[حكم أهل الكبائر في الآخرة]
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون).
أصحاب الكبائر من المسلمين وهم الذين ارتكبوا بعض الذنوب الكبيرة، والذنوب فيها: كبائر وصغائر، على الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ» [النساء: ٣١] وقال : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» [النجم: ٣٢] واللمم هي: الصغائر، كالنظرة المحرمة، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه)). (١)
ومن قال: إن الذنوب كلها كبائر باعتبار أنه لا يستهان بشيء منها؛ إن أراد هذا المعنى فهو حق، ولو كانت مما يعد من الصغائر، أما إن أراد أن الذنوب كلها كبائر فليس بصحيح.
وقد اختلف الناس في حد الكبيرة اختلافا كثيرا، وذكر ابن القيم في «الجواب الكافي»، (٢) وفي «مدارج السالكين» (٣) أكثر أو جميع أقوال الناس في ضابط الكبيرة، وضعف كثيرا منها. (٤)
стр. 247
والذين عرفوا الكبيرة منهم من عرفها بالحد، ومنهم من عرفها بالعد، فقالوا: الكبائر سبع، أو تسع، أو سبعون.
وأحسنُ حدٍ للكبيرة أنها: «كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا، أو تُوُعِد فاعله بلعن أو غضب أو نار، أو نُفي الإيمان عن صاحبه، أو تبرأ منه النبي ﷺ ».
ومثال ما رتب عليه الحد في الدنيا: السرقة، قال تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا» [المائدة: ٣٨].
ومثال ما لعن فاعله: قذف المحصنة، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: ٢٣].
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالغضب: التولي يوم الزحف، قال تعالى: «وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ» [الأنفال: ١٦]
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالنار: أكل مال اليتيم، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» [النساء: ١٠]
ومثال ما نُفي عن صاحبه الإيمان: الزاني، كقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) (١)
ومثال ما تبرأ منه النبي ﷺ ، قوله ﷺ : (مَن غشَّ فليس مني) (٢) وقوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية). (٣)
والكبائر نفسها متفاوتة، ليست على حد سواء، بل بعضها أكبر من
стр. 248
بعض، حتى تنتهي الذنوب إلى أكبر الكبائر، وهو الشرك، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت). (١)
وبهذا يتبين أن النهي المجرد يدل على التحريم؛ فإن ورد فيه تغليظ فهو كبيرة.
فأما الذنوب الصغيرة فمثل ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ السابق (٢)، ومثل سرقة الشيء الحقير الذي لا قطع فيه، ومثل كذبة الأم على طفلها إذا قالت: تعال أعطيك كذا، ثم لا تعطيه.
فهذه الصغائر جاء في الأحاديث الصحيحة أنها تكفر بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَاً كَرِيمَاً» [النساء: ٣١] وقول النبي ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (٣)
وقوله ﷺ : (ما اجتنبت الكبائر) قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. (٤)
أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات.
هذا ما يتعلق بالكبائر.
стр. 249
أما مرتكب الكبيرة فله حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، فحكمه في الدنيا تقدمت الإشارة إليه (١)، وأن مرتكب الذنوب التي دون الشرك لا يكفر بذلك خلافا للخوارج؛ بل ولا يخرج من الإيمان خلافا للمعتزلة؛ بل هو مؤمن ناقص الإيمان.
أما حكمه في الآخرة فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له ولم يدخله النار، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات.
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ) (٢)
هذا القيد قد يكون له مفهوم، وأن حكم أهل الكبائر مختص بأمة محمد ﷺ ؛ وأهل الكبائر من الأمم الماضية ليس عندنا في حكمهم دليل، إنما النصوص الصريحة جاءت في شأن أمة محمد ﷺ ، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة ـ إن شاء الله ـ من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) (٣) وكذلك أحاديث الشفاعة المصرحة بأنه ﷺ يشفع أربع مرات وفي كل مرة: (يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار) (٤) وهذا ما عناه الطحاوي بقوله: (وأهل الكبائر … في النار لا يخلدون) (في النار) متعلق بـ (يخلدون) أي: وأهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا دخلوها، وليس مقصوده أنهم لا بد لهم من دخول النار ولكنهم لا يخلدون فيها.
وقوله: (إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غيرَ تائبين)
стр. 250
هذا قيد لا بد منه، وهذا هو محل الخلاف بين طوائف المسلمين، أما التائب فقد اتفقوا أن من تاب تاب الله عليه، لكن الخلاف في من مات مصرا على ذنبه لم يتب منه، فهذا هو المُعَرَّضُ للوعيد؛ أما من تاب توبة نصوحا مستوفية للشروط إقلاعا وندما وعزما؛ فإنه مغفور له، وليس هو من أهل الوعيد.
والطحاوي هنا بيَّن مذهب أهل السنة والجماعة في حكم أهل الكبائر في الآخرة: أنهم مستحقون للوعيد؛ ولكنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن عذبه منهم فلا بد أن يخرجه من النار؛ لأنه لا يخلد أحد من أهل التوحيد، إذ (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان) لابد أن يخرج من النار، كما تقدم في أحاديث الشفاعة. (١)
أما الخوارج والمعتزلة فقد اتفقوا على حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة، وهو: أنه لابد من دخول النار، وعندهم أن من دخل النار؛ فإنه لا يخرجون منها.
وقوله: (بعد أن لقوا الله عارفين) أي: مؤمنين بربهم الإيمان الصحيح، وعلق الشارح ابن أبي العز على قوله: (عارفين) بأنه: «لو قال: (مؤمنين) لكن أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، ثم قال: وكأنه يريد المعرفة التامة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر؛ بل هم سادة الناس وخاصتهم». (٢)
لأن أهل الكبائر ليسوا من أهل العلم التام بالله ، وإنما يريد مطلق المعرفة، إذا ماتوا بعد أن لقوا الله عارفين موحدين.
стр. 251
قوله: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته).
أي: في الآخرة هم في مشيئة الله وحكمه، يحكم فيهم بما شاء، وهو الحكيم العدل الجواد المتفضل ، وإذا كانوا تحت مشيئة الله فالأمر محتمَل؛ فإما أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة بلا عذاب، وإما أن يعذبهم بالنار حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته، ثم يخرجهم منها برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات، والدليل على هذا قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] ودلت هذه الآية على أن الذنوب قسمان:
قسم لا يُغفر، وهو الشرك الأكبر، «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» [النساء: ٤٨] خص الشرك بأنه لا يغفر. وقسم دون الشرك «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] وقيَّد غفرانه بالمشيئة.
ويشكل على ظاهر هذه الآية قوله تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً» [الزمر: ٥٣] فيها الإطلاق والتعميم، فعم حيث قال: «جَمِيعَاً»، وأطلق حيث لم تقيد هذه المغفرة بالمشيئة.
فالتعارض بين الآيتين ظاهر، في آية الزمر عم وأطلق، وفي آية النساء خص وقيد.
والجمع بين الآيتين: أن آية النساء في شأن من لم يتب، وآية الزمر في التائب، فمن تاب تاب الله عليه، ومغفرة الذنوب بالتوبة جاءت مطلقة غير مقيدة، فلا نقيدها، ولا نقول: إن من تاب تاب الله عليه إذا شاء، فمن تاب توبة نصوحا تاب الله عليه، وعدا لا يخلف «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمَاً حَكِيمَاً» [النساء: ١٧]، فمن لم يتب إن كان ذنبه
стр. 252
الشرك؛ فإنه لا يغفر الله له، وإن كانت ذنوبه دون ذلك فإنها تحت المشيئة، هذا من لم يتب، أما من تاب فيتوب الله عليه مهما كانت ذنوبه كِبَرا وكثرة، كما في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم كمل المائة، ثم تاب توبة نصوحا؛ فقبل الله منه وغفر له. (١)
فهذا هو الدليل على هذا التفصيل، وأن من مات من أهل الكبائر من غير توبة؛ فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.
والذين يخرجهم الله سبحانه من النار منهم من يخرجه بشفاعة الشافعين، وأعظم الناس حظا من أهل الشفاعة هو نبينا ﷺ ، فالله يخرج بشفاعته من النار ما لا يخرجه بشفاعة غيره من الملائكة والنبيين والصالحين؛ فإن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون، ويخرج سبحانه من شاء من النار بمحض رحمته لا بسببٍ من جهة بعض العباد، ومرد الأمر كله إلى الله، فالله هو الذي يأذن للشافع بالشفاعة، وهو الذي يقبلها منه، فمرد الأمر كله إليه. (٢)
وقوله: (ثم يبعثهم إلى جنته).
بعدما يخرجهم من النار يبعثهم إلى الجنة، كما في الحديث: «وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا، فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل … فيدخلون الجنة» (٣)، بفضله .
وقوله: (وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته).
هذا تعليل لقوله ـ في أهل الكبائرـ: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله … وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته) «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى
стр. 253
الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ» [محمد: ١١] فالله ولي المؤمنين، وكل عبد مؤمن له حظ ونصيب من ولاية الله سبحانه بقدر ما معه من إيمان وعمل صالح، قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣].
والمعرفة هنا كالمعرفة في قوله السابق (١)، (عارفين) أي: مطلق المعرفة ومطلق الإيمان، لا المعرفة التامة التي هي كمال العلم بالله.
وقوله: (ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته).
الله سبحانه تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدنيا والآخرة كأهل نكرته، فالفاسق في الدنيا أخ للمؤمنين، فقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» [الحجرات: ١٠] يشملُ جميعَ المؤمنين صالحهم وفاسقهم، وقال تعالى في شأن القاتل: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» [البقرة: ١٧٨] فجعل القاتل أخا للمقتول، فالفاسق لا يجعله كالكفار المنكرين له، أوالمشركين به.
وقوله: (الذين خابوا من هدايته) هم الكفار والمشركون، فليس لهم حظ أبدا من الهداية.
وقوله: (ولم ينالوا من ولايته).
عبارة المؤلف دقيقة، فلم يقل: (ولم ينالوا ولايته)، فيشعر بالكمال؛ بل قال: (ولم ينالوا من ولايته) فما نالوا حظا، وهذا منطبق على الكفار.
وقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به).
ختم الكلام في حكم أهل الكبائر في الآخرة، وأنهم تحت مشيئة الله، وأن الله ميزهم فلم يجعلهم كالكفار الذين هم أهل النار،
стр. 254
بقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به) وهذا يتضمن سؤال الله حسن الخاتمة، والثبات على الإسلام، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» [آل عمران: ١٠٢] يعني: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل ربه الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه حتى الممات؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن دعاء الأنبياء والصالحين: سؤال الثبات والوفاة على الإسلام كما قال يوسف ﵇: «تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١]، وقال السحرة بعد التوبة: «أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ» [الأعراف: ١٢٦]، وذكر الشارح ابن أبي العز أن بعضهم: «استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت، ولا دليل له فيه؛ فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن» (١) بل هو من سؤال الله حسن الخاتمة، والوفاة على الإسلام «تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١]، أما تمني الموت فلا يجوز لنهي النبي ﷺ عنه بقوله: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي». (٢)
стр. 255
[مذهب أهل السنة في الصلاة خلف المسلمين، وعلى موتاهم]
وقوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم).
(ونرى) نحن أهل السنة؛ لأن العقيدة بها تقرير منهج أهل السنة (الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة) أي: من المسلمين، والبر: الصالح التقي. والفاجر: الفاسق الذي ظهر فسقه وفجوره بما ارتكب من ذنوب.
أي: أننا لا نعطل الجمع والجماعات، وصلاة العيدين من أجل فجور أو فسق الإمام؛ فإن هذه شرائع وشعائر ظاهرة، والأصل أن صلاة الفاجر والفاسق صحيحة، ومن الأدلة العامة على هذا حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في الأئمة: (يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) (١)؛ لأن فسوق الفاسق وفجور الفاجر عليه ولا يضرك.
ومن الدليل على هذا الأصل ما جاء عن الصحابة ﵃ والتابعين، فقد كانوا يصلون خلف الولاة مع جورهم وظلمهم كما صلى ابن عمر ﵄ خلف الحجاج بن يوسف المعروف بظلمه، (٢) وفي الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت
стр. 256
عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصلاة لوقتها؛ فإن أدركتها معهم فَصَلِّ؛ فإنها لك نافلة) (١) فهذا يدل على صحة الصلاة خلفهم؛ لأنها تصح نافلة.
وترك إقامة الجمع والأعياد خلف الإمام لفجوره من منهج المبتدعة، ولهذا نص أهل العلم على هذه المسألة في هذا الباب، وإلا فالأصل أن هذه المسألة عملية من الأحكام الفقهية؛ لكن لما لم يكن الخلاف في هذا بين أهل السنة؛ بل أجمعوا على الصلاة خلف الأئمة أبرارا كانوا أم فجارا، نصوا عليه في بيان أصول ومنهج أهل السنة؛ لكن إذا كان هناك إمام عدل وفاسق، فالذي ينبغي الصلاة خلف العدل، وأما الصلاة خلف الفاسق؛ فإنها صحيحة كما قلنا؛ لكن ينبغي هجر وترك الصلاة خلفه إذا أمكن أن يُصلى خلف غيره؛ بل ينبغي السعي في عزله إذا أمكن ذلك بدون مفسدة؛ لأنه لا يجوز تولية الفاجر والفاسق في الإمامة، فمن له قدرة على عزله وإبداله بالعدل وجب عليه، وهذا من إنكار المنكر، لكن محل قولنا: (يُصلى خلفه) إذا لمن تمكن الصلاة خلف غيره، أما إذا أمكنت الصلاة خلف غيره فهي الأولى، وأولى من الصلاة خلف الفاجر الصلاة خلف المخالف في المذهب، فيجوز أن تصلي خلف من يخالفك في بعض أحكام الصلاة، فيجوز أن تصلي خلف من يرى أن أكل لحم الجزور غير ناقض، وأنت تعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض، فأنت لو أكلت لحم الجزور لرأيت أن صلاتك لا تصح بدون وضوء، لكن هذا صاحب المذهب الآخر صلاته صحيحة؛ لأن هذا الذي أداه إليه علمه واجتهاده، فلا تُترك الصلاة للخلاف المذهبي في بعض شروط الصلاة؛ لأن في ترك الصلاة لذلك تفريق بين المسلمين، وهذه مفسدة كبرى، وفساد عريض، فلا تترك الصلاة خلف مخالفك في المذهب فيجوز للحنبلي أن يصلي خلف الحنفي أو المالكي أو الشافعي، وكذا العكس.
стр. 257
وقوله: (من أهل القبلة) أي: من المسلمين.
أما من ظهر ـ والعياذ بالله ـ منه ما يوجب ردته فلا يصلى خلفه، وإن كان ينتسب للإسلام، ومن هذا النوع: القبوريون الذين يدعون الأموات، كالرافضة فهم قبورية مشركون، يدعون عليًا والحسين ﵄ وغيرَهما، ويستغيثون بهم في الشدائد.
وقوله: (وعلى من مات منهم).
أي: ونرى صلاة الجنازة على من مات من المسلمين، فإن الصلاة على الميت فرض كفاية، وهي مستحبة لغير من تحصل بهم الكفاية، وقد رُوي حديثٌ ضعيف عن النبي ﷺ : (صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) (١) لكن معناه صحيح دلت عليه نصوص أخرى.
ويخص من هذا شهيد في المعركة على خلاف في ذلك؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ «أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلِّ عليهم» (٢)، كما أنه ينبغي للإمام والعالم والرجل الصالح المشهور أن يترك الصلاة على الفجار والفساق زجرا عن حالهم وأعمالهم، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه فلم يصلِّ عليه» (٣)، بل كان النبي ﷺ يترك الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء (٤)، زجرا عن تحمل الديون من غير أن يكون لها وفاء.
стр. 258
[لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بحجة]
وقوله: (ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى).
أي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة من المسلمين بأنه من أهل الجنة لصلاحه، ولا نشهد على أحد منهم بأنه من أهل النار لمعصية أو بدعة، بل نفوض علمهم إلى الله، فهو تعالى أعلم بمآلهم وبحالهم، ولا نشهد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس، ولجميع أهل بيعة الرضوان، وتقدمت الإشارة إلى هذه المسألة وأن فيها ثلاثة مذاهب، (١) والطحاوي يكرر المعنى الواحد في عدة مواضع.
وقوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك) تقدم هذا المعنى في قوله: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)، فلا نحكم على أحد بالكفر إلا أن يظهر منه ما يوجب الردة، فمتى ظهر منه ما يوجب الردة قلنا: إنه كافر، ونحكم عليه تعيينا إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع، فلو سمعنا إنسانا يتكلم بكلمة الكفر، فنتثبت أهو صاحٍ أم مجنون، أم سكران، فإن كان معه عقله؛
стр. 259
فننظر ماذا يريد بهذه الكلمة، فقد تكون محتملة، فإذا تحققنا أنه قالها عالما بمعناها، مختارا غير مكره، ذاكرا من غير سبق لسان حكمنا بكفره.
(ونذر سرائرهم إلى الله تعالى).
فلا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، فأحكام الدنيا تجري على الظواهر، فالرسول ﷺ أعلم الخلق يقول: (إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، أو أشق بطونهم) (١)، وقال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) (٢).
стр. 260
[عصمة دماء المسلمين]
وقوله: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف).
لا نرى القتل ولا القتال على أحد من المسلمين إلا أن يكون منه ما يوجب القتال أو القتل، قال ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) (١) فمن زنى بعد إحصان، وثبت عليه ذلك بالبينة، وجب عليه الحد، وهو الرجم، ومن قتل معصوما وتوافرت فيه شروط القصاص وجب عليه القصاص، وكذلك من وجب عليه حد الردة، قال النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه). (٢)
وكذلك الطائفة الباغية التي أمر الله بقتالها في قوله: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» [الحجرات: ٩]، وكذلك إذا تواطأت جماعة على ترك شعيرة من شعائر الإسلام؛ فإنها تقاتل، فلو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان؛ فإنهم يقاتلون لتعطيلهم شعيرة من شعائر الإسلام، وقد «كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار» (٣)
وكذا الطائفة الممتنعة المانعة للزكاة يجب قتالها حتى تؤدي الزكاة،
стр. 261
فقد قال عمر ﵁ للصديق ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق». (١)
وكذلك أجمع الصحابة على قتال الخوارج بأمر النبي ﷺ (٢)، وترغيبه في ذلك لما اجتمعوا، وأظهروا بدعتهم.
стр. 262
[وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم]
وقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).
(ولا نرى) أي: نحن أهل السنة والجماعة. (الخروج) يعني: بالسلاح والقتال. (أئمتنا وولاة أمرنا) أئمة المسلمين.
(وإن جاروا) وإن كان منهم ظلم على الرعية؛ فالواجب الصبر والمدافعة بالتي هي أحسن.
وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة، وهو النصح لولاة الأمر، وهو محبة الخير لهم والدعاء لهم بالعافية وصلاح الحال والاستقامة، والتوفيق للقيام بحق الله وحقوق رعاياهم، ومن كمال النصح للأمة عدم الخروج عليهم بالسلاح وقتالهم لما يحصل منهم من ظلم أو معصية بحجة إنكار المنكر، أما من يخرج عليهم للمنازعة على السلطة فهذا لون آخر؛ فالذي نعنيه هنا أن أهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على الأئمة بسبب ما يقع منهم من ظلم ومنكرات.
والله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمر في قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء: ٥٩]، وكذلك
стр. 263
الرسول ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) (١)، وقال ﷺ : (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة﴾، (٢)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إنما الطاعة في المعروف﴾ (٣) وقال ﷺ : ﴿من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية﴾. (٤)، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، أَلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة) (٥)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». (٦) وفي رواية: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». (٧) والأحاديث في الأمر بطاعة ولاة الأمر بالمعروف، والنهي عن الخروج عليهم كثيرة مستفيضة.
وخالف المعتزلةُ أهلَ السنة في هذا الأصل، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون في مفهومه: الخروج على
стр. 264
الولاة الظلمة، ويجعلون الخروج عليهم واجبا؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وهو مخالف لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يقوم على قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنكار المنكر المقصود منه هو إزالة المنكر أو تخفيفه، فإذا كان إنكار المنكر يؤدي إلى منكر أعظم لم يجز الإنكار، ولا شك أن الخروج على الأئمة يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، وفساد دين الناس ودنياهم، فهذا التشريع هو مقتضى الحكمة، فليس تحريم الخروج على الأئمة رضًا بظلمهم وفجورهم؛ بل درءا لما هو أعظم من ذلك، والواقع شاهد بأن ما جاءت به الشريعة هو الغاية في الحكمة وتحقيق المصالح العادلة.
وقوله: (ولا ندعو عليهم).
الدعاء لهم بالصلاح، هذا موجب النصيحة، قال النبي ﷺ : (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (١) والنصيحة أن تدعو لهم بالصلاح، اللهم أصلحهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اهدهم صراطك المستقيم، ادعُ لهم لعل الله يصلح حالهم، لكن جرت عادة الناس أنهم لا يلتزمون بهذا المنهج، وقول النبي ﷺ في الحديث: «وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (٢) ليس هذا إقرارا، وإنما هذا من قبيل الإخبار بالواقع، ولم يُسَق على وجه التسويغ والتجويز له، فأهل العلم والإيمان، والصلاح والتجرد عن الهوى وإيثار الدنيا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ولا سيما ولاة الأمر سواء أعطوهم من الدنيا أم لم يعطوهم، وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم
стр. 265
ولهم عذاب أليم» ـ وذكر منهم ـ: « … ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يفِ» (١)، فهو دائر مع الدنيا، وهذا واقع، فأكثر الناس إنما ينكرون على الولاة أمر الدنيا لا أمر الدين، فلا ينقمون تقصيرهم في حقوق الله، إنما نقمتهم الأثرة، ويطلبون منافستهم في الدنيا، ولهذا أوصى النبي ﷺ أصحابه الأنصار فقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). (٢)
وقوله ﷺ : (أثرة): استبداد بالولايات وبالمال. وقوله ﷺ : (فاصبروا) أي: لا تنازعوا ولاة الأمر من أجل ذلك.
وكثير ما يكون الخروج على الولاة من أجل المنازعة على السلطة باسم الإصلاح الدنيوي أيضا؛ فينتج عنه شر مستطير على الناس، فتسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، وينتشر الفساد، خصوصا إذا لم يكن هناك استقرار في الأمر فتعم الفوضى، ويتمكن كل مجرم من بلوغ مرامه، واقتراف إجرامه.
وقوله: (ولا ننزع يدا من طاعتهم).
لا ننزع يدا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملا بأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ .
وقوله: (ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة).
نرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُ مَن أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول ﷺ تجب طاعته مطلقا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) (٣). فإذا الإنسان أطاع ولي الأمر بالمعروف إيمانا
стр. 266
واحتسابا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية.
стр. 267
[وجوب إتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة]
وقول: (ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة).
من منهج أهل السنة والجماعة اتباع سنة الرسول ﷺ ، قال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [الأحزاب: ٢١]، «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» [الأعراف: ١٥٨]، «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١] والآيات التي فيها الأمر بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ واتباعه والتأسي به كثيرة معلومة، وهكذا أوصى النبي ﷺ باتباع سنته فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). (١)
وكذلك من منهج أهل السنة اتباع جماعة المسلمين، وذلك باتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وسمي أهل السنة والجماعة بأهل السنة والجماعة لاتباعهم سنة الرسول ﷺ وجماعة المسلمين، والله تعالى يقول: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ» [التوبة: ١٠٠] فأثنى على المهاجرين والأنصار وعلى من اتبعهم بإحسان ممن تأخر إسلامهم من الصحابة، وكذلك من جاء بعد الصحابة، وهكذا قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
стр. 268
بِالإِيمَانِ» [الحشر: ١٠] فنتبع السنة ونلزمها، ونتبع الجماعة، ونلتزم بما أجمع عليه المسلمون، وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
وقوله: (ونجتنب الشذوذ والفُرقة)
بمخالفة ما أجمع عليه المسلمون وبمخالفة ما دلت عليه سنة الرسول ﷺ ، ونحذر من أسباب الفرقة، وقد أمر الله بهذا في قوله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعَاً وَلا تَفَرَّقُوا» [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ» [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷺ : (إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي). (١) وفي لفظ (وهي الجماعة). (٢)
لهذا قال الطحاوي ﵀ في بيان منهج أهل السنة: (ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ) فمن شذ عن جماعة المسلمين شذ عن الصراط المستقيم، قال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرَاً» [النساء: ١١٥].
وهذه الآية مما احتج بها الشافعي ﵀ على حجية الإجماع (٣).
стр. 269
[حب أهل العدل وبغض أهل الجور]
وقوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) ذِكر هذا المعنى بعدما تقدم مناسب جدا، وفيه تنبيه على أن وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وكوننا نرى الصلاة خلف الأئمة أبرارا كانوا أو فجارا؛ لا يقتضي التسوية بين الأبرار والفجار، وأئمة العدل وأئمة الجور، لا؛ بل نحب أهل العدل من الولاة والأئمة وسائر الناس، قال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل) (١)، وهذا من الحب في الله، فنحب من يحبه الله من المؤمنين والمقسطين، قال تعالى: «وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [الحجرات: ٩] أي: العادلين، ونحب التوابين، ونحب الصالحين، وننزل كلا منزلته، وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يتحابوا في الله، قال النبي ﷺ : ﴿ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله﴾ (٢)، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم﴾ (٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ : ﴿أوثق عُرَى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله﴾ (٤)، ولهذا قال الطحاوي ﵀: (ونبغض أهل
стр. 270
الجور والخيانة) نبغضهم لجورهم، لا لأغراضنا وشهواتنا وأهوائنا وعدم حصولنا على ما نريد، لا؛ بل نبغضهم في الله ولله، ومن باب أولى نبغض الكفار، وأهل الفسق والعصيان، والله تعالى أخبر بأنه يمقت الكافرين: «لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» [غافر: ١٠]، وأخبر أنه : «لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ» [الحج: ٣٨]، و «لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» [القصص: ٧٧] بل يبغضهم و: «لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» [التوبة: ٩٦].
والناس في هذا الواجب ثلاثة أقسام:
الأول: ولي لله تجب محبته مطلقا.
والثاني: عدو لله يجب بغضه مطلقا.
والثالث: المخلط؛ كالفاسق من المسلمين يحب بحسب ما معه من الإيمان والطاعة، ويبغض بحسب ما معه من الفسوق والمعصية.
والوالي الظالم والجائر يُبغَض لما معه من الجور لظلمه وجوره وخيانته، ويحب بحسب ما معه من الإيمان، فالمسلم الفاجر والظالم لا يسوى بالكافر في بغضه، لا؛ فمطلق الأخوة الإيمانية موجودة كما تقدمت الإشارة (١) إلى قوله تعالى: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ» [البقرة: ١٧٨] فسمى المقتول أخا للقاتل، فكونه قتله هذا لا يبطل الأخوة الإسلامية التي بينهما؛ فإن من العدل في الحكم والمعاملة أن تفرق بين الناس، فلا تعط الناس حكما واحدا؛ بل تنزل الناس منازلهم بحسب حكم الله تعالى ورسوله ﷺ .
стр. 271
[تفويض العلم فيما خفي على العبد إلى الله]
وقوله: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه).
من منهج أهل السنة: تفويض علم ما لا علم لهم به، هذا تفويض واجب، وليس مثل تفويض المعطلة الذين ينفون الصفات، ثم يفوضون معاني النصوص فذاك مذهب باطل، وهذا التفويض الذي ذكره الطحاوي هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ في مثل قوله تعالى: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمَاً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ» [الكهف: ٢٢]، وقوله: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعَاً * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا» [الكهف: ٢٥ - ٢٦]، ولما سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». (١) وهكذا الواجب على المسلم ألا يخوض فيما لا علم له به، قال تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولَاً» [الإسراء: ٣٦] بل فوض علم ما لا علم لك به، وما أشكل عليك إلى الله، وقل: الله أعلم، وهذا من وقوف الإنسان عند حده، فلا يتجاوزه فيدعي علم ما لا علم له به، وإن قال: لا أدري فقد أحسن، فإن الذي يدعي أو يخبر أو يجيب بما لا يعلم يكون كاذبا، فمن يخبر بالشيء قد يخبر بما يَعلم كذبه، وهذا المتعمد للكذب، ومن يخبر
стр. 272
بما لا علم له به، لا يكون صادقا؛ بل فعله من جنس الكذب؛ لأن الصدق هو: الإخبار عن علم يطابق الواقع، هذا في الأمور العامة.
أما فيما يتعلق بالغيب، وفي دين الله، وفي ذات الله وصفاته؛ فهذا هو الذي حذر الله منه في كتابه: وذكر أنه مما يأمر به الشيطان: «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ١٦٩]، وقال : «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَاً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [الأعراف: ٣٣].
стр. 273
[من مذهب أهل السنة المسح على الخفين]
وقوله: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر).
(ونرى) أي: نحن أهل السنة نرى (المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر) أي: كما جاءت به السنة المأثورة المتواترة عن النبي ﷺ (١) خلافا للرافضة والخوارج؛ فإنهم لا يرون المسح على الخفين.
والله تعالى قد أمر بغسل الرجلين في قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ» [المائدة: ٦] واستدل العلماء بهذه الآية على وجوب غسل الرجلين، فحكم الرأس هو المسح، وحكم الرجلين الغسل؛ لأنه عَطَف الرجلين على الوجه واليدين المغسولتين، وأوضحت ذلك السنةُ، فكل من نقلَ صفةَ وضوئه ﷺ ذكرَ أنه ﷺ غسل رجليه (٢)، فعُلم أن فرض الرجلين هو الغسل لا المسح، عليهما خلافا للرافضة.
وفي القراءة الأخرى: «وَأَرْجُلِكُمْ» [المائدة: ٦] بجر اللام (٣)
стр. 274
واختلف المفسرون في توجيهها، فقيل: إنها عَطْف على الرأس؛ فتمسح مثله، وهذه من شبهات الرافضة (١)، لكن جمهور الأمة القائلون بغسل الرجلين قالوا: إنه خفض للمجاورة، كما قالوا: (جُحرُ ضبٍّ خربٍ)، وأصله (خربٌ)، (٢) ومن أحسن ما قيل في قراءة الجر: إنها محمولة على حال لبس (٣)، وقراءة النصب على حال خلوهما، فتكون الآية على القراءتين دالة على الحكمين الغسل والمسح كما دلت على ذلك السنة، والسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه.
وفرض الرجلين هو الغسل إذا كانتا مكشوفتين، أما إذا كانا في خفين لُبِسا على طهارة؛ ففرضهما المسح عليهما، ودلت على ذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في الصحيحين، أنه كان مع النبي ﷺ ، قال: ﴿فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما﴾ (٤)، وهكذا في حديث حذيفة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ بال فتوضأ ومسح على خفيه (٥)، وسئل علي ﵁ عن المسح على الخفين؟ فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم) (٦)، وغيرها.
فأحاديث المسح على الخفين متواترة، ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة المسح على الخفين، وغسل الرجلين إذا لم يكونا في خفين، خلافا للرافضة؛ فإن الرافضة خالفوا السنة في الحالين، فقالوا: إن فرض الرجلين هو المسح على أعلى القدم من الأصابع إلى العظم
стр. 275
الناتئ في ظهر القدم، وإذا كانا في خفين فلا يمسحون عليهما (١)، فخالفوا السنة من الوجهين، حيث قالوا: إن فرض الرجلين هو المسح، ولا مسح على الخفين، ومذهبهم باطل مخالف للنصوص.
والمسح على الخفين مشروع في السفر والحضر، فقد دلت السنة على التفريق في حكم المسح على الخفين بين المسافر والمقيم حيث رخص النبي ﷺ للمقيم أن يمسح يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.
وكما تقدم (٢) أن بعض هذه المسائل هي من المسائل الفقهية العملية؛ لكن لما لم يخالف فيها إلا المبتدعة نص عليها فهي مما يتميز به أهل السنة من المبتدعة.
стр. 276
[الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم]
وقوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين بَرِّهِم وفاجِرِهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما).
الحج مشروع منذ فرضه الله إلى قيام الساعة والجهاد مشروع إلى قيام الساعة، مع الأمراء والائمة بَرِّهِم وفاجِرِهم لا يمنعهما فجور أو ظلم الأمير، بل يشرع الحج مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا. وكذا الجهاد والقتال إذا كان مشروعا فلا يمنع منه كون القائد فاجرا أو عاصيا أو ظالما.
وذكر الحج؛ لأن الخلفاء في الدولة الإسلامية كانوا يعينون أميرًا على الحج؛ لأنه يُحتاج فيه إلى تنظيم القوافل؛ لأنهم خلق كثير؛ كالجيش، ويحتاجون إلى سياسية وقيادة تدبر أمر السير، وترتيب الحراسات؛ وما يحتاجون إليه من الأغذية وعلف الدواب، وغيرها؛ فلهذا ذكر العلماء الحج مع الجهاد.
وذكر الطحاوي وغيره هذه المسألة للتنبيه على مخالفة الرافضة، فالرافضة عندهم أنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم (١)، وهم يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ﵃ … وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وهو الذي يسمونه الإمام والمهدي المنتظر، ويقولون: إنه دخل في سرداب في سامراء، وهم ينتظرونه إلى الآن، ويرون أنه لا جهاد إلا معه، وهذا الإمام معدود لا حقيقة له؛ لأنهم
стр. 277
زعموا أنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أو قريبا من ذلك، وهو دون التمييز ابن خمس سنين أو أقل (١)، ولا يزال حيا، وهذا الإمام كما يقول شيخ الإسلام: (لم ينفعهم في دين ولا دنيا) (٢).
فنُص على هذه المسألة للتنبيه على بطلان مذهب الرافضة، ثم إنهم لم ينتفعوا بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، سوى علي ﵁ فهو الذي تولى الخلافة، والحسن كانت له مدة قصيرة، أما بقية الأئمة الذين يدعون لهم العصمة وأنهم أحق بالإمامة من كل أحد؛ فلم ينتفعوا بهم ولم تكن لهم ولاية، وهؤلاء الأئمة حكمهم عند أهل السنة، كحكم غيرهم بحسب حالهم في دينهم وعلمهم، وهم متفاضلون، فمنهم العلماء؛ كعلي بن الحسين، وابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد ﵏ فهؤلاء من العلماء الصالحين المعروفين (٣)، وفوقهم من له فضل الصحبة وفضل القرابة كعلي، وولديه: الحسن والحسين ﵃.
стр. 278
[الإيمان بالكرام الكاتبين]
وقوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين).
أي: نحن أهل السنة نؤمن بالكرام الكاتبين وهم: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال العباد وكتابتها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] فالله أقدرهم على العلم بأحوال العبد، فهم يكتبون حتى الأعمال القلبية، فضلا عن الأعمال الظاهرة وأقوال اللسان.
وفي الحديث القدسي الصحيح: ﴿إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها؛ فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة؛ فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف﴾. (١)
وقد دل القرآن ودلت السنة على كتابة أعمال العباد، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]، ومن شواهد ذلك قول النبي ﷺ : ﴿إذا مرض العبدُ أو سافرَ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا﴾ (٢)
стр. 279
فهم يكتبون الحسنات والسيئات؛ بل ويكتبون ما سوى ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» [الرعد: ٣٩] أي: ما في صحف الملائكة، فيمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت ما يترتب عليه الثواب والعقاب، أو يمحو ما تاب منه العبد وتجاوز عنه . (١) والإيمان بالحفظة الكاتبين داخل في الإيمان بالملائكة كما تقدم (٢)، فمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأصنافهم وأعمالهم، ومنهم الكرام الكاتبون.
стр. 280
[الإيمان بملك الموت وأعوانه]
وقوله: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).
كذلك من الإيمان بالملائكة الإيمان بملك الموت، قال : «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [السجدة: ١١] والإيمان بمن معه من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال : «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ» [الأنعام: ٩٣]، وقال : «وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ» [الأنفال: ٥٠]، فأخبر أن الملائكة يتوفونهم، وقال : «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ» [النحل: ٢٨]، وقال: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ» [النحل: ٣٢].
وكما دل القرآن على ذلك دلت السنة عليه، ففي الحديث الطويل حديث البراء بن عازب ﵄ قال النبي ﷺ (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان
стр. 281
بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، ـ إلى أن قال ـ وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا … ) (١)
الشاهد: أن السنة قد دلت على إثبات هذه الأصناف من الملائكة: ملك الموت وملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا! فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس! فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة
стр. 282
وملائكة العذاب، فقالت: ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة». (١)
ويلاحظ أن التوفي جاء في القرآن منسوبا إلى الله: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢].
ومنسوبا إلى ملك الموت: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [السجدة: ١١].
ومنسوبا إلى الملائكة: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» [النحل: ٢٨] فمن المتوفي إذًا؟
والجواب: أن الله هو المتوفي؛ لأنه سبحانه هو الذي أمر به وبمشيئته يكون، «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا» [الأنعام: ٦١] فالملائكة رسل من عند الله يرسلهم لقبض روح من شاء من عباده.
وأضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي يتولى قبضَ النفسِ وأخذها أول ما تخرج من الجسد.
وأضيف إلى الملائكة باعتبار أنهم يقبضونها ويتولونها بعد ذلك.
فكلها حق، فنُسب التوفي إلى كلٍّ لثبوت ذلك على الوجه الذي يناسبه.
وإنها لآية عظيمة أنَّ هذه الأنفس الكثيرة التي تموت في اللحظة الواحدة يتوفاها ويتولاها ملك واحد، فهذا يفيدنا أن أمر الغيب لا تحيط
стр. 283
به العقول البشرية، ولا يقاس على المحسوس، فلا ينفع أن تقيس الغائب على الشاهد.
وقد حدث في هذا العصر من المخترعات الباهرة ما يقرب بعض أمور الغيب؛ كالحاسوب، والشبكة المعلوماتية، وغيرها مما يرسل الصور والأصوات ويستقبلها مِن وإلى أمكان متباعدة.
стр. 284
[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها]
وقوله: (أرواح العالمين)
يتعلق بهذه الجملة الكلام في الروح التي بها حياة الناس، وتسمى النفس.
والروحُ موضوعُ حديثٍ طويلٍ للناس، فقد خاض فيه الناس كثيرا بالحق وبالباطل، والناس في شأن الروح وحقيقتها ثلاثة مذاهب:
قوم قالوا: إنها جزء من البدن، أو صفة من صفاته: إما النَفَس الذي تتردد في البدن، ومنهم من قال: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن، وهذه الأقوال منسوبة إلى كثير من المتكلمين.
وقابلهم الفلاسفة فقالوا: إن الروح لا تقوم به أية صفة، فالروح ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض، وليس لها أية صفة، قال شيخ الإسلام ﵀ في التدمرية: (يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود) (١)
فهذان القولان على طرفي نقيض، وكل منهما باطل.
والقول الوسط: إن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، ولها وجود مستقل عن البدن، فليست كالعرض الذي لا يقوم إلا بجسم؛ لكنها تتصل بالبدن وتنفصل عنه، وتسري فيه سريانا على وجه التقريب كسريان النار في الفحم، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان الماء في العود،
стр. 285
المهم أن لها كيانا يخصها، وهي موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتُقبض وترسل، وهذا بنص القرآن: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢] وفي الصحيح عن النبي ﷺ في الذكر عند النوم: ﴿باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين﴾ (١)، وهي مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة.
فهذا هو القول الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذا مذهب أهل السنة: أن الروح شيء موجود متميز، وهي حقيقة قائمة بنفسها، وموصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وهي مغايرة في ماهيتها وحقيقتها للأجسام المشهودة.
ويتعلق بالروح مسائل كثيرة اعتنى بذكرها ابن القيم في كتابه «الروح»، وفصَّل القول فيها.
منها: الكلام في خلق الروح فقد قيل: إنها قديمة، أي: ليست محدثة، فلا بداية لوجودها، وهذا باطل؛ بل هي محدثة ومخلوقة كسائر المخلوقات، فالإنسان مخلوق: روحه وبدنه. (٢)
ومنها: هل تموت الروح أو لا تموت؟ فيه خلاف، والذي رجحه ابن القيم (٣)، وهو الصواب: أن موت الأرواح هو مفارقتها لأجسادها؛ فإن أريد هذا القدر فهي ذائقة الموت فـ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران: ١٨٥] وإن أريد أنها تصير عدمًا بعد فراقها للبدن فلا؛ فالروح باقية؛ إما في نعيم أو عذاب.
ومن المسائل التي طرقها ابن القيم كذلك: الفرق بين النفس