تعلمهم ولا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي، ولا تعلم عاقبة أمورهم، وإنما نحن نختص بعلمهم ومعرفتهم، وهؤلاء سنعذبهم مرتين: مرة في الدنيا بفضيحتهم وهتك سترهم وتكليفهم بتكاليف الإسلام من جهاد وزكاة دون أن يستفيدوا منها، ومرة في الآخرة نردهم إلى عذاب شديد مناسب لعملهم هو النار. وعذاب المرة الأولى هو القتل والجوع. ولا خلاف بين المتأولين أن العذاب العظيم الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن
стр. 909
العذاب المتوسط هو عذاب القبر، وإذا كان النبي ذاته لم يعلم بأعيان المنافقين في عصره، فما بال أقوام يتكلفون علم الناس: فلان في الجنة، وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري.
وهناك فريق آخر حول المدينة أقروا بمعاصيهم واعترفوا بها لربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا أعمالهم الصالحة وهي التوبة والندم بالسيئة وهو التخلف عن غزوة تبوك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، لعل الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور لمن تاب، رحيم بمن أحسن وأناب. وهؤلاء ثلاثة أشخاص أو سبعة تخلفوا عن غزوة مع الرسول ﷺ وهم أبو لبابة الأنصاري ورجلان معه، تفكروا وندموا، ثم أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، ولم يطلقوها، وظلوا على هذه الحال في حر شديد سبعة أيام، وأقسموا ألا يطعموا ولا يشربوا حتى يعفو الله عنهم أو يموتوا، فنزلت هذه الآية: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.. فلما نزلت أطلقهم النبي ﷺ بنفسه وعذرهم. وهذا يدلنا على أن الكثير من الناس الذين يخلطون العمل الصالح بالفاسد، يجب عليهم ألا يقنطوا من رحمة الله، وعليهم المبادرة إلى التوبة، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.
أثر التوبة النصوح
إذا انحرف الإنسان عن أوامر الله ونواهيه، ثم تاب وأناب وأحسن العمل، توقف قبول أعماله على إذن الله ورضاه، وهذا ما كان عليه الحال في صدر الإسلام.
فإن الجماعة التائبة التي ربطت أنفسها بسواري المسجد، وخلطت العمل الصالح بالسيئ،
جاءت رسول الله ﷺ لما تيب عليها، فقالت: يا رسول الله، إنا نريد أن
стр. 910
نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا، فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر الله» فتركهم حتى نزلت هذه الآية:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٥]
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
«١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٠٣- ١٠٥] .
وبعد نزول هذه الآية،
روي أن رسول الله ﷺ أخذ ثلث أموالهم، أي أموال التائبين لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ.
وقال جماعة من الفقهاء: المراد بهذه الآية: الزكاة المفروضة، فيكون الضمير على هذا الرأي شاملا جميع الناس. وهو عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها، كالثياب والدور السكنية ونحوها. وكذلك ضمير أَمْوالِهِمْ عموم يراد به خصوص، إذ يخرج منه العبيد وسواهم.
والمعنى: خذ أيها النبي ومن بعدك من الحكام من أموال هؤلاء التائبين وغيرهم صدقة مقدرة بمقدار معين، تطهرهم من داء البخل والطمع والذنوب، وتزكي أنفسهم وتطهرها بها، وتنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين. والتزكية:
مبالغة في تطهير المال وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، أي إن الله تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء، ويوضح ذلك
الحديث النبوي عند أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «ما نقصت صدقة من مال» .
وصل عليهم أيها النبي، أي ادع لهم واستغفر، فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم وطمأنينة ووقارا، والله سميع يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، وسميع
стр. 911
لدعائك سماع قبول وإجابة، عليم بما في ضمائرهم وإخلاصهم في توبتهم وصدقاتهم، وبما فيه الخير والمصلحة لهم.
ألم يعلم أولئك التائبون وجميع المؤمنين أن الله هو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ الصدقات، أي يقبلها ويثيب عليها ويضاعف أجرها، كما جاء في آية أخرى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن: ٦٤/ ١٧] .
وألم يعلموا أيضا أن الله هو التواب الذي من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم، وهو الرحيم بعباده التائبين بإثابتهم على أعمالهم الصالحة، كما هو مبين في قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) [طه: ٢٠/ ٨٢] .
والتوبة مفيدة جدا في تجديد همة النفس والعهد ومحو الذنب، والتخلص من أوزار الماضي والشعور بالارتياح من تعذيب الضمير ومساوئ الذنب.
وقل أيها الرسول لهؤلاء التائبين وغيرهم: اعملوا العمل الصالح، فإن عملكم لا يخفى على الله وعباده، خيرا كان أو شرا، فالعمل أساس السعادة، وطريق الأمن والراحة وعزة النفس، وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون باطلاعه إياهم على أعمالكم. وهذا وعيد للمذنبين، وتحذير من عاقبة الإصرار على الذنب، والذهول عن التوبة، وليعلم كل العصاة ومخالفوا أوامر الله بأن أعمالهم ستعرض على الله تعالى وعلى الرسول وعلى المؤمنين، وذلك لا محالة في يوم القيامة، كما قال تعالى:
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) [الحاقة: ٦٩/ ١٨]
قال جابر بن عبد الله فيما رواه الطبراني وغيره: قال رسول الله ﷺ : «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» .
стр. 912
وستردون أيها الناس جميعا يوم القيامة إلى الله الذي يعلم سرائركم وعلانيتكم، يعلم الغائب والحاضر، والباطن والظاهر، فيعرّفكم أعمالكم، ثم يجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا كلام بليغ يتضمن الترغيب والترهيب.
قصة الذين خلّفوا وتأخروا عن التوبة
الناس في مجال العلاقة مع الله ثلاثة أصناف: صنف متمرد، مكابر معاند لا يؤمن ولا يتوب، وصنف آخر يخطئ ثم يتوب إلى ربه، وصنف ثالث متحير محايد، مؤمن بالله تعالى، لكنه لا يظهر التوبة عن خطئه، ولا يحاول إصلاح نفسه، ولكل امرئ شأنه وحريته، وسيلقى كل إنسان جزاء ما قدم، وهكذا كان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافا ثلاثة:
١- المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين، وجزاؤهم النار.
٢- التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا، فتاب الله عليهم، وهم الذين ربطوا أنفسهم بالسواري سبعة أيام، وهم أبو لبابة الأنصاري وأصحابه، فنزلت توبتهم من السماء ورضي الله عنهم.
٣- الذين بقوا متوقفين، وهم المؤمنون الحيارى في أمرهم، فلم يعتذروا إلى النبي ﷺ عن تخلفهم، وأرجؤوا توبتهم، فأرجأ الله الحكم في أمرهم، فتوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس، حتى نزلت توبتهم بعد، وهم الثلاثة المذكورون في هذه الآية من سورة التوبة التي نزلت فيهم، وهي قوله سبحانه:
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ [التوبة: ٩/ ١١٨] وتقدمت آية أخرى في شأنهم وهي موضوع البحث هنا وهي:
стр. 913
[سورة التوبة (٩) : آية ١٠٦]
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)
«١» [التوبة: ٩/ ١٠٦] .
هؤلاء النفر الثلاثة موقوفون مرجون، أي مرجؤون مؤخرون لأمر الله في شأنهم، ولا يدري الناس ما ينزل فيهم، هل يتوب الله عليهم أو لا؟ وقد نهى الرسول ﷺ عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن، إلى أن نزلت آية التوبة عليهم في قوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. إلى قوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.. أي تخلفوا عن التوبة.
وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ، وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا.
وقد تردد في هذه الآية البت في شأنهم بين أمرين: التعذيب والتوبة. وترك أمرهم غامضا، لا للشك، فالله تعالى منزه عنه، وإنما ليكون أمرهم على الخوف والرجاء، وإثارة الغم والحزن في قلوبهم، ليقدموا على التوبة، ويصير أمرهم عند الناس على الرجاء، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذرا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم.
ومما لا شك فيه أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن غزوة تبوك، فلم يحكم الحق تعالى بكونهم تائبين لأن الندم وحده لا يكون كافيا في صحة التوبة، ثم ندموا على المعصية لكونها معصية، فصحت توبتهم. والله عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، وبما يصلح عباده ويربّيهم، حكيم في أفعاله وأقواله، وفيما يشرعه لهم من الأحكام المؤدية لهذا الصلاح. ومن حكمته تعالى: إرجاء النص على توبتهم.
стр. 914
والله عليم بمن يهدي إلى الرشد، وحكيم فيما ينفذه من تنعيم من شاء، وتعذيب من شاء، لا رب غيره ولا معبود.
وقوله سبحانه: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ دليل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين: وهو إما التعذيب وإما التوبة، أما العفو عن الذنب من غير توبة فغير معتبر ولا منتظر، إلا إذا اقتضت الرحمة الإلهية أن تشمل بعض الخلائق، فهذا مرده إلى الله تعالى من قبيل الفضل والرحمة، لا بحسب منهج الحق والعدل.
بل إن الثواب ودخول الجنان لا يكون بغير فضل الله ورحمته، لأن أعمال الناس مهما عظمت لا تساوي شيئا أمام أفضال الله ونعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.
روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة. قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» وفي رواية أخرى عن عائشة: «سدّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» .
ومعنى: سددوا: اقصدوا السداد من الأمر، وهو الصواب، وقاربوا: اطلبوا المقاربة وهي الاعتدال في الأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير.
مسجد الضرار ومسجد التقوى
يعقد الحق تعالى في العادة مقارنة بين الأوضاع والأشياء المتضادة، لتحقيق العبرة، والتوصل إلى الإصلاح، ومحاربة الفساد، وتخليد آثار الصالحين، والاتعاظ بجرائم المفسدين الضالين. ومن هذه المقارنات بيان أغراض المنافقين في بناء مسجد الضرار في المدينة، والتعريف بغايات المؤمنين الأتقياء في بناء مسجد التقوى: مسجد قباء في أول عمل قام به النبي ﷺ بعد هجرته مع صحبه إلى المدينة المنورة، قال الله تعالى:
стр. 915
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [التوبة: ٩/ ١٠٧- ١١٠] .
نزل النبي ﷺ قباء بعد هجرته إلى المدينة، على كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن عوف، وهم بطن من الأوس، وقباء قرية جنوب المدينة على بعد ميلين، وأقام فيها أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء، بمعونة بني عمرو بن عوف، وبعثوا للنبي ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم وصلى فيه.
فحسدهم بنو غنم بن عوف من الخزرج، وبنوا مسجدا آخر، وأتوا النبي ﷺ ، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلّة، والليلة المطيرة، ونحبّ أن تصلّي لنا فيه وتدعو بالبركة، فوعدهم النبي بذلك بعد عودته من تبوك، فلما أقبل ونزل بذي أوان، نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله ﷺ أربعة من صحابته، وأمرهم بهدم هذا المسجد وإحراقه.
أبان القرآن أربعة أسباب لهدم مسجد المنافقين: مسجد الضرار، وهي:
١- إنهم اتخذوا بقصد مضارة المؤمنين الذين بنوا مسجد قباء.