← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

لدعائك سماع قبول وإجابة، عليم بما في ضمائرهم وإخلاصهم في توبتهم وصدقاتهم، وبما فيه الخير والمصلحة لهم. ألم يعلم أولئك التائبون وجميع المؤمنين أن الله هو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ الصدقات، أي يقبلها ويثيب عليها ويضاعف أجرها، كما جاء في آية أخرى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن: ٦٤/ ١٧] . وألم يعلموا أيضا أن الله هو التواب الذي من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم، وهو الرحيم بعباده التائبين بإثابتهم على أعمالهم الصالحة، كما هو مبين في قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) [طه: ٢٠/ ٨٢] . والتوبة مفيدة جدا في تجديد همة النفس والعهد ومحو الذنب، والتخلص من أوزار الماضي والشعور بالارتياح من تعذيب الضمير ومساوئ الذنب. وقل أيها الرسول لهؤلاء التائبين وغيرهم: اعملوا العمل الصالح، فإن عملكم لا يخفى على الله وعباده، خيرا كان أو شرا، فالعمل أساس السعادة، وطريق الأمن والراحة وعزة النفس، وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون باطلاعه إياهم على أعمالكم. وهذا وعيد للمذنبين، وتحذير من عاقبة الإصرار على الذنب، والذهول عن التوبة، وليعلم كل العصاة ومخالفوا أوامر الله بأن أعمالهم ستعرض على الله تعالى وعلى الرسول وعلى المؤمنين، وذلك لا محالة في يوم القيامة، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) [الحاقة: ٦٩/ ١٨] قال جابر بن عبد الله فيما رواه الطبراني وغيره: قال رسول الله ﷺ : «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» .

стр. 912

وستردون أيها الناس جميعا يوم القيامة إلى الله الذي يعلم سرائركم وعلانيتكم، يعلم الغائب والحاضر، والباطن والظاهر، فيعرّفكم أعمالكم، ثم يجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا كلام بليغ يتضمن الترغيب والترهيب. قصة الذين خلّفوا وتأخروا عن التوبة الناس في مجال العلاقة مع الله ثلاثة أصناف: صنف متمرد، مكابر معاند لا يؤمن ولا يتوب، وصنف آخر يخطئ ثم يتوب إلى ربه، وصنف ثالث متحير محايد، مؤمن بالله تعالى، لكنه لا يظهر التوبة عن خطئه، ولا يحاول إصلاح نفسه، ولكل امرئ شأنه وحريته، وسيلقى كل إنسان جزاء ما قدم، وهكذا كان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافا ثلاثة: ١- المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين، وجزاؤهم النار. ٢- التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا، فتاب الله عليهم، وهم الذين ربطوا أنفسهم بالسواري سبعة أيام، وهم أبو لبابة الأنصاري وأصحابه، فنزلت توبتهم من السماء ورضي الله عنهم. ٣- الذين بقوا متوقفين، وهم المؤمنون الحيارى في أمرهم، فلم يعتذروا إلى النبي ﷺ عن تخلفهم، وأرجؤوا توبتهم، فأرجأ الله الحكم في أمرهم، فتوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس، حتى نزلت توبتهم بعد، وهم الثلاثة المذكورون في هذه الآية من سورة التوبة التي نزلت فيهم، وهي قوله سبحانه: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ [التوبة: ٩/ ١١٨] وتقدمت آية أخرى في شأنهم وهي موضوع البحث هنا وهي:

стр. 913

[سورة التوبة (٩) : آية ١٠٦] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) «١» [التوبة: ٩/ ١٠٦] . هؤلاء النفر الثلاثة موقوفون مرجون، أي مرجؤون مؤخرون لأمر الله في شأنهم، ولا يدري الناس ما ينزل فيهم، هل يتوب الله عليهم أو لا؟ وقد نهى الرسول ﷺ عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن، إلى أن نزلت آية التوبة عليهم في قوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. إلى قوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.. أي تخلفوا عن التوبة. وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ، وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا. وقد تردد في هذه الآية البت في شأنهم بين أمرين: التعذيب والتوبة. وترك أمرهم غامضا، لا للشك، فالله تعالى منزه عنه، وإنما ليكون أمرهم على الخوف والرجاء، وإثارة الغم والحزن في قلوبهم، ليقدموا على التوبة، ويصير أمرهم عند الناس على الرجاء، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذرا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. ومما لا شك فيه أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن غزوة تبوك، فلم يحكم الحق تعالى بكونهم تائبين لأن الندم وحده لا يكون كافيا في صحة التوبة، ثم ندموا على المعصية لكونها معصية، فصحت توبتهم. والله عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، وبما يصلح عباده ويربّيهم، حكيم في أفعاله وأقواله، وفيما يشرعه لهم من الأحكام المؤدية لهذا الصلاح. ومن حكمته تعالى: إرجاء النص على توبتهم.

стр. 914

والله عليم بمن يهدي إلى الرشد، وحكيم فيما ينفذه من تنعيم من شاء، وتعذيب من شاء، لا رب غيره ولا معبود. وقوله سبحانه: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ دليل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين: وهو إما التعذيب وإما التوبة، أما العفو عن الذنب من غير توبة فغير معتبر ولا منتظر، إلا إذا اقتضت الرحمة الإلهية أن تشمل بعض الخلائق، فهذا مرده إلى الله تعالى من قبيل الفضل والرحمة، لا بحسب منهج الحق والعدل. بل إن الثواب ودخول الجنان لا يكون بغير فضل الله ورحمته، لأن أعمال الناس مهما عظمت لا تساوي شيئا أمام أفضال الله ونعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى. روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة. قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» وفي رواية أخرى عن عائشة: «سدّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» . ومعنى: سددوا: اقصدوا السداد من الأمر، وهو الصواب، وقاربوا: اطلبوا المقاربة وهي الاعتدال في الأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير. مسجد الضرار ومسجد التقوى يعقد الحق تعالى في العادة مقارنة بين الأوضاع والأشياء المتضادة، لتحقيق العبرة، والتوصل إلى الإصلاح، ومحاربة الفساد، وتخليد آثار الصالحين، والاتعاظ بجرائم المفسدين الضالين. ومن هذه المقارنات بيان أغراض المنافقين في بناء مسجد الضرار في المدينة، والتعريف بغايات المؤمنين الأتقياء في بناء مسجد التقوى: مسجد قباء في أول عمل قام به النبي ﷺ بعد هجرته مع صحبه إلى المدينة المنورة، قال الله تعالى:

стр. 915

[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [التوبة: ٩/ ١٠٧- ١١٠] . نزل النبي ﷺ قباء بعد هجرته إلى المدينة، على كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن عوف، وهم بطن من الأوس، وقباء قرية جنوب المدينة على بعد ميلين، وأقام فيها أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء، بمعونة بني عمرو بن عوف، وبعثوا للنبي ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم وصلى فيه. فحسدهم بنو غنم بن عوف من الخزرج، وبنوا مسجدا آخر، وأتوا النبي ﷺ ، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلّة، والليلة المطيرة، ونحبّ أن تصلّي لنا فيه وتدعو بالبركة، فوعدهم النبي بذلك بعد عودته من تبوك، فلما أقبل ونزل بذي أوان، نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله ﷺ أربعة من صحابته، وأمرهم بهدم هذا المسجد وإحراقه. أبان القرآن أربعة أسباب لهدم مسجد المنافقين: مسجد الضرار، وهي: ١- إنهم اتخذوا بقصد مضارة المؤمنين الذين بنوا مسجد قباء.

стр. 916

٢- أقاموه ليكون معقلا للكفر والنفاق، والتآمر على المسلمين، فصار مركز الفتنة وبيت النفاق ومأوى المنافقين. ٣- قصدوا ببنائه أيضا تفريق كلمة المؤمنين، وتوهين المودة والألفة بينهم. ٤- جعلوه مرصدا ومقرا لمحاربة الله ورسوله، بقيادة أبي عامر الراهب من الخزرج الذي ذهب إلى هرقل ليأتي بجنود يحارب بهم النبي وصحبه. وصار المنافقون يحلفون: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد قباء، والله يعلم خبث ضمائرهم ويشهد على أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه. لكل هذه الأسباب القائمة على الضرر والإساءة، نهى الله تعالى نبيه عن الصلاة في هذا المسجد: مسجد الضرار: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً. ثم أذن له وحضه على الصلاة في مسجد قباء لأمرين: الأول- أنه بني على التقوى وهي طاعة الله ورسوله، وقصد به إرضاء الله تعالى، وإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين، والعمل على وحدة الإسلام، وظلت هذه المزية له، وأصبح من السنة صلاة ركعتين فيه على الدوام، لما جاء في الحديث الصحيح عن أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أسيد بن ظهير: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» . والأمر الثاني الدال على مزية مسجد قباء: أن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا طهارة معنوية: وهي التطهر من الذنوب والمعاصي، وطهارة حسية للثوب والبدن والمكان، بإتباع الماء الحجر في الاستنجاء، والحرص على التنظف بالوضوء والغسل. والله يحب أهل النظافة والطهارة المعنوية والجسدية، ويرضى عنهم، ويقرّبهم من جنابه تعبيرا عن المحبة والرضا.

стр. 917

ثم وضع القرآن قاعدة عامة للمقارنة بين المسجدين وأي بناءين، وتلك القاعدة: أنه لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وهذا مصيره الانهيار والسقوط في قعر جهنم، والله لا يوفق الظالمين ولا يهديهم للحق والصواب والصلاح، ما داموا قد قصدوا المعصية والكفر، وقد صار هذا مثلا للأجيال. ولمسجد الضرار آثار ومعان سيئة على ممر التاريخ، فهو لا يزال سبب حزازة وأثر سوء، وشك من المنافقين في الدين، وزيادة نفاقهم إلى أن يفارقوا حياتهم بالموت والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في إيقاع الجزاء العادل بهم من خير أو شر، ومن حكمته تعالى إظهار حال المنافقين لمعرفة الحقائق وإنصاف التاريخ. صفات أهل الجنة إن رسالة الإسلام هي رسالة بناء وإصلاح واستقامة في الدين والعقيدة والعمل، فمن التزم بأصولها وعمل بموجبها، وجاهد الأعداء الذين يريدون إبطالها والقضاء عليها، ظفر بخير الدنيا والآخرة، ففي الدنيا كان له العزة والسيادة، وفي الآخرة كان من الخالدين السعداء في جنان الخلد والنعيم، ومن أجل الوصول لهذه الغاية حدد القرآن المجيد صفات أهل الجنة، ووعد بها وعدا مؤكدا أوجبه على نفسه، وصيره حقا ثابتا لازما في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى مبينا هذا الوعد وأسبابه: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١١ الى ١١٢] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)

стр. 918

«١» «٢» [التوبة: ٩/ ١١١- ١١٢] . نزلت هذه الآية في البيعة الثالثة، وهي بيعة العقبة الكبرى، لما بايع النبي ﷺ الأنصار وكان عددهم يزيد عن السبعين، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو، وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول الله ﷺ عند العقبة، فقالوا: اشترط لك ولربك، وكان القائل عبد الله بن رواحة، فاشترط رسول الله ﷺ حمايته مما يحمون منه أنفسهم، واشترط لربه التزام الشريعة، وقتال الأحمر والأسود في الدفاع عن الحوزة، فقالوا: ما لنا على ذلك؟ قال: الجنة، فقالوا: نعم، ربح البيع، لا نقيل ولا نقال، فنزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.... جعل الله تعالى أول عمل يبوئ صاحبه الجنة، هو الجهاد في سبيل الله، ببذل المؤمنين أنفسهم وأموالهم من أجل إعلاء كلمة الله، وثمن هذا البذل هو الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون الأعداء، أو يستشهدون في سبيل الله، وفي كلتا الحالتين يكون لهم الجنة، وأكد الله تعالى وعده لهم بها، وجعل لهم ما هو خير من هبة أنفسهم وأموالهم، وصيره وعدا واجب الوفاء على نفسه، وحقا ثابتا لأصحابه، مقررا لهم به في التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد عليهم الصلاة والسلام. ولا أحد أوفى بعهده وأصدق في إنجاز وعده من الله، فإن الله لا يخلف الميعاد، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء: ٤/ ٨٧] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ٤/ ١٢٢] . ومن وعد بمثل هذا الوعد المؤكد، فليظهر السرور والفرح على ما فاز به من الجنة، وليستبشر بمدى الربح العظيم في هذه الصفقة أو المبايعة، ثوابا من الله وفضلا

стр. 919

وإحسانا على بذل الأرواح والمهج ونفائس الأموال في سبيل مرضاة الله، وذلك هو الفوز الأكبر الذي لا فوز أعظم منه. وأوصاف هؤلاء المؤمنين المجاهدين: أنهم التائبون عن الكفر بمختلف أنواعه، الراجعون إلى الله من الشر إلى الخير وفي جميع أحوالهم، التاركون كل ما ينافي مرضاة الله، العابدون ربهم بحق وإخلاص وإحسان كأنهم يرون الله، الحامدون لنعماء الله وأفضاله في السراء والضراء، الذاكرون الله بأوصافه الحسنى في كل حال، وحمده تعالى لأنه أهل لذلك، والحمد أعم من الشكر، إذ الشكر إنما هو على النعم الخاصة بالشاكر، الصائمون أو السائحون في الأرض للجهاد أو طلب العلم أو الارتزاق بالحلال الطيب أو الجائلون بأفكارهم في قدرة الله وملكوته، الراكعون الساجدون، أي المؤدون صلواتهم المفروضة على أكمل وجه، وفي خشوع وخضوع دائم، الآمرون بالمعروف بالدعوة إلى الإيمان والطاعة، والناهون عن المنكر بمقاومة الشرك والمعاصي، والحافظون لحدود الله بإقامة فرائضه وشرائعه وأحكامه والانتهاء عما نهى الله عنه، وهذا وصف شامل مجمل الفضائل، وما قبله مفصل لها. وثمرة هذه الأوصاف: نعم الله العظمى في جنان الخلد، والتي أمر الله نبيه أن يبشر بها أمته جميعا، وتشمل هذه البشارة كل الخير من الله تعالى، وأن الإيمان مخلّص من النار، فتكون النجاة بالإيمان بالله، ودليله الجهاد في سبيل الله، ومظاهره العبادات الحقة لله تعالى. الاستغفار للمشركين لا بأس في منهج القرآن الإصلاحي من إيمان أحد من الناس، ما دام هناك استعداد أو أمل في الإصلاح وقبول دعوة الإيمان والإسلام، فإذا وقع اليأس من

стр. 920

الإيمان، ختم الله على القلوب وسد منافذ الخير إليها، واستحق المعاندون التوبيخ، ومنع النبي أو المصلح وأعوانه من الاستغفار لهم، لذا ونهى الله نبيه من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أقرباء، حال اليأس من إيمانهم، وتحجر قلوبهم وعقولهم، قال الله تعالى مبينا هذا النهي: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) «١» [التوبة: ٩/ ١١٣- ١١٦] . روى الترمذي والحاكم عن علي ﵁ قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك، وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ... وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إنما نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا: نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه، فنزلت الآية في ذلك. وعلى كل حال، ففي ورود النهي عن الاستغفار للمشركين موضع الاعتراض بقصة إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه، فنزل رفع الاعتراض في الآية التي بعدها. والمعنى: ما ينبغي ولا يصح للنبي والمؤمنين أن يدعوا الله بالمغفرة للمشركين، وهذا خبر بمعنى النهي، لأن النبوة والإيمان مانعان من الاستغفار للمشركين،

стр. 921

وسبب المنع اليأس من إيمانهم وتبين أنهم من أصحاب الجحيم، أي ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار؟! بأن ماتوا على الكفر، وفي هذا لا تفرقة بين الأقارب والأباعد، فكيف يصح لهم طلب المغفرة لأناس من بعد الموت على الكفر، والمعرفة بأنهم من سكان النار، والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه. وكذلك لا تجوز الصلاة على المشركين ولا تنفعهم بعد الموت على الشرك. أما موضوع استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه المشرك آزر، فكان بسبب صدور وعد سابق به قبل المنع منه، فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، بسبب موته على الكفر، تبرأ منه وتركه وقطع استغفاره له، إن إبراهيم لأوّاه، أي لكثير التأوه والتحسر والتفجع، أو كثير التضرع والدعاء، حليم، أي صبور على الأذى، محتمل للضرر، عظيم العقل. ثم رفع الله المؤاخذة عن الذين استغفروا للمشركين قبل نزول آية المنع هذه، وبيّن أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل، إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه، فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ.. أي ما كان من سنة الله في خلقه ولا في رحمته وحكمته أن يصف قوما بالضلال، أو يؤاخذهم مؤاخذة الضالين، بعد أن هداهم للإيمان أو الإسلام، حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من الأقوال والأفعال، وما كان الله بعد أن هدى للإسلام وأنقذ من النار، ليحبط ذلك ويضل أهله لارتكابهم ذنبا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بيّن لهم ما يتقون من الأمور، ويتجنبون من الأشياء، فحينئذ من ارتكب ذنبا بعد النهي عنه، استوجب العقوبة. إن الله تعالى عليم بكل شيء وبأحوال الناس وحاجتهم إلى البيان. وفي هذا دلالة واضحة على أن لا مؤاخذة ولا عقاب إلا بعد إنذار وبيان. وبعد أن أمر الله تعالى بالبراءة من الكفار، بيّن أن النصر لا يكون إلا من عند

стр. 922

الله لأن لله ملك السماوات والأرض، وهو تعالى مالك كل موجود ومتولي أمره، والغالب المهيمن عليه، بيده الأمر كله يحيي ويميت، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتبرؤوا مما عداه، ولا تهمّ القرابة ومناصرة الأقرباء لأن الولي المعين والناصر هو الله تعالى، ولا ناصر سواه، وذهب الطبري إلى أن قوله سبحانه: يُحْيِي وَيُمِيتُ إشارة إلى أنه يجب أيها المؤمنون ألا تجزعوا من عدو وإن كثر، ولا تهابوا أحدا، فإن الموت المخوف والحياة المحبوبة، هما بيد الله ﵎. التوبة العامة والخاصة كان من فضل الله ورحمته وإحسانه أن تاب توبة عامة على أناس كثيرين وتوبة خاصة على عدد قليل، أما أهل التوبة العامة فهم الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار في غزوة تبوك، وأما أهل التوبة الخاصة فهم نفر ثلاثة، صدقوا توبتهم مع الله وعلموا علم اليقين أن مصيرهم إلى الله، فلا بد من حسن الاعتقاد والعمل، وصدق الاتجاه إلى الله تعالى، قال الله سبحانه مبينا فضله على أهل التوبة: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٧ الى ١١٩] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) » «٢» «٣»

стр. 923

[التوبة: ٩/ ١١٧- ١١٩] . التوبة من الله: رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعا من حال المعصية إلى حال الطاعة، وقد تكون رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها. وهذه توبته تعالى في هذه الآية على النبي ﷺ ، لأنه رجع به من حاله قبل الظفر بأجر الغزوة وتحمل مشاقها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته تعالى على المهاجرين والأنصار فحالها تحتمل النقلة من تقصير إلى طاعة، وجدّ في القتال، ونصرة الدين. وأما توبته تعالى على الفريق الثلاثة الذين كادوا أن يزيغوا، فرجوع من حالة محطوطة إلى غفران ورضا. والمعنى: لقد تفضل الله بمزيد بالرضا عن نبيه، وعلى أصحابه المؤمنين الذين صاحبوه في تبوك وقت الشدة والضيق، وهي غزوة العسرة، والتزموا أمر النبي ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، لقد رضي الله عن نبيه وعطف عليه، وقبل التوبة من الصحابة ووفقهم للعمل بمقتضاها. وحدثت هذه التوبة على المؤمنين، من بعد ما كاد يزيغ أو يميل بعضهم عن الحق والإيمان، وهم الذين تخلفوا عن تبوك لغير سبب النفاق. ثم أكد الله تعالى التوبة على المؤمنين، بأن رزقهم الإنابة إلى ربهم، والثبات على دينه، إن ربهم رؤف رحيم بهم، فلا يتركهم بعد صبرهم على الجهاد، وإنما يزيل ضررهم، ويديم نفعه لهم، ويحقق المصلحة لهم، وهذا معنى الرأفة، أي السعي في إزالة الضر، والرحمة، أي السعي في إيصال النفع. وفائدة تأكيد ذكر التوبة مرة أخرى تعظيم شأنهم، وإزالة الشك من نفوسهم، والتجاوز عن وساوسهم التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة. قال مجاهد

стр. 924

وقتادة: إن العسرة بلغت بهم في تلك الغزوة وهي غزوة تبوك، إلى أن قسموا التمرة بين رجلين، ثم كان النفر يأخذون التمرة الواحدة، فيمضغها أحدهم ويشرب عليها الماء، ثم يفعل كلهم بها ذلك، وقال عمر ﵁: وأصابهم في بعضها عطش شديد، حتى جعلوا ينحرون الإبل، ويشربون ما في كروشها من الماء.. حتى استسقى لهم رسول الله ﷺ ، فرفع يديه يدعو، فما أعادهما حتى انسكبت سحابة، فشربوا وادّخروا، ثم ارتحلوا، فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر. وتاب الله أيضا على الثلاثة الذين خلّفوا، أي تخلفوا عن غزوة تبوك، لا بسبب النفاق، وإنما كسلا وإيثارا للراحة والقعود. وصاروا خلفاء عن الغازين: الذين ذهبوا إلى الغزو، وتأخروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم شيء، وهم المرجون لأمر الله، وهم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الواقفي الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع العامري، وكلهم من الأنصار، ووصفوا بصفات ثلاث: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت واتسعت بالخلق جميعا، وضاقت صدورهم بسبب الهم والغم، وعلموا ألا ملجأ ولا ملاذ من غضب الله إلا بالتوبة. ثم أمر الله تعالى المؤمنين أمرا عاما بتقوى الله والصدق في القول والعمل. والتقوى: التزام الأوامر واجتناب النواهي، والصدق: الثبات على دين الله وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله ﷺ . إيجاب الجهاد على أهل المدينة ومن حولها ليس تكوين الأمة وإقامة الدولة بالأمر الهيّن السهل، وإنما يحتاج لبذل أقصى الجهد في التضحية، والبناء والعمل، ومجاهدة الأعداء ورد غارات المعتدين، والصبر في سبيل ذلك صبرا شديدا، سواء في حال الإقامة، أم في الأسفار، واقتحام

стр. 925

الأخطار للقاء العدو، وهذا أمر طبيعي وحقيقة أساسية، لذا أمر الله أهل المدينة ومن حولها في بدء الإسلام بالجهاد الدائم مع رسول الله، وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فقال تعالى مبينا فرضية الجهاد: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٠ الى ١٢١] ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [التوبة: ٩/ ١٢٠- ١٢١] . هذا عتاب من الله للمؤمنين من أهل المدينة والقبائل العربية المجاورة لها على التخلف عن رسول الله ﷺ في غزوه، وقسوة الكلام تدل على ضرورة مصاحبة النبي في الغزوات وبذل النفوس دونه. ومعنى الآية: ما كان يصح ولا ينبغي لأهل المدينة المؤمنين ومن حولهم من قبائل العرب المجاورة لهم كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، بل عليهم أن يصحبوه، فإن النفير كان فيهم، ومختصا بهم حال قلة الإسلام، وفي بدء تكوين الدولة وإعلاء مجد الأمة، ولا يصح لهم إيثار أنفسهم على نفس الرسول ﷺ ، فلا يرضوا لأنفسهم بالدعة والراحة، والرسول في المشقة والعناء. لم يكن لهم حق التخلف، بل يجب عليهم الإتباع والجهاد، ففي الجهاد عز وأجر

стр. 926

عظيم، بسبب أن كل ما يتعرضون له أثناء جهادهم مثابون عليه، من معاناة ومكابدة ومشاق، كالعطش والتعب والجوع والألم في سبيل الله، ووطء جزء من أرض الكفر يغيظ الكفار، والنيل من الأعداء بالأسر أو القتل أو الهزيمة أو الغنيمة، كل ذلك يستحق الثواب الجزيل المكافئ لما قدموه وزيادة، وذلك مما يوجب المشاركة في الجهاد، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، أي لا يدع لهم شيئا من الثواب على إحسانهم إلا كافأهم به، وكقوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ١٨/ ٣٠] . وكذلك لا ينفق هؤلاء المجاهدون في سبيل الله نفقة صغيرة ولا كبيرة، أي قليلا ولا كثيرا، ولا يقطعون واديا، أي في أثناء السير إلى الأعداء، إلا أثبت لهم الجزاء الأوفى. وإذا كتبت الصغيرة فالكبيرة أحرى. والوادي: ما بين الجبلين، سواء كان فيه ماء أو لم يكن، والله أراد لهم أن يجزيهم أحسن الجزاء على عملهم، لأن الجهاد في سبيل الله إعلاء لكلمة الإسلام، وصون لصرح الإيمان، وحفظ لحرمة الأوطان، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا واستعبدوا. أخرج ابن جرير الطبري حديثا عن رسول الله ﷺ قال: «ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا» . والحاصل: إن فرضية الجهاد على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب كانت فرض عين لأنهم نواة الدولة، وقاعدة الإسلام، وعلى كواهلهم بناء المجد والعزة والسيادة. فلما كثر المسلمون، أباح الله التخلف عن الجهاد مع الحكام لمن شاء. قال قتادة: كان هذا خاصا بالنبي ﷺ ، إذا غزا بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة، فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. قال القرطبي: قول قتادة حسن، بدليل غزاة تبوك.

стр. 927

فرضية الجهاد الدائمة إن إيجاب الجهاد على الأمة يختلف بحسب الأحوال والظروف والحاجات، ففي وقت الشدة والأزمة الخانقة والخطر المحدق يكون الجهاد فرضا عينيا، وفي وقت قلة المؤمنين في بدء إيجاد الأمة والدولة يكون أيضا فرض عين. فإذا زالت الظروف الخطرة المحدقة وكثر المؤمنون، واستقرت الأحوال وهدأت البلاد، صار الجهاد فرض كفاية على فئة من الناس، وكان على الباقين مناصرتهم، والتفرغ لشؤون الحياة، والاسهام في إقامة صرح المدنية والحضارة، من طريق تنمية العلوم والمعارف، وازدهار الحقل العلمي بالمتابعة والتأمل والتجربة والتجديد. قال الله تعالى مبينا هذه الأصول الحضارية ولفت النظر لأهمية العلم: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) «١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٢٢- ١٢٣] . نظّمت هذه الآية أحوال الجهاد، ونبهت إلى ضرورة طلب العلم والتفقه في أحكام الدين والشرع. وسبب نزولها: أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكانا ومبعوثين لتعليم الشرع، لما سمعوا قول الله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.. أهمهم ذلك، فنفروا إلى المدينة، إلى رسول الله ﷺ ، خشية أن يكونوا مذنبين في التخلف عن الغزو، فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك.

стр. 928

إن هذه الآية لا توجب الجهاد على جميع المؤمنين في أحوال الاستقرار وإنما يجب على المؤمنين طلب العلم لأن الجهاد يعتمد على العلم، ولأن نشر الإسلام في الأصل يتوقف على البيان والإقناع بالحجة والبرهان. وهذا يتطلب التنظيم والتقسيم، فتكون فئة من المؤمنين للتفقه والتعلم، وفئة أخرى للجهاد، فإنه بحسب النظام العام الدائم فرض كفاية على الناس، كما أنّ طلب العلم فرض كفاية أيضا. ومعنى الآية: ما كان من شأن المؤمنين أن ينفروا جميعا، ويتركوا النبي ﷺ وحده، فإن الجهاد فرض كفاية، متى قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وليس هو فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، وإنما يصبح فرض عين إذا خرج الرسول للجهاد واستنفر الناس إليه. لذا حضّ الله تعالى على طلب العلم الذي هو أداة التقدم والرفعة، فهلا نفر في أثناء النهضة من كل جماعة كالقبيلة أو البلد طائفة قليلة منهم للتفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة وأسرارها، حتى إذا ما رجع المجاهدون من المعركة، أنذروهم من الأعداء، وحذروهم من غضب الله وعرفوهم أحكام الدين، لكي يخافوا الله، ويحذروا عاقبة عصيانه، ومخالفة أمره. ثم أوضح الله تعالى بعض قواعد الجهاد، قبل الأمر بقتال الأعداء كافة، على سبيل التدرج في التشريع في أول الإسلام. وأول هذه القواعد أن يبتدئ المجاهدون بالأقرب فالأقرب، ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد، وطبق النبي ﷺ هذه الخطة، فبدأ بقتال قومه في مكة، ثم قاتل سائر العرب، ثم انتقل إلى قتال الروم في الشام، ثم اتجه أصحابه لدخول العراق. فيا أيها المؤمنون قاتلوا الأقرب فالأقرب منكم إلى ديار الإسلام، فإن فيه التحصن، وهم أولى بالرعاية والهداية، وبهم توجد الأتباع بسبب قرب الجوار،

стр. 929

وقرب الاتصال أو النسب أحيانا. وإذا قاتلتم الأعداء فليجدوا فيكم غلظة، أي شدة وخشونة، وقوة وحمية، وصبرا على القتال، وجرأة على خوض المعارك، وهذه طبيعة الحرب، ومصلحة القتال، واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والحراسة والإعانة، والمتقون: هم المتبعون أوامر الله، المجتنبون نواهيه. موقف المنافقين من سور القرآن يتحدد موقف الناس من آيات القرآن الكريم وسوره بحسب الإيمان وعدمه، فأهل الإيمان يفرحون بالآيات والسور المنزلة، وتزيدهم إيمانا وبهجة وطمأنينة، وأهل الكفر يرفضون القرآن جملة وتفصيلا، والمنافقون العابثون المترددون بين الكفر والإيمان يقفون من القرآن المجيد موقف المستهزئ الساخر، فتزيدهم سور القرآن رجسا (أي كفرا ونفاقا) إلى رجسهم، ويموتون في النهاية كفرة الداء. قال الله تعالى مصورا موقف المؤمنين وموقف المنافقين من السور القرآنية: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٧] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) «١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٢٤- ١٢٧] . نزلت هذه الآية في شأن المنافقين، وموقفهم من آيات القرآن وسوره، وهو موقف

стр. 930

شنيع وخطير، يتمثل في استهزائهم بالقرآن وتهربهم من أحكامه حين سماعه، وطعنهم فيه كلما نزل جديد، فتراهم يتغامزون ويتضاحكون في سبيل الطعن والهزء من كل موضوع يمسهم أو لا يمسهم. فإذا نزلت سورة وبلغت المنافقين، قال بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ أي تصديقا بأن القرآن من عند الله، وأن محمدا صادق في نبوته. والاستخفاف والتحقير لشأن السورة في قوله تعالى: «سورة» . فأما المؤمنون الصادقون فيزيدهم نزول القرآن يقينا وتصديقا وقوة دافعة إلى العمل به، ويفرحون بنزول السورة، لأنها تزكي أنفسهم، وترشدهم إلى سعادة الدنيا والآخرة. وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما يرى أكثر العلماء. والواقع أن الإيمان الذي هو نفس التصديق لا يقبل الزيادة والنقص في ذاته، وإنما تقع الزيادة في المصدّق به، وما تضمنته السورة من أخبار وأمر ونهي، زائد على الذي كان عندهم قبل. وتقع الزيادة أيضا في الأدلة الدالة على معرفة الله، فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة، فإذا نزلت السورة زادت في أدلته، وهذه جهة أخرى من الزيادة، وكلها خارجة عن نفس التصديق، إذا حصل تاما، فإنه لا يبقى فيه موضع زيادة، هذا موقف المؤمنين من السور. وأما الذين في نفوسهم شك وكفر ونفاق، فتزيدهم السورة كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق، ويتحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا وهم كافرون بالقرآن وبالنبي ﷺ ، وهذا مناقض للهدف من إنزال السورة، فهي في الحقيقة هدى ونور، وشفاء لما في الصدور، وجلاء لما في القلوب، كما قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ١٧/ ٨٢] .

стр. 931

وبعد بيان كون المنافقين يموتون كفارا، أوضح الله تعالى أنهم يتعرضون أيضا لعذاب الدنيا كل عام مرة أو مرتين، حين يختبرون بالأمر بالجهاد وبأنواع الاختبار العديدة من محنة اجتماعية كالزكاة والقحط والمرض، وهي التي تذكر الإنسان بالله، وتجعله ميالا إلى الإيمان وترك الكفر، ولكنهم مع ذلك لا يتوبون من ذنوبهم السابقة، ولا يتعظون فيما يستقبل من أحوالهم، أفلا يزدجر هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين، ويتذكرون وعد الله ووعيده؟! وإذا أنزلت سورة قرآنية فيها فضيحة أسرارهم، تعجبوا وتأملوا وتسللوا من مجلس النبي ﷺ ، وتلفتوا متغامزين قائلين: هل يراكم الرسول أو المؤمنون إذا خرجتم؟! ثم ينصرفون عن طريق الاهتداء، ويتولون عن الحق، فهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، ولا يفهمون شيئا عن الله ولا عن رسوله، ومن أعرض عن ساحة الإيمان والخير، أعرض الله عنه، وصرف الله قلوبهم عن الحق والإيمان، وعن الخير والنور، وهذا إما دعاء عليهم به، أو إخبار عن أحوالهم، وذلك الصرف الإلهي بسبب أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها، ولا يريدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم ونفور منه، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٦١/ ٥] . صفات الرسول ﷺ المتعلقة بأمته ليس من الوفاء ولا من الأخلاق أن يكون هناك تنكر أو مجافاة لدعوة النبي ﷺ من أمته العربية، فدعوته شرف خالد وعز دائم لهم، وقد جاء بلسانهم العربي، وبما يفهمونه من الأغراض، وبما يعشقونه من الفصاحة والبلاغة، فكان جديرا بهم أن يؤازروه ويبادروا إلى الدخول في دينه، ومناصرته والدفاع عنه، ولقد تميز أهل المدينة

стр. 932

المنورة بهذا الموقف العقلاني الحكيم، وسارعوا إلى تأييد النبي ﷺ ونشر دعوته والدفاع عنه ضد كل من يريده بسوء، أو يعرقل مسيرته في تبليغ الوحي الإلهي، وإسماع نداء القرآن العظيم، قال الله تعالى مبينا خصائص النبي ﷺ المتعلقة بأمته، والتي هي مدعاة للإيمان برسالته: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) «١» «٢» [التوبة: ٩/ ١٢٨- ١٢٩] . هذه الآية خطاب صريح للعرب، على جهة تعداد النعم عليهم في ذلك، حيث جاءهم النبي العربي محمد ﷺ بلغتهم ومن جنسهم وبما يألفون من أغراض البيان، وفصاحة الكلمة والجمل، وبما يشرفون به على مدى الأيام والأزمان، ووصفه الله بصفات خمس ذات جذور عربية قوية: أول هذه الصفات: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من الجنس العربي، والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته، من غير إشادة بنزعة عرقية أو عصبية، قال ابن عباس: إنه ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مضريّها وربيعيها ويمانيها، أي إن نسبه تشعب في جميع قبائل العرب. والصفة الثانية: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد عسير عليه وقوعكم في العنت، أي المشقة، والتعرض للمكروه في الدنيا والآخرة، إذ هو منكم، يتألم لألمكم، ويفرح لفرحكم، فكل ما يقع منكم من كفر وضلال بسبب الحق، أو من قتل وإسار وامتحان بسبب الحق، يسوؤه ذلك.

стр. 933

الصفة الثالثة: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي حريص على هدايتكم وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة، أو حريص على إيمانكم وهداكم. الصفة الرابعة والخامسة: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، قال ابن عباس ﵄: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه. والرؤوف: المبالغ في الشفقة، والرأفة أرق وأخص من الرحمة. فإن أعرضوا يا محمد بعد هذه الحال المتقررة التي منّ الله تعالى عليهم بها، فقل: حَسْبِيَ اللَّهُ أي اللهم كاف في النصر على الأعداء. وأنا مفوض أمري إلى الله، ومتوكل عليه، وجادّ في قتال الأعداء والله هو رب العرش العظيم، ومالك المخلوقات كلها في السماوات والأرض وما بينهما، وخص العرش بالذكر، لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل فيه ما دونه إذا ذكر، إذ عليه تدبير أمور الخلق، كما قال الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس: ١٠/ ٣] . روى أبو داود عن أبي الدرداء قال: «من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، كفاه الله ما أهمه، صادقا كان بها أو كاذبا» . قال الطبري في كتابه: كان عمر لا يثبت آية في المصحف إلا أن يشهد عليها رجلان، فلما جاء خزيمة بن ثابت بهاتين الآيتين قال: «والله لا أسأل عليهما بينة أبدا، فإنه هكذا كان ﷺ » . والمراد صفة النبي ﷺ التي تضمنتها الآية. ومن المعلوم أن خزيمة بن ثابت هو المعروف بذي الشهادتين، وعرف بذلك لأن رسول الله ﷺ أمضى شهادته وحده في ابتياع فرس، وحكم بها لنفسه ﷺ . وهذه خصوصية لرسول الله ﷺ خص بها خزيمة. وذكر النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.

стр. 934

[الجزء الثاني] تفسير سورة يونس ظاهرة الوحي ظاهرة الوحي هي همزة الوصل بين الإله وبعض الناس من أنبيائه ورسله، فلولاها لم يكن هناك وجود للدين وأحكام الشرع ونظام الإله الذي شرعه لعباده. ولولا الوحي لم نعرف شيئا عن الغيبيات في عالم الآخرة وما بعد الموت من حساب وعذاب وصراط وجنة ونار، ولولا الوحي الإلهي لكانت حياة البشرية بمثابة حياة الغابة يتحكم فيها القوي بالضعيف، دون خوف من حساب أو تقدير لمسؤولية، والتعجب من ظاهرة الوحي منشؤها انعدام الإيمان بالله تعالى وسيطرة الفكر المادي، وغلبة الأهواء والشهوات، من غير تقدير ومعرفة لمدى قدرة الله ، وخلقه الملائكة وسائط نقل الكلام الإلهي لرسل الله الكرام، وقد صور القرآن الكريم مدى العجب في نزول الوحي بما لا يصح في قاموس الإيمان، فقال الله تعالى في مطلع سورة يونس المكية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) «١» [يونس: ١٠/ ١- ٢] . أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدا رسولا،

стр. 935

أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ذلك منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً الآية، وأنزل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف: ١٢/ ١٠٩] فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٤٣/ ٣١] يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف. فأنزل الله ردا عليهم: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٤٣/ ٣٢] . ابتدأ الله تعالى هذه السورة (سورة يونس) بقوله الر كابتداء البقرة ب الم (١) والقصد من هذه الحروف المقطعة التنبيه إلى ما يتلى بعدها ليعتني المرء بفهم ما يسمع أو يقرأ، وتعديد الحروف على طريق تحدي العرب بأن يأتوا بشيء من مثل هذه السورة أو بغيرها من القرآن، وحيث إنهم عجزوا، دل ذلك على أن القرآن كلام الله تعالى. تلك آيات القرآن المحكم، أو ذات الحكمة لاشتماله عليها، أو تلك آيات السورة الحكيمة، التي أحكمها الله وبيّنها لعباده، وقوله تعالى: تِلْكَ بمعنى (هذه) . والْكِتابِ المراد به القرآن، وهو الأظهر. وقوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ يراد به الإنكار على من تعجب من الكفار على إرسال المرسلين من البشر، أي عجيب أمر بعض الناس الذين ينكرون إيحاءنا إلى رجل من جنسهم من البشر، قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ رسولا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، فأنزل الله : أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً. هذا التعجب في غير محله، لأن كل الرسل من البشر، من جنس المرسل إليهم ليكون ذلك أدعى إلى قبول دعوتهم والتفاهم معهم.

стр. 936

ومهمة هذا النبي الموحى إليه هي الإنذار من الناس: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس، وخوّفهم من عذاب النار يوم البعث، إذا ظلوا كافرين ضالين عاصين، والمهمة الثانية: تبشير المؤمنين الذين يعلمون الصالحات أن لهم قدم صدق عند ربهم، أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة عند الله في جنات النعيم، وأجرا حسنا بما قدموا. والأعمال الصالحة: هي صلاتهم وصومهم وصدقهم في القول والفعل وتسبيحهم. وقوله سبحانه: قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ فيه حذف يدل الظاهر عليه تقديره: فلما أنذر وبشر، قال الكافرون كذا وكذا. أو: ومع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم رجلا من جنسهم، بشيرا ونذيرا، قال الكفار: إن هذا القرآن سحر ظاهر بيّن، وهم الكاذبون في ذلك. ووصفوه بالسحر: لما رأوا من تأثيره القوي في القلوب. ثم تبين لعقلاء العرب وحكمائهم أن القرآن ليس سحرا، لأنهم جربوا السحر وعرفوه، فلم يجدوه مطابقا له، وإنما هو وحي من عند الله على قلب نبيه، مشتمل على أحكام سامية عالية في التشريع والقضاء، والسياسة والاجتماع والعلوم والأخلاق والآداب، معجزة في أسلوبه ونظمه ومعانيه، يفوق قدرة البشر على محاكاته أو الإتيان بشيء مثله. أدلة توحيد الله وإثبات البعث أقام القرآن الكريم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أصلين أو ركنين من أركان الدين: وهما أولا- التوحيد الخالص لله في العبادة والدعاء، وثانيا- إثبات البعث والجزاء. وتوحيد الله يتضمن إثبات وجود إله قادر نافذ الحكم بالأمر والنهي، وإثبات البعث يقتضي إثبات حياة الآخرة بما فيها من حشر ونشر ومعاد

стр. 937

وقيامة، ليحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر بهما الأنبياء، ولإحقاق الحق وإظهار العدل المطلق. وهذه آيات كريمة تبين هذين الأصلين: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣ الى ٤] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٣- ٤] . الآية الأولى ابتداء دعوة إلى الإقرار بوجود الله وتوحيده وعبادته والاعلام بصفاته، وفي هذا ردّ على إنكار الوحي ووصف النبي ﷺ بأنه ساحر. ومضمون الرد: أن الله تعالى رب العالم والكون جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قيل: هي من أيام الآخرة، وقال الجمهور وهو الصواب: بل من أيام الدنيا، ثم استوى ربنا ﵎ استواء يليق بعظمته وجلاله، ولا يعلم كيفيته إلا هو، والعرش أعظم المخلوقات، واستوى بقهره وغلبته، وقد سئل الإمام مالك: كيف استوى؟ فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» . والله تعالى في استوائه على العرش يدبر أمر الخلائق والكون بما يتفق مع حكمته وعلمه، ويقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته، وسبقت به كلمته. والسلطان المطلق لله تعالى في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة لا يستطيع شفيع أن يشفع لأحد عنده تعالى إلا من بعد إذنه، أي إرادته ومشيئته، كقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢/ ٢٥٥] فلا تشفع الأصنام والملائكة أو البشر الذين يزعمون

стр. 938

أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وإنما الشفاعة لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في الشفاعة: وغيرها وهو ربكم المتولي شؤونكم، لا غيره، إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. فَاعْبُدُوهُ أي فأفردوه بالعبادة وحده لا شريك له: أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أفلا تتفكرون أدنى تفكر في أمركم أيها المشركون، فتتوصلون إلى أن الله وحده هو المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الآلهة، وأنتم تقرون بوجود الله وتفرده بالخلق، كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٤٣/ ٨٧] . ومع إيمان العرب بوحدة الربوبية، كما تدل هذه الآية وغيرها، إلا أنهم كانوا يشركون معه غيره في الألوهية، وهذا ضلال يستدعي التصحيح والرجوع عنه. ثم أثبت الله تعالى أصلا آخر من أصول الإيمان بعد إثبات التوحيد في العبادة والدعاء، وهو البعث والجزاء، فيخبر الله تعالى أن إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، بعد الموت، لا يترك أحدا منكم أبدا، ووعد الله بإيجاد المعاد في الآخرة وعدا حقا ثابتا لا خلف فيه ولا نقص. والدليل على البعث أنه تعالى كما بدأ الخلق وأنشأه حين التكوين، كذلك يعيده في النشأة الأخرى، والإعادة في ميزان الإنسان أهون من البدء، وهما سواء بالنسبة لله سبحانه، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٣٠/ ٢٧] . وفائدة المعاد واضحة هي أن يجزي الله الذين آمنوا بالله ورسله وما أنزل إليهم، وعملوا الأعمال الطيبة الصالحة، بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم، فهو الجزاء الأوفى، حيث يعطي كل عامل ما يستحقه من الثواب. والجزاء بالعدل لا يمنع

стр. 939

التفضل بمضاعفة أجر المحسنين. وأما الذين كفروا بالله ورسله وأنكروا البعث، وتعجبوا من الإيحاء لبشر ينذرهم ويبشرهم، فلهم من الجزاء شراب ساخن شديد الحرارة، يقطّع الأمعاء، ويشوي البطون، فبئس الشراب شرابهم، ولهم أيضا يوم القيامة عذاب موجع مؤلم أشد الألم بسبب كفرهم، من سموم وحميم وظل من يحموم، بسبب ما كانوا يكفرون أو يجحدون من توحيد الله وإنكار البعث والجزاء. إثبات القدرة الإلهية ما من شيء معقول أو محسوس أو ملموس أو مشاهد إلا ويدل دلالة قاطعة على قدرة الله تعالى الخارقة والزائدة على أية قدرة، لأن قدرة الله تعالى تتميز في إيجاد الموجودات وما يكون بينها من نسب ومقادير يقتضيها إبداع التسوية والتركيب وإتقان الأشياء. أما قدرة البشر مثلا فهي مقصورة على معرفة ظواهر القدرة الإلهية والاستفادة منها في التصنيع والتعديل والتطوير وتغيير الشكل، مع العجز التام عن إيجاد المعدوم وخلق الأشياء، قال الله تعالى واصفا بعض الظواهر الكونية الدالة على قدرته الفائقة: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥ الى ٦] هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) «١» [يونس: ١٠/ ٥- ٦] . هذه الآية تصف آيات الله، وتنبه على صنعته الدالة على الصانع المتقن، من خلال بيان أحوال الشمس والقمر الدالة على التوحيد من جهة الخلق والإيجاد، وعلى إثبات

стр. 940

المعاد من جهة كونهما أداة لمعرفة السنين والحساب، ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وما أبدع الله في السماوات والأرض. الله سبحانه جعل الشمس في النهار ضياء للكون، ومصدرا للحياة وإشعاع الحرارة الضرورية للحياة، في النبات والحيوان، وجعل القمر نورا في الليل يبدد الظلمات، وقدر مسيره في فلكه منازل، ينزل كل ليلة في واحدة منها، وهي ثمانية وعشرون منزلا معروفة لدى العرب، يرى القمر فيها بالأبصار: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٦/ ٣٩] وهي البروج. وهذه الآية تقتضي أن الضياء أعظم من النور وأبهى، بحسب الشمس والقمر، والضياء أشد تأثيرا على الأبصار، وأما نور القمر فهو أهدأ وأقرب للتفاعل والتجاوب معه. لذا شبه الله تعالى هداه ولطفه بخلقه بالنور، فهداه في الكفر كالنور في الظلام، فيهتدي قوم ويضل آخرون. ولو شبه الله هداه بالضياء لوجب ألا يضل أحد، فيصبح الهدى مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة. ومن فوائد الشمس والقمر: معرفة حساب الأوقات والأزمان، فبالشمس تعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، وفي كل من الحساب الشمسي والقمري فوائد، فالحساب الشمسي ثابت، والحساب القمري أسهل على البدوي والحضري، لذا أنيطت به الأحكام الشرعية، وبكلا الحسابين رفق بالناس، وتسهيل لمعرفة شؤون المعاش والتجارة والإجارة وغير ذلك مما يحتاج لمعرفة التواريخ. ما خلق الله ذلك المذكور من الشمس والقمر إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثا بل لحكمة وفائدة، فمعنى قوله تعالى: ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي للفائدة لا للعب والإهمال، فيحق أن تكون كما هي. يبين الله الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته، والآيات القرآنية المرشدة

стр. 941

للإيمان ونظام الحياة، لقوم يعلمون طرق الدلالة على الخالق ومنافع الحياة، ويميزون بين الحق والباطل. وإنما خص تفصيل ذلك بالعلماء، لأن نفع التفصيل وإدراكه فيهم ظهر، وعليهم أضاء. ودليل آخر على قدرة الله تعالى وهو تعاقب الليل والنهار، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئا، وفي تفاوتهما أيضا عبرة، فيظهر طولهما وقصرهما بحسب مواقع الأرض من الشمس، وما لهما من نظام دقيق، وما فيهما من برودة وحرارة، يعود نفع كل ذلك للإنسان الذي جعل الله له الليل لباسا وسكنا، والنهار معاشا وحركة وتقلبا، ويعود نفعه أيضا للحيوان والنبات. ومن أدلة القدرة الإلهية أيضا: ما خلق الله في السماوات والأرض من أحوال الجماد والنبات والحيوان، وأحوال الرعود والبروق والسحب والأمطار، وأحوال البحار من مد وجزر، وأحوال المعادن من خواص وتركيب ومنافع في البناء والحياة وتقدم المدينة والحضارة. إن في ذلك كله لآيات ودلائل دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته، وحكمته وعظمته، وكمال علمه، لقوم يتقون مخالفة سنن الله في التكوين، وسننه في التشريع، فسنة الحياة المادية الحفاظ على الصحة، وسنة الحياة المعنوية الاستقامة، من أفسدها وخالفها أساء لنفسه، وكل من لم يتق عقاب الله وسخطه وعذابه، بارتكابه المعاصي ومخالفة السنن، عوقب على ذلك في الدنيا والآخرة. وخص الله تعالى هنا القوم المتقين تشريفا لهم، إذ الاعتبار فيهم يقع، وتأملهم فيها أدق وأفضل من تأملات من لم يهتد ولا اتقى.

стр. 942

جزاء المؤمن والكافر العدالة التامة هي ميزان الجزاء الواقع في الآخرة، وهذا مقتضى المنطق وأمل المحرومين والمعذبين والمظلومين في عالم الدنيا، فلا ترتاح النفس ولا تهدأ إلا بإنصاف الخلائق، والشعور بأن هناك ربا عادلا ينصف أهل الحق والعمل الصالح، ويجازي أهل الباطل والضلال والفساد، وهذا المنهج الإلهي هو ما فاضت به دلالات آيات القرآن المجيد في كل مناسبة من مناسبات الترغيب لأهل الإيمان، وترهيب أهل الجحود والعصيان، قال الله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧ الى ١٠] إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) «١» [يونس: ١٠/ ٧- ١٠] . هذه الآيات تقارن بين مصير أهل الجحود والكفر، وأهل التصديق والإيمان، لتحذير الكافرين منكري البعث، وتثبيت المؤمنين، ومعناها ما يأتي: إن الذين لا يتوقعون لقاء الله في الآخرة، ولا يحسنون الظن بذلك، ولا أمل لهم بالنجاة، ولا خوف عندهم من الحساب والعقاب والجزاء على الأعمال، لإنكارهم البعث والمعاد، ورضوا بالحياة الدنيا بدل الآخرة، لغفلتهم عنها، واطمأنوا بها وسكنوا إلى لذائذها فهي آخر همهم ومنتهى غرضهم، وكانوا غافلين عن آيات الله الكونية والشرعية، فلا يتفكرون في الكون ولا يأتمرون بأحكام الشرع، هؤلاء المذكورون مقامهم ومقرهم في نار جهنم، وذلك بسبب كسبهم السيئات واجتراحهم الآثام

стр. 943

والخطايا، مع كفرهم بالله ورسوله واليوم الآخر. وفي هذا رد واضح على الجبرية القائلين بأن الإنسان مجبر مكره على المعصية، ونص صريح على تعلق العقاب بما يكسبه الإنسان من السيئات. هذا جزاء الكافرين الأشقياء الذين أنكروا البعث ولم يريدوا إلا الحياة الدنيا ومتعتها، وألهتهم الدنيا عن التأمل في الآخرة والإعداد لها. ولما قرر الحق ﵎ حالة الفرقة الهالكة في الآخرة، عقّب ذلك ببيان حال الفرقة الناجية، ليتضح الطريقان، ويرى الناظر فرق ما بين الهدى والضلال، وهذا كله من الله لطف بعباده وتعريف سابق للمصير المرتقب في المستقبل الأخروي. وحال الفريق الثاني هو ما قررته الآية: إن الذين صدقوا بالله ورسله، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، ولم يغفلوا عن آيات الله في الكون والشريعة، يرشدهم ربهم إلى طرق الجنان في الآخرة، وهي التي تجري الأنهار من تحت أشجارها ومن تحت غرفها، فيكون مستقرهم جنات الخلد والنعيم الأبدي، جعلنا الله منهم ونجانا من عذاب النار. وعطف العمل الصالح على الإيمان دليل على استقلال كل منهما عن الآخر، فلا يكفي الإيمان القلبي، بل لا بد للنجاة من العمل الصالح الذي هو كالتابع للإيمان والدليل عليه والتتمة له. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ قال: حدثنا الحسن قال: بلغنا أن النبي ﷺ قال: «المؤمن إذا خرج من قبره، صوّر له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، فيقول له: ما أنت؟ فو الله إني لأراك عين امرئ صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، وأما الكافر فإذا خرج من قبره، صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له: ما أنت؟ فو الله إني لأراك عين امرئ سوء، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار» .

стр. 944

ويكون دعاء المؤمنين في الجنة مبدوءا بقولهم: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أي تنزيها وتقديسا لك يا الله، أو اللهم إنا نسبحك، وتكون تحيتهم في الجنة عبارة (السلام) الدالة على السلامة من كل مكروه، كما جاء في آية أخرى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) [الواقعة: ٥٦/ ٢٥- ٢٦] وهي تحية المؤمنين في الدنيا، وتحية الله تعالى حين لقائه لأهل الجنة: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: ٣٣/ ٤٤] وتحية الملائكة لهم عند دخول الجنة: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٣٩/ ٧٣] وآخر دعائهم الذي هو التسبيح: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي إن خاتمة كلامهم شكر الله تعالى وحمده على سابغ نعمه، والحمد أعم من الشكر، وهو أول ثناء على الله حين دخول الجنة، كما في آية أخرى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) [الزمر: ٣٩/ ٧٤] . عجلة الإنسان في تقرير المصير يتعجّل الإنسان عادة تقرير المصير وتحقيق النتائج، سواء في حال الخير أو الشرّ، وهذا دليل القصور في التفكير، وسوء التقدير، ولو فكر الإنسان تفكيرا مليّا هادئا، وتأمّل في أحداث الدنيا، لتوقف عن العجلة، وبادر إلى الحلم والأناة، والصبر والإيمان، وتفويض الأمر للخالق الدّيان. ولو لم يفعل ذلك في حال المكروه أو الشرّ، لوقع في أسوأ العواقب، ودمّر نفسه ووجوده لطيشه وعجلته، وهذا الطبع يصفه القرآن الكريم للتحذير والتنبيه، فقال الله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١١ الى ١٢] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) «١»

стр. 945

«١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ١١- ١٢] . قال مجاهد: «نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابتهم إلى الخير لأهلكهم» . وقيل: إن هذه الآية نزلت بمناسبة قوله تعالى واصفا طيش المشركين: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٨/ ٣٢] . وقيل: نزلت في قوله تعالى: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [الأعراف: ٧/ ٧٧] وما جرى مجراه. والمعنى: إن الإنسان كما يتعجّل الخير، لأنه يحبّه، يتعجّل الشرّ حين يغضب ويضجر، فلو استجاب الله للناس دعاءهم في حال الشرّ، كاستعجالهم تحقيق الخير، لأميتوا وهلكوا، مثل استعجال مشركي مكة إنزال العذاب عليهم، كما قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرّعد: ١٣/ ٦] . وسمى الله تعالى العذاب شرّا في هذه الآية، لأنه أذى في حقّ المعاقب، ومكروه عنده، كما سماه سيّئة في آية: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ولكنه بحلمه ولطفه بعباده لا يستجيب للناس دعاءهم في الشرّ، إمهالا لهم وتركا لفرصة التّأمل والتفكير، إذ لو أجابهم لانتهى أمر وجودهم وهلكوا، كما هلك الذين كذبوا الرّسل، وربما آمن بعضهم بالله. وأما عذاب سائر الكفار فيتركه إلى يوم القيامة، فيترك الذين لا يتوقعون لقاء الله ولا يؤمنون بالبعث، في طغيان الكفر والتكذيب،

стр. 946

يترددون فيه متحيرين، ولا يعجل لهم في الدنيا عذاب الاستئصال تكريما لخاتم النّبيّين محمد ﷺ . وكذلك اقتضت رحمته تعالى بعباده ألا يستجيب لهم دعاءهم على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشرّ، في حال الضّجر والغضب، لأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك. روى أبو داود والبزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة، فيستجيب لكم» . ومن عجلة الإنسان أيضا أنه إذا أصابه ضرّ من مرض أو فقر أو خطر، بادر إلى دعاء ربّه بإلحاح في كشف ضرّه وإزالته، حالة كونه مضطجعا على جنبه، أو قاعدا، أو قائما، وفي جميع أحواله، فإذا فرّج الله شدّته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء، ومضى في طريقه من الغفلة عن ربّه وفي إشراكه بالله وقلّة توكّله عليه، كأنه لم يدع ربّه إلى شيء، ومثل ذلك العمل القبيح المنكر، أو التّزيين من الله بخلقه الكفر لهم واختراعه في نفوسهم، أو من الشيطان بالوسوسة والمخادعة، مثل ذلك زيّن للمشركين طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشّرك، والإعراض عن القرآن والعبادات، واتّباع الشّهوات. والضّرّ عند اللّغويين: لفظ عام لجميع الأمراض والرّزايا في النفس والمال والأحبّة، وقيل: هو مختصّ برزايا البدن: الهزال والمرض. وقوله: مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا وإن نزلت في الكفار، فهي تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص. والمراد بالإنسان في قوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ هو الكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم. والخلاصة: المراد من الآية النّهي عن العجلة في الدعاء، والأمر بالتسليم إلى الله تعالى، والضّراعة إليه في كل حال.

стр. 947

السّنّة الإلهيّة في تعاقب الأجيال في القرآن الكريم تقرير جلي لسنن الله في الكون والنفس والحياة، يقصد من بيانها تربية النّفس الإنسانية على أساس من الإصلاح الجذري، والبعد عن المزالق والمهالك، أو الوقوع في البلايا والمصائب. فهناك سنّة إلهيّة في الهداية والضّلال، وسنّة إلهيّة في المؤمنين والظالمين من الكافرين والمنافقين، وسنّة إلهية في المسؤولية الشخصية والمسؤولية الجماعية، وسنّة إلهيّة في الدعاء والعبادة والجهاد والمعاملة، والابتلاء والمصيبة، والرزق والإنفاق، والحياة الدنيوية والأخروية. وهذه السّنن الإلهية تقرر قوانين محددة، وتتصف بأنها دائمة خالدة، وثابتة غير متغيرة، ومستمرة غير متحولة، تشمل الأولين والآخرين. وهذا منهاج الله تعالى في قرآنه كما حكى في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢] . ومن سنن الله تعالى في النفس وتعاقب الأجيال ما جاء في قوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) «١» «٢» [الأحزاب: ١٠/ ١٣- ١٤] . هذه آية وعيد وتهديد بعذاب الاستئصال والإهلاك للكفار مقرونة بضرب الأمثال لهم، في تعذيب الأمم السابقة، ليرتدعوا عما هم فيه من تحدّ لموكب الإيمان أو مطلب متسرع في تعجيل العذاب، مع أن القانون الإلهي واحد، فكما فعل السابقون أفعالا منكرة فعذّبوا، كذلك يفعل بالأجيال المتلاحقة بسبب التّشابه في الأسباب واقتراف السّيئات.

стр. 948

يخبر الله تعالى أهل مكة وغيرهم في هذه الآية بأنه أهلك كثيرا من الأمم بسبب ظلمهم وتكذيبهم الرّسل فيما جاءوهم به من البيّنات والحجج الواضحة كما قال سبحانه: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف: ١٨/ ٥٩] والإهلاك إما بعذاب الاستئصال لأقوام الرّسل الذين كذبوا بهم مثل نوح وعاد وثمود، وإما بإذلالهم واستيلاء الأمم القوية عليهم، بسبب ظلم بعضهم بالفسق والفجور. لقد أهلك الله الأمم العاتية لما ظلموا أنفسهم، وأصروا على الكفر، وكذبوا بالبيّنات الدّالة على صدق الرّسل، فلم يؤمنوا بهم وعارضوهم وقاوموهم، وقوله تعالى: وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إخبار عن قسوة قلوبهم، وشدة كفرهم، وإفراطهم في العناد والتّحدي، فلم يعد هناك أمل في إصلاحهم، ولا فائدة في إمهالهم، بعد إقامة الحجج عليهم ببعثة الرّسل. وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ معناه: مثل ذلك الجزاء أي الإهلاك، نجزي كل مجرم. وهذا إعلان واضح ووعيد لأهل مكة المشركين على جريمتهم بتكذيب نبيّهم ورسولهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. وليس عذاب الاستئصال العام لقوم إفناء للنوع البشري، وإنما هو مجرد وعيد وإنذار، فيعّوض الله جيلا بجيل، لذا خوطب مشركو مكة بأن جعلهم الله خلفاء في الأرض، بعد تلك القرون أو الجماعات المهلكة، ليبين في الوجود ما علمه أزلا في القديم الذي لا أول له، قال عمر بن الخطاب ﵁: «إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا، فأروا الله حسن أعمالكم في السّر والعلانية» وكان عمر يقول أيضا: «قد استخلفت يا بن الخطاب، فانظر كيف تعمل» . وتقرير وجود المشركين المكّيين عقب إهلاك الظالمين المتقدّمين إشعار بأن دورة

стр. 949

الزمان ستتحول قريبا، فتكون أمّة القرآن هي صاحبة العزّة والسّيادة، والخلافة في الأرض، إذا لازمت الطاعة، واتّبعت هدي القرآن وسنّة رسول الإسلام، كما جاء في آية أخرى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النّور: ٢٤/ ٥٥] . وقد تحقق هذا الوعد على مدى التاريخ الماضي، ويمكن أن يتحقق مرة أخرى إذا أحسن المسلمون أعمالهم، وساروا في فلك الهداية الرّبانيّة، واستظلّوا بظلّ راية القرآن المجيد. مطالب المشركين العجيبة لقد أبدى المشركون في عهد نزول الوحي الإلهي رغبات غريبة ومطالب عجيبة للتّهرب من الحقيقة، والعبث بالشريعة، فطالبوا بتبديل القرآن من أجل إقرار شركهم والرّضا عن كفرهم ووثنيتهم، ولم يدروا بأن إنزال القرآن من عند الله الذي يفعل ما يشاء، ويأمر بما يريد، ويختار ما هو حقّ وصواب، ويهدم ما كان باطلا وخطأ. وليس أبطل مما أعلنه المشركون من التشكك في القرآن والطعن في نبوة الرسول المنزل عليه كلام الله، وصف القرآن هذا الموقف العجيب بقوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٥ الى ١٨] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) «١» «٢»

стр. 950

[يونس: ١٠/ ١٥- ١٨] . هذه الآيات إظهار للحجة القاطعة من الله على المشركين في التكذيب بالقرآن، والعكوف على عبادة الأصنام، وبيان واضح أن القرآن ليس من قبل النّبي محمد ولا هو من عنده، وإنما هو من عند الله، ولو شاء الله ما بعثه به، ولا تلاه عليهم، ولا أعلمهم به. فقولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أي من نمط آخر ليس فيه عيب آلهة المشركين، إنهم يريدون تبديل القرآن على حسب مزاجهم، بجعل آية مكان آية في الوعيد والطعن بهم. ومنشأ هذا المطلب: هو إنكارهم البعث والحساب، وتكذيبهم بالثواب والعقاب في الآخرة. فردّ الله عليهم معلّما نبيّه أن يقول: ما يصح لي ولا من شأني أن أبدّل هذا القرآن من قبل نفسي، فليس هو كلامي، وإنما هو كلام الله، وإني لا أتبع فيه إلا ما يوحى إلي، وهو ما أبلّغكم به، إني أخشى إن خالفت وحي ربّي وأمره عذاب يوم عظيم الهول، شديد الوقع، وهو عذاب النار يوم القيامة. بل قل لهم أيها الرّسول: لو شاء الله ألا أتلو هذا القرآن عليكم ما تلوته، ولو شاء الله ألا أعلمكم به أو أخبركم بأحكامه، وأنتم أعلم الناس بسيرتي، ولم تجرّبوني في كذب، بدليل أني مكثت بينكم أربعين سنة من قبل نزول القرآن، لا أتلو شيئا منه ولا أعلمه، أفلا تستعملون عقولكم وتتفكرون في أن من عاش أمّيّا أربعين عاما، لم يقرأ كتابا ولا تعلّم من أحد، لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وعلومه وشرائعه، ولم تستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا دليل على أن القرآن يتميّز بإعجازه التّام، لأنه كلام الله، وليس كلام بشر.
следующие страницы →