← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

يترددون فيه متحيرين، ولا يعجل لهم في الدنيا عذاب الاستئصال تكريما لخاتم النّبيّين محمد ﷺ . وكذلك اقتضت رحمته تعالى بعباده ألا يستجيب لهم دعاءهم على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشرّ، في حال الضّجر والغضب، لأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك. روى أبو داود والبزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة، فيستجيب لكم» . ومن عجلة الإنسان أيضا أنه إذا أصابه ضرّ من مرض أو فقر أو خطر، بادر إلى دعاء ربّه بإلحاح في كشف ضرّه وإزالته، حالة كونه مضطجعا على جنبه، أو قاعدا، أو قائما، وفي جميع أحواله، فإذا فرّج الله شدّته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء، ومضى في طريقه من الغفلة عن ربّه وفي إشراكه بالله وقلّة توكّله عليه، كأنه لم يدع ربّه إلى شيء، ومثل ذلك العمل القبيح المنكر، أو التّزيين من الله بخلقه الكفر لهم واختراعه في نفوسهم، أو من الشيطان بالوسوسة والمخادعة، مثل ذلك زيّن للمشركين طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشّرك، والإعراض عن القرآن والعبادات، واتّباع الشّهوات. والضّرّ عند اللّغويين: لفظ عام لجميع الأمراض والرّزايا في النفس والمال والأحبّة، وقيل: هو مختصّ برزايا البدن: الهزال والمرض. وقوله: مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا وإن نزلت في الكفار، فهي تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص. والمراد بالإنسان في قوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ هو الكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم. والخلاصة: المراد من الآية النّهي عن العجلة في الدعاء، والأمر بالتسليم إلى الله تعالى، والضّراعة إليه في كل حال.

стр. 947

السّنّة الإلهيّة في تعاقب الأجيال في القرآن الكريم تقرير جلي لسنن الله في الكون والنفس والحياة، يقصد من بيانها تربية النّفس الإنسانية على أساس من الإصلاح الجذري، والبعد عن المزالق والمهالك، أو الوقوع في البلايا والمصائب. فهناك سنّة إلهيّة في الهداية والضّلال، وسنّة إلهيّة في المؤمنين والظالمين من الكافرين والمنافقين، وسنّة إلهية في المسؤولية الشخصية والمسؤولية الجماعية، وسنّة إلهيّة في الدعاء والعبادة والجهاد والمعاملة، والابتلاء والمصيبة، والرزق والإنفاق، والحياة الدنيوية والأخروية. وهذه السّنن الإلهية تقرر قوانين محددة، وتتصف بأنها دائمة خالدة، وثابتة غير متغيرة، ومستمرة غير متحولة، تشمل الأولين والآخرين. وهذا منهاج الله تعالى في قرآنه كما حكى في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢] . ومن سنن الله تعالى في النفس وتعاقب الأجيال ما جاء في قوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) «١» «٢» [الأحزاب: ١٠/ ١٣- ١٤] . هذه آية وعيد وتهديد بعذاب الاستئصال والإهلاك للكفار مقرونة بضرب الأمثال لهم، في تعذيب الأمم السابقة، ليرتدعوا عما هم فيه من تحدّ لموكب الإيمان أو مطلب متسرع في تعجيل العذاب، مع أن القانون الإلهي واحد، فكما فعل السابقون أفعالا منكرة فعذّبوا، كذلك يفعل بالأجيال المتلاحقة بسبب التّشابه في الأسباب واقتراف السّيئات.

стр. 948

يخبر الله تعالى أهل مكة وغيرهم في هذه الآية بأنه أهلك كثيرا من الأمم بسبب ظلمهم وتكذيبهم الرّسل فيما جاءوهم به من البيّنات والحجج الواضحة كما قال سبحانه: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف: ١٨/ ٥٩] والإهلاك إما بعذاب الاستئصال لأقوام الرّسل الذين كذبوا بهم مثل نوح وعاد وثمود، وإما بإذلالهم واستيلاء الأمم القوية عليهم، بسبب ظلم بعضهم بالفسق والفجور. لقد أهلك الله الأمم العاتية لما ظلموا أنفسهم، وأصروا على الكفر، وكذبوا بالبيّنات الدّالة على صدق الرّسل، فلم يؤمنوا بهم وعارضوهم وقاوموهم، وقوله تعالى: وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إخبار عن قسوة قلوبهم، وشدة كفرهم، وإفراطهم في العناد والتّحدي، فلم يعد هناك أمل في إصلاحهم، ولا فائدة في إمهالهم، بعد إقامة الحجج عليهم ببعثة الرّسل. وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ معناه: مثل ذلك الجزاء أي الإهلاك، نجزي كل مجرم. وهذا إعلان واضح ووعيد لأهل مكة المشركين على جريمتهم بتكذيب نبيّهم ورسولهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. وليس عذاب الاستئصال العام لقوم إفناء للنوع البشري، وإنما هو مجرد وعيد وإنذار، فيعّوض الله جيلا بجيل، لذا خوطب مشركو مكة بأن جعلهم الله خلفاء في الأرض، بعد تلك القرون أو الجماعات المهلكة، ليبين في الوجود ما علمه أزلا في القديم الذي لا أول له، قال عمر بن الخطاب ﵁: «إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا، فأروا الله حسن أعمالكم في السّر والعلانية» وكان عمر يقول أيضا: «قد استخلفت يا بن الخطاب، فانظر كيف تعمل» . وتقرير وجود المشركين المكّيين عقب إهلاك الظالمين المتقدّمين إشعار بأن دورة

стр. 949

الزمان ستتحول قريبا، فتكون أمّة القرآن هي صاحبة العزّة والسّيادة، والخلافة في الأرض، إذا لازمت الطاعة، واتّبعت هدي القرآن وسنّة رسول الإسلام، كما جاء في آية أخرى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النّور: ٢٤/ ٥٥] . وقد تحقق هذا الوعد على مدى التاريخ الماضي، ويمكن أن يتحقق مرة أخرى إذا أحسن المسلمون أعمالهم، وساروا في فلك الهداية الرّبانيّة، واستظلّوا بظلّ راية القرآن المجيد. مطالب المشركين العجيبة لقد أبدى المشركون في عهد نزول الوحي الإلهي رغبات غريبة ومطالب عجيبة للتّهرب من الحقيقة، والعبث بالشريعة، فطالبوا بتبديل القرآن من أجل إقرار شركهم والرّضا عن كفرهم ووثنيتهم، ولم يدروا بأن إنزال القرآن من عند الله الذي يفعل ما يشاء، ويأمر بما يريد، ويختار ما هو حقّ وصواب، ويهدم ما كان باطلا وخطأ. وليس أبطل مما أعلنه المشركون من التشكك في القرآن والطعن في نبوة الرسول المنزل عليه كلام الله، وصف القرآن هذا الموقف العجيب بقوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٥ الى ١٨] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) «١» «٢»

стр. 950

[يونس: ١٠/ ١٥- ١٨] . هذه الآيات إظهار للحجة القاطعة من الله على المشركين في التكذيب بالقرآن، والعكوف على عبادة الأصنام، وبيان واضح أن القرآن ليس من قبل النّبي محمد ولا هو من عنده، وإنما هو من عند الله، ولو شاء الله ما بعثه به، ولا تلاه عليهم، ولا أعلمهم به. فقولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أي من نمط آخر ليس فيه عيب آلهة المشركين، إنهم يريدون تبديل القرآن على حسب مزاجهم، بجعل آية مكان آية في الوعيد والطعن بهم. ومنشأ هذا المطلب: هو إنكارهم البعث والحساب، وتكذيبهم بالثواب والعقاب في الآخرة. فردّ الله عليهم معلّما نبيّه أن يقول: ما يصح لي ولا من شأني أن أبدّل هذا القرآن من قبل نفسي، فليس هو كلامي، وإنما هو كلام الله، وإني لا أتبع فيه إلا ما يوحى إلي، وهو ما أبلّغكم به، إني أخشى إن خالفت وحي ربّي وأمره عذاب يوم عظيم الهول، شديد الوقع، وهو عذاب النار يوم القيامة. بل قل لهم أيها الرّسول: لو شاء الله ألا أتلو هذا القرآن عليكم ما تلوته، ولو شاء الله ألا أعلمكم به أو أخبركم بأحكامه، وأنتم أعلم الناس بسيرتي، ولم تجرّبوني في كذب، بدليل أني مكثت بينكم أربعين سنة من قبل نزول القرآن، لا أتلو شيئا منه ولا أعلمه، أفلا تستعملون عقولكم وتتفكرون في أن من عاش أمّيّا أربعين عاما، لم يقرأ كتابا ولا تعلّم من أحد، لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وعلومه وشرائعه، ولم تستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا دليل على أن القرآن يتميّز بإعجازه التّام، لأنه كلام الله، وليس كلام بشر.

стр. 951

فلا أحد في البشر أظلم من رجلين: أحدهما- من افترى على الله الكذب بنسبة الشّريك أو الولد لله، أو بتبديل كلامه على النّحو الذي اقترحتموه، والثاني- من كذب بآيات الله البيّنة، فكفر بها، إنه لا يفوز المجرمون (أي الكافرون) في الآخرة. وهذا دليل على عظم جرم المفتري على الله بعد بيانه الساطع بأن القرآن كلام الله، ودليل أيضا على أنه لا نجاة للكفار من العذاب الأخروي، ولن يحققوا أي فوز، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى. وأي الموقفين أصحّ عقلا وأسلم عاقبة وأبين حقيقة: موقف الإيمان بربّ واحد خالق رازق، نافع مانع للضّر، أو موقف المشركين الذين يعبدون الأصنام، ويزعمون أن شفاعتها تنفعهم عند الله، أو أنهم وسطاء لهم بين يدي الله. فردّ الله عليهم بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ.. أي قل لهم أيها الرّسول: لا دليل لكم على ما تدّعون، أتخبرون الله بما لا وجود له في السّماوات ولا في الأرض، وما لا يعلم من وجود هؤلاء الشفعاء المزعومين، تنزه الله عن أن يكون له شريك أو معين، وتعاظم وتعالى علوّا كبيرا عما يشركون به من الشّفعاء والوسطاء، ويستحيل على الله وجود شيء من الشّرك أو الشّركاء الذين يشركونهم به. وهذا تقريع وتوبيخ للمشركين في زعمهم وافترائهم بوجود أنباء في السماوات والأرض، لا يعلمها الله ولا وجود لها في الواقع. وحدة المعبود والسّلطان الإلهي تدلّ الفطرة الإنسانيّة الأصليّة في جميع البشر على الإقرار بوجود إله واحد، والإذعان لربّ واحد، له السّلطان الغيبي المطلق والتّصرف الشّامل في الكون

стр. 952

والإنسان، والرحمة والشدة، والنفع والضّر، فإذا تركت هذه الفطرة على مساقها السليم، كان الإنسان موحّدا، عابدا لله وحده، فهو المعبود بحق، وكل ما يصدر عن الإنسان من شرك وانحراف، وتصورات شاذّة عن الإله خالق الكون، فإنما هو من منشأ طارئ، يعكّر صفو الاتجاه الصحيح نحو الله تعالى. قال الله سبحانه مصوّرا حقيقة الفطرة السّوية في أقدم العصور: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٩ الى ٢١] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) «١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ١٩- ٢١] . إن توحيد الله تعالى أمر قديم في البشر، وهو الأصل العام في كل إنسان، وما الشّرك في العبادة أو الوثنية وعبادة الأصنام إلا أمر طارئ دخيل، ومذهب فاسد حادث في الناس، بسبب اتّباع الأهواء والتصورات المخطئة. فقد كان الناس كلهم على دين واحد وملّة واحدة هو دين التوحيد، وفطرة الاعتراف بربّ واحد. وذلك كما جاء في آية أخرى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة: ٢/ ٢١٣] ويوضح هذا الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه» . لقد طرأ الاختلاف في توحيد الله تعالى على عقول البشر وتصوراتهم بعد الخلق السّوي والتكوين القويم، ولكن حلم الله ورحمته اقتضيا إمهال الإنسان ليراجع

стр. 953

حسابه ويصحح خطأه، ولولا ما تقدم من الله تعالى من كلمة حق في جعل الجزاء الفاصل بين الناس يوم القيامة، لعجّل العذاب للناس في الدنيا بإهلاك المبطلين، وتعذيب العصاة بسبب اختلافهم، ولقضي بينهم في منازعاتهم أو خلافاتهم. وفي هذا وعيد للمنحرفين وإمهال للظالمين الكافرين. ثم أورد الله شبهة يتمسك بها الكفار في كفرهم وزعمهم، وهي أنهم يقولون: هلا أنزل على النّبي محمد ﷺ آية كونية حسّية مشاهدة كالتي نزلت على نوح وشعيب وهود وصالح وموسى وعيسى، تلك الآية تضطر الناس إلى الإيمان بالله، فردّ الله عليهم بأن يقول نبيّه لهم: إنما سلطان الغيب وتقديره أو معرفته وتوجيهه لله تعالى، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، لا يطّلع على غيبه أحد، والله وحده هو المختصّ بعلم الغيب، فلا يعلم به إلا هو، والأمر كله لله، يعلم عواقب الأمور، فإن قدر وشاء، أنزل آية كونية أو عقلية أو غيرهما، وإن شاء لم ينزلها، ويعلم الوقت المناسب لكل شيء. ثم قال تعالى: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ وهذا وعيد واضح، فإن كنتم لا تؤمنون بي حتى تشاهدوا ما سألتهم من نزول الآيات المقترحة، فانتظروا حكم الله فيّ وفيكم، وهو ما يستحلّ بكم من العذاب جزاء عنادكم وجحودكم بالآيات. وقد حقق الله تعالى وعيده، بنصر عبده محمد ﷺ في معركة بدر وغيرها. وهناك جواب آخر على طلب إنزال آية غير القرآن، وهو أن الله تعالى إذا أذاق الناس وهم الكفار رحمة، ورزقهم فضلا، من بعد ضرّاء مسّتهم، كالرّخاء بعد الشّدة، والخصب بعد الجدب، والأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض، إذا هم يسرعون بالمفاجأة الغريبة وهي المكر، أي الاستهزاء والطعن في مقام الحمد والشكر، والتّنكر للجميل والمعروف بعد زوال المكروه عنهم، وعدم الارتداع عن المعاصي، وذلك في الناس كثير. وإزاء هذا الموقف قل لهم يا محمد: الله تعالى أسرع مكرا، أي

стр. 954

تدبيرا محكما، وجزاء عدلا على أفعالكم، قبل أن تدبروا مكيدة أو خطة لإطفاء نور الإسلام، وكل آت قريب، إن رسلنا وهم الملائكة الحفظة الكرام يكتبون أو يسجّلون جميع ما تفعلونه وتدبرونه، أو تخطّطون له، ويحصونه عليكم، ثم يعرضونه على الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، فيجازي كل واحد على فعله بما يستحق. مقابلة النّعمة بالجحود يختلف الناس في تقدير نعمة الله الخالق عليهم، فالمؤمن يشكر الله تعالى على أفضاله ونعمه الكثيرة في الحياة والصحة والرزق والجاه والمال، والكافر أو المشرك يقابل النعمة بالجحود، ويتنكر للمعروف، وينسى ما تفضّل به الله عليه من نجاة بعد خوف، وأمن بعد قلق، وعافية بعد مرض، وغنى بعد فقر، وعزّ بعد ذلّ. والشأن في الإنسان السّوي المنصف أن يقرّ بهذه الأفضال الإلهية، ويشكر المنعم في جميع الأحوال. قال الله تعالى واصفا حال الجاحدين المتنكّرين للجميل والخير: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) «١» «٢» » [يونس: ١٠/ ٢٢- ٢٣] . هذه الآية تتضمن تعداد النّعم على الناس، ثم تزجرهم عن الجحود وتذمّ بغيهم وتجاوزهم الحدود، ومن أعظم النعم تحقيق الأمن بعد الخوف، والنّجاة من المخاطر

стр. 955

بعد التعّرض لها، فالله تعالى هو الذي يمكّن الناس من السير وتجاوز المسافات في البر والبحر بوسائط النقل المعروفة، من الدّواب والبواخر والسيارات والطائرات والقطارات، وتلك نعم جليلة، حتى إنه إذا كان الناس راكبين في السّفن الشراعية وجرت فوق الماء بريح هادئة لينة، ثم تعرّضت للاضطرابات ومخاطر الغرق بتغيّر الريح واشتدادها، فتهبّ عاصفة قوية، ويعتقد الركاب أنهم غارقون هالكون بسبب الأعاصير والأمواج العاتية التي تحيط بهم من كل جهة، في تلك الحالة الرهيبة لا يجد الركاب ملجأ إلا الله، فيتّجهون إلى دعائه مخلصين له الدعاء والعبادة والتّضرع، ولا يتّجهون لغير الله ربّهم، ويقولون بصدق وحرارة وإخلاص: لئن أنجانا الله من هذه المخاطر والدّواهي لنكونن من جماعة الشاكرين نعمة الله، الموحّدين له، العابدين إياه. ولكن سرعان ما يتبدل الموقف، وينقض هؤلاء الركاب العهد أو الوعد، فحينما ينجيهم الله من تلك الورطة، وينقذهم من خطر الغرق أو الهلاك، إذا هم يعودون إلى سيرتهم الأولى، من نكران وجود الله وتوحيده، والوقوع في الظلم والبغي، والعصيان والفسوق، كما جاء في آية أخرى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) [الإسراء: ١٧/ ٦٧] . ثم زجر الله أهل البغي والإسراف، والجحود والإنكار، والمعصية والضّلال، فقال سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي إنما وبال هذا البغي وجزاؤه وإثمه على أنفسكم في الدنيا والآخرة، ولا تضرّون به أحدا غيركم، تتمتعون في الدنيا متاعا زائلا لا قرار له، من توبيخ الضمير والوجدان، أو التعرض لأنواع البلايا والأمراض والقلاقل أو الخسران في نهاية الأمر، وفي الآخرة أيضا جزاء محقق على البغي والانحراف، لأن مصير جميع الخلائق ومآلهم إلى الله يوم القيامة، فيخبرهم

стр. 956

بجميع أعمالهم، ويجازيهم عليها الجزاء الأوفى المناسب، بسبب ما كانوا يعملون. وفي هذا تهديد كاف، ووعيد قاطع شاف. جاء في حديث أحمد والبخاري: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدّخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرّحم» . وقال سفيان بن عيينة: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي تعجّل لكم عقوبته في الحياة الدنيا، وعلى هذا قالوا: البغي يصرع أهله. والحقّ أن إنذارات القرآن وألوان التهديد والوعيد بالعذاب لها هدف تربوي سام، فهي من أجل توجيه الإنسان نحو الخير، والصلاح، والهدى والنّور، والاستقامة على أمر الله وشكره باستعمال القوى الإنسانية في مرضاته، وهي أيضا تحذير من الشّر وتنبيه إلى مغبّته وسوء عاقبته، فالويل كل الويل لمن بغى على نفسه وظلم غيره، قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النّور: ٢٤/ ٦٣] . أروع مثل للحياة الدنيا تتميز تشبيهات القرآن الكريم لبعض الأوضاع الجسمية أو الخطيرة بالواقعية والإيجاز، والتصوير السريع البليغ، ليسهل إدراك الأمور على وجهها الصحيح، ولتكون الأحوال المشاهدة خير دليل معبّر عن الواقع، وعبرة للمتأمّل المتّعظ. فإذا تفاعل الإنسان مع منظور المستقبل وتأثّر بما يؤول إليه، أحسّ بمسؤوليته، وبادر إلى العمل والبناء، والعطاء والإنتاج، قبل أن يفوت الأوان وتضيع الفرصة. وهذا مثل بليغ للحياة الدنيا تصوّره الآية القرآنية التالية كأن رساما ماهرا يرسم مشاهدها: [سورة يونس (١٠) : آية ٢٤] إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)

стр. 957

«١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ٢٤] . هذه الآية العظيمة تصوير للحياة والفناء العاجل، وقد تكرر هذا التشبيه أو التمثيل في القرآن الكريم في مناسبات عديدة، مثل قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) [الحديد: ٥٧/ ٢٠] . وتوضيح هذا المثل كما يبدو فيما يأتي: إنما مثل التّفاخر في الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين، ثم أيلولتها إلى الفناء السريع، كمطر نزل من السماء، فاختلط بالتراب والنبات، فأنبت نباتات شتى، تشابكت واختلط بعضها ببعض، منها ما يأكله الناس من زروع وحبوب وثمار، ومنها ما تأكله الأنعام من علف ومراع وغير ذلك. حتى إذا تكامل نمو النبات وازدهر، وأخذت الأرض حسنها وزينتها الفانية، وتزيّنت بأبهى أنواع الزينة، واكتسست الجبال والوديان والسهول بالأشجار الباسقة، والأزهار النّضرة، والحبوب والثمار اليانعة، مما يأكل الناس من الزروع والأشجار ونحو ذلك من المراعي والأعلاف، وازّيّنت، أي ظهرت زينتها، وأيقن أهلها الذين زرعوها أو غرسوها أنهم قادرون على جذاذها وحصادها والانتفاع بها. وبينما هم كذلك، مفتونون بحسن النّبات والثّمر والزهر، جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة،

стр. 958

فيبست أوراقها وتلفت ثمارها، ونزل بها القضاء المقدّر لهلاكها ليلا أو نهارا، فجعلها الله تعالى كالأرض المحصودة، لا خضرة ولا نضرة فيها، كأن لم تنبت، وكأنها لم تكن في حال حياة قبل ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر بغضارتها، وفي تفسير أبي بن كعب: وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها. ثم ختم الله تعالى هذا المثل الرائع بقوله: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي كهذا المثل المبيّن الذي يوضح حال الدنيا وسرعة زوالها، نبيّن الحجج والأدلّة الدّالة على إثبات التوحيد والجزاء وكل ما فيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في آيات الله، أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتّعاظ والاعتبار بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها زوالا سريعا، مع اغترارهم بها، وتمكّنهم من خيراتها، علما بأن من طبع الدنيا الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها. والغرض الواضح من هذه الآية التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرّضة للتّلف والزّوال بموت أو غيره من رزايا الدنيا. وخصّ المتفكّرين بالذّكر تشريفا للمنزلة، وليقع التّسابق إلى هذه الرتبة. فجدير بكل عاقل ألا يغتر بالدنيا، فإنها غرّارة زائلة، وليبادر إلى اغتنام أيام عمره فيها، فيعمل العمل الصالح، ويصحح العقيدة، ويؤمن بالله حقّ الإيمان، وينفع نفسه وأمّته ووطنه، ويخلّد سمعة طيبة إما بكلمة طيبة، أو بخير يفعله، أو منع من شرّ يدمّر حياته وحياة غيره. التّرغيب في الجنّة والتّرهيب من النّار لم يترك القرآن المجيد خيرا إلا دعا إليه جميع البشر في كل زمان ومكان، ولم ير في شيء شرّا إلا حذّر منه ونفّر، وأعلن وأنذر، وجعل القرآن غاية للخير ومقصدا عامّا

стр. 959

ألا وهو الجنّة، كما جعل مصير الشّر مصيرا شاملا ومحقّقا ألا وهو النار. وهذا دليل واضح على حبّ الله الخير والمصلحة لعباده، وإرادته تعالى إبعادهم من الشرور والمفاسد والمساوئ، لما فيها من ضرر مؤكد وتدمير محقق. قال الله تعالى مبيّنا هذا المنهج الإلهي في شرعة القرآن: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) «١» «٢» «٣» «٤» [يونس: ١٠/ ٢٥- ٢٧] . إذا كانت دعوة الإسلام إلى الإيمان بالله وحده دعوة عامّة لكل أجناس البشر، فإن الهداية التي هي الإرشاد مختصّة بمن قدّر إيمانه. ومعنى الآية: والله يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح المؤدّيين إلى دار السّلام وهي الجنّة، وسميت الجنة بدار السلام، لأن من دخلها ظفر بالسّلامة والكمال، وأمن الفناء والآفات، وسلم من الشوائب والنقائص والأكدار. ودعوة الله إلى دار السّلام وأمره بالإيمان عام لكل البشر، ولكنه سبحانه يختص أهل الإيمان بالهداية، أي بالإرشاد والتوفيق إلى الطريق القويم الموصّل إلى الجنّة، ولا أقوم ولا أهدى من شرعة القرآن والإسلام المتضمنة أصول العقائد والأخلاق والشرائع والأحكام. ومن المعلوم أن الهداية نوعان: هداية دلالة عامّة، وهي عامة لجميع الناس، وهي الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وهداية توفيق وعناية، وهي خاصة بالمؤمنين، يوفقهم الله إلى طريق الاستقامة، ويعينهم على القيام بواجباتها وآدابها.

стр. 960

ودعوة القرآن إلى الدين الحق كالدعوة إلى مأدبة فاخرة، أخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن جابر ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتّخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك، والدّار الإسلام، والبيت الجنّة، وأنت يا محمد الرّسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنّة، ومن دخل الجنّة أكل منها» . والسبب في دعوة القرآن إلى الإسلام هو مراعاة مصلحة المدعوين، فإن للذين أحسنوا العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: المثوبة الحسنى في الدار الآخرة، ولهم أيضا زيادة وهي النظر إلى وجه الله . ولا يغشى وجوه أهل الجنّة شيء مما يغشى وجوه الكفرة من الغبرة التي فيها السواد، والهوان والصغار: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ والقتر: الغبار المسودّ. أولئك هم مستحقّو الجنّة وأصحابها حقّا ووجوبا، ويقيمون فيها على الدوام من غير زوال، وهذا على جهة المدح لهم والتشريف. وفي مقابل هؤلاء صنف آخر وهم الأشقياء الذين اقترفوا السّيئات وارتكبوا المنكرات من الكفر والشّرك والظّلم، فلهم جزاء عادل سيّئة مثل سيّئتهم، أي جزاء مناسب لمعاصيهم، وتعمّ السّيئات هنا الكفر والمعاصي، فسيّئة الكفر التّخليد في النار، وسيّئة المعاصي مرجع الجزاء فيها إلى الله تعالى، وتحيط بالكافرين والعاصين مذلّة وهو ان لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، كأنما ألبست وجوههم أغشية من سواد الليل المظلم، لفرط سوادها وظلمتها، أولئك المتّصفون بتلك الصفات هم

стр. 961

لا غيرهم أصحاب النّار هم فيها خالدون، أي دائمون فيها، لا يزحزحون عنها. والحاصل: أن مصير المؤمنين إلى نعيم في الجنان وخلود فيها، ومصير الكافرين إلى عذاب شديد في النّيران وتخليد فيها، والمرجع في أهل المعاصي إلى مشيئة الله ﵎، إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم. مشهد من مشاهد الحشر جميع مشاهد القيامة عجيبة مذهلة، رهيبة مخوفة مؤلمة، لأن المصير مجهول، والحساب عسير، والنهاية أبدية، فإما إلى جنّة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نار شديدة اللهب والإحراق. ومن أبرز تلك المشاهد الفصل النهائي بين المشركين وآلهتهم المزعومة، والحوار الحادّ بين الفريقين، وهذا ما أوضحه القرآن المجيد في قوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٢٨- ٣٠] . هذا مشهد رهيب من مشاهد الحشر يوم القيامة، حيث يجتمع الناس في صعيد واحد، وتحسم فيه المواقف، وتتبدّد مزاعم المبطلين. يقول الله لنبيّه: اذكر أيها الرسول يوم نجمع أهل الأرض كلهم من الجنّ والإنس، والبرّ والفاجر، والمحسن والمسيء، ثم نقول لأهل الشّرك: الزموا مكانكم، وذلك مقترن بحال الشّدة والخزي،

стр. 962

أنتم وشركاؤكم، لا تبرحوا المكان حتى تنظروا ماذا يفعل بكم، ففرقنا بين الشركاء والمشركين، وقطعنا ما كان بينهم من الصّلات والعلاقات. يقف المشركون عبدة الأوثان يوم القيامة، في موقف الخزي، مع أصنامهم، ثم ينطق الله الأصنام بالتّبري منهم، فيقول الشّركاء وهم الذين يزعم الوثنيّون أنهم شركاء لله، يقولون لعابديهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة، إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا، فوافقتموهم وأطعتموهم. وفي هذا تهديد ووعيد، وبيان انقطاع الأمل في شفاعة الشركاء. والشّركاء: إما الملائكة أو عيسى أو الأصنام التي ينطقها الله تعالى، وكل ما عبد من دون الله تعالى، من صنم أو وثن أو شمس وقمر، أو ملك وإنسيّ وجنّي. فكفى بالله شاهدا وحكما عدلا بيننا وبينكم أنّا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وهذا تبكيت عظيم للمشركين، وتهديد في حقّ العابدين. إننا كنّا في غفلة تامّة عن عبادتكم، لا ندري بها، ولا ننظر إليها، ولا نرضى عنها. هنالك في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتذوق وتعلم ما قدمت من العمل من خير وشرّ، فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ليتبين حاله. وأرجعوا إلى عقاب الله وشديد بأسه، ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، الحقّ الثابت الدّائم، ففصّلها، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، دون تلك الشركاء والأنداد الأصنام. وهذا يبين أن الله مولى المشركين في الملك والإحاطة لا في الرحمة والنصر ونحوه. وذهب عن المشركين افتراؤهم وما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه،

стр. 963

ويتخذون تلك الأنداد آلهة مزعومة، ولم يبق لهم نصير ولا شفيع، والأمر كله يومئذ لله تعالى. وهذا تنبيه على زوال ما يدعون أن تلك الشركاء شفعاء لهم عند الله، وأن عبادتهم تقرّب إلى الله تعالى. إن ما يلاقيه المشركون من خيبة الأمل بالأصنام ونحوها من المعبودات تبرهن للعقلاء أن السلطان في الحساب والثواب والعقاب لله وحده. وإذا كان الله وحده هو المحاسب للناس، فهو المعبود بحق، وما على الناس قاطبة إلا أن يوجهوا أنفسهم نحو ما يفيد، ويمنع الضّرر، وأنه لا شفاعة إطلاقا للأصنام ونحوها، فهي تعلن البراءة من عابديها ومن عبادتهم الباطلة. ألا فليستيقظ الضمير والعقل البشري، وليعلم أن من بيده الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، والحساب والثواب والعقاب، هو الجدير بالعبادة والتعظيم، والتّنزيه والتّقديس، وطلب المدد منه . مناقشة المشركين في وحدانيّة الله ما من إنسان سوي عاقل إلا ويحسّ في أعماق نفسه بوجود الله الخالق، ولا بدّ من أن يمرّ في خاطره يوما ما ومضة من تفكير أو شعور مرهف بأنه بأشد الحاجة إلى قدرة الله في تفريج كربه، ونجاته من محنته، وهذا ما كان مستقّرا في أذهان المشركين الوثنيّين وعقائدهم، فإنهم كانوا يقرّون بوجود الله تعالى، ولكنهم كانوا يسيئون التّصوّر، فلا يوحّدون الله، وإنما ينسبون إليه الشّركاء من الأوثان والأصنام وغيرها، وهذا غاية الانحدار والهبوط في الفكر والتّصور والاعتقاد، لذا ردّ الله عليهم في هذه الآيات لإثبات توحيد الألوهية وتوحيد الرّبوبية معا من غير انفصال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣١ الى ٣٣] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)

стр. 964

«١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ٣١- ٣٣] . هذه الآيات مناقشة حادّة، وتوبيخ وإلزام في الحجة لأولئك المشركين الذين يقرّون بوجود الله، ولكنهم خطأ لا يعتقدون بوحدانية الله، قل أيها النّبي لمشركي مكّة وأمثالهم: من الذي ينزل المطر من السماء، فينبت به الزرع والشجر ومختلف النباتات والثمار والفاكهة، فيكون ذلك رزقا لكم أيها البشر، بسبب خيرات السماء وبركات الأرض، ومن الذي أوجد لكم السمع والأبصار، وهذا لفظ يعم جملة الإنسان ومعظمه، حتى إن ما عداهما تبع، ومن الّذي يهب الحياة، ويزيلها بالموت، فيخرج الحي من الميت كالجنين من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من الأرض، إذ له نمو شبيه بالحياة الحركية. ومن الذي يخرج الميت من الحي مثل البيضة من الطائر، والحبّ والنّوى من الزرع والشّجر، وهناك أمثلة علمية أخرى لإخراج الحيّ من الميت كالغذاء المحروق الذي يتناوله الإنسان، فيتولّد منه الدّم، وإخراج الميت من الحيّ كالخلايا الميتة في الدم والجلد التي يطرحها مع البخار والعرق. ومن الذي يدبّر أمور العالم ويسيطر على شؤون الكون، ويتصرّف في المخلوقات حسبما يشاء، من غير عوائق ولا موانع؟! هذه الأسئلة الخمسة لا يملك المشركون إلا أن يقولوا: إن الفاعل هو الله، فهو موجود من غير شكّ ولا مندوحة لهم عن هذا الإقرار، بسبب إيجاد الرزق، وإحياء الإنسان، وهبة الحياة، وإحداث الموت والفناء، وتدبير الأمور كلها. وإذا اعترف الإنسان بوجود الله، فما باله ينكر وحدانية الله؟ وقل لهم أيها الرسول: أفلا تتّقون

стр. 965

أنفسكم عقاب الله بالإشراك وعبادة غير الله، أفلا تتّقون في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة؟! فذلكم المتّصف بالقدرة الخلاقة والإرادة المبدعة هو الله الخالق المربّي والمدبّر، وهو الحق الثابت بذاته الذي لا شك فيه، وهو الواحد القهار الذي لا يصلح معه مخلوق في الألوهية والرّبوبية، ومن كانت هذه صفاته هو الرّب الحقّ، أي المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق. وليس فيما وراء الحقّ إلا الضّلال والباطل، ومن يتجاوز الحق الذي هو عبادة الله وحده، وقع في الضّلال. فكيف تصرفون عن الحق إلى الضّلال، وكيف تتحولون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال؟ ذلك ما لا يقبله عقل ولا منطق. وكما كانت صفات الله كما وصف، وعبادته واجبة كما تقرر، وحقت الرّبوبية لله والألوهية لله، أي ثبتت واستقرّت في الواقع، كذلك حقّت وثبتت كلمة الله وحكمه على الذين فسقوا، أي تمرّدوا في الكفر، وأصرّوا على الضّلال: أنهم لا يؤمنون، أي حقّ عليهم واستقرّ انتفاء الإيمان في قلوبهم، وتحقّق منهم البعد عن الإيمان الحق. وإذا لم يؤمنوا بالرغم من استقرار هذه الصفات الإلهية التي لا مجال لإنكارها، فإنهم يكونون من أصحاب النار. والخلاصة: إن المنطق يقضي بالتّسوية بين الإقرار بوجود الله، وبين الاعتراف بوحدانية الله، ولا يعقل التفريق بينهما، ومن آمن بوجود الله، فعليه أن يؤمن بتوحيد الله، وهذا أسلوب في إثبات التوحيد من طريق العقل والفكر المجرد، لأن توحيد الألوهية والرّبوبية متلازمان.

стр. 966

إثبات البعث إن إثبات التوحيد لله يقتضي إثبات البعث من القبور، لأن من ابتدأ الخلق، قادر على إعادة الخلق، والإعادة أهون من الابتداء، ووجود البعث أمر ضروري لإقامة العدل المطلق بعد اختبار الناس في عالم الدنيا المملوء بالمظالم والانحرافات، فيكون إيجاد عالم الآخرة ضروريا للتناصف وإحقاق الحق، ودحر الباطل، وإنجاز الوعد الإلهي الحق بتحقيق الآمال، والظفر بدار الخلود. قال الله تعالى مقيما الدليل على وجود البعث: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٤ الى ٣٦] قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٣٤- ٣٦] . هذا وصف آخر لقصور الأصنام وعجزها، وتنبيه على قدرة الله ، وبدء الخلق يراد به إنشاء الإنسان في أول مرة، وإعادة الخلق: هي البعث من القبور. قل أيها الرسول للمشركين: من الذي بدأ خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات؟ هل يستطيع أحد غير الله ذلك، سواء كان صنما أو ملكا أو كوكبا أو رسولا ونحو ذلك؟ ومن الذي يقدر أن يعيد إيجاد الخلق مرة أخرى، فيكون خلقا جديدا؟ إنه لا مجال أن يكون غير الله هو الذي يبعث من القبور، قل لهم أيها الرسول: الله هو القادر وحده على بدء الخلق وإعادته، لأن القادر على البدء قادر على

стр. 967

الإعادة، فهو الذي يفعل ذلك، ويستقل به وحده لا شريك له، لأنه ليس من الممكن للبشر بحال، لا عقلا ولا عادة أن يعيد إنسانا أو حيوانا إلى الوجود بعد الموت، وليس أدلّ على ذلك من الواقع، فإن الإنسان حريص على بقاء الأحياء، ولكنه عاجز عن إعادة ميت إلى الحياة مرة أخرى. وإذا كان لا بدّ من الاعتقاد بحصر القدرة على البعث بالله وحده، فكيف تصرفون أيها المشركون عن طريق الرشد إلى الباطل، وعن الحق وهو التوحيد إلى الضلال، وهو الإشراك وعبادة الأصنام؟! قل لهم أيها الرسول أيضا: هل يستطيع أحد من شركائكم هداية الضّال والحيران، إما بالفطرة والغريزة، وإما بالحواس من سمع وبصر ونحوهما، وإما بالعقل والتفكير، وإما بهداية كتب السماء والرسل، أو هم عاجزون عن ذلك كله؟! هذه الهداية إلى طريق الصواب، والدعوة إلى العدل هي تماما كالقدرة على الخلق والتكوين، لا يستطيعها أحد سوى الله وحده. وبما أن المشركين يدركون تمام الإدراك أن شركاءهم لا يستطيعون شيئا من الخلق والهداية التشريعية، فلم يجدوا جوابا، فأجابهم الله: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أي إن الله وحده هو الذي يهدي إلى الحق والصواب بما أوجد من الأدلة والبراهين، وبما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، وبما منح الإنسان من التوصل للإيمان بطريق العقل والحواس التي هي مفاتيح المعرفة. ومن أحق باتّباع قوله وطاعة أمره؟ أهو الذي يقدر على الهداية إلى الحق والرشاد والإيمان، أم الذي لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، وهو الله تعالى؟ إن الأصنام كما وصفها الله لا تستطيع هداية أحد، فكيف يصح عبادتها، وما لكم أيها المشركون كيف تحكمون بالتسوية بين الله وبين خلقه؟ وهذا تعجب شديد من حكمهم الجائر بالمساواة بين عبادة الله مباشرة، وعبادة الشركاء العاجزين عن كل شيء.

стр. 968

وكلمة أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى يراد بها الأصنام لا تستطيع أن تهتدي بنفسها إلا أن تهدى من قبل غيرها. لقد آن الأوان إلى الاعتراف بأن أكثر المشركين لا يتّبعون في اعتقادهم بشفاعة الأصنام وعبادتها إلا مجرد ظنّ خطأ، ووهم فاسد، إن الظنّ الفاسد لا يفيد في إثبات الحق شيئا، إن الله عليم تامّ العلم بأفعالهم، فيجازيهم عليها، فمن كذب القرآن والرسول، واتّبع الآباء والأجداد من دون دليل ولا حجة، يعاقب عقابا شديدا في نار جهنم. وهذا تهديد لهم ووعيد شديد. إثبات كون القرآن كلام الله إن أعظم هدية دائمة الأثر من الله لعباده هي هدية القرآن وحي الله وكلامه المنزل على رسوله محمد ﷺ ، فليس هو بالحديث المفترى، وآية ذلك إعجازه نظما ومعنى، وتحدي العرب بأن يأتوا بمثله في بيانه المحكم وتشريعه المبرم. فأجدر بالبشر قاطبة أن يحتفلوا على الدوام بهذه الهدية الرّبانية، وأن يبادروا لقبول هذا التنزيل ليحققوا لأنفسهم عزّ الدنيا وسعادة الآخرة. وهذا ما وصف الله تعالى به كتابه العزيز لإثبات كونه كلام الله ومعجزة النّبي: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) «١» [يونس: ١٠/ ٣٧- ٣٩] .

стр. 969

هذا نفي قول من قال من قريش: «إن محمدا يفتري القرآن، وينسبه إلى الله تعالى» وهو تشنيع لقولهم وإعظام للأمر، فإن القرآن الكريم هو المعجزة الباقية الخالدة، الدّالّة على صدق النّبي ﷺ . وهو كلام الله قطعا، وإعجازه وتحدّي العرب به دليل على ذلك. ومعنى الآية: ما من شأن القرآن أن يختلق ويصاغ من غير الله تعالى، لأن تميّزه بأرقى درجات البلاغة والفصاحة، وإحكام تشريعه، وإخباره عن المغيبات، وإعجازه العلمي، واشتماله على المعاني الشاملة الخصبة النافعة في الدنيا والآخرة، كل ذلك برهان قاطع على أن القرآن من الله سبحانه، فهو كلامه الذي لا يشبه كلام المخلوقين في جملته وتراكيبه، ولا يقدر أحد أن يجاريه أو يعارضه. لقد ثبت أن أبا جهل فرعون هذه الأمة قال: إن محمدا لم يكذب على بشر قط، أفيكذب على الله؟! إنه- أي القرآن- مصدّق ومؤكد ما تقدمه من الكتب الإلهية المنزلة على الرسل، كإبراهيم وموسى وعيسى وداود من الصحف والتوراة والإنجيل والزبور، وموافق لها في أصول الدعوة إلى توحيد الله، والإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر، وتقرير صالح الأعمال، وبيان فضائل الأخلاق، وهو أيضا مهيمن عليها، ومبيّن ما لها وما عليها، كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٥/ ٤٨] . ومعنى قوله سبحانه: وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ أي وفي القرآن بيان الأحكام والشرائع، والحلال والحرام، والعبر والمواعظ، والآداب والأخلاق بيانا شافيا كافيا. ولا شك في ذات القرآن أبدا، وإن ارتاب مبطل فيه، فلا يلتفت إليه، إنه كلام ربّ العالمين المنزل بالوحي على نبيّه الأمين، بدليل سلامته عن الاضطراب والاختلاف.

стр. 970

ثم جاء الكلام بصيغة الاستفهام والإضراب عن الكلام السابق في قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ.. أم هنا بمعنى الألف والاستفهام، أيقولون: اختلقه محمد؟! ومحمد بشر مثلكم، فأتوا بسورة مثل سور القرآن في الفصاحة والقوة والإحكام، واستعينوا على ذلك بمن تريدون من الإنس والجنّ إن كنتم صادقين في ادّعائكم أن القرآن من عند محمد. والواقع: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.. أي بل سارع هؤلاء إلى تكذيب القرآن، من قبل الإحاطة بما فيه، والتدبر لآياته، وفهم مراميه، والتعرف على تأويله وإدراك ما جاء فيه من الإخبار بالمغيبات، وكذلك أصرّوا على تكذيبه بعد معرفته والعلم بإعجازه. ومثل ذلك التكذيب بالقرآن من المشركين، كذبت الأمم السابقة بمعجزات الأنبياء قبل النظر فيها وقبل تقييمها وتدبّرها، من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن تقليدا للآباء وعنادا. فانظر أيها الرسول كيف كانت عاقبة أولئك الظالمين لأنفسهم بتكذيبهم رسلهم، وطلبهم الدنيا، وترك الآخرة، وتلك العاقبة أن الله تعالى أهلكهم ودمّر ديارهم بسبب تكذيبهم رسلهم وأنبياءهم. موقف قريش من القرآن والنّبي حينما صدع النّبي محمد ﷺ بدعوة قومه في مكة إلى الإسلام، انقسمت قريش في شأن القرآن والنّبي فريقين: فريق يصدّق بالقرآن ذاته وأنه كلام الله ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند ويكابر، وفريق لا يصدق به ويشكّ فيه لفرط الغباء والجهل، فيصّر على تكذيب النّبي، لفقده الاستعداد للإيمان به، فلا يكون هناك أمل في إصلاحه وهدايته، مما يقتضي إعطاء الفرصة للفريق الأول للإيمان بالقرآن دون التعجيل بعذاب الاستئصال. وقد حكى القرآن خبر الفريقين في قوله تعالى:

стр. 971

[سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٠ الى ٤٤] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) «١» [يونس: ١٠/ ٤٠- ٤٤] . هذا إخبار عن موقف مشركي مكة من القرآن والنّبي، فهم فريقان: من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ويتبع النّبي، وينتفع بما أرسل به. ومنهم من يصرّ على كفره ولا يؤمن أبدا، ويموت على ذلك، وربّك أعلم بمن يفسد في الأرض بالشرك والظلم، فلا أمل في إصلاحه، وسيعذّبه الله في الدنيا والآخرة. وهذا تهديد ووعيد. وإن كذبك هؤلاء المشركون أيها النّبي، فتبرأ منهم ومن عملهم، وقل لهم: لي عملي: وهو الإيمان بالله وتبليغ رسالته وطاعته، وأنا مسئول عنه، وسيجازيني الله عليه. ولكم عملكم: وهو الظلم والشرك والفساد، وسيجازيكم الله عليه. أنتم بريئون مما أعمل، وأنا بريء من عملكم، فلا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم، وأنتم مسئولون عنه. وهذه آية مناجزة لهم ومتاركة، وفي ضمنها وعيد وتهديد. والآية في معنى قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ.. [الكافرون: ١٠٩/ ١- ٦] . وأما موقف المشركين المكّيين منك أيها النّبي فهم أصناف، منهم من يستمعون إليك بآذانهم إذا قرأت القرآن وعلّمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، وإنما يسمعون دون تدبّر ولا فهم، وحينما لا يؤمنون ولا ينتفعون بسماع القرآن، كأنهم

стр. 972

لا يسمعون، وأنت أيها الرسول لا تستطيع الإسماع النافع لقوم صموا آذانهم عن سماعك، ولا يعقلون ما يسمعون ولا يفهمون معناه، فينتفعون به، فلا تكترث بهؤلاء، لفساد العقل والدماغ، ولا سبيل لأن يعقلوا حجة ولا دليلا أبدا. ومنهم من ينظر إليك أيها النّبي عند قراءة القرآن نظرة إعجاب، ولكنهم لا يبصرون نور الإيمان والقرآن، وهداية الدين القويم والخلق السليم، ولا تقدر على هدايتهم، لأنهم وإن كانوا مبصرين بأعينهم في الظاهر، فهم غير مبصرين بقلوبهم في الحقيقة، كما قال تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحجّ: ٢٢/ ٤٦] . وهذان الفريقان لا تستطيع يا محمد هدايتهم، لفقدهم الاستعداد للفهم والانتفاع بنور الهداية لأن فائدة السمع والبصر هي الانتفاع، فإذا لم ينتفعوا فكأنهم عطلوا حواسهم، وفقدوا حاستي السمع والبصر، كما قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) [ق: ٥٠/ ٣٧] . ثم ختمت هذه الآيات بخاتمة تعدّ مبدءا عظيما في الحساب والمسؤولية، وهي إقرار العدل ومنع الظلم والترفع عنه، فإن الله تعالى لا يجور أبدا، بسلب الحواس والعقول التي تدرك بها الأشياء، ويهتدى بها إلى الحق والصواب، ولكن الناس هم الظالمون لأنفسهم وحدها دون غيرها، لأنهم يعرّضونها لعقاب الكفر والتكذيب والمعاصي، بتعطيل نعمة العقل، والتّنكر لهداية الدين. وهذا وعيد واضح للمكذبين، ويكون عذابهم يوم القيامة حقّا وعدلا، لا ظلم فيه.

стр. 973

تهديد المشركين على تكذيبهم توالت تهديدات القرآن الكريم للمشركين على تكذيبهم برسالة النّبي ﷺ وبكل ما جاء فيها من وعد ووعيد، وتنوعت أساليب التهديد، فمرة ينذرهم القرآن بزوال الدنيا السريع، ومرة يبين لهم أن تعذيبهم سيكون في الدنيا وفي الآخرة، وأحيانا يحذّرهم بالقضاء الحاسم بينهم وبين رسولهم، ويوضح أن إنزال العذاب مقصور على إرادة الله ومشيئته، وهذا ما أوضحته الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٤٥- ٤٧] . هذه ألوان من تهديدات مشركي مكة وأمثالهم بالعذاب، والتهديد الأول يشتمل على وعيد بالجزاء في الآخرة والحشر وخزيهم فيه وتلاوم بعضهم لبعض، وأن قيام الساعة والحشر قريب، وزوال الدنيا سريع. والمعنى: اذكر لهم أيها الرسول وأنذرهم يوم يجمعهم الله بالبعث بعد الموت في موقف الحساب والجزاء، فيقدّرون أنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة يسيرة، وكأنهم ما لبثوا في الحياة الدنيوية إلا مقدار ساعة بالنسبة لعالم الآخرة. إنهم أضاعوا الدنيا والعمر في اللهو والفساد، ولم يعملوا لما ينفعهم في الآخرة. والساعة التي قضوها في الدنيا هي مقدار تعارفهم فيما بينهم، ثم تنقطع المعرفة بينهم والأسباب. لذا أعلن الله تعالى خسارة المكذّبين بقوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي

стр. 974

إن هؤلاء الكفرة المكذّبين بالبعث في الآخرة، قد خسروا ثواب الجنة خسارة كبري، حين بدّلوا الإيمان بالكفر، ولم يكونوا مهتدين لأوجه الربح والنفع بعمل الصالحات، فما أخسرهم. وهذا تعجّب شديد من أفعالهم. والتهديد الثاني أن بعض عذاب المشركين المكذّبين برسالة النّبي ﷺ سيكون في الدنيا وبعضه سيكون في الآخرة، فقل لهم أيها الرسول لمن يستعجل العذاب استهزاء واستبعادا: إما أن ننتقم منهم حال حياتك لتقرّ عينك كما حدث في معركة بدر وحنين وغيرهما، وإما أن نعذبهم بعد رجوعهم إلينا في الآخرة وبعد وفاتك، فنطلعك على أفعالهم، ونجازيهم عن علم وشهادة حق، فإن الله شاهد على ما يفعلون، كما جاء في آية أخرى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) [الرّعد: ١٣/ ٤٠] . ويدلّ هذا على أن الله تعالى يري رسوله ألوانا من ذلّ الكافرين وخزيهم في الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاة النّبي، وفي عالم الآخرة. فتكون الآية وعيدا بالرجوع إلى الله تعالى، فإن أريناك أيها النّبي عقوبتهم، أو لم نركها، فهم على كل حال راجعون إلى الحساب والعذاب في الآخرة، والله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم. والتهديد الثالث إخبار من الله تعالى بالقضاء الفصل في مصير المشركين يوم القيامة، فإن لكل أمة رسولا، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم، صيّر قوم للجنّة وقوم للنّار، فذلك القضاء بينهم بالقسط أي بالعدل، وهم لا يظلمون في قضائه شيئا، ولا عذاب بغير ذنب مرتكب، ولا مؤاخذة بغير حجة، من آمن بالرسول فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعذّب، كما جاء في آية أخرى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٧/ ١٥] .

стр. 975

هذه التهديدات الثلاثة كفيلة بردع أهل الغواية والشّر والضّلالة والكفر، فإن العاقل يدرك المخاطر، ويتجنّب المآخذ والسّيئات، ويرسم لنفسه طريق النّجاة. ويتفاقم الخطر حين يعلم الإنسان أن العذاب لمن كفر بالله شديد مضاعف في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فذلّ وهزيمة وخزي وقلق، وأما في الآخرة فنيران ملتهبة تحرق الأجساد، ويتجدد العذاب على الدوام من غير انقطاع، لأن الكافرين مخلدون في النار. استعجال المشركين العذاب الدنيوي ليس هناك أقبح جرما ولا أشنع موقفا من التّحدي والعناد والتّكبر، وهذا الأسلوب من المعارضة كان منهج المشركين في مقاومة دعوة النّبي ﷺ ، فاستعجلوا نزول العذاب الذي هددهم به، استهزاء وإصرارا على الشرك والوثنية، فأمهلهم القرآن وناقش مطالبهم وأنذرهم بقرب العذاب والعقاب. قال الله تعالى واصفا موقف مشركي مكّة: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٨ الى ٥٢] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) «١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ٤٨- ٥١] . لقد طالب مشركو قريش تحديد وقت العذاب الذي هددهم به النّبي ﷺ ، فقالوا: متى يقع هذا الوعيد، إن كنتم صادقين في تهديدكم وقولكم؟ أي إن هذا الذي توعدنا به حدّد لنا فيه وقته، لنعلم الصدق في ذلك من الكذب.

стр. 976

فأجابهم الله تعالى ردّا للحجة: قل لهم يا محمد، إني بشر، لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا من دون الله، ولا أنا إلا في قبضة سلطانه وفي مظلة الحاجة إلى لطفه وتوجيهه، إلا ما شاء الله أن يقدرني ويخبرني، فإذا كنت هكذا، فأحرى ألا أعرف غيبه، ولا أتعاطى شيئا من أمره، ولكن لكل أمة أجل، انفرد الله ﵎ بعلم حدّه ووقّته، فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة، لم يتأخّروا ساعة، ولا أمكنهم التقديم عن حدّ الله . إن تعيين وقت الوعيد وإنزال العذاب مرجعه إلى الله تعالى وحده. وأما الرسول فمهمته مقصورة على تبليغ ما جاء من عند الله سبحانه. وهذا يبين الحدّ الفاصل بين سلطان الله ونطاق معرفة البشر وخبرتهم. ثم أجابهم الله تعالى بجواب آخر: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أي قل لهم أيها الرّسول: أخبروني عن حالكم وما يمكنكم أن تفعلوه، إن أتاكم عذابه ليلا وقت مبيتكم، أو نهارا وقت شغلكم، فماذا تستعجلون منه، وأنتم لا قبل لكم به؟ أي عذاب وقع فهو شديد، وكل ما تطلبون تعجيله هو جهل وحماقة. أتنظرون مجيء هذا العذاب لتؤمنوا بالله ربّكم؟ فإذا وقع بالفعل آمنتم به، في وقت لا ينفع الإيمان، ويقال لكم حينئذ توبيخا: آلآن آمنتم بالله والرّسول اضطرارا وقسرا، مع أنكم كنتم قبل ذلك تستعجلون العذاب على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب والاستكبار؟! والمراد أنه إذا وقع العذاب وآمنتم بالله، فذلك غير نافعكم. ثم يجيء الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخصّ وهو ظلم الكفر، لا ظلم المعصية. فيقال لأولئك الكفار المعاندين الظالمين أنفسهم، المكذبين الرسول ووعيده: تذوقوا وتجرعوا عذاب الله الدائم لكم أبدا، لا تجزون إلا ما كنتم تكسبون وتعملون

стр. 977

باختياركم من الكفر والمعاصي. وقوله سبحانه: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ توبيخ وبيان لقانون الجزاء: وهو أن الجزاء في الآخرة، إنما يكون على تكسب العبد، وإقدامه على الفعل بحرية واختيار وجرأة على مخالفة أوامر الله. وذكر هذه العلة: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ بعد ذكر العذاب: دليل على أن جانب الرّحمة الإلهية راجح غالبا، وجانب العذاب مرجوح مغلوب. لكن الرحمة الإلهية منوطة بإرادة الله، أما قانون العدل فهو أن الجزاء من جنس العمل، ويوجب العمل، لأن الجزاء واجب بحكم الوعد المحض، ولله سبحانه المشيئة المطلقة، يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد. تحقّق المشركين من وقوع العذاب الأخروي استبطأ المشركون لجهلهم وحماقتهم وقوع العذاب في الدنيا، فأخرسهم القرآن، وأبان لهم أن توقيت العذاب بأمر الله وحكمته، ثم تشكّكوا في وقوع عذاب الآخرة، فبدؤوا يتساءلون عن مدى صحته ومصداقية الوعيد به لأنهم قوم ينكرون البعث والآخرة جملة، ويعتقدون بأن الموت في الدنيا نهاية دائمة، لا عودة بعدها إلى الحياة مرة أخرى. وهذا ما صوره القرآن الكريم تصويرا دقيقا وبيانا صريحا بقوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٣ الى ٥٦] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) «١» «٢» «٣» «٤» [يونس: ١٠/ ٥٣- ٥٦] .

стр. 978

إن آثار الشّرك خطيرة، ومزالقه كثيرة، ومن أخطرها إنكار عالم الآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، وحساب وجنّة ونار، لذا بادر المشركون إلى التشكيك فيما أخبر به القرآن من وجود الآخرة قطعا. فطلبوا الأخبار، ولجّوا في الجواب، كما تصور الآية التي مفادها: ويستخبرونك أيها الرسول عن وقوع عذاب الخلد في الآخرة، أحقّ أنه سيقع على جرائم الدنيا، أم أنه مجرد تخويف وترهيب؟ فقل لهم أيها الرسول: نعم إنه والله واقع، إنه لحقّ ثابت ماله من دافع، والوعيد صدق قائم، وما أنتم بمعجزين، أي بفائتين العذاب، أو متخلّصين منه، وليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم، فإن قدرة الله شاملة وافية بتحقيق أي شيء ممكن. لكن إذا جاءت القيامة فلا أمل بالفرار منها، وإذا قامت القيامة يودّ الكافر الظالم أن يفتدي نفسه من عذاب الله بملء الأرض ذهبا، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي أخفى الكفار الندامة وهي: ما يعانونه في أنفسهم من الألم والحسرة على أفعالهم الشنيعة وأعمالهم الضّارة، لمّا عاينوا العذاب الشديد، فصاروا مبهوتين متحيرين، علما بأنه لا ظلم في الحساب يوم القيامة، فإن الله تعالى يحكم بين الظالمين والمظلومين بالعدل لأن الكفار وإن اشتركوا في العذاب، فإنه لا بد من أن يقضي الله تعالى بينهم بالحق، رفعا لما ظلم به بعضهم بعضا في الدنيا، فيكون في القضاء تخفيف عذاب بعضهم، وتثقيل عذاب الباقين. وهذا إخبار للكفار في سياق إخبارهم بأن وعد الله بالبعث ووعيده حق. وأتبع الله ذلك الإخبار أو الاعلام بأن الملك كله لله، وأنه المعاقب، فإن الله مالك السماوات والأرض، وكل الأشياء في ملكه وفي سلطانه، وأكّد سبحانه أن وعده حقّ كائن لا محالة، ولكن أكثر الكفار منكري البعث والجزاء لا يعلمون أمر الآخرة والمعاد، لغفلتهم عنها، وعدم إيمانهم بالإله القادر الحكيم، وتلك حقيقة

стр. 979

أبانها الله بوضوح، ليعلموا علم اليقين بأن الملك المطلق لله، وأن كل ما سواه مملوك له. ومن أدلّ الأدلة على قدرة الله تعالى على البعث والجزاء والثواب والعقاب: أنه تعالى هو المحيي والمميت، وإليه مرجع الخلائق حين يحييهم بعد موتهم، فيحشرهم للحساب والجزاء على أعمالهم، يحيي من النطفة، ويميت بالأجل، ثم يجعل المرجع إليه بالحشر يوم القيامة. قال ابن عطية: وفي قوة هذه الآيات ما يستدعي الإيمان وإجابة دعوة الله . وتتجلى القوة والرّهبة في عالم الحساب في أمور ثلاثة: الأمر الأول- ذلك الصراع العنيف في داخل نفوس الكفار وإظهار الندامة على ما فاتهم من الفوز والخلاص من العذاب، ولهذا يقولون: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) [المؤمنون: ٢٣/ ١٠٦] . الأمر الثاني- معاينة العذاب الذي لا يوجد أشد منه، ولا يتصور الإنسان في الدنيا مدى إيلامه وقسوته، وتنوعه ورهبته. الأمر الثالث- اليأس من النجاة والشفاعة، لأن الملك المطلق والسلطان النافذ لله تعالى، فهو وحده القادر على ما يريد، العليم بما يستحقه كل إنسان من العقاب العادل. قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) [الكهف: ١٨/ ٤٩] .

стр. 980

مقاصد القرآن وشرائعه أراد القرآن المجيد بالناس خيرا، فزوّدهم بما فيه النفع والسعادة، وشفى نفوسهم من أمراض القلوب، وهداهم إلى الحق، وأبعدهم عن كل أنواع الضلال والانحراف، وشرع لهم الشرائع بفضل من الله ورحمة منه، فكان جديرا بالناس جميعا الإيمان به والتزام أحكامه والبعد عن أسباب الشقاوة والعذاب، وعدم التورّط بالتحليل والتحريم بمجرد الهوى والشهوة، من غير ميزان العقل والحكمة كشأن أهل الجاهلية، قال الله تعالى مبيّنا مقاصد القرآن وأسباب تشريعاته: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٧ الى ٦٠] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٥٧- ٦٠] . جمعت هذه الآيات بين خطاب جميع العالم، وبين توبيخ عرب الجاهلية على التحليل والتحريم بسبب الأهواء والمزاعم. أما الخطاب العام لجميع البشر فمضمونه: يا أيها الناس، قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ التي يراد بها إصلاح الأخلاق والأعمال، والزّجر عن الفواحش، وشفاء الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، والهداية إلى الحق واليقين والطريق القويم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة. وسمي القرآن الكريم موعظة لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف، ويزجر، ويرقّق النفوس، ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز. وهي موعظة مِنْ رَبِّكُمْ لم يختلقها محمد ﷺ ولا غيره، بل هي من عند الله .

стр. 981

وهذا الخطاب العام اشتمل على بيان مقاصد أربعة للقرآن الكريم وهي: ١- كونه موعظة حسنة من عند الله تعالى، يجمع بين الترغيب والترهيب، وبين الحثّ على فعل الحسن وترك القبيح. ٢- وكونه شفاء لما في القلوب من الشبهات والشكوك، والنفاق والكفر، وسوء الاعتقاد وشراسة الخلق، والتّخلص من الجهل والعتو عن النظر في آيات الله تعالى. ٣- كونه هاديا إلى الحق الأبلج واليقين الساطع والصراط المستقيم المحقق لسعادة الدنيا والآخرة. ٤- إن القرآن هدى ورحمة للمؤمنين خاصة، ينجيهم من ظلمات الضلال، إلى نور الإيمان، ويبعدهم عن النّيران، ويرقى بهم إلى درجات الجنان. قل أيها الرسول للمؤمنين: ليفرحوا بفضل الله ورحمته بما جاءهم من الهدى ودين الحقّ، فإنه أولى ما يفرحون به. والفضل كما قال ابن عطية: هو هداية الله تعالى إلى دينه، والتوفيق إلى اتّباع شريعته، والرّحمة: هي عفوه وسكنى جنّته التي جعلها جزاء على الإيمان والإسلام. والفرح بهذا الفضل وبهذه الرحمة هو أجدى وأنفع من كل ما يجمعه الناس من الأموال وسائر خيرات الدنيا لأنه يؤدي لسعادة الدارين. ثم أوضح الله تعالى بخطابه الخاص بعرب الجاهلية: أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حقّ الله تعالى، وليس للناس الحق في التشريع، فما قام به العرب من تحريم البحائر والسّوائب والوصايل من المواشي وغير ذلك مجرد اختلاق وكذب منهم، ولم يأذن الله به. وهذا توبيخ شديد على إعطاء الجاهلين أنفسهم حقّ التّحليل والتّحريم، فمن أحلّ برأيه أو حرّم بمجرد هواه، فإنه مفتر على الله، ومتجاوز حدوده، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النّحل: ١٦/ ١١٦] .

стр. 982

وأي شيء ذلك الظّن الصادر من المفترين على الله الكذب فيما يصنع بهم من الجزاء يوم القيامة؟! أيظنّون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة الافتراء والكذب على الله؟ إن ظنّهم في غاية الرّداءة بحسب سوء أفعالهم. وهذا وعيد عظيم مقتضاه التّهكم وتأكيد العقاب. إن الله تعالى صاحب الفضل العميم على الناس، حيث أنعم عليهم بنعمة العقل، ورحمهم بالوحي، وأبان لهم الحلال والحرام، وشرائع الدين، ورزقهم من الطّيبات، ولكن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ولا ذلك الفضل، فاستحقّوا العذاب، والعتاب، وإهمالهم في الآخرة. شمول العلم الإلهي وجزاء الأولياء يذكّرنا الله تعالى في مناسبات مختلفة أن علمه شامل كل شيء في السماوات والأرض، ليحملنا على الطاعة والشكر، والعبادة والاستقامة، والبعد عن المعصية، لأن العلم الإلهي بالأشياء، يسّر به الطائعون، ويحذره المذنبون. وأهل الطاعة وأولياء الله مشمولون بالرّعاية الإلهية وبالإفضال الرّبانيّة، وليس هناك أعظم من الفوز بالنّجاة من العقاب في عالم الآخرة، وصف الله تعالى إحاطة علمه وتبشيره أولياءه بهذه الآيات: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦١ الى ٦٤] وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 983

[يونس: ١٠/ ٦١- ٦٤] . القصد من الآية تبيان إحاطة علم الله بكل شيء، والإخبار بأنه يعلم جميع أحوال الناس، ومعنى اللفظ: وما تكون يا محمد وغيرك في شأن من جميع الشؤون، وأمر من الأمور الخاصة والعامة، وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك، لنشر دعوة الله في الأرض، إلا ونحن شهود عليكم، حين تفيضون فيه، أي تقومون فيه بجدّ ونشاط. ولا يغيب عن علم الله شيء حتى يخفى عليه، ولو كان مثقال ذرة، أي وزن نملة، أو هباء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر كالعرش، إلا في كتاب مبين، أي إلا ومعلوم له، ومدون في اللوح المحفوظ، الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها. وقوله سبحانه: مِثْقالِ ذَرَّةٍ جعله الله مثالا، إذ لا يعرف في الحيوان المتغذّي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه. وهذه الآية مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) [الأنعام: ٦/ ٥٩] . وبعد أن أعلم الله عباده بإحاطة علمه بجميع الأشياء والأعمال، ليبعثهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتّقين الذين حسن جزاؤهم في الآخرة، وهم أولياء الله، أي أحبّاؤه وأصفياؤه، وهم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة، فكل من آمن بالله واتّقى ربّه، فهو داخل في أولياء الله. وهؤلاء الأولياء المقرّبون إلى الله لا خوف عليهم في الدنيا من مكروه يتوقع، ولا حزن عليهم في الآخرة من مخاوف القيامة، فهم لا يخافون عذابا ولا عقابا ولا يحزنون لذلك، روى البزار

стр. 984

وغيره عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله» . ولهم البشارة في الحياة الدنيا بالنصر والتّمكن في الأرض، ما داموا على شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، كما قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النّور: ٢٤/ ٥٥] . ولهم البشارة أيضا في الحياة الأخروية بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما قال الله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) [التّوبة: ٩/ ٢١] تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا تغيير لأقواله، ولا خلف لمواعيده، ولا ردّ في أمره، كقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٥٠/ ٢٩] ومن كلماته تعالى: تبشير المؤمنين بالجنّة، وذلك المذكور وهو البشارة للمؤمنين المتقين أولياء الله في الدّارين بالسعادة: هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره بالنعيم المبشر به لأنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح. إن هاتين البشارتين للأولياء العاملين بأوامر الله، المجتنبين نواهيه لهما أعظم البشائر وأجلّها وأكرمها، فما أكرم المبشّر وأحبّه عند ربّه، وما أسعد المبشّرين، نسأل الله العظيم أن يجعلنا في زمرتهم. العزّة لله جميعا لقد أيّد الله نبيّه تأييدا مطلقا، وسرّى عنه في أوقات الشدة والمحن، وأخبره بالسلامة، وبشّره بالغلبة على المشركين المغترين بالقوة والمال، وأعلمه بأن العزّة لله جميعا، فهم لا يقدرون لك أيها النّبي على شيء، ولا يؤذونك إلا بما شاء الله، وهو

стр. 985

القادر على عقابهم وإيقاع العذاب الشديد بهم. وفي هذا تقوية لعزيمة الرّسول ﷺ ، لكي يظلّ قائما بدعوته، ماضيا في تبليغ رسالته، غير آبه بما يلقى من المصاعب، ولا خائف من أحد. وهذه المعاني تتمثل في الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) » «٢» [يونس: ١٠/ ٦٥- ٦٧] . لم يترك المشركون في مكة وسيلة لإيذاء النّبي ﷺ إلا ارتكبوها، فحينما بدّد القرآن شبهاتهم الفكرية وردّ عليها، لجؤوا إلى طريق آخر، وهو التّهديد والتّخويف بأنهم أصحاب السلطة والمال، والقوة والنفوذ، فلا مجال للضعفاء والفقراء بينهم، ولا سبيل لمحاولة بسط النفوذ عليهم من خلال أي شيء في دنيا العرب، لا بدعوة إلى الدين الجديد، ولا بغير ذلك من وسائل الهيمنة كما يتصورون. فجاءت آيات الوحي القرآني تواسي محمدا ﷺ ، وتشدّ عزيمته، ومعناها: لا يهمّك ولا يحزنك أيها الرسول قول المشركين أبدا: لست مرسلا، وغير ذلك من المعارضة والإصرار على الشّرك والتّكذيب لرسالتك، والتهديد بأنهم أصحاب القوة والمال، واستعن بالله عليهم، وتوكّل عليه، فإن العزّة، أي الغلبة والقوة والقهر لله تعالى جميعا، جميعها له، فهو مصدرها ومانحها لمن يشاء من عباده، كما جاء في آية أخرى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٦٣/ ٨] . والله سبحانه هو السميع لجميع ما يقولون، والعليم بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه الصفات تهديد.
следующие страницы →