← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، ـ إلى أن قال ـ وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا … ) (١) الشاهد: أن السنة قد دلت على إثبات هذه الأصناف من الملائكة: ملك الموت وملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا! فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس! فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة

стр. 282

وملائكة العذاب، فقالت: ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة». (١) ويلاحظ أن التوفي جاء في القرآن منسوبا إلى الله: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢]. ومنسوبا إلى ملك الموت: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [السجدة: ١١]. ومنسوبا إلى الملائكة: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» [النحل: ٢٨] فمن المتوفي إذًا؟ والجواب: أن الله هو المتوفي؛ لأنه سبحانه هو الذي أمر به وبمشيئته يكون، «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا» [الأنعام: ٦١] فالملائكة رسل من عند الله يرسلهم لقبض روح من شاء من عباده. وأضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي يتولى قبضَ النفسِ وأخذها أول ما تخرج من الجسد. وأضيف إلى الملائكة باعتبار أنهم يقبضونها ويتولونها بعد ذلك. فكلها حق، فنُسب التوفي إلى كلٍّ لثبوت ذلك على الوجه الذي يناسبه. وإنها لآية عظيمة أنَّ هذه الأنفس الكثيرة التي تموت في اللحظة الواحدة يتوفاها ويتولاها ملك واحد، فهذا يفيدنا أن أمر الغيب لا تحيط

стр. 283

به العقول البشرية، ولا يقاس على المحسوس، فلا ينفع أن تقيس الغائب على الشاهد. وقد حدث في هذا العصر من المخترعات الباهرة ما يقرب بعض أمور الغيب؛ كالحاسوب، والشبكة المعلوماتية، وغيرها مما يرسل الصور والأصوات ويستقبلها مِن وإلى أمكان متباعدة.

стр. 284

[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها] وقوله: (أرواح العالمين) يتعلق بهذه الجملة الكلام في الروح التي بها حياة الناس، وتسمى النفس. والروحُ موضوعُ حديثٍ طويلٍ للناس، فقد خاض فيه الناس كثيرا بالحق وبالباطل، والناس في شأن الروح وحقيقتها ثلاثة مذاهب: قوم قالوا: إنها جزء من البدن، أو صفة من صفاته: إما النَفَس الذي تتردد في البدن، ومنهم من قال: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن، وهذه الأقوال منسوبة إلى كثير من المتكلمين. وقابلهم الفلاسفة فقالوا: إن الروح لا تقوم به أية صفة، فالروح ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض، وليس لها أية صفة، قال شيخ الإسلام ﵀ في التدمرية: (يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود) (١) فهذان القولان على طرفي نقيض، وكل منهما باطل. والقول الوسط: إن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، ولها وجود مستقل عن البدن، فليست كالعرض الذي لا يقوم إلا بجسم؛ لكنها تتصل بالبدن وتنفصل عنه، وتسري فيه سريانا على وجه التقريب كسريان النار في الفحم، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان الماء في العود،

стр. 285

المهم أن لها كيانا يخصها، وهي موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتُقبض وترسل، وهذا بنص القرآن: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢] وفي الصحيح عن النبي ﷺ في الذكر عند النوم: ﴿باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين﴾ (١)، وهي مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة. فهذا هو القول الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذا مذهب أهل السنة: أن الروح شيء موجود متميز، وهي حقيقة قائمة بنفسها، وموصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وهي مغايرة في ماهيتها وحقيقتها للأجسام المشهودة. ويتعلق بالروح مسائل كثيرة اعتنى بذكرها ابن القيم في كتابه «الروح»، وفصَّل القول فيها. منها: الكلام في خلق الروح فقد قيل: إنها قديمة، أي: ليست محدثة، فلا بداية لوجودها، وهذا باطل؛ بل هي محدثة ومخلوقة كسائر المخلوقات، فالإنسان مخلوق: روحه وبدنه. (٢) ومنها: هل تموت الروح أو لا تموت؟ فيه خلاف، والذي رجحه ابن القيم (٣)، وهو الصواب: أن موت الأرواح هو مفارقتها لأجسادها؛ فإن أريد هذا القدر فهي ذائقة الموت فـ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران: ١٨٥] وإن أريد أنها تصير عدمًا بعد فراقها للبدن فلا؛ فالروح باقية؛ إما في نعيم أو عذاب. ومن المسائل التي طرقها ابن القيم كذلك: الفرق بين النفس

стр. 286

والروح (١)، وبيَّن أن النفس تطلق على معان متعددة، والروح تطلق على معان متعددة، وتتفقان في بعض المواضع، فإذا قيل ـ مثلاـ: خرجت نفسه أو خرجت روحه؛ فالمعنى واحد. ومنها: هل النفس واحدة أو ثلاث؟ (٢) الصحيح: أنها واحدة؛ لكن ذكرها بلفظ: النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، والنفس اللوامة إنما هو باعتبار صفاتها، وإلا فهي نفس واحدة. ومن الناس من يقول: لم الخوض والكلام في الروح مع أن الله تعالى يقول: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [الإسراء: ٨٥]؟ والجواب: أن هذه الآية ليس فيها النهي عن الكلام في الروح. ثم إن الروح في الآية قد اختلف فيه، فقيل: إنه الروح الأمين جبريل ﵇. وقيل: إنه ملك آخر. وقيل: المراد بالروح الوحي (٣). وإذا كان المراد: الروح التي هي النفس، فإن الله قال: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [الإسراء: ٨٥] وليس في هذا النهي عن الكلام في الروح، والواجب هو الكلام فيها بعلم، أما الكلام فيها بغير علم؛ فهذا هو المحذور، وفي كل مقام أيضا، أما الكلام في الروح في حدود ما جاء في الكتاب والسنة؛ فهذا حق وبيان لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . والكلام والبحث في الروح له فائدتان: الأولى: معرفة الحق من الباطل من أقوال الناس. والثانية: معرفة ما ورد في الكتاب والسنة في شأن الروح.

стр. 287

وضرب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية (١) بها المثل لبيان وتقرير أن قيام الصفات بالموصوف لا يلزم منه المشابهة لغيره، ليقرر بذلك أن إثبات صفات الله لا يستلزم معرفة كنهه ولا تشبيهه بخلقه، فالروح مع أنها موصوفة في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالعقول عاجزة عن تكييفها، وهي عن تكييف الرب أعجز، وهي مباينة للأجسام المشهودة، ومباينة الله لخلقه أعظم، وهو كلام ناصع بيِّنٌ متضمن لإفحام المبطلين المعطلين.

стр. 288

[وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه] وقوله: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم) ونؤمن بعذاب القبر وبفتنة القبر ـ أي ـ: سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة ﵃، كحديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ : (إن الميت إذا وضع في قبره أتاه ملكان فيقعدانه ويقولانه له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) (١)، والأدلة على فتنة القبر وعذاب القبر متواترة. (٢) وقد أشير إلى فتنة القبر في القرآن قال تعالى: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ» [إبراهيم: ٢٧]، (٣) وكان النبي ﷺ (إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل). (٤)

стр. 289

ويظهر لي أنه ليس لنا أن نقول: (فإنه الآن يسأل) وإنما نقول: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فقط، أما أن نحكم على الميت بأنه الآن يسأل، فهذا لا علم لنا به على الخصوص. ومن أدلة عذاب القبر في القرآن قوله تعالى في آل فرعون: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [غافر: ٤٦]، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ» [الأنعام: ٩٣]، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [السجدة: ٢١]، وكذلك قوله تعالى: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ» [التوبة: ١٠١] وهو عذاب النار. ومن أدلة عذاب القبر ونعيمة ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (١) وفي حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ : قال: (إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وأن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) (٢) وقال النبي ﷺ : (إنه أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال: فيوتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما

стр. 290

المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، فيقال: نم صالحا قد علمنا إنْ كنت لموقنا به، وأما المنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا؛ فقلته) (١). ومن أدلة عذاب القبر ما ورد من الاستعاذة بالله منه، كما في الذكر بعد التشهد ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) (٢) وأحاديث كثيرة فيها الاستعاذة بالله من عذاب في النار وعذاب في القبر. (٣) وأكثر الأحاديث فيها: (أنه يأتيه ملكان) (٤)، وجاء عند الترمذي تسميتهما: (المنكر والنكير) (٥)، وسئل الإمام أحمد عن ذلك فأثبت تسمية هذين الملكين. (٦). وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله، والإيمان بفتنة القبر وعذابه

стр. 291

ونعيمه من الإيمان باليوم الآخر؛ فإن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه ما يكون بعد الموت. والإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان بالغيب؛ لأن الله ستر عن الخلق أحوال أهل القبور، وربما كشف لمن شاء بعض ذلك، وقد أطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على حال صاحبي القبرين فقال لما مَرَّ بهما: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير﴾ (١). فأطلعه تعالى على حالهما، وسبب عذابهما، ولما سمع ﷺ ذات يوم صوتا قال: (يهود تعذب في قبورها). (٢) قد يُكشف لبعض العباد شيء من أحوال أهل القبور، وفي هذا أخبار كثيرة، يذكرها المعنيون بهذا من أهل العلم (٣)، وفيها تصديق لما أخبر به ﷺ ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) (٤) لو كشف للناس أحوال أهل القبور لفروا وهاموا على وجوههم، ولما دفنوا موتاهم. وأنكر عذاب القبر ونعيمه وسؤاله وفتنته الملاحدة الزنادقة (٥) ويلزم على قول من يقول: إن الروح عرض وليست شيئا قائما بنفسه؛ أنه ليس هناك عذاب ولا نعيم؛ لأنها معدومة، ولهذا قال ابن القيم في النونية (٦) ـ لما ذكر أمر الأرواح وبقاءها ـ: وَكَذلِكَ الأروَاحُ لَا تَبلَى كَمَا … تَبلَى الجُسُومُ وَلَا بِلَى اللُّحمَانِ

стр. 292

وَلأجلِ ذَلِكَ لم يُقِرَّ الجَهمُ بالـ … أروَاحِ خَارِجَةً عَنِ الأبدَانِ لَكِنَّهَا مِن بَعضِ أعرَاضٍ بِهَا … قَامَت وَذَا في غَايَةِ البُطلَانِ فالشَّأنُ للأرواحِ بَعدَ فراقِهَا … أبدَانَنا وَاللهِ أعظَمُ شَانِ إمَّا عذَابٌ أو نَعِيمٌ دَائِمٌ … قَد نُعِّمت بِالرَّوحِ والرَّيحَانِ وتصيرُ طيراً سَارِحاً مَع شكلِهَا … تجني الثِّمارَ بِجَنَّةِ الحَيَوانِ وَتَظَلُّ وَاردَةً لأنهَارٍ بِها … حَتَّى تَعُودَ لِذَلِكَ الجُثْمَانِ لَكِنَّ أرواحَ الذينَ استُشهِدُوا … فِي جَوفِ طَيرٍ أخضَرٍ رَيَّانِ فلهُم بذَاكَ مزيَّةٌ في عَيشِهِم … ونَعِيمِهِم لِلرُّوحِ والأبدَانِ بَذَلُوا الجُسُومَ لربِّهِم فأعَاضَهُم … أجسَامَ تلكَ الطَّيرِ بالإحسَانِ وَلَهَا قَنَادِيلٌ إليهَا تَنتَهِي … مَأوَىً لَهَا كَمَسَاكِنِ الإِنسَانِ فالرُّوحُ بَعدَ الموتِ أكمَلُ حَالَةٍ … منهَا بِهَذِي الدَّارِ في جُثمَانِ وَعذَابُ أشقَاهَا أشدُّ مِنَ الذِي … قد عَاينَت أبصَارُنا بِعِيَانِ والقَائِلُونَ بِأنَّهَا عَرَضٌ أبَوا … ذَا كُلَّهُ تَبًّا لِذِي نُكرانِ وقوله: (لمن كان له أهلا) عذاب القبر ليس لكل واحد، وجاء التصريح بعذاب القبر ونعيمه للمؤمن والكافر، أما العاصي؛ فإن أكثر النصوص لم تتعرض له، كما هو ظاهر في أمر فتنة القبر، إنما ذكر المؤمن الذي ينعم بعد الفتنة، والكافر والمنافق الذي يعذب بعدها، لكن العاصي يُخاف عليه العذاب، فالذي سُكت عنه هذا على خطر، فالمعاصي سبب للعذاب في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، والعاصي تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وأما المؤمن التقي فهو ناجٍ من العذاب، وهو من أهل النعيم والثواب. ومسائل القبر هذه، هي التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالته المعروفة بـ «ثلاثة الأصول». وقد بلغ الأمر ببعض من يعظمون الوطن إلى درجة العبادة، أن يقول: بنو وطني سأذكرهم … متى ما عشتُ في الدنيا وفي قبري أقول له … إذا ما جاء يسألني

стр. 293

بنو وطني همُ ديني … وديني همْ بنو وطني! (١) هل سيجيب بهذا الكفر؟! لن يجيب، بل سيقول: هاه هاه! لا أدري. نعوذ بالله من فتنة القبر وعذاب القبر. وقوله: (عن ربه ودينه ونبيه ﷺ على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم). هذا هو المعتمد، فإنما إثبتنا هذه الأمور الغيبية لورود الأخبار الصحيحة بها، فنؤمن بذلك تصديقا لله تعالى، ورسوله ﷺ ، واتباعا لسلف هذه الأمة. وقوله: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) (٢). هذا تكميل للموضوع، وفيه إشارة إلى النعيم؛ لأنه في العبارة السابقة لم يقل: بعذاب القبر ونعيمه، ففي هذه الجملة تنبيه على النعيم، (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)، هذه أحوال الناس في القبر، منهم: من هو في نعيم وفي سرور، في روضة من رياض الجنة يأتيه من روحها وطيبها، كما يشاء الله على ما يليق بحال البرزخ؛ لأن الدور ثلاثة: دار الدنيا، وهي: دار الابتلاء والعمل. ودار البرزخ، وهي: ما بين الموت إلى البعث، وهي: محل عذاب القبر ونعيمه.

стр. 294

والدار الآخرة التي بعد البعث، وهي: دار القرار، وليس فيها نقلة ولا رحيل ولا تحول. أما القبر، فليس هو كما يجري على ألسن الناس إذا دفنوا الميت قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير؛ فإن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل بعده رحيل وانتقال من دار البرزخ إلى الدار الآخرة: إلى الجنة أو النار، واستنبط بعض أهل العلم هذا المعنى من قوله تعالى: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حتى زُرْتُمُ» [التكاثر: ١ - ٢] والزائر لا بد له من انصراف؛ لأنه غير مقيم (١)، فأهل القبور ليسوا بمقيمين أبدا في قبورهم؛ بل سينصرفون عندما يدعوهم الداعي: «وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ» [ق: ٤١ - ٤٢]، «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ» [الزمر: ٦٨].

стр. 295

[الإيمان بالبعث والجزاء] وقوله: (ونؤمن بالبعثِ وجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامةِ). كل هذه المعاني والمسائل مندرجة في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث مما أجمع عليه أهلُ الملل الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى، ومما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وليس فيه اختلاف بين فرق الأمة. ولا ينكر بعث الأجساد إلا الفلاسفة الملاحدة (١)، ومنهم من دخل في الإسلام وادعى ذلك على الشريعة، كابن سينا (٢)، يقول: إن البعث والجزاء روحاني لا جسماني، فأنكر معاد الأجساد، فجعلوا ما جاء في النصوص أمورا روحانية، وهذا إنكار مع تلبيس. ويوم القيامة اسمه يوم البعث؛ لأن فيه البعث، ويوم الجمع؛ لأن الله يجمع الأولين والآخرين للحساب. وسبق الكلام على أدلة البعث عند قول الطحاوي: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر) (٣). ومن الأقوال الباطلة المعروفة عن المتكلمين قولهم: إن البعث يكون بجمع تلك الأجزاء، وهذا يرجع إلى مقولة معروفة هي: إن

стр. 296

الأجسام مركبة من جواهر مفردة، والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتجزأ، وهم منازعون في دعوى وجود الجوهر الفرد. والتحقيق أنه ما من جزء إلا ويتجزأ حتى يبلغ إلى غاية صغيرة فيستحيل أو يعدم، كما قال شيخ الإسلام ﵀ (١). فهؤلاء القائلون بنظرية الجوهر الفرد يقولون: إن البعث يكون بجمع تلك الجزيئات: فإذا مات الميت وتفرقت جزيئاته فيكون البعث بجمع تلك الجزيئات. وهذا باطل؛ فإن الأجسام تستحيل وتتغير وتتحول من طبيعة إلى طبيعة، ثم يقال: إنه لو كان البعث بجمع تلك الجزيئات على فرض صحة الدعوى؛ للزم أن يكون كل إنسان يبعث على هيئته التي كان عليها، الكبير الهرم على هيئته، والصغير كذلك، وهذا مخالف للنصوص التي بيَّن الله تعالى فيها أنه يعيد ما تفرق واستحال، ثم ينشئها كما يشاء نشأة أخرى: «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى» [النجم: ٤٢ - ٤٧]، وقال تعالى: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ» [الواقعة: ٥٨ - ٦١] ننشئكم نشأة لا تعلمونها ولا تتخيلونها. وقد ثبت في النصوص ذكر خلقة من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وأن أجسامهم تكون ليست على هيئة أجسام الناس في هذه الدنيا؛ بل تختلف اختلافا كبيرا (٢)، ينشئها الله نشأة أخرى تليق بالحياة الآخرة

стр. 297

عذابها ونعيمها، وليس البعث إيجادًا من عدم؛ بل البعث إعادة، وهذا هو الذي أنكره الكفار، فإنهم لا ينكرون أن الله يخلق مثلما خلق، فهم يشاهدون أن الله يخلق الأجيال، إنما ينكرون أن يعيد الله ما استحال من أبدانهم وتفرق من أجسادهم أن يعيده: «أَإِذَا كُنَّا تُرَابَاً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» [الرعد: ٥]، «وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامَاً وَرُفَاتَاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقَاً جَدِيدَاً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدَاً * أَوْ خَلْقَاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» [الإسراء: ٤٩ - ٥١] الآيات، «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥]، ولهذا أنكر العلماء على جهم بن صفوان ومن وافقه بأن المعاد هو أن يخلق الله الخلق خلقا جديدا ليس بإعادة، يقول ابن القيم ـ في فصل طويل في الشافية الكافية (١) عن جهم ومقالاته ـ: وَقَضَى بِأنَّ اللهَ يَجعَلُ خَلقَهُ … عَدَماً ويقلِبُهُ وُجُوداً ثَاني العَرشُ والكُرسِيُّ والأرواحُ والـ … أملاكُ والأفلاكُ والقَمَرَانِ والأرضُ والبَحرُ المحيطُ وسائِرُ الـ … أكوَانِ مِن عَرَضٍ وَمِن جُثمَانِ كُلٌّ سَيُفنِيهِ الفنَاءَ المَحضَ لا … يَبقَى لَهُ أثَرٌ كَظِلٍّ فَانِ ويُعِيدُ ذَا المَعدُومَ أيضاً ثانياً … مَحضَ الوجودِ إعَادَةً بِزَمَانِ هذا المعادُ وَذلِكَ المَبدَا لَدَى … جَهمٍ وقد نَسَبُوه للقرآنِ هَذا الذِي قَأدَ ابنَ سينَا والأُلَى … قَالُوا مَقَالَتَه إلى الكُفرَانِ لَم تَقبَلِ الأذهانُ ذَا وتَوهَّمُوا … أنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بِالإِيمانِ هَذا كِتابُ اللهِ أنَّى قَالَ ذَا؟ … أو عَبدُهُ المبعُوث بالبُرهَان؟ ولهذا جعل الله من حجته على المكذبين أن الإعادة في نظر الإنسان وبالنسبة لقدرة الإنسان أهون من الابتداء، «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥]، «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلَاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ

стр. 298

يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يس: ٧٨ - ٧٩] وهذا أحد أدلة البعث التي فيها الرد على المكذبين، وقد تقدم ذكرها. (١) وقوله: (وجزاء الأعمال يوم القيامة). مما يجب الإيمان به الجزاء، والجزاء هو الغاية من البعث والنشور، ليجد كل عامل عمله، قال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرَاً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيدَاً» [آل عمران: ٣٠]، «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» [النجم: ٣١]؛ بل هذا من حكمة الله في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: «وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الجاثية: ٢٢]، وذكر الجزاء في القرآن كثير جدا، وجاء بلفظ الدين، قال تعالى: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [الفاتحة: ٣]، «يَصلونها مَا يَوْمُ الدِّينِ» [الانفطار: ١٦]، «الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ» [المطففين: ١١]، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]. وهذا الجزاء ذكر الله تعالى تفصيله: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الأنعام: ١٦٠]، «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦]، «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤]، «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧]، «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتَاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ» [الزلزلة: ٦] أي: جزاء أعمالهم ثوابا وعقابا، «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ» [الزلزلة: ٧ - ٨].

стр. 299

وهذا الجزاء يتضمن الثواب على الأعمال الصالحة، والعقاب على ضدها من الكفر والفسوق والعصيان، ومن الجزاء الاقتصاص للمظلوم من الظالم، وبهذا تتحقق حكمة الرب وعدله ، فالناس في هذه الدنيا يقع من بعضهم عدوان وظلم على بعض، وكثير من المظلومين يموت وهو لم يستوف حقه، أو يموت الظالم ولم يؤخذ منه الحق، فجعل الله للخلق يوما يجمع فيه الأولين والآخرين. وجزاء الإيمان والحسنات مبني على الفضل والزيادة والمضاعفة، وجزاء السيئات مبني على العدل، قال تعالى: «مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [القصص: ٨٤]، وفي الآية الأخرى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الأنعام: ١٦٠]، ولا يعذب أحد بذنب غيره يقول تعالى: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» [الأنعام: ١٦٤] والله تعالى ينبه إلى أن دخول أهل الجنةِ الجنةَ بسبب أعمالهم «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [السجدة: ١٧] و (الباء) سببية، فالإيمان والعمل الصالح سبب دخول الجنة، والكفر والمعاصي سبب دخول النار «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» [التوبة: ٩٥]، وتفصيل هذا في القرآن كثير جدا.

стр. 300

[الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان] وقوله: (والعرضِ والحسابِ، وقراءةِ الكتابِ، والثوابِ والعقابِ، والصراطِ، والميزانِ). من أحوال يوم القيامة عرض العباد على ربهم، وعرض أعمالهم عليهم، قال تعالى: «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَاً * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» [الكهف: ٤٧ - ٤٨] وكذلك عرض الأعمال على العاملين، قال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرَاً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا» [آل عمران: ٣٠]، وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: (ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه؛ فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) (١)، وقال ﷺ : (ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵁: أليس قد قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)؟ فقال رسول الله ﷺ إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب). (٢) وكذلك الحساب، والحساب في اللغة: العد، ويطلق بمعنى

стр. 301

المحاسبة، ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، قال تعالى: «بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» [ص: ٢٦]، وهو اليوم الذي يحاسب الله فيه الخلائق، قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧] ومن المحاسبة السؤال عن الأعمال، قال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقال تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» [الصافات: ٢٤]، وقال تعالى: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبَاً» [الإسراء: ١٤]، وقال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيرَاً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورَاً * وَيَصْلَى سَعِيرَاً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورَاً» [الانشقاق: ٧ - ١٣]. ومن الحساب ما فيه مناقشة كما قال الرسول ﷺ : (من نوقش الحساب عُذِّب) (١). ومن المحاسبة ما جاء في الحديث عن الرسول ﷺ قال: (يدنو أحدُكم من ربِّه حتى يضع كنَفَه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم) (٢)، حساب يسير وعرض للأعمال، ليس فيه مناقشة. هذا كله يدخل في إطار الحساب، وهناك سؤال يمكن أن يدخل في الحساب، قال تعالى: «حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [النمل: ٨٤]، «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ» [القصص: ٦٥].

стр. 302

فأحوال القيامة وأهوالها عظيمة، فيا له من يوم ما أعظمه! «أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ» [المطففين: ٤ - ٥] وثقيل، قال تعالى: «إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] وعسير؛ لكن على الكافرين، أما على أهل الإيمان والتقى فهو عليهم يسير، ولهذا يقول تعالى: «عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» [المدثر: ١٠]، وفي الآية الأخرى: «وَكَانَ يَوْمَاً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرَاً» [الفرقان: ٢٦]. وقوله: (وقراءة الكتاب). قراءة كتاب الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره، كما في الآيات من سورة الانشقاق، وسورة الحاقة، قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» [الحاقة: ١٩]، «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ» [الحاقة: ٢٥ - ٢٨]، وقوله تعالى: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنشُورَاً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبَاً» [الإسراء: ١٣ - ١٤]، «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلَاً» [الإسراء: ٧١] وغيرها من الآيات. وكل هذا مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، ويجب الإيمان به. وقوله: (والثواب والعقاب) تفصيل وبيان لنوعي الجزاء على الأعمال؛ فإذا كانت الأعمال حسنات وسيئات؛ فالحسنات جزاؤها الثواب، وهو: كل خير ونعيم وسرور، وجماع ذلك وأعظمه رحمة الله وكرامته ورضاه وجنته، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢] وقوله: (والصراط) الصراط جسر وطريق ومعبر ينصب على متن جهنم، فيعبر عليه

стр. 303

الناس بحسب أعمالهم، وجاء بيان ذلك عن النبي ﷺ بأن منهم من يمر (كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومَكْدُوس في نار جهنم) (١). وهذا الصراط والسير عليه حسي، وهو في مقابل الصراط الذي في الدنيا، ففي الدنيا صراط معنوي، وهو دين الله الذي بعث به رسله، فالسير على ذاك الصراط بحسب السير على هذا الصراط، فمن كان على هذا الصراط ثابتا ومسرعا وقويا كان على ذاك كذلك، ومن كان بطيء السير في هذا الصراط كان سيره على ذاك «جَزَاءً وِفَاقَاً» [النبأ: ٢٦]، و (الجزاء من جنس العمل). وقوله: (والميزان) أي: ميزان الأعمال، والآيات في هذا ظاهرة وكثيرة، قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليوم القيامة» [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ» [الأعراف: ٨ - ٩]، إلى غير ذلك من الآيات. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالميزان، وأنه ميزان حقيقي حسي، توزن به الأعمال، كما جاء في الأحاديث، قال النبي ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) (٢) وفي الحديث الآخر عن الرسول ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان) (٣). فدل الكتاب والسنة على وزن الأعمالِ، والأعمالُ وإن كانت أعراضا، والأعراض في حِسنا ومداركنا لا تقبل الوزن؛ لكنا نسلم

стр. 304

ونؤمن بما أخبر الله به من وزن الأعمال، والله تعالى على كل شيء قدير، وفي حديث صاحب البطاقة الذي يأتي يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سِجِّلا، كل سِجِّل مد البصر، وكلها سيئات، فيُبهت فتُخرج له بطاقة فيها الشهادتان، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، قال: (فطاشت السجلات وثقلت البطاقة). (١) دليل على أن صحائف الأعمال توزن، ويستدل به على فضل التوحيد الخالص، فهذا لمِا اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة؛ فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما، لأجل ذلك كفّرت سيئاته، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يرجح قولهم على سيئاتهم كصاحب البطاقة. هذا ما وجَّه به شيخ الإسلام ابن تيمية، هذا الحديث (٢) وأمثاله (٣). وقد دلت النصوص على أن الأعمال توزن، وصحف الأعمال توزن؛ بل والعامل يوزن كما في الحديث (أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ كان يجتني سواكا من الأراك ـ وكان دقيق الساقين ـ فجعلت الريح تَكْفَؤُهُ، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل

стр. 305

في الميزان من أحد). (١) وأنكر بعضُ أهلِ البدعِ الميزانَ (٢) وقالوا: ليس المراد ميزانا حسيا توزن به الأعمال، إنما هو كناية عن عدل الرب ، لكن النصوص ظاهرة بأنه ميزان حسي «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ» [الأنبياء: ٤٧]. وقيل: إن الميزان واحد، توزن به أعمال العباد، (والله على كل شيء قدير) وقيل: إنها موازين، وهو ظاهر القرآن، ومن قال: إنه ميزان واحد، قال: الموازين المراد بها الموزونات، فالتعدد في الموزونات والميزان واحد، والله أعلم. المهم الإيمان بوزن الأعمال. (٣) وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب (فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) من مسائل حديث أبي سعيد ﵁: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة) (٤): معرفة أن الميزان له كفتان. (٥) لأن الميزان يتضمن المعادلة بين السيئات والحسنات، فمن رجحت حسناته على سيئاته نجا، ومن رجحت سيئاته على حسناته فقد يعذب، والكلام في المسلم الذي له حسنات، أما الكفار فليس لهم

стр. 306

حسنات، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: (وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها). (١)

стр. 307

[خلق الجنة والنار وبقاؤهما] وقوله: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان). هذه الجملة فيها مسألتان: الأولى: قوله: (والجنة والنار مخلوقتان) مخلوقتان الآن وموجدتان الآن، خلافا للمعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار لم تخلقا؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة. وما حجتهم؟ قالوا: إن خلقهما الآن عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا متطاولة، ولم يدخلها سُكَّانها! (١) وهذا قول باطل مبني على جهل فاضح، ولهذا كان من مذهبهم إنكار عذاب القبر ونعيمه. والحق الذي لا ريب فيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، فكل أدلة عذاب القبر ونعيمه، هي من أدلة وجود الجنة والنار؛ لأن عذاب القبر هو من النار، ونعيم القبر من الجنة، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى» [النجم: ١٣ - ١٥]، وقال تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [غافر: ٤٦]، وقال تعالى: «مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارَاً» [نوح: ٢٥]. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه

стр. 308

مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (١)، وفي حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وأن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) (٢) وفي حديث صلاة النبي ﷺ صلاة الكسوف أنَّ الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك كففت؟ فقال: (إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ كاليوم منظرا قط) (٣) وهذا يقتضي أنها حقيقة. وفي الحديث عن النبي ﷺ : (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه قال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها﴾ (٤) ومثل

стр. 309

حديث النبي ﷺ : (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤُهَا) (١). فهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والقول بأنهما لم تخلقا قول باطل مناقض لنصوص الكتاب والسنة. قال العلامة ابن القيم في النونية: يا سِلْعَةَ الرحمنِ لستِ رخيصةً … بل أنتِ غاليةٌ على الكسلانِ يا سلعة الرحمن ليس ينالُها … في الألف إلا واحدٌ لا اثنان يا سلعة الرحمن مَنْ ذا كفؤُها … إلا أُولُو التقوى مع الإيمان يا سلعة الرحمن سُوقُك كاسِدٌ … بين الأراذلِ سِفْلَةِ الحيَوان يا سلعة الرحمن أين المشتري … فلقد عُرضتِ بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن هل مِن خاطِبٍ … فالمهرُ قبل الموتِ ذو إمكان يا سلعة الرحمن كيف تَصَبَّرَ الْ … خُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذَوُو إيمان يا سلعة الرحمن لولا أنَّها … حُجِبَتْ بكلِّ مَكَارِهِ الإنسان ما كان عنها قطُّ مِن مُتَخَلِّفٍ … وتعطلتْ دارُ الجزاءِ الثاني لكنها حُجِبَتْ بكلِّ كَرِيهَةٍ … لِيُصَدَّ عنها المُبْطِلُ المُتَوَاني وتَنالَها الِهمَمُ التي تَسْمُو إلى … رُتَبِ العُلَى بمشيئةِ الرحمن (٢) والمسألة الثانية: مسألة فناء الجنة والنار، يقول الطحاوي: (لا تفنيان أبدا ولا تبيدان) بل هما باقيتان على الدوام. فالجنة لا تفنى ونعيمها دائم، قال تعالى: «أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا»

стр. 310

[الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: «إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ» [ص: ٥٤]، وقال تعالى: «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» [هود: ١٠٨]، وقال تعالى: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» [التوبة: ٢١ - ٢٢] » [التوبة: ٢١] وقال تعالى: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» [الحجر: ٤٨]. وكذلك النار جاء فيها ما يدل على الدوام، قال تعالى: «يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ» [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى: «كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرَاً» [الإسراء: ٩٧]، «كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا» [الحج: ٢٢]. وذهبت الجهم بن صفوان ومن تبعه إلى فناء الجنة والنار، فعندهم أن المخلوقات يمتنع دوامها في الماضي، وكذلك دوامها في المستقبل. وأجمع أهل السنة إجماعا قطعيا وسائر الفرق ما عدا الفرقة الضالة الجهمية إلى دوام الجنة، وأما النار فجمهور أهل السنة وسائر الطوائف على دوامها كذلك، وفيها قول آخر ذكره ابن القيم، فقد عُني ﵀ بالكلام على هذه المسألة (١) كعادته في البحث إذا بحث مسألة أبدع فيها، وأتى بكل ما يمكن من الاستدلال والحوار، والجواب والمناقشات في سائر المسائل الخلافية التي يتعرض لها، يذكر كل ما للطائفتين من حجج واستدلالات وتوجيهات، ويقابل بينهما ويناقشهما، فتارة يرجح ترجيحا ظاهرا وبقوة، وتارة يعرض ويقف، وإذا عرض لأحد القولين يقول القائل: إنه يختار هذا، فإذا عرض القول الآخر قال: كأنه يختار الثاني، والذي يظهر أنه هكذا وقع له في

стр. 311

هذه المسألة، فلما ذكر حجج القولين يظن الظان إذا قرأ استدلالاته للقول الآخر يظن أنه قائل به (١). وأكثر ما نقوله هنا: إن القول بفناء النار قول مرجوع، ولكن لا يقال: إنه بدعة، ولا يُبدَّع من قال به، ومن الناس من بدَّع من قال به، ومنهم من رمى ابن تيمية بالقول به، وجزم بأنه قال: بفناء النار، وقالوا: إنه له اعتقادات فاسدة، وهذا يقوله المتجنون على شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه الذين خالفهم في كثير من مسائل الاعتقاد، وقد ذكر ابن القيم أنه سأل شيخ الإسلام عن مسألة فناء النار، فقال: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ثم ذكر فيها القولين، (٢) ولم يذكر عن شيخه أنه ذهب إلى القول بفناء النار خلافا لمن ينسب إليه ذلك. (٣) وقال أفاض شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير القول بدوام الجنة والنار والجواب عما استدل به للقول بفناء النار كقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [هود: ١٠٧]، وقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» [الأنعام: ١٢٨] ذكر هذه المسألة عند هذه الآية في سورة الأنعام من كتابه «دفع إيهام الاضطراب

стр. 312

عن آي الكتاب» (١). وقد أجيب بأجوبة كثيرة عن قوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ» [الأنعام: ١٢٨] وأن المراد بهذا الاستثناء: مكثهم في القبور، أو لبثهم في الدنيا، أو في مواقف القيامة، هذه كلها أقوال ليست بالظاهرة؛ لأن المراد بيان خلودهم بعد ذلك: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» [هود: ١٠٧] وأحسن ما قيل: إن المراد بيان أن بقاءهم إنما هو بمشيئة الله، كما أن بقاء أهل الجنة في الجنة إنما هو بمشيئة الله، فبقاء الرب تعالى ودوام وجوده ذاتي، أما بقاء أهل الجنة أبد الآباد فبإبقائه ومشيئته.

стр. 313

[سبق القدر فيمن يصير إلى الجنة، ومن يصير إلى النار] وقوله: (وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فُرِغَ له وصائر إلى ما خُلِق له) هذا دخول في مسائل متعلقة بالقدر، وقد فرَّق الشيخ الكلام في القدر، كما فرق المسائل المتعلقة بأصول الإيمان؛ فيذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالله، أو الملائكة، أو الرسل، أو باليوم الآخر، وهذه المسائل الآتية متعلقة بالقدر، وبالمسألة التي تقدمت وهي: خلق الجنة والنار يقول: (وأن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق) هذا ظاهر، ولا يريد بالخلق جميع المخلوقات، الظاهر أنه يريد قبل خلق الناس؛ لأن الخلق تارة يطلق على جنس المخلوقات، وتارة يطلق على خصوص المكلفين، ولهذا قال: وخلق لهما أهلا، أي: خلق الجنة والنار، ثم خلق لهما خلقا من الجن والإنس، خلق آدم وحواء، ثم خلق ذريتهما إلى آخر من يشاء الله تعالى خلقه من هذا الجنس البشر، ومن الجن. ويحتمل أن يكون مراده من قوله: (وخلق لهما أهلا) أي: قدَّر لهما أهلا، فـ (خلق) يأتي بمعنى (أوجد) وبمعنى (قدَّر)، والأول أظهر. وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه).

стр. 314

هذا شروع في تقسيم الخلق، وأن الله جعلهم فريقين: سعداء وأشقياء، فمن العباد من خلقه للجنة، وبعمل أهل الجنة يعمل، ومنهم من خلقه للنار، وبعمل أهل النار يعمل، نعوذ بالله من النار. فمن شاء الله له منهم أن يكون من أهل الجنة كان كذلك فضلا من الله ، والله يؤتي فضله من يشاء، ومن شاء الله منهم إلى النار عدلا، فحكمه في عباده دائر بين الفضل والعدل، وهذا المعنى ثناه المؤلف ﵀ فقد تقدم قوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) (١). والله تعالى أعلم بعباده «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلَاً» [الإسراء: ٥٤]، «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلَاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [الحجرات: ٧ - ٨]، «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقَاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمَاً» [النساء: ٦٩ - ٧٠]، «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [إبراهيم: ٤]، هذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، والإيمان بكتابته لمقادير الأشياء في أم الكتاب، والإيمان بعموم مشيئة الله، وأنه لا خروج لشيء عن مشيئته، وأنه تعالى خالق كل شيء، فبفضله تعالى اهتدى المهتدون، وبعدله تعالى ضل الضالون: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ» [الفاتحة: ٥ - ٧] هذا دعاء حقيق بأن نعرف معناه وقدره وضرورتنا إلى مضمونه، «وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [يونس: ٢٥].

стр. 315

فيجب الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل الإيمان بأن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وكتب ذلك، ولهذا لما أخبر الرسول ﷺ بأنه (ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة) (١)، وسئل النبي ﷺ : (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) [الشمس] (٢). والنظر للقدر في أمر الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية من أعظم مداخل الشيطان؛ لأن الشيطان يوسوس ويقول: ما دام الأمر قد مضى وسبق به القدر؛ فإن كنت من أهل الجنة فستكون من أهل الجنة! لا لن تكون من أهل الجنة إلا إذا عملت بسبب دخول الجنة، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فمن سبق علم الله وكتابه بأنه من أهل الجنة، فلا بد أن يقوم به سبب دخولها، وإن لم يقم به سبب دخولها فوالله لا يدخلها، وكل مكلف لا بد أن يقوم بأحد السببين: سبب دخول الجنة أو سبب دخول النار، كما تقدم: (والأعمال بالخواتيم). وقوله: (وكلٌ يعمل لما قد فُرِغَ له، وصائر إلى ما خُلِق له). وكلٌ من المكلفين يعمل لما قد فُرِغَ له منه، و (كُلٌ) التنوين فيها عِوضٌ عن (أحد)، (يعمل لما قد فُرِغَ له) منه (وصائر إلى ما خُلِق له) هذا شرح وتبسيط لما قبله، وهذا معنى قوله ﷺ : (فكل ميسر لما

стр. 316

خلق له) (كل يعمل لما قد فُرِغَ له) منه (وصائر إلى ما خُلِق له) فمن خلق للجنة فصائر إلى الجنة، ومن خلق للنار فصائر إلى النار، ولكن بالأسباب التي جعلها الله لذلك، فالنار أعدها الله للكافرين، ولن يخلد فيها إلا الكافرون، والجنة أعدت للمتقين، ولن يدخلها إلا نفس مؤمنة. والأخذ بالأسباب هو فطرة فطر الله عليها العباد؛ لكن هناك أشياء ما ينظر بعض الناس للقدر فيها: طلب الرزق فهو من جنس ما سبق به القدر من أمر السعادة والشقاوة، أفيقول عاقل: أنا أجلس ولا أطلب الرزق؛ لأنه سيأتيني؟! لا؛ بل إذا أصبح الناس نهضوا وانتشروا يطلبون الرزق. نعم! قد يقوله الكسول تبريرًا لكسله وخموله ودَعَتِه. وكما أنه موجَب العقل والفطرة، فهو أيضا موجَب الشرع، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولَاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» [الملك: ١٥]، «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» [الجمعة: ١٠] فكيف يأتي هذا لأخطر الأشياء ويقول: إذا كنت من أهل الجنة فسأترك العمل! لا والله، من ترك الإيمان والطاعة اتكالا على القدر، علمنا أنه إن مات على ذلك فهو من أهل النار، وكذا من نام عن صلاة الفجر وقال: إن كان كُتب لي أجر فسيجيئني بدون أن أقوم وأصلي! فهل سيكتب له أجر؟! الله سبحانه رتب المسببات على الأسباب، فهناك مسببات لا تكون إلا بأسباب معينة، ولا يمكن تحصيلها إلا بهذا السبب المعين، كالولد، فلا يمكن لأحد أن يُولد له إلا بنكاح ووطء؟! أما الرزق فله أسباب متعددة، وطرق كسب كثيرة، بخلاف الولد؛ فلا يوجد إلا سبب واحد معين.

стр. 317

كذلك الجنة والنار، الجنة لا يمكن دخلوها إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن فقد هذا السبب فإلى الضد والنقيض. نعوذ بالله! فهذه مقامات عظيمة على المسلم أن يلجأ إلى ربه، ويسأله الثبات والتوفيق والهداية، ويُلِحَّ بهذا الدعاء: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» [الفاتحة: ٥]، ويسأل الله حسن الخاتمة: «تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١].

стр. 318

[كل شيء بقدر] وقوله: (والخير والشر مقدران على العباد). هذا مضمونه تقدم (١) في قوله: (القدرُ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) قال النبي ﷺ : (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢) قال تعالى: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، كل ما يجري على العباد من خير ديني أو دنيوي، أو شر ديني أو دنيوي، فهو جار بقدر، ولا خروج لشيء عن القدر، هذا موجب كمالِ مُلك اللهِ وكمالِ قدرته، وعموم مشيئته، فهو الذي يعطي ويمنع، فكل ما لدى العباد من الخير بأنواعه فهو بمنه وبعطائه، وكل ما مُنِعوا فبعدله سبحانه، (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) (٣) وتفصيل ذلك في مثل قوله: «مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [فاطر: ٢]، وقال النبي ﷺ : (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) (٤)، وقال ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله

стр. 319

عليك) (١) لكن كل هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، ولهذا الناس بسبب الجهل، وعدم الاعتصام بهدى الله، اضطربوا؛ فمنهم: من أنكر القدر، ونفى تعلق علم الرب وكتابه ومشيئته بأفعال العباد، وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وآخرون أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه وقدرته. وآخرون أثبتوا القدر وأنكروا الأسباب. ومن عُوفي من هذه الضلالات فليحمد الله. فالذين ينكرون الأسباب يقولون: إذا شربت ورويت؛ فالماء لا له أثر في الري، وأكلك لا له أثر في الشبع، ولكن حين شربتَ وأكلتَ خلقَ اللهُ لك الشبع! والنار إذا أشعلتها في الحطب، فليست هي التي أحرقت الحطب؛ لكن لما جاءت النار عند الحطب خلق الله الإحراق فيها! فيكون قولك: (أحرقتِ النارُ الحطبَ) مجازا لا حقيقة! وإنكار الأسباب قول مشهور عن الأشاعرة (٢).

стр. 320

[أنواع الاستطاعة] وقوله: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الأدوات فهي قَبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إِلَّا وُسْعَهَا» [البقرة: ٢٨٦]). الاستطاعة هي: القدرة، تقول: فلان يقدر على كذا أو لا يقدر، وجاءت النصوص فيها ذكر الاستطاعة، قال : «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦]، «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلَاً» [آل عمران: ٩٧]، وقال ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم) (١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب). (٢) وقال في الكفار: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠]. والاستطاعة نوعان (٣): نوع قبل الفعل. ونوع مع الفعل. فالاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، فإذا لم توجد فلا تكليف، إذ لا واجب مع العجز.
следующие страницы →